0:00
0:00

تفسير سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم

١ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ قال ابن عباس: الخطاب لأهل مكة (١).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أنثها على لفظ النفس وإن عَنَى به مُذَكَّرا كما قال:
أبُوكَ خَلِيفةٌ وَلَدَتْه أُخْرى وأَنْت خَلِيفةٌ ذاكَ الكَماَل (٢)
وعنى بالنفس الواحدة آدم (٣).
(١) لم أجد هذا القول بنصه لابن عباس في تفسير هذه الآية، لكن قال ابن الجوزي: اختلفوا في نزولها على قولين: أحدهما: أنها مكية، رواه عطية عن ابن عباس. والثاني: أنها مدنية، رواه عطاء عن ابن عباس. "زاد المسير" ٢/ ١، وقد ذهب كثير من العلماء والمفسرين -ومنهم ابن عباس- إلى أن كل شيء نزل فيه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فهو بمكة، وكل شيء نزل فيه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو بالمدينة. انظر "البرهان" ١/ ١٨٩، ١٩٠. فلعل المؤلف ساق هذا الرأي لابن عباس بمعناه. هذا وقد رجح المحققون من العلماء أن سورة النساء مدنية. انظر "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ١، "الإتقان" ١/ ١٦، ٢٢. قال القرطبي: ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها. وأما من قال: إن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مكي حيث وقع فليس بصحيح فإن البقرة مدنية وفيها قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ في موضعين، والله أعلم.
(٢) لم أعرف قائله، وهو غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٠٨، "تفسير الطبري" ٤/ ٢٢٤، "لسان العرب" (خلف) ٢/ ١٢٣٥. والشاهد من البيت أن التأنيث يقع على اللفظ. قال الفراء: فقال (أخرى) لتأنيث اسم الخليفة، والوجه أن يقول: ولده آخر. "معاني القرآن" ١/ ٢٠٨.
(٣) هذا تفسير ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، وهو ظاهر. انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٢٤، "تفسير البغوي" ٢/ ١٥٩، "الدر المنثور" ٢/ ٢٠٦.
وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ حواء (١)، خلقت من (ضلع (٢) من أضلاع آدم، ولذلك قال النبي - ﷺ -: "إن المرأة خلقت من ضلع، فإن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها" (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾ يريد فرّق ونشر (٤). قال ابن المُظَفَّر (٥): البث تفريقك الأشياء، يقال بثّوا الخيلَ في الغارة، وبثّ الصياد كِلابه، وخلق الله الخلق فبثّهم في الأرض، بثث البسط إذا نشرتها (٦)، قال الله تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ (٧) [الغاشية: ١٦].
قال الفراء، والزجاج: وبعض العرب يقول أَبَثّ (٨) الله الخلق. وبثّ الحديث إذا نشره وأفشاه، وكذلك أبثه (٩)، قال ذو الرمّة:
(١) عن مجاهد وقتادة والسدي وغيرهم. انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٢٤، والبغوي ٢/ ١٥٩، و"ابن كثير" ١/ ٤٨٧، و"الدر المنثور" ٢/ ٢٠٦.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (د).
(٣) أخرجه البخاري (٣٣٣١) بنحوه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في كتاب الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته (٦٣٥)، ولفظه: "استوصوا بالنساء فإن المرأة خُلِقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء". ومسلم (١٤٦٨) كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء.
(٤) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (١١١)، "تفسير الطبري" ٤/ ٢٢٥.
(٥) يعني الليث كما في "تهذيب اللغة" ١/ ٢٧٣ (بثث). وكلما أتى بهذه الكنية فأنما يعني: الليث. وتقدمت ترجمته ضمن مصادر الواحدي.
(٦) في "التهذيب" ومثبت البسط إذا بسطت.
(٧) انتهى من "تهذيب اللغة" ١/ ٢٧٣ بتصرف، وانظر: "مقاييس اللغة" ٨٦ - ٨٧ (بث).
(٨) عند الفراء والزجاج: (بث).
(٩) "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٥٢ بنصه، "معاني الزجاج" ٣/ ٥ بتصرف.
وأُسْقيِه حتَّى كَادَ مما أَبثُّه تُكَلِّمُني أَحْجَارُه وَملاعِبُه (١)
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ قُرئ (تساءلون) بالتخفيف والتشديد (٢)؛ فمن شدّد أراد: تتساءلون، فأدغَم التاء في السين لاجتماعهما في أنهما من حروف طرفِ اللسان وأصول الثنايا واجتماعِهما في الهمس.
ومن خفف، حذف تاء تتفاعلون لاجتماع حروف متقاربة فأعلَّها بالحَذْف، كما أعلَّ الأول بالإدغام (٣)، وإذا اجتمعت المتقاربة خففت بالحذف أو بالإدغام أو بالإبدال (٤)، (فالحذف والإدغام، كالقراءتين في
(١) البيت في "ديوان ذي الرمة" بشرح الباهلي ٢/ ٨٢١، "الكتاب" ٤/ ٥٩، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٩٠٨ (شكا)، "اللسان" ٤/ ٢٣١٤، وفيهما: وأشكيه بدل: وأسقيه. انظر "معجم شواهد العربية" ص ٤٢٣. وهذا البيت ثاني بيت في القصيدة هو كما في الديوان والكتاب:
وقفتُ على رَبعٍ لمَيَّة ناقتي فما زِلتُ أبكي عنده وأخاطبُه
قال الباهلي: قوله: أبثه أي أُخْبِره بكل ما في نفسي، وقوله: وأسقِيه أي أدعو له بالسقيا، وملاعبُه مواضيع يلعب بها. واستشهد به المؤلف على أن أبث يأتي بمعنى: أفشى ونشر.
(٢) قراءة التخفيف (تساءلون) خفيفة السين لعاصم وحمزة والكسائي وخلف، وقراءة التشديد (تساءلون) مشددة السين لأبي عمرو ونافع وابن كثيرِ وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب. انظر: "السبعة" ص ٢٢٦، "الحجة" ٣/ ١١٨، "المبسوط" ص ١٥٣، "النشر" ٢/ ٢٤٧، "البدور الزاهرة" (٩٣). وتوجيه المؤلف للقراءة بعد ذلك من "الحجة" لأبي علي الفارسي.
(٣) انظر: "الحجة في القراءات السبعة" لابن خالويه ص ١١٨، "حجة القراءات" ص ١٨٨، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" لمكي ١/ ٣٧٥.
(٤) في "الحجة": أو الإدغام والإبدال.
هذا الحرف) (١). والإبدال كقولهم: طست (للطس) (٢) أُبدِلَ من السين الثانية التاء لتقاربهما، قال العجَّاج:
أَإِنْ رأيتِ (هَامَتِي) (٣) كالطَّسْتِ (٤)
وأنشد المازني في الطسّ:
لو عَرَضَت لأَيْبُلِي قَسّ أشعثَ في هيكلِه مُنْدَسّ
حَنَّ إِلَيهَا كحَنِين الطَّسّ (٥)
ومعنى: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ أي تتساءلون فيما بينكم حوائجكم
(١) ما بين القوسين ليس في "الحجة".
(٢) هذه الكلمات ليست في "الحجة"، ويبدو أنها ساقطة.
(٣) في (ب): (متى) ولعله تحريف.
(٤) نسبه المؤلف للعجاج تبعًا لأبي علي في "الحجة" ٣/ ١٢٠، والواقع أنه ليس له وإنما هو لابنه رؤبة كما في ديوانه في "مجمع أشعار العرب" ص ٢٣، وهو عجز بيت صدره:
ويحكِ إن أسلم فأنتِ أنتِ
والطست: من آنية الصفر. "اللسان" ٥/ ٢٦٧٠ (طست).
(٥) إلى هنا انتهى أخذ المؤلف من "الحجة" ٣/ ١١٨ - ١٢٠. والرجز في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢١٩١ (طس)، "سر صناعة الإعراب" ١/ ١٥٦، "اللسان" ٥/ ٢٦٧١ (طس) بدون نسبة، ونسبه أبو حيان للعجاج في "البحر المحيط" ٣/ ١٥٦، لكن في "البحر": لأسقُفي بدل: لأيبُلي، ولم أجده في "ديوانه". والأيبلي والأيبل هو الراهب عند النصارى أو صاحب الناقوس الذي يدعوهم به إلى الصلاة. والقس هو القسيس رئيس من رؤساء النصارى، والهيكل معبدٌ للنصارى فيه صنم على سورة مريم وعيسى -عليهما السلام- فيما يزعمون، ومُنَدسّ أي داخلٌ ومختفي، والحنين الشديد من البكاء والطرب، والطس والطسة لغة في الطست. انظر "اللسان" ٣/ ١٣٧٢ - ١٣٧٣، ٥/ ٢٦٧١ (طسس)، ١/ ١١ (أبل)، ٨/ ١٦٨١ (هكل)،٢/ ١٠٢٩ (حنن).
وحقوقكم به فتقولون: أسألُك بالله والرحِم، وأنشدك اللهَ والرحم (١).
قال ابن عباس: يريدون أن أهل مكة لم يكونوا يؤمنون بالبَعْث، وكانوا يتواصلون بالأرحام، فإذا ناشد الرجلُ الرجلَ، قال: أنشدك الله والرحم، وكذلك كان يكتب المشركون إلى رسول الله - ﷺ -: نناشدك الله والرحم (إلَّا) (٢) بعثت إلينا فلانًا وفلانًا (٣).
وعلى هذا التفسير انتصب ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالعطف على موضع ﴿بِهِ﴾، كأنه قيل: وتذكرون الأرحامَ؛ لأن معنى ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾: تذكرونه في سؤالكم ومناشدتكم، فالأرحام عطف على موضع الجار والمجرور.
قال أبو علي (٤) وعلي بن عيسى (٥): ويكون كقوله:
(١) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٢٦، "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ٦.
(٢) في (د): (أن لا).
(٣) لم أقف له على تخريجٍ في تفسير هذه الآية عن ابن عباس.
(٤) ما نسبه المؤلف إلى أبي علي أحد الوجهين الذين ذكرهما في نصب الأرحام، والوجه الآخر أن يكون معطوفًا على قوله: ﴿وَاتَّقُوا﴾، التقدير: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾، واتقوا الأرحام أي اتقوا حقَّ الأرحام فصلوها ولا تقطعوها. "الحجة" ٣/ ١٢١. وسيأتي نحوه عند المصنف قريبًا.
(٥) لعله أبو الحسن علي بن عيسى بن علي بن عبد الله الرماني النحوي، وهو إمام في اللغة والنحو، صنف كتبًا كثيرة منها: "شرح كتاب سيبويه"، "معاني الحروف". وكان متهمًا بالاعتزال. توفي سنة ٣٨٤ هـ
انظر: "سير أعلام النبلاء" ١٦/ ٣٥٥، "البلغة" ص ١٥٤، "بغية الوعاة" ٢/ ١٨٠، ولم أقف على قوله.
فَلَسْنَا بِالجِبَالِ وَلا الحَديدَا (١)
وقال أكثر المفسرين: معنى ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها. قاله: قتادة (٢)، ومجاهد، والسدي، والضحاك، وابن زيد (٣) والربيع (٤) (٥)، والفراء (٦)، والزجاج (٧).
(١) عجز بيتٍ صدره:
معاويَ إننا بشرٌ فأسجِحْ
ومعنى أسجح: سهل علينا حتى نصبر، "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي ١/ ٣٠١.
وقد نسب هذا البيت إلى عُقَيبة بن هبيرة الأسدي كما نسب إلى عبد الله ابن الزبير وهو من "شواهد الكتاب" ١/ ٦٧، ٢/ ٢٩٢، ٣٤٤، ٣/ ٩١٢، "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٣٤٨، "المقتضب" ٢/ ٣٣٧، ٤/ ١١٢، ٣٧١، "الجمل" للزجاجي ص ٥٥، "الإنصاف" للأنباري ص ٢٨٤. وقد استشهد به المؤلف عند تفسير البسملة في أول الكتاب.
والشاهد منه نصبه الحديدا عطفًا على موضع المجرور بالجبال، وقد أنكر بعضهم على سيبويه استشهاده بهذا البيت لأنه من قصيدة القافية فيها مجرورة، لكن رد ذلك السيرافي بأن البيت له روايتان النصب والبحر، وكل رواية في قصيدةٍ مشاكلةٍ لها. انظر "شرح السيرافي" ١/ ٣٠٠ - ٣٠٣.
(٢) هو أبو الخطاب، قَتادة بن دِعَامة السّدوسِي الشيباني، ولد سنة ٦٠ وهو أعمى، وعني بالعلم حتى صار من حفاظ التابعين وأعلمهم بالقرآن والسنة وهو من أخص تلامذة ابن عباس، توفي -رحمه الله- سنة ١١٧ هـ، وقيل بعدها. انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص ٩٦، "وفيات الأعيان" ٤/ ٨٥.
(٣) هو عبد الرحمن بن زَيد بن أَسْلم العَمري.
(٤) هو الرَّبِيع بن أنس البّكري، تقدم.
(٥) أخرج أقوالهم: ابن جرير ٤/ ٢٢٧ - ٢٢٨ انظر: "زاد المسير" ٢/ ٣، و"ابن كثير" ١/ ٤٨٧.
(٦) "معاني القرآن" ١/ ٢٥٢.
(٧) "معاني القرآن" ٢/ ٦.
وعلى هذا التفسير انتصب الأرحام بالعطف على قوله أي: اتقوا اللهَ واتقوا الأرحامَ، أي: اتقوا حقَّ الأرحام فصلوها ولا تقطعوها (١).
ويجوز على هذا التفسير أنْ يكون منصوبًا بالإغراء، أي: والأرحام فاحفظوها وصلوها، كقولك: الأسدَ الأسدَ (٢)
وهذا التفسير يدل على تحريم قطيعة الرحم، وينبئ بوجوب صلتها. وقرأ حمزة ﴿والأرحامِ﴾ جرًا (٣) بالعطف على المَكْنِيّ في ﴿بِهِ﴾ كما يقال: سألتك باللهِ والرحمِ، ونشدتك باللهِ والرحم، وإنما حَملَه على هذه القراءة ما ورد في التفسير أن المشركين كانوا يقولون: نناشدك بالله والرحم، ونسألك بالله والرحم إلّا فعلت كذا (٤).
وضعف النحويون كلُّهم هذه القراءة واستقبحوها (٥)، فقال أبو علي (٦): هذا ضعيف في القياس قليل في الاستعمال، وما كان كذلك فَتركُ الأخذ به أحسن (٧)؛ وضعفه أنَّ المشاكلة تُراعَى في باب العطف حتى
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٥٢، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٩٠، "الحجة" ٣/ ١٢١.
(٢) القول بنصب ﴿الأرحامَ﴾ على الإغراء لم أره عند غير المؤلف.
(٣) هذه القراءة لحمزة وحده من العشرة، انظر "السبعة" ص ٢٢٦، "المبسوط" ص ١٥٣، "الحجة" ٣/ ١٢١، "النشر" ٢/ ٢٤٧، "البدور الزاهرة" ص ٩٣.
(٤) انظر:"معاني القرآن" ١/ ٢٥٢.
(٥) انظر: "معاني الفراء" ١/ ٢٥٢، "معاني الأخفش" ١/ ٤٣٠، "تفسير الطبري" ٤/ ٢٢٦، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٩١، "معاني الزجاج" ٢/ ٦، "الإنصاف" ٣٧٣ - ٣٧٩، "إملاء ما من به الرحمن" بهامش الفتوحات الإلهية ٢/ ١٨٢، "البحر المحيط" ٣/ ١٥٨، "الدر المصون" ٣/ ٥٥٤.
(٦) في "الحجة" ٣/ ١٢١.
(٧) إلى هنا نص كلامه أبي علي، وما بعده إلى قوله: قال: ويدلك.. بمعناه. انظر "الحجة" ٣/ ١٢١، ١٢٢.
يعطف الشك على الشكلِ، والمعطوف ينبغي أنْ يكون مُشاكلًا للمعطوف عليه، والمضمرُ المجرور قد خرج عن شبه الاسم وصار بمنزلة الحرف بدلالة أنه لا ينفصل، وذلك أن الكاف والهاء في قولك: (بِهِ وبِكَ) (١) (ألا) (٢) ترى واحدًا منهما منفصلًا عن الجار، فصار كالتنوين؛ فلأن المضمر المجرور أيضا قد صار عِوَضًا من التنوين إذا اتصل باسمٍ، نحو: غلامك، وغلامه، وغلامي، وأيضًا فإنه على حرف كما أن التنوين على حرف.
قال (٣): ويدلك على أنه قد جرى عندهم مجرى التنوين حذفهم الياء من المُنَادَى المضاف (٤) (في الاختيار) (٥) كحذفهم التنوين (من المفرد) (٦) وذلك قولهم: يا غلام، وهو أكثر في الاستعمال (٧) من: يا غلامي، فشابه المضمرُ المجرور التنوينُ من هذه الوجوه. وإذا كان كذلك خرج عن حدّ الاسم وصار بمنزلة الحرف، فلم يعطف على المضمر المجرور لخروج المعطوف عليه عن شَبَه الاسم إلى شبَه الحرف، وقد ذكرنا شأن التشاكل، يُرَاعى في باب العطف فلا يُعطف الاسم على الحرف.
وقال الزجاج (٨): إجماع النحويين أنه يقبح أن يُنْسقَ باسمٍ ظاهر على اسم مُضمَر في حال الخفض إلا بإظهار الخافض (٩)، كقوله تعالى: {فَخَسَفْنَا
(١) في (د): (بك وبه).
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لا وليس ألا.
(٣) أي: أبو على.
(٤) في "الحجة" المضاف إليه.
(٥) ليس في "الحجة".
(٦) ليس في "الحجة".
(٧) انتهى كلام أبي علي من "الحجة" ٣/ ١٢١، ١٢٢.
(٨) في "معاني القرآن" ٢/ ٦.
(٩) دعوى الإجماع فيها نظر، لأن ذلك رأي البصريين وأنه لا يجوز إلا في الشعر، =
بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} [القصص: ٨١] (١)، ويستقبح النحويون: مررت به وزيد (٢)، لأن المكني المخفوض حرف متصل غير منفصل، فكأنه كالتنوين في الاسم، فقبح أن (يعطف) (٣) باسم يقوم بنفسه على اسم لا يقوم بنفسه. هذا كلامه (٤). وقد ذكر أبو علي وجه الشبه بينهما كما حكينا.
وقال علي بن عيسى (٥): ومما يزيد هذا الفصل بيانًا أنهم لم يستحسنوا عطف الظاهر المرفوع على المضمر المرفوع حتى يؤكد، فينفع (٦) العطف في اللفظ على المضمر المنفصل الذي يجري مَجرى الأجنبي، وذلك نحو: اذهب وزيد، وذهبت وزيد، لا يستحسنون ذلك حتى يؤكدوه، فيقولوا: اذهب أنت وزيد، وذهبت أنا وزيد (٧)؛ لأنه لما اختلط الاسم بالفعل حتى صار كبعض أجزائه لوقوع إعرابه بعده في نحو: تفعلين، وتفعلان، وتفعلون، ولإسكانهم الآخر منه إذا اتصل بالضمير مع تحريكهم نحو:
= وأما الكوفيون فقد أجازوا ذلك. انظر "المقتضب" ٤/ ١٥٢، "الأصول في النحو" ٢/ ٧٩، "الإنصاف" ص٣٧١، "شذور الذهب" ص ٥٣٣.
(١) هذا الشاهد القرآني ليس في "معاني الزجاج".
(٢) بعد هذا المقال كلام للزجاج هو: وبك وزيد، إلا مع إظهار الخافض، حتى يقولوا: بك وبزيد، فقال بعضهم: لأن المخفوض... "معاني الزجاج" ٢/ ٦.
(٣) ليس في (د).
(٤) "معاني الزجاج" ٢/ ٦ بتصرف.
(٥) هذا الكلام في "الحجة" ٣/ ١٢٥، لكن دون نسبة إلى علي بن عيسى هذا، وعلي هذا لعله الرماني وقد تقدمت ترجمته.
(٦) في "الحجة": فيقع.
(٧) هذا عند البصريين، لكن إذا طال الكلام حسن حذف التوكيد، أما الكوفيون فلا قُبْح في الحالين. انظر "المقتضب" ٣/ ٢١٠، ٢٧٩، "الإنصاف" ص٣٨٠ - ٣٨١، "شذور الذهب" ص ٥٣١ - ٥٣٢.
(عَلَيْطٍ) (١)، (لم يستجيزوا العطف عليه إلا بالتأكيد) (٢) ليقع العطف عليه في اللفظ، فلا يكون كأنه عطف اسمًا على فِعل (٣)، كما يصير في المجرور، كأنه عطف اسمًا على تنوين (٤). وإذا ضَعُف في المرفوع مع أن له ضميرًا منفصلًا نحو: أنت وهو، امتنع في المجرور؛ لأن المضمَر المجرور لا منفصل له، وليس بعد الضعف إلا الامتناع.
فأما الضمير المنصوب نحو: ضربته، لا يستقبح العطف عليه؛ لأنه ظاهر لم يختلط بالفعل حتى صار كبعض أجزائه، كضمير المرفوع، ولا يقوم مقام التنوين في موضع ما كضمير المجرور، وذلك أن ضمير المنصوب لا يتصل إلا بالفعل نحو: منعته وقتلته، ولا ينون الفعل قط.
وضمير المجرور إما أن يَتَّصل باسمٍ فيقوم فيه مقام التنوين، أو بحرفٍ نحو: به وبك، واتصالُه بالحرف كاتصالهِ بالاسم، ألا ترى أنه لا ينفصل من الاسم، ولا يفصل بينهما كما يفصل بين الجار والمجرور الظاهر في باب المضاف والمضاف إليه نحو:
كأن أصواتَ -مِن إِيغالِهِنَّ بنا- أَوَاخِرِ المَيْس إِنْقَاض الفَراريجِ (٥)
وإِذا اتّصلَ بالحرف لم ينفَصِل منه ولم يُفصل أيضًا بينهما بشيء، فلا فصل إذًا بين اتصاله بالاسم وبين اتصاله بالحرف.
(١) في (د): (غليط)، بإعجام الغين.
(٢) في "الحجة" لم يستجيزوا العطف عليه في حال السعة إلا بالتأكيد.
(٣) انظر: "الإنصاف" ص ٣٨١.
(٤) إلى هنا نفس الكلام في "الحجة" ٣/ ١٢٥، وما بعده يحتمل أن يكون من زيادة المؤلف.
(٥) البيت لذي الرمة: "ديوانه" ص ٧٦، وهو من شواهد سيبويه ١/ ١٧٩، ٢/ ١٦٦، ٢٨٠، "المقتضب" ٤/ ٣٧٦، والأزهري في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٦٤٨ (نقض)، =
ولأبي عثمان المازني (١) تفسير لهذا الفصل مُقنع، وهو أنه قال: الثاني في العطف شريكٌ للأول، فإنْ كان الأول يصلح أَنْ يكون شريكًا الثاني وإلا لم يصلح أَنْ يكون الثاني شريكًا له. (بيان هذا أنك لا تقول) (٢): مررت بزيدٍ وبك كذلك لا تقول: مررت بك وزيد.
وقال سيبويه: لا يجوز عطف الظاهر على المكني المخفوض من غير إعادة الخافض إلا في ضرورة الشعر (٣)، وأنشد:
فاليَومَ قرَّبت تهجُونا وتشتُمُنا فاذْهَب فَمَا بِكَ والأيامِ من عَجَبِ (٤)
وأنشد الفراء أيضًا:
= "سر صناعة الإعراب" ١/ ١٠، "اللسان" ٨/ ٤٥٢٥ (نفض).
قال الأزهري: وفي تقديم وتأخير، أراد كأن أصوات أواخر الميس إنقاض الفراريج من إيغال الرواحل بنا، أي من إسراعها السير بنا. والفراريج جمع فروج وهو الفتيّ من ولد الدجاج. "اللسان" ٦/ ٣٣٧١ (فرج)، وإنقاضها أصواتها، ففي "سر صناعة الإعراب" أصوات الفراريج وبين ابن جني فيه أن الميس خشب الرحل. والشاهد منه أنه فصل بين المضاف أصوات والمضاف إليه أواخر.
(١) من "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ٦.
(٢) في "معاني الزجاج" قال: فكما لا تقول....
(٣) معنى كلام سيبويه. انظر "الكتاب" ٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣.
(٤) الظاهر أن هذا البيت من الأبيات الخمسين عند سيبويه التي لم يُعرف لها قائل. انظر: "الكتاب" ٢/ ٣٨٣، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٩٠، "الإنصاف" ص ٣٧٧. وقد استشهد بالبيت الزجاج في "معاني القرآن" ٢/ ٧، وقال محققه: البيت للأعشى وينسب لعمرو بن معد يكرب، ولم أجده في ديوان الأعشى. قال عبد السلام هارون في تحقيقه للكتاب: قرَّبت: أخذت وشرهت. يقول: إن هِجاءك الناس وشتمَهم صار أمرًا معروفًا لا يتعجب منه. كما لا يتعجب الناس من فعل الدهر. والشاهد فيه أنه عطف الأيام على الكاف الخطاب دون إعادة حرف الجر.
نُعَلِّقُ في مثلِ السَّواري سيوفَنَا وما بَينَها والكَعْبِ غَوطٌ نَفَانِفُ (١)
قال أبو إسحاق (٢): وقراءة حمزة مع ضَعفِها وقُبحِها في العربية خطأ في أمر الدين عظيم؛ لأن النبي - ﷺ - قال: "لا تحلفوا بآبائكم (٣) فكيف يكون: تتساءلون بالله (والرحم)؟ (٤) (٥).
يعني أن الحَلِفَ بغير الله لا يجوز، وإذا عطفت الأرحام (كالمَكْنِيّ) (٦) عن اسم الله أوجب جواز الحَلِف بالأرحامِ، وذلك غير جائز.
(١) "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٥٣. والبيت نسبه الجاحظ في "الحيوان" ٦/ ٤٩٤ لمسكين الدارمي، وانظر "الإنصاف" ص ٣٧٨، "معجم شواهد العربية" ص ٢٣٧. واختلفت الروايات لأول البيت بين نُعَلِّق بالنون والبناء للمعلوم فيكون سيوفَنا منصوبًا على أنه مفعول به، وبين تُعَلَّق بالتاء والبناء للمفعول ويكون سيوفُنا مرفوعًا على أنه نائب فاعل. كما أن قافيته جاءت على روايتين: نفانف، وتنائف. قال عبد السلام هارون في شرحه للحيوان: مثل السواري، عنى بها أعناق الرجال. والسارية: الأسطوانة من أساطين البيوت ونحوها. التنائف جمع تنوفة وهي المفازة، وهذه مبالغة ظاهرة أن يجعل ما بين أعناقهم وكعوبهم تنائف. والشاهد منه أنه عطف الكعب على الضمير في بينها دون إعادة الخافض.
(٢) أي الزجاج في "معاني القرآن" ٢/ ٦.
(٣) طرف حديث أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- رقم (٢١٠١) كتاب الكفارات، باب: من حُلِف له بالله فليرض ١/ ٦٧٩، والحاكم في كتاب الأيمان من "مستدركه" ١/ ٥٢، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير" ٦/ ١٣٦ (٧٢٤٧). كما أخرجه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أبو داود (٣٢٤٧) في الأيمان والنذور، باب: في كراهية الحلف بالآباء، والنسائي ٧/ ٥ في الأيمان والنذور، باب: الحلف بالأمهات ٧/ ٥، وابن حبان ١٠/ ١٩٩ رقم (٤٣٥٧)
(٤) في (أ): (والأرحام)، وما أثبته هو الموافق لما في "معاني الزجاج" إلا أن فيه: وبالرحم.
(٥) انتهى من "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ٦.
(٦) هكذا فى (أ)، و (د)، ولعل الصواب: على المكنى.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. الرقيب: الحافظ، يقال: رَقَبَ يرقُبُ رِقْبَةً وُرقُوبا (١). ومعناه: أنه يرقُب عليكم أعمالكم فاتقوه فيما نهاكم.
٢ - قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾. قال المفسرون: الخطاب للأوصياء وأولياء اليتامى (٢). أي أعطوهم أموالهم. وإنما يُعطى إذا بلغ، ولا يُتْمَ بعد البلوغ (٣)، ولكن قد يُستَصحب الاسم وإن زال معناه، كقوله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦)﴾ [الشعراء: ٤٦]، أي: الذين كانوا سحرة قبل السجود. وقد كان يقال للنبي - ﷺ - يتيمُ أبي طَالِب (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾.
يقال: تبدل الشيء بالشيء إذا أخذه مكانَه (٥)، قال العجّاج:
مَن إِنْ تَبَدَّلتُ بِلادِي آدُر (٦)
قال أكثر المفسرين: كان ولي اليتيم يأخذ الجيّد من ماله ويجعل
(١) انظر: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٤٤٨ (رقب)، "مقاييس اللغة" ٢/ ٤٢٧ (رقب) والمصدر فيهما: رُقْبانًا.
(٢) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٢٨، "تفسير البغوي" ٢/ ١٥٩.
(٣) اليتيم هو الذي مات أبوه ويسمى بذلك حتى يبلغ فإذا بلغ زال عنه اسم اليتيم. هذا من ناحية الأحكام الشرعية، أما من الناحية اللغوية فيبقى الاسم لمن مات أبوه وإن كان بالغًا، لأن اليتيم لغة مأخوذ من الانفراد ومنه الدرة اليتيمة: أي المنفردة. انظر "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٩٧٣، ٣٤٠ (يتم).
(٤) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٧، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٩٧٣ (يتم)، "تفسير القرطبي" ٥/ ٨، ٩، والمقصود أنه كان يقال ذلك بعدما كبر - ﷺ -.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٢٩٤ (بدل).
(٦) لم أجده في "ديوان العجاج" برواية الأصمعي وشرحه.
مكانَه الرديء، بجعل الزائف بدل الجيد، والمهزول بدل السمين، فنهى الله تعالى عن ذلك (١).
قال مجاهد وبَاذَان (٢): أي: لا تجعل بدل رِزقك الحلال حرامًا تتعجّله، فتأخذه عن مال اليتيم (٣).
ومعنى هذا ما قال الفراء والزجاج: يقول: لا تأكلوا أموالَ اليتامى بدل أموالكم، وأموالهُم عليكم حرام، وأموالكم حلال (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾. قال أكثر المفسرين: لا (تضيفوا) (٥) أموالهم في الأكل إلى أموالكم، إن احتجتم إليها فليس لكم أن تأكلوها مع أموالكم (٦).
قال عطاء: يريد تَربَح على يتيمك، بأن يَهوَى دابة عندك أو ثوبًا فتبيعه منه بأكثر من ثمنه، وهو غِرّ (٧) صغير السن (٨).
(١) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٢٩ - ٢٣٠، "زاد المسير" ٢/ ٥، "تفسير ابن كثير" ١/ ٤٨٧، "الدر المنثور" ٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨.
(٢) باذان ويقال: باذام -بالميم- هو أبو صالح مولى أم هانىء، تقدمت ترجمته.
(٣) في "تفسير مجاهد" ١/ ١٤٣ يقول: لا تتبدلوا الحرام من أموال اليتامى بالحال من أموالكم.
وأخرج الأثر عن مجاهد وباذان (أبي صالح) ابن جرير في "تفسيره" ٤/ ٢٣١ بنحوه، انظر "الكشف والبيان" ٤/ ٤ ب، "تفسير القرطبي" ٥/ ٩، "الدر المنثور" ٢/ ٢٠٨.
(٤) هذا نص كلام الفراء في "معاني القرآن" ١/ ٢٥٣، ونحو كلام الزجاج في "معانيه" ٢/ ٧.
(٥) في (د): (تضيعوا) بالعين.
(٦) نص كلام الزجاج في "معانيه" ٢/ ٧، وانظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١١١، "تفسير الطبري" ٤/ ٢٣٠.
(٧) كأنها في النسختين: (عن) والمُرجَّح ما أثبته لما عند الثعلبي في الحاشية التالية.
(٨) من "الكشف والبيان" ٤/ ٤ ب بتصرف، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٥، "القرطبي" ٥/ ١٠.
وهذا الذي ذكره عطاء هو نوع من أكل مال اليتيِم، ولا يجوز ذلك بأي وجهٍ كان.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] الكناية تعود إلى الأكل، ودل (تأكلوا) على المصدر (١). والحُوب الإثم الكبير، وكذلك الحَوب والحَاب، ثلاث لغات في الاسم والمصدر، يقال: حَاب يحُوب حُوبا، وحَوبا وحَابًا وحيابًة، إذا أَثِم (٢).
قال الفراء: الحُوب لأهل الحجاز، والحَوب لتميم، ومعناهما الإثم (٣).
وقال أمية بن الأسكر الليثي (٤) -وكان ابنه قد هاجر بغير إذنه (٥) -:
وإنَّ مُهَاجِرَينِ تَكنَّفَاهُ غَدَاتَئِذٍ لَقَد خَطِئَا وَحَابَا (٦)
(١) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٣٠، "الدر المصون" ٣/ ٥٥٧.
(٢) انظر: "معاني الفراء" ١/ ٢٥٣، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١١٣، "تفسير ابن جرير" ٤/ ٢٣٠، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٩٢، "مقاييس اللغة" ٢/ ١١٣، "اللسان" ٢/ ١٠٣٦ (حوب).
(٣) ليس في "المعاني"، فقد يكون في كتابه المصادر، وهو مفقود.
(٤) أمية بن حُرثان بن الأسْكَر -بالسين المهملة على الصحيح- الكناني الليثي، شاعر مخضرم، له صحبة، كان سيدًا في قومه، توفي - رضي الله عنه - سنة ٢٠ هـ. انظر: "طبقات فحول الشعراء" ١/ ١٩٠، "الإصابة" ١/ ٦٤ - ٦٥، "الأعلام" ٢/ ٢٢.
(٥) ابن أمية هو كلاب، وقصته أنه خرج وأخٌ له في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وتركا أباهما أمية وهو شيخ كبير وكان لا يصبر عن كلاب، فاشتكى أمية إلى عمر وأنشده قصيدةً كان البيت التالي منها، فكتب عمر إلي سعد بن أبي وقاص أن رحل كلاب ابن أمية فرحله، فلما قدم المدينة جمعه عمر بأبيه فجعل أميهَ يشَمُّ ابنَه ويبكي. انظر: "ذيل الأمالي والنوادر" للقالي ص ١٠٨، ١٠٩، "الإصابة" ١/ ٦٤ - ٦٥.
(٦) البيت في "مجار القرآن" ١/ ١١٣، "تفسير الطبري" ٤/ ٢٣٠، ٧/ ٥٢٩ لكن عجزه في الموضع الأول: لعمر الله قد خطئا وحابا، "ذيل الآمالي والنوادر" ص ١٠٩، =
وحكى الفراء، عن بني أسد أنهم يقولون للقتال: حَائِب (١). وقال النبي - ﷺ -: "رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي" (٢)، قال أبو عبيد (٣): حَوْبتي يعني: المآثم، قال: وكل مأثم حُوب وحَوب، والواحدة حَوبة، ومِن هذا قوله: ألك حوبة؟ قال: نعم (٤).
وهو عندي: كل حرمة تأثم الإنسان بتركها وتضييعها من أُمّ أو أُخت أو بِنت أو غيرهن (٥).
ويقال (٦): تَحوَّب فلان إذا تعبّد، كأنه يُلقي الحُوب عن نفسه بالعبادة، مثل: تأثم (٧).
= وعجزه فيه:
ليترك شيخه خطئا وخابا
"الإصابة" ١/ ٦٥ وجل ألفاظه مغايرة، حيث إنه جاء:
أتاه مهاجران فرنَّخاه عباد الله قد عَقَّا وخَابا
والشاهد: حابا أي أثما.
(١) في "معاني القرآن" ١/ ٢٥٣.
(٢) جزء من دعاء للنبي - ﷺ - في حديث أخرجه أحمد من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- ١/ ٢٢٧، وأبو داود (١٥١٠) كتاب الوتر، باب: ما يقول الرجل إذا سَلَّم، والترمذي (٣٥٥١) كتاب الدعوات، باب: في دعاء النبي - ﷺ -
(٣) في "غريب الحديث" ١/ ٢٢٠ وقد أخذ عنه المؤلف بتصرف.
(٤) جزء من حديث اختصره المؤلف وسياق أبي عبيد: أن رجلًا أتى إلى النبي - ﷺ - فقال: إني أتيتك لأجاهد معك. فقال: "ألك حوبة؟ " فقال: نعم. قال: "ففيها فجاهد". يُروى عن أشعث ابن عبد الرحمن عن الحسن يرفعه. "غريب الحديث" ١/ ٢٢٠. ولم أقف على هذا الحديث في دواوين السنة.
(٥) "غريب الحديث" ١/ ٢٢٠، ٢٢١ بتصرف.
(٦) الظاهر أنه من قول أبي عبيد، وليس في "غريب الحديث" وإنما في "تهذيب اللغة" ١/ ٦٩٠ (حاب)، وفي "الغريب" ١/ ٢٢١: وقد يكون التحوب التعبد والتجنب للمأثم.
(٧) انتهى أخذه عن أبي عبيد، وانظر "تهذيب اللغة" ١/ ٦٩٠ - ٦٩١ (حاب).
قال الكُميت:
وصُبَّ له شَولٌ من الماء غَائرٌ (١) به كَفَّ عنه الحِيبَةَ المتَحَوِّبُ (٢)
والحِيبَة ما يُتأثم منه، يصف ذِئبًا سقاه وأطعمه (٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية.
الإقساط: العَدل، يقال أَقسط الرجل إذا عدل (٤)، قال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩].
والقسط: العدل والنصفة (٥)، قال الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥].
قال الزجاجي: وأصل قَسَط وأَقْسَط جميعًا من القِسط، وهو النصيب، فإذا قالوا: قسط بمعنى: جار، أرادوا أنه ظلم صاحبه في قِسطه الذي يصيبه. ألا ترى أنهم قالوا: قاسطته فقسطتُه إذا غلبته على قِسطه، فبني قَسَط على بناء ظلم وجار وعسف وغلب، وإذا قالوا: أقسط، فالمراد به أنه صار ذا قسط وعدل، فبُني على بناء أنصف، إذا أتى بالنَّصف والعدل في قوله، وفعله، وقسمه (٦).
(١) في النسختين: (عابر) بالباء، ولعلها تصحفت عن: غابر.
(٢) البيت في "تهذيب اللغة" ١/ ٦٩١ (حاب)، "اللسان" ٢/ ١٠٣٦. والشَّول: هو الماء القليل. انظر "مقاييس اللغة" ٣/ ٢٣٠. والشاهد: المُتَحوَّب أي المتعبَّد.
(٣) من "تهذيب اللغة" ١٣/ ٦٩١ (حاب).
(٤) انظر: "تفسير الطبري" ٧/ ٥٤١، "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٩٥٩ (قسط).
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٩٥٩، "مقاييس اللغة" ٥/ ٨٥ (قسط).
(٦) الظاهر أن هذا نهاية كلام الزجاجي، ولم أعثر عليه فيما بين يديَ من مصنفاته. انظر "جمهرة اللغة" ٢/ ٨٣٦، "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٩٥٩ (قسط).
واختلف أقوال أهل التأويل في هذه الآية، فرُوي عن عروة أنه قال: قلت لعائشة: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؟ فقالت يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حَجرِ وليّها فيرغب في مالها وجمالها ويريد أن ينكحها بأدنى من صداقها، فنُهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأُمِروا أن يَنكحوا ما سِواهن من النساء (١).
وعلى هذا التفسير تقدير الآية: وإن خفتم ألا تُقسطوا في نكاح اليتامى، أي: الإناث منهم، فحذف المضاف؛ لأن قوله بعد: ﴿فَانْكِحُوا﴾ يدل على النكاح (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ أي: من غيرهن، وذلك أن قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ بعد ذكر خوف الحَرج مِن نِكاح اليتامى، يدل على أن المراد به من غيرهن (٣).
هذا وجه ما رُوي عن عائشة رضي الله عنها في هذه الآية.
وقال ابن عباس في رواية الوالبي (٤) وعطاء، يقول: فكما خِفتم ألا تُقسطوا في اليتامى وَهمَّكم ذلك، فكذلك فخافوا في النساء ألا تعدلوا فيهن ولا تتزوجوا أكثر مما يمكنكم إمساكهن والقيام بحقهن؛ لأن النساء كاليتامى في الضعف، والعجز (٥).
(١) أخرجه البخاري بنحوه (٢٤٩٤) كتاب الشركة، باب: شركة اليتيم وأهل الميراث، ومسلم (٣٠١٣) كتاب التفسير، وعبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١٤٥، والنسائي في "تفسيره" ١/ ٣٦٠، ٣٦١، والطبري ٧/ ٥٣١، وغيرهم.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ٨
(٣) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٣٢، "تفسير البغوي" ٢/ ١٦٠.
(٤) هو أبو الحسن علي بن أبي طلحة، تقدمت ترجمته.
(٥) من "الكشف والبيان" ٤/ ٥ ب، ٦ أ، وأشار الثعلبي إلى أن هذه رواية الوالبي عن =
وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة، والربيع، والضحاك، والسدي (١)، واختيار الفراء (٢).
وشرح ابن قتيبة هذا القول، فقال: المعنى: أن الله -جل وعز- قال لنا: فكما تخافون أن لا تعدلوا بين اليتامى إذا أكلفتموهم (٣)، فخافوا أيضًا أنْ لا تعدلوا بين النساء إذا نكحتموهن، فانكحوا اثنتين، وثلاثًا، وأربعًا، ولا تتجاوزوا ذلك فتعجزوا عن العدل (٤).
وقال ابن عباس: قُصِر الرجالُ على أربع، مِنْ أجل اليتامى (٥).
= ابن عباس، ولم أجد رواية عطاء، وقد أخرجه ابن جرير بمعناه من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في "تفسير الطبري" ٤/ ٢٣٣، وانظر "أسباب النزول" للمؤلف ١٤٦ - ١٤٧، "زاد المسير" ٢/ ٦، "الدر المنثور" ٢/ ٢٠٩.
(١) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٣٣، "الكشف والبيان" ٤/ ٥ ب، ٦ أ، "أسباب النزول" ١٤٦ - ١٤٧، "زاد المسير" ٢/ ٦، "الدر المنثور" ٢/ ٢٠٩.
(٢) انظر: "معاني القرآن" ١/ ٢٥٣، واختار القول أيضًا ابن جرير في "تفسيره" ٤/ ٢٣٣.
(٣) هكذا في (أ)، (د) والظاهر أن هذه الكلمة مُصحّفة من (كفلتموهم) بتقديم الفاء على اللام كما عند ابن قتيبة في "مشكل القرآن" ص ٧٢ على أن المعنى يصح على ما هو مذكور في المتن، أي: كلفتم أمرهن والقيام على مصالحهن.
(٤) انتهى من "مشكل القرآن" ص ٧٢، والواقع أن المؤلف حذف جملة مهمة من صدر الكلام وذلك أن ابن قتيبة قال: والمعنى: أن الله تعالى قصر الرجال على أربع نسوة وحرّم عليهم أن ينكحوا أكثر منهن، لأنه لو أباح لهم أن ينكحوا من الحرائر ما أباح من ملك اليمين لم يستطيعوا العدل عليهن بالتسوية بينهن، فقال لنا: فكما تخافون.. إلى آخر ما نقله المؤلف.
(٥) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" من رواية طاوس ٤/ ٢٣٣، وفيه: من أجل أموال اليتامى، والثعلبي ٤/ ٥ ب، وانظر "الدر المنثور" ٢/ ٢٠٩.
وكان (١) العدل في اليتامى شديدًا على كافِلِهم، قصر الرجال على ما بين الواحدة إلى الأربع من النساء، ولم يُطلَق لهم ما فوق ذلك لئلا يميلوا.
وقال مجاهد: معنى الآية: إن تحرجتم من ولاية اليتامى وأموالهم إيمانًا وتصديقًا فكذلك تحرجوا مِن الزنا، فانكحوا النساء الحلال نكاحًا طيبًا ثم بين لهم عددًا محصورًا، وكانوا يتزوجون ما شاءوا من غير عدد (٢)، وهذا القول اختيار الزجاج (٣).
وهذه أوجهٌ صحيحةٌ من التأويل لهذه الآية (٤).
(١) هكذا العبارة، ولعل الصواب: ولما كان العدل..
(٢) الأثر بنحوه في "تفسير مجاهد" ١/ ١٤٤.
وأخرجه ابن جرير ٤/ ٢٣٦، والأثر عنده إلى (نكاحًا طيبًا) وقد أخذه المؤلف من الثعلبي ٤/ ٦ أ، وانظره في: "معاني الزجاج" ٢/ ٨، "معالم التنزيل" ٢/ ١٦١، وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في "الدر المنثور" ٢/ ٢١٠.
(٣) لم أر اختيارًا للزجاج لهذا القول الأخير الذي ذهب إليه مجاهد، وإنما ساق أقوالاً، وذكر هذا القول في مقدمتها. انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٨
(٤) هذا رأي المؤلف، وبعض المفسرين ساق هذه الأقوال دون ترجيح كالزجاج في المصدر السابق، والبغوي في "معالم التنزيل" ١/ ٣٩١، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ١٢، مما يؤيد احتمال الآية لهذه الأوجه. لكن ابن جرير -كما تقدم- اختار القول الثاني حيث قال: وأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بتأويل الآية قول من قال: تأويلها: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساء فلا تنكحوا منهن إلا ما لا تخافون أن تجوروا فيه منهن..
"تفسير الطبري" ٤/ ٢٣٥، وقد علل لاختياره كعادته.
وقوله تعالى: ﴿مَا طَابَ﴾ ولم يقل: (من) الأصل أن (من) لما يعقل، و (ما) لما لا يعقل (١).
ولأهل العربية في هذا قولان: أحدهما: أن (ما) ههنا عبارة عن المصدر، فقال الفراء: معناه فانكحوا الطيب لكم من النساء (٢).
وقال مجاهد: فانكحوا النكاح الذي طاب لكم من النساء (٣).
قال الفراء: وهذا كما تقول في الكلام: خُذ من عبيدي ما شئت، أي: مشيئتك فإن قلت: مَن شئت، فمعناه: خذ الذي شئت (٤).
فعلى هذا (ما طاب) بمنزلة الطيب.
والقول الثاني: أن (ما) و (من) ربما يتعاقبان، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]، وقال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ (٥) [النور: ٤٥].
(١) انظر: "المقتضب" ٣/ ٦٣، ٤/ ٢١٧، "معاني الزجاج" ٢/ ٨، "حروف المعاني" للزجاجي ٥٤، ٥٥، "شرح شذور الذهب" ١٨٩ - ١٩٠.
(٢) هذا مُؤدَّى رأي الفراء، وليس بنصه. انظر: "معاني الفراء" ١/ ٢٥٣، ٢٥٤.
(٣) الذي ظهر لي أن هذا معنى كلام مجاهد في الأثر المتقدم عنه قريبًا ص ٨٨ من قوله: (فانكحوا النساء الحلال نكاحا طيبا) لأني لم أجد له هذا الكلام الذي أورده المؤلف هنا بنصه، وانظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٣٦ - ٢٣٧ ففيه ما يؤيد أن هذا معنى كلامه.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٥٤ - بتصرف-، وانظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٣٦ - ٢٣٧، "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ٨، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٣٤.
(٥) انظر: "المقتضب" ٤/ ١٨٥، ٢١٨، "معالم التنزيل" ١/ ١٦١، "الإملاء بهامش الفتوحات" ٢/ ١٨٥، "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ١٢، "الدر المصون" ٣/ ٥٦١. وقال أبو حيان في "البحر المحيط" ٣/ ١٦٢: وقرأ ابن أبي عبلة (من طاب) وقرأ الجمهور (ما طاب) فقيل (ما) بمعنى من، وهذا مذهب من يُجَوَّز وقوعَ ما على أحاد العقلاء، وهو مرجوح.
وحكى أبو عَمْرو بن العلاء (١)، عن العرب: سبحان ما سبح له الرعد (٢).
ومعنى قوله (طاب) أي: حلّ (٣)، وإنما أباح النكاح من اللاتي تحل دون المحرمات اللواتي ذُكِرن في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى آخر الآية (٤).
وقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. بدل مما طاب، ومعناه: اثنتَين، وثلاثًا (ثلاثًا (٥)) وأربعًا (أربعًا) (٦).
قال أبو إسحاق (٧): إلا أنه لم ينصرف لجهتين لا أعلم أحدًا من النحويين ذكرهما؛ وهي أنه اجتمع فيه علتان: أنه معدول عن اثنتين اثنتين (٨) وثلاث ثلاث، وأنه عُدِل عن تأنيث.
قال أصحابنا (٩): إنه اجتمع علتان: أنه عَدْل (١٠)، وأنه نكرة، والنكرة أصل الأشياء (١١)، وهذا (١٢) كان ينبغي أن يخفّفه (١٣)؛ لأنّ النكرة
(١) هو زبان بن العلاء بن عمار التميمي البصري أحد القراء السبعة، تقدمت ترجمته.
(٢) من "الكشف والبيان" ٤/ ٦ ب. وقد نسب المبرد فى "المقتضب" ٤/ ٢٨٥ هذا القول لأبي زيد. وانظر: "تفسير القرطبي" ٥/ ١٣.
(٣) انظر: "الطبري" ٤/ ٢٣٦، "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ٨، "معالم التنزيل" ٢/ ١٦١.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ٨، ٩، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٩٣.
(٥) هذا التكرير ليس في (د). والكلام من أوله للزجاج في "معاني القرآن" ٢/ ٩.
(٦) هذا التكرير ليس في (د). والكلام من أوله للزجاج في "معاني القرآن" ٢/ ٩.
(٧) أي الزجاج في "معانيه" ٢/ ٩.
(٨) عند الزجاج في "المعاني": اثنين اثنين بالتذكير.
(٩) لا يزال الكلام لأبي إسحاق الزجاج، والظاهر أنه يقصد البصريين من النحاة.
(١٠) في "معاني الزجاج" أنه عُدِل عن تأنيث.
(١١) عند الزجاج: الأسماء.
(١٢) عند الزجاج: بهذا.
(١٣) عند الزجاج: نخففه وهو أولى.
تخفف ولا تعد (فرعًا (١)) هذا كلام أبي إسحاق (٢).
وقد أخطا لي (٣) في موضعين من هذا الفصل أصلحهما أبو علي وذكر معنى العدل فقال (٤): اعلم أنّ العدل ضرب من الاشتقاق، فكل معدول مشتق، وليس كل مشتق معدولًا، وإنما صار العدل ثقلًا.
وثانيًا: لأنك تلفظ بكلمة وتريد بها كلمة على لفظ آخر، ألا ترى أنك تريد بعُمَر وزُفَر (عَامِرًا وَزافِرًا) (٥)، فأنت تلفظ بكلمة وتريد أخرى، وليس كذلك سائر المشتقات، لأنك تريد بها نفس اللفظ المسموع، ولست تُحيل بها على لفظ آخر، نحو: ضارب ومضروب؛ فإنهما اشتقا من الضرب، ولا تريد بلفظ واحد منهما لفظًا غيره، كما تريد بُعمَر عامرًا، وبزُفَر زَافِرًا، وبمثنى اثنين اثنين، فصار المعدول بمخالفته سائر المشتقات ثقيِلًا؛ إذ ليس في جنس الاشتقاق شيءٌ على حِدِّهِ.
وقول أبي إسحاق: إن مثنى لا ينصرف لجهتين: وهو أنه معدول عن اثنتين اثنتين، وأنه عُدِل عن تأنيث، مراده بهذا أنه لما عدل عن التأنيث كان ذلك ثقلًا آخر لما لم يكن المعدول عنه هو الأول المذكر، فزاد بذلك ثقلًا انضم إلى المعنى الأول فلم ينصرف.
إلى هذا الوجه ذهب أبو إسحاق، ولو سُلِّم له أنه عُدِل عن تانيث لم يكن ثقلًا مانعًا من الصرف يدل على ذلك أن التعريف ثانٍ، كما أن التأنيث
(١) في (د): (نوعًا)، وما أثبته هو الموافق لما في "معاني الزجاج".
(٢) في "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٩.
(٣) قد تكون: (لي) زيادة من الناسخ.
(٤) كلام أبي علي من كتابه "الإغفال" فيما أغفله الزجاج ٢/ ل ٦٣.
(٥) فى (د): (زافرًا وعامرًا).
كذلك، ولم يكن العدل عن التعريف ثقلًا معتدًا في منع الصرف، ألا ترى أنه لو كان مُعتَدًا به لوجب أن لا ينصرف (عُمر) في النكرة في قول جميع الناس، دلالة على أن العدل عن التعريف غير معتد به ثقلًا، على أنا لا نسلم أنه معدول عن تأنيث.
وقوله في ذلك دعوى لا دلالة عليها، ألا ترى أنه لا يجد فصلًا بينه وبين من قَلَب هذا عليه، فقال: إنه معدول عن التذكير هو أقرب إلى الصواب؛ لأن الأصل التذكير حتى يُعلم التأنيث، ولم نعلم التأنيث هنا. فإن قال: عَلِمنا التأنيث بقوله: ﴿مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ فجرى على النساء وهي مؤنثة، قيل: لا يدل هذا على أنّ العدل عن التأنيث، بل العدل يكون عن التذكير، وإنما جرى على النساء، من حيث كان تأنيثها تأنيث الجمع، وهذا الضرب من التأنيث ليس بحقيقي، ألا ترى أنك تقول: هي الرجال، كما تقول: هي النساء، فلما كان تأنيث النساء تأنيث الجمع جرى عليه هذه الأسماء كما جرى على غير النساء مما تأنيثه تأنيث جمع؛ لأنّ تأنيث الجمع ليس بحقيقي، إنما هي من أجل اللفظ، فهو مثل: الدار، والنار، وما أشبه ذلك.
ولو جاز لقائل أن يقول: مثنى وبابُه معدول عن مؤنث لما جرى على النساء وواحدتهن مؤنثة، لجاز لآخر أن يقول: إنه مذكر؛ لأنه جرى صفة على الأجنحة في قوله: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى﴾ [فاطر: ١]، وواحدها مُذكّر.
وهذا هو القول والوجه لما بينّا أنّ تأنيث الجمع ليس بحقيقي، على أن هذه الأسماء قد جرت المذكر الحقيقي، قال:
ولقد قتلتكم (١) ثناءَ وَموحَدًا وتركتُ مُرَّة مثل أمسِ الدَّابِرِ (٢)
فأما ذكره في قول: قال: إنه اجتمع فيه علتان، أنه عَدْل وأنه نكرة، الفصل إلى آخره، فاعلم أنه غلط بين في الحكاية عنهم، وإنما يذهبون في امتناعه من الانصراف إلى أنه معدول، وأنه صفة. وهذا لفظ سيبويه، قال (٣) عن الخليل في (أحاد، ومثنى): إنما كان حده واحدا واحدا، واثنين واثنين، فجاء (معدولًا (٤)) عن وجهه فتُرِك صرفه. قلت: أتصرفه في النكرة؟ قال: لا، لأنه نكرة يوصف به نكرة.
وحكى الخليل، عن أبي عمرو أنه قال في قوله: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]: أنها صفة (٥).
فقد نصوا على الصفة كما ترى، ونحو هذا قال أبو الحسن (٦) وغيره من أصحابنا. انقضى كلام أبي علي (٧).
(١) في النسختين: (قبلتكم) بالموحدة التحتية، وما أثبته حسب "الإغفال" والمصادر الآتية.
(٢) البيت لصَخر بن عمرو بن الشّريد السُلمي.
انظر: "مجاز القرآن" ١/ ١١٥، "أدب الكاتب" ص ٤٥٨، "تفسير الطبري" ٤/ ٢٣٧، لكن عند أبي عبيدة وابن جرير قافيته: كأمس المدبر، ومال إلى ذلك محمود شاكر في حاشيته على ابن جرير. والشاهد منه كما في "مجاز القرآن" أنه اخرج اثني مخرج ثلاث.
(٣) أي سيبويه في "الكتاب" ٣/ ٢٢٥.
(٤) في "الكتاب" محدودًا.
(٥) انتهى أخذ أبي علي من سيبويه في "الكتاب" ٢/ ٢٢٥، وانظر: "الطبري" ٤/ ٢٣٧.
(٦) إن كان يريد الأخفش -وهو الظاهر- فإن رأيه مغاير لما ذكر كما سيأتي.
(٧) من "الإغفال" ٢/ ل ٦٣ - ٦٧ بتصرف.
ومن النحويين (١) من يذهب إلى أن العلّة المانعة للصرف في (مثنى) وبابه، أن العدل تكرر فيه؛ لأنه عُدِل لفظ (اثنين)، وعُدِل عن معناه أيضًا، وذلك لا يستعمل في موضع يستعمل (٢) فيه الأعداد غير المعدولة. ألا ترى أنك تقول: جاءني اثنان وثلاثة، ولا يجوز أن تقول: جاءني مثنى وثلاث، حتى يتقدم قبله جمع؛ لأن هذا الباب جُعِل بيانًا لترتيب الفعل، فإذا قال القائل: جاءني القوم مثنى مثنى، أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين.
وأما الأعداد غير المعدولة، فإنما الغرض فيها الإخبار عن مقدار المعدود (دون (٣)) غيره، فقد بان بما ذكرنا اختلافهما في المعنى، فلذلك جاز أن تقوم العلة مقام العلتين، لإيجابها حكمين مختلفين (٤).
والواو في قوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ دالة على تفرّق الأنواع، وتجنيس المُباح من الزوجات، فمن تزوج مثنى لم يضم إليهما ثلاثًا، وكذلك من تزوج ثلاثًا لم يضم إليهن أربعًا.
قال الشاعر:
ولَكِنَّمَا أَهْلِي بوادٍ أَنيسُه ذئابٌ تَبَغَّى الناس مثْنَى وَموْحَدا (٥)
(١) كالأخفش في "معاني القرآن" ١/ ٤٣١، والنحاس في "إعراب القرآن" ١/ ٣٩٣ - ٣٩٤، وقد تبعهم في ذلك أبو حيان في "البحر المحيط" ٣/ ١٥١، والسمين الحلبي في "الدر المصون" ٣/ ٥٦٣، وعبارة الأخيرين لا تختلف عن عبارة المؤلف إلا يسيرًا فيحتمل إفادتهما منه.
(٢) في "البحر"، و"الدر" (تستعمل) بالتاء.
(٣) في (د): (عن)، وما أثبته مطابق لـ"البحر"، و"الدر".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٤٣١، ٤٣٢، "البحر المحيط" ٣/ ١٥١، "الدر المصون" ٣/ ٥٦٣.
(٥) البيت لساعدة بن جُؤيّة الهذلي كما في "ديوان الهذليين" ١/ ٢٣٧، "الكتاب" =
فعَنى مثنى في حال، وموحد في حال أخرى، وليس (موحد) مضمومًا إلى (مثنى) في المعنى.
وقال ابن الأنباري: الواو هنا معناها التفرّق، وليست واوًا جامعة، فإذا كانت بهذه الصفة قُدِّر الفعل بعدها، وكان التأويل: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وانكحوا ثلاثًا في غير الحال الأول، وانكحوا رباع في غير الحالين (١).
وهذا معنى قول النحويين: أن الواو ههنا للبدل (٢)، كأنه قيل: وثلاث بدلا من مثنى، ورُباع بدلًا من ثلاث (٣).
= ٣/ ٢٢٦، "اللسان" ١/ ٣٢١ (بغا). وهو من شواهد "مجاز القرآن" ١/ ١١٤، "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٤٣٢، "المقتضب"، "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ١٠. وقد اختلفت الرواية في قافية البيت بين الرفع والنصب، فجاءت: موحدا كما عند المؤلف في "مجاز القرآن" "معاني القرآن" للأخفش، "اللسان". وجاءت موحد في "الديوان"، "الكتاب"، "المقتضب"، "معاني القرآن" للزجاج، ولعل هذه أرجح لموافقتها قوافي القصيدة، انظر "ديوان الهذليين" ١/ ٢٣٦ - ٢٤٢. أما معنى البيت فجاء في شرحه في "الديوان": يقول: أهلي بواد ليس به أنيس: هم مع السباع والوحش في بلد مقفر. مثنى: اثنان اثنان. وموحدت واحد واحد، ومعنى تبغّى: تطلب. كما في "اللسان".
(١) لم أقف على كلام ابن الأنباري فيما بين يديّ من مصنفاته.
(٢) إذا كان المؤلف -وهو الظاهر- يقصد أن (مثنى وثلاث ورباع) بدل مما قبلها، فهي في موضع نصب على البدل من (ما) في (ما طاب) عند بعض النحاة. انظر "إعراب القرآن" للنحاس (٣٩٣)، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٨٩، "غرائب التفسير" للكرماني ١/ ٢٨١، "الدر المصون" ٣/ ٥٦٢. وإن كان غير ذلك فإني لم أجد -فيما اطلعت عليه من كتب التفسير وإعراب القرآن ومعاني الحروف- أن الواو تأتي بمعنى البدل، والله أعلم.
(٣) انظر: "القرطبي" ٥/ ١٧.
وقال صاحب النظم (١): الواو في هذا الفصل بمنزلة (أو)؛ لأنه لما كانت (أو) بمنزلة واو النسق جاز أن تكون الواو بمنزلة (أو) (٢).
ولا تدل هذه الآية على إباحة التسع (٣)؛ لأن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات وأبلغها، وليس من شأن الخطيب البليغ أَنْ يُفرِّق العدد في مثل هذه الحال، يقول: أعط زيدًا درهمين وثلاثة وأربعة؛ لأنه يصير أعيا كلام (٤).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، أي: في الأربع، بالحب والجماع (٥).
(١) أي مصنف كتاب "نظم القرآن" وهو أبو علي الجرجاني.
(٢) انظر: الطبري ٤/ ٢٣٨، "الكشف والبيان" للثعلبي ٤/ ٦ ب، "معالم التنزيل" ٢/ ١٦١، "غرائب التفسير" ١/ ٢٨٢، واستبعد أبو حيان أن تكون أو بمنزلة الواو، لأن أو لأحد الشيئين أو الأشياء، والواو لمطلق الجمع فيأخذ الناكحون من أرادوا نكاحها على طريق الجمع. انظر: "البحر" ٣/ ١٦٣. وما ذكره المؤلف حول الواو هنا أقوال متقاربة من حيث المعنى.
(٣) يشير المؤلف إلى بطلان رأي الشيعة الرافضة في ذلك. وانظر: "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ١٠، والبغوي ٢/ ١٦١، والقرطبي ٥/ ١٧، و"البحر المحيط" ٣/ ١٦٣، وابن كثير ١/ ٤٨٨.
(٤) من "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ١٠ بتصرف. وانظر: "غرائب التفسير" للكرماني ١/ ٢٨٢.
(٥) هذا رأي الضحاك كما عند الطبري ٤/ ٢٣٩، والفراء في "معاني القرآن" ١/ ٢٥٥. انظر: القرطبي ٥/ ٢٠. والظاهر أن العدل إنما هو بالنفقة والقسمة ونحوهما، وليس الزوج مُطالبًا بالعدل في الأمور القلبية والنفسية كالحب، ويدل على ذلك أن الله -عز وجل- يقول: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، قال الطبري ٥/ ٣١٣ في معناه: لن تطيقوا أيها الرجال أن تسووا بين نسائكم وأزواجكم في حبهن بقلوبكم حتى تعدلوا بينهن في ذلك، فلا يكون في قلوبكم لبعضهن من المحبة إلا مثل ما لصواحبها؛ لأن ذلك مما لا تملكونه وليس إليكم. =
﴿فَوَاحِدَةً﴾ أي: فلينكح كل واحد منكم واحدة (١).
ومن قرأ بالرفع (٢) أراد: فواحدةٌ مقنَع، أو فواحدةٌ رضا (٣).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. يريد من الجواري (٤)؛ لأنه لا يلزم فيهن من الحقوق كالذي يلزم في الحرائر، ولا قسمة فيهن باليوم والليلة (٥).
ومعنى الأيمان ههنا بيان، تقديره: أو ما ملكتم (٦).
= وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقسم فيعدل، ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك. قال أبو داود: يعني القلب أخرجه أبو داود (٢١٣٤) كتاب: النكاح، باب: في القسم بين النساء، والنسائي ٧/ ٦٤ كتاب: عشرة النساء، باب: ميل الرجل إلى بعض نسائه، والترمذي (١١٤٠) كتاب النكاح، باب: ما جاء في التسوية بين الضرائر، وابن ماجه (١٩٧١) كتاب النكاح، باب: القسمة بين النساء، وابن حبان في "صحيحه" ١٠/ ٥ (٤٢٠٥).
وأشار ابن حجر إلى أن فيه مقالًا، انظر: "التلخيص الحبير" ٣/ ١٣٩.
(١) هذا التقدير على قراءة النصب وهي قراءة الجمهور من العشرة انظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٩٤، "المبسوط" / ١٥٣، "النشر" ٢/ ٢٤٧، "إتحاف فضلاء البشر" ص ١٨٦.
(٢) وهو أبو جعفر وحده من العشرة. انظر: "المبسوط" / ١٥٣، "النشر" ٢/ ٢٤٧، "الإتحاف" / ١٨٦.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٥٥، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٩٤، "الإتحاف" ص ١٨٦.
(٤) أخرج الطبري ٤/ ٢٣٩ عن السدي أنه قال: السراري، وانظر: القرطبي ٥/ ٢٠.
(٥) من "الكشف والبيان" ٤/ ٧ أبتصرف. وهذا ما دلت عليه الآية أنه لا يجب للإماء ما يجب للحرائر، ولكن الظاهر أنه يستحب. انظر: البغوي ٢/ ١٦٢، القرطبي ٥/ ٢٠، ابن كثير ١/ ٤٩٠.
(٦) "الكشف والبيان" ٤/ ٧ أ، وانظر: "تفسير البغوي" ٢/ ١٦٢.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] الإشارة في ﴿ذَلِك﴾ تعود إلى قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ﴾ (١) أي: نكاحكم هؤلاء النسوة على قلة عددهن أقرب إلى العدل وأبعد من الظلم والجور.
ومعنى ﴿تَعُولُوا﴾: تميلوا (وتجورا) (٢)، عن جميع أهل التفسير واللغة (٣)، وروي ذلك مرفوعًا.
روت عائشة، عن النبي - ﷺ - في قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال: "لا تجوروا". ورُوي: "أن لا تميلوا" (٤). كلا (٥) اللفظين مرويّ.
قال ابن المظفر: العَول المَيل في الحكم إلى الجور (٦).
وقال أبو عبيدة، عن الأصمعي: وعال الميزان إذا مال، وإنما هو مأخوذ من الجور (٧)، وأنشد لأبي طالب (٨):
(١) لعل هذا وهم من المؤلف، فالذي يظهر أنّ اسم الإشارة يعود إلى قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، يؤيد هذا بقية كلامه. وانظر: الطبري ٤/ ٢٣٨.
(٢) هكذا في (أ)، (د). والصواب: (تجوروا).
(٣) سيأتي تفصيلٌ وتعدادٌ لمن ذهب إلى ذلك من أهل التفسير والعربية قريبًا عند المؤلف، وارجع إلى مظانه هناك.
(٤) أخرج الحديث بالروايتين الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٢٧، قال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث خطأ، الصحيح، عن عائشة موقوف، "تفسير القرآن العظيم" لابن أبي حاتم ٣/ ٨٦٠ بتحقيق حكمت بشير بابين (رسالة دكتوراه في أم القرى)، وانظر "تفسير ابن كثير" ١/ ٤٩٠.
(٥) في (أ): (كلى).
(٦) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٢٨٨ (عال)، وابن المظفر هو المعروف بالليث، وتقدمت ترجمته.
(٧) من "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٢٨٨ (عال)، وانظر: "مجاز القرآن" ١/ ١١٧.
(٨) هو عبد مناف بن قصي بن هاشم القرشي، أبن عم النبي - ﷺ - تقدمت ترجمته.
بِميزانِ قسط لا يُعِلّ شَعيرةً ووزَّانُ صدقٍ وزنُه غيرُ عائلِ (١)
وقال الفراء: عال الرجل يعول عَولًا وعِيالةً، إذا مال وجار (٢).
وعلى هذا القول ابن عباس، والحسن، وإبراهيم، وقتادة، والربيع، والسدي، وأبو مالك (٣)،
وعكرمة (٤)، والفراء (٥)، والزجاج (٦)، وابن قتيبة (٧)، وابن الأنباري (٨).
(١) البيت من قصيدة طويلة مشهورة بيّن فيها أبو طالب وقوفه مع النبي - ﷺ - لما خشي قومه ودهماء العرب كما في "سيرة ابن هشام" ١/ ٢٨٦ - ٢٩٨، وهو في الطبري ٤/ ٢٤٠، "الزاهر" لابن الأنباري ١/ ١٤١، "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٢٨٨ (عال)، وابن كثير ١/ ٤٩٠. وقوله: "لا يعل" يبدو أنه بالغين (يغل) كما عند الطبري، وفي "السيرة": يخس بدل يغل، والمعنى كما في حاشية الطبري: أي: لا ينقص. و (وزان) عند الطبري وابن الأنباري بلفظ (ووازن). وعجز هذا البيت في "السيرة"، "تهذيب اللغة"، و"ابن كثير":
له شاهد من نفسه غير عائل
قال ابن الأنباري: معناه: غير مائل، وهذا هو الشاهد من البيت هنا.
(٢) ليس في "معاني القرآن"، وإنما الذي فيه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾: ألا تميلوا، وهو أيضًا في كلام العرب: قد عال يعول.
(٣) هو: غَزوان الغِفاري الكوفي، تقدمت ترجمته.
(٤) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٤٠، و"البغوي" ١/ ١٦٣، و"ابن كثير" ١/ ٤٩٠، و"الدر المنثور" ٢/ ٢١١.
(٥) في "معاني القرآن" ١/ ٢٥٥.
(٦) في "معاني القرآن" وإعرابه ٢/ ١.
(٧) في "غريب القرآن" ص ١١٩.
(٨) انظر: "غريب القرآن" لابن عزيز ص ٣٣.
وأخبرني العروضي قراءةً، وسعيد بن العباس القرشي كتابةً، عن الأزهري، قال: أخبرني عبد الملك (١)، عن الربيع (٢)، عن الشافعي - رضي الله عنه - (٣) أنه قال: معناه ألّا يكثر عيالكم (٤).
وإلى هذا القول ذهب من المفسرين عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٥)، وليس قول من خطّأ الشافعي في هذا بشيءٍ، فقد روى لنا الفسوي أبو الحسين، عن حَمْد بن محمد الفقيه، عن أبي عمر (٦) محمد بن عبد الواحد، عن أحمد بن يحيى، عن سَلَمة (٧)، عن الفراء، عن الكسائي (٨)، أنه قال: ومن العرب الفُصَحاء من يقول: عال يعول، إذا كثر عياله (٩).
قال الكسائي: وهي لغة فصيحة سمعتُها من العرب (١٠).
(١) لم أعرفه.
(٢) هو أبو محمد الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المُرادي المَصري المُؤَذَّن، صاحب الشافعي وراوي كتبه، ثقة، أخرج له أصحاب السنن، توفي -رحمه الله- سنة ٢٧٠ هـ. انظر: "طبقات الفقهاء" للشيرازي ص ١٠٩، "سير أعلام النبلاء" ١٢/ ٥٨٧، "التقريب" ص ٢٠٦ رقم (١٨٩٤).
(٣) السند من الأزهري إلى الشافعي في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٢٨٧ (عال).
(٤) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٢٨٧ (عال)، وانظر: "تفسير البغوي" ٢/ ١٦٢، "تفسير القرطبي" ٥/ ٢١.
(٥) أخرجه الطبري ١/ ٢٤١ بلفظ: أهون عليك في العيال. وانظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٢٨٧ (عال)، "زاد المسير" ٢/ ١٠، "الدر المنثور" ٢/ ٢١١.
(٦) السند من أبي عمر إلى آخره في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٢٨٧ (عال).
(٧) أبو محمد سلمة بن عاصم النحوي، تقدمت ترجمته عند تفسير [البقرة: ١٠٢].
(٨) هو أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي.
(٩) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٢٨٧ (عال).
(١٠) هذا القول للكسائي ليس في "تهذيب اللغة".
قال الأزهري (١): وهذا يدل على أن الشافعي لم يخطئ من جهة اللغة؛ لأن الكسائي ثقة مأمون (٢).
قال (٣): والمعروف من كلام العرب: عال الرجل يعول، إذا جار ومال (٤)، وأعال (٥)، إذا كثر عياله (٦).
وقال ابن الأنباري: وهذا القول -على قلة القائلين به- له مخرج في اللغة، وهو أن العرب تقول: قد عالت الفريضة، إذا زادت سهامها، وأعلتها أنا (إذ أردت (٧)) في سهامها (٨). فكذلك قوله: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ معناه ألا يزداد عيالكم فتضيعوا الواجب والمفترض لهم (٩).
وهذا القول وإن صح، فالاختيار القول الأول (١٠)، لقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فأطلق الآية من ملك اليمين، والأقل والأكثر منها (١١)، وهن كلهن عيال تتصل بهن المؤونة، وسواء كثر العيال من الحرائر أو الإماء،
(١) في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٢٨٧ (عال).
(٢) معنى كلام الأزهري وليس نصه.
(٣) أي الأزهري، وهو في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٢٨٧ (عال) متقدم على قوله السابق.
(٤) ومال ليس في "التهذيب".
(٥) في "التهذيب": وأعال يعيل.
(٦) انتهى من "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٢٨٧ (عال). وانظر: "الزاهر" ١/ ١٤٠، ١٤١.
(٧) هكذا في (أ)، (د). ولعل الصواب: إذا زدت.
(٨) انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد ٢/ ٣٩٦، "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٢٧٨ (عال).
(٩) لم أقف على قول ابن الأنباري هذا، لكن قال في "الزاهر" ١/ ١٤٠: ويقال: قد أعال الرجل يعيل فهو معيل: إذا كثر عياله.
(١٠) هذا الأسلوب من الترجيح حسن من المؤلف، لما فيه من التأديب مع أئمة علم الشريعة والعربية، كالشافعي والكسائي، عكس ما نهج الزجاج -رحمه الله- في هذا، حيث رد هذا القول بشدهَ، بل وتجاهل القائلين به فلم يصرح بأسمائهم. انظر "معاني القرآن" وإعرابه ٢/ ١١.
(١١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ١١.
فلا معنى إذًا أن يقول: ذلك أدنى أن لا يكثر عليكم (١) بعد إباحة الكثير من السراري.
ودليل آخر، وهو أنه قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ ولم يقل: أن تفتقروا، فكان الجواب معطوفًا على هذا الشرط، ولا يكون جوابه إلا بضد العدل وهو الجور، لا لكثرة العيال. ذكر هذا صاحب النظم (٢).
ورُوي عن مجاهد أنه قال: معنى قوله: ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ ألا تضلوا (٣). وهذا راجع إلى الأول (٤)، لأن الميل عن الحق ضلال.
قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن هذا خطاب لأولياء النساء، وذلك أنّ العرب كانت في الجاهلية لا تُعطي النساء من مهورها شيئًا، ولذلك كانوا يقولون لمن وُلدت له ابنة: هنيئًا لك النافجة. ومعناه أنك تأخذ مهرها إبلًا فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك، أي تعظمه (٥).
وقال ابن الأعرابي: النافجة ما يأخذه الرجل إذا زَوّج ابنته من الحُلوان فنهى الله عز وجل عن ذلك، وأمر بدفع الحق إلى أهله (٦).
(١) هكذا ولعل الصواب: عيالكم.
(٢) أي "نظم القرآن" وهو الجرجاني، تقدمت ترجمته.
(٣) رواه الثوري في "تفسيره" ص ٨٧ بسنده عن مجاهد، وأورده الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٧ ب. انظر: "تفسير البغوي" ٢/ ١٦٢، "زاد المسير" ٢/ ١٠.
(٤) أي: تميلوا وتجوروا، قال الهواري لما ذكر القولين: وهو واحد، "تفسير كتاب الله العزيز" للهواري ١/ ٣٤٧.
(٥) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١١٥، ١٢٠، "تهذيب اللغة" (نفج) ٤/ ٣٦٢٤، "الكشف والبيان" ٤/ ٨ أ.
(٦) لم أقف عليه.
وهذا قول الكلبي (١)، وأبي صالح (٢)، واختيار الفراء (٣)، وابن قتيبة (٤).
القول الثاني: أن الخطاب للأزواج، أُمِروا بإيفاء النساء مهورهن.
وهذا قول إبراهيم (٥)، وعلقمة، وقتادة (٦)، وابن زيد (٧)، واختيار الزجاج؛ قال: لأنه لا ذكر للأولياء ههنا، وما قبل هذا خطاب للناكحين وهم الأزواج (٨).
والصدقات والمهور، واحدتها صَدُقَة، وفيها لغات هذه أعلاها وهي لغة أهل الحجاز (٩).
وذكرنا أن موضوع (ص د ق) على هذا الترتيب، للإكمال والصحة في قوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ (١٠) [البقرة: ٢٦٤]، وعلى هذا الأصل سُمي المهر: صداقًا وصَدُقة؛ لأن عقد النكاح يتم ويكمل.
(١) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٨ أ، "معالم التنزيل" ٢/ ١٦٢.
(٢) أخرج قوله ابن جرير ٤/ ٢٤١.
(٣) في "معاني القرآن" ١/ ٢٥٦.
(٤) في "غريب القرآن" ص ١١٥.
(٥) لم أقف على قول إبراهيم وهو النخعي.
(٦) انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢١٣.
(٧) أخرج ابن جرير في "تفسيره" ٤/ ٢٤١، عن قتادة في معنى (نخلة): يقول فريضة، يعني على الزواج.
(٨) أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٤١ بنحو قول قتادة.
(٩) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ١٢. وهذا ما اختاره ابن جرير -رحمه الله- كما في "تفسيره" ٤/ ٢٤٢، والبغوي ٢/ ١٦٣، وهناك قول ثالث: وهو أن المراد النهي عن نكاح الشَّغار وهو رأي الحضرمي. انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٤٢، "الكشف والبيان" ٤/ ٨ أ، "معالم التنزيل" ٢/ ١٦٣.
(١٠) انظر: "معاني القرآن" للزجاج، ٢/ ١٢، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٩٤، "الكشف والبيان" ٤/ ٨ ب.
وقوله تعالى: ﴿نِحْلَةً﴾. قال ابن عباس (١)، وقتادة، وابن جريج، (وأبي زيد) (٢): فريضة (٣). وإنما فسروا النحلة بالفريضة؛ لأن النحلة معناها في اللغة: الديانة والمِلّة والشِرعة والمَذهب.
قال الزجاج، عن بعضهم في قوله: ﴿نِحْلَةً﴾ أي: ديانة (٤)، ومثله رُوي (٥) عن ابن الأعرابي: نحلة: أي: دينًا وتدينًا (٦). يقال: فلان ينتحل كذا، إذا كان يتدين به، ونِحْلَتُه كذا أي: دينه ومذهبه (٧).
فقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ أي آتوهن مهورهن، فإنها نِحلة، أي دين وشريعة ومذهب في الدين، وما هو ديانة فهو فريضة.
قال ابن الأنباري: يقال: فلان (مُنْتَحِلٌ (٨)) كذا، إذا كان يتدين به ويجعله فَرضًا على نفسه (٩).
وقال الكلبي: أي: عطية وهبة (١٠)، يقال نحلت فلانًا شيئًا أنحله
(١) أخرجه ابن جرير بسنده من طريق ابن أبي طلحة ٤/ ٢٤١. وانظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢١٢.
(٢) هكذا في (أ)، (د) وقد يكون تصحيفًا كما هو ظاهر، والصواب: وابن زيد.
(٣) أخرج أقوالهم الطبري ٤/ ٢٤١، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٨ ب، والبغوي ٢/ ١٦٣، و"الدر المنثور" ٢/ ٢١٢.
(٤) "معاني القرآن" ٢/ ١٢.
(٥) الراوي الأزهري، عن ثعلب، عن ابن الأعرابي. انظر: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٥٣٢ (نحل).
(٦) "تهذيب اللغة" ٥/ ٦٥ (نحل).
(٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ١٢، "تهذيب اللغة" ٥/ ٦٤ (نحل).
(٨) في (د): (ينتحل).
(٩) انظر: "الزاهر" ٢/ ٢٥٤.
(١٠) "الكشف والبيان" ٤/ ٨ ب، وانظر: "معالم التنزيل" ٢/ ١٦٣، "البحر المحيط" ٣/ ١٦٦، "تنوير المقباس" بهامش المصحف الشريف ص ٧٧.
نِحلة ونُحلاً. قال الفراء، والنحلة العطية (١).
ومعنى هذا القول: أن الله تعالى جعل الصداق نِحلةً للنساء، بأن جعل على الرجال الصداق، ولم يجعل على المرأة شيئًا من الغُرم، فتلك نحلة من الله -عز وجل- للنساء. وهذا القول اختيار الفراء (٢).
وقال أبو عبيدة: معنى قوله: ﴿نِحْلَةً﴾ أي: عن طيب نفس (٣)، وذلك أن النحلة في اللغة العطية من غير أخذ عوض، كما يَنحَل الرجلُ ولدَه شيئًا من ماله، وما أعطي من غير طلب عوض لا يكون إلا عن النفس، فأمر الله تعالى بإعطاء مهور النساء من غير مُطالبة منهن ولا مُخاصمة فيه؛ لأن ما يؤخذ بالمحاكمة لا يقال له نِحلة (٤).
قال ابن الأنباري: وهذا القول هو المختارة لأن النَّحلة بالهبة أشهر منها بالفريضة، وحمل الشيء على الأشهر والأعرف فيه أولى (٥).
وانتصابها على المصدر في قوله (٦) من جعلها مصدرًا بمعنى: الهبة (٧)، وفي قول الآخرين على أنه مفعول له (٨)، كما تقول: افعل هذا أجرًا واحتسابًا.
(١) انظر: "معاني القرآن" ١/ ٢٥٦.
(٢) في "معاني القرآن" ١/ ٢٥٦، وقد حكى الفراء هذا القول ولم يذكر غيره.
(٣) "مجاز القرآن" ١/ ١١٧، وانظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١١٥.
(٤) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١١٥ "الزاهر" ٢/ ٢٥٤.
(٥) هذا الترجيح من ابن الأنباري لم أقف عليه، بل وقفت على خلافه حيث قال -بعد أن أشار إلى القولين-: والقولان متقاربان، "الزاهر" ٢/ ٢٥٤.
(٦) هكذا ولعل الصواب: (قول).
(٧) انظر: "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٨٨، "البيان في غريب إعراب القرآن" ١/ ٢٤٢، "البحر المحيط" ٣/ ١٦٦، "الدر المصون" ٣/ ٥٧١.
(٨) انظر: "البحر المحيط" ٣/ ١٦٦، "الدر المصون" ٣/ ٥٧١.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. قال الفراء (١) والزجاج: المعنى فإن طابت أنفُسهن لكم عن شيء من الصداق (٢)، فنقل الفعل من الأنفس إليهن، فخرجت النفس مُفسّرة كما قالوا: أنت حسنٌ وجهًا، والفعل في الأصل للوجه، فلما حُوّل إلى صاحب الوجه خرج الوجه مفسّرًا لموقع الفعل. (ومثله: قررتُ به عينًا، وضقتُ به ذرعًا) (٣)
ووحد النفس (٤)؛ (لأن المراد به بيان موقع الفعل وتفسير له، وذلك يعرف بالواحد دون الجميع. ومثله: عشرون درهما) (٥).
قال الفراء: ولو جمعت كان صوابًا (٦)، كقوله: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿مِنْهُ﴾ (مِن) ليست ههنا للتبعيض، بل هي للتجنيس، والتقدير: عن شيء من هذا الجنس الذي هو مهر، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، وذلك أن المرأة لو طابت نفسُها عن جميع المهر حل للزوج أخذه كله.
والخطاب في: ﴿لَكُمْ﴾ يجوز أن يكون للأولياء، ويجوز أن يكون للأزواج، على ما ذكرنا من القولين في قوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ (٧).
(١) في "معاني القرآن" ١/ ٢٥٦.
(٢) من الصدقات زيادة على الفراء.
(٣) ما بين القوسين زيادة على ما عند الفراء.
(٤) عبارة الفراء: ووحد النفس، ولو جمعتَ لكان صوابًا، وقد جاء بقية العبارة عند المؤلف في آخر كلامه كما سيأتي.
(٥) ما بين القوسين زيادة على ما عند الفراء.
(٦) انتهى من "معاني الفراء" ١/ ٢٥٦، وانظر: "معاني الزجاج" ٢/ ١٢، والشاهد بعد ذلك إضافة من المؤلف، والله أعلم. وانظر "الكف والبيان" ٤/ ٢٩.
(٧) من "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ١٣ بمعناه.
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. قال الفراء (١): يقال هَنَأني الطعام، ومَرأَني (يهيئني (٢)) ويمرئني هَنأً وَمرءًا. ومنهم من يقول: هنئني ومرئني -بالكسر- وهي قليلة، يَهْنَأني وَيْمَرأني فإذا أفردوا قالوا: أمرأني هذا الطعام (٣)، ولا يقولون: أهنأني. وقد مَرُؤ هذا الطعام مَرْأاة، وهنؤ هُنْأة. الليث (٤): ما كان مريئًا، ولقد مرؤ، واستمرأته، وهذا يُمرئ الطعام.
وقيل: إن أصل الهنيء من الهناء وهو معالجة الجَرَب بالقَطران (٥)، فالهنيء شفاء من المرض كالهناء شفاء من الجرب (٦).
قال المفسرون: معنى الهنيء: الطيب المَساغ الذي لا يُنغِّصه شيء، والمريء: المحمود العاقبة التامّ الهضم الذي لا يضر ولا يُؤذي. يقول: لا تخافون في الدنيا به مطالبة، ولا في الآخرة تبعة (٧).
ورُوي عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -: أنه سئل عن هذه الآية، فقال: "إذا جادت لزوجها بالمهر طائعة، غير مُكرَهة لا يَقْضي به عليه سلطان، ولا يؤاخذه الله به في الآخرة" (٨).
(١) ليس في "معاني القرآن".
(٢) هكذا ويبدو أن الصواب: يهنئني.
(٣) انظر: "تفسير الطبري" للطبري ٤/ ٢٤٤، "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ١٢، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٨٠٣ (هنا)، "الكشف والبيان" ٤/ ٩ أ.
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٨٠٣ (هنأ).
(٥) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٤٤، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٨٠٣ (هنأ)، "مقاييس اللغة" ٦/ ٦٨ (هنأ)، "الكشف والبيان" ٤/ ٩ أ.
(٦) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٤٤، "النكت والعيون" للماوردي ١/ ٤٥١.
(٧) ما نسبه للمفسرين هو ما حكاه شيخه الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٩أ، ب.
(٨) من "الكشف والبيان" ٤/ ٩ ب، وقد أورده الثعلبي بسنده، ولم أقف عليه عند غيره.
قال الحضرمي (١): إن ناسًا كانوا يتأثَّمون أَنْ يرجع أحدهم في شىِء مما ساق إلى امرأته، فقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٢).
٥ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ الآية قال ابن عباس في هذه الآية: لا تَعمَد إلى مالك الذي خَوَّلك الله وجعله لك معيشةً؛ فتعطيه امرأتك وبنيك، فيكونوا هم الذين يقومون عليك ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أَمْسِك مالك وأَصْلِحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في كِسوتهم ورِزقهم ومؤنتهم (٣).
والسفهاء: هم النساء والصبيان في قول ابن عباس (٤)، والحسن وقتادة، وسعيد بن جبير، والسدي (٥)، واختيار الفراء (٦)، وابن قتيبة (٧).
وقال الكلبي: إذا علم الرجل أنّ امرأته سفيهةٌ مُفْسِدةٌ، وأن ولدَه سفيهٌ مُفسِد فلا ينبغي له أن يُسلِّط واحدًا منهما على ماله فيفسد (٨).
(١) لعله أبو بحر عبد الله بن زيد الحضرمي، انظر التعليق الآتي ص ٣٤٧.
(٢) أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٤٣، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٩ أ.
(٣) هذا الأثر ثابت، عن ابن عباس فهو من طريق ابن أبي طلحة كما في تفسير ابن عباس ص ١٣٤.
وقد أخرجه منها ابن جرير في "تفسيره" ٤/ ٢٤٩ انظر: "معالم التنزيل" ٢/ ١٦٤، "تفسير ابن كثير" ٢/ ٤٩١، "الدر المنثور" ٢/ ٢١٣.
(٤) يدل عليه الأثر المتقدم عنه، وأثر آخر أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٤٦.
(٥) أخرج أقوال هؤلاء ابن جرير في "تفسيره" ٤/ ٢٤٥، وانظر: "ابن كثير" ٢/ ٤٩١، "الدر المنثور" ٢/ ٢١٣ - ٢١٤.
(٦) "معاني القرآن" ١/ ٢٥٦.
(٧) "غريب القرآن" ص ١٢٠.
(٨) من "الكشف والبيان" ٤/ ١٠ ب، وانظر: "معالم التنزيل" ٢/ ١٦٤.
وقال مجاهد، وجويبر، عن الضحاك: أراد بالسفهاء ههنا النساء فقط (١).
وقال مجاهد: من سفهاء من كُنّ، أزواجًا أو بناتٍ أو أمهاتٍ (٢). وهذا مذهب ابن عمر (٣).
ويدل على هذا ما رَوى أبو أمامة (٤) أن النبي - ﷺ - قال: "ألا إنّما خُلِقت النار للسفهاء، -يقولها ثلاثًا- ألا وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيّمها" (٥). فإن قيل: لو كان المراد بالسفهاء النساء لقال: السفائه أو السفيهات في جميع السفيه (٦)، نحو غرائب وغريبات في جمع: الغريبة. فالجواب ما قال الزجاج، وهو أن السفهاء يجوز في جمع السفيهة نحو: فقيرة وفقراء (٧).
(١) أخرج الأثر، عن مجاهد بن جبير من عدة طرق، وأخرجه عن الضحاك من طريق جويبر. "تفسير الطبري" ٤/ ٢٤٧.
(٢) "تفسير مجاهد" ١/ ١٤٤، وأخرجه ابن جرير ٤/ ٢٤٧، والثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٩ ب.
(٣) أخرج ابن جرير، عن مُوَرَّق قال: مرت امرأة بعبد الله بن عمر لها شارة وهيئة، فقال لها ابن عمر: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. "تفسير الطبري" ٤/ ٢٤٧، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١٠ ب، "الدر المنثور" ٢/ ٢١٤.
(٤) هو صُدَيّ بن عَجْلان بن الحارث الباهلي -مشهور بكنيته- صحابي جليل يُروى أنه شهد أحدًا، وصفين مع علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- سكن الشام ومات بها سنة ٨٦ هـ. انظر: "الاستيعاب" ٢/ ٢٩٨، "أسد الغابة" ٣/ ١٦، "الإصابة" ٢/ ١٨٢، "التقريب" ص ٢٧٦ رقم (٢٩٢٣).
(٥) من "الكشف والبيان" ٤/ ٢١٠، وقد أورده الثعلبي بسنده، وأخرج آخره ابن أبي حاتم كما ذكره ابن كثير في "تفسيره" ٢/ ٤٩١، والسيوطي في "الدر" ٢/ ٢١٣.
(٦) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: جمع السفيهة.
(٧) "معاني الزجاج" ٢/ ١٣.
وقال الزُّهري، وأبو مالك، وابن زيد: عَنى بالسفهاء ههنا السفهاء من الأولاد، يقول: لا تُعط مالك الذي هو قيامك ولدَك السفيه فيفسده (١)
وفي الآية قول رابع، وهو أن السفهاء: الأيتام وكل من يستحق صفة سفيه من محجور عليه في المال. وهو مذهب الشافعي (٢)، وعكرمة (٣)، واختيار الزجاج (٤).
قال عكرمة: هو مال اليتيم يكون عندك، يقول: لا تُؤتِه إيّاه وأنفِق عليه حتى يبلُغ (٥).
فإن قيل على هذا القول: كيف أضاف الأموال إلى الأولياء وهي للسفهاء؟ قلنا: إنما أضاف إليهم؛ لأنها الجنس الذي جعله الله أموالًا للناس، فصار كقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، ردها إلى الجنس (٦).
(١) هذا القول عن أبي مالك وابن زيد خاصة أخرجه بنحوه ابن جرير ٤/ ٢٤٧، وأورده الثعلبي عن الثلاثة في "الكشف والبيان" ٤/ ١٠ ب، وعن الزهري البغوي في "معالم التنزيل" ٢/ ١٦٤.
(٢) مذهب الشافعي في جواز الحجر على الرجل البالغ إذا كان مُبَذَّرًا مفسدًا لماله، كما سيأتي عند المؤلف في الصفحة التالية، وانظر: "الأم" ٣/ ١٩٤ - ١٩٥.
(٣) سيورد المؤلف أثرًا عنه، وهذا القول ورد عن سعيد بن جبير، انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١٠ ب، "الدر المنثور" ٢/ ٢١٣ - ٢١٤.
(٤) انظر: "معاني القرآن" ٢/ ١٣، وهذا القول اختيار ابن جرير أيضًا، انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٤٧.
(٥) "الكشف والبيان" ٤/ ١٠ ب، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٢١٣.
(٦) ما بين علامات التنصيص من قول: فإن قيل، إلى هنا: نقله المؤلف من الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ١٠ ب، ١١ أ، مع أنه لم يعزُه إليه!.
قال أبو إسحاق (١): إنما قيل أموالكم؛ لأن معناها الشيء الذي به قِوام أمركم، كما قال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، ولم يكن الرجل منهم يقتل نفسه، ولكن كان بعضهم يقتل بعضًا، أي: تقتلون الجنس الذي هو جنسكم (٢).
وقال بعض النحويين: إذا اختلط المخاطب مع الغائب غُلِّب المخاطب، لذلك أضاف الأموال إليهم وهي للسفهاء، وهذا التفسير دليل على ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله من جواز الحجر على الرجل البالغ إذا كان مُبذِّرًا مُفسدًا لماله (٣).
وقوله تعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. قال ابن عباس: يريد قيامًا لمعايشكم وصلاح دنياكم (٤).
قال أبو عبيدة (٥): (قِيام) مصدر، ويجيء في معناه (قِوام)، وهو الذي يقيمك، وانما أذهبوا الواو لكسرة القاف كما قالوا: صِوار وصِيار (٦).
(١) هو الزجاج في "معانيه" ٢/ ١٣.
(٢) انتهى من "معاني الزجاج" ٢/ ١٣، ١٤.
(٣) انظر: "الأم" ٣/ ١٩٤ - ١٩٥، "تفسير ابن كثير" ٢/ ٤٩١.
(٤) ثابت عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة كما في "تفسير ابن عباس" ص ١٣٤، "تفسير الطبري" ٤/ ٢٤٩.
وتحقيق المروي عن ابن عباس لسور النساء والمائدة والأنعام ١/ ١٥٣، ١٥٤، لكن بلفظ بمعنى قوامكم في معايشكم.
(٥) في "مجاز القرآن" ١/ ١١٧.
(٦) انتهى من "مجاز القرآن" ١/ ١١٧، ولعل فيه تصحيفًا في آخره، لأن آخر العبارة في "المجاز": كما قالوا: ضيًاء للناس وضوءًا للناس.
وبنو ضبة (١) تقول في جمع طويل: طِيال، والعامّة على: طِوال (٢).
وإنما أعل القيام؛ لأنه مصدر قد اعتل فعله، فاتّبع الفعل في الإعلال، ومثله من المصادر الصِّيام والعِياذ والحِياكة، ونحو ذلك فيما (٣) قلبت الواو فيه ياء؛ لأنها مصادر جارية على الفعل في الإعلال (٤).
قال أبو علي: وأما القِوام الذي حكاه أبو عبيدة فإنه ينبغي أن يكون اسمًا غير مصدر، كالقَوام فيمن فَتح، ويجوز أن يكون مصدر قَاوم، كما أن (الغِوار مصدر غاور) (٥) (٦).
وقرأ نافع، وابن عامر: (قِيَمًا) (٧).
قال الأخفش: قِيامًا وقِوامًا وقِيمًا وقِومًا واحِد (٨).
(١) ضبة: حي من العرب يشمل عدة قبائل كصُرَيم وعائذة وبجالة وغيرها، وهذا الاسم مشتق من الضبة أي الأنثى، أو من الضبة الحديث. انظر: "الاشتقاق" لابن دريد ص ١٨٩، "اللسان" ٤/ ٢٥٤٥ (ضبب).
(٢) من "الحجة" لأبي علي ٣/ ١٣٠.
وقال الأزهري: وجمع الطويل: طِوال وطِيال، وهما لغتان، "تهذيب اللغة" ٣/ ٢١٥٦ (طال). وانظر: "مقاييس اللغة" ٣/ ٤٣٤ (طول)، "لسان العرب" ٥/ ٢٧٢٥ (طول).
(٣) في (د): (معًا).
(٤) انظر: "الحجة" ٣/ ١٣٣، "المُمتِع في التصريف" ١/ ٦٤.
(٥) كأنها في (أ) بالعين المهملة.
(٦) "الحجة" ٣/ ١٣٣.
(٧) "السبعة" ص ٢٢٦، "الحجة" لأبي علي ٢/ ١٢٩، "الكشف" ١/ ٧٦، "النشر" ٢/ ٢٤٧.
(٨) لم أجدء في "معاني القرآن"، ولعله أخذه من "الحجة" لأبي علي ٣/ ١٣٠، ١٣٢، ١٣٣.
فالقِيَم عنده مصدر في معنى القِيام، وفِعَل يجيء في المصادر كالشِّبَع والرِّضَا (١).
فإن قيل (٢): كيف اعتلّ وهو على وزنٍ ينبغي أن يصح معه ولا يعتلّ، كما لم يعتلّ العِوض والحِول، ونحو ذلك؟
والجواب: أن هذا الوزن لما جاء في الجمع مُتَّبعًا واحدَه في الإعلال، نحو: دِيمَةٍ ودِيَم، وحِيلَةٍ وحيَل، جاء أيضًا في المصدر متّبعًا للفعل فأعِلّ كما يعل الفعل؛ لأن (المصادر (٣)) أشد اتّباعًا لأفعالها في الإعلال (٤) من الجمع للواحد. ولا يلزم على هذا (الوعد) و (الوزن) وبابه، فإنه لم يعل الواو فيه كما أعل في (بعد)؛ لأنه على بناء فِعَل، ولا طريق للإعلال عليه، وليس كذلك فِعَل؛ لأن الكسرة توجب الإعلال في الواو، ولا سيما إذا انضم إليها الإعلال (٥) في الفعل. ويمكن أن يحمل القِيَم على الشذوذ كما قُلبت الواو في (ثِيَرَة (٦))، وكما قالوا: طويل وطيال. في لغة بني ضبة، وكما قالوا: جِياد في جمع جواد، وكان حكمه أن تصح عينُه في الجمع، فكما شذّت هذه الأشياء عما عليه الاستعمال كذلك شذ قولهم: قِيَما (٧).
(١) انظر "الحجة" ٣/ ١٣٠، ١٣٢، ١٣٣.
(٢) إيراد هذا الاستشكال والجواب عليه من "الحجة" لأبي علي ٣/ ١٣٢، ١٣٣ بتصرف.
(٣) في (د): مصادر بدون (أل).
(٤) في "الحجة": الاعتلال.
(٥) في "الحجة": الاعتلال.
(٦) الأصل (نيره) والتصحيح من "الحجة".
(٧) انتهى جواب الإشكال من "الحجة" ٣/ ١٣٢، ١٣٣ بتصرف.
وقول من قال إن (القِيَم) ههنا جمع (قِيمَة) لا وجه له (١).
والدليل على أن قِيَما ههنا مصدر بمعنى القِيام وليس بجمع قوله: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام: ١٦١]، ولا وجه لجمع القِيمة في وصف الدين به (٢)، ونبين ذلك إذا انتهينا إليه إن شاء الله (٣).
وذهب الكسائي إلى أن القيام ههنا اسم بمعنى القِوام، وهو ما يقوم به الشيء، وجعلهما لغتين بمعنى (٤).
واختاره ابن قتيبة، وقال: يقال: هذا (قِوام (٥)) أمرك وقيام أمرك: أي ما يقوم به أمرك (٦).
ويقارب قول الزجاج هذا؛ فإنه قال: المعنى في هذه الآية: التي جعلها الله تقيمكم فتقومون بها قيامًا (٧).
ومن قرأ (قِيَما) فهو راجع إلى هذا، والمعنى: جعلها الله قيمةً للأشياء، فيها (تقوم أموركم (٨)) (٩). ولم يرتض أبو علي هذا القول في القيم كما ذكرنا.
(١) انظر: "الحجة" ٣/ ١٣٣.
(٢) انظر: "الحجة" ٣/ ١٣١.
(٣) انظر: "البسيط" نسخة شستربتي ٢/ ل، ١٣٨/ أ.
(٤) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١١ ب.
(٥) في النسختين: (أقوام)، وهو تحريف ظاهر.
(٦) "غريب القرآن" ص ١٢٠.
(٧) "معاني الزجاج" ٢/ ١٤.
(٨) في "معاني الزجاج": يقوم أمركم.
(٩) انتهى من "معاني الزجاج" ٢/ ١٤ بتصرف.
وقوله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد أنفقوا عليهم منها (١).
ومعنى الرزق من العباد هو الإجراء الموظف لوقت معلوم، يقال: رَزَق فلانٌ عيالَه كذا وكذا، أي: أجرى عليهم. وإنما قال: (فيها) ولم يقل: منها؛ لأنه أراد (جعلوا (٢)) لهم فيها رزقًا، كأنه أوجب ذلك لهم (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]. قال ابن جريج ومجاهد: أي: عِدةً جميلةً من البر والصلة (٤).
وقال ابن عباس: يِريد عدة حسنة، يقول: إذا رَبحتُ في سفري هذه فعلت (٥) بك ما أنت أهله، وإن غنمتُ في غزاتي أعطيتُك (٦).
قال ابن زيد: هو الدعاء. يقول: عافانا الله وإياك، بَارك الله فيك (٧).
(١) أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٥٠، من طريق ابن جريج واسناده ضعيف. انظر "تحقيق المروي عن ابن عباس" ١/ ١٥٤.
(٢) هكذا في النسختين ولعله تصحيف، والصواب: اجعلوا كما في "الكشف والبيان" ٤/ ١١ ب.
(٣) "الكشف والبيان" ٤/ ١١ ب، وانظر: "معالم التنزيل" ٢/ ١٦٤.
(٤) هذا معنى ما أخرجه ابن جرير عن مجاهد وابن جريج، انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٥١، "الدر المنثور" ٢/ ٢١٤.
(٥) في الأصل: (فقلت) وهو تصحيف ظاهر.
(٦) لم أجده عن ابن عباس، لكن رُوي نحوه عن عطاء. انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١١ ب، "معالم التزيل" ٢/ ١٦٤٥.
(٧) طرف أثر عن ابن زيد أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٥١، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١١ ب، "الدر المنثور" ٢/ ٢١٤.
وكل ما سكنت إليه النفوس وأحبته من دول أو عمل فهو معروف، وما أنكرته وكرهته ونفرت منه فهو منكر (١).
وقال الزجاج: أي علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم (٢).
٦ - قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الآية. قال المفسرون: نزلت في ثابت بن رفاعة (٣)، وفي عمه (٤)، وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابتًا وهو صغير، فأتى عم ثابت إلى النبي - ﷺ - فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله- عز وجل-: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ (٥).
قال الحسن، وقتادة، ومجاهد، والسدي، وابن زيد: اختبروهم في عقولهم وأديانهم (٦).
(١) كأنّ هذا من المؤلف -رحمه الله- جمع بين الأقوال وتفسير للآية بعمومها فإن العبرة بعموم اللفظ، وقد تَبع في ذلك شيخه الثعلبي كما في "الكشف والبيان" ٤/ ١٢أ.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٤.
(٣) هو ثابت بن رفاعة الأنصاري، ترجموه ضمن الصحابة -رضي الله عنهم- لهذه القصة. انظر: "أسد الغابة" ١/ ٢٦٨، "الإصابة" ١/ ١٩٢.
(٤) لم أقف على ترجمته.
(٥) أخرجه ابن جرير بسنده عن قتادة مطولًا، وليس فيه التصريح بأنه سبب نزول الآية. انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٥٩، وأورده الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ١٢ أ، والمؤلف في "أسباب النزول" ص ١٤٣، والبغوي في "معالم التنزيل" ٢/ ١٦٥، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ١٤، وانظر "الدر المنثور" ٢/ ٢١٤، وعزاه ابن حجر إلى ابن منده وقال: هذا مرسل رجاله ثقات. "الإصابة" ١/ ١٩٢.
(٦) ذكر هذا القول عنهم ابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ١٤، وانظر: =
ومعنى هذا الابتلاء وكيفيته -على ما ذكره الفقهاء-: أن يُردّ إليه الأمر في نفقته عند مراهقة الحلم، ويعطى شيئًا نزرًا يتصرف فيه، ليعرف كيف تدبيره وتصرفه. وإن كانت جاريةً يرد إليها ما يرد إلى النساء من أمر البيت وتدبير الغزل والقطن (١).
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد: يريد الحلم (٢).
وتقديره: حتى إذا بلغوا حال النكاح من الاحتلام.
وقال آخرون: أي بلغوا مبلغ الرجال والنساء من القدرة على النكاح (٣). قال ابن قتيبة: أي بلغوا أن ينكحوا النساء (٤).
= "تفسير الحسن البصري" جمع د. محمد عبد الرحيم ١/ ٢٥٩، "الدر المنثور" ٢/ ٢١٥. أما السدي وابن زيد فقد اقتصرا على العقول دون الأديان. كما أخرج ذلك عنهما ابن جرير في "تفسيره" ٤/ ٢٥١ - ٢٥٢، وأخرج عن مجاهد كقولهما، وانظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢١٤.
(١) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١٢ب، "معالم التنزيل" ٢/ ١٦٥.
(٢) هذه الرواية ثابتة عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة كما في "تفسير ابن عباس" ص ١٣٥، "تفسير الطبري" ٤/ ٢٥٢، "الدر المنثور" ٢/ ٢١٤ - ٢١٥، "تحقيق المروي عن ابن عباس" ١/ ١٥٤.
أما عن مجاهد ففي "تفسيره" ١/ ١٤٥، وأخرجه الطبري عنه ٤/ ٢٥٢، وانظر: "تفسير الهواري" ١/ ٣٤٩، "الدر المنثور" ٤/ ٢١٤. وأما عن السدي فلم أقف عليه. وأما عن ابن زيد فقد أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٥٢.
(٣) هذا قول الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ١٢ أ، وابن قتيبة كما سيذكر المؤلف. والظاهر أن القولين متقاربان أو متلازمان في الأعم الأغلب من الناس، فإن من احتلم فقد قدر على النكاح من هذه الناحية، ومن قدر على النكاح فقد احتلم، ويؤيد ذلك ما ذكره المؤلف -رحمه الله- من التقدير للقول الأول، والله أعلم.
(٤) "غريب القرآن" ص ١٢٠.
ومعنى النكاح هو إنزال الماء، فإذا أنزل الغلام أو الجارية فقد بلغ، سواءٌ كان عن جماع أو احتلام.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. معنى (آنستم) قال ابن عباس: عرفتم (١)، وقال عطاء عنه: يريد رأيتم (٢).
وقال الفراء: وجدتم (٣). وقال الزجاج: علمتم (٤).
وأصل الإيناس في اللغة: الإبصار (٥)، ومنه قوله: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩]، وقال ابن حلزة (٦):
آنَست نَبأَةً وأفَزَعها القَـ ـنَّاص عَصرًا وقد دَنا الإمساءُ (٧)
أي أحسَّت ووجدت.
(١) هذه الرواية ثابتةٌ عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة، كما في "تفسير ابن عباس" ص ١٣٥، وأخرج ذلك ابن جرير ٤/ ٢٥٢، وانظر: "تحقيق المروي عن ابن عباس" ١/ ١٥٥.
(٢) لم أقف علي رواية عطاء هذه، وهي بمعنى الأولى الثابتة عن ابن عباس.
(٣) "معاني القرآن" ١/ ٢٥٧.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٤.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٢١٦ (أنس)، "الكشف والبيان" ٤/ ١٢ أ، "اللسان" ١/ ١٥٠ (أنس).
(٦) هو الحارث بن حلزة بن مكروه اليشكري الوائلي شاعر جاهلي وأحد أصحاب المعلقات السبع وقد ارتجلها ارتجالًا بين يدي ملك الحيرة، توفي سنة ٥٠ قبل الهجرة تقريبًا. انظر: "الشعر والشعراء" ص ١١١، "طبقات الشعراء" ١/ ١٥١، "الأعلام" ٢/ ١٥٤.
(٧) هذا البيت من معلقة ابن حلزة -وهي المعلقة السابعة- كما في "شرح المعلقات" للزوزني ص ١٥٦. قال الزوزني في شرح البيت: النبأة الصوت الخفي يسمعه الإنسان أو يتخيله، والقناص جمع قانص، وهو الصائد.
وقوله تعالى: ﴿رُشْدًا﴾ قال ابن عباس والسدي: هو الصلاح في العقل وحفظ المال (١). وقال عطاء عنه: يريد صلاحًا ومعرفة وعقلًا (٢).
وقال الزجاج. معنى الرشد: الطريقة المستقيمة التي تثقون (٣) معها بأنهم يحفظون أموالهم (٤).
وقال الشافعي -رضي الله عنه-: الرشد: من يكون صالحًا في دينه، مصلحًا لماله (٥). ولا يجوز دفع مال اليتيم إليه إلا بعد البلوغ وتبين العفاف وإصلاح المال منه (٦).
= يقول: أحست هذه النعامة بصوت الصيادين فأخافها ذلك. وقد استشهد بالبيت الثعلبي ٤/ ١٢ أ، والألوسي ٤/ ٢٠٥.
(١) الأثر عن ابن عباس ثابت من طريق ابن أبي طلحة كما في "تفسير ابن عباس" ص ١٣٥، وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" ٤/ ٢٥٢ لكن بلفظ: (رُشدًا) في حالهم والإصلاح في أقوالهم. وانظر "تفسير ابن كثير" ١/ ٤٩٢، "تحقيق المروي" عن ابن عباس ١/ ١٥٥. أما عن السدي فأخرجه ابن جرير ٤/ ٢٥٢ أيضًا، لكن بلفظ: عقولًا وصلاحًا.
(٢) رواية عطاء هذه بمعنى رواية ابن أبي طلحة الثابتة، ولم أقف عليها.
(٣) في النسختين: يثقون بالتحتية للغيبة، والأولى بالفوقية الخطاب؛ لأن في الآية الخطاب، ولموافقة ذلك ما في معاني الزجاج.
(٤) "معاني الزجاج" ٢/ ١٤.
(٥) من "الكشف والبيان" ٤/ ١٣ ب، وعبارة الشافعي: والرشد -والله أعلم- صلاح في الدين حتى تكون الشهادة جائزة وإصلاح المال. "الأم" ٣/ ٢١٥، وانظر "معالم التنزيل" ٢/ ١٦٥ - ١٦٦، "تفسير ابن كثير" ١/ ٤٩٢. قال الثعلبي: فالرشد عنده -أي: الشافعي- شيئان: جواز الشهادة واصلاح المال وهذا قول الحسن وربيعة ومالك، "الكشف والبيان" ٤/ ١٣ ب، وانظر "تفسير الحسن البصري" ١/ ٢٥٩.
(٦) انظر: "الأم" ٣/ ٢١٨، "الكشف والبيان" ٤/ ١٢ب، "معالم التنزيل" ٢/ ١٦٥.
وأبو حنيفة وأصحابه اعتبروا صلاح المال، ولم يعتبروا صلاح الدين (١).
وهذا الاختلاف يعود إلى الاختلاف في معنى الرشد، فمن جعل معنى الرشد حفظ المال وإصلاحه يزيل الحجر عن اليتيم بالبلوغ وحفظ المال، دون الصلاح في الدين، ومن جعل معنى الرشد صلاح الدين وحفظ المال اعتبرهما في زوال الحجر عن اليتيم، وهذا هو الأولى (٢)؛ فإن أهل اللغة قالوا في معنى الرشد: إنه إصابة الخير (٣)، والمفسد في دينه لا يكون مصيبًا للخير. وأيضًا فإن الرشد نقيض الغي، قال الله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، والغي: هو الجهالة والبطالة والفساد. قال طرفة:
أرى قبرَ نَحَّامٍ بَخيلٍ بمالِه كقبر غويٍّ في البَطَالة مُفْسدِ (٤)
فجعل المفسد غويًا (٥)، فدل هذا على أن المفسد في دينه لم يبلغ الرشد.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾.
(١) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١٣ ب، ١٤ أ، "معالم التنزيل" ٢/ ١٦٦، والقرطبي ٥/ ٣٧، ٣٨.
(٢) انظر: "البغوي" ٢/ ١٦٧، "القرطبي" ٥/ ٣٧، ٣٨.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٤١١ (رشد)، "مقاييس اللغة" ٢/ ٣٩٨ (رشد)، "اللسان" ٣/ ١٦٤٩ (رشد).
(٤) "ديوانه" ص ٢٦، "شرح المعلقات السبع" للزوزني ص ٦٢. والنَحّام: البخيل.
(٥) في (د): (غوي).
قال ابن عباس: يريد لا تبادروا في أموال اليتامى بالسرف قبل أن يبلغ الحلم والرشد (١).
وقال المفسرون: يريد (٢): لا تبادروا بأكل مالهم كبرهم ورشدهم حذرًا أن يبلغوا فيلزمكم تسليم المال إليهم (٣).
و (أن) في محل النصب؛ لأنه مفعول المصدر، على تقدير: مبادرة كبرهم (٤). ثم بين ما يحل لهم فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾. قال ابن عباس: يريد: من كان غنيًّا من الأوصياء فليستعفف عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئًا (٥).
معنى: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: ليترك ذلك ولا يأكل. يقال: استعفف عن الشيء وعف إذا امتنع منه وتركه (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. اختلفوا في الأكل بالمعروف: ما هو؟ فقال قوم: هو أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه من
(١) "تفسير ابن عباس" ص ١٣٥، وأخرجه ابن جرير من طريق ابن أبي طلحة أيضًا ٤/ ٢٥٤، لكن بلفظ: يعني أكل مال اليتيم مبادرًا أن يبلغ فيحول بينه وبين ماله. انظر "تحقيق المروي" عن ابن عباس ١/ ١٥٥.
(٢) في (أ): (يقول).
(٣) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٥٤، "الكشف والبيان" ٤/ ١٥أ.
(٤) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٥٤، "معاني الزجاج" ٢/ ١٤، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٩٧، "الكشف والبيان" ٤/ ١٥ أ، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٩٠.
(٥) أخرجه ابن جرير بمعناه من أكثر من طريق كما في "تفسيره" ٤/ ٢٥٥، وانظر: "تحقيق المروي" عن ابن عباس ١/ ١٥٦ - ١٥٧، وقد صحح المحقق إسنادًا من أسانيد ابن جرير وحسن آخر.
(٦) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١١٥، "الصحاح" ٤/ ١٤٠٥ (عف)، "تفسير الثعلبي" ٤/ ١٥ أ، "اللسان" ٥/ ٣٠١٥ (عف).
مال اليتيم قرضًا، ثم إذا أيسر قضاه، فإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه.
وهذا قول سعيد بن جبير (١)، وعبيدة (٢) (٣)، ومجاهد (٤)، وأبي العالية (٥)، وأكثر الروايات عن ابن عباس (٦).
والدليل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء: ١١٤]، قالوا: يعني القرض (٧). وما روي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: (ألا) (٨) إني أنزلت نفسي من مال الله عز وجل بمنزلتي من مال اليتيم، إن
(١) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١٤٧، والطبري ٤/ ٢٥٦ بأكثر من طريق، وانظر الثعلبي ٤/ ١٥ أ.
(٢) هو أبو عمرو عبيدة بن عمرو السلماني المرادي الكوفي، مخضرم، ومن كبار أئمة التابعين فقيه مقرئ فاضل، وحديثه عند الجماعة. توفي -رحمه الله- قبل السبعين من الهجرة. انظر: "تاريخ الثقات" ١٢٤ - ١٢٥، "مشاهير علماء الأمصار" ص ٩٩، "التقريب" ص ٣٧٩ رقم (٤٤١٢).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١٤٧، ١٤٨، والطبري ٤/ ٢٥٥، وانظر: الثعلبي ٤/ ١٥ أ.
(٤) "تفسيره" ١/ ١٤٦، وأخرجه عبد الرزاق ١/ ١٤٧، والطبري ٤/ ٢٥٦ - ٢٥٧ من عدة طرق.
(٥) أبو العالية هو رفيع بن مهران الرياحي، تقدمت ترجمته.
(٦) ومنها رواية ابن أبي طلحة، انظر: "تفسير ابن عباس" ص ١٣٥، والطبري ٤/ ٢٥٥ والثعلبي٤/ ١٥ أ، و"زاد المسير" ٢/ ١٦، و"تفسير ابن كثير" ١/ ٤٩٣، و"الدر المنثور" ٢/ ٢١٥ - ٢١٦، و"تحقيق المروي" عن ابن عباس ١٥٨/ ١٥٩.
(٧) رُوي عن ابن عباس ومقاتل بن حيان، وقيل إن المعروف في هذه الآية عام يشمل جميع أنواع البر. وهو أولى. انظر: "زاد المسير" ٢/ ٢٠٠، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٨٦، "الدر المنثور" ٢/ ٢١٦.
(٨) ما بين القوسين غير موجود في (د).
استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرتُ قضيت (١).
وقال بعضهم: معنى الأكل بالمعروف هو أن يقتصد ولا يسرف، ثم لا قضاء عليه فيما يأكل. فهذا قول عطاء (٢)، وعكرمة (٣)، والسدي (٤).
وقال إبراهيم: هو ما سد الجوعة ووارى العورة (٥).
وذهبت عائشة وجماعة من العلماء (٦) إلى أن المعروف هو أن يأخذ من جميع المال إذا كان يلي ذلك بقدر قيامه وعمله وأجرته، وإن أتى على جميع المال، ولا قضاء عليه، وهذا طعمة من الله له (٧). ودليل صحة هذا ما روي عن ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن في حجري يتيمًا أفاضربه؟ قال: "مما كنت ضاربًا منه ولدك"، قال: يا رسول الله أفآكل من ماله؟ قال: "غير متأثل مالًا، ولا واقٍ مالك بماله" (٨)
(١) أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٥٥، والثعلبي ٤/ ١٥ ب. انظر: "زاد المسير" ٢/ ١٦، "معالم التنزيل" ٢/ ١٦٨، "تفسير ابن كثير" ١/ ٤٩٣، "الكافي الشاف" ص ٣٩.
(٢) هو ابن أبي رباح أخرج ذلك عنه الطبري ٤/ ٢٥٩.
(٣) أخرجه الطبري ٤/ ٢٦٠.
(٤) انظر الثعلبي ٤/ ١٥ ب، "زاد المسير" ٢/ ١٦.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١٤٧، والطبري من طرق ٤/ ٢٦٠ كلاهما بلفظ الجوع بدل الجوعة.
(٦) منهم ابن عباس - رضي الله عنه - والإمام أحمد -رحمه الله- كما في "زاد المسير" ٢/ ١٦.
(٧) أخرج البخاري عن عائشة - رضي الله عنه - كتاب: التفسير، باب: (من كان غنيًا فليستعفف) رقيم (٤٥٧٥) أنها قالت في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: أنها نزلت في مال اليتيم إذا كان فقيرًا أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بالمعروف البخاري كتاب التفسير سورة النساء، باب: ٢ ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٥/ ١٧٧.
(٨) أخرجه الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ١٦ أ، ب، وانظر "الكافي الشاف" ص ٣٨.
وعلى هذا الحكم اليوم، فالقيم ممنوع من الإسراف، وإنما له أجر مثل عمله؛ لأنه أجير بالشرع. والغني يستعف كما أمره الله، وإن أخذ الأجرة حلت له في الحكم في مقابلة عمله (١).
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾. هذا وصية من الله تعالى للأولياء بالإشهاد على دفع المال إذا دفعوه إلى الأيتام، لكن إن وقع اختلاف أمكن للولي أن يقيم البينة على أنه رد المال إليه (٢). وفي هذا دليل على أن القول قول اليتيم عند التنازع، وذلك أن القيّم خير (٣) مؤتمن من جهة اليتيم، وإنما هو مؤتمن من جهة الشرع، ولذلك أمر بالإشهاد (٤)، وليس بفريضة (٥).
قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ قال ابن الأنباري والأزهري: يكون بمعنى محاسبًا، ويكون بمعنى كافيًا (٦).
فمن الأول قولهم للرجل عند التهدد: حسيبه الله. ومعناه: محاسبه الله
(١) هذا يدل على أن ما ذهبت إليه عائشة -رضي الله عنها- ومن وافقها هو المعمول به عند الشافعية.
(٢) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١٦ ب، "معالم التنزيل" ٢/ ١٦٩.
(٣) المعنى يقتضي أنها: (غير) بالغين.
(٤) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٤٤، ٤٥.
(٥) "الكشف والبيان" ٤/ ١٦ ب، وانظر: "معالم التنزيل" ٢/ ١٦٩، "زاد المسير" ٢/ ١٧. وقصد المؤلف تبعًا للثعلبي بقوله: ليس بفريضة أي: الإشهاد ليس بفريضة. وقيل بفرضيته.
انظر: "المحرر الوجيز" ٤/ ٥٠٢، "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٤٤.
(٦) هذا نص ما ذكره الأزهري عن أبي إسحاق النحوي في "تهذيب اللغة" ١/ ٨١٠ (حسب)، ونحو ما ذكره ابن الأنباري "الزاهر" ١/ ٦، وانظر: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص ١٢٩.
على ما يفعل من الظلم (١).
وأنشد ابن الأنباري (٢) قول قيس المجنون (٣):
دعا المحرمون اللهَ يستغفرونه بمكةَ يومًا أن تُمَحَّا ذُنوبُها
وناديتُ يا ربّاه أولُ سؤلتي لنفسي لَيلَى ثم أنت حسيبُها (٤)
قال (٥) فمعناه: ثم أنت محاسبها على ظلمها.
قالوا: فالحسيب هو المحاسب بمنزلة قول العرب: الشريب. للمشارب (٦).
وأنشد (٧) أيضًا قول المخبل السعدي (٨):
فلا تُدخِلنَّ الدهر قبرك حَوبَةً يقوُم بها يومًا عليك حسيبُ (٩)
معناه محاسبك عليه الله تعالى (١٠).
ومن الكفاية قولهم: حسيبك الله. ومعناه: كافي إياك الله (١١).
(١) من "الزاهر" ١/ ٦ بتصرف.
(٢) في "الزاهر" ١/ ٦.
(٣) هو قيس بن الملوح العامري، شاعر غزل ويعرف بمجنون ليلى بسبب أنه حجب منها مع حبه لها فهام على وجهه ينشد الأشعار، وله ديوان وأخبار. توفي سنة ٦٥ أو ٦٨ هـ. انظر: "ديوانه" ص ٧ المقدمة، "الأعلام" ٥/ ٢٠٨.
(٤) "ديوانه" ص ٣١، لكن في البيت الأول: شعثًا بدل يومًا، وفي الثاني: يا رحمن بدل يا رباه.
(٥) أي ابن الأنباري في "الزاهر" ١/ ٦.
(٦) "الزاهر" ١/ ٦، وانظر: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص ١٢٩.
(٧) أي ابن الأنباري في "الزاهر" ١/ ٥.
(٨) تقدم ترجمته.
(٩) البيت في اللسان ٢/ ١٠٣٦ (حوب) لكنه فيه: يدخلن بالتحتية ورفع حوبة.
(١٠) في "الزاهر" ١/ ٥: محاسب عليها عالم بها.
(١١) من "الزاهر" ١/ ٦.
وقد ذكرنا في اللغة في هذا (١) قوله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾: يريد مجازيًا للحسن والمسيء (٢)، وهذا يعود إلى المحاسب؛ لأن الحساب إنما هو للجزاء.
والباء في قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾، ﴿وَكَفَى بِرَبِكَ﴾ [الإسراء:١٧، ٦٥]، [الفرقان:٣١] في جميع القرآن (٣) زائدة (٤).
قال الزجاج: المعنى: كفى الله، كفى ربُك (٥). واستقصاء هذا مذكور في هذه السورة عند قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] (٦).
(١) هكذا في النسختين والعبارة ركيكة، ويحتمل أن الناسخ قدم حرف الجر.
(٢) لم أقف عليه لا عند ابن جرير ولا الثعلبي ولا غيرهما، وذكره المؤلف في "الوسيط" بتحقيق بالطيور ٢/ ٤٥٠، وقد ذكر ابن الجوزي أن قول ابن عباس هو أن الحسيب بمعنى الشهيد كما في "زاد المسير" ٢/ ١٧.
(٣) انظر: "المعجم المفهرس لألفاظ القرآن" ص ٦١٣، ٦١٤ (كفى).
(٤) وتفيد التوكيد عند بعض العلماء. انظر "الكتاب" ١/ ٤١، ٩٢، ٢/ ٢٦، "معاني الحروف" للرماني ص ٣٧، "الدر المصون" ٣/ ٥٨٦. وتعبير المؤلف بقوله: زائدة غير مناسب؛ فإن المحققين من العلماء يتحاشون مثل ذلك. قال ابن هشام: وينبغي أن يتجنب المعرب أن يقول في حرف في كتاب الله تعالى إنه زائد، لأنه يسبق إلى الأذهان أن الزائد هو الذي لا معنى له، وكلام الله سبحانه منزّه عن ذلك، والزائد عند النحويين معناه الذي لم يؤت به إلا لمجرد التقوية والتوكيد، وكثير من المتقدمين يسمون الزائد صلة وبعضهم يسميه مؤكدا وبعضهم يسميه لغوًا، لكن اجتناب هذه العبارة في التنزيل واجب. "الإعراب عن قواعد الإعراب" ص ١٠٨، ١٠٩، وانظر: "البرهان" للزركشي ١/ ٣٠٥، "تفسير ابن كثير" ١/ ٤٩٨، "الدر المصون" ٥/ ٢٦٣.
(٥) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٥٧.
(٦) تفسير هذه الآية من القسم المفقود.
وحسيبًا منصوب على وجهين: أحدهما الحال. المعنى: وكفى بالله في حال الكفاية والحساب، الثاني: يكون منصوبًا على التمييز، على معنى: كفى الله من الكِفاء والمحاسبين (١).
٧ - قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ الآية. قال المفسرون: كانت العرب في الجاهلية لا تورث النساء ولا الصغار شيئًا وإن كانوا ذكورًا، وإنما كانت تورث الكبار ومن طاعن بالرماح وحاز الغنيمة، فأبطل الله عز وجل ذلك، وأعلم أن حق الميراث على ما ذُكر من القرض (٢).
وقوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. قد ذكرنا معنى الفرض فيما تقدم (٣). واختلفوا في انتصاب قوله: ﴿نَصِيبًا﴾، فقال الفراء (٤): لأنه اسم في موضع المصدر، كقولك: قسمًا واجبًا وحقًّا لازمًا (٥).
ولو كان اسمًا (ليس في معنى المصدر) (٦) لم ينصب (نحو: لك عندي حق درهمًا) (٧)، ومثله مما ينصب قولك: لك عندي درهمان هبة
(١) انظر: "البحر المحيط" ٣/ ١٧٤، "الدر المصون" ٣/ ٥٨٧، ورجح السمين الوجه الثاني.
(٢) ذكر السيوطي نحوه عن ابن عباس من طريق الكلبي في "لباب النقول" ص ٦٤، "الدر المنثور" ٢/ ٢١٧، وانظر: "الطبري" ٤/ ٢٦٢، و"الثعلبي" ٤/ ١٦ ب، "الوسيط" بتحقيق بالطيور ٢/ ٤٥١، و"أسباب النزول" للمؤلف ص ١٤٨، والبغوي ٢/ ١٦٩، و"زاد المسير" ٢/ ١٨، وابن كثير ٢/ ٤٩٤، و"الدر المنثور" ٢/ ٢١٨.
(٣) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية ١/ ل١٢٢.
(٤) في "معاني القرآن" ١/ ٢٥٧.
(٥) هذا المثال ليس في معاني الفراء - حسب المطبوع.
(٦) في "معاني الفراء" جاءت كلمة: (صحيحًا) بدل ما بين القوسين هنا.
(٧) ما بين القوسين عند الفراء: ولكنه بمنزلة قولك: لك على حق حقًا، ولا تقول: لك علي حق درهمًا فكأن المؤلف تصرف في العبارة.
مقبوضة. فالمفروض في هذا الموضع بمنزلة قولك: فريضة وفرضاً (١).
وقال الزجاج: هذا منصوب على الحال، المعنى: لهؤلاء أنصبة على ما ذكرناها في حال الفرض (٢).
وقال الأخفش: هو نصب على معنى: جعل لهم نصيبًا (٣). والآية تدل على [هذا؛ لأن قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾ يدل على (٤)] معنى جعل لهم نصيبًا (٥)
٨ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ عنى قسمة المال بين الورثة، يقال: قسمت المال قسمًا و [قسَّمته] تقسيمًا، والقسم اسم للمقسوم، والقسيم الذي يقاسمك (...) (٦) المقسوم أيضًا، يقال: أخذ قسمه وقسيمه ومقسمه (٧). وهذا قد ذكره ثعلب عن ابن الأعرابي، وهو صحيح.
قال الخليل: (القِسْم (٨)) الحظّ والنصيب من الخير (٩)، ومنه سمي
(١) انتهى من "معانى الفراء" ١/ ٢٥٧، وانظر: "الكشاف" ١/ ٢٤٩، "الدر المصون" ٣/ ٥٨٨.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٥، وانظر "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٩٠، "الدر المصون" ٣/ ٥٨٩.
(٣) "معاني القرآن" ١/ ٤٢٢، ٤٣٤، وانظر "الدر المصون" ٣/ ٥٨٩.
(٤) ما بين القوسين ليس فى (أ).
(٥) هذا ترجيح من المؤلف للوجه الأخير في إعراب (نصيبا) وأنه منصوب بفعل مقدر، وانظر "الإملاء بهامش الفتوحات" ١/ ٣٥٨.
(٦) ما بين القوسين بياض في (أ)، (د). وهذه الكلمة جاءت في "العين" للخليل ٥/ ٨٦: القسم.
(٧) انظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٩٦١ (قسم).
(٨) في (أ): المقسم بالميم، وما أثبته هو الموافق لما في "العين" ٥/ ٨٦ (قسم)، "الجمهرة" ٢/ ٨٥١ (قسم)، "تهذب اللغة" ٣/ ٢٩٦١ (قسم)، "الصحاح" ٥/ ٢٠١٠ (قسم)، "اللسان" ٦/ ٣٦٢٨ (قسم).
(٩) "العين" ٥/ ٨٦ (قسم)، وانظر: "التهذيب" ٣/ ٢٩٦١، "الصحاح" ٥/ ٢٠١٠، =
الرجل: مقسما. وأنشد النضر:
فما لك إلا مِقسمٌ ليس فائتًا به أحدٌ فاستَأْخِرَن أو تَقَدَّمَ (١)
ويقال: قاسمت فلانًا المال مقاسمةً، وأقسمنا، وتقاسمنا المال فيما بيننا (٢).
قال النابغة (٣):
إنّا اقتَسَمْنا خُطَّتَينا بيَننا فحَمَلتُ بَرَّةَ واحتملتَ فَجَارِ (٤)
و (القسمة) (٥) الاسم من الاقتسام، لا من القسم (٦)، كالخبرة من
= "اللسان" ٦/ ٣٦٢٩.
(١) لم أعرف قائله، وهو من شواهد "أساس البلاغة" ٢/ ٢٥١ (قسم) لكن عجزه:
به أحد فاعجل به أو تأخر
وهو أيضًا في "لسان العرب" ٦/ ٣٦٢٩ (قسم) كما عند المؤلف، لكن قافيته: (تقدما) بألف مد بعد الميم.
(٢) انظر: "العين" ٥/ ٨٦ (قسم)، "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٩٦٣ (قسم)، "اللسان" ٦/ ٣٦٢٩ (قسم).
(٣) تقدمت ترجمته.
(٤) "ديوان النابغة الذبياني" ٨٦، "الكتاب" ٣/ ٢٧٤، "الكامل" ٢/ ٧٠، "الجمل" للزجاجي ص ٢٢٩، "الخصائص" ٢/ ١٩٨. والنابغة يخاطب بهذا البيت زُرعة بن عمرو الكلابي، وكان قد عرض زُرعةُ على النابغة وعشيرته أن يغدروا ببني أسد فأبى، فجعل النابغة خطته في الوفاء برة من البر، وجعل خطة زرعة فجار من الفجور لأنه أراد نقض العهد.
(٥) في (د): (القسيمة).
(٦) انظر: "الصحاح" ٥/ ٢٠١١ (قسم)، "اللسان" ٦/ ٣٦٣٠ (قسم).
الاختبار.
ولا يكاد الفصحاء يقولون: قَسمت بينهم قِسمة. وقد ذكر ذلك في كتاب الليث (١)، وليس ذلك بصحيح. وقسْمَتك ما أخذته من الأقسام، والجمع قِسَم.
وقوله تعالى: ﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ (٢) يعني: الذين يحزنون ولا يرثون (٣).
﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ الآية. اختلفوا في حكمها، فقال ابن عباس في رواية عطاء وعطية (٤): هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وإباحة الثلث للميت يجعله حيث يشاء من القرابات واليتامى والمساكين (٥).
(١) في "اللسان" ٦/ ٣٦٣٠ (قسم): الليث: يقال: قسمت الشيء بينهم قسمًا وقسمة، والقسمة مصدر الاقتسام.
(٢) في (أ)، (د): (أولي)، وهو خطأ ظاهر.
(٣) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١٧ ب، و"معالم التنزيل" ٢/ ١٧٠، و"المحرر الوجيز" ٣/ ٥٠٤.
(٤) تقدمت ترجمته.
(٥) أخرجه بنحو منه من طريق عطاء عن ابن عباس أبو داود في "الناسخ والمنسوخ"، وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢١٩.
ومن طريق عطية العوفي -وهي طريق ضعيفه- أخرجه بمعناه ابن جرير ٤/ ٢٦٤، وابن أبي حاتم في "الدر المنثور" ٢/ ٢١٩.
وقد أشار الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٨/ ٢٤٢، إلى ضعف ما رُوي عن ابن عباس أن هذه الآية منسوخة.
وسيأتي قريبًا ما يبين ثبوت الرواية عن ابن عباس بأنه محكمة، وانظر: "الوسيط" بتحقيق بالطيور ٢/ ٤٥٣.
وورد عن ابن عباس من طريق مجاهد أن هذه الآية نسخت بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، لكنه ضعيف. انظر: "الناسخ المنسوخ" بتحقيق د. سليمان اللاحم ٢/ ١٥٦.
وهذا مذهب سعيد بن المسيب (١)، وأبي مالك، والضحاك (٢).
وقال في رواية عكرمة ومِقْسَم (٣): الآية محكمة غير منسوخة (٤).
وهذا مذهب أبي موسى، وإبراهيم، والشعبي، والزهري، ومجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير، وعبيدة، وقتادة (٥).
ثم اختلف هؤلاء، فذهب بعضهم إلى أنه يجب على الوارث أن يرضخ لمن حضر القسمة شيئًا من المال بقدر ما تطيب به نفسه.
(١) تقدمت ترجمته.
(٢) انظر "الناسخ والمنسوخ في كتاب الله" لقتادة ص ٣٨، والطبري ٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥، "الناسخ والمنسوخ" للنحاس ٢/ ١٥٨، و"الكشف والبيان" ٤/ ١٧ ب، وابن كثير ١/ ٤٩٥، و"زاد المسير" ٢/ ٢١، و"فتح الباري" ٨/ ٢٤٢، و"الدر المنثور" ٢/ ٢١٩.
(٣) هو أبو القاسم مِقسَم بن بجرة -وقيل نجدة- من الموالي، ولزم ابن عباس وهو من مشاهير التابعين وحُكم عليه بأنه صدوق يُرسل، مات -رحمه الله- سنة ١٠١ هـ. انظر: "ميزان الاعتدال" ٥/ ١٠٣، "التقريب" ص ٥٤٥ رقم (٦٨٧٣).
(٤) أخرجه من طريق عكرمة البخاري رقم (٤٥٧٦) في كتاب التفسير سورة النساء، باب: ٣ ﴿إذا حضر القسمة....﴾، وقال البخاري: تابعه سعيد بن جبير عن ابن عباس. وكذلك أخرجه ابن جرير ٢/ ٢٦٣، وعن طريق مِقسَم أخرجه ابن جرير ٢/ ٢٦٤ بمعناه.
وانظر "الكشف والبيان" ٤/ ١٧ ب، وابن كثير ١/ ٤٩٤، و"الدر المنثور" ٢/ ٢١٨.
قال ابن حجر عن طريق عكرمة وسعيد: وهذان الإسنادان الصحيحان عن ابن عباس هما المعتمدان.
(٥) انظر: "الطبري" ٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس ٢/ ١٥٨، و"الكشف والبيان" ٤/ ١٧ ب، ١٨ أ، وابن كثير ١/ ٤٩٩، و"الدر المنثور" ٢/ ٢١٨ - ٢١٩.
هذا إذا كان الوارث كبيرًا، فإن كان صغيرًا تولى إعطاء هؤلاء وليه (١).
قال الحسن والنخعي: أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات (٢)، والمساكين، واليتامى من العين، فإذا قُسِم الذهب والورق وصارت القسمة إلى الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك قالوا لهم قولًا معروفًا، كانوا يقولون: بُورك فيهم (٣).
وقال ابن عباس والسدي وغيرهما: إذا حضر القسمة هؤلاء؛ فإنْ كان الميت أوصى لهم بشيء أُنفِذ، وإن لم يوص (٤) وكان الورثة كِبارًا رَضَخُوا لهم، وإن كانوا صغارًا اعتذر إليهم الولي، ويقول: إني لا أملك هذا المال، وإنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعقلون ما عليهم من الحق، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم. فهذا هو القول المعروف (٥).
وقال بعضهم: هذا على الندب والاستحباب، لا على الفرض والإيجاب؛ يستحب للوارث أن يقسم لهؤلاء شيئًا من التركة، فإن ترك ذلك لم يُحَرَّج (٦).
(١) انظر: "الطبري" ٤/ ٢٦٥.
(٢) في (أ): (القربات).
(٣) من "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ١٦. وذكره بنحوه عنهما ابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ٢٠، وانظر "تفسير الحسن" ١/ ٢٦٣.
(٤) في (د): يوص لهم.
(٥) هذا معنى قول ابن عباس والسدي وغيرهما كسعيد بن جبير. انظر الطبري ٤/ ٢٦٧ - ٢٦٨، "زاد المسير" ٢/ ٢٠، وما ساقه المؤلف نص ما ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ١٧ ب، ١٨ أ.
(٦) أشار ابن عطية إلى أن ممن ذهب إلى الندب الحسن وسعيد بن جبير. انظر "المحرر الوجيز" ٣/ ٥٠٤ - ٥٠٥. ولم أجد ذلك صريحًا عنهما.
وهذا هو الذي عليه الناس اليوم (١).
وقوله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ أي: من الميراث، رَدّ الكناية إلى معنى القسمة لا إلى اللفظ، كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦]، والصُّواع مذكر لا يُكنى عنه بالتأنيث، لكن أريد به المَشْربة والسِّقاية، فعادت الكناية إلى المعنى لا إلى اللفظ (٢).
وقال أبو علي: القسمة ههنا يراد بها المقسوم؛ لأنه إنما يُرزق من التركة المقسومة (٣).
٩ - قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية. اختلفوا في هذه الآية على قولين:
أحدهما: أن معنى الآية: وليخش من لو كان له ولد صغار خاف عليهم بعده الضيعة، أن يأمر الموصي بالإسراف فيما يعطيه اليتامى المساكين وأقاربه الذين لا يورثون، فيكون قد أمره بما لم يكن يفعله لو كان هو الميت.
قال ابن عباس في رواية عطاء: كان الرجل إذا حضرته الوفاة قعد
(١) قد رجح القول الأخير وهو القول بالاستحباب النحاس في "الناسخ والمنسوخ" ٢/ ١٥٩، وابن العربي في "أحكام القرآن" ١/ ٣٢٩، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٤٩.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٤٣٤، "البيان" ١/ ٢٤٤، "الدر المصون" ٣/ ٥٨٩.
(٣) قول أبي علي لم أقف عليه وهو بمعنى ما ذكر المؤلف قبله، وانظر -إضافة إلى ما سبق-: "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٩٠، "غرائب التفسير" ١/ ٢٨٥، "الإملاء" ١/ ٣٥٨.
عنده أصحاب رسول الله - ﷺ - فقالوا: انظر لنفسك فإنّ ولدك لا يُغنون عنك من الله شيئًا، فيُقدِّم جل ماله وَيحجب ولده، وهذا قبل أن تكون الوصية في الثلث، فكره الله ذلك منهم وقال: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ يريد: من بعدهم. ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ يريد: صغارًا. ﴿خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ الفقر، ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ يريد: فليخافوا الله إذا تَعدَّوا عند أحد من إخوانهم وهو في الموت. ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ يريد بالسديد من القول العدل، وهو أن يأمره أن يُخَلِّف ماله لولده ويتصدق ما دون الثلث (١).
وهذا قول أكثر المفسرين، سعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي والضحاك ومجاهد (٢).
والقول الثاني: أن هذا وعظ لولاة اليتامى، وعظوا في تَوِليَتِهم أمرهم بأن يفعلوا كما يحبون أن يُفعل بأولادهم من بعدهم. يقول: وليخش من لو ترك ولدًا صغارًا خاف عليهم الضَّيعة، فليُحسن إلى من كفله من اليتامى، وليفعل بهم ما يحب أن يفعل بولده من بعده.
وهذا قول تحتمله الآية، ولم أر أحدًا من المفسرين ذكره (٣)، وبعض
(١) أورده عن عطاء عن ابن عباس الهواري في "تفسير كتاب الله العزيز" ١/ ٣٥١، وأخرجه بمعناه عن ابن عباس الطبري ٤/ ٢٦٩ - ٢٧٠ لكن من طريق ابن أبي طلحة -وهي أصح- وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٢٢٠، أيضًا إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي. وانظر: "تحقيق المروي عن ابن عباس" ١/ ١٧٥.
(٢) انظر: "تفسير القرآن" لعبد الرازق ١/ ١٥٠، والطبري ٢٧٠ - ٢٧١، و"زاد المسير" ٢/ ٢٢، وابن كثير (٤٩٥)، و"الدر المنثور" ٢/ ٢٢٠.
(٣) بل ذكره غير واحد، وهو مروي عن ابن عباس وابن زيد، واستحسنه ابن كثير. انظر "تأويل مشكل القرآن" ص ٣٢٣، والطبري ٤/ ٢٧٠، و"معاني الزجاج" ٢/ ١٧، و"زاد المسير" ٢/ ٢٢، وابن كثير ٢/ ٢١٠.
المتأخرين حكاه، وعزاه إلى الكلبي (١). وليس هو في تفسيره المعروف بطريق يوسف بن بلال (٢).
وقرأ (٣) حمزة: ﴿ضِعَافًا خَافُوا﴾ بالإمالة فيهما (٤). ووجه إمالة (ضعاف) أنّ ما كان على وزن فِعال، وكان أوله حرفًا مستعليًا مكسورًا، نحو: صِفات (٥)، وقِفاف (٦)، وخِباث وغِلاب، يحسن فيه الإمالة، وذلك أنه تصعّد بالحرف المستعلي ثم انحدر بالكسر، فيستحب أن لا يتصعّد بالتفخيم بعد التصوّب (٧) بالكسر، فيجعل الصوت (٨) على طريقة واحدة فلا يتصعّد بالتفخيم بعد التصوّب بالكسرة (٩) التي في خفت فينحوا نحوها بالإمالة.
قال سيبويه: بلغنا عن ابن أبي إسحاق (١٠) أنه سمع كثير عزة يقول: صار مكان كذا (١١)، بالإمالة (١٢).
(١) يقصد بمن حكاه وعزاه شيخه الثعلبي كما في "الكشف والبيان" ٤/ ١٨ ب.
(٢) لم أقف له على ترجمته.
(٣) الكلام في القراءة من "الحجة" ٣/ ١٣٣.
(٤) أي بإمالة العين والخاء. انظر: "الحجة" ٣/ ١٣٣.
(٥) في "الحجة": ضعاف.
(٦) في "الحجة": قباب.
(٧) في "الحجة": التصويب.
(٨) في (أ)، (ب): الصوب بالباء الموحدة، والتصحيح من "الحجة".
(٩) في "الحجة": بالكسر.
(١٠) لعله أبو بحر عبد الله بن زيد الحضرمي العلامة المقرئ النحوي المتوفى سنة ١١٤هـ. انظر: "أخبار النحويين" للسيرافي ص ٤٢، "نزهة الألباء" ص ٢٦، "بغية الوعاة" ١/ ٤٠١.
(١١) في "الكتاب" ٤/ ١٢١ لكن فيه: صار بمكان كذا وكذا، وانظر: "الحجة" ٢/ ٣٠.
(١٢) انتهى من "الحجة" ٣/ ١٣٣ - ١٣٥ بتصرف، وانظر: "معاني القراءات" للأزهري ١/ ٢٩٢، "الكشف" لمكي ١/ ٣٧٧، "النشر" ٢/ ٢٤٧.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ السديد: العدل والصواب من القول (١). قال ابن المظّفر (٢): قال قل قولا سَدَدًا وسدَادًا وسدِيدًا (٣) والسدَد مقصور من السداد (٤)، وأنشد (٥) لكعب (٦):
ماذا عليها وماذا كان ينقصها يوم الترّحل لو قالت لنا سدَدَا (٧)
قال الأزهري: وقرأت بخط شَمِر: يقال سدّ عليك الرجل يسدّ سدًّا إذا أتى السداد. وما كان هذا الشيء سديدًا. ولقد سد يسد سدادًا وسدودا. وقال أوس:
فما جَبُنوا أنّا نَسُدّ عليهِمُ ولكِن لَقُوا نارًا تحُسُّ وتَسْفَعُ (٨)
(١) "الكشف والبيان" ٤/ ١٩ أ.
(٢) في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٦٥٦ (سدد).
(٣) في "تهذيب اللغة":... وسديدًا أي: صوابًا.
(٤) انتهى من "تهذيب اللغة" ٢/ ١٦٥٦ (سدد) بتقديم وتأخير لا يؤثر في المعنى. وانظر: "العين" ٧/ ١٨٤، "اللسان" ٤/ ١٩٧٠ (سدد).
(٥) ليس في "التهذيب".
(٦) لم أعرفه.
(٧) نسبه إلى كعب -كالمؤلف- الزمخشري في "أساس البلاغة" ١/ ٤٣٠ (سدد) ولم أجده في "ديوان كعب بن زهير" غير أن الجوهري في "الصحاح" ٢/ ٤٨٥ (سدد) نسبه إلى الأعشى، وكذا في "لسان العرب" ٤/ ١٩٧٠ (سدد) ولم أجده في "ديوان الأعشى الكبير" -ميمون بن قيس-. والشاهد منه: أن السدد مقصور من السداد.
(٨) البيت منسوب لأوس في "التهذيب" ٢/ ١٦٥٥ (سد)، "اللسان" (١٩٦٩) (سدد)، ٦/ ٥٢ (حسس). غير أنه نسب إلى فروة بن مسيك المرادي في "مجالس العلماء" للزجاجي ص ١٤٣، "الخصائص" ٣/ ٢٩٢، ولعل الراجح الأول. والشاهد منه: نسد بالسين المهملة، وهي كذلك في "التهذيب"، وبقية المراجع بالشين المعجمة، ومعنى تَحُسّ: تُحْرِق، وتَسفَع لعل المراد: تُسَوَّد من الإحراق. انظر: "التهذيب" ٢/ ١٧٠٤ - ١٧٠٥ (سفع)، ١/ ٨١٦ (حس)، "اللسان" ٤/ ٢٠٢٨ (سفع).
يقول لم يجبنوا من الإنصاف في القتال، ولكنا جُرنا عليهم فلقونا ونحن كالنار التي لا تُبقي شيئًا (١).
ويقال: إنه لَيَسد في القول، إذا كان يأتي القول السديد، وقد أسددت ما شئت، أي: طلبت السداد، أصبته أو لم تصبه. ويقال: سدده الله، أي: وفقه للسداد (٢).
١٠ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾.
سماه بما يؤول إليه في العاقبة، والعرب تُسمي الشيء باسم ما يؤول إليه عاقبته، كقوله: ﴿أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، يعني: العنب، فسماه خمرًا بما يؤول إليه (٣). ويقولون للأمر الشديد: هو الموت، ومنه قول ابن الدُّمَينة الخثعمي (٤):
قليل قذى العينين نعلُم أنّه هو الموتُ إن لَم يلق عَنّا بوائقه (٥)
(١) انتهى قول الأزهري من "التهذيب" ٤/ ١٩٦٩ (سد).
(٢) انظر: "التهذيب" ٢/ ١٦٥٧ (سد)، "مقاييس اللغة" ٣/ ٦٦ (سد)، "الصحاح" ٢/ ٤٨٥ (سدد)، "أساس البلاغة" ١/ ٤٣٠ (سدد).
(٣) انظر: " الكشف والبيان" ٤/ ١٩ أ، "معالم التنزيل" ٢/ ١٧١، "غرائب التفسير" ١/ ٢٨٥، "زاد المسير" ٢/ ٢٣.
(٤) هو عبيد الله بن عبد الله -والدُّمَينة أمه- من خثعم، يعد من الشعراء المجيدين. انظر "الشعر والشعراء" ص ٤٨٩.
(٥) في "الشعر والشعراء" ص ٤٨٩، ومن شواهد "مغني اللبيب" ص ٤٧١، ونسبه عبد السلام هارون إلى "ديوانه" ص ٥٣، انظر: "معجم شواهد العربية" ص ٢٤٧.
أي: السبب المؤديِ إلى الموت، وعلى هذا قوله - ﷺ - في الشارب من آنية الذهب والفضة: "إنما يُجرجِر في بطنه نار جهنم" (١).
قال السدي: يبعث آكل مال اليتيم ظُلمًا يوم القيامة ولَهَبُ النار ودُخانه يخرج من فيه وأذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ وقرئ بضم الياء (٣).
قال أبو زيد: يقال: صلي الرجل النارَ يصلاها صليً وصَلاءً، وهو صالي النار من قوم صالين وصِليّ (٤). قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣]. قال الشاعر:
والله لولا النار أن يصلاها (٥)
(١) أخرجه البخاري من حديث أم سلمة -رضي الله عنها- رقم (٥٦٣٤) في كتاب الأشربة، باب: ٢٨ آنية الفضة، ومسلم (٢٠٦٥) في كتاب اللباس والزينة، باب: آنية الذهب والفضة، وغيرهما.
(٢) أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٧٣، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ١٩ ب، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ٢٣، وابن كثير ١/ ٤١١٩، والسيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٢٢١، وعزاه إلى ابن جرير وابن أبي حاتم.
(٣) قراءة الضم لابن عامر وأبي بكر عن عاصم، وقراءة الفتح للباقين من العشرة. انظر: "السبعة" ص ٢٢٧، "الحجة" لأبي علي ٣/ ١٣٦، "المبسوط" ص ١٥٤، "الكشف" ١/ ٣٧٨، "النشر" ٢/ ٢٤٧.
(٤) انتهى قول أبي زيد، وقد أخذه المؤلف من "الحجة" لأبي علي ٣/ ١٣٦، إلا أنه حذف جملة من أثناء الكلام وهي بعد قوله: صلاء حيث جاء في "الحجة" بعدها: وهما واحد، وأصلاه الله حر النار إصلاء، وهو صالي... إلخ. وانظر: "تهذيب اللغة" ٢/ ٢٠٤٩ (صلى)، "اللسان" ٤/ ٢٤٩١ (صلا).
(٥) هذا من الرجز. قال ابن منظور: وقال العجاج. قال ابن بري، وصوابه الزفيان:
تالله لولا النار أن نصلاها أو يدعو الناس علينا الله
"اللسان" ٤/ ٢٤٩١ (صلا)، ولم أجده في "ديوان العجاج" ولا في غير "اللسان".
وقال تعالى: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ [إبراهيم: ٢٩، ٥٦]، [المجادلة: ٨].
قال الفراء: الصَّلاء اسم للوقود، وهو الصَّلا، إذا كسرت مددت، وإذا فتحت قصرت (١). قال ابن حلزة:
فتنورت نارها (٢) من بعيدٍ بخَزازَى هيهات منك الصَّلاء (٣)
ومن ضم (٤) الياء فهو من قولهم: أصلاه الله حر النار إصلاءً، قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦].
وأما السّعير فهو النار المُستعرة. يقال (سعرت (٥)) النار أسعَرُها سَعرًا، وهي مسعورة وسعيرة، فالسعير معدول عن: مسعورة كما عُدِل: كف خضيب. عن: مخضوبة، وكذلك سعرت العرب سعرًا. واستعرت النار إذا استوقدت.
والسعير: النار نفسها. (وسُعار النار) (٦) حرّها (٧).
(١) انظر: "المقصور والممدود" للفراء ص ٣٦، ٣٧، ٦٢، "اللسان" ٤/ ٢٤٩١ (صلا).
(٢) في (د): (ناها)، وقد يكون وقع سهوًا من الناسخ.
(٣) البيت من معلقة الحارث بن حلزة اليشكري كما في "شرح القصائد المشهورات" للنحاس: ٢/ ٥٥، "شرح المعلقات" للزوزني ص ١٥٦. قال النحاس: تنورتُ النار إذا نظرتها بالليل.. وخزازى اسم موضع. والشاهد منه: الصلاء كسرت الصاد فجاءت الكلمة ممدودة.
(٤) من قوله: ومن ضم إلى آخر الكلام على القراءة من "الحجة" بلفظ مقارب، انظر "الحجة" ٣/ ١٣٧.
(٥) في (د): (أسعرت)، وما أثبته هو الصواب. انظر: "الجمهرة" ٢/ ٣١٤ (رسع)، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٦٩٣ (سعر).
(٦) في (د): (وسعارها).
(٧) انظر: "جمهرة اللغة" ٢/ ٧١٤ (رسع)، "تفسير الطبري" ٤/ ٢٧٣ - ٢٧٤، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٦٩٣ (سعر)، "مقاييس اللغة" ٣/ ٧٥، ٧٦.
١١ - قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية. فقد ذكرنا معنى الإيصاء والتوصية في اللغة. ومعنى ﴿يُوصِيكُمُ﴾ ههنا: قال الزجاج: أي: يفرض (١) عليكم؛ لأن الوصية من الله عز وجل فرض، والدليل على ذلك: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وهذا من الفرض المحكم علينا (٢).
وقوله تعالى: ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، اسم الولد يقع على ولد الصلب وعلى ولد الولد وإن سَفَل (٣)، ثم ثبتت على هذا ميراث ولد الولد بهذه الآية (٤).
فإن قيل: بماذا يتعلق قوله: ﴿يُوصِيكُمُ﴾، ولا يقال في الكلام: أوصيك لزيد كذا؟ والجواب ما قال الفراء، وهو أن الوصية قول، فمعنى قوله ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ (٥): يقول الله لكم، وعلى هذا أيضًا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: ٩]، أي: قال الله لهم مغفرة؛ لأن الوعد قول (٦).
(١) في (أ): (نفرض)، وما أثبته هو الموافق لـ"معاني الزجاج".
(٢) "معاني الزجاج" ٢/ ١٨، وانظر: "غرائب التفسير" ١/ ٢٨٥، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٢ أ، "المحرر الوجيز" ٣/ ٥١١، "الفتوحات الإلهية" ١/ ٣٦٠.
(٣) انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٣٣٣، "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٥٩، وبعض العلماء يفرق فيقول: إنه حقيقةٌ في ولد الصلب مجازٌ في غيره، وبعضهم لا يفرق. وعقب القرطبي -رحمه الله- على مثل ذلك بقوله: ومعلوم أن الألفاظ لا تتغير بما قالوه.
(٤) قوله: (ثم ثبتت)، وفي هذه الجملة اضطراب أو سقط.
(٥) في (د) زيادة: (في أولادكم).
(٦) لم أقف على رأي الفراء هذا في "معاني القرآن"، وقد أشار إليه أبو حيان في "البحر" ٣/ ١٨١، والسمين في "الدر المصون" ٣/ ٣٥٦.
﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وقال الكسائي: قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ بيان لما أوصى به وحكاية له، لأن الذي أوصاهم به هو هذا، ومثله قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩] ثم ذكر ما وعدهم فقال: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ولهم مغفرة هو الذي وعدهم به، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥].
ويقول: بدا لي أن لعبد الله مالًا، فإذا (ألقيت) (١) أن قلت: بدا لي لعبد الله مالٌ (٢)، وأنشد الكسائي على ذلك:
إني سأُبدِي لك فيما أُبدي لي شجَنَانِ شَجَنٌ بِنَجْدِ (٣)
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾، يعني: فإن كن (٤) المتروكات؛ وذلك أن اسم الولد يطلق على الإناث والذكور (٥)، فلما فرض فريضة الذكور
(١) في الأصل بالفاء، والتصحيح من (د).
(٢) لم أقف على قول الكسائي مفصلًا، وقد أشار إليه أبو حيان في "البحر" ٣/ ١٨١. انظر: "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٩٠، "الدر المصون" ٣/ ٥٩٧.
(٣) هذا البيت من الرجز، ولم أعرف قائله، وهو من شواهد "معجم مقاييس اللغة" ٣/ ٢٤٩ (شجن)، "الصحاح" ٥/ ٢١٤٢ (سجن)، "اللسان" ٤/ ٢٢٠٢ (شجن)، والشجن: الحاجة. ولعل الشاهد منه أن: شجن بنجد تفسير وبيان لـ: لي شجنان، حيث جاء في "الصحاح"، "اللسان" بعد هذا: وشجن لي في بلاد السند، لكن في "اللسان": الهند بدل السند. والله أعلم.
(٤) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: فإن كان، انظر: الطبري ٤/ ٢٧٦، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٣٩، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٩١.
(٥) انظر: "الطبري" ٤/ ٢٧٦، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٩٥١ (ولد)، "المحرر الوجيز" ٣/ ٥١٢.
وأراد تبيين حال الإناث كنى عنهن بكناية جمع أسمائهن في الأولاد، وتقديره: الأولاد إن كن نساء فوت اثنتين فلهن ثلثا ما ترك (١).
واجتمعت الأمة على أن للبنتين الثلثين (٢)، إلا ما روي عن ابن عباس أنه ذهب إلى ظاهر الآية، وقال: الثلثان فرض الثلاث من البنات؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ (٣):
(١) قال الطبري ٤/ ٢٧٦: واختلف أهل العربية في المَعنِي بقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ قال بعض نحويى البصرة بنحو الذي قلنا: فإن كان المتروكات نساء، وهو أيضًا قول بعض نحوي الكوفة وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك، فإن كان الأولاد نساء، وقال: إنما ذكر الله الأولاد فقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ ثم قسم الوصية فقال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾، وإن كان الأولاد نساء، وإن كان الأولاد واحدة، ترجمة منه بذلك عن الأولاد. قال أبو جعفر: والقول الأول الذي حكيناه عمن حكيناه عنه من البصريين أولى بالصواب في ذلك عندي؛ لأن قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ﴾ لو كان معنيا به ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ لقيل: ﴿وَإِن كَانُوا﴾ لأن الأولاد تجمع الذكور والإناث، وإذا كان كذلك فإنما يقال: (كانوا)، لا (كن). هذا ما وضحه ابن جرير في تقدير اسم كان هنا، فالظاهر أن المؤلف قد خلط بين القولين، والله أعلم.
(٢) انظر "الإجماع" لابن المنذر ص ٣٢، "المغني" لابن قدامة ٩/ ١١، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" ٣١/ ٣٥٠. هذا؛ وقد تعقب القرطبي الإجماع في هذه المسألة لخلاف ابن عباس منها. انظر "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٦٣، لكن العلماء الذين حكوا الإجماع حكموا على ما روي عن ابن عباس بالشذوذ كما في "المغني"، "الفتاوى".
(٣) لم أقف على من خرجه، لكنه قول مشتهر عن ابن عباس وصححه عنه النحاس في: "إعراب القرآن" ١/ ٤٣٩، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٦٣، وانظر: "تفسير الماوردي" ١/ ٤٥٨، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٣٣٦، "المغني" ٩/ ١١، "مجمع الفتاوى" ٣١/ ٣٥٠، "أضواء البيان" ١/ ٣٧٢، "التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية" للدكتور صالح الفوزان ص ٧٨. وقد قال الفوزان: وقيل: المشهور عنه مثل قول الجمهور.
فجعل الثلثين للنساء إذا زده (١) على الثلثين (٢)، وعنده أن فرض البنتين النصف كفرض الواحدة
وهذا غير مأخوذ به (٣).
ووجه الآية أن (فوق) ههنا صلة لا معنى له، أراد: فإن كن نساء اثنتين، كقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢]، يريد: فاضربوا الأعناق (٤) وسمى البنتين نساء، لأن الابنين جماعة عند العرب. ونبين ذلك في آخر الآية (٥).
وقال أكثر المفسرين: إنما أعطينا البنتين الثلثين بتأويل القرآن لا بنص فرض، وذلك أن الله تعالى [جعل للبنت الواحدة النصف في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾، وجعل للأخت الواحدة النصف أيضًا في قوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، ثم جعل للأختين الثلثين، علمنا أن للبنتين] (٦) الثلثين قياسًا على الأختين، كما
(١) هكذا في (أ)، وفي (د): (رده)، ولعل الصواب: (زدن).
(٢) هكذا في (أ)، (د) والظاهر أن الصواب: الثنتين.
(٣) انظر: "أحكام القرآن" للكيا الهراسي ٢/ ١٤٠ - ١٤١، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٣٣٦، "المغني" ٩/ ١١، "مجموع الفتاوى" ٣١/ ٣٥٠، "أضواء البيان" ١/ ٣٧٢، "التحقيقات المرضية" ص ٨٢، ٨٣.
(٤) هذا قول في إعراب الآية، لكن خطَّأه النحاس بقوله: وهو خطأ؛ لأن الظروف ليست مما يزاد لغير معنى "إعراب القرآن" ١/ ٣٤٩، كما ضعفه الكيا الهراسي في "أحكام القرآن" ٢/ ١٤٤، وابن عطية في "المحرر" ٣/ ٥١٣، وابن كثير في "تفسيره" ١/ ٤٩٨. قال ابن كثير: وهذا غير مسلم، لا هنا ولا هناك، فإنه ليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه، وهذا ممتنع. وقد تقدم مثل ذلك.
(٥) انظر ص ٣٦١.
(٦) يحتمل أن في الكلام سقطًا، واستقامته: وذلك أن الله تعالى لما جعل للبنت الواحدة.. علمنا أن لبنتين فسقطت لما من الكلام قبل جعل.
أن للأخوات الثلثين بما نص في البنات في قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ الآية (١)
وحرر الحسن بن يحيى (٢) هذا الفصل فقال: (إن الله تعالى) (٣) أمسك في هذه الآية عن ذكر البنتين، وذكر الواحدة والثلاث وما فوقها، وذكر فيِ (قوله (٣)): ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ في آخر النساء الأخت الواحدة والبنتين (٤)، وأمسك عن ذكر الثلاث وما فوقها، فتضمن كل واحدة من هاتين الآيتين ما كف عن ذكره في غيرها، ويحتمل كل واحد منهما فيما أمسك عنه فيها على ما ذكره في غيرها ليأتلف المعنى على (ما يجب (٥)) إن شاء الله (٦).
قال أبو إسحاق: جعل الله عز وجل كتابه يدل بعضه على بعض تفقيهًا للمسلمين وتعليمًا؛ ليعملوا فيما يحزبهم (٧) في الأمور على هذه الأدلة، وقال بعضهم (٨): في الآية دليل على أن للبنتين الثلثين؛ لأنه قال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وكان أول العدد ذكرًا وأنثى، فللذكر الثلثان وللأنثى الثلث. فلما دل هذا على أن للذكر الثلثين وللبنت الواحدة الثلث، عُلم أن
(١) انظر: "تفسير الماوردي" ١/ ٤٥٨، "أحكام القرآن" للهراسي ٢/ ١٤٠ - ١٤١، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٣٣٧، القرطبي ٥/ ٦٣، "أضواء البيان" ١/ ٣٧١، "التحقيقات المرضية" ص ٨٠.
(٢) هو صاحب "نظم القرآن" وكثيرًا ما يأخذ عنه المؤلف، لكنه لم يصل إلينا.
(٣) ما بين القوسين ليس في نسخة (د).
(٤) هكذا في (أ)، (د) والظاهر: والثنتين.
(٥) في (أ): (يحب) بالحاء المهملة.
(٦) انتهى أخذ المؤلف من صاحب النظم، وانظر: "أحكام القرآن" للهراسي ٢/ ١٤١ - ١٤٢، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٣٣٧، القرطبي ٥/ ٦٣، "فتح القدير" ١/ ٤٣١.
(٧) يحز بهم: ينزل بهم ويهمهم. انظر: "اللسان" ٢/ ٨٥٤ (حزب).
(٨) صرح أبو إسحاق الزجاج بالقائل في "معانيه" ٢/ ١٩، وأنه: أبو عباس محمد بن يزيد [وهو المبرد]، وكذا قال اسماعيل بن إسحاق.
للبنتين الثلثين من حيث علم أن للذكر الثلثين.
وأما مذهب ابن عباس فهو محال في القياس، حيث يجعل البنتين كالواحدة. والبنتان كالجماعة؛ لأن منزلة الاثنين منزلة الجمع (١)، في كثير من الأحكام، فصلاة الاثنين جماعة، والأخوان كالإخوة في حجب الأم من الثلث إلى السدس، ويجيء ذلك في آخر الآية، فالجمع بالجمع أولى أن يقاس من الجمع بالواحد (٢). وأيضًا فإن الآية في قول مقاتل، والكلبي نازلة في أم كجّة (٣)، وكانت لها ثلاث بنات، فنزلت في جواب ما استفتت وأجيبت في بناتها خصوصًا، وكن ثلاثًا (٤)، ولذلك ما خصت الثلاث بالذكر في الآية دون الثنتين.
(١) في (أ): (الجميع)، والى هنا انتهى أخذ المؤلف من الزجاج في "معانيه" ٢/ ١٩ بتصرف في العبارة، وما ذكر بعد ذلك من الأمثلة ونحوها زائد عليه.
(٢) انظر: "غرائب التفسير" ١/ ٢٨٥.
(٣) هي أم كجّة -بالجيم كما ضبطها ابن حجر- الأنصارية من الصحابيات -رضي الله عنهن- زوجة أوس بن ثابت الأنصاري، ولم تذكر سنة وفاتها. انظر: "تجريد أسماء الصحابة" ٢/ ٣٣٢، "الإصابة" ٤/ ٤٨٧.
(٤) لم أجد من أخرجه بلفظ ثلاث في تفسير هذه الآية، وقد أشار إليه الثعلبي عن مقاتل والكلبي في تفسير هذه الآية، وذكره مطولًا في تفسير قوه تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧].
انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١٦ ب، ١٧ أ، ٢٢ أ. وقد أخرجه الطبري عن السدي بلفظ: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين، كان أهل الجاهلية لا يرثون الجواري ولا الصغار من الغلمان، لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أبو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها: أم كجة، وترك خمس أخوات، فجاءت الورثة يأخذون ماله، فشكت أم كجة إلى النبي - ﷺ -، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ "تفسير الطبري" ٤/ ٢٧٥. وأورد السيوطي أثر السدي وعزاه إلى ابن جرير وابن أبي حاتم. انظر "الدر المنثور" ٢/ ٢٢٢.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾ وقرأ نافع (واحدةٌ) بالرفع (١) على معنى: إن وقعت واحدة، أي: إن حدث حكم واحدة، أو إرث واحدة؛ لأن (٢) المراد حكمها والقضاء في إرثها، لا ذاتها.
والاختيار قراءة العامة؛ لأن التي قبلها لها خبر منصوب، وهو قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾، وكما أن الضمير هناك: إن كن المتروكات أو الوارثات نساء، كذلك ههنا: وإن كانت المتروكة واحدة (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ يعني: ولأبوي الميت، كناية عن غير مذكور (٤)، وهما والداه. والأصل أن يقال: أبة (٥)، ولكن استغنى عنها بأم، فأبوان تثنية أب وأبة، وكذلك لو ثنيت ابنًا وابنًة ولم تخف اللبس لقلت: ابنان (٦).
وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾. أو ولد ابن، واسم الولد يقع على ولد الابن (٧).
(١) انظر: "السبعة" ص ٢٢٧، "الحجة" ٣/ ١٣٥، "الكشف" ١/ ٣٧٨.
(٢) في (د): (فان).
(٣) انتهى من "الحجة" ٣/ ١٣٦ بتصرف، وانظر "معاني الزجاج" ٢/ ١٨، "إعراب القراءات السبع" ١/ ١٢٩، "الكشف" ١/ ٣٧٨. وممن اختار قراءة النصب ورجحها على الرفع الأزهري في "معاني القراءات" ١/ ٢٩٣، وابن خالوية في "الحجة" ص ١٢٠، وكثير من أئمة القراءات لم يتعرضوا للموازنة أو الترجيح بين القراءتين، فهما صحيحتان، وقد قرأ بالرفع اثنان من العشرة هما نافع وأبو جعفر. انظر: "المبسوط" ص ١٥٤، "النشر" ٢/ ٢٤٧.
(٤) "الكشف والبيان" ٤/ ٢٢ أ.
(٥) من "معاني الزجاج" ٢/ ٢٣، لكن فيه: والأصل في أم، أن يقال: أبة.
(٦) انتهى من "معاني الزجاج" ٢/ ٢٣.
(٧) انظر: "الكشف" ٤/ ٢٢ أ، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٣٣٥.
والأب يرث من جهة التسمية السدس، ويرث بغير تسمية على جهة التعصيب.
مثال ذلك: لو مات عن ابنة وأبوين، كان للابنة النصف وللأم السدس، وكذلك للأب بالتسمية لأن الله تعالى قال: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾، وههنا ولد وهو البنت، والسدس الباقي للأب أيضًا بحق التعصيب (١).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾.
أكثر القراء على ضم الهمزة من (أم) في جميع المواضع. وقرأ حمزة والكسائي بكسر الألف إذا وليتها كسرة أو ياء (٢)، (نحو هذا) (٣) ونحو قوله: ﴿يَطُوفُونَ﴾ (٤)، ﴿أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، ﴿فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [القصص: ٥٩].
فأما إذا كان ما قبل الهمزة غير كسر فالضم لا غير، مثل ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾ [المؤمنون: ٥٠] (٥).
وإنما جاز كسر همزة (أم) لأن الهمزة حرف مستثقل، بدلالة تخفيفهم لها، فأتبعوها ما قبلها من الياء والكسرة، ليكون العمل فيها من
(١) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٧٧، "معاني الزجاج" ٢/ ٢١، "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٧١.
(٢) في "الحجة" ٣/ ١٣٧: وقرأ حمزة والكسائي كل ذلك بالكسر إذا وصلا وما ذكره المؤلف أوضح وهو الموافق لما في "السبعة" ص ٢٢٨.
(٣) ما بين القوسين ليس في (د).
(٤) هكذا في (أ)، (د) وهو تحريف، والظاهر أن الصواب: ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الزمر: ٦]، كما في "الحجة" ٣/ ١٣٧.
(٥) ما بين القوسين زائد على ما في "الحجة" لأبي علي وإن كان من لازم كلامه.
وجه واحد (١).
قال أبو إسحاق: إنهم استثقلوا الضمة بعد الكسرة في قوله: ﴿فَلِأُمِّهِ﴾، وليس في كلام العرب مثل: فِعُل بكسر الفاء وضم العين، فلما اختلطت اللام [بالاسم] (٢) شبه بالكلمة الواحدة، فأبدل من الضمة كسرة (٣).
وأيضًا فإن الهمزة لما يتعاورها من القلب والتخفيف تشبه الياء والواو، فتتغير كما تتغير الياء والواو، وتقارب الهاء في المخرج، والهاء قد اتبع الكسرة في نحو: بهم، وبهي (٤). كذلك الهمزة.
فإن قيل: وهلا فعلوا ذلك بغير هذا الحرف، مما فيه الهمزة، نحو: أتّ وأسّ وأدّ من أسماء الرجال؟
قيل: إن هذا الحرف قد كثر في كلامهم، والتغيير إلى ما كثر أسرع، وقد يختص الشيء في الموضع بما لا يكون في أمثاله، كقولهم: أسطاع وأهراق، ولم يفعل ذلك بما أشبهه، كذلك هذا التغيير في الهمزة مع الكسرة والياء اختص به هذا الحرف، ولم يكن فيما أشبهه (٥).
(١) من "الحجة" ٣/ ١٣٧ بتصرف يسير، وسيرجع المؤلف إلى الإفادة منه بعد أخذه من الزجاج. وانظر: "السبعة" ص ٢٢٨، "المبسوط" ص١٥٤، "الكشف" ١/ ٣٧٩.
(٢) الزيادة من "معاني الزجاج" ٢/ ٢٣ لكي يستقيم الكلام.
(٣) انتهى من "معاني الزجاج" ٢/ ٢٣، وانظر "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٠، "الكشف" ١/ ٣٧٩.
ويرجع المؤلف بعده إلى أبي علي في "الحجة" فكان كلام الزجاج اعتراضًا أثناء كلام أبي علي، وانظر: "الحجة" ٣/ ١٣٧، ١٣٨.
(٤) هكذا الكلمة في "الحجة" ٣/ ١٣٧، ولعل الأصل: به فأشبعت الكسرة في الهاء فأشبهت الياء.
(٥) انتهى من "الحجة" ٣/ ١٣٧، ١٣٨.
و (أما) (١) من ضم الهمزة فإنه أتى بها على الأصل، ألا ترى أن الهمزة في: أد وأف وبابه مضمومة على جميع أحوالها، ولا يؤدي إلى استعمال فِعُل، لأن اللام ليست من أصل الكلمة، واللام (٢) من (فلأمه) قديرها تقدير الانفصال (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾. أجمعت الأمة على أن الأخوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس كرجل مات عن أبوين وأخوين، كان للأم السدس، والباقي للأب. فالأخوان فما فوقهما يحجبان الأم عن الثلث إلى السدس. والأخ الواحد لا يحجب.
وابن عباس يخالف في هذه المسألة: فلا تحجب الأم عن الثلث إلى السدس بأقل من ثلاثة إخوة. وقال لعثمان (٤) -رضي الله عنه-: بم (٥) صار الأخوان يردان الأم إلى السدس، وإنما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ والأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان: يا بني إن قومك حجبوها
(١) ليس في (د).
(٢) في (أ) و"الأم"، وما أثبته هو الصواب.
(٣) انظر "معاني الزجاج" ٢/ ٢٣، "معاني القراءات" ١/ ٢٩٥، "الحجة" ٣/ ١٣٧، "الكشف" ١/ ٣٨٠.
(٤) هو أمير المؤمنين أبو عبد الله عثمان بن عفان بن أبي العاص القرشي الأموي سبق إلى الإسلام ولقب بذي النورين وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، اتصف - رضي الله عنه - بالحلم وصلة الرحم وكثرة العبادة والإحسان ولين الجانب، استثمهد على يد جماعة غاشمة ظالمة سنة ٣٥ هـ وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وقد قضى في الخلافة أكثر من إحدى عشرة سنة رَضِيَ الله عَنْه وأرضاه.
انظر: "تاريخ خليفة" /١٦٨ - ١٨٠، "الاستيعاب" ٣/ ١٥٥ - ١٦٥، "الإصابة" ٢/ ٤٦٢ - ٤٦٣.
(٥) في (أ)، (د): (ثم)، والصواب ما أثبته، انظر: الطبري ٤/ ٢٧٨.
بأخوين، ولا أستطيع نقض أمر قد كان قبلي (١). مقابلة بالإجماع.
قال علماء اللغة: قول ابن عباس: الأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة غلط منه؛ لأن الأخوين جماعة كالإخوة، وذلك أنك إذا جمعت واحدًا إلى واحد فهما جماعة ويقال لهما إخوة (٢).
وحكى سيبويه أن العرب تقول: قد وضعا رحالهما. يريدون: رحلي راحلتيها (٣).
قال ابن الأنباري: التثنية عند العرب أول الجمع، ومشهور في كلامهم إيقاع الجمع على التثنية، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، وهو يريد داود وسليمان، ومنه قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] يريد قلبيكما (٤). والعرب تقول: لطمت أوجه الرجلين، وضربت أرؤسهما، وشققت بطونهما، فيجمعون في موضع التثنية (٥).
(١) أخرجه بنحوه ابن جرير ٤/ ٢٧٨، وعزاه إلى البيهقي كل من ابن كثير في "تفسيره" ١/ ٤٩٩، والسيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٢٢٣، وضعفه ابن كثير وكذلك الشيخ ناصر العمار في "تحقيق المروي عن ابن عباس" ١/ ١٨١.
(٢) من "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ٢٢ بتصرف.
وانظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٧٨، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٢ ب، "الدر المصون" ٣/ ٦٠٢ "تفسير ابن كثير" ١/ ٤٩٩.
(٣) "الكتاب" ٣/ ٦٢٢، "معاني الزجاج" ٢/ ٢٢.
(٤) في (د): (قلبكما).
(٥) لم أقف على كلام ابن الأنباري، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٤٣٦، "مشكل إعراب القرآن" لابن قتيبة ص ٢٨٣، الطبري ٤/ ٢٧٨ - ٢٧٩، "معاني الزجاج" ٢/ ٢٢، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٢ ب، "الدر المصون" ٣/ ٦٠٢.
قال قتادة: وإنما حجب الإخوة الأم من غير أن يرثوا مع الأب (لمعونة الأب) (١)؛ لأنه يقوم بشأنهم وينفق عليهم دون الأم (٢).
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، أي: هذه الأنصبة إنما تقسم بعد قضاء الدين وإنفاذ وصية الميت في ثلثه، وذكر الوصية مقدمةً على الدين، وذلك تقديم في اللفظ لا في الحكم؛ لأن (أو) لا توجب ترتيبًا، وإنما هي لأحد الشيئين؛ كأنه قيل: من بعد أحد هذين (٣) مفردًا أو مضمومًا إلى الآخر (٤).
قوله تعالى: ﴿يُوصِي بِهَا﴾ قرئ بكسر الصاد وفتحها (٥).
فمن كسر (٦) فلأنه تقدم ذكر الميت المفروض فيما ترك، يبين ذلك قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ أي: لأم الميت ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ يوصيها الميت. ومن فتح الصاد فإنه يؤول في المعنى إلى يوصي، ألا ترى أن الموصي هو الميت، والذي (٧) حسن فتح الصاد أنه ليس
(١) في (د): (معونة للأب).
(٢) أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٨٠ بمعناه، وقال ابن كثير في "تفسيره" ١/ ٤٩٩، عندما ساق هذا الأثر: وهذا كلام حسن وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٢٢٣، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(٣) في (د): (مدبن).
(٤) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٢٣، ٢٤، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٣٤٣، "الدر المصون" ٣/ ٦٠٣.
(٥) بالفتح لابن كثير وعاصم -في رواية أبي بكر- وابن عامر، وبالكسر للباقين من العشرة. انظر: "السبعة" ص ٢٢٨، "الحجة" ٣/ ١٣٩، "المبسوط" ص ١٥٤، "النشر" ٢/ ٢٤٨.
(٦) توجيه القراءتين من "الحجة" ٣/ ١٤٠
(٧) في "الحجة": وكأن الذي.
لميت (١) إنما هو شائع في الجميع، فلذلك حسن يوصى (٢) (٣).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ إن قيل: ما معنى (أو) هاهنا، وهلا كان من بعد وصية يوصي بها (ودين) (٤)؟. والجواب: ما قاله الزجاج، وهو أن معناه الإباحة، كما لو قال قائل: جالس الحسنَ أو الشعبي، المعنى: أن كل واحد منهما (٥) أهل أن يجالس، فإن جالست الحسن فأنت مصيب، (أو الشعبي فأنت مصيب، وإن جمعتهما فأنت مصيب) (٦)، ولو قال: جالس الرجلين، فجالست واحدًا منهما وتركت الآخر كنت غير متبع ما أمرت به. كذلك في الآية لو كان: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا (و) دَيْنٍ﴾ احتمل اللفظ أن يكون هذا (الحكم المذكور في الآية) (٦) إذا اجتمعت الوصية والدين، فإذا انفرد كان حكم آخر، فإذا كانت "أو" دلت على أن أحدهما إن كان فالميراث بعده، وكذلك إن كانا كلاهما (٧).
وقوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾. في هذا قولان:
(١) في "الحجة": ليس لميت معين.
(٢) في (أ)، (د) يوصا بألف ممدودة، وهو مخالف لقواعد الإملاء المتبعة، وما أثبته هو الموافق لـ"الحجة".
(٣) انتهى من "الحجة" ٣/ ١٤٠.
(٤) في (أ)، (د): أو دين، والتصويب من "معاني الزجاج".
(٥) في "معاني الزجاج" ٢/ ٢٤: هؤلاء.
(٦) ما بين القوسين ليس في "معاني الزجاج".
(٧) انتهى من "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ٢٣، ٢٤ بتصرف يسير، وانظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص ٢٨١، "معاني الحروف" للرماني ص ٧٧، "رصف المباني" ص ٢١٠، إيضاح الجملة الأخيرة عند المؤلف أنه عبر بأو هنا للدلالة على أن الحكم بالنسبة للدين والوصيه في الميراث واحد لا يتغير سواء وجدا منفردين أو مجتمعين.
أحدهما: أن هذا فصل معترض بين ذكر الورّاث وأنصبائهم، وبين قوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾، ولا تعلق لمعناه بمعنى الآية، ومعنى هذا الفصل في قول ابن عباس والكلبي: أن الله تعالى يُشَفِّع المؤمنين بعضهم في بعض، فأطوعكم لله عز وجل من الآباء والأبناء أرفعكم درجة (١). فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله إليه ولده بمسألته (٢)، ليقرّ بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه، رفع الله إليه والديه، فقال الله عز وجل: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾، لأن أحدهما لا يعرف منفعة صاحبه له في الجنة، وسبقه إلى منزلة عالية تكون سببًا لرفعه إليها (٣).
القول الثاني: أن هذا فصل معترض بينهما، ومعناه متعلق بمعنى الآية.
يقول: لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا في الدنيا فتعطونه من الميراث ما يستحق، ولكن الله تعالى قد فرض الفرائض على ما هو عنده حكمة، ولو وكل إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم، فأفسدتم وضيعتم وأعطيتم من لا يستحق ومنعتم من يجب له الميراث، وهذا قول الزجاج (٤)، وابن الأنباري، وجماعة من أهل المعاني (٥)، وإليه أشار ابن عباس في
(١) أخرجه عن ابن عباس ابن جرير بنحوه ٨/ ٤٩، وسنده حسن. انظر: "تحقيق المروي" عن ابن عباس ١/ ١٨٤، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٢٣ أ.
(٢) في (أ): (بمسلته).
(٣) ذكر الهواري معنى ذلك من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقريبًا منه قولًا للكلبي. انظر "تفسير كتاب الله العزيز" ١/ ٣٥٥، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٣ أ، "معالم التنزيل" ٢/ ١٧٨.
(٤) ساق الزجاج القولين من دون اختيار لأحدهما. انظر: "معاني القرآن" ٢/ ٢٤.
(٥) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٨١ - ٢٨٢، "إيضاح الوقف والابتداء" ٢/ ٥٩٣، "الدر المنثور" ٢/ ٢٢٣، ٢٢٤.
رواية عطاء (١).
وقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ منصوب على التوكيد من قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾، أي لهؤلاء الورثة ما ذكرنا مفروضًا، (ففريضة) (٢) مؤكدة لقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. قال الحسن: كان عليمًا بالأشياء قبل خلقها، حكيمًا فيما يقدر (٤).
وقال عطاء: كان عليمًا بخلقه قبل أن يخلقهم، حكيمًا حيث فرض للصغار مع الكبار، ولم يخصّ الكبار بالميراث كما كانت العرب تفعل (٥).
وحكى الزجاج عن سيبويه، قال: كأن القوم شاهدوا علمًا وحكمة ومغفرة وتفضلًا، فقيل لهم: إن الله كان كذلك، أي: لم يزل على ما شاهدتم (٦).
(١) لم أقف على هذه الرواية.
(٢) في (أ)، (د): بفريضة، والتصويب من "معاني الزجاج" ٢/ ٢٥.
(٣) من "معاني الزجاج" ٢/ ٢٥، وتوضيح قول المؤلف -تبعًا للزجاج- بأن فريضة منصوب على التوكيد أي: أنها مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة من الوصية، وقد أطلق كل من ابن جرير والنحاس ومكي أنها منصوبة على المصدرية. انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٨٢، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٩٨، "مشكل إعراب القرآن" لمكي ١/ ١٩٢، "الدر المصون" ٣/ ٦٠٦.
(٤) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٥، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٠، "زاد المسير" ٢/ ٢٩، "تفسير الحسن" ١/ ٢٦٤.
(٥) لم أقف عليه عن عطاء، وانظر: الطبري ٤/ ٢٨٢، "الوسيط" ٢/ ٤٦٧.
(٦) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٥، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٠، "زاد المسير" ٢/ ٢٩، ولم أقف على قول سيبويه في كتابه.
وقال الخليل: الخبر عن الله عز وجل بمثل هذه الأشياء، كالخبر بالاستقبال والحال؛ لأن صفات الله تعالى لا يجوز عليها الزوال والتقلب (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾. قد أكثروا في الكلالة، والذي عليه الأكثرون وهو الصواب أن الكلالة ما عدا الوالد والولد (٢).
وهو قول أبي بكر، وعمر، وابن عباس، وابن زيد، وقتادة، والزهري، وابن إسحاق (٣).
وأخبرني موسى بن الفضل (٤)، حدثنا الأصم (٥)، عن محمد بن الجهم (٦)، عن الفراء، قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد (٧).
وأقرأني العروضي، عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري (٨)، عن
(١) من "معاني الزجاج" ٢/ ٢٥ بتصرف ودون نسبة للخليل، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٠، "زاد المسير" ٢/ ٣٠.
(٢) انظر: "معاني الفراء" ١/ ٢٥٧، "مجاز القرآن" ١/ ١١٨، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص١١٦، "تفسير الطبري" ٤/ ٢٨٣، "تفسير كتاب الله العزيز" ١/ ٣٥٦، "معاني الزجاج" ٢/ ٢٦، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٣ ب، "زاد المسير" ٢/ ٣٠، ٣١، "تفسير ابن كثير" ١/ ٥٠٠.
(٣) انظر: "الطبري" ٨/ ٥٣ - ٧٥.
(٤) لم أقف له على ترجمة.
(٥) هو أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف المعقلي النيسابوري، تقدمت ترجمته.
(٦) هو أبو عبد الله محمد بن الجهم السمري، تقدمت ترجمته.
(٧) قول الفراء في "معاني القرآن" ١/ ٢٥٧، وانظر: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٧٦ - ٣١٧٧ (كل) حيث جاء بسند آخر.
(٨) هو أبو الفضل محمد بن أبي جعفر المنذري الهروي، تقدمت ترجمته.
الحسين ابن فهم (١)، عن سلمة، عن أبي عبيدة، أنه قال: الكلالة كل من لم يرثه (ولد أو أب) (٢). ونحو ذلك قال الأخفش (٣).
قال المنذري: وسمعت أبا العباس (٤) يقول: الكلالة من القرابة ما خلا الوالد والولد. سموا كلالة لاستدارتهم بنسب الميت من تكلله النسب أي أحاط به واشتمل عليه (٥). فهم بمنزلة العصبة، كالإخوة والأخوات والأعمام وأبنائهم.
قال: وسمعته (٦) مرة يقول: الكلالة من سقط عنه طرفاه، وهما أبواه (وولداه (٧))، فصار كلا وكلالة، أي: عيالًا على الأصل. يقول: سقط
(١) في (أ) كأنها: (الجهين) أو: الجهز بن فهيم، ولعل ما أثبته من (د) هو الصواب لموافقته "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٧٦ - ٣١٧٧ (لكل). والحسين هذا هو أبو علي الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن فهم البغدادي، إمام علامة عالم بالحديث والتاريخ والأدب من الفصحاء، توفي -رحمه الله- سنة ٢٨٩ هـ.
انظر: "سير أعلام النبلاء" ٣/ ٤٢٧.
(٢) في (د): (ولد ولا أب)، وما أثبته هو الموافق لـ"التهذيب"، أما "المجاز" لأبي عبيدة ١/ ١١٨ ففيه: (كلالة) كل من لم يرثه أب أو ابن أو أخ فهو عند العرب كلالة اهـ، وإدخال أبي عبيدة الأخ مع الأب والابن هنا لا يوافق عليه. انظر "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٧٧.
(٣) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٧٦ (كل)، ولم أر الأخفش في "معاني القرآن" تعرض لتفسير الكلالة.
(٤) هو أحمد بن يحيى المعروف بثعلب، تقدمت ترجمته.
(٥) قول المنذري من "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٧٦ - ٣١٧٧ (كل) بتصرف يسير، وانظر: "الصحاح" ٥/ ١٨١١ (كلل)، "اللسان" ٧/ ٣٩١٨ (كلل).
(٦) القائل المنذري والمسموع أبو العباس ثعلب.
(٧) في "التهذيب": وولده.
(من (١)) الطرفين فصار عيالًا عليهم (٢). وقيل: لأن من لا يكون والدًا ولا ولدًا كلّت قرابته عن أن تكون قرابة ماسة. يقال: هو أكَلُّ من هذا، أي: أبعد نسبًا (٣).
وحديث جابر يفسر الكلالة، وأنه الوارث (غير الوالد والولد)؛ لأنه يقول: مرضت مرضًا أشفيت منه على الموت، فأتيت النبي - ﷺ -، فقلت: إني رجل ليس يرثني إلا كلالة (٤).
أراد أنه لا والد له ولا ولد، فكل من مات ولا ولد له ولا والد فهو كلالة ورثته، وكل وارث ليس بوالد للميت ولا ولد له فهو كلالة موروثه (٥).
فالكلالة اسم يقع على الوارث والموروث إذا كانا بالصفة التي ذكرنا (٦).
ويقال: رجل كلالة وامرأة كلالة وقوم كلالة، لا يثنى ولا يجمع؛ لأنه مصدر كالدلالة والوكالة، يقال: كل الرجل يكل كلالة، أي صار
(١) في (د): (عن)، وما أثبته هو الموافق لـ"التهذيب".
(٢) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٧٦ (كل)، وانظر "اللسان" ٧/ ٣٩١٩ (كلل).
(٣) هذا القول في توجيه هذه الكلمة ليس في "تهذيب اللغة"، ولم أقف عليه، وانظر: "العين" ٥/ ٢٧٩ (كل)..
(٤) الكلام من قوله: وحديث جابر من "تهذيب اللغة" ٩/ ٢٤٧، أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٨٦ بنحوه، وذكره -بنصه- السمين في "عمدة الحفاظ" ص ٥٠١ (كلل)، وعبارة (غير الوالد والولد) ليست في "التهذيب".
(٥) انتهى من "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٧٦ (كل) بتصرف.
(٦) هناك خلاف: هل الكلالة اسم يقع على الوارث؟ أو المورث؟ أو عليهما "معاني الآثار" للطحاوي، كما نص عليه المؤلف؟ انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٨٦، ولعل الراجح ما أشار إليه المؤلف. انظر: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٧٧ (لكل)، "اللسان" ٧/ ٣٩١٨ - ٣٩١٩ (كلل)، "عمدة الحافظ" ص٥٠١ (كلل).
كلًّا، وهو الذي لا ولد له ولا والد. ذكره الليث (١)، وهو صحيح.
والدليل على أن الوارث يُسمى كلالة حديث جابر أنه قال: ليس يرثني إلا كلالة، والدليل على أن الموروث الميت يُسمى كلالة قول الفرزدق:
وَرِثتُم قَناةَ المُلك لا عن كَلالةٍ... (عن ابنَي منافٍ: عبدِ شمسٍ وهاشم) (٢) (٣)
وقول الشاعر:
يهز سلاحًا لم يرِثه كلالةً يَشُكُّ بِه منهَا جلودَ المَغَابنِ (٤)
يصف ثورًا وقرنه وأنه ورثه من أبيه، وجعل القرن له كالرمح من الأسلحة، وأنه يشق به مغابن الكلاب. فالكلالة في هذا البيت يحتمل أنه الوارث، ويحتمل أنه الموروث.
(١) لم أقف على ما نسبه المؤلف لليث لا في "العين" ولا في "تهذيب اللغة" ولا غيرهما، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٧٨.
(٢) هذا الشطر الثاني من البيت ليس في (د)، وإنما اكتفى الناسخ بقوله: البيت.
(٣) البيت في "الكشف والبيان" ٤/ ٢٤ أ، "اللسان" ٧/ ٣٩١٨ (كلل) فيه الشطر الأول، "عمدة الحفاظ" ص ٥٠١ (كلل)، "الدر المصون" ٣/ ٦٠٧، وقد ذكر د. أحمد الخراط في تحقيقه للأخير أن البيت ليس في "ديوان الفرزدق"، هذا مع أني لم أجده في "معجم شواهد العربية" رغم اتفاق من عزوت إليهم على نسبته إلى الفرزدق، فقد يكون سقط من "ديوان الفرزدق" و"منتهى الطلب"، والله أعلم.
(٤) البيت للطرماح كما في "ديوانه" ص١٣٣، و"البحر المحيط" ٣/ ٣٥٢، و"أساس البلاغة" (كلل) و"الصحاح" (سلح)، و"المحكم" (سلح) و"اللسان" (سلح): (بزغ). والمغابن جمع مَغبِن، وهو الإبط والرُّفغ (باطن الفخذ)، وتطلق المغابن على معاطف الجلد أيضًا. انظر: "اللسان" ٦/ ٣٢١١ (غبن).
قال الأزهري: ودل قول الشاعر (١) أن الأب ليس بكلالة، وأن سائر الأولياء من العصبة بعد الولد كلالة، وهو قوله:
فإنَّ أبا المرءِ أحمَى له وَمولى الكَلالةِ لا يَغْضَبُ (٢)
أراد أن أبا المرء أغضب له إذا ظُلم، وموالي الكلالة وهم الإخوة والأعمام وبنو الأعمام وسائر القرابات لا يغضبون للمرء غضب الأب (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ الكلالة في هذه الآية الميت، وهو الموروث، والمراد به الأخ للأم إذا مات. ويورث ههنا من: وُرِثَ يُورث، لا من: أُورِثَ يُورَث (٤).
وانتصب كلالة من وجهين: أحدهما: أنه خبر كان (٥).
والثاني: على الحال. المعنى يورث في حالٍ مكللةٍ نسب ورثته، أي لا ولد له ولا والد. وهذا الوجه هو الاختيار، وهو قول الزجاج، والكلالة مصدر وقع موقع الحال، تقديره: يورث متكلل النسب (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ إن قيل: قد سبق ذكر الرجل والمرأة
(١) في البيت اللاحق لا السابق.
(٢) لم أعرف قائله وهو من "شواهد الزجاج في معانيه" ٢/ ٢٦، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٤ أ، "اللسان" ٧/ ٣٩١٨ (كلل) إضافة إلى الأزهري حيث أفاد المؤلف منه كما سيأتي العزو إليه.
(٣) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٧٧ (كلل)، وانظر "معاني الزجاج" ٢/ ٢٦، "اللسان" ٧/ ٣٩١٨ (كلل).
(٤) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٧٦ (كلل)، وانظر: "اللسان" ٧/ ٣٩١٨ (كلل).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٤٣٨، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٠، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٩٢.
(٦) انظر: "معاني الأخفش" ١/ ٤٣٨، "معاني الزجاج" ٢/ ٢٥، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٠، واقتصر الزجاج على ذكر هذا القول فقد يكون اختاره دون غيره.
في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ ثم قال: ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾ فأضاف إلى الرجل وكنى عنه دون المرأة؟
قال الفراء: وذلك جائز، إذا جاء حرفان في معنى واحد بـ (أو) أسندت التفسير إلى أيهما شئت، وإن شئت أسندت إليهما (١)، تقول في الكلام: من كان له أخ أو أخت فليصله تذهب إلى الأخ، وفليصلها تذهب إلى الأخت، وإن قلت: فليصلهما، فذلك جائز، (وإن شئت قلت: فليصلهم) (٢)، كقراءة من قرأ ﴿إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهم﴾ [النساء: ١٣٥] (٣) ذهب إلى الجميع لأنهما اثنان غير مؤقتين (٤).
وأجمع المفسرون على أن المراد (بالأخ والأخت ههنا من الأم) (٥) (٦)، وكذلك في قراءة سعد بن أبي وقاص (٧): (وله أخ أو أخت من أم) (٨).
(١) في "معاني الفراء" ١/ ٢٥٧: وإن شئت ذكرتهما فيه جميعًا.
(٢) ما بين القوسين ليس في "معاني الفراء".
(٣) نُسبت هذه القراءة لأبيّ -رضي الله عنه- وليست في المتواتر. انظر: "البحر المحيط" ٣/ ٣٧٠.
(٤) انتهى من "معاني القرآن" ١/ ٢٥٧ - ٢٥٨، وانظر: الطبري ٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٤ أ، "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٧٨.
(٥) في (د): (بالأخ والأخت أولاد الأم).
(٦) انظر "تفسير كتاب الله العزيز" للهواري ١/ ٣٥٦، "تفسير الطبري" ٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨، "معاني الزجاج" ٢/ ٢٦، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٤ أ، "معالم التنزيل" ٢/ ١٨٠، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٣٤٩، "تفسير ابن كثير" ١/ ٥٠٠.
(٧) هو أبو إسحاق سعد بن مالك بن أُهيب القرشي صحابي مشهور، أحد العشرة المبشرين بالجنة وآخرهم موتًا. روى عن النبي - ﷺ - كثيرًا. كان فارسًا شجاعًا، وهو أحد الستة أهل الشورى وعرف بإجابة الدعوة، توفي - رضي الله عنه - على الأشهر سنة ٥٦ هـ. انظر: "الاستيعاب" ٢/ ١٧١ - ١٧٤، "الإصابة" ٢/ ٣٣ - ٣٤.
(٨) أخرجِ أبن جرير بسنده عن سعد أنه كان يقرأ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ قال سعد: لأمه وذكر هذه القراءة الثعلبي في "الكشف =
قال ابن عباس في رواية عطاء: وله أخ أو أخت من أمه (١).
﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (وفرض) (٢) الواحد من ولد الأم السدس، فإن كانوا أكثر من واحد اشتركوا في الثلث، الذكر والأنثى فيه سواء. هذا لا خلاف فيه بين الأمة (٣).
قال أبو إسحاق: وإنما استُدِل على أن المراد بالأخ والأخت ههنا أولاد الأم بأن ذكر في آخر هذه السورة في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] (٤) أن للأختين الثلثين، وأن للإخوة كل المال، فعُلم ههنا لما جعل للواحد السدس وللاثنين الثلث، ولم يزادوا على الثلث شيئًا ما كانوا، أنه يعني بهم الإخوة لأم (٥).
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ أي: مدخل الضرر على الورثة (٦). قال المفسرون: هو أن يوصي الرجل بدين ليس عليه (٧)، يريد بذلك ضرر
= والبيان" ٤/ ٢٤ أ، والسيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٢٢٤.
(١) لم أقف على هذا الأثر إلا عند المؤلف نفسه في "الوسيط" ٢/ ٤٧٢، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش القرآن الكريم ص ٧٩.
(٢) في (أ): (وفوّض).
(٣) انظر: الطبري ٤/ ٢٧٧، "الإجماع" لابن المنذر ص ٣٤، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٤ أ، "معالم التنزيل" ٢/ ١٨٠، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٣٤٩، "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٧٩.
(٤) سياق الآية ليس في "معاني الزجاج".
(٥) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٦.
(٦) "الكشف والبيان" ٤/ ٢٤ ب.
(٧) ذكر ذلك الثعلبي عن الحسن في "الكشف والبيان" ٤/ ٢٤ ب؛ والبغوي في "معالم التنزيل" ٢/ ١٨٠، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٨٠، "البحر المحيط" ٣/ ١٩٠.
الورثة، فمنع الله منه.
وانتصب ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ على الحال، المعنى. يُوصَى بها غير مضار (١).
وقوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد فريضة من الله (٢). وهذا مثل ما ذكرنا في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١].
وانتصابه على المصدر من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ (٣).
وقال الفراء: يريد: فلكل واحد منهما السدس وصية من الله، كما تقول: لك درهمان نفقة إلى أهلك (٤). وذكرنا هذا الوجه في قوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: بمن يجوز في وصيته (٥). وقال الزجاج: ﴿عَلِيمٌ﴾ (٦) بما دبّر من هذه الفرائض، حليم عمّن عصاه بأن أخَّره وقبل توبته (٧).
١٣ - وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ الآية.
ذكرنا معنى الحدود فيما تقدم. قال ابن عباس: يريد ما حد الله من
(١) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٧، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٩٢، "البيان" لابن الأنباري ١/ ٢٤٦، القرطبي ٥/ ٨٠، "البحر المحيط" ٣/ ١٩١.
(٢) لم أقف على من خرجه عنه، وانظر: "تنوير المقباس" ص ٧٩.
(٣) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٧٥، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٩٨، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٩٢، "البيان" ١/ ٢٤٦.
(٤) قول الفراء في "معاني القرآن" ١/ ٢٥٨، وانظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٧٥.
(٥) لم أقف له على تخريج.
(٦) في (أ): (عليهم)، والصواب ما أثبته كما في "معاني الزجاج" ٢/ ٢٧.
(٧) "معانى الزجاج" ٢/ ٢٧، وانظر: "الوسيط" ٢/ ٤٧٢.
فرائضه (١). وقال ابن كيسان (٢)، والزجاج: أي: هذه التي تليت في أمر الفرائض وأمر اليتامى في أول السورة (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ﴾ (٤).
وقرأ نافع وابن عامر بالنون، والمعنى فيه كالمعنى في الياء، ومثله قوله: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٠]، ثم قال: ﴿سَنُلْقِى﴾ بالنون [آل عمران: ١٥١] (٥).
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ قال أبو إسحاق: أي: ندخلهم مقدرين الخلود فيها، وهذا كما تقول في الكلام: مررت برجل معه صقرٌ صائدًا به غدًا، أي: مقدرًا الصيد غدًا، لأن الحال لا يكون إلا ما أنت فيه (٦).
١٤ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
قال الضحاك: المعصية ههنا الشرك (٧).
(١) "تفسير ابن عباس" ص ١٣٨، وأخرجه ابن جرير بمعناه من طريق ابن أبي طلحة ٨/ ٦٩، ٧٢، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ٣٣ بلفظ المؤلف. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٢٨، "تحقيق المروي" عن ابن عباس ١/ ١٩٧.
(٢) هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن كيسان، تقدمت ترجمته.
(٣) الذي في "معاني الزجاج" ٢/ ٢٧: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: الأمكنة التي لا ينبغي أن تُتجاوز، ولم أقف على قول ابن كيسان.
(٤) (يدخله) ليست في (د).
(٥) "الحجة" ٣/ ١٤٠، ١٤١، وانظر: "السبعة" ص ٢٢٨، وهذا القراءة عشرية قرأ بها أبو جعفر أيضًا من العشرة. انظر: "المبسوط" ص ١٥٤، "النشر" ٢/ ٢٤٨.
(٦) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٧ بتصرف.
(٧) لم أقف عليه، وهذا القول مرجوح؛ لأن الآية عامة ولا مخصص لها، وأصوب من هذا القول الثاني لابن عباس لموافقته السياق.
وقال عكرمة عن ابن عباس: من لم يرض بقسم الله، ويتعدى ما قال الله يدخله نارًا (١)، وقال الكلبي: يعني: يكفر بقسمة المواريث ويتعد حدوده استحلالًا (٢).
وقوله تعالى: ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤] (٣). في نصب خالد وجهان: أحدهما: أنه حال من الهاء في ﴿يُدْخِلْهُ﴾، على تقدير: يدخله خالدًا في النار، إلا أنه لما تقدم ذكر النار كنى عنها (٤).
الثاني: أنه من نعت النار. في قول الزجاج (٥)، وهذا كما يقول زيد: مررت بدار ساكن فيها، ومثله: ﴿مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥].
١٥ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ الآية. اللاتي جمع التي، وللعرب في جمع التي لغات، يقال: اللاتي، واللات، واللواتي، واللوات، واللوا، واللائي، واللاء، واللآت، واللاآت (٦). قال الشاعر:
(١) لم أجد قول ابن عباس هذا بنصه هذا ومن نفس الطريق إلا عند المؤلف هنا وفي "الوسيط" ٢/ ٤٧٣، لكن جاء عنه من طريق علي بن أبي طلحة أنه فسر هذه الآية بقوله: في شأن المواريث التي ذكر من قبل. "تفسير ابن عباس" ص ١٣٨، والطبري ٤/ ٢٩١ وانظر "تحقيق المروي" عن ابن عباس ١/ ١٩٧.
(٢) انظر: "تنوير المقباس بهامش القرآن الكريم" ص ٧٩.
(٣) قوله تعالى: ﴿وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ليس في (أ).
(٤) انظر "معاني الزجاج" ٢/ ٢٧، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٩٢، "البيان في غريب القرآن" ١/ ٢٤٦، "الكشاف" ١/ ٢٥٦.
(٥) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٧، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٩٢، وقد منع الزمخشري صحة هذا الوجه. انظر: "الكشاف" ١/ ١٩٢، "الدر المصون" ٣/ ٦١٥.
(٦) انظر "مجاز القرآن" ١/ ١١٩، "معانى الزجاج" ٢/ ٢٨، "الصحاح" ٦/ ٢٤٧٩ (لتى)، "اللسان" ٧/ ٣٩٩٤ - ٣٩٩٥ (لتا)، "الدر المصون" ٣/ ٦١٦.
من اللَّواتي والّتي واللاّتي زَعَمنَ أنَّي كَبِرَت لِداتي (١)
فجمع بين ثلاثة أحرف للمبالغة في التوكيد، وكل واحد منها يكفي من الآخر.
والعرب قد تقول في جمع النساء: التي، فتقول: ما فعل الهندات التي أمرها كذا، وقال الآخر:
اللَّات كالبِيض لَّما تَعْدُ أن دَرَسَتْ صُفرُ الأَنَامل من قَرع القَوَاقِيزِ (٢)
وقال آخر:
من اللاء لم يَحجُجْن (٣) يَبغِين حِسبةً ولكنْ لِيَقْتُلن البَريء المُغَفَّلا (٤)
وقال آخر:
أولئك أخْدانِي وأخلال شِيمَتي وأخدانُك اللَّاآت زُّينَّ بالكَتمِ (٥)
(١) قائله غير معروف، ومعنى لداتي أي: أسناني. انظر: "مجاز القرآن" ١/ ١١٩، "معاني الزجاج" ٢/ ٢٨، "الصحاح" ٦/ ٢٤٧٩، "اللسان" ٧/ ٣٩٩٥ (لتا).
(٢) هذا البيت للأسود بن يعفر حسب ما في "اللسان" ٧/ ٣٩٩٥ (لتا). لكن فيه: اللأت كالبيض، قال: وُيروى: اللاء كالبيض، واللواتي، واللات بلا ياء، وقافيته في "اللسان": القوارير.
(٣) في (أ)، (د): (يحجن).
(٤) نسبه إلى عمر بن أبي ربيعة أبو عبيدة في "مجاز القرآن" ١/ ١١٩، ١٢٠، وهو في "معاني الزجاج" ٢/ ٢٨، "تهذيب اللغة" ١/ ٤١٥ (التى)، "زاد المسير" ٢/ ٣٤، بدون نسبة، ونسب في "زهر الآداب" ١/ ١٦٨، إلى الحارث المخزومي.
(٥) البيت في "اللسان" ٧/ ٣٩٩٥، "الدر المصون" ٣/ ٦١٧ بدون نسبة.
قال ابن الأنباري: العرب تقول في الجمع من غير الحيوان: التي، ومن الحيوان: اللاتي، كقوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، وقال في هذه الآية: ﴿وَاللَّاتِي﴾. والعِلّة في ذلك أن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد. وتأويله قوله: ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾ التي (عدتكم (١)) التي جعل الله لكم قيامًا. وجمع الحيوان لا يُجرى مجرى الواحد، ألا ترى أنك تقول: الأموال أخذتها، والأثواب اشتريتها. وتقول في جميع الحيوان: ما فعلت الهندات اللاتي رأيتهن. فتنعتهن بالجمع (٢)؛ لأن كل واحدة منهن يقع على عين معروفة، ولا يجري مجرى شيء كما يجري الجمع من الموات مجرى شيء و (عدّه) (٣). ومن العرب من يُسَوِّي بين الموات وغيره في هذا المعنى، فيقول: ما فعلت الهندات التي من أمرها كذا، وما فعلت الأثواب اللاتي من قصتهن كذا وكذا. والأول هو المختار (٤). وأنشد في جمع النساء:
من اللَّواتي والّتي واللَّاتي (٥)
وقوله تعالى: ﴿يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: يفعلنها، يقال: أتيت أمرًا قبيحًا، أي فعلته. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧]، وقال: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم: ٨٩] (٦).
والفاحشة: الفِعلة القبيحة، وهي مصدر عند أهل اللغة؛ كالعافية
(١) هكذا في (أ)، (د)، وقد تكون: من ربكم.
(٢) في (أ): (بالجميع).
(٣) هكذا في (أ)، وفي (د): (عدة)، ولم تظهر.
(٤) لم أقف على كلام ابن الأنباري، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠١.
(٥) سبق قريبًا.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٥٨، "عمدة الحافظ" ص ٧ (أتى).
والعاقبة، يقال: فَحَش الرجل يفحش فحشًا وفاحشةً، وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول أو الفعل (١). ذكره الزجاج في باب الوفاق (٢).
وأجمعوا على أن الفاحشة ههنا الزنا (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾. أي: من المسلمين (٤) ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ بالزنا (٥) ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾: أي: فاحبسوهن في السجون (٦).
قال المفسرون: هذا أمر كانوا يستعملونه في أول الإسلام إذا كان الزانيان ثيبين حبسا ومنعا من مخالطة الناس، وإذا كانا بِكْريَن أُوذِيا بالتعنيف والتوبيخ، فيقال لهما: انتهكتما حُرماتِ الله وعصيتماه، واستهدفتما لعقابه، هذا وما أشبهه من الكلام، ثم نَسخ الله الحبس والأذى بِرَجْم الثيِّبين وجلد البِكرين (٧).
(١) انظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٤٦، "الصحاح" ٣/ ١٠١٤ (فحش).
(٢) ليس في "معاني الزجاج" حول تفسير الآية، ولم يتبين مقصود المؤلف في إحالته هذه.
(٣) انظر: "تفسير ابن عباس" ص ١٣٨، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١١٦، "تفسير كتاب الله العزيز" للهواري ١/ ٣٥٨، الطبري ٤/ ٢٩١ - ٢٩٢، "معاني الزجاج" ٢/ ٢٨، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٤ ب، البغوي ٢/ ١٨١، القرطبي ٥/ ٨٣، ابن كثير ١/ ٥٠٣.
(٤) "تفسير الطبري" ٤/ ٢٩٢، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٤ ب.
(٥) "الكشف والبيان" ٤/ ٢٤ ب.
(٦) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٩٢، "معاني الزجاج" ٢/ ٢٨، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠١ - ٤٠٢، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٤ ب، "الدر المنثور" ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠.
(٧) هذا معنى قول ابن عباس وقتادة وابن زيد والحسن وغيرهم. انظر: "تفسير ابن عباس" ص ١٣٨، "تفسير كتاب الله العزيز" ١/ ٣٥٨، الطبري ٤/ ٢٩٢، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٤ ب.
أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج (١) رحمه الله، أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسن الكارزي (٢)، أخبرنا علي بن عبد العزيز (٣)، أخبرنا أبو عُبَيد، حدثنا حجاج بن محمد (٤)، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء (٥)، عن عطاء الخراساني (٦)، عن ابن عباس في هذه الآية قال: نسخها قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ الآية [النور: ٢] (٧).
قال أبو عبيد: وحدثنا عبد الله بن صالح (٨)، عن معاوية بن صالح (٩)،
(١) هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله القرشي النيسابوري، انظر: "العبر" ١/ ١٨٨.
(٢) هو محمد بن محمد بن الحسن. انظر: "الإكمال" ٧/ ١٤١
(٣) هو أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن المرزبان البغوي، حافظ صدوق، صنف "المُسند الكبير" وأخذا القراءات عن أبي عبيد وغيره، انتقل في آخر عمره إلى مكة حتى مات بها سنة ٢٨٦ هـ وقيل بعدها بسنة. انظر: "سير أعلام النبلاء" ١٣/ ٣٤٩، "غاية المنتهى" ١/ ٥٤٩.
(٤) هو أبو محمد حجاج بن محمد المصيصي الأعور، أحد العلماء والرواة الثقات إلا أنه اختلط في آخر عمره لمّا قدم بغداد، وقد توفي -رحمه الله- بها سنة ٢٠٦ هـ. انظر: "ميزان الاعتدال" ١/ ٤٦٤، "التقريب" ص ١٥٣ رقم (١١٣٥).
(٥) هو أبو مسعود عثمان بن عطاء بن أبي مسلم الخراساني ضعيف في رواية الحديث. توفي -رحمه الله- سنة ٥٥ هـ، وقيل قبلها. انظر: "ميزان الاعتدال" ٣/ ٤٨.
(٦) عطاء بن أبي مسلم الخراساني، تقدمت ترجمته، وروايته عن ابن عباس مُرسلة.
(٧) في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص ١٣٢ بنحوه مطولًا.
(٨) هو أبو صالح عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني، كاتب الليث بن سعد، صاحب حديث وعلم صدوق في الرواية ثبت في الكتابة توفي -رحمه الله- سنة اثنتين أو ثلاث وعشرين ومائتين للهجرة انظر: "ميزان الاعتدال" ٢/ ٤٤٠ - ٤٤٥، "التقريب" ص ٣٠٨ رقم (٣٣٨٨).
(٩) هو أبو عمرو معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي، من مشاهير العلم والرواية، وقد وثقه غير واحد من الأئمة وحكم عليه ابن حجر بأنه صدوق. ولي القضاء =
عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية، وفي قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ قال: كانت المرأة إذا زنت حُبست في البيت حتى تموت، وكان الرجل إذا زنا أوذي بالتعيير (١)، والضرب بالنّعال، فنزلت: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، قال: وإن كانا محصنين رجما بسنة رسول الله - ﷺ - قال: فهو سبيلهما الذي جعله الله لهما يعني: قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٢).
قال أبو عبيد: حدثنا أبو النضر (٣)، عن شعبة (٤)، عن قتادة، عن الحسن (٥)، عن حِطَّان بن عبد الله الرقاشي (٦)، عن عُبادة بن
= وتوفي -رحمه الله- بمصر سنة ١٥٨ هـ، وقيل بعدها. انظر: "تاريخ الثقات" ٢/ ٢٨٤، "مشاهير علماء الأمصار" ص١٩٠، "التقريب" ص ٥٣٨ رقم (٦٧٦٢).
(١) في (د): (بالتغيير)، بالغين المعجمة.
(٢) من "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص ١٣٢، ١٣٣، والأثر في "تفسير ابن عباس" ص ١٣٨، وأخرجه الطبري ٤/ ٢٩٢ - ٢٩٣، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" ٢/ ١٦٧، وانظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٣٠.
(٣) هو هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي بالولاء، البغدادي -وكان من مفاخر بغداد- صاحب سنة ومتفق على توثيقه في الرواية وقد توفي -رحمه الله- سنة ٢٠٧ هـ. انظر "تاريخ الثقات" ٢/ ٣٢٣، "التقريب" ص ٥٧٠ رقم (٧٢٥٦).
(٤) هو أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، الواسطي ثم البصري، ثقة حافظ قال عنه الثوري: أمير المؤمنين في الحديث من العلماء بالرجال ومن العباد الفضلاء، توفي -رحمه الله- سنة ١٦٠هـ انظر: "تاريخ الثقات" ١/ ٤٥٦، "مشاهير علماء الأمصار" ص ١٧٧، "التقريب" ص ٢٦٦ رقم (٢٧٩٠).
(٥) في النسختين: (الحسين)، والتصويب من الطبري ٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤، والبغوي ٢/ ١٨١، وابن كثير ١/ ٥٠٣.
(٦) هو حِطَّان بن عبد الله الرقاشي البصري، من التابعين الثقات وكان رجلاً صالحًا، توفي -رحمه الله- بعد السبعين للهجرة في ولاية بشر على العراق. انظر "تاريخ الثقات" ١/ ٣٠٨،"التقريب" رقم (١٣٩٩).
الصامت (١)، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "خُذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البِكر يُجلد ويُنفى، والثيّب يُجلد ويُرجم" (٢).
وخص النساء بالذكر في هذه الآية، والحد في الزنا على النساء والرجال واحد؛ لأن المرأة أحرص على الزنا من الرجل، فخصها بالذكر، كما قدم اسمها في آية الزنا، وهو قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ (٣) [النور: ٢]. وقدم اسم الرجل في آية السرقة في قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] من حيث كان الرجل أحرص على السرقة من المرأة (٤).
قال المفسرون: بعض الآية منسوخ، وهو الإمساك في البيوت، وبعضها ثابت، وهو استشهاد الأربعة (٥). واقترن بناسخ الوحي (٦) وحيٌ غير
(١) هو أبو الوليد عُبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم الأنصاري الخزرجي من الصحابة الفضلاء، وقد شهد بدرًا والمشاهد بعدها وهو من النقباء في البيعة ليلة العقبة، كان من علماء الصحابة وله مناقب وقد ولي القضاء، توفي -رضي الله عنه- بالرملة سنة ٣٤هـ، وقيل بعدها. انظر: "تاريخ خليفة" ص ١٦٨، "الاستيعاب" ٢/ ٣٥٥، "الإصابة" ٢/ ٢٦٨.
(٢) "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص ١٣٣، وأخرجه الطبري ٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤.
(٣) الحكم على جنس المرأة بأنها أحرص على الزنا من الرجل فيه نظر، ولعل الأولى أن يقال إن تخصيص المرأة بالذكر هنا وتقديم اسمها في آية النور، لأن الزنا في حق المرآة أشد؛ إذ إن العار يلحقها مدى حياتها بخلاف الرجل، ولأن الفتنة في النساء أضر كما قال النبي - ﷺ -: "ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء" أخرجه مسلم (٢٧٤٠) كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: ٢٦ أكثر أهل الجنة الفقراء...، وباب: الفتنة بالنساء ٤/ ٢٠٩٧ (ح ٩٧).
(٤) انظر "غرائب التفسير" للكرماني ١/ ٣٣١.
(٥) انظر "الكشف والبيان" ٤/ ٢٥ ب.
(٦) ناسخ الوحي هنا هو قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
متلوّ على لسان الرسول وهو التغريب والرجم (١).
وجلد الثيب منسوخ أيضًا، فعله رسول الله - ﷺ -، ثم تركه (٢).
١٦ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾. قرأ ابن كثير (٣): (اللَّذَانّ)، (هَذَانّ)، (هاتَينّ)، (فَذَانِّك) مشددة النون، ووافقه أبو عمرو في: (فَذَانِّك). وإنما شدد نون التثنية لأنه جعل التشديد عِوضًا من الحذف الذي لحق الكلمة، ألا ترى أن قولهم: إذًا قد حذف لامها، وقد حذفت الياء من: (اللَّذَانِّ) في التثنية. فإن قلت: إنّ الحذف في: (اللَّذَانّ)، إنما هو لالتقاء الساكنين، وما حذف لالتقاء الساكنين فهو في تقدير الثبات بدلالة قوله:
ولا ذاكر الله إلا قليلًا (٤)
ألا ترى أنه نصب مع الحذف كما ينصب مع الإثبات؟ قيل: إن المحذوف (٥) في (اللَّذانّ) لمّا لم يظهر في التثنية التي كان يلزم أن يثبت فيها ويتحرك، أشبه ما حُذف حذفًا، لغير التقاء الساكنين، فاقتضى العوض،
(١) لعله يشير إلى حديث عبادة المتقدم.
(٢) حكى الطبري الإجماع على ذلك في "تفسير الطبري" ٤/ ٢٩٤، وقال البغوي: وعامة العلماء على أن الثيب لا يُجلد مع الرجم لأن النبي - ﷺ - رجم ماعزًا والغامدية ولم يجلدهما "معالم التنزيل" ٢/ ١٨٢، وانظر: "تفسير ابن كثير" ٢/ ٥٠٣.
(٣) هو أبو مَعبَد عبد الله بن كثير بن المطلب، أحد القراء السبعة، تقدمت ترجمته.
(٤) عجز بيت لأبي الأسود الدؤلي، وصدره:
فألفيته غير مستعتب
"الكتاب" ١/ ١٦٩، "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٠٢، "المقتضب" ٢/ ٣١٢، "الحجة" ٢/ ٤٥٤، "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٥٣٤. والشاهد منه: ذاكر الله، حيث نصب لفظ الجلاله مع حذف التنوين من ذاكر.
(٥) في "الحجة" ٣/ ١٤٢. إن اللام.
وكذلك القول في: (هذان) التشديد فيه عوض من المحذوف عنه في التثنية وكان حقهما في التثنية: اللّذيان وهذيان. واتفقت هذه الأسماء من (اللذان وهذان) في هذا التعويض، كما اتفقتا في التحقير في فتح الأوائل منهما، مع ضمها في غيرهما، وفي إلحاق الألف أواخرها (١)، وذلك نحو: اللذيّا، واللتيّا، وهاتيّا، وهاذيّا (٢).
فأما تخصيص أبي عمرو التعويض في المُبهمة ألزم (٣)، فبحسب لزومها الحذف ألزمها العوض، ألا ترى أن اللذين (٤) إذا قلت: اللذيّا، فحقّرت أظهرت اللام المحذوفة في التثنية في التحقير، وإذا حقّرت المُبهمة (٥) قلت: ذيّا (٦)، فالحذف قائم؛ لأنه كان ينبغي: ذَييّا (٧)، الياء الأولى عين الفعل، والثانية للتحقير، والثالثة لام الفعل، فُحذفت التي هي عين الفعل، ولم يجُز أنْ تحذف التي هي لام، لأنك لو حذفتها لتحركت ياء التحقير لمجاورتها الألف، وهذه الياء لا تُحّرك أبدًا، فلما لم يُتَم المُبهم في التحقير لمجاورتها الألف، وأُتِم الموصول، خص المبهم بالعوض دون الموصول. فإن قيل: هلا وجب العوض من المنقوص في التثنية نحو: دم، ويد، وغد؟
(١) في "الحجة" ٣/ ١٤٢ - والكلام من أوله في الآية منه- هذه الكلمة: أواخرهما.
(٢) لعل المراد التصغير.
(٣) قد يكون هنا سقط أو اختصار، ففي "الحجة" ٣/ ١٤٢: فأما تخصيص أبي عمرو التعويض في المبهمة في نحو قوله: (فذانِّك) وتركه التعويض في اللذان، فيشبه أن يكون ذلك لما رآه من أن الحذف للمبهمة ألزم، فبحسب إلخ.
(٤) في (أ)، (د): الذي، ولعل الصواب ما أثبته، كما في "الحجة" ٣/ ١٤٢.
(٥) في "الحجة": المبهم.
(٦) في "الحجة": هاذيا.
(٧) فى "الحجة": هاذيبا.
قيل: هذا لا يلزم، ألا تري أنهم عوضوا في: أسطاع، وأهراق، ولم يعوضوا في: أجاد، وأقام، ونحو ذلك. وأيضًا فإن الحذف لَمَّا لم يلزم هذه الأساء المتمكنة كان الحذف كلا حذف، ألا ترى أنّ منه ما يتم في الواحد نحو:
إن مع اليوم أخاه غدوًا (١)
ومنه ما يتم في التثنية نحو: يديان بيضاوان (٢).
ونحو:
جرى الدميان بالخبر اليقين (٣)
وفي الجمع نحو: أيد، ودماء، وفي التحقير نحو: دُميّ، ويُديّة، وليست المبهمة كذلك.
ويمكن أن يكون أبو عمرو قَدّر (ذَانِّك) تثنية ذلك، فعوض الحرف في التثنية من الحرف الزائد الذي كان في الإفراد، والأول أشبه (٤).
(١) صدره:
لا تقلواها وادلواها دلوا
وانظر: "جمهرة الأمثال" ٢/ ٢٨٤، و"المستقصى في الأمثال" ١/ ٤١٤، و"مجمع الأمثال" ١/ ٣٠٤، و"الزاهر" ١/ ٣٣٨، و"اللسان" (دلو)، و"جمهرة اللغة" (فلو- قلو- دغن- دمو).
(٢) جزء من شطر بيت هو:
يَدَيان بَيضَاوان عند مُحَلَّم قد تَمْنَعَانِك أَنْ تُضام وتُضهدا
ولم يعرف قائله. انظر "الحاشية في تحقيق الحجة" ٣/ ١٤٣.
(٣) عجز بيت صدره:
فَلَو أنّا عَلى حَجَرٍ ذُبِحنا
وينسب لعلي بن بدال بن سليم وقيل لغيره. انظر: "مجالس العلماء" للزجاجي بتحقيق هارون ص ٢٥١، "الإنصاف" ص٣٠٠، "معجم شواهد العرب" ص ٤٠٨.
(٤) الكلام من أوله "القراءات" لأبي علي الفارسي في "الحجة" ١/ ١٤١ - ١٤٤، =
وقوله تعالى: ﴿يَأْتِيَانِهَا﴾ أي الفاحشة (١). قال المفسرون: هذا في البِكرين يزنيان (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ قال عطاء وقتادة والسدي: يعني التَّعيير باللسان والتوبيخ، كما ذكرنا (٣).
وقال ابن عباس: يؤذيان بالتعبير ويضربان بالنعال (٤).
﴿فَإِنْ تَابَا﴾ من الفاحشة، ﴿وَأَصْلَحَا﴾ العمل فيما بعد، فاتركوا أذاهما (٥).
وقد ذكرنا حكم هذه الآية في الآية التي قبلها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٦]. معنى التَّواب أنه يعود على عبده بفضله ومغفرته إذا تاب إليه من ذنبه (٦).
وذكرنا قول سيبويه والخليل في مثل قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وما أشبه هذا.
= بتصرف في العبارة وحذف لا أثر لهما في المعنى. انظر: "معاني القراءات" ١/ ٢٩٦، "الحجة في القراءات السبع" لابن خالويه ص ١٢١، "حجة القراءات" ص ١٩٣.
(١) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١٢٢، والطبري ٤/ ٢٩٤.
(٢) انظر: الطبري ٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥، "معاني الزجاج" ٢/ ٢٩، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٥ أ.
(٣) قول قتادة والسدي عند الطبري ٤/ ٢٩٦، ونسبه لعطاء الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٢٥ أ. انظر "معالم التنزيل" ٢/ ١٨٢، "زاد المسير" ٢/ ٣٥.
(٤) هذا الأثر عن ابن عباس ثابت، فهو من طريق ابن أبي طلحة كما في "تفسير ابن عباس" ص ١٣٨، والطبري ٤/ ٢٩٦، وعزاه السيوطي أيضًا إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم في "الدر المنثور" ٢/ ٢٣١، وانظر: "تحقيق المروي" عن ابن عباس ١/ ٢٠١.
(٥) انظر: "الطبري" ٤/ ٢٩٨، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٥ أ، "الدر المنثور ٢/ ٢٣١.
(٦) انظر: "الطبرى" ٤/ ٢٩٨.
وكان أبو عبيدة يتأول في كان معنيين: المُضِيّ والاستقبال، وينشد قول جرير:
فأدركت من قَد كان قبلي ولم أَدَع لمَن كان بَعدي في القصائدِ مَصْنَعَا (١)
وقال ابن الأنباري: معنى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ وأشباه هذا: وكان الله أبدًا ولم يزل كذلك، وصَلحَ وضعُ الماضي في موضع الدائم؛ لأن المعنى كان مفهومًا غير مُلبِس، كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّة﴾ [الأعراف: ٤٤]، وهو يريد: ويُنادي؛ لأن المعنى مفهوم، وإنما (عبرنا للماضي) (٢)؛ لأن الذي هو في علم الله كونه لا بد من وقوعه، فكأنه قد وقع، ولا يجوز: قام عبد الله، بمعنى: يقوم لأنه يُشكل.
وذهب المبرد وابن قتيبة إلى أن (كان) في مثل هذا صلة في جميع القرآن (٣)، وأنشد المبرد:
فكيف إذا مررتُ بدارِ قوم (٤) وجيرانٍ لَنا كانوا كِرام (٥)
فألغى كان. قال ابن الأنباري: ولا وجه لهذا عندي؛ لأنه لا يُلغى (٦) الكونُ وهو عامل، والكون في البيت الذي أنشده المبرد غير عامل.
(١) لم أقف على ما نسبه المؤلف لأبي عبيدة، لا في "المجاز" ولا في غيره، وأما البيت فهو في "ديوان جرير" ص ٢٦٣، لكن أوله: (وأدركت) بالواو. والشاهد منه: أن (كان) الأولى للمُضي، و (كان) الثانية للاستقبال.
(٢) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: عبر بالماضي.
(٣) انظر: "المقتضب" ٤/ ١١٦وما بعدها.
(٤) في "المقتضب": فكيف إذا رأيت ديار قوم.
(٥) نسبه المبرد للفرزدق في "المقتضب" ٤/ ١١٦، وهو في "ديوانه" ٢/ ٢٩٠، وغير منسوب في "مجاز القران" ٢/ ٧، ١٤٠، و"اللسان" ٧/ ٣٩٦١ (كون).
(٦) في (أ): (يلقي).
١٧ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾. قال الحسن: يعني: التوبة التي يقبلها الله (١)، فتكون (على) بمعنى عند.
وقال أهل المعاني: إن الله تعالى وعَد قبول التوبة من المؤمنين في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الآية [الأنعام: ٥٤]، وإذا وعد الله تعالى شيئًا صدّق ميعاده ولم يجز الخلف فيه، فمعنى (على الله) أنه أوجب ذلك على نفسه بفضله (٢).
وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. اتفقوا على أنه لم يُرِد بالجهالة ههنا أنهم يجهلون أنها ذنوب ومعاصي (٣)؛ لأن من عمل ذنبًا وهو لا يعلم أنه ذنب لم يستحق عقابًا؛ لأن الخطأ مرفوع عن هذه الأمة.
قال الكلبي: لم يَجهل أنه ذنب، ولكنه جهل عقوبته (٤)، ومثل هذا قال الفراء (٥).
وهذا لا يصح؛ لأنه يوجب أن من علم عقوبته وكان عالمًا بالتهديد فيه وكنه العقوبة لم تكن له توبة.
والصحيح في هذا ما قال المفسرون أن المعاصي كلها جهالة، ومن
(١) "الكشف والبيان" ٤/ ٢٦ ب، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٣٦، "تفسير الحسن البصري" ١/ ٢٦٦.
(٢) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة، "معاني الزجاج" ٢/ ٢٣١، ٢٥٤.
(٣) أخرج ابن جرير بسنده عن قتادة -رحمه الله- أنه قال في هذه الآية: اجتمع أصحاب رسول الله - ﷺ - فرأوا أن كل شيء عصي به فهو جهالة، عمدًا كان أو غيره، "تفسير الطبري" ٤/ ٢٩٨، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٢٦ ب، "معالم التنزيل" ٢/ ١٨٤.
(٤) من "الكشف والبيان" ٤/ ٢٦ ب، وانظر: "معالم التنزيل" ٢/ ١٨٤.
(٥) قال في "معاني القرآن" ١/ ٢٥٩: لا يجهلون أنه ذنب، ولكن لا يعلمون كنه ما فيه كعلم العالم.
عصى ربه فهو جاهل (١)، يدل عليه قوله عز وجل إخبارًا عن يوسف: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، أي من العاصين (٢).
قال ابن عباس في هذه الآية: يريد أن ذنب المؤمن بجهل (٣) منه (٤).
وقال الزجاج: معنى الجهالة ههنا، أنهم في اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية جُهّال (٥).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. قال ابن عباس: يريد ولو قبل موته بفواق (٦)، وهو قول أبي موسى الأشعري (٧) (٨).
(١) كما تقدم عن قتادة ونقله الإجماع من الصحابة على ذلك.
(٢) انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٣٢.
(٣) في (د): (جهل)، واللفظان متقاربان، وما أثبته يصح بتقدير: أن ذنب المؤمن يقع بجهل منه.
(٤) أخرج الطبري من طريق الكلبي عن ابن عباس: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ قال: من عمل السوء فهو جاهل، من جهالته عمل السوء. "تفسير الطبري" ٤/ ٢٩٩، وانظر: "الوسيط" ٢/ ٤٧٨، ابن كثير ٢/ ٥٠٤، "الدر المنثور" ٢/ ٢٣٢.
(٥) "معاني القرآن" ٢/ ٢٩.
(٦) أورده المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٤٧٩، ونسبه الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٢٧ أبنصه إلى أبي موسى الأشعري، ولم أجده عن ابن عباس، لكن ثبت من طريق ابن أبي طلحة عنه أنه قال: القريب فيما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. "تفسير ابن عباس" ص ١٣٩، والطبري ٤/ ٣٠٠. والمراد بالفواق فواق الناقة وهو رُجوع اللبن في ضَرعها أو ما بين الحَلبتين. انظر: "اللسان" ٦/ ٣٤٨٨ (فوق).
(٧) هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حصار الأشعري، مشهور باسمه وكنيته أسلم مبكرًا واستعمله النبي - ﷺ - على اليمن، كان حسن الصوت بالقراءة فقيهًا مكثرًا من رواية الأحاديث مجاهدًا. توفي - رضي الله عنه - سنة ٤٢ هـ، وقيل بعدها. انظر: "تاريخ خليفة" ص ٩٧، ١٣٥، ٢١١، "أسد الغابة" ٣/ ٣٦٧، "الإصابة" ٢/ ٣٥٩.
(٨) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٢٧ أ
وقال عكرمة وابن زيد: ما قبل الموت فهو قريب (١)، وكذلك قال الزجاج، أي: يتوبون قبل الموت؛ لأن ما بين الإنسان والموت قريب، فالتوبة مقبولة قبل اليقين بالموت (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. قال ابن عباس: يريد علم ما في قلوب المؤمنين من التصديق واليقين فحكم لهم بالتوبة قبل الموت بقدر فَوَاق ناقة (٣).
١٨ - قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية. تعلقت الوعيدية (٤) بهذه الآية، وقالت: أخبر الله تعالى أن عصاةَ أهل الصلاة إذا أهملوا أمرهم إلى انقضاء آجالهم حصلوا على عذاب الآخرة مع الكفار؛ لأنه جمعهم في قوله: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٥).
والجواب: ليس الأمر على ما زعمتم، فقد قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ يريد الشرك (٦).
(١) أخرج قولهما بنحوه الطبري ٨/ ٣٠١، وبنصه من "الكشف والبيان" ٤/ ٢٧/ أ، وانظر: البغوي ٢/ ١٨٥، وابن كثير ١/ ٥٠٤.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٢٩.
(٣) راجع ما سبق من التعليق على الأثر المتقدم عن ابن عباس.
(٤) هم قوم من المعتزلة وغيرهم غلبوا جانب الوعيد في النصوص الشرعية وأغفلوا جانب الوعد. انظر "مقالات الإسلاميين" ص ٢٧٤، ٢٧٦.
(٥) انظر: "الكشاف" ١/ ٢٥٧.
(٦) لم أجده عن ابن عباس من رواية عطاء، لكن ثبت معناه عنه من طريق علي ابن أبي طلحة قال: قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية قال: فأنزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فحرم الله تعالى المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم من المغفرة. "تفسير ابن عباس" ص ١٣٩، =
وقال عكرمة عنه في هذه الآية: هم أهل الشرك (١).
أخبرناه أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا محمد بن الحسن الكارزي، أخبرنا على بن عبد العزيز، أخبرنا أبو عبيد (٢)، حدثنا مُحمد بن ربيعة (٣)، عن النّضر بن عمران (٤)، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وقال الربيع بن أنس: ﴿إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ هو المنافق، ألا ترى يتلوه الكافرون (٥).
وقال سعيد بن جبير: نزلت الأولى في المؤمنين، يعني قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية، والوسطى في المنافقين، يعني قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾، والأخرى في الكافرين، يعني قوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ﴾ (٦).
= والطبري ٤/ ٣٠٤، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٣٨، ابن كثير ١/ ٥٠٤ - ٥٠٥، "الدر المنثور" ٢/ ٢٣٣.
(١) أورده السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٢٣٣، وعزاه إلى ابن المنذر.
(٢) السند إلى أبي عبيد تقدم قريبًا.
(٣) هو محمد بن ربيعة الكلابي بن وكيع، صدوق، توفي -رحمه الله- بعد سنة ١٩٠هـ (هذا ما وجدته عنه مما يناسب المقام). انظر: "ميزان الاعتدال" ٣/ ٥٤٥، "التقريب" ص ٤٧٨ رقم (٥٨٧٧).
(٤) لم أقف له على ترجمة.
(٥) أخرج الطبري بإسناده عن الربيع: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، قال: نزلت الأولى في المؤمنين، ونزلت الوسطى في المنافقين، يعني: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾، والأخرى في الكفار، يعني: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. "تفسير الطبري" ٤/ ٣٠٣.
(٦) لم أقف على من أخرجه عن سعيد بن جبير، وقد تقدم قريبًا أن الطبري أخرجه عن الربيع بن أنس ٤/ ٣٠٣، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٣٨.
وإذا كانت الآية نازلة إما في الكفار أو المنافقين، على قول الصحابة والتابعين الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، فلا وجه لحملها على أهل الصلاة.
وبهذا الإسناد الذي ذكرنا عن أبي عبيد قال: حدثنا ابن صالح، -يعني: عبد الله-، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ قال: ثم أنزل الله بعد ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فحرم الله المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجى أهل التوحيد إلى مشيئته، ولم يُؤيسهم من المغفرة (١).
فإن قيل: هذا على ما رَوَيتم نسخٌ للأول، ونسخ الخبر لا يجوز. قلنا: لا نَدعي (٢) النسخ، ولفظ النسخ لم يُنقل عن ابن عباس، ولكن الآية الأولى اقتضت العموم بظاهرها، فلما نزلت الآية الثانية علمنا أن المراد بالأولى غير أهل التوحيد، من المنافقين والكافرين (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. الذين في موضع الخفض بالعطف على الأول (٤). ومعناه: لا توبة للكفار إذا ماتوا على كفرهم في الآخرة (٥)، وإنما لم تقبل التوبة في الآخرة لرفع التكليف ومعاينة
(١) "تفسير ابن عباس" ص ١٣٩، وأخرجه الطبري بنفس الإسناد ٤/ ٣٠٤، وانظر: "تحقيق المروي" عن ابن عباس ١/ ٢٠٣.
(٢) في (د): (يدعى) بالياء.
(٣) أي: أن الآية الثانية مخصصة لعموم الأولى.
(٤) انظر: "معاني الفراء" ١/ ٢٥٩، والطبري ٤/ ٣٠٤، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٢ - ٤٠٣، والثعلبي ٤/ ٢٨ أ.
(٥) انظر: "معاني الفراء" ١/ ٢٥٩، والطبري ٤/ ٣٠٤.
ما وعدوا في الدنيا من الثواب والعقاب، ولهذا لم تقبل توبة المُحتَضر لمعاينة أحكام الآخرة.
قال الزجاج: ولأنه تاب في وقت (لا يُمكنه التصرف (١)) فيما يُحقق التوبة (٢).
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا﴾ أي: هيأنا وأعددنا. يقال: أعتدت الشيء فهو معتد وعتيد، وقد عتد الشيء عتادة وهو عتيد حاضر. قاله الليث، قال: ومن هنالك سميت العتيدة، التي فيها طيب الرجل وأدهانه، والعتاد ما أعده الرجل من السلاح والدواب والآلة للجهاد، ويُجمع: أعْتُدَةً، وأعتُدًا. ويقال: فرس عَتِدٌ وعَتَدٌ، وهو المُعَدّ للركوب (٣).
واختلفوا في هذا الحرف، فقال قوم: عَتَد، بناء على حدة وأصل بنفسه (٤) ثم تُدغم التاء في الدال فيقال: أعدّ، والعدّة إنما هي العتدة ولكن أُدغمت التاء في الدال، الذي يدل على هذا قولهم: العدان، في جمع: عتود، وأصله عتدان، فعلى هذا الأصل أعتد، وأعدّ مدغم منه.
وقال آخرون بناء أَعدّ من عين ودالين؛ لأنهم يقولون: أعددنا، فيظهرون الدالين، وأنشدوا قول امرئ القيس (٥):
(١) في "معاني الزجاج": لا يمكن الإقلاع بالتصرف.
(٢) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٩.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٣١٦، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٨ أ، "اللسان" ٥/ ٢٧٩٤ (عتد).
(٤) لعلها هكذا.
(٥) تقدمت ترجمته.
أعددتُ للحرب صارمًا ذَكرًا مُجرَّب الوَقع غير ذي عَتَبِ (١)
ولم يقل أَعَتدْت (٢).
قال الأزهري: جائز أن يكون الأصل أعددت، ثم قلبت إحدى الدالين تاء، فعلى هذا الأصل أعدّ، وأعتد مقلوب (٣) منه (٤).
قال الأزهري: وجائز أن يكون عتد بناء على حدة، وأعدّ بناء مضاعفًا، وهذا هو الأصوب عندي (٥).
١٩ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآية.
قال المفسرون: كان الرجل في الجاهلية (٦) إذا مات جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته فألقى ثوبه على المرأة، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوجها بغير صَداق، إلا الصَّداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوَّجها غيره وأخذ صَداقها، ولم يُعطِها منه شيئًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأعلم أن ذلك حرام، وأن الرجل لا يرث المرأة من الميت (٧).
(١) البيت غير منسوب عند الأزهري في "التهذيب" ٣/ ٢٣١٦، ولا في "اللسان" ٥/ ٢٧٩٥ (عتد) ولم أجده في "ديوان امرئ القيس" الذي بين يدي.
(٢) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٣١٦ - ٢٣١٧ (عتد) بتصرف، وانظر: "اللسان" ٥/ ٢٧٩٤ المادة نفسها.
(٣) في (د): (مقارب).
(٤) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٣١٦ (عتد) بتصرف، وانظر: "اللسان" ٥/ ٢٧٩٥ المادة نفسها.
(٥) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٣١٧ (عتد) بتصرف، وانظر "اللسان" ٥/ ٢٧٩٥ المادة نفسها.
(٦) في "أسباب النزول" للمؤلف (١٥١)، كان أهل المدينة في الجاهلية، وكذلك عند الثعلبي ٤/ ٢٨أ.
(٧) انظر: "تفسير القرآن" لعبد الرزاق ١/ ١٥١، والطبري ٤/ ٣٠٥ - ٣٠٨، "معاني =
وقال بعضهم: الوراثة تعود إلى المال، وذلك أن وارث الميت كان له أن يمنعها من الأزواج إلى أن تموت فيرثها ما ورثت من الميت، فقال الله تعالى: لا يحل لكم أن ترثوهن أموالهن وهن كارهات (١).
وقوله تعالى: ﴿كَرْهًا﴾ قرئ بفتح الكاف وضمها (٢)، وهما لغتان، كالفَقْر والفُقر، والضَّعف والضعف، والشَّهد والشُّهد (٣). قال أحمد بن يحيى (٤): ولا أعلم بين الأحرف التي ضمها (بعض القراء (٥)) وفتحها بعضهم من: الكَره والكُره فرقًا في العربية، ولا في سُنَّة تُتّبع، ولا أرى الناس اتفقوا على الحرف الذي في سورة البقرة خاصة، وهو قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، إلا أنه اسم وبقية القرآن مصادر (٦).
= الزجاج" ٢/ ٣٠، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٨ أ، "أسباب النزول" للمؤلف ص ١٥١، "زاد المسير" ٢/ ٣٩، ابن كثير ١/ ٥٠٦ - ٥٠٧، "لباب النقول" ص ٦٥، ٦٦.
(١) ممن ذهب إلى ذلك ابن عباس والزهري. انظر: الطبري ٤/ ٣٠٦ - ٣٠٧، "زاد المسير" ٢/ ٣٩، "الدر المنثور" ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥.
وقد اختار الطبري القول الأول وأن المراد بوراثة النساء وراثة نكاحهن. انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٣٠٥ - ٣٠٦.
(٢) قراءة الضم لحمزة والكسائي، والفتح لبقية العشرة. انظر: "السبعة" ص ٢٢٩، "الحجة" ٣/ ١٤٤، "المبسوط" ص ١٥٥، "النشر" ٢/ ٢٤٩.
(٣) "الحجة" ٣/ ١٤٤.
(٤) هو ثعلب وقوله في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٣٦.
(٥) في (د): بدون (بعض).
(٦) انتهى قول ثعلب من "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٣٦ (كره)، وانظر: "اللسان" ٧/ ٣٨٦٥ نفس المادة.
قال الأزهري: وقد أجمع كثير من أهل اللغة أن الكَره والكُره لغتان، فبأي لغة قرئ فجائز، إلا الفراء (١).
وقد ذكرنا قوله في سورة البقرة (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ ذكرنا معنى العضل في سورة البقرة (٣).
قال ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك: المَنهيّ عن العضل ههنا الأزواج، فهو أن يُمسكوهن إذا لم يكن لهم فيهن حاجة إضرارًا بهن حتى يَفتدين ببعض مُهورهن (٤).
وهذا القول اختيار الزجاج، قال: هؤلاء المُخاطَبون غير أولئك.
وكان الرجل منهم إذا تزوج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها لتفتدي منه، فأَعلمَ الله عز وجل أنّ ذلك لا يَحلّ (٥).
وقوله تعالى: ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يَصلح أن يكون نصبًا وجزمًا (٦). أما النصب على أن المعنى: لا يحلّ لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن (٧)،
(١) انتهى من "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٣٦ (كره)، ووجهة نظر الفراء كما في "التهذيب" بقول الأزهري: فإنه زعم أن الكَره ما أكرهت نفسك عليه، والكُره ما أكرهك غيرك عليه، جئتك كَرها، وأدخلتني كُرها، وانظر: الثعلبي ٤/ ٢٨ ب.
(٢) انظر: "البسيط" [البقرة: ٢١٦].
(٣) انظر: "البسيط" [البقرة: ٢٣٢].
(٤) انظر: "تفسير عبد الرزاق" ١/ ١٥١، الطبري ٤/ ٣٠٥، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٩ب، البغوي ٢/ ١٨٦، "زاد المسير" ٢/ ٤٠، ابن كثير ١/ ٥٠٧، "تحقيق المروي" عن ابن عباس ١/ ٢٠٥.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٣٠.
(٦) انظر: "معاني الفراء" ١/ ٢٥٩، و"الطبري" ٤/ ٣٠٩، و"معاني الزجاج" ٢/ ٣٠.
(٧) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٣٦٠، و"الطبري" ٤/ ٣٠٩.
قال الفراء: وكذا هو في قراءة عبد الله (١). وأما الجَزْم فعلى النهي (٢).
قال الأزهري (٣): العَضل في هذه الآية من الزوج لامرأته، وهو أن يُضارّها ولا يُحسن معاشرتها، ليضطرها بذلك إلى الافتداء منه بمهرها الذي أمهرها، سماه الله عَضلاً؛ لأنه يمنعها حقها من النفقة وحسن العشرة، كما أن الولي إذا منع أَيِّمه (٤) من التزويج فقد منعها (الحق الذي يجب لها عليه) (٥) (٦).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال ابن عباس في رواية عطاء، والحسن وأبو قلابة (٧) والسدي: الفاحشة ههنا الزنا (٨).
(١) "معاني القرآن" ١/ ٢٥٩، وانظر: "الطبري" ٤/ ٣٠٩، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٤.
(٢) انظر: "معاني الفراء" ١/ ٢٥٩، "معاني الزجاج" ٢/ ٣٠.
(٣) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٤٧٥ (عضل).
(٤) في "تهذيب اللغة": حريمته.
(٥) في "التهذيب": الحق الذي أبيح لها من النكاح، ولعل تعبير الواحدي أدق.
(٦) انتهى من "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٤٧٥ (عضل)، وانظر: "اللسان" ٥/ ٢٩٨٨ - ٢٩٨٩ المادة نفسها
(٧) هو عبد الله بن زيد الجرمي البصري من مشاهير علماء التابعين وثقاتهم إلا أنه يدلس وفيه نصب يسير، وقد أخرج حديثه الجماعة توفي -رحمه الله- سنة ١٠٤هـ وقيل بعدها. انظر: "تاريخ الثقات" ٢/ ٣٠، "ميزان الاعتدال" ٢/ ٤٢٥، "التقريب" ص٣٠٤رقم (٣٣٣٣).
(٨) أخرج قول الحسن وأبي قلابة والسدي الطبري ٤/ ٣١٠، وأما ابن عباس فإن الثابت عنه من رواية علي بن أبي طلحة كالقول الثاني، أن المراد: هو البغض والنشوز. "تفسير ابن عباس" ص ١٤٠، وأخرجه الطبري ٤/ ٣١٠.
وانظر في ذلك: "تفسير الهواري" ١/ ٣٦٠، ٣٦١، البغوي ٢/ ١٨٦، "زاد المسير" ٢/ ٤١، ابن كثير ١/ ٥٠٧، "الدر المنثور" ٢/ ٢٣٥.
وهو اختيار الزجاج (١).
وقال ابن مسعود وقتادة والضحاك: هي النشوز (٢).
ثم اختلفوا في حُكم الآية؛ فقال الأكثرون: إذا زنت امرأة تحتَ رجُلٍ، أو نَشزَت عليه، حلّ له أن يَسْأَلها الخُلع، وأن يُضارَّها ويُسيء معاشرتها لتفتدي منه بالمهر.
قال أبو قلابة: إذا رأى الرجل من امرأته فاحشةً فلا بأس أنْ يضارّها حتى تَخَتلِع منه (٣). قال الأزهري: فجعل الله عز وجل اللواتي يأتين الفاحشة مُستَثنيات من جُملة النساء اللواتي نهى الله أزواجهن عن عضلهن ليذهبوا ببعض ما آتوهن من الصداق (٤).
وذهب بعضهم إلى أن هذا كان يجوز ثم نُسخ.
قال عطاء الخراساني: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشةً أَخذ منها ما ساق إليها وأخرجها (٥)، فنَسخ ذلك الحدود (٦).
وهذا الاختلاف على قول من يجعل الفاحشة الزنا، ومن جعلها النشوز فلا نَسخ عنده، وللزوج إذا نَشزت المرأة أن يُسيء (٧) عِشرتها لترغب في الفدية.
(١) "معاني القرآن" ٢/ ٣٠.
(٢) نص قول قتادة والضحاك ومعنى قول ابن مسعود حسبما أخرج الطبري ذلك عنهم في "تفسيره" ٤/ ٣١١، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٢٩ أ، "زاد المسير" ٢/ ٤١، وابن كثير ١/ ٥٠٧، "الدر المنثور" ٢/ ٢٣٦.
(٣) أخرجه الطبري ٤/ ٣١٠، وانظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٤٧٥ (عضل).
(٤) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٤٧٥ (عضل).
(٥) في (د): (ثم أخرجها).
(٦) أخرجه الطبري ٤/ ٣١١، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٤١، "الدر المنثور" ٢/ ٢٣٦.
(٧) في (أ): (بشى) بالشين المعجمة، ولعله تصحيف.
واختلف (١) القراء في المبيّنة والمبيّنات، فقرئت بفتح الياء وكسرها (٢).
قال سيبويه: يقال: أبان الأمر وأبنته واستبان، واستبنته، وبيّن وبيّنته (٣)، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. فمن فتح الياء فالمعنى عنده: يُبيَّن فحشها فهي مبينة، ومن كسر فحجته ما جاء في التفسير: فاحشة ظاهرة، فظاهرة حجة لمبيِّنة (٤). ثم قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال ابن عباس: يريد احْجبها بما يَجِب لها عليك من الحق (٥). وقال الزجاج: هو النُّصفة في المبيت والنفقة، والإجمال في القول (٦). وهذا قبل أن يأتين بالفاحشة.
وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]. قال ابن عباس (٧): يريد فيما كرهتم مما هو لله رضا. ﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٨) يريد ثوابًا عظيمًا (٩).
(١) في (د): (واختلاف).
(٢) قراءة الفتح لابن كثير وأبي بكر عن عاصم، والكسر للباقين. انظر: "السبعة" ص٢٣٠، "الحجة" ٣/ ١٤٥، "الكشف" ١/ ٣٨٣، "النشر" ٢/ ٢٤٨.
(٣) قول سيبويه في "الكتاب" ٤/ ٦٣، وقد أخذه المؤلف من "الحجة" ٣/ ١٤٥.
(٤) انظر: الطبري ٤/ ٣١٢، "الحجة" ٣/ ١٤٦، "حجة القراءات" ص ١٩٦، "الكشف" ١/ ٣٨٣.
(٥) لم أقف على من خرجه عن ابن عباس، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٠.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٣٠، وانظر "معاني القرآن" للنحاس ٢/ ٤٧.
(٧) في "الوسيط" ٢/ ٤٨٤: قال عطاء.
(٨) في (أ): (خيركثير).
(٩) لم أقف عليه.
قال المفسرون: الخير الكثير في المرأة المكروهة أن يرزقه الله منها ولدًا صالحًا ويعطفه عليه (١).
وقوله تعالى: ﴿فِيهِ﴾ الكناية تعود إلى قوله: ﴿شَيْئًا﴾، ويجوز أن تعود إلى الكراههَ والكُره؛ لأن الفعل يدل على المصدر (٢).
٢٠ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ الآية. قال المفسرون: لما ذكر الله تعالى في الآية الأولى مُضارّة الزوجات إذا أتين بفاحشة، بَيّن في هذه الآية تحريم المضُارة في غير حال الفاحشة، ونهى عن بَخس (٣) حقَّها من المهر إذا أراد الرجل طلاقها وأن يتزوج غيرها، فليس المهر للمرأة موقوفًا على التمسك بها، حتى إذا أراد الاستبدال جاز له أخذه، بل هو تَمليكٌ صحيح لا يجوز الرجوع فيه (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾. فيه دليل على جواز المُغالاة في المهر (٥)، فقد رُوي أنّ عمر - رضي الله عنه - قال على المنبر: ألا لا تُغالوا في مُهور نسائكم. فقامت امرأة وقالت: يا ابنَ الخطاب: الله يُعطينا وأنت تمنع، وتلت هذه الآية، فقال عمر: كُلّ الناس أفقه من عمر، ورجع عن
(١) روى نحوه عن ابن عباس، وقال به كثير من المفسرين. انظر: الطبري ٤/ ٣١٣، و"تفسير الهواري" ١/ ٣٦١، والثعلبي ٤/ ٢٩ أ، والبغوي ٢/ ١٨٦، و"زاد المسير" ٢/ ٤٢، وابن كثير ١/ ٥٠٨، "الدر المنثور" ٢/ ٢٣٦.
(٢) انظر: الطبري ٤/ ٣١٣، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٩٤، "الدر المصون" ٣/ ٦٣٢.
(٣) في (د): (يحسن).
(٤) هذا من اهتمام المؤلف -رحمه الله- ببيان التناسب بين الآيات، وقليل من المتقدمين من اهتم بذلك. انظر: "البحر المحيط" ٣/ ٢٠٥.
(٥) زيادة المهر وكثرته شيء، والمغالاة بمعنى التنافس في زيادته شيء آخر، والآية دلت على جواز الأول دون الثاني، والله أعلم.
كراهة المُغالاة (١).
وقوله تعالى: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا﴾.
البهتان في اللغة الكذب الذي يواجه به صاحبه على جهة المُكابرة له، وأصله من قولهم: بُهِت الرجل، إذا تحيّر، فالبهتان كذب يُحيِّر الإنسان لعِظَمه، ثم جُعل كل باطل يتحيّر من بطلانه بهتانًا، وهو اسم من البَهت، يقال: بَهَته، أي (٢): استقبله بأمر يقذفه به وهو منه بريء (٣)، ومنه الحديث: إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته (٤).
قال الزجاج: البهتان ههنا مصدر وضع موضع الحال، المعنى: أتأخذونه مباهتين وآثمين (٥).
وقال ابن عباس في هذه الآية: يريد أن أخذك إياه بعدما دخلت بها بهتان وإثم عظيم (٦). وفُسر البهتان في هذه الآية بالظلم (٧).
(١) أخرجه بنحوه أبو يعلى بإسناد جيد قوي، وابن المنذر، انظر: "تفسير ابن كثير"، ١/ ٥٠٨، "الدر المنثور" ٢/ ٢٣٧.
(٢) في (د): (إذا).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للنحاس ٢/ ٤٨، "تهذيب اللغة" ١/ ٤٠٠، "مقاييس اللغة" ١/ ٣٠٧، "الصحاح" ١/ ٢٢٤، "اللسان" ١/ ٣٦٨ (بهت).
(٤) لعله يريد حديث الغيبة، وفيه: "وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته". أخرجه الإمام أحمد ٢/ ٢٣٠، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- وكذلك مسلم (٢٥٨٩) كتاب البر، باب: تحريم الغيبة، وغيرهما، انظر: "المعجم المفهرس" ١/ ٢٢٦ (بهت)
(٥) "معاني الزجاج" ٢/ ٣١ بتصرف، وانظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٤٠٠ (بهت).
(٦) أورده المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٤١٥، ولم أقف على من خرّجه.
(٧) ممن فسره بذلك ابن قتيبة في "غريب القرآن" ص ١٢٢، والهواري في "تفسيره" ١/ ٣٦١، والطبري في "تفسيره" ٤/ ٣١٤، وعزاه ابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ٤٣، إلى ابن عباس ولم أقف عليه عنه.
٢١ - وقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾. استفهام معناه التوبيخ والتعظيم لأخذ المهر بغير حِلّه (١). ومضت نظائره والكلام (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. الإفضاء في اللغة معناه الوصول، يقال: أفضى إليه، أي: وَصل إليه بالملابسة معه قال الشاعر:
بِلًى (٣) وَثأًى أَفضَى إلى كُل كُثْبَةٍ (٤) بَدا سَيرُها مِن ظَاهِرٍ بعد ظَاهِرِ (٥)
أي: البلى والفساد وصل إلى الخرز (٦).
وأصله من الفضاء، الذي هو السعة، يقال: فَضا يفضو، فُضُوّا وفَضاءً، إذا اتسع. والفاضي المكان الواسع. فالإفضاء الوصول باتساع المذهب (٧).
(١) انظر الطبري ٤/ ٣١٤، والثعلبي ٤/ ٢٩ ب.
(٢) الظاهر أنه في الكلام حذف وتصحيف، ولعل التمام والصواب: ومضى نظائره والكلام عليه.
(٣) عند الطبري ٤/ ٣١٤: بلى، ولعله هو الصواب.
(٤) عند الطبري ٤/ ٣١٤: كتبه بالتاء المثناة، ولعله هو الظاهر كما سيظهر في الحاشية التالية.
(٥) البيت للطرماح كما في "ديوانه" ص ١٢٧، وآخره "من ظاهر بعد باطن"، و"المحرر الوجيز" ٢/ ٣٠. وقد أثبته محمود شاكر في تحقيقه للطبري كالتالي: [بلين] بِلًى أفضى إلى [كل] كُتبة، بدا سيرها من باطن بعد ظاهر، وقال محمود في حاشي: والكُتبة (بضم فسكون) هي الخَرَزَة المضمومة التي ضم السير كلا وجهيها من المزادة والسقاء والقربة، يقال: كتب القربة، خرزها بسيرين. وهذا بيت يصف مَزادًا أو قربًا قد بليت خرزها بلى شديدًا فقطر الماء منها، فلم تعد صالحة لحمل الماء. "تفسير الطبري" بتحقيق شاكر ٨/ ١٢٥.
(٦) الطبري ٤/ ٣١٤ بتصرف
(٧) انظر "العين" ٧/ ٦٣ (فضو)، "جمهرة اللغة" ٣/ ٢٦١، "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٩٦ - ٢٧٩٧، "الصحاح" ٦/ ٢٤٥٥ (فضا)، "أساس البلاغة" ٢/ ٢٠٥ (فضو)، =
وقال ابن المظفر: أفضى فلان إلى فلان، أي: وصل إليه. وأصله أنه صار في فُرجته وفَضائه (١).
وللمفسرين في الإفضاء في هذه الآية قولان: أحدهما: أن الإفضاء ههنا كناية عن الجماع. قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ يريد الجماع (٢). وهو قول مجاهد والسدي (٣)، واختيار الزجاج (٤)، وابن قتيبة (٥)، ومذهب الشافعي؛ لأن عنده للزوج أن يرجع في نصف المهر إذا طلق قبل المسيس وإن خلا بها (٦).
القول الثاني: أن الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يُجامعها.
= "اللسان" ٦/ ٣٤٣٠ (فضا).
(١) قول ابن المظفر في "العين" ٧/ ٦٣ (فضو)، "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٩٦ - ٢٧٩٧ (فضا). وانظر "اللسان" ٦/ ٣٤٣٠ - ٣٤٣١ (فضا).
(٢) ثبت عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه فسر الإفضاء ههنا بالجماع، لكن من طريق آخر، رواه عنه بكر بن عبد الله المزني، أخرجه ابن جرير في "تفسير الطبري" ٤/ ٣١٤، وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٣٨، "تحقيق المروي عن ابن عباس" ١/ ٢٠٨. ولم أقف على رواية عطاء.
(٣) أخرج ذلك عنهما الطبري ٤/ ٣١٥، والأثر عن مجاهد في "تفسيره" ١/ ١٥٠، ١٥١، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٤٣، وابن كثير ١/ ٥٠٩، و"الدر المنثور" ٢/ ٢٣٨.
(٤) ليس للزجاج تصريح باختيار هذا القول دون غيره. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٣١.
(٥) "غريب القرآن" ص ١١٧.
(٦) انظر: "الأم" ٥/ ٢١٥.
وهذا القول اختيار الفراء في الإفضاء (١)، ومذهب أبي حنيفة (٢)؛ لأن الخلوة عنده تمنع من الرجوع في شيء من المهر بالطلاق (٣).
واللغة تحتمل المذهبين، روى ثعلب، عن ابن الأعرابي: أفضى الرجل: دخل على أهله، وأفضى: إذا جامعها (٤). قال (٥): والإفضاء في الحقيقة الانتهاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى﴾ أي: انتهى وأوى (٦).
وابن عباس والأكثرون على القول الأول (٧).
وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]. قال الحسن وابن سيرين (٨) والضحاك وقتادة والسدي وعكرمة والفراء: هو قولهم عند العقد: زَوجتُكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك
(١) في "معاني القرآن" ١/ ٢٥٩.
(٢) هو النعمان بن ثابت التيمي الكوفي، الإمام الكبير المشهور العلامة الثقة، إمام الرأي والمذهب الحنفي، ولد سنة ٨٠ هـ في حياة صغار الصحابة ورأى أنس بن مالك. توفي سنة ١٥٠هـ انظر: "تاريخ الثقات" ص ٣١٤، "تاريخ خليفة" ص ٤٢٥، "سير أعلام النبلاء" ٦/ ٣٩٠، "التقريب" ص ٥٦٣ رقم (٧١٥٣).
(٣) انظر: "الاختيار" لابن مودود الحنفي ٣/ ١٠٣.
(٤) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٩٦ (فضا).
(٥) أي ابن الأعرابي.
(٦) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٩٦ (فضا)، وانظر: "اللسان" ٦/ ٣٤٢٦ المادة نفسها.
(٧) هذا يفيد بأن القول الأول قول الجمهور، ولعل هذا ترجيح من المؤلف له.
(٨) هو أبو بكر محمد بن سيرين الأنصاري البصري التابعي، إمام ثقة ثبت في الحديث وكان لا يرى الرواية بالمعنى، عابد كبير القدر، وقد أخرج حديثه الجماعة. توفي -رحمه الله- سنة ١١٠هـ انظر: "تاريخ الثقات" ص٢٤٠، "مشاهير علماء الأمصار" ص ٨٨، "التقريب" ص ٤٨٣ رقم (٥٩٤٧).
بمعروف أو تسريح بإحسان (١).
قال الزجاج: التسريح بإحسان لا يكون بأن يأخذ مهرها، هذا تسريح بإساءة لا تسريح بإحسان (٢).
وقال مجاهد وابن زيد: الميثاق الغليظ كلمة النكاح التي يُستحل بها فروج النساء (٣)، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: الميثاق الغليظ: يريد الشهادة والخُطبة التي فيها ذكر الله والصلاة على النبي - ﷺ - والنكاح (٤). وقد قال النبي - ﷺ -: "اتقوا الله في النساء، فإنكم (أخذتموهن بأمان) (٥) الله، واستحللتم فُروجهن بكلمة الله" (٦). والصحيح أن هذه الآية
(١) أخرج أقوال المتقدمين إلى عكرمة ابن جرير في "جامع البيان" ٤/ ٣١٥. وقد ذكر السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٢٣٨ أن قول عكرمة كقول مجاهد الآتي عند المؤلف، وعزاه إلى ابن أبي شيبة وقد أخرج عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١٥٢ قول قتادة خاصة. وقد نسب نحو هذا القول لابن عباس. انظر في ذلك كله: الثعلبي ٤/ ٣٠ أ، "زاد المسير" ٢/ ٤٣، ابن كثير ١/ ٥٠٩، "الدر المنثور" ٢/ ٢٣٨. وأما قول الفراء ففي "معانيه" ١/ ٢٥٩.
(٢) "معاني القرآن" ٢/ ٣٢.
(٣) الأثر عن مجاهد بنحوه في "تفسيره" ١/ ١٥١، وأخرجه الطبري ٤/ ٣١٦، وأما عن ابن زيد فقد أخرجه الطبري بلفظ: الميثاق النكاح. "جامع البيان" ٤/ ٣١٦. وانظر: "تفسير كتاب الله العزيز" ١/ ٣٦١، والثعلبي ٤/ ٣٠ ب، و"زاد المسير" ٢/ ٤٤، وابن كثير ١/ ٥٠٩، و"الدر المنثور" ٢/ ٢٣٨.
(٤) لم أقف عليه، لكن أورد السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٢٣٨ أن ابن أبي حاتم أخرج عن ابن عباس: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ قال: هو قول الرجل: ملكت.
(٥) المثبت من صحيح مسلم، وورد في الأصل (أخذتم بأمانة).
(٦) جزءٌ من حديث طويل صحيح أخرجه مسلم رقم (١٢١٨) كتاب الحج، باب. حجة النبي - ﷺ -، انظر: "المعجم المفهرس" (حل).
غير ناسخة لجواز الخُلع (١)، وأن للزوج أن يأخذ من المُختلعة (٢)؛ (لأن النشوز منها، فهو في حكم المُكره، لا المريد للاستبدال (٣).
وذهب بكر بن عبد الله (٤) إلى أنه ليس للزوج أن يأخذ من المُختلعة (٥)) شيئًا بظاهر هذه الآية (٦).
٢٢ - وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس وجميع المفسرين: كانت العرب يتزوج الرجل منهم امرأة أبيه من بعده التي ليست بأمه، وكان نكاحًا جائزًا في العرب، فنهى الله عنه وحرمه (٧).
(١) انظر: الطبري ٤/ ٣١٦ - ٣١٧.
(٢) يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وانظر: الطبري ٤/ ٣١٦، وابن كثير ١/ ٢٩٢ - ٢٩٧.
(٣) انظر: "الطبري" ٤/ ٣١٦.
(٤) هو أبو عبد الله بكر بن عبد الله المُزني البصري، إمام تابعي ثقة ثبت جليل كان من المتعبدين وأهل الفضل والتواضع، توفي -رحمه الله- سنة ١٠٦ هـ. انظر: "تاريخ الثقات" ص ٢٥١، "مشاهير علماء الأمصار" ص ٩٠، "التقريب" ص ١٢٧ (٧٤٣).
(٥) ما بين القوسين ليس في (د).
(٦) أخرج الطبري بسنده عن ابن عباس قال: سألت بكرًا عن المُختلعة، أيأخذ منها شيئًا؟ قال: لا، ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ "جامع البيان" ٤/ ٣١٧. وقد رد العلماء رأي بكر هذا. انظر: الطبري ٤/ ٣١٧، و"المحرر الوجيز" ٣/ ٥٤٩، والقرطبي ٥/ ١٠٢.
(٧) أخرج الطبري بسند صحيح عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين. قال فأنزل الله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. "جامع البيان" ٤/ ٣١٨، وانظر: "تحقيق المروي عن ابن عباس" ١/ ٢٠٩. وبنحو هذا القول قال قتادة وعكرمة وعطاء، وغيرهم. انظر: "الطبري" ٤/ ٣١٨، "الدر المنثور" ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠.
فقوله: ﴿مَا نَكَحَ﴾ يحتمل أن تكون (ما) بمعنى: مَن، فيكون المعنى: ولا تنكحوا مَن نكح. ويحتمل أن تكون (ما) بمعنى المصدر، فيكون المعنى: ولا تنكحوا نكاح آبائكم، أي: كنكاح آبائكم، يعني: أن آبائهم كانوا ينكحون أزواج آبائهم، فنهاهم الله أن يكون نكاحهم كنكاح آبائهم، فيكون في التقدير الأول النهي عن التزوج بمنكوحات الآباء، وفي التقدير الثاني النهي عن أن يكون نكاحهم كنكاح آبائهم في البطلان والفساد (١).
وقوله تعالى: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ عام في الحرائر والإماء، أما الحرة فتحرم بنفس العقد (٢)، دخل بها الأب أو لم يدخل (٣)؛ لإطلاق النهي عن نكاحها من غير تقييد، والأمَة يحرم نكاحها بوطء الأب (٤).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. سلف في اللغة معناه: تقدم ومضى، يقال: سَلَف يَسلُف سُلُوفا (٥) فهو سَالِف. وكل مال قدمته في ثمن سلعة اشتريتها بصفة معلومة فهو سَلَفٌ وسَلَم (٦).
(١) انظر: "الطبري" ٤/ ٣١٨ - ٣١٩، "الدر المصون" ٣/ ٦٣٥.
(٢) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٣٣ أ.
(٣) ثبت عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال في هذه الآية: كل امرأة تزوجها أبوك وابنك دخل أو لم يدخل، فهي عليك حرام "تفسيره" ص ١٤١، وأخرجه الطبري ٤/ ٣١٨، وما ذكره المؤلف مُجمع عليه بين العلماء. انظر: "الإجماع" لابن المنذر ص ٤٠، و"بداية المجتهد" ٢/ ٣٤، "المغني" ٩/ ٥٢٤، ٥٢٥، والقرطبي ٥/ ١١٣، وابن كثير ١/ ٥٠٩.
(٤) انظر "الكشف والبيان" ٤/ ٣٣ أ. وقيل تحرم الأَمَة بمجرد اللمس والتقبيل، وقيل: بالنظر دون اللمس. انظر: القرطبي ٥/ ١١٤، وابن كثير ١/ ٥١٠.
(٥) جاء في "الصحاح" ٤/ ١٣٧٦ (سلف): سلف يسلف سلفًا أي: مضى. وانظر الطبري ٤/ ٣١٩، "مقاييس اللغة" ٣/ ٩٥ (سلف)، الثعلبي ٤/ ٣٣ ب، "اللسان" ٤/ ٢٠٦٨ (سلف) وفيه المصدر: سلوفًا كما عند المؤلف.
(٦) "تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٣٥ (سلف).
ويقال: سَلَفَ له عمل صالح، أي: تقدم، والسلف أيضًا من تقدم من آبائك وذوي قرابتك.
ومنه قول طفيل (١):
مضوا سلفًا قصدُ السَّبيلِ عليهمُ وصرفُ المنايا بالرجالِ تَقَلَّبُ (٢)
أراد أنهم تقدمونا، وقصد سبيلنا عليهم (٣).
واختلفوا في هذا الاستثناء بعد إجماعهم على أن هذا ليس بمُخرِجٍ من التحريم؛ لأنه لو كان استثناءً مُخرِجًا من التحريم لوجب أن يُقرّ ما قد مضى منه في النكاح قبل نزول الآية إذ كانوا أحياء (٤)، وأكثرهم على أنه استثناء منقطع؛ على معنى: لكن ما قد سلف فإن الله قد تجاوز عنه (٥).
وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٦)، والكلبي (٧)، وأبي عبيدة (٨)،
(١) هو أبو محمد طُفَيل بن كَعْب الغَنَوي، من فحول الشعراء في الجاهلية ومن أحسنهم شعرًا وأكثرهم وصفًا للخيل. توفي نحو سنة ١٣ قبل الهجرة.
انظر: "الشعر والشعراء" ص ٢٩٥، "الأعلام" ٣/ ٢٢٨، "معجم الشعراء في لسان العرب" ص ٢١٤.
(٢) استشهد بالبيت -إضافة إلى الأزهري- ابن منظور في "اللسان" ٤/ ٢٠٦٩ (سلف).
(٣) "تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٣٥ (سلف) بتصرف، وانظر: "الصحاح" ٤/ ١٣٧٦، "اللسان" ٤/ ٢٠٦٩ نفس المادة.
(٤) المؤلف يقصد الإجماع على حُرمة بقاء عقد الزوجية على من كان فعل ذلك في نزول هذه الآية. انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٣٦٩.
(٥) انظر: "الطبري" ٤/ ٣١٩، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٤، والثعلبي ٤/ ٣٣ ب، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٩٤، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٣٦٩.
(٦) لم أقف عليه.
(٧) لم أقف عليه.
(٨) انظر: "مجاز القرآن" ١/ ١٢٠.
وقُطْرُب (١) (٢)، وابن الأنباري (٣)، إلا أن بعض هؤلاء قالوا: لكن ما قد سلف فدعوه واجتنبوه (٤).
وقد ذكرنا معنى الاستثناء المنقطع عند قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠].
وقال المفضل: إلا ههنا بمعنى بَعْد، يعني: بعدما قد سلف فإن ذلك معفو عنه (٥). وهذا اختيار الحسن بن يحيى الجرجاني، واحتج بقول الله عز وجل: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]، أي: بعد الموتة الأولى؛ لأن أحدًا لا يدخل الجنة إلا بعد أن يذوق الموت (٦).
وقال الأخفش: في الآية محذوف استثني هذا عنه (٧)، كأنه قيل: لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء؛ فإنكم تؤاخذون به إلا ما قد سلف، أي: فليس عليكم جناح فيما مضى قبل التحريم، وحُذفت المؤاخذة؛ لأن النهي يدل عليه (٨).
(١) هو أبو علي محمد بن المُستنير بن أحمد، اشتهر بلقبه (قُطْرُب) تقدمت ترجمته.
(٢) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٣٣ ب، "زاد المسير" ٢/ ٤٥.
(٣) انظر: "زاد المسير" ٢/ ٤٥.
(٤) "الكشف والبيان" ٤/ ٣٣ ب.
(٥) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٣٣ ب.
(٦) اختيار الجرجاني قد يكون في "نظم القرآن" وهو مفقود.
(٧) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: منه بالميم.
(٨) عبارة الأخفش في "معاني القرآن" ١/ ٤٤٠: وقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؛ لأن معناه: فإنكم تؤخذون به، فلذلك قال: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، أي: فليس عليكم جناح، فكأن في كلامه سقطًا، أو أن المؤلف تصرف في العبارة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾. الكناية تعود إلى النكاح، أي: ذلك النكاح، والفعل دلّ على المصدر (١).
والمقت أشد البُغض (٢)، مَقَته يمقُته مقتًا، فهو ممقوت ومقيت (٣).
وفي هذا قولان:
أحدهما: أن هذا إخبار عما كان في الجاهلية، أُعلِمُوا أن هذا الذي حُرّم عليهم لم يزل مُنكرًا في قلوبهم، ممقوتًا عندهم، وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه مقيت ومقتي (٤)، والمقت عندهم بُغضٌ عن أمر قبيح ركبهُ صاحبه.
وهذا الوجه اختيار الزجاج (٥)، وابن الأنباري، قال أبو بكر: يريد أنهم لم يزالوا يستسمجونه (٦)، وإن أتوه، ويسمونه المَقت؛ لبغضهم إياه فخبّر الله عز وجل بكان عما مضى من شنآنهم له قبل الإسلام الذي حَظَره.
القول الثاني: أن المعنى: أنه فاحشة في الإسلام، أي: زنًا ومقت من الله لمن فعله (٧).
(١) انظر: "الطبري" ٨/ ١٣٨، "زاد المسير" ٢/ ٤٥، "البحر المحيط" ٣/ ٢٠٩.
(٢) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٢، "معاني القرآن" للنحاس ٢/ ٥٣، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٤٢٨ (مقت)، والثعلبي ٤/ ٣٣ ب.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٤٢٨، "الصحاح" ١/ ٢٦٦ (مقت).
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٤٢٨ (مقت).
(٥) في "معاني القرآن" ٢/ ٣٢، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٤٥.
(٦) أي يستقبحونه. قال الجوهري: سمُج الشيء بالضم سماجة: قبُح، فهو سمج، مثل ضخم فهو ضخم، وسمج، مثل خشن فهو خشن، واستسمجه عده سمجًا. "الصحاح" ١/ ٣٢٢ (سمج).
(٧) انظر: "زاد المسير" ٢/ ٤٦.
وهو قول ابن عباس في رواية عطاء (١)، واختيار المبرد، ويذهب إلى أن (كان) زائدة، والمعنى: إنه فاحشة ومقت (٢).
وأنكر ذلك عليه الزجاج وابن الأنباري (٣)، وقالا: كيف تكون زائدة وهي عاملة، وقد مر هذا، وبعض النحويين (٤) نصر أبا العباس (٥) وقال المعنى: هو فاحشة، وأدُخلت كان لِيَدُل أنه عند الله قبل هذه الحال كذا كان.
وقوله تعالى: ﴿وَسَاَءَ سَبِيلًا﴾. قال الليث: سَاء يَسُوء فعلٌ للذم ومجاوز، يقال: ساء الشيء يسوء، فهو سيء، إذا قَبُح، ويقال: سَاء ما فعل صنيعًا، أي: قبح صنيعُه صنيعًا (٦).
قال ابن قتيبة: أي: قبح هذا الفعل فعلًا وطريقًا، كما تقول: ساء هذا مذهبًا، وهو منصوب على التميز (٧)، كما قال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] (٨).
(١) قال السيوطي وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي رباح: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ قال: يمقت الله عليه. "الدر المنثور" ٢/ ٢٤٠، وذكره ابن كثير في "تفسيره" ١/ ٥١٠. هذا ما وجدته عن عطاء حول هذا القول.
(٢) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٢، "معاني النحاس" ٢/ ٥١.
(٣) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٣٣.
(٤) لعله النحاس، انظر: "معاني القرآن" ٢/ ٥١، ٥٢، "إعراب القرآن" ١/ ٤٠٤.
(٥) في (د): (أبو)، وهو تصحيف.
(٦) من "تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٨٣، وانظر: "العين" ٧/ ٣٢٧ (سوء).
(٧) عند ابن قتيبة: على التمييز.
(٨) "غريب القرآن" ص ١١٧.
٢٣ - قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية. الأُمَّهات جمع أمّ، وأم في الأصل أُمَّهَة، مثل: قُبَّرة وحُمَّرة، وأسقطت الهاء في التوحيد (١)، قال الشاعر في اللغة الأصلية:
أُمَّهَتي خِنْدِفُ (وإِليَاسُ (٢)) أَبِي (٣)
وقد يُجمع الأم: أمات (٤)، بغير هاء، وأكثر ما يُستعمل في الحيوان غير الآدمي (٥)، قال الراعي (٦):
كانَتْ نَجَائِبَ مُنذِرٍ ومُحَرِّقٍ أُمَّاتُهُنّ وطَرْقُهُنّ فَحِيلا (٧)
وقولهم أمهات، بالجمع، الهاء فيها زيادة، ووزنها فعلهات، وقول الشاعر:
(١) انظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٢٠٢ (أم).
(٢) في (أ)، (د): والدَّوس، والتصويب من مصادر عدة ستأتي في عزو البيت وإيضاحه.
(٣) البيت لقُصَيّ بن كِلاب جد النبي - ﷺ - كما في "جمهرة اللغة" ٣/ ١٣٠٨ (له)، وصدر هذا الرجز عنده:
عِنَد تَنَاديهم بِهالٍ وهَبِيج
وهال كلمة زجر للخيل. وإلياس هو ابن مضر أحد أجداد قُصَيّ، وخِنْدِفُ زوجته أم مُدركة، وهذا لقب لها من الخندفة، وهو المشي بسرعة، واسمها ليلى بنت حلوان ابن عمران ابن الحاف من قضاعة انظر "الاشتقاق" لابن دريد ص ٣٠، ٤٢.
وقد استُشهِد بالبيِت دون نسبة في "الأمالي" للقالي ٢/ ٣٠١، "تهذيب اللغة" ١/ ٢٠٢ (أم)، "المحتسب" ٢/ ٢٢٤.
(٤) في (د): (أمهات).
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٢٠٢ (أم)، "الصحاح" ٥/ ١٨٦٣ (أمم).
(٦) هو أبو جَندل عُبيد بن حُصين النميري، والراعي لقبه.
(٧) البيت في "جمهرة اللغة" ٢/ ١٧٦ (حفل). قال ابن دريد: أي الذي طرق أمهاتهن كان فحلًا نجيبًا، والطرق الفحل، وكذلك في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٤٧ (فحل)، "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٥٦٥.
أُمّهَتيِ خِندِفُ وإِليَاسُ أَبِي (١)
أي: أمي، والهاء زائدة (٢).
وأجاز أبو بكر أن تكون الهاء أصلية، وتكون أمَّهة وزنها فُعَّلَة، وهو في هذا القول بمنزلة: تُرهَة، وأُبَّهَة، وعُلّفة، وقُبَّرة.
ويقول (٣) هذا القول ما رواه صاحب العين من قولهم: تأمّهت (٤) أمّا، فتأمهَت يبين أنه تفعّلت، بمنزلة: تفّوهت وتنبّهت، إلا أن قولهم في المصدر -الذي هو الأصل- أمومة يقوي زيادة الهاء؛ لأن العرب تقول: أمّ بينة الأمومة، فهذا يقوي أن وزنها فُعْلَهَة.
ويزيد في قوة ذلك قول الشاعر:
إذا الأُمَّهاتُ قَبَحْنَ الوُجوهَ فَرجْتَ الظَّلامَ (٥) بِأُمَّاتِكَا (٦) (٧)
(١) تقدم قريبًا.
(٢) من "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٥٦٣، ٥٦٤ بتصرف.
(٣) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: وُيقوّي كما في "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٥٦٤.
(٤) في (د) (أمهت) وما أثبته هو الموافق لـ"سر صناعة الإعراب"، ومعنى تأمهت: اتّخذت.
(٥) في (أ)، (د) الكلام، والتصويب من "العين" ٨/ ٤٣٤، "التهذيب" ١/ ٢٠٢ (أم)، "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٥٦٤ وهو الأصل.
(٦) البيت منسوب لمروان بن الحكم كما ذكر في "معجم شواهد العربية"، "شرح شواهد الشافعية" ص ٣٠٨، وهو من "شواهد العين" ٨/ ٤٣٤، "تهذيب اللغة" ١/ ٢٠٢، "اللسان" ١/ ١٣٦ (أمم). معنى البيت: إذا قَبَحت الأمهات بفجورهن وجوه أولادهن عند الناس كشفت الظلام بضياء أفعال أمهاتك وطهارتهن.
(٧) الكلام من قوله: وأجاز أبو بكر إلى هنا من "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٥٦٤ بتصرف يسير، ولم أجد ما ذكره في "العين" سوى البيت كما مر في عزوه.
إلا أن غالب الأمر يقال فيمن يَعقل بالهاء، وفيمن لا يعقل بغير هاء، أرادوا الفرق بينهما (١)، والقول بزيادة الهاء أولى من اعتقاد حذفها؛ لأن الهاء أحد الحروف العشرة التي تُسمى حروف الزيادة، لا حروف النقص، فلا ينبغي أن يعتقد أن الهاء هي الأصل، وأن أُمًّا محذوف من أُمَّهَة.
فأما قول من قال: تأمّهت أمًّا، فيظهره مما يعارضه قولهم: أمّ بيّنة الأُمومة، بحذف الهاء، فرواية برواية، وبقي النظرة (٢) الذي قدمناه وهو أن الهاء كثيرًا ما تُزاد في الكلام، وقلّ ما يوجد حذفها، على أن قولهم: تأمّهت، إنما حكاها صاحب العين، وفي ذلك الكتاب من الخَطَل والاضطراب مالا يدفعه نظَّار (٣)، وذاكرت بكتاب العين يومًا شيخَنا أبا علي، فأعفى (٤) عنه ولم يرضه، لما فيه من القول المرذول والتصرف الفاسد (٥).
وذهب ابن الأنباري إلى أن الأصل: أُمّ، ثم يقال في النداء: يا أُمّاه، فيدخلون هاء السكت. ثم إن بعض العرب يُسقط الألف وُيَشبَّه هاء السكتة بتاء التأنيث وتقدير بالإضافة بعدها، فيقول: يا أمّت كما قالوا: يا أَبَت، ثم قد تُستعمل التاء في أمّ في غير النداء، ولم يُستعمل ذلك في الأب، وهو قوله:
(١) "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٥٦٥، وانظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٢٠٢، "الصحاح"
٥/ ١٨٦٣ (أم).
(٢) قد يكون الصواب: النظر بدون هاء كما في "سر صناعة الإعراب"٢/ ٥٦٨.
(٣) في "سر صناعة الإعراب" نظار جلد.
(٤) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: فأعرض كما في "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٥٦٨.
(٥) انتهى من "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٥٦٦ - ٥٦٨ بتصرف بالحذف لا باللفظ، وهذا من العجيب حيث أتى المؤلف بكلام أبي الفتح ابن جني الذي لقي أبا علي الفارسي وذاكره، وكأنه هو المذاكر حيث لم يعز الكلام لقائله!
تَقَبّلتَها من أُمَّةٍ لك طَالَمَا (بت (١)) في الأسْواق عَنها خِمَارُها (٢)
وقالت العرب: هؤلاء أُمَّات زيد، وأُمّهات زيد، فأَجْرَوا الهاء الأصلية، وأصل زيادتها في باب النداء، وقد قال بعضهم: هذه أمّهتك، قال:
أُمَّهَتِي خِنْدَفُ وإلياسُ أَبِي
فزيدت ههنا دخولها للسكت، ثم شُبَّهت بالأصلية، وزيدت بعدها؛ لأنها شبهت بتاء التأنيث.
وكل امرأة رجع نسبُك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو بدرجات، وبإناث رَجَعتَ إليها أو ذكور، فهن أمك (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾. قد ذكرنا الكلام في أصل البنت والأخت عند قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] (٤). وُكلّ أنثى رجع نسبُها إليك بالولادة بدرجة أو درجات بإناث أو ذكور فهن بنتك.
وتحريم هاتين مؤبد لم تَزالا، ولم تَحِلا قط لأحد.
وقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾. كل أنثى وَلَدَها شخصٌ وَلَدَك في الدرجة الأولى فهي أُختُك.
(١) هكذا في (أ)، (د)، ولعلها: تُنوزع، كما في "التهذيب" ١/ ٢٠٢، "اللسان" ١/ ١٣٦ (أم).
(٢) لم أعرف قائله وهو من شواهد الأزهري في "التهذيب" ١/ ٢٠٢.
(٣) لى أجد من ذكر هذه القاعدة من المفسرين أو اللغويين، ولعل هذا من براعة المؤلف في التقصيد والتعبير، فإن هذه قاعدة تبين وتحدد الأمهات.
(٤) ذكر المؤلف فيما أشار إليه أصل اشتتاق لفظ بنت وأخت، ووزنهما وجمعهما، وعلامة التأنيث في كلام طويل.
وقوله تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾. هي جمع العمَّة، وكل ذَكَرٍ رجع نسبُك إليه فأخته عمّتك، وقد تكون العمة من جهة الأم، وهي أخت أبي أمك.
وقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾. مضى الكلام في الأخ والأخت عند قوله: ﴿.يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]. والتحديد في بنات الأخ وبنات الأخت كالتحديد في بنت الصلب، وهؤلاء محرمات بالأنساب والأرحام.
قال المفسرون وأهل العلم: كل امرأة حرّم الله نِكاحها للنسب والرحم فتحريمها مُبهم، والمُبهمة لا تحلّ بوجهٍ من الوجوه. والتي كانت تحلّ ثُمّ حُرمت بسبب حَدَث، وهن اللواتي ذكرن في باقي الآية، فليست مُبهمة (١).
وقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾. هؤلاء سمين أمهات للحُرمة، كأزواج النبي - ﷺ - سماهن الله تعالى أمهات المؤمنين في قوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
وكل أنثى انتسبتَ باللبن إليها فهي أمك، فالتي أرضَعَتْكَ أو رجلًا (٢) أُرضِعت بِلبانه من زوجته أو أمّ ولده فهي أمك، وكذلك كل امرأة ولدت امرأة أرضعتك أو رجلًا أرضعك فهي أمك.
وإنما يحرم الرضاع بشرطين: أحدهما: أن يكون خمس رضعات (٣).
(١) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٣٣، "معاني النحاس" ٢/ ٥٢، ولعل الإبهام هنا بمعنى: التأبيد، فالمُبهمة المحرمة على الأبد، وعكسها غير المبهمة.
(٢) أي: أو أرضعت رجلًا.
(٣) هذا مذهب الشافعي -رحمه الله- وأصحابه، والصحيح في مذهب أحمد؛ يدل عليه ما ثبت عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان فيما أنُزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن. ثم نُسخن بخمس معلومات، فتوفي النبي - ﷺ - وهن فيما يقرأ من القرآن. أخرجه مسلم (١٤٥٢) كتاب الرضاع، باب: التحريم بخمس =
والثاني: أن يكون في الحولين (١)، وما بعد الحولين من الرضاع لا يُحَرِّم (٢)، لقوله - ﷺ -: "لا رضاع بعد الحولين" (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾. وأخوات الرضاعة ثلاث الأولى: أختك لأبيك وأمك وهي الصغيرة الأجنبية التي أرضعتها أمك بلِبان أبيك، سواءٌ أرضعَتها معك أو مع ولدٍ قبلك أو بعدك. والثانية: أختك لأبيك دون أمك، وهي التي أرضعَتها زوجةُ أبيك بلِبان أبيك. والثالثة: أختك لأمك دون أبيك، وهي التي أرضَعَتها أمك بلبان رجل آخر.
وهاتان المرأتان -أعني: أمَّ الرضاعة وأخت الرضاعة- لولا الرضاعة لم يَحرُما، وكان الرضاع تحريمها (٤) فصارتا في حكم المبهمات؛ إذ تأبّد تحريمها (٥) بعد الرضع.
= رضعات وغيره انظر: "المغني" ٣١٠، ٣١١، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" ٣٤/ ٣٣، ٣٤، "تفسير ابن كثير" ٥١١ - ٥١٢.
(١) هذا الشرط عند جمهور العلماء. انظر: "مجموع الفتاوى" ٣٤/ ٣٥، "تفسير ابن كثير" ٥١١ - ٥١٢.
(٢) أفاد المؤلف هذين الشرطين من الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٣٤ ب.
(٣) لم أجده مرفوعًا، وإنما جاء نحوه موقوفًا على ابن عباس وابن مسعود - رضي الله عنه - كما في "موطأ مالك" ص ٣٧٣ (٤) كتاب الرضاع، باب: رضاعة الصغير، وباب: الرضاعة عند الكبر ص ٣٧٥ (ح ١٤)، وقد جاء في معناه حديث مرفوع، فعن أم سلمة - رضي الله عنه - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام". أخرجه الترمذي (١١٥٢) كتاب الرضاع، باب: ما جاء ما ذكر أن الرضاعة لا يحرم إلا في الصغَر دون الحولين، وقال الترمذي. هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم. أن الرضاعة لا تُحَرِّم إلا ما كان دون الحولين وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يُحَرِّم شيئًا.
(٤) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: يحرمهما.
(٥) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: يحرمهما.
وروت عائشة رضي الله عنها، عن النبي - ﷺ - قال: "يحرمُ من الرضاعةِ ما يحرمُ من النسبِ" (١).
فعلمنا من هذا أن السبع المحرمات بالنسب على التفصيل والبيان الذي ذكرنا محرمات باللبن، وقال أولو التحقيق من ذوي العلم: إن الحد الذي ذكره رسول الله - ﷺ - في حديث عائشة معلوم من الآية ومستنبط عنها؛ وذلك أن الله تعالى لما ذكر حُرمة الرَّضاع ذكر طريقة الوِلادة بذكر الأمهات، وطريقة الأخُوّة بذكر الأخوات، وكل امرأة حُرمَت بالنَسَب حُرمَت بإحدى هاتين؛ لأن الأم والبنت حرمتا بالولادة، والخمس الباقيات من المحرمات بالنسب حَرُمْنَ بطريق الأخُوّة.
وقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾. حد أم امرأتك كحد أمك، سواءٌ كانت من اللبن أو من النسب، فهي حرام عليك بنفس العقد على ابنتها؛ لأن الله تعالى أطلقَ التحريم ولم يُقيِّده بالدخول. هذا إجماع الأمة اليوم (٢).
وكان جماعة من الصحابة يذهبون إلى أن المرأة إنما تحرم بالدخول بالبنت، كالربيبة إنما تحرم بالدخول بأمها، وهو قول علي وزيد (٣) (٤) وابن
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري رقم (٢٦٤٤) كتاب الشهادات، باب: الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض، ومسلم بنحو رقم (١٤٤٤) كتاب الرضاع، باب: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة وغيرهما.
(٢) انظر: "الطبري" ٤/ ٣٢٠ - ٣٢١.
(٣) هو أبو سعيد أو أبو ثابت، زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد، استُصغر يوم بدر وشهد أحدًا، وكان رأسًا في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض. توفي -رضي الله عنه- سنة ٤٥هـ وقيل قبلها. انظر "الاستيعاب" ٢/ ١١١، "أسد الغابة" ٢/ ٢٧٨، "الإصابة" ١/ ٥٦١.
(٤) انظِر: "الطبري" ٨/ ١٤٥، "الكشف والبيان" ٤/ ٣٥ ب، "زاد المسير" ٢/ ٤٧.
عمر وابن الزُّبَير (١)، وجابر (٢) -رضي الله عنه-، ورُوي ذلك عن ابن عباس (٣)، وقال علي -رضي الله عنه-: الأمّ والابنة بمنزلة، إن لم يدخل بهذه تزوج هذه، وإن لم يدخل بهذه تزوج هذه (٤).
وهؤلاء يجعلون قول: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ منتظمًا للربائب وأمهات النساء، ويقول: أمهات النساء اللاتي لم يُدخَل بهن غيره (٥) محرمة.
والصحيح ما عليه الجماعة، روى عَمرو بن شُعَيب (٦)، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ -، قال: "إذا نكح الرجلُ المرأةَ فلا يَحلّ له أن يتزوج أمها، دخل بالبنت أو لم يدخل، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج البنت" (٧) ففصل بين الربيبة وأم المرأة.
(١) هو أبو بكر أو أبو خبيب عبد الله بن الزُّبيرُ بن العوام القرشي الأسدي، أحد العبادلة، ومن كبار فقهاء الصحابة، ولي الخلافة تسع سنين إلى أن قتل -رضي الله عنه- سنة ٧٣ هـ. انظر: "الاستيعاب" ٣/ ٣٩، "أسد الغابة" ٣/ ٢٤٢، "الإصابة" ٢/ ٣٠٨، "التقريب" ص٣٠٣ رقم (٣٣٢٠).
(٢) "الكشف والبيان" ٤/ ٣٥ ب.
(٣) انظر المرجع السابق.
(٤) عند ابن جرير من طريق قتادة عن خلاس بن عمرو عن علي - رضي الله عنه - في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، أيتزوج أمها؟ قال: هي بمنزلة الربيبة. "جامع البيان" ٤/ ٣٢١. لكن تكلم في ثبوت هذا القول عن علي، انظر تعليق أحمد شاكر على "جامع البيان"، "تفسير القرطبي" ٥/ ١١٢.
(٥) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: غير بدون الضمير.
(٦) هو أبو إبراهيم عَمرو بن شُعَيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، تقدمت ترجمته.
(٧) أخرجه الطبري ٨/ ١٤٦، وقال عَقِبه: وهذا خبر وإن كان في إسناده ما فيه، فإن إجماع الحجة على صحة القول به، مُستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره، وحسن الحديث أحمد شاكر في تحقيقه للطبري. =
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: الرجل ينكح المرأة ثم (١) لا يراها ولا يجامعها حتى يطلقها، أتحل له أمها؟ قال: لا هي مُرسلة، دخل بها أو لم يدخل (٢).
وكان عبد الله بن مسعود أفتى بنكاح أم المرأة إذا طلّق بنتها قبل المسيس، وهو يومئذ بالكوفة، فاتفق له دخول المدينة فصادفهم مجتمعين على خلاف فتواه، فلما رجع إلى الكوفة لم يدخُل داره حتى حضر ذلك الرجل وقرع عليه الباب، وأمره بالنزول عن تلك المرأة (٣).
وقال صاحب النظم: في نظم هذه الآية دليل على أن الشرط بالدخول مختص به الربائب دون أمهات النساء؛ لأن قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ لفظ قائم بنفسه في المعنى المعقود في ظاهره، وليس من نظم العرب في كلامها الجاري المستعمل بينهم أن يقال: أمهات نسائي من نسائي اللاتي دخلت بهن، كما لا يقال في واحدتها: أمّ امرأتي من امرأتي التي دخلت بها، وعادتهم الجارية بينهم في هذا أن يقولوا: أم امرأتي التي دخلت بها، وأمهات نسائي اللاتي دخلت بهن.
= وقد أورد الحديث الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٣٥، وابن كثير ١/ ٥١٣، والسيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٢٤٢، وعزاه أيضًا إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في "سننه".
(١) في (د): بدون (ثم).
(٢) أخرجه ابن جرير ٤/ ٣٢٢ إلى قوله: مرسلة، وذكره الثعلبي كاملًا في "تفسيره" ٤/ ٣٥، وانظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٤٢.
(٣) أخرجه بنحوه مالك في كتاب النكاح، باب: مالا يجوز من نكاح الرجل امرأته ص ٣٣٠ (ح ٢٣)، وانظر: "الدر المنثور" ٢٤٢.
فقولك في هذا: من نسائي ومن امرأتي زيادة لا حاجة بقيام المعنى إليها، فلما لم يَجُز أن يكون قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ طِبقًا لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ لم يَجُز أن يكون شرطًا مُرصَدًا، ولا معطوفًا عليه، وصار هذا الشرط مخصوصًا بذكر الربائب ومقصورًا عليه، دون ذكر أمهات النساء.
وقال محمد بن يزيد بن عبد الأكبر (١): قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ نعت للنساء اللواتي من أمهات الربائب لا غير، والدليل على ذلك إجماع الناس أن الربيبة تحلّ إذا لم يدخل بأمها، فمن أجاز أن يكون قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ نعتًا لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُم﴾ بقيت الربائب مطلقة، وخرج أن يكون ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِن﴾ لأمهات الربائب، وحينئذٍ لا يجوز تَزوُّج الربيبة إذا لم يدخل بأمها.
قال الزجاج: والدليل على أن ما قال أبو العباس هو الصحيح أن الخبرين إذا اختلفا لم يكن نعتهما واحدًا. لا يجيز النحويون: مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات. على أن يكون الظريفات نعتًا (للفريقين من النساء) (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾. الربائب جمع الربيبة، وهي بنت امرأة الرجل من غيره، ومعناها: مربوبة؛ لأن الرجل هو يربّيها. يقال: رَبَبْتُ فلانًا أربُّه، وربّبته أُرَبِّبُه، وربّيته أُربِّيه، وربته فأنا أربته. كله معنى واحد، قاله الأصمعي (٣). قال الشاعر:
(١) هو المبرَّد تقدمت ترجمته رحمه الله، وكلامه هذا في "معاني الزجاج" ٢/ ٣٤.
(٢) انتهى من "معاني الزجاج" ٢/ ٣٤، وما بين القوسين عند الزجاج: لهؤلاء النساء وهؤلاء النساء.
(٣) لم أقف على قول الأصمعي بنصه كاملًا، وانظر: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٣٣٨، "الصحاح" ١/ ١٣١، ١٣٢، "اللسان" ٣/ ١٥٤٩ (ربب).
وذاكَ لَه إذا العنقَاءُ صارت مُربَّبَة وشبّ ابن الخَصِيّ (١)
وقال الراجز:
والقبُر صهر ضَامنٌ زِمَّيتُ ليس لمنَ ضُمَّنَه تَربيتُ (٢)
وقوله تعالى: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾. قال المفسرون: يقول: اللاتي ربيتموهن في حجوركم. وهي جمع حِجر، وفيه لغتان، قال ابن السكيت: حَجْرُ الإنسان وحِجْرُه بالفتح والكسر (٣).
قال أهل المعاني: المراد بقوله: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ أي في ضمانكم وتربيتكم، ويقال: فلان في حِجر فلان، إذا كان يلي تربيته (٤)، وذلك أن كل من ربّى صبيًّا أجلسه في حِجره، فصار الحِجر عبارةً عن التربية، كما يقال: فلان في حضانة فلان، وأصله من الحِضن الذي هو الإبط (٥).
وقال أبو عبيدة: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ أي: في بيوتكم (٦). قال الأزهري: ويقال: فلان في حجر فلان، أي: في كنفه ومنعه (٧).
وحد الربيبة في رجوعها إلى زوجتك مثل حد بنتك في رجوعها إليك، وهي لا تَحرُم بمجرد العقد على الأم، وإنما تحرم بالدخول،
(١) البيت لأبي تمام: في "ديوانه" ص٤٠٥، و"ثمار القلوب" ص ٢٦٧، و"دلائل الإعجاز" ص ٣٠٩، و"محاضرات الراغب" ٢/ ٧٠٩ بلفظ "مرتعة".
(٢) من "شواهد الصحاح" ١/ ٢٤٩ (ربت)، "اللسان" ٣/ ١٥٥٢ (ربت، زمت)، وزميت -في "اللسان"- بمعنى: الساكن، وتربيت من التربية.
(٣) "تهذيب اللغة" ١/ ٧٤٧ (حجر).
(٤) من الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٣٥ب.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٨٥٠ (حضن).
(٦) "مجاز القرآن" ١/ ١٢١.
(٧) "تهذيب اللغة" ١/ ٧٤٧ (حجر).
والدخول هو الجماع ههنا بالإجماع (١).
وقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾. قال الليث: الحليل والحليلة الزوج والمرأة، سميا به (٢) لأنهما يحلان في موضع واحد، والجميع (٣) الحلائل (٤).
وقال أبو عبيدة (٥): سميا بذلك؛ لأن كل واحد منهما يُحالّ صاحبه، قال: وكل من نَازَلك أو جاورك (٦) فهو حليلك، وأنشد:
ولستُ بأطلس الثوبين يُصبِي حليلتَه إذا هَدَأ النِّيَامُ (٧)
قال: لم يُرِد بالحليلة ههنا امرأته، إنما أراد جارته؛ لأنها تُحالّه في المنزل. قال: ويقال: إنما سميت الزوجة حليلة؛ لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه، على معنى أنه يَحِلُّ له (٨). يقال: حلّ فهو حليل، مثل: صح
(١) دعوى الإجماع هنا لا تتم، فقد قيل: إن المراد بالدخول التجريد. انظر "جامع البيان" ٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣.
(٢) في (د): (بها).
(٣) في (د): (والجمع)، وما أثبته هو الموافق لما في "العين".
(٤) "العين" ٣/ ٢٧ (حل).
(٥) في (أ): هكذا، والصواب: أبو عبيد. انظر: "غريب الحديث" ١/ ٣٤٣، "اللسان" ٢/ ٩٧٣ (حلل).
(٦) في (د): (جاز لك).
(٧) البيت لأوس بن حجر في "ديوانه" ص ٧٥، وبغير عزو في "الزاهر" ١/ ١٨٥، و"غريب الحديث" لأبي عبيد ٢/ ٢٤٧، و"أمالي القالي" ١/ ٢٠، و"مقاييس اللغة" (حل)، وهو من شواهد "اللسان" ٥/ ٢٦٨٩ (طلس). ومعنى أطلس الثوبين أي: وسخهما وهو كناية عن الفاحشة والقبح، ويُصبي حليلته أي: يريد جارته التي تُحالّه في حِلته بسوء.
(٨) الظاهر أن هذا نهاية كلام أبي عبيد. انظر "غريب الحديث" ١/ ٣٤٤.
فهو صحيح. وقال الزجاج: حليلة: يعني (١): محلة، من الحلال (٢).
وقيل: لأن كل واحد منهما يحل إزاره صاحبه (٣).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾. فيه احتراز عن المُتبنَّى، وكان المتَبنّى في صدر الإسلام بمنزلة الابن.
قال عطاء: وليس يحرم عليك حليلة ابن ادعيته وليس هو من صُلبِك، ونكح رسول الله - ﷺ - امرأة زيد بن حارثة (٤)، فقال في ذلك المشركون: إنه تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، وقال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧] (٥).
قال أهل العلم: وحليلة الابن من الرضاع ملحقةٌ في التحريم بحليلة
(١) عند الزجاج: بمعنى.
(٢) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٥.
(٣) "الكشف والبيان" ٤/ ٣٦ أ.
(٤) هو زيد بن حارثة بن شَراحيل الكَعْبي، كان مولى وَهَبته خديجة للنبي - ﷺ - وُيدعى زيد بن محمد حتى نزلت: ﴿ادعُوُهمْ لَأِبَائِهِمْ﴾ وكان حبّ رسول الله هو وابنه أسامة، وقد روى عنه الحديث جماعة من الصحابة. توفي - رضي الله عنه - سنة ٨ هـ. انظر: "أسد الغابة" ٢/ ٢٨١، "الإصابة" ١/ ٥٦٣، "الأعلام" ٣/ ٥٧.
(٥) عند الطبري من طريق حجاج، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ قال: كنا نحدث والله أعلم أنه نزلت في محمد - ﷺ - حين نكح امرأة زيد بن حارثة قال المشركون في ذلك، فنزلت ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ونزلت: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، ونزلت: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، "جامع البيان" ٤/ ٣٢٣.
وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٣٦ أ.
ابن الصلب بالسنة (١)، وهي قول رسول الله - ﷺ -: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٢).
وهذا التحريم يحصل بنفس العقد، كحليلة الأب لا خلاف في هذا (٣).
فأما ما رُوي أن ابن عباس سئل عن قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ولم يبين أدخل بها الابن أم لا؟ فقال ابن عباس: أبهموا ما أبهم الله (٤)، فإن هذا ليس من إبهام الأمر، ولكن قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ (٥) هذا كله يسمى التحريم المُبْهم؛ لأنه لا يحل بوجه ولا سبب، ولما سئل ابن عباس عن قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ وعن قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ ولم يبين أنهن مدخول بهن أم لا، أجاب فقال: هذا من المبهم، أي: مما لا وجه فيه غير التحريم، سواء دخل بهن أو لم يدخل بهن.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾. أن في محل الرفع؛ لأنه بمعنى: والجمع بين الأختين، عطف على ما قبله (٦).
(١) انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٣٧٩، والقرطبي ٥/ ١١٦، وقد حكى القرطبي الإجماع في هذه المسألة.
(٢) تقدم تخريجه، وهو صحيح.
(٣) انظر: "الطبري" ٤/ ٣٢٣، و"البغوي" ٢/ ١٩١، و"القرطبي" ٥/ ١١٣.
(٤) لم أقف على شيء من ذلك عن ابن عباس، لكن قال السيوطي: وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن الحسن ومحمد قالا: إن هؤلاء الآيات مبهمات ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾، ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾، ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾. "الدر المنثور" ٢/ ٢٤٣.
(٥) في (د): ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٦٠، والطبري ٤/ ٣٢٣، "معاني الزجاج" ٢/ ٣٥، "إعراب النحاس" ١/ ٤٠٥.
ويحرم على الرجل أن يجمع في النكاح أختين بالنسب أو باللبن. ويجوز الجمع بين أختين أمتين بملك اليمين، فإذا وطئ إحداهما حَرُمَت الثانية عليه، ولا يحل له ما لم يزل ملكه عن الأولى ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة (١).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. فيه قولان: قال عطاء: يريد إلا ما قد مضى في الأمم ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا﴾ لما مضى، ﴿رَحِيمًا﴾ بمن أطاعه. قال: ويذكرون أن يعقوب عليه السلام جمع بين ليا أم يهوذا (٢) وراحيل أم يوسف (٣)، وكان فيما مضى حلالًا لجميع الأمم فحرمه (٤) الله على هذه الأمة رحمة منه عليهم لما علم من شدة غَيرةِ النَّساء، بعضهن على بعض (٥).
وهذا قول السدي في رواية أسباط (٦) عنه (٧).
وقال الكلبي: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَف﴾ مضى منكم في الجاهلية فلا، تؤاخذون به بعد الإسلام (٨).
(١) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٣٦ أ، "أحكام القرآن" للهراسي ٢/ ٢٥٠، و"البغوي" ٢/ ١٩١.
(٢) في (د): (يهود).
(٣) في "الكشف والبيان" ٤/ ٣٦ أ: وكانتا أختين.
(٤) في (أ): (فحرم).
(٥) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٣٦ أمختصرًا، وكذلك البغوي ٢/ ١٩٢.
(٦) هو أبو يوسف أو أبو نصر أسباط بن نصر الهمذاني، مفسر، واختلفوا في توثيقه،
قال ابن حجر: صدوق، كثير الخطأ يغرب، من الثامنة، وحديثه عند مسلم والأربعة. انظر: "ميزان الاعتدال" ١/ ١٥٧، "التقريب" ص ٩٨ رقم (٣٢١) "الأعلام" ١/ ٢٩٢.
(٧) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٣٦ أ، "معالم التنزيل" ٢/ ١٩٢.
(٨) لم أقف عليه.
وهو قول مقاتل (١)، واختيار أبي إسحاق (٢). قال مقاتل في قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قال: لأنهم كانوا يجمعون بينهما (٣).
قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين (٤).
وقال أبو إسحاق: المعنى: سِوى ما سلف فإنه مغفور لكم (٥).
قال أبو بكر: وهذا من الاستثناء المنقطع ﴿إِلَّا﴾ بمعنى: لكن، كأنه قيل: لكن ما قد سلف فأنتم غير مؤاخذين به (٦). وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٥٠].
واعلم أن المحرمات بالنسب سبعة أصناف، ذُكِرت نسقًا في أول الآية. والمحرمات بالسبب صنفان: صنف يحرم بالرضاع، وهو الأمهات والأخوات، على ما ذكرنا من التفصيل، وصنف يحرم بسبب المصاهرة، وهو أم المرأة وحليلة الأب وحليلة الابن والربائب، على التفصيل الذي ذكرنا، وحليلة الأب لم تُذكر في هذه الآية، إنما ذكرت في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢].
(١) هو مقاتل بن سليمان، ويأتي تخريج قوله بعد الحاشية التالية.
(٢) الزجاج كما سيأتي.
(٣) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٢٤٥، مطولًا، وانظر: "تفسير مقاتل" ١/ ٣٦٦.
(٤) انظر: "تفسير ابن كثير" ١/ ٥١٥، وذكر السمرقندي والقرطبي نحوه عن محمد بن الحسن. انظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٤٤، "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ١١٩.
(٥) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٥.
(٦) الظاهر أنه يقصد أبا بكر بن الأنباري، ولم أقف على كلامه، وقد أشار غير واحد من الأئمة أنه من الاستثناء المنقطع. انظر: الطبري ٤/ ٣٢٣، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٥.
فأما الجمع بين الأختين فإنه تحريم الجمع (١)، لأنه يجوز نكاح الثانية بعد طلاق الأولى، ويُلحق بهذا الصنف عمة المرأة وخالتها، فكما لا يجوز الجمع بين المرأة وأختها لا يجوز الجمع بين المرأة على عمتها، وخالتها (٢)؛ لما رُوى أن النبي - ﷺ - قال: "لا تُنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها لا (٣) الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى" (٤)، أراد الدرجة في النسب لا صِغَرَ السن وكِبَرَه.
وقال أهل العلم في حد ما يَحْرُم الجمع بينه: كل امرأتين بينهما قرابة أو لبن لو كان ذلك بينك وبين امرأة لم يَجُز لك نكاحُها لم يجز لك الجمع بينهما. فأما ملك اليمين فكل امرأة حَرُم عليك نكاحها بنسب أو لبن أو صهر، فإذا وجد ذلك المعنى في مملوكة حَرُم عليك وطؤها بملك اليمين، وكل امرأتين حرم عليك الجمع بينهما بقرابة موجودة بينهما أو بلبن، فإذا ملكت أمَتَين وبينهما مثل ذلك المعنى حَرُم عليك وطؤهما بملك اليمين، فإذا وَطِئت إحداهما لم يكن لك وطء الثانية ما لم تُحَرِّم الأولى على نفسك بإزالة الملك عنها بِبَيع أو عِتق أو هِبَة، أو بإزالة الملك عن بعضها (٥) بكتابة
(١) انظر: الطبري ٤/ ٣٢٣.
(٢) لفظ (د): (لا تنكح المرأة على خالتها أو عمتها ولا على خالتها لا) وفيه اضطراب.
(٣) أخرجه البخاري (٥١٠٨) كتاب النكاح، باب: لا تنكح المرأة على عمتها؛ ومسلم (١٤٠٨) كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح.
(٤) هذه رواية أبي داود (٢٠٦٥) والترمذي (١١٢٦)، وأحمد (٩٥٠٠) من حديث أبي هريرة، وقد علقه البخاري في الباب نفسه (٥١٠٨).
(٥) في (أ): (بضعها).
أو تزويج.
واعلم أن التحريم الحاصل بالمُصاهرة يحصل بنكاح صحيح، فلو زنى بامرأة لم تحرم عليه أمها ولا بنتها، ولا تحرم المزنيّ بها على آباء الواطئ، ولا أبنائه، وإنما تتعلق هذه الحُرمة بنكاح صحيح، أو فاسد يجب به الصَّداق والعِدّة ويُلحق به الولد، ولا يتعلّق بالسفاح الصريح.
وهذا قول عُروة، وسعيد، ومجاهد، والزهري، ومذهب مالك، والشافعي وفقهاء الحجاز (١).
وقال أهل العراق: الزنا يتعلق به تحريم المصاهرة، حتى لو زنى الأب بامرأة ابنِه انفسخ نكاحها، وكذلك نكاح الأب إن زنى الابن بامرأته. وقالوا: لو قَبّل الأب امرأة الابن ولمسها بالشهوة انفسخ نكاح الابن، ولو قبل أجنبية أو لمسها أو وطئها فيما دون الفرج حصل تحريم المصاهرة. وهذا قول الشعبي والنخعي ومذهب أبي حنيفة (٢).
والآية حجة ظاهرة عليهم؛ لأن الله تعالى حرم أمهات النساء والربائب وحلائل الأبناء، وهذه الأسماء لا تثبت بوجود الزنا، فإنّ أم المزنيّ بها لا تكون أم امرأته، ولا بنتها ربيته، وإذا زنى الابن بامرأةٍ لم تَصِر حليلته حتى تحرم على الأب (٣).
وقد قال ابن عباس: الحرام لا يحرم الحلال (٤).
(١) انظر: "الأم" ٥/ ٢٥، والقرطبي ٥/ ١١٤، ١١٥.
(٢) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٣٥ أ، والقرطبي ٥/ ١١٤، ١١٥.
(٣) انظر: "الأم" ٥/ ٢٦، والقرطبي ٥/ ١١٥.
(٤) لم أجده عن ابن عباس، وانظر "الكشف والبيان" ٤/ ٣٥ أ.
٢٤ - وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية. الإحصان في اللغة أصله المَنع، وكذلك الحَصَانة، ولذلك قيل: مدينة حصينة، ودرعٌ حصينة، أي: مانعة صاحبها من الجَرح. قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] معناه: لتمنعكم وتُحرِزَكم (١)، والحصن الموضع الحَصين لمنعه من بغاه من الأعداء (٢). والحِصَان: الفرس لمنعه صاحبه من الهلاك، والحَصَان المرأة العفيفة لمنعها فرجها من الفساد، قال الله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢]، أي: منعته من الزنا، ويقال: حَصَنَت المرأة تحصُن: إذا عفّت عن الريبة حُصنا وهي حَصان، مثل: جبنت جُبنًا وهي جبان (٣).
قال سيبويه: وقالوا أيضًا: حِصنا كما قالوا: عِلما (٤).
وقال أبو عبيد والزجاج والكسائي: حصانة أيضًا (٥).
وقال شمر: امرأة حصان وحاصِن، وهي العفيفة، وأنشد:
وحاصن من حاصِنات ملسِ من الأذى ومن قِراف الوَقْسِ (٦)
(١) "تهذيب اللغة" ١/ ٨٤٣ - ٨٤٤ (حصن) بتصرف.
(٢) انظر: "الطبري" ٥/ ٧.
(٣) انظر: "جمهرة اللغة" ٢/ ٥٤٣ - ٥٤٤ (حصن)، والطبري ٥/ ٧، "تهذيب اللغة" ١/ ٨٤٤ (حصن).
(٤) انظر: "الحجة" ٣/ ١٤٧.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٨٤٤ (حصن).
(٦) قول شمر وما أنشد في "تهذيب اللغة" ١/ ٨٤٤ (حصن)، وقال الأزهري: الوقس: الجرب. ملس: لا عيب بهن. وانظر "اللسان" ٢/ ٩٠٢، والرجز منسوب للعجاج في "مجاز القرآن" ١/ ١٢٢، "جمهرة اللغة" ٢/ ٥٤٣ - ٥٤٤ (حصن)، و"تفسير الطبري" ٥/ ٧.
فقد حصل من هذا أنه امرأة حَاصِن وحَصَان بينة الحِصن والحَصَن والحَصانة، ثلاث مصادر.
وأنشد ابن السكيت (١):
الحِصن أدنى لو تأييته من حثيِك التُّرب على الراكِب (٢)
وقال الزجاج: يقال: امرأة حصان بينّة الحصن، وفرس حصان: بيّن التحصن والتحصين، وبناء حصين: بيّن الحصانة، ولو قيل في كله: الحصانة، لجاز بإجماع (٣).
وأما الإحصان فإنه يقع على معان كلها ترجع إلى معنى واحد، منها الحرية، يدل على ذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] يعني: الحرائر (٤)، ألا ترى أنه إذا قذف غير حرة لم يُجلد ثمانين، وكذلك قوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] يعني الحرائر، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، أي: الحرائر (٥).
ومنها (٦) العفاف، وهو قوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء: ٢٥]، (٧)، وقوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء:٢٤] [المائدة:٥]
(١) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق، تقدمت ترجمته.
(٢) انظر: "اللسان" ٢/ ٩٠٢ (حصن).
(٣) ليس في "معاني الزجاج" عند تفسيره لهذه الآية.
(٤) انظر: "الطبري" ٥/ ٢٤.
(٥) هذا رأي ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وابن زيد وغيرهم. انظر "تفسير ابن عباس" ص ١٤٣، والطبري ٥/ ١٧.
(٦) أي من المعاني التي يقع عليها لفظ الإحصان.
(٧) انظر "تفسير ابن عباس" ص ١٤٣، والطبري ٥/ ١٩.
وقوله: ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢]، أي: أعفته.
ومنها الإسلام، من ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] قيل في تفسيره: أسلمن (١).
ومنها كون المرأة ذات زوج، يقال: امرأة محصنة، إذا كانت ذات زوج، والمحصنات: المتزوجات، بدلالة قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: ذوات الأزواج (٢). ونذكر ذلك عند التفسير.
وليس تبعد هذه المعاني عما عليه موضوع اللغة، فإن الإحصان هو أن يُحمى الشيء وُيمنع، والحرّة تُحَصِّن نفسها وتَحصُن هي، وليست كالأمة. والعفة أيضًا مانعة من الزنا، والعفيفة تمنع نفسها، وكذلك الإسلام مانع من الفواحش، والمحصنة ذات الزوج؛ لأن الزوج أحصنها ومنع منها.
واختلف القراء في: ﴿الْمُحْصَنَاتُ﴾ فقرأوا بفتح الصاد وكسرها في جميع القرآن (٣)، إلا التي في هذه الآية، فإنهم اجتمعوا على الفتح فيها (٤).
فمن قرأ بالكسر جعل الفعل لهن، ومن قرأ بالفتح جعل الفعل لغيرهن (٥).
قال أبو عبيد (٦): اجتمع القراء على نصب الصاد في الحرف الأول
(١) ممن قال بذلك ابن مسعود والشعبي وإبراهيم التيمي والسدي. انظر: الطبري ٥/ ٢٠، "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٥.
(٢) انظر: الطبري ٥/ ١، "الكشف والبيان" ٤/ ٣٦ ب، "الدر المنثور" ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧.
(٣) قراءة الكسر للكسائي، والفتح لبقية العشرة. انظر: "السبعة" ص ٢٣٠، "الحجة" ٣/ ١٤٦، "المبسوط في القراءات العشر" ص١٥٥، "النشر" ٢/ ٢٤٩.
(٤) انظر المصادر السابقة.
(٥) انظر: "حجة القراءات" ص ١٩٦، ١٩٧.
(٦) أخذ قول أبي عبيد من "تهذيب اللغة" ١/ ٨٤٤ (حصن).
من النساء؛ لأن تأويلها ذوات الأزواج يُسبَين فيُحلهن السِباء (١) تُوطأ بملك اليمين، ويَنتقض نكاحهن.
فأما ما سوى الحرف الأول فالقراء مختلفون، فمنهم من يكسر الصاد، ومنهم من يفتحها، فمن نصب، ذهب إلى ذوات الأزواج، ومن كسر ذهب إلى أنهن أسلمن فأحصنّ أنفسهن فهن محصنات (٢).
وقال الليث: أُحصِنت المرأة فهي محصنة، وهي التي أحصنها زوجها، وهن المُحصنات، والمعنى أنهن أحُصِنّ بأزواجهن (٣).
أخبرني العروضي، عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري، عن ثعلب عن ابن الأعرابي، قال: كلام العرب كله على: أفْعَل فهو مُفْعِل، إلا ثلاثة أحرف: أَحصَن فهو مُحصَن، وألفَج فهو ملفَج (٤)، وأَسهَب فهو مُسهَب (٥).
(١) في (أ)، (د): النساء، والتصويب من "تهذيب اللغة".
(٢) انتهى من "تهذيب اللغة" ١/ ٨٤٤ (حصن).
(٣) انظر: "العين" ٣/ ١١٨، "تهذيب اللغة" ١/ ٨٤٤ (حصن).
(٤) في النسخة (أ) وعند هذا اللفظ كتب هامش بغير خط النسخة وهو بحدود سطرين أو ثلاثة، بعضه غير واضح، وقد تبين لي منه ما يلي: ألفج بالجيم المعجمة أفلس قال رؤبة:
أحسابكم في العسر والإلفاج شِيبت بعذبٍ طيّب المزاج
وقال:
جارية شبت شبابًا عَسلجا في حجر من لم يك عنها ملفجا
يقال: عسلجت الشجرة: أخرجت عساليجها، وهي ما لان واخضر من قضبانها. وانظر: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٨٣ (سهب)، ٤/ ٣٢٨٠ (لفج)، "الصحاح" ١/ ٣٢٩ (عسلج)، ٢/ ٣٣٩ (لفج)، "اللسان" ٧/ ٤٠٥٢ - ٤٠٥٣ (لفج).
(٥) في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٨٣ (سهب) لكن رواية الأزهري، عن طريق شمر، عن ابن الأعرابي، وفيه تقديم أسهب على أحصن.
وأما التفسير فالمحصنات في هذه الآية ذوات الأزواج (١)، وهن محرمات على كل أحد إلا على أزواجهن، لذلك عُطِفن على المحرمات في الآية التي قبلها (٢).
ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يريد: إلا ما ملكتموهن بالسبي من دار الحرب، فإنها تحل لمالكها ولا عِدّة عليها، فتُستبرأ بحيضة وتوطأ.
وهذا قول ابن مسعود (٣)، وابن عباس، وأبي قلابة، وابن زيد، وأبيه (٤)، ومكحول (٥)، والزهري (٦).
قال أبو سعيد الخُدري: لما كان يوم أوْطَاس أَصَبْنا نساءً لهن أزواج في المشركين، فكرههنّ رجال منا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٧).
(١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ١/ ١٢٢، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١١٧، والطبري ٥/ ١، "الكشف والبيان" ٤/ ٣٦/ ب، "الدر المنثور" ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧.
(٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٥.
(٣) قول ابن مسعود أن المراد بقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ هي المشتراة بالمال، لا المسبيّة. انظر: "الطبري" ٥/ ٣، "الدر المنثور" ٢/ ٢٤٧.
(٤) هو الإمام أبو عبد الله زيد بن أسلم، له تفسير يرويه عنه ابنه عبد الرحمن هذا.
(٥) هو أبو عبد الله مَكْحول الشامي، فقيه، كان مفتي دمشق وعالمها، من مشاهير علماء التابعين، وقد وثقه كثير من أهل العلم وأخرج له مسلم والأربعة. توفي -رحمه الله- سنة ١١٣هـ. وقيل غير ذلك. انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص١١٤، "ميزان الاعتدال" ٤/ ١٧٧، "تقريب التهذيب" ٤/ ١٤٨.
(٦) أخرج الآثار عن ابن عباس، وأبي قلابة، وابن زيد، وأبيه، ومكحول، والزهري، الطبري ٥/ ٦٠٢٠١، وانظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٤٧ - ٢٤٨.
(٧) أخرجه مسلم بنحوه (١٤٥٦) كتاب الرضاع، باب: جواز وطء المسبية بعد =
ولا يمكن حمل المحصنات في هذه الآية على الحرائر، ولا على المسلمات، ولا على العفائف؛ لأن التحريم مُحالٌ في هذه الأجناس، فتعين حملها على الوجه الرابع وهو المنكوحة.
وإذا وقع السبا على الزوجين الحربيّين أو على أحدهما انقطع منادي رسول الله - ﷺ -: "ألا لا تُوطأ حاملٌ حتى تضع، ولا حائلٌ حتى تحيض" (١).
فأباح وطأهن بعد الاستبراء، لانفساخ نكاحهن.
وذهب جماعة من الصحابة -بظاهر هذه الآية- إلى أن الأَمَة المنكوحة إذا بيعت وقع عليها الطلاق، وبانت من الزوج بالبيع.
واحتجوا بقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قالوا: فإذا ملكها البائع وجب أن يحل له وطؤها.
وهذا يحكى عن ابن عباس وابن مسعود وأُبَيّ (٢)، وجابر، وأنس، وسعيد بن المسيب، والحسن (٣).
= الاستبراء ٢/ ١٠٧٩ (ح ٣٥) وغيره، وكذلك المؤلف في "أسباب النزول" ص ١٥٢ - ١٥٣ من طرق.
(١) أخرجه الإمام أحمد ٣/ ٦٢، وأبو داود (٢١٥٥) كتاب النكاح، باب: في وطء السبايا، والحاكم ٢/ ١٩٥، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يُخرجاه، ووافقه الذهبي، وعندهم أن هذا الحديث في سبي أوطاس.
(٢) هو أبو المُنذِر أُبَيّ بن كعب بن قيس بن عبيد الخزرجي الأنصاري، من رواة الأحاديث وقُرَّاء الصحابة وكتاب الوحي ومن أصحاب العقبة الثانية وقد شهد بدرًا وما بعدها وتوفي - رضي الله عنه - سنة ٣٠ هـ. انظر: "الاستيعاب" ١/ ١٦١ - ١٦٢، "الإصابة" ١/ ١٩، "الأعلام" ١/ ٨٢.
(٣) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ٣ - ٤، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٥٠، "الدر المنثور" ٢/ ٢٤٧.
وليس الأمر على ما ذهبوا إليه؛ فإن هذه الآية مخصوصة بملك اليمن في الحربية إذا سبيت من دار العرب، بدليل حديث بريرة (١)، فإن عائشة اشترتها وأعتقتها، ثم خيّرها النبي - ﷺ -، وكانت مزوجة، فاختارت الفراق (٢)، ولو وقع الطلاق بالبيع ما خيرت.
وهذا الذي ذكرنا من أن البيع لا يكون طلاقًا مذهب عمر (٣)، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف (٤)، وإجماع الفقهاء اليوم.
وقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد: هذا ما حرم الله عليكم (٥). يعني: كتب تحريم ما ذكر من النساء عليكم.
وانتصابه على مصدر جرى الفعل من غيره، كأنه قيل: حرمت هذه النساء كتابًا من الله عليكم، أي: كتابة (٦).
(١) هي مولاة عائشة -رضي الله عنهما- كانت مولاة لقوم من الأنصار، وقيل لآل بني هلال، وقيل لآل عتبة بن أبي إسرائيل، وكانت تخدم عائشة قبل أن تشتريها، وقد عتقت تحت زوجها فخيرها النبي - ﷺ -، فكانت سنّة. انظر: "الاستيعاب" ٤/ ٣٥٧، "أسد الغابة" ٧/ ٣٩، "الإصابة" ٤/ ٢٥١ - ٢٥٢.
(٢) أخرجه بمعناه البخاري (٢٥٣٦) كتاب العتق، باب: بيع الولاء وهبته، وانظر
"تفسير ابن كثير" ٢/ ٥١٧.
(٣) عند ابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ٥٠: ابن عمر.
(٤) انظر: "زاد المسير" ٢/ ٥٠.
(٥) لم أجده عن ابن عباس، وقد أخرجه الطبري، عن إبراهيم التيمي، "جامع البيان" ٥/ ٩، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" عن إبراهيم وعزاه -إضافة إلى الطبري- إلى عبد الله بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر. "الدر المنثور" ٢/ ٢٤٩.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٦٠، و"الطبري" ٥/ ٩، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٦.
ومعنى الكتابة ههنا التحريم؛ لأنه كتابة التحريم، أي: إثباته وتأكيده.
ومثله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي﴾ [النمل: ٨٨]، وقد مر كثير من هذا، (وهذا) (١) معنى قول الفراء والزجاج (٢).
وقد كشف أبو علي عن هذا فقال: ليس انتصابه على: عليكم كتاب الله، ولكن كتاب مصدر، دل ما تقدم على الفعل الناصب له، وذلك أن قوله: ﴿حُرِمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ فيه دلالة على أن ذلك مكتوب عليهم فانتصب ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ بهذا الفعل الذي دل عليه ما تقدمه من الكلام (٣). وعلى ذلك قول الشاعر:
[ما (٤)] إِنْ يمسّ الأرض إلاَ منْكِبٌ مِنْه وحرفُ السّاقِ طَيَّ المِحْمَلِ (٥)
قال الزجاج: ويجوز أن يكون منصوبًا على جهة الأمر، ويكون: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ مُفسرًا له، فيكون المعنى: الزموا كتاب الله (٦).
(١) ليس في (د).
(٢) انظر: "معاني الفراء" ٢/ ٢٦٠، "معاني الزجاج" ٢/ ٣٦.
(٣) انظر: "الحجة" ٢/ ٣٥٣، "المسائل الحلبيات" ص ٢٠٣.
(٤) ما بين القوسين المعقوفين ليس في النسخ واستدركته من مصادر التوثيق الآتية.
(٥) البيت لأبي كبير الهُذلي يصف شابًا جلْدًا خفيف الجسم إذا نام لا يمس الأرض إلا منكبه وحرف ساقه دون بطنه. والمقصود بالمِحمَل: محمل السيف.
انظر: "الكتاب" ١/ ٣٥٩، "الشعر والشعراء" ص ٤٤٧، "المقتضب" ٣/ ٢٠٤، "الخصائص" ٢/ ٣٠٩، "ديوان الهذليين" ٢/ ١٣. والشاهد منه. أن طي نصب بفعل مقدر، تقديره: طويَ طيّ المِحْمَل.
(٦) "معاني القرآن" ٢/ ٣٦.
قال الفراء: وقد قال بعض النحويين: معناه: عليكم كتاب الله، واحتج بقول الشاعر:
يا أيها المائح دلوى دونكا (١)
فالدلو عِنْده في موضع نصب، كما يقال: دونك زيدًا، وهذا لا يصح عند النحويين، لأن الإغراء لا يجوز فيه تقديم المنصوب على حرف الإغراء، لا تقول العرب: زيدًا عليك، أو زيدًا دونك. إنما تقول: عليك زيدًا، ودونك زيدًا (٢).
قال الزجاج (٣): لأن قولك: عليك زيدًا ليس له ناصب في اللفظ متصرف، فيجوز تقديم نصبه (٤)، وقول الشاعر:
.......... دلوى دونكما (٥)
الدلو في موضع رفع، على معنى: هذه دلوي دونك، كقولك: زيدٌ فاضربوه، وإن نصبت الدلوَ أضمرت في الكلام شيئًا، كأنك تقول: خذ دلوي، أو دونك دلوي دونك (٦). وعلى هذا يجوز أن تقول: زيدًا عليك،
(١) حذف المؤلف عجز البيت، وهو عند الفراء:
إني رأيت الناس يحمدونكا
"معاني القرآن" ١/ ٦٠، ونسب في الحاشية إلى شاعر جاهلي من بني أسيد بن عمرو بن تميم، وقد ورد البيت في "الأمالي للقالي" ٢/ ٢٤٤، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٣٢٢ (ماح)، "الإنصاف" للأنباري ص ١٨٧. والمائح: هو الذي ينزل في البئر إذا قلّ الماء فيملأ الدلو.
(٢) "معاني القرآن" ١/ ٢٦٠.
(٣) في "معاني القرآن" ٢/ ٣٦.
(٤) في "معاني الزجاج": منصوبه، ولعله هو الصواب.
(٥) تقدم البيت قريبًا.
(٦) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٣٦، ٣٧.
فيكون منصوبًا بشيء مضمر قبله.
وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. وقرئ: ﴿وَأُحِلَّ﴾ بضم الألف (١)، والفتح (٢) أشبه بما قبله، لأن معنى ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: كتب الله عليكم كتابًا وأحلّ لكم فبناء الفتح للفاعل ههنا أحسن.
ومن بين (٣) الفعل للمفعول به فقال: وأحل لكم، فهو في المعنى يؤول إلى الأول، وفي ذلك مراعاةُ مُشاكلةِ ما بعد بما قبل (٤)، وهو قوله: ﴿حُرِّمَت﴾، فلما كان التحريم مبنيًّا للمفعول به كذلك الإحلال.
وقوله تعالى: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ قال الفراء وغيره: يقول ما سوى ذلك، كقوله: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة: ٩١] يريد: سواه (٥).
وقال الزجاج: ومعنى: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: أي: ما بعد هذه النساء التي حُرّمت حلال (٦).
وهذا الإحلال مخصوص بالسنة، وهو ما ذكرنا من تحريم تَزَوُّج المرأة على عمتها وعلى خالتها (٧).
قال أبو إسحاق: لم يقل الله عز وجل: لا أحرم عليكم غير هؤلاء، وقال:
(١) وكسر الحاء، وهذه القراءة لعاصم برواية حفص وحمزة والكسائي وأبي جعفر وخلف. انظر: "المبسوط" ص ١٥٦، "الحجة" ٣/ ١٥٠، "النشر" ٢/ ٥٤٩.
(٢) أي فتح الألف والحاء (أَحَلّ) وهذه القراءة للباقين من العشرة. انظر المصادر السابقة.
(٣) هكذا هذه الكلمة في (أ)، ولعل الصواب: بَنَى، لما في "الحجة" ٣/ ١٥٠.
(٤) التعقيب على القراءتين من "الحجة" ٣/ ١٥٠.
(٥) "معاني القرآن" ١/ ٢٦١.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٣٧
(٧) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٣٧، وقد تقدم الحديث في ذلك.
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، قال: وآتاهم أن الخالة كالوالدة، وأن العمة بمنزلة الوالد في وجوب الحق كالوالدة. (١) فإذًا العمة والخالة كالوالدة، وتَزّوج المرأة على عمتها وخالتها كتزوجها على أمها.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾. محل ﴿أَنْ﴾ رفع على البدل من (ما) في قراءة من قرأ ﴿وأُحلَّ﴾ بضم الألف، ومن قرأ بالفتح كان محل (أن) نصبًا. قالوا: ويجوز أن يكون محلّه نصبً على القراءتين بفقد الخافض، كأنه قيل: لأن تبتغوا، ثم حذف الخافض (٢).
والمعنى: أحلّ لكم أن تطلبوا بأموالكم، إما بنكاح وصداق، أو بملك وثمن، وفي هذا دليل على أن الصداق لا يَتَقدّر بشيء؛ لإطلاق قوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾، فمن ابتغى بقدر جاز أن يكون ثمنًا في بيعٍ أو أجرة في إجارة فقد استحل.
وقوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ﴾. أي: متعففين عن الزنا، وهو قول ابن عباس (٣).
وقال مجاهد: ناكحين (٤)، وهو اختيار الزجاج؛ لأنه (قال) (٥):
(١) انتهى كلام أبي إسحاق الزجاج من "معاني القرآن" ٢/ ٣٧.
(٢) انظر "معاني الفراء" ١/ ٢٦١، الطبري ٥/ ١١، "معاني الزجاج" ٢/ ٣٧، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٤٦، "الكشف والبيان" ٤/ ٣٧/ أ.
(٣) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكر المؤلف هذا القول دون نسبة لأحد في "الوسيط" ٢/ ٥٠١، وانظر الطبري ٥/ ١١.
(٤) "تفسير مجاهد" ١/ ١٥٢، وأخرجه الطبري في "تفسيره" ٥/ ١١، وهو فيهما بلفظ: متناكحين. وانظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٤٩.
(٥) ما بين القوسين ليس في (أ).
عاقدين التزويج (١).
وقال الفراء: يقول: أن تبتغوا الحلال (٢).
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾. أي: غير زانين. عن مجاهد (٣)، والسدي (٤).
وقال ابن عباس: السفاح الزنا (٥).
قال الليث: السفاح والمسافحة: أن تقيم امرأة مع رجل على فجور من غير تزويج صحيح، والمُسافِحة: الزانية (٦). وروي أن النبي - ﷺ - قال: قال لي جبريل: "ما بينك وبين آدم نكاح لا سفاح فيه" (٧).
وأصله في اللغة: من السَّفح وهو الصَّبّ، يقال: سفح الدمع مسفوحًا، وسفح الدم: صبّه، وفلان سفّاحٌ للدماء: أي: سفّاك (٨).
وسمي الزنا سِفاحًا، لأنه ليس ثم حرمةُ نكاح ولا عقد تزويج (٩)، وإنما يسفح كل واحد من الزانيين نطفته، أي: يصبها ويريقها، فسمي سفاحًا لهذا المعنى. كما سمي مِذًاء من المذي، وكان الرجل في الجاهلية
(١) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٣٧.
(٢) "معاني القرآن" ١/ ٢٦١.
(٣) "تفسيره" ١/ ١٥٢، وأخرجه الطبري ٥/ ١١ بدون لفظ غير.
(٤) أخرجه الطبري ٥/ ١١ بلفظ: غير زناة.
(٥) لم أجده إلا في "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٢ بلفظ مجاهد.
(٦) من "تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٠٠، وهو في "العين" ٣/ ١٤٧ (سفح).
(٧) انظر: "العين" ٣/ ١٤٧، ولم أقف عليه في المصادر الحديثية.
(٨) انظر: "العين" ٣/ ١٤٧، "معاني الزجاج" ٢/ ٣٨، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٦٩٩ "الصحاح" ١/ ٣٧٥ (سفح).
(٩) انظر: "معاني القرآن" ٢/ ٣٨، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٠٠ (سفح).
إذا أراد أن يفجر بالمرأة يقول لها: سافحيني، أو ماذيني (١).
وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾. قال الحسن ومجاهد وابن زيد وأكثر المفسرين: يعني: فما انتفعتم وتلذّذتم من النساء بالنكاح الصحيح (٢). قال أبو إسحاق: يريد فما استمتعتم به منهن على عقد التزويج الذي جرى ذكره (٣).
﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. أي: مهورهن، فإن استمتع بالدخول بها آتى (٤) المهر تامًا، وإن استمتع بعقد النكاح آتى نصف المهر (٥).
والاستمتاع في اللغة: الانتفاع، وكل ما انتفع به فهو متاع (٦). هذا التفسير هو الذي عليه إجماع الفقهاء وعلماء الأمة (٧).
وسُمي المهر في هذه الآية أجرًا لأنه أجر الاستمتاع (٨).
وانتصاب الفريضة ههنا على الحال، أي: مفروضة (٩).
(١) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١١٧ - ١١٨، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٢٦ (سفح).
(٢) أخرج الآثار عن الحسن ومجاهد وابن زيد الطبري ٥/ ١١ - ١٢ بلفظ النكاح، وقد أفاد المؤلف لفظه من "الكشف والبيان" ٤/ ٣٧/ ب، وانظر: "الوسيط" ٢/ ٥٧.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٣٨ بتصرف.
(٤) في (د): (إلى).
(٥) من "معاني الزجاج" بنصه ٢/ ٣٨، وانظر: "الطبري" ٥/ ١٢، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٤٥٩ (متع). "الكشف والبيان" ٤/ ٣٩/ أ.
(٦) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٣٨، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٤٥٩ (متع).
(٧) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١١٨، و"الطبري" ٥/ ١٢، "معاني الزجاج" ٢/ ٣٨، "الكشف والبيان" ٤/ ٣٩ أ.
(٨) انظر: "الكشف والبيان" للثعلبي ٤/ ٣٩ أ.
(٩) وقيل: مصدر في موضع الحال. انظر "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٦، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٩٥.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾.
قال عطاء: يريد: إذا سميت المهر بعدّة من الدنانير أو الحيوان، فلا حرج بعد ذلك أن تحطّ من عدة الدنانير أو الحيوان، إذا كان ذلك برضا المرأة (١). ففسر هذا التراضي بالحطّ من المهر والإبراء.
وقال الزجاج: أي: لا إثم عليكم في أن تَهب المرأة للزوج مهرها، أو يهب الرجل للمرأة تمام المهر إذا طلقها قبل الدخول (٢).
وقيل: هذا في الخُلع، يقول: لا جناح عليكم فيما تَفتدي به المرأة نفسها (٣).
وذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بالاستمتاع في هذه الآية المُتعة (٤) التي كانت مُباحةً في ابتداء الإسلام، وهو ما رُوي أن النبي - ﷺ -، لما قدم مكة في عمرته، تزين نساء أهل مكة، فشكا أصحاب رسول الله - ﷺ -
(١) لم أقف عليه، وقد ورد بمعناه عن ابن عباس وابن زيد. انظر: "الطبري " ٥/ ١٤، "زاد المسير" ٢/ ٥٤.
(٢) العبارة في "معاني الزجاج" ٢/ ٣٩: أي لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للرجل مهرها، أو يهب الرجل للمرأة التي لم يدخل بها نصف المهر الذي لا يجب إلا لمن دخل بها، وهذه العبارة مشكلة؛ لأن غير المدخول بها يجب لها نصف الصداق بلا هبة لقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، إلا أن يكون المراد بعبارة الزجاج هذه: نصف المهر الآخر، ويحتمل التصحيف من النساخ، وعلى كلٍّ فعبارة الزجاج عند المؤلف أوضح وأصوب وقد ذكرها في تفسيره الآخر "الوسيط" ٢/ ٥٠٢.
(٣) نحوه مَرويّ عن ابن عباس. انظر: "الطبري" ٥/ ١٤، "زاد المسير" ٢/ ٥٢.
(٤) هذا قول لابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم. انظر: الطبري ٥/ ١٢ - ١٣، "الكشف والبيان" ٤/ ٣٧ ب.
إليه العُزبة (١)، فقال: "استمتعوا من هذه النساء"، وروي أنه قال: "تمتعوا منهن" (٢).
وكان الرجل في صدر الإسلام يعطي المرأة دينارًا أو دراهم، أو ما كان، مما يتراضيان به، على أن يستمتع بها يومًا أو أسبوعًا، على ما يتراضيان عليه من الأجل، فإذا انقضى الأجل فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليه أن يستبرئ رحمها فإن قال لها: زيديني في الأيام وأزيدك في الأجر كانت المرأة بالخيار، إن شاءت فَعَلت ذلك، وإن شاءت لم تفعل (٣).
قالوا: وذلك قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ أي: من زيادة الأجل والأجر (٤). ثم أجمع أكثر هؤلاء على أن هذا الحكم منسوخ (٥)، إلا ابن عباس وعمران بن حصين (٦)، فإنهما كانا يريان جواز نِكاح المُتعة (٧). كان ابن عباس يُفتي بها.
(١) العُزبة: من العُزوبة، أي البعد عن النكاح والتجرد عن النساء. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" ٣/ ٢٢٨.
(٢) أخرجه بلفظه الأول أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٧٣، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٣٨ ب.
(٣) انظر: "الطبري" ٥/ ١٣ - ١٤، "الكشف والبيان" ٤/ ٣٨ ب، "النكت والعيون" ١/ ٤٧١.
(٤) انظر: "النكت والعيون" ١/ ٤٧١، "زاد المسير" ٢/ ٥٥.
(٥) انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص ٨٠.
(٦) هو أبو نُجيد عِمران بن حُصين بن عُبيد الخُزاعي أسلم عام خيبر وغزا مع النبي - ﷺ -، كان من فضلاء الصحابة ومجابَ الدعوة، مرض فكان على سريره ثلاثين عامًا حتى توفي - رضي الله عنه - سنة ٥٢ هـ وكانت الملائكة تسلم عليه. انظر: "الاستيعاب" ٣/ ٢٨٤ - ٢٨٥، "أسد الغابة" ٤/ ٢٨١، "الإصابة" ٣/ ٢٦ - ٢٧.
(٧) سيورد المؤلف ما يدل على ذلك عن ابن عباس وعمران بن حصين.
قال عمارة (١) مولى الشريد (٢): سألت ابن عباس عن المُتعة، أسِفاح هي أم نكاح؟ قال: لا سفاح ولا نكاح. قلت: فما هي؟ قال: هي المُتعة كما قال الله. قلت: هل لها من عدة؟ قال نعم، عدتها حيضة. قلت: هل يتوارثان؟ قال: لا (٣).
وروى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٤): أن ابن عباس كان يُفتي بها،
ويغمصُ (٥) ذلك أهلُ العراق، وأَبَى أن ينكل عن ذلك، حتى طفق بعض الشعراء يقول:
أقول للركب إذْ طَالَ الثَّواءُ بنا يا صَاحِ هَلْ لَك في فُتيا ابن عباسِ
هل لك في رَخصة الأطرافِ ناعمة تكون مَثواك حتى رجعة الناس (٦)
(١) هكذا في (أ)، وفي "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٣: عمار، بدون تاء.
(٢) تابعي ثقة كما في ثقات العجلي.
(٣) أخرجه أبو عُبيد في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص ٨٠، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٣ بلفظه، وعزاه لابن المنذر.
(٤) هو أبو عبد الله عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود الهُذلي المدني تابعي ثقة ثبت أحد كبار فقهاء المدينة في عصره، جامع بين العلم والصلاح وهو معلم عمر بن عبد العزيز رحمهما الله كان ضرير البصر، وتوفي سنة ٩٤ هـ وقيل غير ذلك. انظر: "تاريخ الثقات" ٢/ ١١١، "مشاهير علماء الأمصار" ص ٦٤، "التقريب" ص ٣٧٢ رقم (٤٣٠٩).
(٥) غَمِصَ-بفتح الميم وكسرها- يَغمِص غمصًا، وهو الاستصغار أو العيب، انظر "الصحاح" ٣/ ١٠٤٧ (غمص). وفي النسخة (أ) تعليق في الحاشية كلمتين أو ثلاث، لم يتبين، والظاهر أنه شرح لهذه الكلمة الغربية.
(٦) انظر: "عيون الأخبار" ٤/ ٥٩، و"تفسير القرطبي" ٥/ ١٣٣، و"الدر المنثور"=
قال: فازداد لها أهل العلم قَذرًا وبُغضًا، حين قيل فيها الأشعار (١)
وقال عمران بن حُصين: نزلت آية المتعة في كتاب الله عز وجل ولم ينزل آية بعدها تنسخها، وأمرنا بها رسول الله - ﷺ - وتمتعنا معه، ومات ولم يَنهنا عنه. قال رجلٌ بَعْدُ برأيهِ ما شاء (٢).
وجميع الصحابة على أن المتعة منسوخة حرام (٣).
روى الربيع بن (سَبرة) (٤) الجهني (٥)، عن أبيه قال: غدوت على رسول الله - ﷺ - فإذا هو قائم بين الركن والمقام، مسندٌ ظهره إلى الكعبة، يقول: "يا أيها الناس إني كنتُ أمرتُكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا وإن الله قد حرَّم عليكم إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليُخَلّ سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا" (٦).
=٢/ ٤٨٧، و"السنن الكبرى" للبيهقي ٧/ ٢٠٥، و"التمهيد" لابن عبد البر ١٠/ ١١٧، و"أخبار مكة" للفاكهي ٣/ ١٢.
(١) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٨١، ٨٢، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٣٨ أ، "الدر المنثور" ٢/ ٤٧١.
(٢) أخرجه الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٣٨ أ.
(٣) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٣٨ أ.
(٤) في (د): (سبر) بالتذكير، والصواب ما أثبته. انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص ٧٣.
(٥) هو الربيع بن سبرة بن معبد الجهني المدني تابعي ثقة، وثقه النسائي وابن حبان وأخرج حديثه مسلم وأهل السنن، عده ابن حجر من الطبقة الثالثة. ولم تذكر سنة وفاته. انظر: "تاريخ الثقات" ١/ ٣٥٤، "تهذيب التهذيب" ١/ ٥٩٢، "التقريب" ص ٢٠٦ رقم (١٨٩١).
(٦) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٧٣، ومسلم في "صحيحه" كتاب النكاح، باب: ٣ نكاح المتعة ٢/ ١٠٢٥ (ح ٢١)، وفيهما: ".. ألا وإن الله قد حرم عليكم ذلك.. " بزيادة اسم الإشارة، وهو الأصوب.
وروى الحارث بن غُزَيّة (١) أن رسول الله - ﷺ - قال: "مُتعة النساء حرام" (٢).
وقال عمر - رضي الله عنه -: لَنْ أُوتَى برجلٍ منكم نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة (٣).
وروي عن ابن الحَنفيّة (٤): أن عليًا - رضي الله عنه - مر بابن عباس وهو يفتي بنكاح المتعة أنه لا بأس بها، فقال: إن رسول الله - ﷺ - نهى عنها وعن لحوم الحُمُر الأهلية يوم خيبر (٥).
قال أبو عبيد: هذا التوقيت يرجع إلى النهي عن لحوم الحُمُر؛ لأن الرخصة في المتعة كانت في عمرة النبي - ﷺ -، وهي بعد خيبر، والنهي عن المتعةُ مطلق غير مُؤَقت (٦).
(١) هو الحارث بن غزَيّة، وقيل: غزية بن الحارث الأنصاري المدني، صحابي جليل روى عن رسول الله - ﷺ -. انظر: "الاستيعاب" ٣/ ٣١٨، "أسد الغابة" ١/ ٤١٠، "الإصابة" ٣/ ١٨٥.
(٢) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٧٥.
(٣) جزء من أثر أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٧٦، ومسلم (١٢١٧) كتاب الحج، باب: في المتعة بالحج والعمرة.
(٤) هو أبو القاسم أو أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي من أفاضل أهل البيت، ومن العلماء الثقات، عرف بابن الحنفية نسبة إلى أمه من بني حنيفة. توفي - رضي الله عنه - سنة ٧٣ هـ وقيل بعد الثمانين. انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص ٦٢، "سير أعلام النبلاء" ٤/ ١١٠، "التقريب" ص ٤٩٧ رقم (٦١٥٧).
(٥) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٧٥، والبخاري (٥١١٥) بنحوه في كتاب النكاح، باب: نهى رسول الله - ﷺ - عن نكاح المتعة آخرا ٦/ ١٢٩، ومسلم (١٤٠٧) كتاب النكاح، باب: نكاح المتعة.
(٦) انظر: "الناسخ والمنسوخ" ص ٧٥.
وكانت عائشة إذا ذُكِر لها المتعة قالت: والله ما نجد في كتاب الله إلا النكاح والاستِسرار، ثم تتلو هذه الآيات الثلاثة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥]، إلى آخرها (١).
وقال ابن مسعود: المتعة منسوخة، نسخها الطلاق والصَّداق والعِدّة والميراث (٢).
قال أبو عبيد: فالمسلمون اليوم مُجمعون على أن متعة النساء قد نُسخت بالتحريم، نسخها الكتاب والسنة (٣).
هذا قول أهل العلم اليوم جميعًا من أهل العراق، وأهل الحجاز، وأهل الشام، وأصحاب الأثر، وأصحاب الرأي: أنه لا رُخصة فيها لمضطر ولا غيره.
وقد رُوي عن ابن عباس شيء شبيه بالرجوع عنها، وهو ما روى عطاء الخرساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ قال: نسختها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] (٤).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ أي: بما يُصْلِح أمر العباد (حكيمً) فيما بين (٥) لهم من عقد النكاح الذي به حُفظت الأموال والأنساب (٦).
(١) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٨٧، وذكره الثعلبي بمعناه في "الكشف والبيان" ٤/ ٣٩ أ.
(٢) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٧٩.
(٣) "الناسخ والمنسوخ" ص ٨٠، وانظر: "البغوي" ٢/ ١٩٣.
(٤) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٨٣، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" ٢/ ١٩١، ١٩٢، وضعفه المحقق إسناده.
(٥) في "معاني الزجاج" ٢/ ٣٩: فرض.
(٦) انتهى من "معاني الزجاج" ٢/ ٣٩.
٢٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية. قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد: الطَّول: الغنى والسعة (١).
وقال الفراء: الطّول: الفضل، يقال: طال عليه يطول طَولًا في الإفضال. ولفلان على فلان طَول، أي: فضل (٢).
وقال ابن المظفر والزجاج: الطول: القُدرة (٣). يقال: فلان ذو طول، أي: ذو قدرة في ماله (٤)، وقيل في تفسير قوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣] ذي القدرة. وهذه الأقوال كلها في المعنى واحد.
وُيراد بالقدرة ههنا القدرة على المهر (٥)، وأصل الطَّول من الطُّول خِلاف القِصَر (٦)، وذلك أن الغني يُنال به معاني الأمور، كالطول في أنه يُنال به ما لا ينال بالقِصَر. واشتقاق الطائل من الطول، يقال للشيء إذا لم يكن ذا مَنٍّ يُرغب فيه: هذا شيء غير طائل (٧).
ومنه:
(١) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ١٥. والأثر عن ابن عباس في "تفسيره" من طريق علي بن أبي طلحة ص ١٤٢، وعن مجاهد في "تفسيره" ١/ ١٥٢، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٥٥، "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
(٢) لم أجده في "معاني القرآن" للفراء، فلعله في كتابه "المصادر" وهو مفقود، وانظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢١٥٦.
(٣) "العين" ٧/ ٤٥٠ (طول)، "معاني الزجاج" ٢/ ٤٠، وانظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢١٥٦.
(٤) في "العين" ٧/ ٤٥٠ دون لفظ: ماله.
(٥) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٤٠، و"تهذيب اللغة" ٣/ ٢١٥٦.
(٦) انظر: "العين" ٧/ ٤٥٠ (طول)، والطبري ٥/ ١٥ - ١٦.
(٧) انظر: "العين" ٧/ ٤٥٠، و"تهذيب اللغة" ٣/ ٢١٥٦.
لقد زادني حبًّا لنفسيَ أَنَّني بغيضٌ إلى كُلِّ امرئ غيرِ طائلِ (١)
وقوله تعالى:. ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ قال ابن عباس وغيره: يريد الحرائر (٢).
فمن فتح الصاد (٣) أراد أنهن أُحصِنّ لحريتهن، ولم تُبتذل كالأَمَة، فهن محصَنات، ومن كسر الصاد (٤) أراد أنهن أحصن أنفسهن لحريتهن، ولم يبرُزن بروزَ الأمة، فهن مُحصِنات (٥).
وتقييد المحصنات ههنا بالمؤمنات، ووصفهن بالإيمان يفيد عند من يقول بالمفهوم أن من وجد طول حرة كتابية لم يكن ممنوعًا عن نكاح الأمَة (٦)، وإنما يُمنع إذا وجد طَول حرة مؤمنة كما ذكر الله تعالى. هذا مذهب أكثر أصحابنا (٧).
ومنهم من يقول: إذا قدر على طَول حرّة كتابية منع من نكاح الأَمَة، كما لو قدر على طول حرة مؤمنة (٨).
(١) البيت للطرماح في "ديوانه" ص ١٠٠، و"الأغاني" ١٢/ ٥٠، و"الحيوان" ٣/ ١١٢، و"الشعر والشعراء" ص ٥٨٥، و"ديوان الحماسة" ١/ ٧٦، و"عيون الأخبار" ٣/ ١١٢، و"الوساطة" ص ٢٤٧، و"المثل السائر" ٢/ ٣٥٣، و"الكشاف" ١/ ٥٣١، و"البحر" ٣/ ٢٠٤.
(٢) "تفسير ابن عباس" ص ١٤٣، وأخرجه الطبري ٥/ ١٧.
(٣) أي من: المحصنات، وهذه قراءة الجمهور.
(٤) قراءة الكسائي.
(٥) في توجيه القراءتين ينظر الطبري ٥/ ١٧ - ١٨.
(٦) أي: المؤمنة.
(٧) انظر "المجموع شرح المهذب" ١٧/ ٣٤٤، وقد رجح هذا القول ابن العربي من المالكية في تفسيره "أحكام القرآن" ١/ ٣٩٣، وانظر: القرطبي ٥/ ١٣٨.
(٨) هذا ما رجحه الشيرازي، انظر: "المجموع" ١٧/ ٣٤٤، والقرطبي ٥/ ١٣٨.
ويُحتمل هذا التقييد على غالب الحال؛ لأنّ الغالب من نكاح المسلمين مناكحة المسلمات، والخطاب ربما يأتي مقيدًا بغالب الحال، فلا يكون له مفهوم يُخالف المنظوم، كقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١]، ثم لم يكن الخوف مشروطًا في جواز القصر، ولكنه نزل على الغالب، وكان الغالب من أسفارهم الخوف، ولهذا نظائر (١).
وقوله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. أي: فليتزوج مما ملكت أيمانكم. قال ابن عباس: يريد جارية أخيك في الإسلام (٢).
ولا يجوز للإنسان أن يتزوج جاريةَ نفسِه بالإجماع (٣)، ومعنى قوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ هو أن يتزوج الرجل ما يملك غيره ممّن يكون على مثل حاله من الإسلام. فأباح أن ينكح بعضنا فتاة بعض، كما فسره ابن عباس.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. الفتيات: المملوكات والإماء. جمع فتاة، تقول العرب للأَمَة: فتاة، وللعبد: فتى (٤).
ورُوي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لا يقولن أحُدكم: عبدي، ولكن لِيَقُل: فتاي وفتاتي" (٥).
(١) هذا الاحتمال يرجح القول الأول.
(٢) بمعناه في "تفسير ابن عباس" ص١٤٣، وأخرجه الطبري ٥/ ١٩ - ٢٠، وانظر "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٣.
(٣) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ١٣٩.
(٤) "معاني الزجاج" ٢/ ٤٠.
(٥) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (٢٢٤٩) كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب، حكم إطلاق لفظة العبد.
وقال ابن السكيت: يقال: (تفتّت) (١) الجارية، إذا راهقت فخُدِرت (٢) ومُنِعت من اللعب مع الصبيان. وقد فتيت تفتيةً.
ويقال للجارية الحَدثة: فتاة، وللغلام: فتى (٣).
أبو عبيد: الفتاء ممدود مصدر الفِتيّ في السن. وأنشد:
إذا عاش الفتى مائتين عامًا فقد ذهب اللذاذة والفَتَاء (٤)
فالفتاة الشابة، والفتاة الأمَة، عجوزًا كانت أو شابة (٥)؛ لأنها كالشابة في أنه لا تُوقر توقير الكبير.
وقوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أفاد هذا التقييد أنه لا يجوز التزوّج بالأَمَة الكِتابية، سواءٌ كان الزوج حرًا أو عبدًا. وهذا قول مجاهد (٦)، وسعيد (٧)، والحسن (٨)، ومذهب مالك (٩)، والشافعي (١٠).
(١) في النسختين: لفتت، والتصويب من "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٣٠ ("فتح الوهاب" للأنصاري).
(٢) أي: ألزمت الخِدر وسُتِرت في البيت. حاشية ٢ من "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٣٠ (فتا).
(٣) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٣٠ (فتا).
(٤) "غريب الحديث" لأبي عبيد ٢/ ٣٣٣، "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٣٠ (فتا)، والبيت للربيع بن ضبع الفزاري كما عند سيبويه ١/ ٢٠٨، "اللسان" ٦/ ٣٣٤٧ (فتا)؛ ونسبه سيبويه مرة أخرى إلى يزيد بن ضبة. انظر: "الكتاب" ٢/ ١٦٢.
(٥) انظر: الطبري ٥/ ١٨.
(٦) "تفسيره" ١/ ١٥٢، والطبري ٥/ ١٨.
(٧) لم أقف عليه.
(٨) أورد الأثر عنه السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٤، وعزاه لابن أبي شيبة.
(٩) خرج قوله الطبري ٥/ ١٨، وانظر: "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ١٩٥، "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ١٤٠.
(١٠) "الأم" ٥/ ٦، وانظر: "أحكام القرآن" للهراسي ٢/ ٢٨٩، "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ١٤٠.
ومذهب أهل العراق أنه يجوز التزّوج بالأمَة الكِتابية (١). والآية حجة عليهم (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾. قال الزجاج: أي: اعملوا على الظاهر في الإيمان فإنكم متعبدون بما ظهر، (والله يتولى السرائر والحقائق) (٣).
وقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾. ذكر أهل المعاني الزجاج وابن الأنباري وغيرهما، فيه وجهين:
أحدهما: كلكم بنو آدم وولده، فلا يتداخلنكم شموخ وأنفَة من تزّوج الإماء عند الضرورة، فإنكم تتساوون في أنكم بنو آدم. فعلى هذا قوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: في النسَب (٤).
والثاني: أن المعنى: بعضكم يوالي بعضًا، ويُلابس بعضًا في ظاهر الحكم، من حيث شملكم الإسلام، فاجتمعتم فيه، وصرتم متكافئين متماثلين بجمع الإسلام لكم، واستوائكم في حكمه. قال الراعي:
فقُلت ما أنا مِمَّن لا يواصِلُني ولا ثَوائِي إلا ريثَ أَحْتَمِلَ (٥)
أي: لا ألابس من لا يواصلني ولا أواليه. والمعنى: دينكم واحد فأنتم متساوون في هذه الجهة، فمتى وقع لأحدكم الضرورة جاز له تزّوج الأمَة (٦).
(١) انظر: الطبري ٥/ ١٨، والقرطبي ٥/ ١٤٠.
(٢) انظر: الطبري ٥/ ١٨ - ١٩.
(٣) "معاني الزجاج" ٢/ ٤٠، وما بين القوسين زيادة على ما فيه.
(٤) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٤١، "زاد المسير" ٢/ ٧٥.
(٥) "ديوانه" ص ١٩٧، "أساس البلاغة" ص ١٨٦ (ريث)، وقافيته في الأساس: أرتحل. ومعنى يواصلني: يوافقنى.
(٦) انظر: "معانى الزجاج" ٢/ ٤١
قال الزجاج: ويُقَوِّي هذا الوجه أنه ذكر ههنا المؤمنات من العبيد (١)
والى هذا أشار ابن عباس في تفسير هذه الآية، فقال: يريد: المؤمنون بعضهم أكفاء لبعض (٢).
قالوا: وإنما قيل لهم ذلك؛ لأن العرب كانت تطعن في الأنساب، وتفتخر بالأحساب، وتُعَيِّر بالهُجنة، وتُسمي ابن الأَمَة الهَجِين، فأعلمَ الله أن أمر العبيد وغيرهم مستوي (٣) في باب الإيمان.
وإنما حرم التزّوج بالأمة إذا وُجد إلى الحرة سبيل لمعنيين:
أحدهما: أن ولد الحُرّ من المملوك (٤) مملوك لسيدها، فلا يجوز له إرقاق ولده ما دام مستغنيًا.
والثاني: أنّ الأَمَة مُستَخدمةٌ في الحاجات، مُمتهنة بكثَرة عِشرة الرجال وذلك شاق على الزوج (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: أي: مهورهن (٦).
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: من غير مَطْل وضِرَار (٧). والإجماع على أن المهر إنما يدفع إلى مولاها؛ لأنه ملكه، وإنما أضيف الإيتاء إليهن؛ لأنه ثمن بُضعهن، وإذا آتى المولى فقد آتاها؛ لأنه وإن آتاها كان لمولاها انتزاعه منها.
(١) "معاني الزجاج" ٢/ ٤١، دون لفظ: ويقوي هذا الوجه.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مستوٍ بحذف الياء.
(٤) هكذا في (أ)، ولعل الصواب: المملوكة.
(٥) من قوله: (قالوا:..) من "معاني الزجاج" ٢/ ٤١ بتصرف يسير.
(٦) الطبري ٥/ ١٩، "الكشف والبيان" ٤/ ٤٠ أ.
(٧) "الكشف والبيان" ٤/ ٤٠ أ.
وقوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ قال ابن عباس وغيره: يريد عفائف (١).
وهو الحال من قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ (٢). وظاهر هذا يوجب أن نكاح الزواني من الإماء حرام.
واختلف الناس في نكاح الزواني من الحرائر، وسنذكر ذلك عند قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣] والأكثرون على أنه يجوز نكاح الزانية، وأن قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣]، منسوخ بقوله. ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] (٣). والذي في هذه الآية محمول على الندب والاستحباب.
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُسَافِحَات﴾ أي: غير زواني (٤).
﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ جمع خِدْن، والخِدنْ والخَدِين الذي يُخادنك يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن، وخِدْن الجارية مُخَدَّنها (٥).
قال قتادة والضحاك وأهل التفسير: المُسافِحة التي تؤاجر نفسها مُعلِنَةً بالزنا. يزنين بمن لقيهن من غير ميعاد، ويَسفحن (٦) مياههن. والتي تتخذ الخِدْن هي التي تزني سرًّا (٧).
(١) من أثر في "تفسير ابن عباس" ص ١٤٣، وأخرجه الطبري ٥/ ٢٠.
(٢) أي: من الهاء والنون هن. انظر: "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٩٥.
(٣) ممن قال بالنسخ سعيد بن المسيب من التابعين. انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص ١٠٠.
(٤) انظر: الطبري ٥/ ١٩، "الكشف والبيان" ٤/ ٤٠ أ.
(٥) "العين" ٤/ ٢٣٢، "تهذيب اللغة" ١/ ٩٩٦ (خدن)، وآخر كلمة جاءت فيهما: مُحدثها، ولعله هو الصواب.
(٦) في (د): (يسفح).
(٧) هذا نحو قول قتادة والضحاك، وقد أخرج الأثرين عنهما الطبري ٥/ ٢٠، وانظر: ابن كثير: ١/ ٥١٨ - ٩٩.
وكانت العرب في الجاهلية يعيبون الزنا العلانية، ولا يكادون يعيبون اتخاذ الأخدان فجاء الله بالإسلام فهدم ذلك، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (١) [الأعراف: ٣٣]، وقال: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.
وقال الشعبي: الزنا على نحوين خبيثين، أحدهما أخبث من الآخر، فأما الذي هو أخبثهما فالسفاح، وهو الفجور بمن أتاها، والثاني: اتخاذ الخدن، وهو الزنا في السر (٢).
قال قتادة: ونهى الله عن نكاح المُسَافِحة وذات الخِدْن (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾. قرئ بالوجهين؛ فمن ضم الألف (٤) فمعناه: أُحصنّ بالأزواج، على معنى: تَزوجْن (٥). قاله ابن عباس، وسعيد ابن جبير والحسن ومجاهد وقتادة (٦).
ومن فتح الألف (٧) فمعناه: أَسلَمْن (٨).
(١) هذا معنى قول لابن عباس أخرجه الطبري ٥/ ١٩ - ٢٠، وانظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٤.
(٢) أخرجه الطبري بنحوه ٥/ ٢٠، وانظر: ابن كثير ١/ ٥١٨.
(٣) بمعناه عن قتادة، وهو جزء من الأثر المتقدم عنه، وقد أخرجه الطبري ٥/ ٢٠.
(٤) هذه القراءة لابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم، وأبي جعفر ويعقوب. انظر "السبعة" ص ٢٣١، "الحجة" ٣/ ١٥١، "المبسوط" ص ١٥٦.
(٥) انظر: الطبري ٥/ ٢١، "الحجة" ٣/ ١٤٨، ١٥١.
(٦) أخرج أقوالهم الطبري ٥/ ٢٣ - ٢٤، وابن كثير ١/ ٥١٩، وقد رجح ابن كثير هذا المعنى.
(٧) هذه القراءة لحمزة والكسائي وخلف. انظر: "السبعة" / ٢٣١، "الحجة" ٣/ ١٥١، "المبسوط" ص ١٥٦.
(٨) انظر: الطبري ٥/ ٢١، "الحجة" ٣/ ١٤٨.
كذلك قال عمر، وابن مسعود، والشعبي وإبراهيم والسدي (١).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ يريد: زنا (٢).
﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: عليهن نصف الحدّ (٣).
والمحصنات ههنا الأبكار اللاتي أحصنهن العفاف (٤)، وحَدُّهن مائة، ويتنصف ذلك في حق الأمَة إذا زنَت (٥). وإن حملنا المحصنات على فوات الزوج لم يَسْهُل؛ لأن حدّهن الرجم، ولا يتنصف الرجم، ولا مدخل له في هذا العبيد (٦). ويقال لم شرط الإحصان في حد الإماء، والإحصان في قوله: ﴿أُحْصِنَّ﴾، و ﴿أَحصنَّ﴾ على اختلاف القراءتين فُسر بالتزوج والإسلام وليس واحد منهما شرطًا في وجوب الحد على الأَمَة إذا زنت؛ فإن الكافرة إذا زنت كان حدها خمسين جلدة، وكذلك الخالية عن الزوج؟
والجواب: أن من فسر الإحصان ههنا بالإسلام قال: إنها إذا كانت كافرة لم يكن عليها سبيل، إلا بأن ترضى بحكمنا. وإذا كانت مسلمة أقمنا عليها الحد، ففائدة ذكر الإسلام راجعة إلى أصل إقامة الحد مع بيان قَدرِه.
(١) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ٢٢ - ٢٣.
(٢) الطبري ٥/ ٢٤، "الكشف والبيان" ٤/ ٤٠ أ.
(٣) انظر: "مجاز القرآن" ١/ ١٢٣، والطبري ٥/ ٢٤.
(٤) لعل قصد المؤلف: الأبكار الحرائر. انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١٢٤، والطبري ٥/ ٢٤، "معاني الزجاج" ٢/ ٤١، والثعلبي ٤/ ٤٠ أ.
(٥) انظر: الطبري ٥/ ٢٤، والثعلبي ٤/ ٤٠ أ.
(٦) انظر "معاني الزجاج" ٢/ ٤١
ومن فسر الإحصان بالتزوّج قال: فائدة ذكره ههنا أن الحرة المحصنة بالزوج حدها الرجم، فقيد الله تعالى حكم الأَمَة عند ذكر الحد بالإحصان، إذ لو نص على غير حالة الإحصان بالنكاح لم يبعد أن يَتوهّم مُتوهِّم وجوب الرجم عليها إذا زنت وهي متزوجة، من حيث لم يكن للرجم نصف، كما استوت الحُرّة والأَمَة في قطع السرقة لَمّا لم يكن للقطع نصف (١).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. الإشارة تعود إلى نكاح الأمَة عند عدم الطول (٢).
وذكرنا معنى العنت والإعنات في اللغة عند قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وقوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]. وفسر العنت ههنا: الزنا في قول ابن عباس وسعيد بن جبير وعطية والضحاك وابن زيد (٣). وبيان هذا ما ذكره المُبرَّد: ذلك لمن خاف أن يحمله شدة الشبَق، والغُلمة على الزنا، فيلقى العذاب العظيم في الآخرة، والحد في الدنيا (٤). وإنما سمي الزنا العَنَت من المشقة في الدنيا والآخرة.
(١) انظر: "زاد المسير" ٢/ ٥٨.
(٢) انظر: الطبري ٥/ ٢٤، "معاني الزجاج" ٢/ ٤٢، والثعلبي ٤/ ٤٠ ب.
(٣) الأثر عن ابن عباس في "تفسيره" ص ١٤٣، وأخرجه عنه وعن الباقين إلا ابن زيد الطبري ٥/ ٢٤ - ٢٥، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٥٨، وقد ذكر أن هذا قول ابن زيد.
(٤) الظاهر أن هذا الكلام ليس للمبرد، فقد قال الزجاج في "معانيه" ٢/ ٤٢: قال أبو العباس -وهو المبرد-: (العنت) ههنا الهلاك، وقال غيره: معناه: ذلك لمن خشى أن تحمله الشهوة.. إلخ نحو ما ذكره المؤلف هنا. والله أعلم. انظر. "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٥٨٥ (عنت).
وقال عطاء: العَنَت المشقة في شدة الغُربة (١). وهذا اختيار الزجاج، قال: العنت في اللغة المشقة الشديدة، يقال: أَكَمةٌ عنوت، إذا كانت شاقّة المَصعد (٢).
قال الأزهري: وهذا الذي قاله أبو إسحاق صحيح، فإذا شقّ على الرجل الغربة (٣) وغلبته الغُلمة، ولم يجد ما يتزوج به حرة، فله أن ينكح أَمَة؛ لأن غلبة الشهوة واجتماع الماء في صُلب الرجل ربما آذى (٤).
وحكى أبو إسحاق، عن بعضهم: قال: معناه أن يعشق الأمَة. قال (٥): وليس في الآية ذكر العشق، ولكن ذا العشق يلقى عنتًا (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. أباح الله تعالى نكاح الأمَة بشرطين: أحدهما: في أول الآية، وهو عدم الطَّول.
والثاني: في آخرها، وهو خوف العنت. ثم قال مع ذلك: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾ يريد: عن تزوج الإماء. قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة (٧).
(١) هكذا هذه الكلمة في (أ)، (د) بالغين المعجمة والراء، وقد تكون: العُزبة، بالعين المهملة والزاي. انظر "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٥٨٥ (عنت).
(٢) "معاني الزجاج" ٢/ ٤٢، إلا أنه ليس فيه كلمة (المصعد)، وقد أثبتها الأزهري في "التهذيب" ٣/ ٢٥٨٥ (عنت)، فقد يكون الواحدي أخذ عن الأزهري، ويؤيده ما بعده.
(٣) هكذا هذه الكلمة في (أ)، (د) بالغين المعجمة والراء، وقد تكون: العُزبة، بالحين المهملة والزاي. انظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٥٨٥ (عنت).
(٤) في (د) أدى. لعل في الكلام سقطًا أو حذفًا، فالظاهر أنه لم يتم الكلام، وفي "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٥٨٥ (عنت) -والكلام للأزهرى- ربما أدى إلى العلة الصعبة.
(٥) أي: أبو إسحاق الزجاج.
(٦) "معاني الزجاج" ٢/ ٤٢.
(٧) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ٢٥ - ٢٦، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٥٩، "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٦.
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ألا يصير الولد عبدًا (١).
٢٦ - قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الآية. اختلفت النحوية (٢) في وجه اللام في قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾.
فقال الفراء: العرب تجعل اللام التي بمعنى (كي) في موضع (أن) في: أردت وأمرت، فتقول: أردت أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك أن تقوم، وأمرتك لتقوم. قال الله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١]، وقال في موضع آخر: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ [الأنعام: ١٤]، وقال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ [الصف: ٨]، و ﴿أَنْ يُطْفِئُوا﴾ [التوبة: ٣٢].
وإنما صلحت اللام في موضع أن في: أمرت وأردت؛ لأنهما يطلبان المستقبل، ولا يصلحان مع الماضي، ألا ترى أنك تقول: أمرتك أن تقوم، ولا يصلح: أمرتك أن قمت. (وكذلك: أردت أن تقوم، ولا يصلح: أردت أن قمت) (٣). فلما رأوا (أن) في غير هذين تكون للماضي وللمستقبل استوثقوا لمعنى الاستقبال بكَي وباللام التي على (٤) معنى كي، (وربما جمعوا بين اللام وكي) (٥) وربما جمعوا بين ثلاثتهن، وأنشد (٦):
(١) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٤٢.
(٢) هكذا في (أ)، (د). ومراده النُّحاة.
(٣) ما بين القوسين ليس في "معاني القرآن" المطبوع لديّ، فقد يكون ساقطًا منه، وهذا يدل على أهمية "البسيط" في تكميل لبعض الناقص من المصادر المتقدمة.
(٤) في "معاني الفراء" ١/ ٢٦٢ بدل على: في.
(٥) ما بين القوسين ليس في "معاني الفراء" المطبوع لديّ.
(٦) عند الفراء: وأنشدني أبو ثروان.
أردت لكيما لَا ترى لي عَثرة ومن ذا (١) الذي يُعطى الكَمال فيكمُلُ (٢)
فجمع بين اللام و (بين) (٣) كي.
وقال الله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣].
وقال الآخر (٤) في الجمع بينهن:
أردتَ لِكَيمَا أنْ تَطِير بِقِربتي فتتركُها شنًّا ببَيْداءَ بَلْقَعِ (٥)
وإنما جمعوا بينهما (٦) لاتفاقهما في المعنى، واختلاف لفظهما (٧).
وأنكر الزجاج أن تقع اللام في معنى (أن)، واستشهد على ذلك بقول الشاعر:
(١) في (أ)، (د): (ذى).
(٢) ينظر: "همع الهوامع" ٢/ ٣٧١، و"خزانة الأدب" ٨/ ٤٨٦، و"اللسان" (أثل)، و"الأمالي" ٢/ ٤٦.
(٣) ليس في (د).
(٤) في (أ)، (د) الآ، فقد يكون سقط آخر الكلمة سهوًا من الناسخ.
(٥) البيت غير منسوب في الطبري ٥/ ٢٧، "الإنصاف" للأنباري ص ٤٦٦. وجاء في حاشيته:.. وشنًا: أي يابسة متخرقة، والبيداء: الصحراء التي يبيد سالكها. أي يهلك، والبلقع الخالية. والشاهد منه أن الشاعر أظهر أن بعد: كي.
(٦) في "معاني الفراء" (بينهن) بالجمع، وكذلك بقية الضمائر.
(٧) "معاني الفراء" ١/ ٢٦١، ٢٦٢، وانظر: "تفسير الطبري" ٥/ ٢٦ - ٢٨، "معاني الزجاج" ٢/ ٣٢، ٤٣،، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٩، "الكشف والبيان" ٤/ ٤٠ ب.
أردت لِكَيما يعلمُ الناس أنها سراويل سعدٍ (١) والوُفود شْهوُد (٢)
فلو كانت بمعنى أن لم تدخل على كي، كما لا يدخل عليها أن.
(ومذهب سيبويه وأصحابه أن اللام فى خلت في هذا وأشباهه على تقدير المصدر، أي: الإرادة للبيان) (٣)، كما قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]، أي: إن كانت عبارتكم للرؤيا، وكذلك قوله: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] أي: الذين هم رهبتهم لربهم (٤).
وأنشدوا لكُثَيّر:
أُريد لأنّسى ذِكرَها فكأنما تَخَيَّل لي ليلى بكل سبيلِ (٥)
أي: إرادتي لهذا.
فأما التفسير، فقال ابن عباس: يريد الله ليبين لكم ما يبعدكم منه ويقربكم إلى طاعته (٦).
(١) في "معاني الزجاج" ٢/ ٤٣: قيس بدل: سعد، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٩. وهو الصواب كما سيأتي في الكلام على البيت.
(٢) البيت لقيس بن سعد بن عُبادة في قصةٍ أوردها المُبَرِّد في "الكامل" ٢/ ١٥٢. خلاصتها: أن ملك الروم بعث رجلًا طويلا إلى معاوية - رضي الله عنه - يتحداه أن يجد أطول منه، وكان قيس بن سعد آيةً في الطول، فبعث إليه معاوية، فلما حضر وعلم الخبر خلع سراويله وأمر الرومي بلبسها فبلغت ثندوته، فخجل الرومي وضحك القوم،
لكن قيسًا ليم على ذلك، فقال أبياتًا هذا مطلعها.
(٣) ما بين القوسين ليس في "معاني الزجاج".
(٤) انتهى من "معاني الزجاج" ٢/ ٤٣ بتصرف.
(٥) "ديوانه" ص ١٠٨، "المحتسب" ٢/ ٣٢، والبيت غير منسوب في "الكشف والبيان" ٤/ ٤١ أ.
(٦) لم أقف عليه، وقد ذكر الثعلبي معناه عن عطاء. انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٤١ أ، "معالم التنزيل" ٢/ ١٩٨.
وقال الكلبي: يريد الله ليبين لكم أن الصبر عن نكاح الإماء خير لكم (١).
وقال غيره: يريد الله أن يبين لكم شرائع دينكم ومصالح أمركم (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد دين إبراهيم وإسماعيل، دين الحنيفية (٣).
وقال الزجاج: أي: يدلكم على طاعته، كما دل الأنبياء والذين اتبعوهم من قبلكم (٤).
وقال مقاتل (٥): ويهديكم سنن الذين من قبلكم من تحريم الأمهات والبنات وكذلك كانت سنّة الذين من قبلكم (٦).
وقال الكلبي: يقول: هكذا حرمت على مَن كان قبلكم من أهل التوراة، والإنجيل، و (الزبور) (٧)، وسائر الكتب (٨). فالبيان على قول هذين خاص في المحرمات وإن عم اللفظ؛ لأن الشرائع مختلفة.
(١) من "الكشف والبيان"٤/ ٤١ أ، وانظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٤٨، "معالم التنزيل" ٢/ ١٩٨، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٢
(٢) قال ذلك الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٤١ أ، لكن فيه: أموركم بدل: أمركم.
(٣) لم أقف عليه
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٣.
(٥) هو مقاتل بن حيان كما في "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٦.
(٦) ذكره بمعناه السمرقندي في "بحر العلوم" ١/ ٣٤٨، وأورده السيوطي بلفظه في "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٦، وعزاه لابن أبي حاتم في تفسيره، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٤١ أ.
(٧) في (أ) كأنها: (الربيون).
(٨) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص٨٢.
وقوله تعالى: ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾. قال ابن عباس: حتى لا تعرفوا غيره ولا تدعوا معه إلهًا آخر (١).
وبيان هذا المعنى ما قاله محمد بن جرير: يعني: يرجع بكم من معصيته التي كنتم عليها (٢) قبل هذا إلى طاعته التي أمركم بها. وإذا فعل بهم ذلك لم يعرفوا غيره إلهًا (٣).
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يُصلحكم في تدبيره فيكم (٤).
٢٧ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد أن يخُرجكم من كل ما يكره إلى ما يُحِب ويرضى (٥).
وقال ابن كيسان: والله يأمركم بما فيه المغفرة لذنوبكم. وقال الزجاج: أي: يدلكم على ما يكون سببًا لتوبتكم التي يغفر لكم بها ما سلف من ذنوبكم (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾. قال ابن عباس: يريد الزنا وما لم يحلّ لكم (٧). وكذلك قال مجاهد: هم الزناة، يريدون أن يزني أهل الإسلام، وهو قوله: ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (٨).
(١) لم أقف عليه. وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٢
(٢) في (أ): (عليه).
(٣) انتهى من "تفسير الطبري" ٥/ ٢٧ بمعناه.
(٤) انظر: الطبري ٥/ ٢٧، "الكشف والبيان" ٤/ ٤١ ب.
(٥) لم أقف عليه، وقد أورد المؤلف هذا التفسير دون نسبة لابن عباس في كتابه "الوسيط" ٢/ ٥٠٨.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٣.
(٧) أخرجه ابن المنذر، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٧.
(٨) الأثر في "تفسير مجاهد" ١/ ١٥٣ مختصرًا، وأخرجه الطبري بنحوه من طرق. "جامع البيان" ٥/ ٢٨، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٦٠، "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٧.
وقال السدي: هم اليهود؛ تقول: نكاح الأخت من الأب حلال (١). وهو قول مقاتل (٢).
وقال ابن زيد: هم جميع أهل الباطل في دينهم (٣). وهذا هو الأظهر من هذه الأقاويل؛ لأنه على معنى العموم الموافق لظاهر اللفظ (٤).
وفي هذا دلالة على أن من اتبع شهوته فيما يحل لا يوصف باتباع الشهوة، ولا يُطلق عليه هذا الوصف؛ لأن الله تعالى أطلق على المُبطِلين ممن يتبعون شهواتهم (فيما) (٥) لا يحل.
والشهوات جمع شهوة، والشهوة في الأصل مصدر شهَيت الشيء أشهى شهوةً فهو شهيّ. ورجل شهوات (٦)، ورجال شَهاوى (٧).
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]. أي: عن الحق وقصد السبيل بالمعصية مخصوصة (٨)، بشّرهم الله بأن إرادته فيهم التوبة. وليس فيها دليل على أنه لا يريد كفر الكافر (٩).
(١) أخرجه الطبري ٥/ ٢٩ بلفظ: هم اليهود والنصارى. وكذلك ابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٧.
(٢) مقاتل بن سليمان في "تفسيره" ١/ ٣٦٨، وانظر "زاد المسير" ٢/ ٦٠.
(٣) أخرجه الطبري ٥/ ٢٩، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٦٠.
(٤) هذا هو اختيار ابن جرير. انظر: "تفسيره" ٥/ ٢٩.
(٥) في (أ): (فيها) بالهاء.
(٦) هكذا في (أ)، (د): بالتاء، ولعل الصواب بالنون (شهوان)، انظر: "تهذيب اللغة" ٦/ ٣٥٥، "اللسان" ٤/ ٢٣٥٤ (شها).
(٧) في (د): (شهاون)، والصواب ما أثبته. انظر المصادر السابقة.
(٨) يبدو أن في الكلام سقطًا. والله أعلم.
(٩) الله سبحانه يريد كفر الكافر قدرًا ولا يريده شرعًا. انظر "مجموع الفتاوى" ٨/ ١٥٩.
٢٨ - قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾. خص بعضهم التخفيف في هذه الآية، فقال: المراد به نكاح الأمَة عند الضرورة. وهو قول مجاهد (١) ومقاتل (٢).
والباقون قالوا: هذا عام في كل أحكام الشرع، وفي جميع ما يَسّره لنا وسهّله علينا إحسانًا منه إلينا، ولم يُثَقِّل التكليف علينا كما ثَقّل على بني إسرائيل بفضله ولُطفه. وعلى العموم دل كلام ابن عباس في تفسيره هذا التخفيف فقال: يريد شدة المئونة يخففها عنكم (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]. قال ابن عباس. يَضعُف عن الصبر عن الجِماع (٤). وبهذا قال أكثرهم.
قال الكلبي وطاوس: لا يصبر عن النساء (٥). وقال ابن كيسان والزجاج: أي: يستميله هواه وشهوته فهو ضعيف في ذلك (٦).
وقال الحسن: هو أنه خلق من ماء مهين (٧).
(١) "تفسيره" ١/ ١٥٣، وأخرج الأثر عنه الطبري ٥/ ٣٠، وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٧.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" ١/ ٣٦٨.
(٣) لم أقف عليه، وأنظر "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٣.
(٤) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ٨٣.
(٥) ذكر قول الكلبي الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٤١ ب. وأخرج الأثر عن طاوس عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١٥٤، والطبري ٥/ ٣٠، وابن المنذر وابن أبي حاتم؛ انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٧.
(٦) انظر "معاني الزجاج" ٢/ ٤٤، "الكشف والبيان" ٤/ ٤١ ب، ٤٢ أ، "زاد المسير" ٢/ ٦٠.
(٧) من "الكشف والبيان" ٤/ ٤١ ب، وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ٦٠؛ وانظر: "تفسير الحسن" ١/ ٢٧١.
٢٩ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. قال أهل المعاني: خص الله تعالى الأكل بالنهي عنه تنبيهًا على غيره؛ لأنه أيضًا لا يجوز جمع المال من الباطل، ولا هِبتُه، ولا التصرف فيه. ولكن المعظم والمقصود من المال الأكل والإنفاق، فنص عليه تنبيهًا على غيره، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ الآية [النساء: ١٠]، وكما يحرم أكل مال اليتيم بالظلم يحرم إنفاقه في غير الأكل.
وقوله تعالى: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ قال ابن عباس: يريد بما لم يحله لكم (١).
وقال الكلبي: يقول: لا تأكلوها إلا بحقها (٢).
قال أصحاب المعاني: الباطل اسم جامع لكل ما لا يَحلّ في الشرع كالربا والغصب والسرقة والخيانة وكل محرم محظور.
نهى بهذه الآية عن جميع المكاسب الباطلة بالشرع.
قال الزجاج: حرم الله عز وجل المال، إلا أن يُؤخذ (٣) على السبيل (٤) الذي ذكر من الفرائض في المواريث والمهور والتسري (٥) والبيع والصدقات التي ذُكرت وجوهها (٦).
ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ وأجمعوا على أن هذا
(١) لم أقف عليه، وقد ذكر المؤلف نحوه في "الوسيط" ٢/ ٥١٠ دون نسبة لأحد.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) في "معاني الزجاج" (يوجد) ولعل المثبت هنا أصوب.
(٤) في "معاني الزجاج" (السبل) بالجمع.
(٥) في (أ)، (د) والشرى، انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٤٤.
(٦) انتهى من "معاني الزجاج" ٢/ ٤٤
استثناء منقطع؛ لأن التجارة عن تراض ليست من أكل المال بالباطل (١).
واختلف القراء في التجارة فرفعها بعضهم (٢)، على معنى إلا أن يقع تجارة (٣).
ومن نصب (٤) فعلى تقدير: إلا أن تكون التجارةُ تجارة (٥)، كما قال:
أعينَيّ هَلّا تبكيان عِفاقًا (٦) إذا كان طَعنًا بينهم وعناقًا (٧)
أو يكون على حذف المضاف بتقدير: إلا أن تكون الأموال أموال تجارة، ثم تحذف المضاف وتُقيم المضاف إليه مقامه (٨).
والاختيار الرفع لمعنيين: أحدهما: أن الرفع أدل على انقطاع الاستثناء، وأن الأول محرّم على الاطلاق، والثاني: أن من نصب أضمر التجارة، فقال: معناه: إلا أن تكون التجارة تجارة. والإضمار قبل الذكر ليس بقوي، وإن كان جائزًا (٩)، ومعنى قوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ هو أن يكون عليه، فذلك باطل لم يدخل فيما أباحه الله من البيع (١٠).
(١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٥١٠، "الحجة" ٣/ ١٥٢، "الكشف والبيان" ٤/ ٤١ أ.
(٢) هذه القراءة لأبي جعفر ونافع وابن كثير وأبي عمرو ابن عامر ويعقوب، انظر: "الحجة" ٣/ ١٥٢، "المبسوط" ص ١٥٦.
(٣) انظر: "الطبري" ٥/ ٣١.
(٤) قراءة عاصم وحمزة والكسائي وخلف، انظر "الحجة" ٣/ ١٥٢، "المبسوط" ص ١٥٦.
(٥) "الحجة" ٣/ ١٥٢، والطبري ٥/ ٣١.
(٦) في (د): (عباقا).
(٧) انظر: "جامع البيان" ٣/ ١٣٢.
(٨) "الحجة" ٣/ ١٥٢.
(٩) هكذا في (أ).
(١٠) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٥١٠. وابن جرير الطبري اختار خلاف رأي المؤلف ومال إلى قراءة النصب، هذا وإن كان كل من القراءتين صوابًا جائزًا القراءة بهما. انظر: الطبري ٥/ ٣١ - ٣٢.
وقال عطاء في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ يعني: ليس فيها شيء من الربا (١)
وذلك أن البيع إذا قُصد به الربا قلّ ما يقع التراضي به، وإذا لم يوجد التراضي لم يحلّ.
وذهب كثير من أهل التأويل إلى أن التراضي في التجارة أن يكون خيار المتبايعين باقيًا إلى أن يتفرقا عن المجلس (٢).
وهذا قول شريح (٣)
وابن سيرين والشعبي (٤)، ومذهب الشافعي (٥)، ويدل على هذا ما روي أن النبي - ﷺ - قال: "ألا لا يتفرقَنّ بيعان إلا عن رضى" (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، أي: لا يقتل بعضكم بعضًا.
(١) لم أقف عليه.
(٢) انظر الطبري ٥/ ٣٢، "الكشف والبيان" ٤/ ٤٢ ب.
(٣) هو أبو أمية شُرَيح بن الحارث بن قيس الكوفي القاضي الشهير، يقال إنه حكم سبعين سنة وهو ثقة، وقيل إن له صحبة، وكان قائفًا شاعرًا، مات سنة ٧٨ هـ وقيل بعدها. انظر "مشاهير علماء الأمصار" ص ٩٩، "سير أعلام النبلاء" ٤/ ١٠٠، "التقريب" ص ٢٦٥ رقم (٢٧٧٤).
(٤) أخرج قول شريح والشعبي الطبري ٥/ ٣٢ - ٣٣، أما ابن سيرين فهو الراوي عن شريح كما في الطبري.
(٥) انظر: "الأم" ٣/ ٤، "سنن الترمذي" ٣/ ٥٣٩.
(٦) أخرجه الطبري من حديث أبي قلابة ٥/ ٣٤ وهو مرسل؛ لأن أبا قلابة تابعي كما نبه على ذلك أحمد شاكر -رحمه الله- وعزاه أيضا للبيهقي في "السنن الكبرى" وقد أخرج أبو داود (٣٤٥٨) كتاب البيوع، باب: في خيار المتبايعين حديث أبي هريرة ولفظه: لا يفترقن اثنان إلا عن تراض ٣/ ٧٣٧، وأخرج الترمذي (١٢٤٨) كتاب البيوع، باب: ٢٧؛ وقال: حيث غريب، والطبري ٥/ ٣٤.
وهذا قول عطاء (١)، والحسن (٢)، والكلبي (٣)، والزجاج (٤)، والأكثرين (٥)
وإنما قال: (أنفسكم) لأنهم أهل دين واحد، فهم كالنفس الواحدة، فجرى على قول العرب: قتلنا وربّ الكعبة. إذا قتل بعضهم؛ لأن قتل بعضهم كالقتل لهم (٦).
وذهب قوم إلى أن هذا نهي للإنسان عن قتل نفسه، فقال أبو عبيدة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لا تهلكوها (٧).
ويؤيد هذا حديث عمرو بن العاص (٨)، وهو أنه احتلم في بعض أسفاره، وخاف الهلاك على نفسه من الاغتسال، فتيمم وصلى بأصحابه، فلما رجع ذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: أشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فتيممت وصليت، فضحك رسول الله - ﷺ -، ولم يقل شيئًا (٩).
(١) هو عطاء بن أبي رباح وقد أخرج الأثر عنه الطبري ٥/ ٣٥.
(٢) من "الكشف والبيان" ٤/ ٤٢ ب، وانظر "زاد المسير" ٢/ ٦١، "تفسير الحسن" ١/ ٢٧٢.
(٣) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٣
(٤) في "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٤.
(٥) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١١٩، والطبري ٥/ ٣٥، و"بحر العلوم" ١/ ٢٤٩، والثعلبي ٤/ ٤٢ ب، و"زاد المسير" ٢/ ٦١.
(٦) انظر: "الطبري" ٥/ ٣٥، "بحر العلوم" ١/ ٣٤٩.
(٧) "مجاز القرآن" ١/ ١٢٤، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٦١.
(٨) هو أبو عبد الله عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي، تقدمت ترجمتة
(٩) أخرجه الإمام أحمد ٤/ ٢٠٣، والبخاري تعليقًا بصيغة التمريض ١/ ٤٥٤ كتاب التيمم، باب: ٧ إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت.....، وأبو داود =
والقول الأول أظهر، وهذا الثاني يدخل تحت دلالة الأول؛ لأنه إذا حرم عليه قتل غيره من أهل دينه؛ لأنه بمنزلة نفسه، فقد حرم عليه قتل نفسه.
٣٠ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ الآية. كان ابن عباس يقول: الإشارة تعود إلى كل ما نُهي عنه من أول سورة النساء إلى هذا الموضع (١). فعلى هذا الوعيد راجع إلى جميع المحرمات السابقة في هذه السورة.
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أفي كل ذلك؟ قال: لا، ولكن في قتل النفس (٢). فالوعيد على قول عطاء خاص في قتل النفس المُحرمة، ووجهه أنه يرده إلى أقرب مذكور إليه (٣).
وقال قوم: الوعيد راجع إلى أكل المال بالباطل وقتل النفس المحرمة، فالوعيد بكل واحدة من الخصلتين. وهذا اختيار الزجاج، قال: وعد الله عز وجل على أكل المال ظلمًا، وعلى القتل عدوانًا النار. قال: ومعنى العدوان أن يعدوا ما أُمِر به (٤).
والأظهر هذا القول؛ لاتصال الوعيد بذكر النهي عن الأمرين.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ يقال: يسر الشيء فهو
= (٤٣٤) كتاب الطهارة، باب: إذا خاف الجنب البرد، أيتيمم؟ والثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٤٢/ ب، والمؤلف في "الوسيط" ٢/ ٥١٣.
(١) انظر: "زاد المسير" ٢/ ٦٢، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٣.
(٢) أخرجه بمعناه الطبري ٥/ ٣٦، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" ٢/ ٢٦٠.
(٣) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤١٠.
(٤) "معاني الزجاج" ٢/ ٤٤. لكن آخر كلام الزجاج: وعلى القتال النار.
يسير، وهو ضد عسير (١). ومعناه أنه قادر على المتوعد لا يتهيأ له الامتناع منه ولا الهرب عنه فيتعذر الإيقاع به (٢).
٣١ - قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية. الاجتناب والتجنّب والمجانبة المُباعدة عن الشيء وتركه جانبًا (٣)، قال:
وقالت تَجَنَّبنا ولا تَقْرَبنَّنا فَكَيف وأنتم حاجَتِي أَتَجَنَّبُ (٤)
وسنذكر هذا ملخصًا عند قوله: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] إن شاء الله.
واختلفوا في الكبائر ما هي؟ فروى عبد الله بن عمرو (٥) أن رسول الله - ﷺ - قال: "الكبائر: الإشراك بالله، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين، وقتال النفس" (٦).
وروى أبو هريرة عنه - ﷺ - أنه قال: "الكبائر أولهن الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم بِدارًا أن يكبَروا، وفرارٌ يوم الزحف، ورمي المحصنة، والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة" (٧).
(١) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٤٥.
(٢) انظر: "الطبري" ٥/ ٣٦.
(٣) انظر: "اللسان" ٢/ ٦٩٢ (جنب).
(٤) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري في "ديوانه" ص ٤٤، وبلا نسبة في "الأغاني" ١٨/ ٢٧٨، و"الحماسة" ٢/ ١٠٣، ومنسوبًا في "وفيات الأعيان" ٦/ ٣٥٢.
(٥) هو أبو محمد أو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي صحابي فاضل، أسلم قبل أبيه وكان عالمًا بالقرآن والكتب المتقدمة ومن كتاب رسول الله - ﷺ - ويعد من العبادلة الفقهاء، توفي -رحمه الله- سنة ٦٥هـ.
انظر: "أسد الغابة" ٢/ ٣٤٨، "سير أعلام النبلاء" ٣/ ٨٠، "الإصابة" ٢/ ٣٥١.
(٦) أخرجه البخاري (٦٦٧٥) كتاب الإيمان والنذور، باب: اليمين الغموس.
(٧) أخرجه بمعناه البخاري (٢٧٦٦) كتاب الوصايا، باب: ٢٣ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ ٣/ ١٩٥، ومسلم (٨٩) كتاب الإيمان، باب: =
وقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: كل شيء عُصِي اللهُ فيه فهو كبيرة، فمن عمل منها شيئًا فليستغفر الله، فإن الله لا يُخلّد في النار من هذه الأمة إلا راجعًا عن الإسلام، أو جاحد فريضة، أو مكذبًا بقدر (١).
وقال في رواية علي بن أبي طلحة: هي كل ذنب ختمه الله عز وجل بنار، أو غصب، أو لعنة، أو عذاب (٢).
وهذا قول الحسين (٣) وسعيد بن جبير والضحاك. قالوا: كل مما جاء في القرآن مقرونًا بذكر الوعيد فهو كبير، نحو قتل النفس المحرمة، وقذف المحصنة، والربا، والزنا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف (٤).
وروى السدي، عن أبي مالك، قال: ذكروا الكبائر عند عبد الله بن مسعود، فقال عبد الله بن مسعود: افتتحوا سورة النساء، فكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثين آية (٥) فهو كبيرة.
= بيان الكبائر ١/ ٩٢ (ح ١٤٥). وأخرجه بهذا اللفظ الثعلبي -شيخ المؤلف- في "الكشف والبيان" ٤/ ٤٤، ٤٥.
(١) أخرجه من أوله إلى قوله: فهو كبيرة الطبري ٥/ ٤١. وقد ضعف هذا القول ابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ٦٦.
(٢) "تفسير ابن عباس" ص ١٤٤، وأخرجه ابن جرير ٥/ ٤١.
(٣) هكذا والظاهر أن الصواب: الحسن. انظر: "زاد المسير" ٢/ ٦٦، وابن كثير ١/ ٥٣١.
(٤) أخرجه عن سعيد بن جبير والضحاك بمعناه دون التمثيل بقتل النفس وما بعده من الطبري ٥/ ٤٢، وانظر "زاد المسير" ٢/ ٦٢.
(٥) في (أ): (أنه)؛ ولعله تصحيف، فهو مخالف للآثار الواردة.
ثم قال: مصداق ذلك: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية (١) وإلى هذا القول ذهب مقاتل (٢).
والصحيح أنه ليس لها حدّ يعرفه العباد وتتميّز به من الصغائر تميُّزَ إشارة، ولو عُرف ذلك لكانت الصغائر مباحة، ولكن الله تعالى يعلم ذلك وأخفاه عن العباد، ليجتهد كل أحد في اجتناب ما نهى عنه رجاء أن يكون مجتنب الكبائر. ونظير هذا في الشريعة إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات، وليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة.
يؤكد هذا ما رُوي عن ابن جبير أنه قال: سأل رجل ابن عباس عن الكبائر أسبع هي؟ قال: هي إلى السّبعمائة أقرب، إلا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار (٣).
وقال السدي: الكبائر ما رآه الناس بينهم فاحشة قبيحة. وذهب في هذا إلى معنى اللفظ، وذلك أن حقيقة الكبائر ما كَبُر وعظُم من الذنوب. قاله الزجاج (٤).
وقوله تعالى: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. السيئات المكفّرة باجتناب الكبائر هي ما دون الكبائر، والمعاصي مما يجتمع في عمله أهل الصلاح وأهل الفسق، مثل النظرة والكذبة واللمسة والقُبلة، وأشباه ذلك. وهذه تقع
(١) أخرجه من طريق السدي الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٤٥ أ، ب، وأخرجه من طرق أخرى بنحوه الطبري ٥/ ٣٧، وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد بلفظ قريب من هذا اللفظ. انظر "الدر المنثور" ٢/ ٢٦٠.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" بن سليمان ١/ ٣٦٩، "بحر العلوم" ١/ ٣٤٩.
(٣) أخرجه الطبري ٥/ ٤١، وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٦١.
(٤) "معانى القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٥.
مكفّرةً بالصلوات الخمس، فقد قال - ﷺ -: "الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت (١) الكبائر" (٢) (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. وقرئ (مَدخلا) (٤) بفتح الميم. وهو بعد قوله: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ﴾ محتمل أمرين: أحدهما: أن يكون مصدرًا وتضمر له فعلًا دلّ عليه الفعل المذكور، وانتصابه بذلك الفعل المضمر. والتقدير: وندخلكم فتدخلون مَدْخَلًا.
والثاني: أن يكون مكانًا، كأنه قال: وندخلكم مكانًا. وهو على هذا التقدير منتصب بهذا الفعل المذكور (٥).
ومن قرأ بضم الميم جاز أن يكون مكانًا، وأن يكون مصدرًا، فإن جعلته مصدرًا جاز أن تريد مفعولًا محذوفًا من الكلام، كأنه: وندخلكم الجنة مدخلًا كريمًا، أي إدخالًا كريمًا (٦).
والأشبه على القراءتين أن يكون مكانًا؛ لأن المفسرين قالوا في قوله: ﴿مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾: هو الجنة (٧)، ولأنا رأينا المكان وصف بالكريم،
(١) في (أ): (ما اجتنب).
(٢) هذه الكلمة ليست في (د).
(٣) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر" (٢٣٣) كتاب الطهارة، باب: ٥ الصلوات الخمس.
(٤) هذه القراءة لأبي جعفر ونافع. انظر: "الحجة" ٣/ ١٥٣، "المبسوط" ص ١٥٦، "النشر" ٢/ ٢٤٩.
(٥) الوجهان لهذه القراءة من "الحجة" ٣/ ١٥٣، ١٥٤ بتصرف.
(٦) انظر: "الحجة" ٣/ ١٥٤.
(٧) انظر: "الطبري" ٥/ ٤٥ - ٤٦
وهو قوله: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦]، فوصف المكان بالكريم، فكذلك يكون قوله: ﴿مُدْخَلًا﴾ يراد به المكان مثل المقام.
ويجوز أن يكون المراد به الدخول أو الإدخال؛ فإن (١) كان قد وصف بالكريم، ويكون المعنى: دخولًا تكرمون فيه، خلاف من قيل فيهم: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٤] الآية (٢).
ومعنى الكريم: الشريف الفاضل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ١٣] أي أفضلكم، وقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] أي شرفناهم وفضلناهم، ومنه قوله: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] أي فضلت. وزدنا بيانًا لمعنى الكريم في سورة الأنفال، عند قوله: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤].
٣٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. التمني في اللغة: تقدير ما يحب على جهة الاستمتاع به. وقد مضى القول فيه عند قوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨].
قال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله: يغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث، فليتنا كنا رجالًا، فجاهدنا وغزونا، وكان لنا مثل أجر الرجال. فنزلت هذه الآية (٣).
(١) في "الحجة" ٣/ ١٥٤ - والكلام من قوله: والأشبه- له وجاء هذا الحرف (وإن) وهو أصوب.
(٢) انتهى من "الحجة" ٣/ ١٥٤.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١٥٦، والترمذي (٣٠٢٢) كتاب تفسير القرآن، باب: ٥ من سورة النساء، وقال: هذا حديث مرسل، والطبري ٥/ ٤٦ - ٤٧، والحاكم في "المستدرك" ٢/ ٣٠٥، والمؤلف في "أسباب النزول" ص ١٥٤.
وهذا قول أكثر المفسرين. قالوا: وفي هذه الآية: أن يتمنى أحد مال غيره ومنزل غيره، فإن ذلك هو الحسد. وقد جاء: لا يتمنين أحدكم مال أخيه، ولكن ليقل: اللهم ارزقني، اللهم أعطني مثله (١).
وهذا النهي نهي تحريم عند أكثر العلماء. وليس لأحد أن يقول: ليت مال فلان لي، وانما يجوز أن يقول: ليت مثله لي (٢).
وقال الفراء: هذا نهي أدب وتنزيه، دون تحريم (٣).
والصحيح هو الأول؛ لأنه لا يُعدل بصيغة النهي عن معناه إلا بقرينة.
وقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾. قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ يريد الجهاد، وما لا يصلح للنساء. ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ يريد حفظ فروجهن، وطاعة (زوجهن) (٤)، وحفظه إذا غاب، وترقع وتصنع في بيتها، نظرًا منها لزوجها مثل العجين والطبيخ وما يصلح في معايشه، ولها في ذلك ثواب عظيم (٥). فالنصيب على هذا معناه الثواب، أي لكل واحد من الفريقين حظ من الثواب.
(١) ذكر هذا الأثر الفراء في "معاني القرآن" ١/ ٢٦٥، وقد ورد بلفظ مقارب منسوبًا لابن عباس والكلبي. انظر: الطبري ٨/ ٢٦١، "بحر العلوم" ١/ ٣٥٠، "الكشف والبيان" ٤/ ٤٨ ب.
(٢) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٣٨ ب.
(٣) انظر: "معاني القرآن" ١/ ٢٦٤.
(٤) في (د): (أزواجهن) بالجمع.
(٥) لم أقف عليه، وقد ذكره المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٥٢٤ دون نسبة، وثبت عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: يعني ما ترك الوالدان والأقربون: يقول: للذكر مثل حظ الأنثيين. "تفسير ابن عباس" ص ١٤٥، والطبري ٥/ ٤٩.
وقال قتادة ومقاتل والسدي: قالت الرجال: إنا لنرجو أن نُفَضَّل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فُضِّلنا عليهن في الميراث، فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء. وقالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة، كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا.
فأنزل الله عز وجل: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ من الثواب والعقاب ﴿وَلِلنِّسَاءِ﴾ كذلك (١). فسوى بين الفريقين في الثواب والعقاب، واستحقاقهم إياهما بالاكتساب.
ولأصحاب المعاني في هذا وجه آخر: يقول: لكل فريق من الرجال والنساء نصيب مما اكتسب من نعيم الدنيا، فينبغي أن يقنع به رضًى بما قسم الله له، ولا يتمنى مال غيره.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
أي إن احتجتم إلى ما لغيركم (وأجبكم) (٢) أن يكون لكم مثل ما له فاسألوا الله أن يعطيكم مثل ذلك من فضله (٣).
وقال رسول الله - ﷺ -: "سلوا الله من فضله، فإنه يحب أن يُسأل" (٤).
(١) أخرج الأثر عن قتادة الطبري ٤٧ - ٤٨ بنحوه وذكر الأثر عنه وعن السدي الثعلبى في "الكشف والبيان" ٤/ ٤٨ ب، وانظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" ١/ ٣٦٩، "الدر المنثور" ٢/ ٢٦٧.
(٢) ورد في الأصل، ولعله تصحيف من الناسخ والصواب (أحبيتم).
(٣) انظر: "النكت والعيون" ١/ ٤٧٨.
(٤) أخرجه الترمذي (٣٥٧١) كتاب الدعوات، باب: في انتظار الفرج وغير ذلك، وتكلم في إسناده، والطبري ٥/ ٤٩، وفيه ضعف وانظر: "ضعيف الجامع" ٣/ ٢٢١.
قال أبو علي: (من) في قوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ في موضع المفعول الثاني في قول أبي الحسن، ويكون المفعول الثاني محذوفًا في قياس قول سيبويه، والصفة قائمة مقامه (١)؛ كأنه قيل: واسألوا الله نعمه وفضله.
٣٣ - وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية. أراد: ولكل واحد من الرجال والنساء، جعلنا موالي.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: أي عصبة (٢).
وقال السدي: أي ورثة (٣).
ومضى الكلام في المولى، واشتقاقه في اللغة.
وقوله تعالى: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن (من) في قوله (مما) متعلق بمحذوف، ذلك المحذوف من صفة المولى، كأنه قيل: لكل جعلنا ورثة يرثون، أو يُعطَون مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له. والوالدان والأقربون على هذا هم الذين ماتوا وورثهم المعني بقوله. ﴿وَلِكُلٍّ﴾، والألف واللام في الوالدان والأقربون بدل عن الكناية، كأنه قيل: مما ترك والداه وأقربوه، كقوله: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١] أي مأواه.
(١) "الحجة" ٢/ ٢١٤.
(٢) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ٥٠ - ٥١، وأخرج قولًا لابن عباس كقول السدي الآتي وأن المراد الورثة، ونسب هذا القول لهم جميعًا الماوردي في "النكت والعيون" ١/ ٤٧٩، وانظر: "الدر المنثور" ٢/ ٥٠٩.
(٣) أخرجه الطبري ٥/ ٥١ بلفظ: هم أهل الميراث، وورد نحوه عن ابن عباس انظر: الطبري ٥/ ٥٠، والقولان متقاربان، وقد رجح الماوردي الثاني، انظر: "النكت والعيون" ١/ ٤٧٩.
الثاني: أن قوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ في صفة (موالي) (١)، أي: موالي ممن تركهم وخلّفهم الميت، ثم فسر الموالي فقال: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي هم هؤلاء. و (ما) على هذا القول بمنزلة (مَن)، والوالدان والأقربون هم الوارثون. وعلى هذا القول يحتمل أن يكون المعنى: ولكل شخص جعلنا ورثةً ممن تركهم والداه وأقربوه، أي: تشعبت العصبة والورثة عن الوالدين والأقربين (٢).
والوالدان والأقربون (٣) مرتفعة بالفعل الذي هو الترك.
وعلى القولين اللذين ذكرنا يجوز أن يُعنى بقوله: (ولكل) المال والميراث فيكون المعنى على القول الأول: ولكل مال وميراث مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي، أي عصبة وورثة يرثونه، وعلى هذا يكون قد فصل بين الصفة والموصوف بقوله: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾. وعلى القول الثاني يكون المعنى: ولكل مال مما ترك الميت جعلنا ورثة، ثم ابتدأ (فقال) (٤): ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي هم هؤلاء، وقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ فاصل أيضًا، وجملة هذا أنك إذا فسرت الكل بالشخص كان (من) في قوله (مما) متعلقًا بمحذوف، أو صفة لموالي، وإن (فسرته) بالمال كان في صفة (لكل)، مفصولًا بينه وبين الموصوف بقوله: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾، فتدبّره تفهم إن شاء الله.
(١) في (أ): (موال).
(٢) انظر "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤١٢، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٩٦، "الكشف والبيان" ٤/ ٤٩ أ، "غرائب التفسير" ١/ ٢٩٤، "البيان" ١/ ٢٥٢.
(٣) في (د): (والأقربين).
(٤) ليس في (د).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. هم الحلفاء (١) في قول الجميع (٢). ويجوز أن يُعطف على: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (٣) فيكون حكم الحُلفاء كحكم الوالدين والأقربين، في كونهم وارثين أو موروثين، على ما بينّا.
وقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. الكناية تعود إما إلى الموالي، أو إلى الوالدان والأقربون والحلفاء إذا جعلناهم وارثين، إلا أن المفسرين يحملون قوله: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ على الابتداء، ولا يعطفونه (٤) على ما قبله.
قالوا: وكان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل، ويقول له: دمي دمك، ويرثني وارثك، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسِلمي سِلمك فلما قام الإسلام جعل للحليف السدس (٥).
واختلف القراء في قوله: ﴿عَاقَدَت﴾، فقرأ أهل الكوفة (عَقَدَتْ) (٦) بالتخفيف من غير ألف.
(١) في (د): (الخلفاء)، وما أثبته هو الصواب.
(٢) انظر "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١١٩، الطبري ٥/ ٥١ - ٥٢، "معاني الزجاج" ٢/ ٤٦، "بحر العلوم" ١/ ٣٥١، "الكشف والبيان" ٤/ ٤٩ ب.
(٣) ممن قال بجواز العطف العكبري في "إملاء ما من به الرحمن بهامش الفتوحات الإلهية" ٢/ ٢٣٩، وقد استبعد أبو حيان هذا الوجه. انظر: "البحر المحيط" ٣/ ٢٣٨، "الدر المصون" ٣/ ٦٦٩.
(٤) في (أ): (ولا يعطونه).
(٥) انظر: "جامع البيان" ٥/ ٥١ - ٥٦، "معاني الزجاج" ٢/ ٤٦، "بحر العلوم" ١/ ٣٥١، "الكشف والبيان" ٤/ ٤٩ ب.
(٦) لعاصم وحمزة والكسائي وخلف. انظر: "الطبري" ٥/ ٥١، "الحجة" ٣/ ١٥٦، "المبسوط" ص ١٥٦، "النشر" ٢/ ٢٤٩.
والباقون (عَاقَدَت) بالألف (١). وهذا أشبه بهذا المعنى؛ لأن لكل نفر من المعاقدين يمينًا على المُخالفة (٢)، وجعل الأيمان في اللفظ هي المعاقدة، والمعنى على الحالفين الذين هم أصحاب الأيمان، فالمعنى: والذين عاقدت حلفهم أيمانُكم. حذف الذكر للعائد (٣) من الصلة إلى الموصول. وهؤلاء الذين قرأوا في المفاعلة حملوا الكلام على المعنى، حيث كان من كل واحد من الفريقين يمين.
ومن قرأ (عَقَدَتْ) كان المعنى: عقدت حلفَهم أيمانكم، كالأول، إلا أنهم حملوا على لفظ الأيمان، لأن الفعل لم يُسند إلى أصحاب الأيمان في اللفظ، إنما أُسنِد إلى الأيمان (٤).
والأيمان ههنا يحتمل أن يكون جمع يمين من اليد، ويحتمل أن يكون من القَسَم، وذلك أنهم كانوا يضربون صفقة البيعة بأيمانهم ويأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد، ويتحالفون عليه أيضًا (٥).
وقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. أي حظهم من الميراث. عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وعامر والضحاك (٦). ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥].
(١) انظر المصادر السابقة.
(٢) في (د): (المحالفين).
(٣) في (د): (العائد).
(٤) انتهى توجيه القراءتين من "الحجة" ٣/ ١٥٦، ١٥٧ بتصرف، وانظر: الطبري ١/ ٥١.
(٥) من "الكشف والبيان" ٤/ ٤٩ أ - ب بتصرف.
(٦) أخرج الآثار عنهم إلا عامرًا الطبري ٥/ ٥٢ - ٥٣، وعامر هذا لعله الشعبي، وقد يكون تصحف عن عكرمة، فقد أخرج له الطبري أثرًا يدل على قوله بذلك. وانظر: ابن كثير ١/ ٥٣٤ - ٥٣٥.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد السراج، أخبرنا أبو الحسن الكارزي، أخبرنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء الخرساني، عن ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُم﴾ قال: كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل، يقول: يرثني وارثك، نسختها ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] (١).
وقال مجاهد في هذه الآية: كان حلف في الجاهلية، فأُمِروا أن يُعطوهم نصيبهم من المشورة والنصر والرفد، ولا ميراث (٢).
وعلى هذا لا يكون في الآية نَسخٌ لقوله عز وجل: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ولما رُوي أنه - ﷺ - قال يوم فتح مكة: "ما كان من حِلف في الجاهلية فتمسّكوا به؛ فإنه لم يزده الإسلام إلا شِدّة. ولا تُحدثوا حلفًا في الإسلام" (٣)، وقال - ﷺ -: "شهدت حلف المطيبين (٤) وأنا غلام مع عمومتي،
(١) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٢٢٦، وجاء نحوه عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة في "تفسيره" ص ١٤٥، وأخرجه الطبري ٥/ ٥٢.
(٢) بنحوه في "تفسيره" ١/ ١٥٤، وأخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٢٢٥، والطبري ٥/ ٥٤ بلفظ قريب من هذا اللفظ، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٤٩ ب.
(٣) هذا حديث مركب من حديثين أخرجهما الطبري، الأول -عن طريق قيس بن عاصم- قال - ﷺ -: "ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإسلام". والثاني -من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده- أن رسول الله - ﷺ - قال في خطبته يوم فتح مكة: "فوا بحلف، فإنه لا يزيده الاسلام إلا شدة، ولا تحدثوا حِلفا في الاسلام" "جامع البيان" ٥/ ٥٥ - ٥٦.
(٤) هو حلف اجتمع فيه بنو هاشم وبنو زهرة وتيم في دار ابن جدعان وتحالفوا على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم. "المستدرك" ٢/ ٢٢٠ حاشية (١).
فما أحب أن لي حُمر النَّعم وأني أنكثُه" (١).
وقال سعيد بن المسيب في هذه الآية: إنما أنزل الله ذلك في الذين كانوا يتبنّون أبناء غيرهم وُيوَرِّثونهم، فأنزل الله فيهم أن يُجعل لهم نصيب من الوصية، ورد الميراث إلى الموالي من ذوي الرحم والعصبة، وأبى الله أن يجعل للمدّعَين (٢) ميراثًا ممن (٣) ادعاهم، ولكن جعل لهم نصيبًا من الوصية مكان ما تعاقدوا عليه في الميراث الذي رد عليهم فيه أمرهم (٤).
وبمثل هذا قال الحسن (٥)، واختار (٦) ابن كيسان، فقال في قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: هم (٧) الأدعياء، وكان لهم ميراث الأولاد، فلما نزلت المواريث لم يذكروا فيها، فأوصى الله بهم (٨).
فقد حصل في قوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ ثلاثة أقوال، الأول: من الميراث، ثم نُسخ. والثاني: من النصر، والثالث: من الوصية، ولم ينسخ على هذين.
(١) الحديث من رواية عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - أخرجه الإمام أحمد ١/ ١٩٠، والطبري ٥/ ٥٦، والحاكم في "المستدرك" ٢/ ٢٢٠، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر: "صحيح الجامع" ٣/ ٢٣٠.
(٢) في (د): (للموصين).
(٣) في (د): (من).
(٤) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٢٢٧، والطبري ٥/ ٥٥، وأورده الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٥٠ أ، وانظر: "المسير" ٢/ ٧٢.
(٥) لم أقف عليه، وقد أخرج الطبري عن الحسن خِلافه وأن المراد بالآية الحُلفَاء الذين يتوارثون في الجاهلية فنسخ الله ذلك. انظر: الطبري ٥/ ٥٢.
(٦) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: واختاره.
(٧) في (د): (هي).
(٨) لم أقف على قول ابن كيسان هذا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾. قال عطاء: يريد: لم يغب عنه علم ما خلق وبرأ (١).
٣٤ - قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾. قال المفسرون: لطم رجل امرأته فجاءت إلى النبي - ﷺ - تطلب القصاص فنزلت هذه الآية (٢).
ومعنى ﴿قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾: متسلطون (٣) على تأديبهن والأخذ فوق أيديهن (٤).
قال ابن عباس: يعني أمِّروا عليهن، فعلى المرأة أن تطيع زوجها في طاعة الله (٥).
والقوّام المبالغ في القيام، يقال: هذا قَيِّم المرأة وقوّامها، الذي يقوم بأمرها ويحفظها (٦). أنشد الزجاج:
الله بيني وبين قيِّمها يفرّ مني بِهَا وأتَّبِعُ (٧)
(١) لم أقف عليه.
(٢) ورد في ذلك آثار عن التابعين كالحسن وقتادة، ومن بعدهم كالسدي وابن جريج ومقاتل والكلبي. انظر: "الطبري" ٥/ ٨٥، "بحر العلوم" ١/ ٣٥١، "الكشف والبيان" ٤/ ٥٠، "أسباب النزول" للمؤلف ص ١٥٥ - ١٥٦، وذكر السيوطي بعض هذه الآثار في "لباب النقول" ص ٦٨، وقال عَقِبها: فهذه شواهد يقوي بعضها بعضًا. وانظر "الدر المنثور" ٢/ ٢٧٠.
(٣) هذه الكلمة غير واضحة تمامًا، وكأنها: يُسَلّطون والمعنى واحد، وفي "الوسيط" للمؤلف ٢/ ٥٢٧، جاءت هذه الكلمة: مُسلطون.
(٤) انظر: "الطبري" ٥/ ٥٧، "الكشف والبيان" ٤/ ٥٠ ب.
(٥) بنحوه ثابت عن ابن عباس في "تفسيره" ص ١٤٦، وأخرجه الطبري ٥/ ٥٧، وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" (٢٧١)، "تحقيق المروي عن ابن عباس" ١/ ٢٤٦.
(٦) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٥٠ ب
(٧) "معاني الزجاج" ٢/ ٤٧، والبيت للأحوص بن محمد الأنصاري كما في "الشعر =
قالوا: وليس بين الزوج والمرأة قصاص إلا في النفس والجرح.
وقال الزهري: لا قصاص بينهما إلا في النفس، فأما في الجِراحة فالدية ولا قِصاص (١).
وكان النبي - ﷺ - أوجب القصاص على الزوج باللّطْم، فلما نزلت هذه قال: "أردنا أمرًا وأراد الله أمرًا، والذي أراد الله خير" ورفع القصاص (٢).
وقوله تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. قال ابن عباس: يريد الله بما فضل الله الرجال على النساء (٣).
قالوا: بالعقل والعلم والعزم والقوة في التصرف والجهاد والشهادة والميراث (٤).
= والشعراء" لابن قتيبة ص ٣٤٥، وقد استشهد به ابن جني في "الخصائص" ٢/ ١٢٨ دون نسبة، والبيت في الغزل. وانظر: "غرائب التفسير" ١/ ٢٩٥.
(١) معنى الأثر عنه أخرجه الطبري ٥/ ٥٨، وابن المنذر، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٧١.
(٢) أخرجه بنحوه من حديث علي - رضي الله عنه - ابن مردويه.
انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٧٠، وابن جرير عن الحسن مرسلًا ٥/ ٥٨، والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٧٠ - ٢٧١، وذكره بهذا اللفظ عن مقاتل الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٥٠ أ، والمؤلف في "أسباب النزول" ص ١٥٥ - ١٥٦.
(٣) الأثر الوارد عن ابن عباس: فضله عليها بنفقته وسعيه، أخرجه الطبري ٥/ ٥٩ من طِريق ابن أبي طلحة، أي فضل الرجل على المرأة، فلعل المؤلف أراد معنى قول ابن عباس. وأخرج هذا الأثر ابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٧١.
(٤) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٤٧، "بحر العلوم" ١/ ٣٥١، "الكشف والبيان" ٤/ ٥٠ ب، "زاد المسير" ٢/ ٧٤.
وقوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. يريد المهور والإنفاق عليهن، فالرجل له الفضل على امرأته بما ساق إليها من المهر وبما أنفق عليها من ماله (١).
وقوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾. قال المفسرون: مطيعات لأزواجهن (٢). وأصل القنوت دوام الطاعة (٣).
وقال الزجاج: قيمات بحقوق أزواجهن (٤).
وظاهر هذا إخبار، وتأويله الأمر لها بأن تكون طائعة (٥). ولا تكون المرأة صالحة إلا إذا كانت مُطيعةً لزوجها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ أي: الصالحات من اللواتي يُطِعن أزواجهن.
والقنوت لفظ الطاعة. وهو عام في طاعة الله، وطاعة الزوج (٦).
وقوله تعالى: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾.
قال ابن عباس: يعني لا تدخل منزله من يكره، ولا تُوطئ فراشه أحدًا غيره، وتحفظه في نفسها وفيما يحق له بما استودعها الله (٧).
وقال قتادة وعطاء وسفيان (٨): أي حافظاتٌ لما غاب عنه أزواجهن
(١) انظر: الطبري ٥/ ٥٧، "معاني الزجاج" ٢/ ٤٧.
(٢) انظر: "تفسير ابن عباس" ص ١٤٦، "تفسير مجاهد" ١/ ١٥٥، الطبري ٥/ ٥٩، "بحر العلوم" ١/ ٣٥٢، "الكشف والبيان" ٤/ ٥١/ أ.
(٣) انظر: الطبري ٥/ ٥٩، "تهذيب اللغة" ٣/ ٣٠٥٤، "مقاييس اللغة" ٥/ ٣١ (قنت).
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٧.
(٥) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ١٧٠.
(٦) انظر: "الطبري" ٥/ ٥٩، "بحر العلوم" ١/ ٣٥٢.
(٧) لم أقف عليه.
(٨) لم يتبين هل هو سفيان الثوري أو سفيان بن عيينة، والراوي عن سفيان هنا هو ابن المبارك كما عند الطبري ٥/ ٦٠، وابن المبارك يروي عن الرجلين، انظر "سير أعلام النبلاء" ٧/ ٢٣٥، ٨/ ٤٥٦.
من المال، وما يجب من ضيافة (١) نفسها له (٢).
وقال أبو روق (٣): يعني يحفظن فروجهن في غيبة أزواجهن (٤).
والغيب ههنا مصدر بمعنى المفعول، وهو المَغِيب عنه.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. قال المفسرون: أي بما حفظهن الله في إيجاب المهر والنفقة لهن، وإيصاء الزوج بهن. ومعنى هذا أن الله راعاهن في حقوقهن وأوصى بهن إلى الأزواج، فعليهن في مقابله الحفظ للغيب وطاعة الله والزوج (٥).
وما في قوله: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى الذي، والعائد (إليه) (٦) من الصلة محذوف، على تقدير: بما حفظ الله لهن، ويكون (ما) عبارة عما راعى الله لهن من حقوقهن.
ويحتمل أن يكون (ما) غير موصول، بمعنى المصدر، أي بحفظ الله (٧)، وعلى هذا التقدير يحتمل معنيين آخرين: أحدهما: أنهن حافظات
(١) هكذا في (أ)، (د) بالضاد المعجمة والفاء الموحدة، ولعل الصواب: صيانة (بالصاد والنون) كما في "زاد المسير" ٢/ ٧٥.
(٢) أخرج أقوال الثلاثة بنحو ذلك الطبري ٥/ ٥٩ - ٦٠، وانظر "زاد المسير" ٢/ ٧٥، وابن كثير ١/ ٥٣٧، "الدر المنثور" ٢/ ٢٧٢.
(٣) هو عطية بن الحارث الهمداني الكوفي، مفسر مشهور، تقدم.
(٤) أورده المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٥٣٠، ولم أقف عليه، وهو نحو قول السدى وغيره كما أخرج ذلك الطبري ٥/ ٦١، وانظر: "معالم التنزيل" ٢/ ٢٠٧.
(٥) انظر: "معاني الفراء" ١/ ٢٦٥، "معاني الزجاج" ٢/ ٤٧، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤١٣، "بحر العلوم" ١/ ٣٥٢، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٠٧.
(٦) في (د): (إلى الله).
(٧) انظر: "معاني الفراء" ١/ ٢٦٥، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤١٣ - ٤١٤، =
للغيب بحفظ الله إياهن، أي لا يتيسر لهن حفظ الغيب إلا بتوفيق الله، وأن يحفظهن الله حتى لا يضيعن، فيكون هذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول (١).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾. قال ابن عباس: يريد تعلمون نشوزهن (٢).
قال الفراء: وهو كالظن؛ لأن الظانّ كالشاكّ والخائف قد يرجو، فلذلك ضارع الخوف الظن والعلم، ألا ترى أنك تقول للخبر يبلغك: أما والله لقد خِفت ذاك، وأنشد:
أتاني كلامٌ عن نُصيبٍ يَقولُه وما خِفْت يا سلَّام أنك عائِبِي (٣)
كأنه قال: وما ظننت أنك عائبي (٤).
ومضى الكلام في الخوف بمعنى العلم.
ويحتمل أن يكون الخوف ههنا الذي هو ضد الأمن، كأنه قيل: تخافون نشوزهن لعلمكم بالأحوال المؤذية (٥) به (٦).
= "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٩٧، "الكشف والبيان" ٤/ ٥١ أ، "الدر المصون" ٣/ ٦٧١.
(١) الوجه الثاني من قوله: وأن يحفظهن الله..، وقد أشار إلى الوجهين السمين في "الدر المصون" ٣/ ٦٧١.
(٢) أشار إلى قول ابن عباس هذا ابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ٧٥. وانظر: "معاني الفراء" ١/ ٢٦٥، "بحر العلوم" ١/ ٣٥٢.
(٣) البيت لأبي الغول -علباء بن جوشن من بني قطن بن نهشل- انظر: "النوادر في اللغة" لأبي زيد ص ٤٦، "الشعر والشعراء" ص ٢٧٨، وهو في "الطبري" ٥/ ٦١ غير منسوب.
(٤) "معاني القرآن" ١/ ٢٦٥، ٢٦٦، وانظر: "الطبري" ٥/ ٦١، "زاد المسير" ٢/ ٧٥.
(٥) هكذا في (أ)، وفي (د) بدون إعجام الياء، فتمد تكون: (المؤذنة)، وهو الأرجح.
(٦) انظر: الطبري ٥/ ٦٢.
قال محمد بن كعب (١) (٢): والنشوز ههنا معصية الزوج في قول الجميع (٣).
قال عطاء: هو أن لا تتعطّر له وتمنعه من نفسها، وتتغيّر عن أشياء كانت تفعلها به وعما كان يستلذ منها (٤).
وأصل النشوز الترفع على الزوج بالخلاف، من قولهم: نشز الشيء، أي ارتفع، ومنه يقال للمرتفع من الأرض نشز (٥).
وقوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾. قال الكلبي: فعظوهن بكتاب، وذكروهن اللهَ وما أمرهن به (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال أبو زيد: هَجر الرجل هجرًا إذا تباعد ونأى (٧).
وقال ابن المظفر: الهَجْر من الهجران وهو ترك ما يلزمك تعاهدُه (٨).
(١) هو أبو حمزة محمد بن كعب بن سليم بن أسد القُرَظي المدني من ثقات وعلماء التابعين، وهو من الصالحين والمشاهير في التفسير ومن المكثرين منه، وقد أخرج حديثه الجماعة، توفي -رحمه الله- سنة ١٢٠هـ.
انظر: "تاريخ الثقات" ٢/ ٢٥١، "التقريب" ص ٥٠٤ رقم (٦٢٥٧).
(٢) أخرج الأثر عنه الطبري ٥/ ٦٤.
(٣) انظر: "الطبري" ٥/ ٦٢ - ٦٣.
(٤) الذي عند الطبري ٥/ ٦٣ عن عطاء: النشوز أن تحب فراقه، والرجل كذلك.
(٥) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١١٩، الطبري ٥/ ٦٢، "معاني الزجاج" ٢/ ٤٧، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٥٧٢ (نشز).
(٦) ذكره المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٥٣١ دون نسبة للكلبي، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٤.
(٧) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٧١٧ (هجر).
(٨) انظر: "التهذيب" ٤/ ٣٧١٨ (هجر).
قال ابن عباس وعكرمة والضحاك والسدي: المراد بالهجر ههنا أن يهجر كلامها، فلا يكلمها في المضجع (١).
قال ابن عباس: الهَجر أن لا يجامعها، ويوليها ظهره على الفراش، (ولا يكلمها) (٢) (٣).
وقال الشعبي ومجاهد وإبراهيم: المراد به هجر المضاجعة (٤)، يقول: فرِّقوا بينكم وبينهن في المضاجع.
وهذا اختيار أبي إسحاق؛ لأنه قال في قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: أي في النوم معهن والقرب منهن، فإنهن إن كن يحببن أزواجهن شق عليهن الهجران في المضاجع، وإن كن مبغضات وافقهن ذلك، فكان ذلك دليلًا على أن النشوز منهن (٥).
وروى أبو الضحى (٦) ومسروق عن ابن عباس، قال: هذا كله في
(١) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ٦٣ - ٦٤، وانظر: "معالم التنزيل" ٢/ ٢٠٨، "زاد المسير" ٢/ ٧٦، "الدر المنثور" ٢/ ٢٧٧.
(٢) تكررت هذه الكلمة في (د).
(٣) أخرجه الطبري ٥/ ٦٣ بمعناه
(٤) الأثر عن مجاهد في "تفسيره" ١/ ١٥٦، وأخرجه عن الثلاثة الطبري ٥/ ٦٤، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٧٦.
(٥) "معاني الزجاج" ٢/ ٤٧.
(٦) هو مسلم بن صبيح الهمداني الكوفي العطار، مشهور بكنيته، تابعي ثقة فاضل، أخرج له الجماعة، توفي -رحمه الله- سنة مائة للهجرة. انظر: "تاريخ الثقات" ٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤، "سير أعلام النبلاء" ٥/ ٧١، "التقريب" ص ٥٢٨ رقم (٦٦٠١).
المضجع، إذا هي عصت أن تضطجع معه (١). والمعنى على هذا: واللاتي تخافون نشوزهن في المضاجع فعظوهن واهجروهن واضربوهن.
والمضاجع جمع المضجَع، وهو الموضع الذي يُضطجع عليه. وذكرنا ذلك فيما تقدم.
وذهب الكلبي وسعيد بن جبير إلى أنّ قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾ من الهجر الذي هو بمعنى القبيح من الكلام، يريد عنّفوهن وغلّظوا في القول لهن (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. يعني ضربا غير مبرح بإجماع (٣).
قال ابن عباس: أدبًا بمثل اللكزة (٤).
قال القُرخي، عن علي - رضي الله عنه -: يعظُها بلسانه، فإنْ انتهت فلا سبيل له عليها، وإن أَبَت هَجَر مضجعًا، فإن أَبَت ضربها، فإن أبت أن تتّعظ بالضرب بُعِثَ الحكمان (٥). فللزوج أن يتلافى نشوز امرأته بما أذِنَ الله له
(١) الأثر عن أبي الضحى أخرجه الطبري ٥/ ٦٤، وسنده صحيح. انظر: "تحقيق المروي عن ابن عباس" ١/ ٢٧٠. لكن لفظه: أنها لا تترك في الكلام ولكن الهجران في أمر المضجع فكأنه مناقض لنص المؤلف، لا سيما عند النظر إلى ما وجه المؤلف المعنى بعد هذا الأثر. وأخرج الأثر أيضًا ابن أبي شيبة انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٧٧، أما عن مسروق فلم أقف عليه.
(٢) لم أقف عليه، وانظر: "القرطبي" ٥/ ١٧١.
(٣) انظر: الطبري ٥/ ٦٧ - ٧٠، والقرطبي ٥/ ١٧٢، ١٧٣.
(٤) أخرج ابن جرير ٥/ ٦٨ عن عطاء قال: قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرح؟ قال: السواك وشبهه يضربها به، وفي إسناده ضعف، انظر: "تحقيق المروي" عن ابن عباس، أما بهذا اللفظ عند المؤلف فلم أقف عليه. وانظر: القرطبي ٥/ ١٧٢.
(٥) لم أقف عليه.
فيه. وكان رسول الله - ﷺ - قال: "لا تضربوا إماءَ الله" (١).
ونهى عن ضرب النساء حتى ذَئِر النساء على أزواجهن (٢)، فشكوا إلى رسول الله - ﷺ -، ونزلت الآية في ضربهن (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾. أي فيما يُلتَمس منهن. وقال السدي: أتينَ فُرشَكم (٤).
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾. قال ابن عباس: لا تتجنّوا عليهن العِلَل (٥).
وقال عطاء: يريد ليس لك عليها سبيل في هجرها في المضجع، ولا في ضربها (٦).
وقال الكلبي وسفيان بن عيينة: لا تُكلِّفوهن الحبّ لكم (٧).
وقال الزجاج: لا يطلب عليهن طريق عنت (٨). وهذا جامع للأقوال
(١) أخرجه الشافعي في "الأم" ٥/ ١٩٣، وأبو داود (٢١٤٦) كتاب النكاح، باب: في ضرب النساء، وابن ماجة (١٩٨٥) كتاب النكاح، باب: ضرب النساء.
(٢) أي نَشزن ونَفرن وتغير خُلقهن واجْتَرأن عليهم. انظر "اللسان" ١٤٨١ (ذَئِر).
(٣) هذا نحو كلام لعمر بن الخطاب عقب الحديث المرفوع المتقدم. انظر "الأم" ٥/ ١٩٣، "سنن أبي داود" (٢١٤٦)، "سنن ابن ماجة" (١٩٨٥).
(٤) لم أقف عليه، وأخرج الطبري ٥/ ٧٠ نحوه عن الثوري.
(٥) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ٧٦، وأخرجه الطبري عن قتادة ٥/ ٧٠. والمعنى: لا تتعدوا عليهن بنسبة علل لهن ليست فيهن، فإن ذلك جناية.
(٦) لم أقف عليه.
(٧) عن الكلبي انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٤، أما عن سفيان فأخرجه الطبري ٥/ ٧٠ بنحوه، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٥١ ب، والبغوي ٢/ ٢٠٨، و"زاد المسير" ٢/ ٧٦.
(٨) "معاني الزجاج" ٢/ ٤٨.
كلها
٣٥ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾. قال ابن عباس: يريد علمتم (١). وذكرنا الخوف بمعنى العلم آنفًا.
قال الزجاج: (خفتم) ههنا بمعنى: (أيقنتم) خطأ (٢)؛ لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم يُحتج (٣) إلى الحكمين، وإنما يُخاف الشقاق (٤).
وليس الأمر على ما قال أبو إسحاق؛ فإن الخوف ههنا بمعنى العلم صحيح، وكذلك يجب أن يكون؛ لأن بعثة الحكمين إنما تكون إذا علمنا شقاقًا بينهما، ولكن لا نعلم أيهما المتعدي الظالم، فيُبعث الحكمان ليتعرفا ذلك، وقبل وقوع الشقاق ليس حاله بعثة الحكمين. فقول أبي إسحاق: (لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم يُحتج إلى الحكمين) وهم؛ لأنا نحتاج إلى الحكمين في هذه الحالة، وحيث نعلم المُشَاقّ بين الزوجين من هو لم يُحتج إلى الحكمين.
ولم يفصل الزجاج بين الحالتين، والذي في الآية إذا علمنا شقاقًا بينهما، ولم نعلم من أيهما ذلك الشقاق، وكلام ابن عباس شديد (٥)
(١) لم أقف عليه، وذكره المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٥٣٢، دون نسبة لابن عباس ونسبه ابن الجوزي إلى أبي سليمان الدمشقي. انظر: "زاد المسير" ٢/ ٧٧.
(٢) عبارة الزجاج في "معانيه" ٢/ ٤٨: قال بعضهم: (خفتم) ههنا في معنى: أيقنتم؛ وهذا خطأ.
(٣) عند الزجاج في "المعاني": لم يجنح.
(٤) "معاني الزجاج" ٢/ ٤٨.
(٥) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: سديد بالسين المهملة.
والمنِكر وَاهِم.
والشقاق: العداوة والخلاف، كالمشاقّة. واشتقاقه من أن المشاقين (١) كل واحد منهما في شق غير شق صاحبه (٢).
والمعنى: شقاقًا بينهما، فأضيف المصدر إلى الظرف، وإضافة المصادر إلى الظروف جائزة، لحصولها فيها، كقولك: يعجبني صوم يوم عرفة، وسير الليلة المقمرة (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾. قال سعيد بن جبير والضحاك: المأمور ببعث الحكمين السلطان الذي يترافع الزوجان فيما شجر بينهما إليه (٤).
والحكم بمعنى الحاكم، وهو المانع من الظلم (٥)، ومنه المثل السائر: في بيته يُؤتى الحكم (٦).
قال ابن عباس: يريد من أهل الفضل (٧).
يعني أن الحكم يجب أن يكون فاضلًا، يعرف ما لأحد الزوجين على
(١) في "معاني الزجاج" ٢/ ٤٨ المتشاقين.
(٢) من "معاني الزجاج" ٢/ ٤٨ بتصرف يسير، وانظر الطبري ٥/ ٧٠.
(٣) انظر: "الطبري" ٥/ ٧٠، "الدر المصون" ٣/ ٦٧٣.
(٤) أخرج الأثر عنهما الطبري ٥/ ٧١، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٧٧، "الدر المنثور" ٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٨٨٧ (حكم).
(٦) "الأمثال" لأبي عبيد ص ٥٤، "مجمع الأمثال" للميداني ٢/ ٤٤٢.
(٧) لم أقف عليه، وانظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٥٢، و"القرطبي" ٥/ ١٧٥، و"ابن كثير" ٢/ ٥٣٩.
الآخر، ويعرف أحكام العِشرة (١).
وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِهِ﴾، و ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾. أي من أقارب هذا وأقارب تلك.
قال ابن عباس: فإذا التقى الحكمان قال أحدهما للآخر: ادخل على قريبتك، فقل لها تخبرك الذي نقمت على زوجها، وقل لها: ألك فيه حاجة؟، وإلا فنحن ندخل فيما بينكما حتى يفارقك، وإن كان لك به حاجة فنحن نرده إلى ما تحبين.
ويقول الآخر لصاحبه: القَ قريبَك، فقل له: ألك في أهلك حاجة؟. فيخلو حَكَمُ الرجل بصاحبه، فيقول (٢): أخبرني ما في نفسكَ، أتهواها أم لا؟ فإني لا أدري ما أقول في أمركَ، حتى أستطلع رأيكَ. فإن كان الرجل كارهًا قال: لا حاجة لي فيها، خُذ لها مني ما استطعت وفرِّق بيني وبينها. فيعرف عند ذلك أن النشوز جاء من قبله. وإن قال: إني أهواها، فأرضِها من مالي بما أرادت، ولا تفرِّق بيني وبينها، علم أنه ليس بناشز.
ويخلو حكم المرأة بالمرأة، فيقول: أعلميني ما في نفسك، أتهوَين زوجكِ أم لا؟ فإني لا أدري ما أقول في أمركِ حتى أستَطلع رأيكِ فيه، فإن كانت هي الناشزة، قالت: أنشدك الله أنْ تُفرِّق بيني وبينه، أعطه ما أراد من مالى، فلا حاجة لي فيه. فإذا قالت ذلك علم أنها ناشزة. وإن لم تكن ناشزة، قالت: إني أهواه، ولكني أستزيده في نفقتي، فعِظه وحُثّه عليّ بخير، فإنه إليّ مسيء.
فإذا كان النشوز من قبل المرأة أقبلا عليها، فقالا لها: يا عدو الله،
(١) انظر المراجع السابقة.
(٢) في (د): (فيقول له).
أنتِ العاصية الظالمة لزوجك، المسيئة لنفسكِ، فوالله لا ينفق عليكِ أبدًا ولا يجامعك، حتى ترجعي عن فعلك وتفيئي إلى الله، فلا يأتيها زوجها ولا ينفق عليها حتى ترجع إلى الحق. وإن كان النشوز من قبل الرجل أقبلا عليه، فقالا: أنت العاصي لله المبغض لامرأتك، الظالم لنفسك، نفقتها عليك أبدًا ما دامت، ولا تدخل لها بيتًا، ولا ترى لها وجهًا، حتى تفيء إلى أمر الله وترجع عما أنت عليه. ثم يأخذانه بنفقتها ما دام على حاله حتى يرجع، فإذا رجع جَمَعَا بينه وبينها (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ﴾ بين الزوج والمرأة.
فالكناية في ﴿بَيْنِهِمَا﴾ تعود على الزوجين. وأجاز بعضهم فيما حكاه ابن حبيب (٢) أن تعود الكناية على الحكمين (٣). فيكون المعنى: يوفق الله صلاحًا للزوجين بين الحكمين (٤).
ومذهب عمر - رضي الله عنه - أيضًا هذا، وهو أن المعني بإرادة الإصلاح الحكمان.
وقد رُوي أنه بعث حكمين بين زوجين فرجعا وأخبراه أن الزوجين لم يصطلحا، فعلاهما بالدرّة وقال: لو أردتما إصلاحًا وفق الله بينهما.
(١) أخرجه بمعناه مختصرًا الطبري ٥/ ٧٣ من طريق ابن أبي طلحة وهو في "تفسير ابن عباس" / ١٤٧. وقد ذكره السمرقندي في "بحر العلوم" دون نسبة لابن عباس بلفظ مقارب. انظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٥٢، القرطبي ٥/ ١٧٥. وقد جاء نحوه عن السدي. انظر: الطبري ٥/ ٧١.
(٢) الماوردي في "النكت والعيون" ١/ ٤٨٤.
(٣) هذا رأي جمهور المفسرين، انظر: الطبري ٥/ ٧٦ - ٧٧، "زاد المسير" ٢/ ٧٧.
(٤) انظر: "النكت والعيون" ١/ ٤٨٤
فرجعا وأخلصا، فإذا الزوجان قد أغلقا الباب دونهما واصطلحها (١)
وهذه القصة تُقوي عود الكناية إلى الزوجين. هذا إذا أراد الحكمان إصلاحًا ورأيا ذلك.
فإن أدى اجتهادهما إلى التفريق، فقد اختلف العلماء في ذلك:
فمذهب عثمان وعلي رضي الله عنهما وسعيد بن جبير والشعبي والسدي وإبراهيم وشريح: أن لهما التفريق بينهما بالطلاق إن رأياه؛ لأن التحكيم توكيل (٢).
قال عبيدة السلماني: شهدت عليًا - رضي الله عنه - وجاءته امرأة وزوجها، مع كل واحد منهما فِئَامٌ من الناس، فقال: ما شأنهما؟ فأُخْبِرَ بالشقاق بينهما، فقال: ابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، ثم قال للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما. فقالت المرأة: رضيتُ بما في كتاب الله عليّ ولي (٣). وقال الزوج: أما الفُرقة فلا. فقال علي: كذبتَ حتى تُقِرّ بمثل الذي أقرت (٤) به (٥).
(١) لم أقف عليه.
(٢) انظر: "الطبري" ٥/ ٧٣ - ٧٥، و"القرطبي" ٥/ ١٧٦.
(٣) هنا عبارة (وقال ولي) وهي زياجة من الناسخ على الأغلب.
(٤) في (أ): أقرب بالباء الموحدة وهو تصحيف ظاهر. والصواب بالتاء المثناة كما في (د)، "الكشف والبيان" يأتي.
(٥) أخرجه الشافعي في "الأم" ٥/ ١٩٥، وقال الشافعي -رحمه الله-: حديث علي ثابت عندنا، والطبري ٥/ ٧١، وعبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١٥٨، والثعلبي ٤/ ٥١ ب، وعزاه السيوطى إلى عبد الرزاق في "المصنف" وسعيد بن جبير وعبد =
والظاهر من هذا الكلام أن عليًا - رضي الله عنه - رأى الفُرقة من غير رضا الزوج، ولذلك قال: كذبت، ولم يقل: فلا أبعث الحكمين حتى ترضى.
وإذا تعذر تنفيذ العقد بأحكامه فالوجه رفعه، وهذا هو الظاهر الصحيح من مذهب الشافعي -رحمه الله- الذي نص عليه في كتاب الطلاق من أحكام القرآن (١)، وهو اختيار المزني (٢) (٣).
وقال الحسن: الحكمان يحكمان في الاجتماع ولا يحكمان في الفرقة إلا بأمرهما (٤). وهذا أحد قولي الشافعي، وقد نص عليه في "المُختصر"، وقال: لا بد من توكيل الزوج في الطلاق؛ لأنّ الطلاق إلى الأزواج (٥).
قال الزجاج: وحقيقة أمر الحكمين أنهما (٦) يقصدان الإصلاح،
= بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٧٩.
(١) انظر: "الأم" ٥/ ١٩٥، و"أحكام القرآن" للشافعي جمع البيهقي ١/ ٢١٢، و"ابن كثير" ١/ ٥٣٩.
(٢) هو أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو المزني المصري، تلميذ الإمام الشافعي، إمام علامة رأس في الفقه الشافعي وله المختصر مشهور متداول، قال الشافعي: المزني ناصر مذهبي، توفي -رحمه الله- سنة ٢٦٤ هـ. انظر "طبقات الفقهاء" للشيرازي ص١٠٩، "سير أعلام النبلاء" ١٢/ ٤٩٢، "طبقات الشافعية" للأسنوي ١/ ٢٨.
(٣) "مختصر المزني" ص ١٨٦.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١٥٩، والطبري بمعناه ٥/ ٧٢، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٨.
(٥) انظر: "مختصر المزني" ص ١٨٦.
(٦) فى (د): (أن).
وليس لهما طلاق، وإنما عليهما أن يُعَرِّفا الإمام حقيقة ما وقفا عليه؛ فإن رأى الإمام أن يُفرِّق فرّق، وإن رأى أنْ يجمع جمع، وإن وكّل الحكمين بتفريق أو جمع فهما بمنزلته.
والذي فعله عليّ رحمه الله من قوله: وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، تولية منه إياهما ذلك (١).
وقوله تعالى: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (٢) معنى التوفيق في اللغة هو تيسير وَفق الشيء، وهو ما يوافقه، أي يساوي حَالَته، ويقال: حَلوبَة فلان وَفق عياله، أي يخرج من لبنها ما يكفي عياله، على معنى أن ذلك مساوٍ لقدر حاجته (٣).
قال الراعي:
أما الفقير الذي كانت حَلُوبته وَفقَ العِيَال فلم يُترك له سَبَدُ (٤)
فالموافقة المواساة (٥) في أمر من الأمور. والتوفيق بين النفسين إصلاحٌ بينهما لمساواة فيه. وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦]، أي: على وَفق أعمالهم.
(١) انتهى من "معاني الزجاج" ٢/ ٤٩ بتصرف يسير.
(٢) (بينهما) ليست في (أ).
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٩٢٧، "اللسان" ٨/ ٤٨٨٤ (وفق).
(٤) "ديوانه" ص ٦٤، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٩٢٧، "اللسان" ٨/ ٤٨٨٤ (وفق). ومعنى: حلوبته: قيل: معيشته وقيل حمولته، والسبَّدَ يطلق على المال وعلى ذوات الشعر من البهائم. انظر "اللسان" ٤/ ١٩١٨ (سبد). والشاهد أن وفق الشيء ما يساوي حالته أو يكفيه.
(٥) لعلها المُساواة
الليث يقول: لا يتوفق عبدٌ حتى يوفقه الله، وإن فلانًا موفّق رشيد (١).
ووَفق كل شيء ما يكون متفقًا معه، كقوله:
يَهوِين شَتَّى ويقَعنَ وفْقًا (٢)
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾. قال ابن عباس: يريد: عليمًا بما في قلوبهم من المودة، وخبيرًا بما يكون إذا هو طلّقها من وُجْدِه عليها، أو وُجدِها عليه (٣).
٣٦ - وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. قال الزجاج المعنى: أوصاكم الله بعبادته، وأوصاكم بالوالدين إحسانًا (٤).
وقال الفراء: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا. أمرهم بالإحسان (٥).
قال ابن عباس: يريد البِرّ بهما مع اللطف ولين الجانب، ولا يُغلظ لهما الجواب، ولا يُحدّ إليهما النظر، ولا يرفع صوته عليهما، كما قال الله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] يكون بين أيديهما ذليلًا مثل العبد بين يدي السيد الفظّ الغليظ، تذلّلًا لهما مع المحبة (٦).
(١) "العين" ٥/ ٢٢٦، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٩٢٧ (وفق).
(٢) "العين" ٥/ ٢٢٦، وانظر: "لسان العرب" ٨/ ٤٨٨٤ (وفق).
(٣) لم أقف عليه، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٤
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٩.
(٥) "معاني القرآن" ١/ ٢٦٦، وعبارته: أمرهم بالإحسان إلى الوالدين. وفي "زاد المسير" ٢/ ٧٩: قال الفراء: أغراهم بالإحسان إلى الوالدين.
(٦) لم أقف عليه.
﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾، القربى مصدر كالقرابة (١)، ومثله البُشرى والرُّجعى.
قال ابن عباس: يصله ويعطف عليه (٢). وقال الزجاج: أمر الله: عز وجل بالإحسان إلى ذوي القرابة بعد الوالدين (٣).
﴿وَالْيَتَامَى﴾، قال ابن عباس: يرفق بهم ويدنيهم ويمسح رأسهم.
﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾، قال: يريد: بَذْلُ يسر، أو ردّ جميل (٤).
﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾، قال عامة المفسرين: يعني القريب في النسب، الذي يبنك وبينه قرابة، وله حقوق؛ حق القرابة وحق الجوار وحق الإسلام (٥).
ودل كلام الزجاج على أنه أراد بالقُربى ههنا قرب الدار والمعرفة والاختلاط، لأنه قال: هو الذي يقاربك ويعرفك (٦). ويُقوي هذا أنه قابله بالجار الغريب في قوله: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾، فكما أن الغريب لا يعرفك لبعد داره فالجار ذي القربى هو الذي يعرفك لقرب داره وأرضه من دارك وأرضك (٧).
(١) انظر: الطبري ٥/ ٧٧.
(٢) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٤
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٥٠.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) انظر: الطبري ٥/ ٧٨، "بحر العلوم" ١/ ٣٥٣، "الكشف والبيان" ٤/ ٥٢/ أ، "النكت والعيون" ١/ ٤٨٥.
(٦) "معانى القرآن وإعرابه" ٢/ ٥٠.
(٧) عبارة الزجاج في "معانيه" ٢/ ٥٠: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ والجار القريب المتباعد. واستشهد على ذلك بيت من الشعر هو:
فلا تحرمنّي نائلًا عن جَنَابة فإني امرؤٌ وسط القباب غريبُ
وسيأتي.
والذي عليه المفسرون هو الأول.
وقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾.
الجنب نعت على فعل، مثل: (أُحُد) في: ناقةٌ أُحُد، وبابٌ غُلُق (١)، وقارورةٌ فُتُح. وأصله من الجنابة ضدّ القرابة، وهو البُعد (٢).
قال علقمة بن عبدة (٣):
فَلا تَحْرمنِّى نَائِلًا عن جَنَابةٍ فإني امرؤٌ وَسْط القِبَاب غَريبُ (٤)
وقال الأعشى (٥):
أتيتُ حُريثًا زائرًا عن جنابةٍ وكان حُرَيثٌ عن عَطَائِيَ جَامِدًا (٦)
(١) في (أ): (علق) بالعين المهملة.
(٢) انظر: "الطبري" ٥/ ٨٠، "الحجة" ٣/ ١٥٨.
(٣) هو علقمة بن عبدة بن ناشرة بن قيس التميمي، شاعر جاهلي مجيد، كان يلقب بالفحل لحادثة جرت بينه وبين امرئ القيس. توفي قبل الهجرة بنحو عشرين سنة. انظر: "الشعر والشعراء" ص ١٢٥، "طبقات الشعراء" ٥٨، "الأعلام" ٤/ ٢٤٧.
(٤) "ديوانه" ص ٣١، "الكامل" ٣/ ١٦، والاختيارين للأخفش الأصغر ص ٦٥٦، وفيه: الديار بدل القباب، "الزاهر" ١/ ٤٣٠. والجَنابة: البعد والغربة وهو الشاهد. والمعنى: لا تحرمني بعد غربة وبعد عن دياري. والبيت من قصيدة في فكاك أسر أخ له.
(٥) هو ميمون بن قيس بن جندل الوائلي -الأعشى الكبير- تقدمت ترجمته.
(٦) "ديوانه" ٤٣، "الكامل" ٣/ ١٥، "الطبري" ٥/ ٨٠، "معاني الزجاج" ٢/ ٥٠، الثعلبي ٤/ ٢٥ ب.
وجاء في حاشية "ديوانه": حُرَيث: تصغير لكلمة حارث، وهو ذم للحارث بن وعلة بن مجالد الى الرقاشي. الجنابَة: البعد. وانظر "الكامل" ٢/ ٩٠٢، ٩٠٣.
وقال آخر:
كِرامٌ إذا ما جئتَهم عن جنابةٍ أعفّاءُ عن جار الخليطِ المجاور (١)
ورجل جُنُب، إذا كان غريبًا متباعدًا عن أهله. وقوم أجناب، ورجل أجنَب وأجنبي، وهو البعيد منك في القرابة (٢). وأصل الجنب التنحية والإبعاد، ومنه قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]. والجانبان الناحيتان لتنحّي كل واحدة (٣) عن الأخرى (٤).
وروى المفضَّل عن عَاصم (٥): ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ بفتح الجيم وسكون النون (٦)، وهو يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يريد بالجنب الناحية، ويكون المعنى على هذا: ذي الجَنْب، فحذف المضاف؛ لأن المعنى مفهوم، ألا ترى أن الناحية لا يكون الجار إياها، والمعنى: ذي ناحية ليس هو الآن بها، أي: هو غريب (٧).
(١) البيت للراعي النميري في "ديوانه" ص ١٠٨، و"تاريخ دمشق" ٣٨/ ١٩٠.
(٢) انظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٦٦٣، "اللسان" ٢/ ٦٩٢ (جنب).
(٣) في (أ): (واحد) بالتذكير.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٤٤٦، "الحجة" ٣/ ١٥٨.
(٥) هو أبو بكر عاصم بن أبي النجود -بهدلة- الأسدي الكوفي الإمام المقرئ وأحد القراء السبعة المشاهير الحجة، وقد أخرج حديثه الجماعة، توفي -رحمه الله- سنة ١٢٠هـ. انظر: "السبعة" ص ٦٩، "مشاهير علماء الأمصار" ص ١٦٥، "التقريب" ص ٢٨٥ رقم (٣٠٥٤).
(٦) "السبعة" ص ٢٣٣، "الحجة" ٣/ ١٥٧. وقال ابن مجاهد وأبو علي - رحمهما الله: ولم يآت بها غيره. وانظر: "معاني القراءات" ١/ ٣٠٧.
(٧) في "الحجة" ٣/ ١٥٨: هو غريب عنها، والكلام في توجيه القراءتين لأبي علي.
والآخر: أن يكون وصفًا، مثل: ضرب وندب وفسل (١)، فهذا وصف جري على الموصوف، كما أن الجنب كذلك (٢).
قال ابن عباس وعامتهم: الجار الجنب هو الذي ليس بينك وبينه قرابة (٣). وله حق الجوار، فإن كان من أهل دينك فله حق الإيمان (٤).
ومعنى وصفه بالبُعد ههنا أنه ليس من قومك، ونَسبُه بعيد عنك، ألا ترى أن مجاهدًا وقتادة قالا: هو جارك من قوم آخرين (٥).
ويحتمل أن يُراد بهذا البُعد بُعد الدار، وهو الغريب من بلد غير بلدك يجاورك، فهو متباعد عن أهله وبلده.
وإلى هذا ذهب الزجاج، فإنه قال: هو الجار الغريب (٦) المتباعد (٧).
وحكى ابن جرير عن نَوفٍ البِكَالي (٨) أنه ذهب إلى أن المراد بهذا
(١) هكذا بالفاء عند أبي علي في "الحجة"، وفي النسختين من المخطوط كأنها بالنون (نسل).
(٢) انتهى من "الحجة" ٣/ ١٥٨.
(٣) "تفسير ابن عباس" ص ١٤٨.
وأخرجه الطبري ٥/ ٧٩ - ٨٠ عن ابن عباس، وهو قول قتادة والسدي ومجاهد وابن زيد والضحاك كما أخرجه الطبري، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٥٢ ب، "زاد المسير" ٢/ ٧٩.
(٤) انظر: "الطبري" ٥/ ٧٩، "بحر العلوم" ١/ ٣٥٣.
(٥) أخرجه عنهما عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١٥٩، والطبري ٥/ ٧٩.
(٦) في (د): (القريب)، وكذا في "معاني الزجاج"، ولعل ما أثبته هو الأولى.
(٧) "معاني الزجاج" ٢/ ٥٠.
(٨) هو أبو عمرو نوف بن فضالة البكالي، تابعي صالح، شامي مستور، أخرج له البخاري ومسلم، وأما تكذيب ابن عباس له فلِمَا رواه عن أهل الكتاب، مات -رحمه الله - بعد سنة ٩٠ هـ. انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص ١٢١.
البُعد بُعد الدين، فقال في الجمار الجنب: إنه الكافر (١). وقد قال النبي - ﷺ - في المشرك الجار: "له حق الجِوَار وإن كان مشركًا" (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾. قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والحسن والسدي والضحاك: هو الرفيق في السفر (٣).
قال عطاء عن ابن عباس: يريد صاحبك في السفر، وهو جارك إلى جانبك، فله حق الجوار وحق الصحبة (٤).
وهذا اختيار الفراء (٥) والزجاج (٦) وابن قتيبة (٧).
وقال علي وابن مسعود وابن أبي ليلى (٨) وإبراهيم: هو زوجتك تكون معك إلى جنبك (٩).
(١) أخرجه الطبري ٥/ ٨٠ بلفظ: اليهودي والنصراني، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٧٩، و"ابن كثير" ١/ ٥٤٠.
(٢) جزء من حديث أخرجه البزار بنحوه مطولًا، كما في "كشف الأستار" ٢/ ٣٨٠. وانظر: ابن كثير ١/ ٥٤١، والثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٥٣ أ، وهذا لفظه، وضعفه الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١/ ١٦٤ بقوله: رواه البزار عن شيخه عبد الله ابن محمد الحارثي وهو وضاع.
(٣) قول ابن عباس في "تفسيره" ص ١٤٨ بلفظ: الرفيق فقط، وأخرجه عن جميعهم الطبري ٥/ ٨٠ - ٨١، إلا الحسن، فانظر: ابن كثير ١/ ٨٤٠.
(٤) الذي وقفت عليه نحو ذلك من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس في "تفسيره" ص ١٤٨، وأخرجه الطبري ٥/ ٨٠.
(٥) في "معاني القرآن" ١/ ٢٦٧.
(٦) في "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٥٠.
(٧) في "غريب القرآن" ص ١١٩.
(٨) هو عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري المدني، تقدمت ترجمته.
(٩) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ٨١ - ٨٢، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٨٠.
وقال ابن جريج وابن زيد: هو الذي يلزمك ويصحبك رجاء خيرك ونفعك (١).
وقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيل﴾. هو الضيف، يجب قِراه إلى أن يبلغ حيث يريد.
قال ابن عباس ومجاهد والربيع: يريد عابر السبيل، تُروِيه وتُطعِمه حتى يرحل عنك (٢).
﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني المماليك.
قال ابن عباس: يريد المملوك، تُحسن رزقَه وتحتمل مساوئه وتعفو عنه فيما يُخطئ، فإن لاءمك فاحسبه وأنت مُحسن، وإن خالفك في الملاءمة فبعه لعله يوافق غيرك وتبرأ من إثمه (٣).
وروى عمر بن الخطاب أن رسول الله - ﷺ - قال: "من ابتاع شيئًا من الخدم فلم يوافق شيمته شيمته فليبع ويشتر حتى يوافق شيمته شيمته، فإن الناس شِيمَ، ولا تعذبوا عباد الله" (٤).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] المختال: ذو الخيلاء والكبر (٥).
(١) ابن جرير روى نحو ذلك عن ابن عباس، وهذا لفظ ابن زيد أخرج ذلك الطبري ٥/ ٨٢، وانظر "زاد المسير" ٢/ ٨٠.
(٢) أخرجه عن مجاهد عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١٥٩، وذلك عنه وعن الربيع، "الطبري" ٥/ ٨٣.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١١٩، وانظر الطبري ٥/ ٨٤، "بحر العلوم" ١/ ٣٥٤.
قال ابن عباس: يريد بالمختال العظيم في نفسه، الذي لا يقوم بحقوق الله (١).
قال الزجاج: وإنما ذكر الاختيال ههنا، لأنَّ المختال يأنف من ذوي قراباته إذا كانوا فقراء، ومن جيرانه إذا كانوا كذلك، فلا يُحسن عشرتهم (٢).
وذكرنا اشتقاقه في اللغة عند قوله: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤].
ومعنى الفخر في اللغة هو البذخ والتطاول، والفخور الذي يعدِّد مناقبه كبرًا وتطاولًا (٣).
قال ابن عباس: هو الذي يفخر على عباد الله بما خوّله الله من كرامته وما أعطاه من نعمته (٤).
٣٧ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. جائز أن يكون موضع (الذين) نصبًا على البدل (٥). المعنى: أنَّ الله لا يحب من كان مختالًا فخورًا، ولا يحب الذين يبخلون.
وجائز أن يكون رفعه على الابتداء ويكون الخبر: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، أي لا يظلمهم مثقال ذرة. قاله الزجاج (٦).
(١) لم أقف عليه
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٥١، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٨١.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٥٠، "أساس البلاغة" ٢/ ١٨٩، "اللسان" ٦/ ٣٣٦١ (فخر).
(٤) لم أقف عليه، وانظر: "النكت والعيون" ١/ ٤٨٩.
(٥) على البدل من من قوله: (من كان مختالًا). انظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤١٦.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٥١، بتصرف، وانظر: الطبري ٥/ ٨٥، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤١٦ - ٤١٧، "الدر المصون" ٣/ ٦٧٦.
والأولى أن يكون مستأنفًا، لأنَّ الآية نازلة في اليهود (١). ومعنى البُخل في كلام العرب منع الإحسان، وفي الشريعة منع الواجب (٢).
وفيه أربع لغات: البَخْل مثل الفَقْر، والبَخَل مثل الكَرَم، والبُخْل مثل الفُقر، والبُخُل بضمتين. ذكره المبِّرد، وقال: ونظيره أرض جرز، وفيه اللغات الأربع (٣).
وأجمعوا على أن الآية نازلة في اليهود (٤).
واختلفوا في معنى هذا البخل، فذكر فيه قولان: أحدهما: أن المراد به البخل بالعلم. وهو قول سعيد بن جبير والكلبي ومقاتل.
قال سعيد: هذا في العلم ليس في الدنيا منه شيء (٥).
وقال الكلبي: هم اليهود، بخلوا أن يصدقوا من أتاهم صفة محمد - ﷺ - ونعته، وأمروا قومهم بالبخل، وهو كتمان أمره (٦).
(١) انظر: الطبري ٥/ ٨٥، "النكت والعيون" ٢/ ٥١، "الكشف والبيان" (٤/ ٥٤ أ)، "النكت والعيون" ١/ ٤٨٧.
(٢) "الكشف والبيان" ٤/ ٥٤ أ، وانظر: "المفردات" ص (٣٨)، "عمدة الحفاظ" ص (٤٠)، (بخل).
(٣) لم أقف على كلام المبرد فيما بين يدي من مصنفاته، وقد ذكر نحو كلامه الثعلبي في "الكشف والبيان" (٤/ ٥٤ ب)، وانظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٥١، "بحر العلوم" ١/ ٣٥٤، "عمدة الحفاظ" ص (٤٠) (بخل).
(٤) دعوى الإجماع غير مسلمة، فقد اختلف في نزولها، لكن كونها في اليهود هو قول الأكثر. انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٥٤ أ، "النكت والعيون" ١/ ٤٨٧.
(٥) أخرج الأثر عنه: الطبري ٥/ ٨٦، والثعلبي (٤/ ٥٤ أ).
(٦) أورده المؤلف بنحوه في "أسباب النزول" ص ١٥٦، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص (٨٤).
وقال مقاتل: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ رؤوس اليهود، ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ كانوا يأمرون سفلتهم بكتمان نعت محمد - ﷺ - (١).
واختار الزجاج هذا القول، فقال: هم اليهود بخلوا بعلم ما كان عندهم من مبعث النبي - ﷺ - (٢).
القول الثاني: أن هذا البخل معناه البخل بالمال. وهو قول ابن عباس وابن زيد (٣).
قال ابن عباس في رواية عطاء: ثم ذكر اليهود فقال: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ يريد يبخلون بأموالهم عمن هو دونهم من المؤمنين في المال، وهو أكرم على الله منهم (٤).
وقال في رواية غيره (٥): نزلت في رؤساء اليهود؛ كانوا يأتون رجالًا من الأنصار ينتصحونهم (٦)، ويقولون لهم: لا تُنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر، ولا تدرون ما يكون (٧).
وروي مثل هذا القول عن مجاهد والسدي، قالا: هم اليهود بخلوا
(١) "تفسير مقاتل" ١/ ٣٧٢، وانظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٥٤.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٥١.
(٣) انظر: الطبري ٥/ ٨٦، "زاد المسير" ٢/ ٨٢.
(٤) لم أقف على رواية عطاء، وانظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٨٩.
(٥) رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس. انظر: الطبري ٥/ ٨٦.
(٦) عند الطبري ٥/ ٨٦: "وينتصحون لهم" وكذا في "زاد المسير" ٢/ ٨١، وفي "الدر المنثور" ٢/ ٢٨٩: "وينتصحون لهم".
(٧) أخرجه الطبري ٥/ ٨٦ بأطول من ذلك، وكذا ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٨٩، وذكره الثعلبي (٤/ ٥٤/ ب)، وابن الجوزي ٢/ ٨١.
بما أعطوا من الرزق (١)
وقوله تعالى: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد العلم بما في التوراة مما عظم الله به أمر محمد - ﷺ - وأمته (٢).
وقال مقاتل: يعني ما في التوراة من أمر محمد ونعته (٣).
وهذا قول عامة المفسرين، فالفضل ههنا هو ما أوتوا من العلم، برسالة النبي - ﷺ -.
٣٨ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ الآية. إن شئت عطفت الذين في هذه الآية على الذين في الآية التي قبلها، وإن شئت جعلته في موضع الخفض عطفا على قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٤).
قال السدي: نزلت في المنافقين (٥). واختاره الزجاج (٦)، وهو الوجه؛ لذكر الرياء ههنا، وهو ضرب من النفاق، وقال بعضهم: نزلت في مشركي مكة المتفقين على عداوة رسول الله - ﷺ - (٧).
(١) المأثور عن مجاهد والسدي أن المراد كتمان صفة النبي - ﷺ - ونبوته. انظر: الطبري ٥/ ٨٥، "النكت والعيون" ١/ ٤٨٧، "زاد المسير" ٢/ ٨٢.
(٢) أخرج معناه في الأثر المتقدم عن ابن عباس من رواية سعيد بن جبير: الطبري ٥/ ٨٦.
(٣) انظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٥٤.
(٤) انظر: الطبري ٥/ ٨٧، "معاني الزجاج" ٢/ ٥١، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤١٦ - ٤١٧، "الكشف والبيان" (٤/ ٥٤ ب)، "معالم التنزيل" ٢/ ٢١٤.
(٥) "الكشف والبيان" (٤/ ٥٤ ب)، وانظر: "معالم التنزيل" ٢/ ٢١٤، "زاد المسير" ٢/ ٨٣.
(٦) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٥١.
(٧) "الكشف والبيان" (٤/ ٥٤ ب)، وانظر: "معالم التنزيل" ٢/ ٢١٤، "زاد المسير" ٢/ ٨٣.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾
معنى القرين في اللغة هو الذي يقارنك ويُصاحبك (١)، من قولهم: قرنت الشيء بغيره إذا شددته إليه (٢).
وقيل: إنما اتصل الكلام ههنا بذكر الشيطان تقريعًا لهم على طاعة الشيطان. وعلى هذا دل كلام أبي إسحاق؛ لأنه قال: أي من يكن عمله بما يُسول له الشيطان فبئس العمل عمله (٣).
وقال الكلبي: هذا في الآخرة، يجعل الله الشياطين قرنائهم في النار، يقرن مع كل كافر شيطان في سلاسل النار (٤). يقول الله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾ صاحبا ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾ يقول: بئس الصاحب الشيطان.
وقوله تعالى: ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾ قد ذكرنا معنى ساء في هذه السورة. وانتصب (قرينًا) ههنا على التمييز والتفسير (٥)؛ لأن (ساء) معناه (بئس)، و (بئس) تنصب النكرة، كقولك: بئس رجلًا زيد، لأنك إذا قلت: بئس، جاز أن تذكر رجلًا أو حمارًا، فإذا ذكرت نوعًا ميزته من سائر الأنواع (٦)،
(١) انظر الطبري ٥/ ٨٨، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤١٧، "النكت والعيون" ١/ ٤٨٧، "اللسان" ٦/ ٣٦١١ (قرن).
(٢) انظر: "معجم مقاييس اللغة" ٥/ ٧٦، "أساس البلاغة" ٢/ ٢٤٨، "زاد المسير" ٢/ ٨٣، "اللسان" ٦/ ٣٦١١ (قرن).
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٥١.
(٤) انظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٥٤، "زاد المسير" ٢/ ٨٣، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٥.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٦٧، "معاني الزجاج" ٢/ ٥٢، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤١٧، "الكشف والبيان" (٤/ ٥٥ أ).
(٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٦٧.
وفيه ضمير فاعل لأنه فعل، والفعل لا يخلو من الفاعل، فصار المميِّز (١) كالمفعول فلهذا نصب. وقد استوفينا (القول) (٢) في (نعم، وبئس).
٣٩ - قوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ الآية. هذا احتجاج على هؤلاء الذين ذكرهم الله بأنهم لا يؤمنون بالله، والمعنى أن الإنسان يُحاسب نفسه فيما عليه وله، فإذا ظهر له ما عليه في فعل شيء من استحقاق العقاب، وما له في تركه من استحقاق الثواب عمل على ذلك في تركه والانصراف عنه.
ومعنى الآية كأن الله تعالى يقول: ليتفكروا ولينظروا ماذا عليهم في الإيمان لو آمنوا؟ وهو استفهام في معنى الإنكار.
ويصلح أن يكون (ما) و (ذا) اسمًا واحدًا، فيكون المعنى: وأي شيء عليهم (٣)، ويجوز أن يكون (ذا) في معنى الذي، وتكون (ما) وحدها اسمًا، ويكون المعنى: وما الذي عليهم لو آمنوا (٤).
وقد بسطنا الكلام في تفسير (ماذا) في موضعين في سورة البقرة (٥).
وقوله تعالى: ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
قال ابن عباس: يريد بنية صادقة، يصدِّق القلبُ اللسان، ويصدق اللسانُ القلب (٦).
(١) في (أ): (المييز).
(٢) ليس في (د).
(٣) انظر: الطبري ٥/ ٨٨، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤١٧.
(٤) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤١٧، "الكشف والبيان" (٤/ ٥٥ أ).
(٥) انظر: "البسيط" بتحقيق د. الفوزان [البقرة: ٢١٥].
(٦) لم أقف عليه.
﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ يريد: يصدقوا مما تفضل الله به عليهم (١).
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾. تأويله: لا ينفعهم ما ينفقونه على جهة الرياء؛ لأن الله بهم عليم مجاز لهم بما يسرون من قليل أو كثير (٢).
٤٠ - قوله تعالى: ﴿{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ الآية. قد ذكرنا أن الظلم يستعمل في معان كثيرة. وهو ههنا بمعنى النقص.
قال ابن عباس: يريد لا ينقص مثقال ذرة (٣).
والمثقال مقدار الشيء في الثِّقل. وهو مفعال من الثقل، يقال: هذا على مثقال هذا، أي وزن هذا. ومعنى ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: أي ما يكون وزنه وزن الذرة (٤).
وأما الذرة فهي النملة الحميراء الصغيرة في قول أهل اللغة (٥)، وهو قول ابن عباس (٦) وابن زيد (٧).
(١) انظر: "الوسيط" ٢/ ٥٥٠، "زاد المسير" ٢/ ٨٣.
(٢) انظر: الطبري ٥/ ٨٨. "الوسيط" ٢/ ٥٥٠، "زاد المسير" ٢/ ٨٣.
(٣) أورده المصنف في "الوسيط" ٢/ ٥٥٠ من رواية عطاء ولم أقف عليه، وانظر: "الكشف والبيان" (٤/ ٥٥/ أ).
(٤) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١١٩، والطبري ٥/ ٨٨، "معاني الزجاج" ٢/ ٥٢، "النكت والعيون" ١/ ٤٨٨.
(٥) انظر: "اللسان" ٣/ ١٤٩٤ (ذرر).
(٦) أخرج الأثر عنه - الطبري ٥/ ٨٩، وذكره الثعلبي (٤/ ٥٥ أ)، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٨٥، "الدر المنثور" ٢/ ٢٩٠.
(٧) لم أقف على قوله، وقد خرج الطبري مثل هذا القول عن يزيد بن هارون كما في "تفسير الطبري" ٥/ ٨٩، فيحتمل أن "يزيد" تصحف من النساخ إلى "ابن زيد" والله أعلم.
وروى يزيد بن الأصم (١) عن ابن عباس في هذه الآية قال: أدخل ابن عباس يده في التراب، ثم رفعها، ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرَّة (٢).
والمراد من هذا: لا يظلم قليلًا ولا كثيرًا، ولكن الكلام خرج على أصغر ما يتعارفه الناس، يدل على هذا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤].
قال ابن عباس: نزل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ في المنافقين، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ في المؤمنين. يقول: لا ينقص ﴿مِثْقَالَ﴾ (٣) ذرة من عمل منافق إلا جازاه بها رواه عطاء عنه (٤).
وقال آخرون: هذا على العموم (٥). ثم اختلفوا؛ فذهب بعضهم في تأويله إلى ما رواه أنس أن النبي - ﷺ - قال: "وإن الله لا يظلم حسنة، أما المؤمن فيثاب عليها الرزق في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيُطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم تكن له حسنة" (٦).
(١) هو أبو عوف يزيد بن عمرو (الأصم) بن عبيد البكائي المدني، من ثقات التابعين، وهو ابن خالة ابن عباس رضي الله عنهما توفي -رحمه الله- سنة ١٠٣هـ. انظر: "تاريخ الثقات" ٢/ ٣٦٠، "التقريب" رقم (٧٦٨٥).
(٢) انظر: "زاد المسير" ٢/ ٨٥.
(٣) ليس في (د).
(٤) لم أقف عليه، وانظر: "تنوير المقياس" بهامش المصحف ص ٨٥.
(٥) أي عموم المؤمنين والكافرين.
(٦) أخرجه مسلم (٢٨٠٨) كتاب صفات المنافقين باب: جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا.
وذهب بعضهم إلى تأويل هذه الآية: إن الله لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم، بل يأخذ له ومنه، ولا يظلم مثقال ذرة تبقى للخصم، بل يثيبه عليها ويُضعفها له. واحتجوا بما روي عن ابن مسعود أنه قال: يُؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي منادٍ على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه. ثم يقال له: آت هؤلاء حقوقهم. فيقول: يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا. فيقول الله لملائكته في أعماله الصالحة: فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعّفها الله تعالى لعبده وأدخله الجنة بفضل رحمته.
ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾. الأصل: وإن تكن (بالنون) كقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]، وذلك أن النون إذا سكنت (٢) للجزم وسقطت الواو لسكونها وسكون النون فصار (تكن)، ويجوز حذف النون من تكن؛ لأنها ساكنة وهي تشبه حروف اللين، وحروف اللين إذا وقعت طرفًا سقطت، كقولك: لم أدر، وإن تدع. كذلك حُذفت هذه النون استخفافًا لكثرة الاستعمال كما قالوا: لا أدرِ ولم أبل، والأصل: لم أبال ولا أدري.
(١) أخرجه بنحوه الطبري ٥/ ٨٩ - ٩٠ بأكثر من طريق، وابن أبي حاتم ونقله ابن كثير ١/ ٥٤٤ عنه بإسناده ثم قال: "ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح" وصحح إسناد ابن أبي حاتم أحمد شاكر في تحقيقه للطبري، وقال عن هذا الأثر: "والحديث أثر موقوف على ابن مسعود، ولكني أراه من المرفوع حكمًا، فإن ما ذكره ابن مسعود مما لا يعرف بالرأي، وما كان ابن مسعود ليقول هذا من عند نفسه، وليس هو ممن ينقل عن أهل الكتاب ولا يقبل الإسرائيليات". وانظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٩٠.
(٢) في (د): (سقطت).
ووجه شبه النون بحروف اللين أنَّ الغنة التي في النون كاللين الذي في حروف اللين، وأيضًا فإنها تحذف لالتقاء الساكنين، كما حذفوهن كلذلك في نحو: غزا القوم، وتغطي ابنك وتصبو (١) المرأة. ألا ترى أنك لم تظهر الألف ولا الباء (٢) ولا الواو في اللفظ، بل حذفتهن لاجتماع الساكنين. وكذلك يفعلون في النون فيقولون: مِلآن، أي: من الآن (٣)، وأنشد سيبويه:
فلست بآتيه ولا أستطيعه ولكِ اسقني إن كان ماؤك ذا فضل (٤)
وأنشد قُطرب:
لم يك الحق سوى أن هاجه رسم دار قد تعفى بالسِّرر (٥)
يريد بالأول: ولكن، والثاني: لم يكن، فلم يحرِّكا وحذفا.
جعلوا النون أيضًا علمًا للرفع في نحو: يقومان ويقومون وتقومين، كما جعلوا الواو والألف علمًا له، نحو: أخوك وأبوك، والزيدان،
(١) هكذا في: (أ) ولعل الصواب بدون ألف.
(٢) هكذا في: (أ) بالباء الموحدة، ولعل الصواب: "ولا الياء" بالمثناة التحتية، وهو كما في (د).
(٣) انظر: "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٥٤٠، ٥٤٠، "الخصائص" ١/ ٩٠، "عمدة الحفاظ" ص (٥٠٥) (كون).
(٤) الكتاب ١/ ٢٧، وعزا البيت للنجاشي (قيس بن عمرو الحارثي) وهو يصف ذئبًا. انظر: "الخصائص" ١/ ٣١٠، "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٤٤٠، ٥٤١ بتحقيق هنداوي "الإنصاف" ص ٥٤٦ بتحقيق عبد الحميد.
(٥) البيت لحسيل بن عرفطة (شاعر جاهلي) والضمير في "هاجه" يعود على عائق في بيت قبله، "السرر" اسم موضع قرب مكة. انظر: "النوادر" لأبي زيد ص (٧٧)، "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٤٤٠، ٥٤٠ بتحقيق هنداوي، "الخصائص" ١/ ٩٠.
والزيدون، إلى غير ذلك مما يطول ذكره (١).
وقرئ قوله: (حسنةٌ) بالرفع والنصب (٢)، فمن رفع فهي اسم كان ولا خبر لها ههنا، وهي في مذهب التمام. على معنى: وإن تحدث حسنة، أو إن تقع حسنة. ومن نصب كان المعنى: وإن لَكن فعلتُه حسنةً.
والنصب حسن، لتقدم ذكر (مثقال ذرة)، فتجعل الذرة اسمًا وحسنة الخبر، على تقدير: وإن تكن الذرة حسنةً يضاعفها الله (٣).
قال ابن عباس: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ يريد: من مؤمن ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ يريد: عشرة أضعافها (٤).
وقال السدي: هذا عند الحساب والقصاص (فمن بقي له من الحسنات شيء يضاعفه بسبع مائة، وإلى الأجر العظيم (٥).
ولهذا كان يقول بعض الصالحين: فُصَلت (٦) حسناتي سيئاتي بمثقال ذرة أحب إلي من الدنيا وما فيها (٧)) (٨).
وقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قال عطاء: يريد من عنده
(١) "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٤٤٠، وانظر: "الكتاب" ١/ ١٩.
(٢) بالرفع لأبي جعفر ونافع وابن كثير، وبالنصب لبقية العشرة انظر: "السبعة" ص ٢٣٣، "الحجة" ٣/ ١٦٠، "المبسوط" ص (١٥٦)، "النشر" ٢/ ٢٤٩.
(٣) انظر: "الحجة" ٣/ ١٦٠، "إعراب القراءات السبع" ١/ ١٣٣، "معاني القراءات" ١/ ٣٠٨.
(٤) أورده المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٥٥١، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٥.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) هكذا، ولعل الصواب: "لو فضلت".
(٧) هذا القول لقتادة، أخرجه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١٦٠، والطبري ٥/ ٨٨.
(٨) ما بين القوسين لم يتضح كاملا في (أ) بسبب الطمس والتآكل في النسخة.
أجرًا عظيمًا يتفضل عليه بأكثر من العشرة الأضعاف (١).
وقال الكلبي: الأجر العظيم الجنة (٢).
وقال الحسن: هذا أحب إلى العلماء؛ أن لو قال: الحسنة بمائة ألف وهو كقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]، ولم يقل مثل ألف شهر (٣).
وقال أبو عثمان النهدي (٤): بلغني عن أبي هريرة (٥) أنه قال: إن الله عز وجل يُعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة. فقضي أن انطلقت حاجًا أو معتمرًا، فلقيته فقلت: بلغني عنك أنك تقول: إن الله عز وجل يُعطي عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة. قال أبو هريرة: لم أقل ذلك، ولكني قلت: إن الحسنة تضاعف ألفي ألف (٦) حسنة ثم تلا هذه الآية وقال: إذا قال الله عز جل: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فمن يقدر قدره (٧).
وسنذكر اللغات في لدن والكلام فيه في سورة الكهف إن شاء الله.
(١) أورده المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٥٥٢ دون نسبة لعطاء، ولم أقف عليه.
(٢) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٥، وقد ورد هذا التفسير عن ابن مسعود، وسعيد بن جبير وابن زيد. أخرج ذلك عنهم الطبري ٥/ ٩١ - ٩٢.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) هو عبد الرحمن بن مل -بميم مثلثة ولام ثقيلة- النهدي، مشهور بكنيته، من كبار الرواة الثقاة وهو من المخضرمين، وكان من العباد. توفي -رحمه الله- سنة ٩٥ هـ. وله من العمر ١٣٠ سنة أو أكثر. انظر: "سير أعلام النبلاء" ٤/ ١٧٥، "تقريب التهذيب" ص (٣٥١) (٤٠١٧).
(٥) تقدمت ترجمته.
(٦) في (د): (ألف ألف).
(٧) أخرجه بنحوه وآخره مرفوعًا الإمام أحمد ٢/ ٢٩٦، والطبري ٥/ ٩١، والثعلبي ٤/ ٥٧، وعزاه ابن كثير ١/ ٥٤٥ إلى ابن أبي حاتم والسيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٢٩١ إلى ابن أبي شيبة أيضًا.
٤١ - قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾. قال الزجاج والأكثرون: أي فكيف تكون حال هؤلاء القوم الذين ذكرهم الله من المنافقين والمشركين يوم القيامة، وحذف (تكون) لأنَّ في الكلام دليلًا على ما حذف.
وكيف (لفظها) (١) لفظ الاستفهام، ومعناها ههنا التوبيخ (٢).
والاستفهام كثيرًا ما يرد بمعنى التوبيخ، وقد (ذكرنا) (٣) لم أجاز أن يتضمن الاستفهام التوبيخ والإنكار في مواضع مما مضى (٤).
وقال صاحب النظم: هذا فصل منسوق فيه (على ما) (٥) قبل من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ وتوكيدٌ لما تقدم من الخبر، وتحقيق لما بعده، على تأويل: إن الله لا يظلم مثقال ذرة، فكيف يظلمه إذا كان يوم القيامة؟ ففي قوله: (فكيف) طرف من الإنكار، أي أن ذلك لا يكون في وقت من الأوقات (٦).
فعلى القول الأول (٧) في (كيف) توبيخ للقوم الذين مضى ذكرهم، وعلى القول الثاني (٨) فيه إنكار لظلم الله أحدًا.
(١) ليس في (د).
(٢) "معاني الزجاج" ٢/ ٥٣، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٨٥.
(٣) ما بين القوسين ليس في (د).
(٤) انظر مثلا [البقرة: ٢٨، ٧٥، ١٣٣].
(٥) ما بين القوسين غير واضح في (أ).
(٦) الظاهر أنه انتهى كلام صاحب النظم.
(٧) الظاهر أنه يريد قول الزجاج.
(٨) أي قول صاحب النظم.
ومعنى قوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال ابن عباس: يريد: أتيناهم (١).
قال المفسرون: يُؤتى بنبي كل أمة يشهد عليها ولها (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. أي على هؤلاء المنافقين والمشركين الذين ذكرهم يشهد عليهم بما فعلوا (٣).
٤٢ - قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. يوم في قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف و"يود"، وهو مضاف إلى إذ، وذلك نحو قولهم: ليلتئذ، وساعتئذ، وحينئذ. ودخل التنوين في إذ بدلًا من الإضافة، وذلك أنَّ أصل هذا أن تكون إذ مضافة إلى جملة، إما من مبتدأ وخبر، نحو: جئتك إذ زيد أمير، وقصدتك إذ الخليفة عبد الملك، قال الله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١]، وقال القطامي (٤):
إذا الفوارسُ من قيس بشكَّتها حولي شهودٌ وما قومي بشهاد (٥)
وإما من فعل وفاعل نحو: قمت إذ قام (٦) زيد، وجلست إذ سار محمد. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠]، ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢]، ثم اقتطع المُضاف إليه إذ في مثل هذا، ومثله قوله: {مِنْ عَذَابِ
(١) لم أقف عليه، وعليه علامات الغرابة، لأن النص واضح.
(٢) انظر: الطبري ٥/ ٩٢، "معاني الزجاج" ٢/ ٥٤.
(٣) الأولى عدم تخصيص الإشارة، فشهادة الرسول - ﷺ - على أمته جميعًا. انظر الطبري ٥/ ٩٢، وابن كثير ١/ ٥٤٦ - ٥٤٧.
(٤) هو أبو سعيد عُمير بن شيم بن عمر التغلبي، والقطامي لقبه؛ تقدمت ترجمته.
(٥) "ديوان القطامي" ص (٨٦)، "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٥٠٤ بتحقيق د. هنداوي، والشكة: السلاح.
(٦) في (أ): (أقام) وما أثبته هو الموافق "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٥٠٤.
يَوْمِئِذ} [المعارج:١١]، و ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣].
والتقدير في هذه الآية وفي غيرها: يوم إذ ذاك كذلك، فلما حذف المضاف إليه إذ عوّض منه التنوين، فدخل وهو ساكن على الذال وهي ساكنة، فكسرت الذال لالتقاء الساكنين فقيل: يومئذ. وليست هذه الكسرة في الذال كسرة إعراب، وإن كانت إذ في موضع جر بالإضافة ما قبلها إليها، وإنما الكسرة فيها لسكونها وسكون التنوين بعدها، كما كسرت الهاء في صهٍ ومهٍ لسكونها وسكون التنوين بعدها، وإن اختلفت جهتا التنوين فيهما، فكان في إذ عوضًا من المضاف إليه، وفي صه علمًا للتنكير، ويدل على أن الكسرة في ذال (إذ) إنما هي حركة التقاء ساكنين: (هي) (١) والتنوين قول الشاعر:
نهيتُك عن طلابك أمَّ عمرو بعاقبة وأنت إذ صحيح (٢)
ألا ترى أن إذ في هذا البيت ليس قبلها شيء (٣).
ومضى القول في (يود) عند قوله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ (٤)
(١) غير واضحة في (أ)، وفي "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٥٠٤ "وهما هي.. ".
(٢) البيت لأبي ذؤيب الهذلي يخاطب قلبه وأنه نصحه عن حب هذه المرأة أم عمرو حتى لا يتورط فيصعب عليه الخلاص، وقوله: "بعاقبة" أي أن النصيحة كانت حتى آخر الكلام ولم يغفل عنها.
انظر: "ديوان الهذليين" ١/ ٦٨، "سر صناعة الإعراب" بتحقيق هنداوي ٢/ ٥٠٤، "الخصائص" بتحقيق النجار ٢/ ٣٧٦.
(٣) انتهى من "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٥٠٤، ٥٠٥، والكلام من أول توجيه إعراب الظرف يوم وإضافته لإذ إلى هنا مستفاد منه. وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٢٥ - ٤٢٦.
(٤) (لو يعمر): ليس في (د).
[البقرة: ٩٦] (١).
وأما النقير (٢) فقال ابن السكيت: النقير النكتة في ظهر النواة (٣).
وقال أبو الهيثم: النقير نقرة في ظهر النواة، منها تنبت النخلة (٤).
وذكرنا طرفًا منه عند ذكر الفتيل (٥). وأصله أنه فعيل من النقر وهو النكت، ومن هذا يقال للخشب الذي ينبذ (٦) فيه نقير لأنه ينقر (٧). والنقر ضرب الرحى (٨) والحجر وغيره بالمنقار. والمنقار حديدة كالفأس يُقطع بها الحجارة (٩). ومنه منقار الطائر؛ لأنه ينقر به (١٠).
وقول أهل التفسير موافق لقول أهل اللغة في تفسير النقير، وقول أبي الهيثم مثل قول ابن عباس حرفًا بحرف (١١).
(١) إلى هنا تنتهي نسخة (أ)، (د) وفي نهايتها كتب الناسخ ما يلي في (د): "تم الجزء الثاني من "تفسير البسيط" للواحدي بحمد الله ومنِّه والصلاة على نبيه محمد وآله أجمعين، ويتلوه في الثاني قوله تعالى: ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٤٢] تم سنة ١٢٧٠". أما النسخة (أ) فقد كتب في آخرها: "كتب في مسلخ شهر ربيع الثاني من شهور سنة ست وثلاثين وستمائة". ويبدو أن كاتبه رجل يُدعى: ابن القزويني.
(٢) هذا بداية ما بعد السقط من أثناء الآية (٤٢) إلى أثناء الآية (٥٣) وهو بداية نسخة (ش) شستربتي.
(٣) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٦٤٤، وانظر: "اللسان" ٨/ ٤٥١٨ - ٤٥١٩ (نقر).
(٤) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٦٤٤، وانظر: "اللسان" ٨/ ٤٥١٩ (نقر).
(٥) الظاهر أنه عند قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩]، وهذا من القسم الساقط والمفقود.
(٦) في "اللسان" ٨/ ٤٥١٩ (نقر): "ينتبذ".
(٧) انظر: "اللسان" ٨/ ٤٥١٨ (نقر).
(٨) في "ش": "بالألف الممدودة".
(٩) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٦٤٤ (نقر).
(١٠) انظر: "اللسان" ٨/ ٤٥١٧ (نقر).
(١١) انظر "تفسير ابن عباس" ص ١٥٠، والطبري ٥/ ١٣٦.
قال الزجاج: وذكر النقير ههنا تمثيل، المعنى: لضنُّوا بالقليل (١).
٥٤ - وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية. (أم) ههنا كالتي في الآية التي قبلها.
والمراد بالناس هنا النبي - ﷺ - في قول ابن عباس والأكثرين (٢) وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الناس وهو واحد لأنه اجتمع عنده من خلال (الخير) (٣) ما يكون مثله في جماعة، ومن هذا يقال: فلان أمَّة وحده، أي: هو يقوم مقام أمة، قال الله تعالى-: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] (٤).
قال المفسرون: إن اليهود حسدت النبي - ﷺ - نكاح تسع نسوة، وقالوا: لو كان نبيًا لشغله أمر النبوة عن النساء، فأكذبهم الله تعالى وقال: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٥) قال عطاء: يريد الفقه والعلم (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. قال ابن عباس في رواية العوفي: يعني ملك سليمان (٧).
والمعنى على هذا: يحسدون (محمدًا كثرة) (٨) نسائه ويعيبونه بهن بقولهم: لو كان نبيًا لشغله أمر النبوة. أو فليحسدوه إن كانوا حسدوا محمدًا.
(١) "معاني القرآن وإعرابه" ص ٦٣، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ١٠٩.
(٢) انظر: "زاد المسير" ٢/ ١١٠.
(٣) هنا كلمة غير واضحة، واستوضحتها من "الوسيط" ٢/ ٥٨٨.
(٤) انظر: "الوسيط" ٢/ ٥٨٨.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٧٥، الطبري ٥/ ١٣٨، "معاني الزجاج" ٢/ ٦٤.
(٦) لم أقف عليه عن عطاء، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ١١١.
(٧) أخرجه الطبري ٥/ ١٤٠، وإسناده ضعيف، انظر: "زاد المسير" ٢/ ١١١، وتحقيق المروي عن ابن عباس ١/ ٣٢٥. وقد رجح هذا القول على غيره الطبري ٥/ ١٤١.
(٨) قد تكون العبارة: "محمدًا لكثرة".
وقال السدي: يعني بالملك العظيم ما أحل لداود من النساء، وهن تسع وتسعون. ولسليمان ألف، بين حرة ومملوكة (١).
وقال الحسن وابن جريج وقتادة: الفضل في هذه الآية النبوة وكانت اليهود حسدت محمدًا ما آتاه الله من النبوة، وقد علموا أنَّ النبوة في آل إبراهيم فقيل لهم: أتحسدون النبي - ﷺ - وقد كانت النبوة في آله، وهم آل إبراهيم (٢).
وهذا الوجه اختيار أبي إسحاق (٣). والحكمة في هذا القول النبوة.
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾: النبوة (٤).
لأن الملك لمن له الأمر والطاعة، والأنبياء لهم الطاعة والأمر.
وليس يحتاج في تصحيح معنى الآية إلى إضمار، ومثله من الكلام أن نقول: أتحسدون زيدًا ما أعطاه الله من المال، فعند عمرو أكثر من ذلك، أو فقد آتى عمرًا أكثر من ذلك. وتأويل هذا: فلا تحسدوا زيدًا، ولتحسدوا عمرًا. وهذا مفهوم من فحوى الكلام وإن لم يذكر.
٥٥ - وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾.
قال ابن عباس والأكثرون: من أهل الكتاب من آمن بمحمد عليه السلام،
(١) أخرجه الطبري ٥/ ١٤٠ بنحوه لكن فيه: "وينكح سليمان مائة"، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ١١١، "الدر المنثور" ٢/ ٣٠٩.
(٢) أخرجه عن قتادة بنحوه وعن ابن جريج مختصرًا: الطبري ٥/ ١٣٩ - ١٤٠، أما الحسن فقد فسر الملك بالنبوة، لا الفضل، كما أخرج ذلك ابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٠٩، "تفسير الحسن" ١/ ٢٨٤.
(٣) الزجاج في "معانيه" ٢/ ٦٤، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ١١٠.
(٤) "تفسيره" ١/ ١٦٢، وأخرجه الطبري ٥/ ١٤٠، وعبد بن حميد وابن المنذر. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٠٩، وهو قول الحسن كما تقدم.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ﴾ أعرض عنه ولم يؤمن (١).
وتأويل الآية: أن اليهود مهما ذُكر منهم من البُخل والجهل والحسد، فقد آمن به بعضهم.
ومن قال: إن الوعيد المذكور في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا﴾ [النساء: ٤٧] (٢) إنما أوعدوا به في الدنيا، قال: ذلك الوعيد صرف عنهم بإيمان هذا الفريق الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ ولذا قال: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أي: إن كان صرف بعض العقاب فكفى بجهنم عذابًا لمن لا يؤمن (٣).
وقال السدي وجماعة: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي من أمة إبراهيم من آمن بإبراهيم، ومنهم من صدّ عنه كما أنكم في أمر محمد عليه السلام كذلك (٤).
وفائدة هذا الكلام ههنا أنَّ تأويله ليس في ترك بعضكم الإيمان بمحمد عليه السلام توهين لأمره، كما لم يكن في ذلك توهين لأمر إبراهيم.
وقال الفراء: لما تليت على اليهود قوله: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ٥٤] الآية كذب بذلك بعضهم وصدق بعضهم، وهو قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي بالنبأ عن سليمان وداود ومما أبيح لهما من النساء ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ بالتكذيب والإعراض (٥).
(١) هذا قول مجاهد ومقاتل والكلبي، انظر: "تفسير مجاهد" ١/ ١٦٢، الطبري ٥/ ١٤١، "بحر العلوم" ١/ ٣٦١، "زاد المسير" ٢/ ١١١، ولم أقف عليه عن ابن عباس.
(٢) من القسم الساقط.
(٣) انظر: الطبري ٥/ ١٤١.
(٤) انظر: "معالم التنزيل" ٢/ ٢٣٦، "زاد المسير" ٢/ ١١٢، "الدر المصون" ٤/ ٧.
(٥) "معاني الفراء" ١/ ٢٧٥ بتصرف.
وحكى الزجاج هذا الوجه أيضًا (١).
(...) (٢) ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ مضى الكلام في هذه الباء وفي انتصاب ما بعد كفى عند قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] (٣). (.....) (٤) السعير في أول السورة (٥).
والسعير لا يدخله هاء التأنيث؛ لأنه مصروف من مسعورة، كما قالوا: كف خضيب ولحية (...) (٦)، وذلك أنَّ نقله عن لفظ المفعول المبني على الفعل إلى فعيل يأخذه عن حيّز الأفعال فيُقرّبه من الأسماء، وذلك يوجب حذف علامة التأنيث لتقدير الفعل، وقد ارتفع.
٥٦ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾.
قال سيبويه: سوف أداة تنفيس وتهديد ووعيد، يقال: سوف أفعل وسو أفعل (بغير فاء) (٧).
وقال غيره: هي أداة التسويف، كأنها مأخوذة منه، ألا ترى أنك تقول: سوف أعطيك، معناه أعطيك وقتًا آخر لا في هذا الوقت (٨)، وينوب
(١) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٦٤، ٦٥.
(٢) بياض في (ش) يحتمل أن يكون أصله: وقوله تعالى.
(٣) من القسم.
(٤) بياض في (ش) بقدر كلمتين تقريبًا، يحتمل أن يكون: "معنى تفسير... " أو نحوه.
(٥) عند تفسيره للآية ١٠.
(٦) كلمة غير واضحة وقد تكون "دهين" أو "خضيب" مثل كف.
(٧) في "الكتاب" ٤/ ٢٣٣ "وأما (سوف) فتنفيس فيما لم يكن بعد" وانظر: "عمدة الحفاظ" ص (٢٥٥) (سوف)، والتنفيس هو التأخير، انظر: "اللسان" ٤/ ٢١٥٢ (سوف).
(٨) انظر: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٩٧ - ١٥٩٨ (ساف)، "عمدة الحفاظ" ص (٢٥٥) (سوف).
عنها حرف السين، كقوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ [المدثر: ٢٦]، وفي هذه الآية قال: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾، ويحقق ما ذكرنا قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٥]، أي في الآخرة (١).
وقال بعضهم: سوف كلمة تعليل، وهي أيضًا كلمة العقبى كهي في هذه الآية، وكلمة تحقيق أيضًا كقوله تعالى: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] قيل أخَّرهم إلى وقت السحر تحقيقًا للدعاء (٢).
وذكرنا ما في الإصلاء عند قوله: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾.
قال ابن عباس: يبدَّلون جلودًا بيضًا كأمثال القراطيس (٣).
وقال معاذ بن جبل (٤): يبدل في ساعة مائة مرة. وروى ذلك مرفوعًا عمر عن النبي - ﷺ - (٥).
(١) انظر: الطبري ط. دار الفكر ٣٠/ ٢٣٢.
(٢) انظر: ابن كثير ٢/ ٥٣٧.
(٣) انظر: "معالم التنزيل" ٢/ ٢٣٧، وأخرجه عن ابن عمر: الطبري ٥/ ١٤٢، وابن أبي حاتم، انظر: "تفسير ابن كثير" ١/ ٥٦٤، "الدر المنثور" ٢/ ٣١١. والقراطيس جمع قرطاس وهي الصحيفة التي يُكتب عليها. انظر: "اللسان" ٦/ ٣٥٩٢ (قرطس).
(٤) هو أبو عبد الرحمن مُعاذ بن جبل بن عمرو الأنصاري الخزرجي، أحد السبعة الذين شهدوا العقبة من الأنصار وقد شهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان من قراء الصحابة وعلمائهم وأمرائهم. توفي رضي الله عنه سنة ١٧هـ أو بعدها. انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص (٣٥٨)، "أسد الغابة" ٥/ ١٩٤، "سير أعلام النبلاء" ١/ ٤٤٣، "الإصابة" ٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧.
(٥) الأثر عن عمر ومعاذ رضي الله عنهما أخرجه ابن عدي والطبراني في "الأوسط" وابن أبي حاتم وابن مردويه، وسنده ضعيف، انظر البغوي ٢/ ٢٣٧، "الكافي الشاف" ص (٤٥)، "الدر المنثور" ٢/ ٣١١.
وأما كيفية تبديل الجلود فقال جماعة من أهل المعاني: إن جلودهم إذا نضجت واحترقت جددت، بأن ترد إلى الحال التي كانت عليها غير محترقة. وذلك أن (غير) على ضربين: غير تضادٍ وتنافٍ، كقولك: الليل غير النهار والذكر غير الأنثى.
وغير تبدل، كقولك للصائغ: صغ لي من هذا الخاتم خاتمًا غيره، فيكسره ويصوغ لك منه خاتمًا، فالخاتم المصوغ هو الأول، إلا أن الصياغة غير والفضة واحدة، وتقول للإنسان: جئتني بغير ذلك الوجه، إذا تغيرت حالتُه، وجاء بغير ذلك اللباس إذا غيّر قميصه بأن جعله (...) (١). وهذا الوجه ذكره الزجاج (٢) وابن كيسان وابن الأنباري.
ويزيدك بهذا تأنيسًا ما قال أبو العباس (٣) أحمد بن يحيى: قال الفراء: بدلت الخاتم بالحلقة إذا نحيت هذا وجعلت هذا مكانه، وبدلت الخاتم بالحلقة إذا أذبته وسويته حلقة، وبدلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها وجعلتها خاتمًا.
قال أبو العباس: وحقيقته أن التبديل تغيير صورة إلى صورة أخرى، والجوهرة (٤) بعينها، والإبدال تنحية الجوهرة واستئناف جوهرة أخرى، ومنه قول أبي النجم:
(١) بياض في (ش) ولعلها: بأن جعله (أبيض)، أو نحو ذلك.
(٢) في "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٦٥، وانظر: الطبري ٥/ ١٤٣، "زاد المسير" ٢/ ١١٣، "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٢٥٤.
(٣) من "تهذيب اللغة" ١/ ٢٩٥ (بدل)، وقد نقل عن الأزهري نصًّا طويلاً، فيه أقوال.
(٤) جوهرة الشيء أصله، قال ابن منظور: "وجوهر كل شيء ما خلقت عليه جبلته" "اللسان" ٢/ ٧١٢ (جهر).
عزلُ الأمير للأمير المبدل (١)
ألا ترى أنه نحى جسمًا وجعل مكانه جسمًا غيره.
قال أبو عمر (٢): فعرضت هذا على المبرِّد فاستحسنه، وزاد فيه فقال. قد جعلت العرب بدلت بمعنى أبدلت، وهو قوله تعالى-: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] ألا ترى أنه قد أزال السيئات وجعل مكانها الحسنات. قال: وأما ما شرط أحمد بن يحيى فهو معنى قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، قال: وهذه هي الجوهرة بعينها باقية، وتبديلها تغيير صورتها إلى غيرها؛ لأنها كانت ناعمة فاسودت بالعذاب، فردت صورة جلودهم الأولى لمَّا نضجت تلك الصورة، فالجوهرة واحدة والصورة مختلفة. انتهى الحكاية (٣).
ويؤكد هذا البيان الذي ذكره المبرد (٤) وما حكينا من قول ابن عباس.
وقال أبو علي الفارسي: ليس ينفصل (بَدَّل) من (أبدل) بشيء، فقد يقال: تبدل في الشيء، ويكون قائمًا وغير قائم، كقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]، فقد تكون الآية المبدلة قائمة التلاوة، وربما رفعت من التلاوة. وقال: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦]، والجنتان قائمتان.
ومنهم من أجرى الآية على ظاهرها، وقال: إن الله عز وجل يجدد لهم
(١) "تهذيب اللغة" ١/ ٢٩٤، "اللسان" ١١/ ٤٨ (بدل).
(٢) قد يكون الزاهد، ومرت ترجمته.
(٣) من "تهذيب اللغة" ١/ ٢٩٤، وانظر: "الصحاح" ٤/ ١٦٣٢، "اللسان" ١/ ٢٣١ (بدل).
(٤) لعل هذِه الواو زائدة.
جلودًا غير الجلود التي احترقت، ويعدم المحترقة، ولا يلزم (....) (١) كيف جاز أن يعذِّب جلدًا لم يعصه؟ لأن الجلد لا يألم وإنما الألم هو الإنسان، فالجلد وإن بدِّل (...) (٢) والألم واحد. والدليل على أن القصد تعذيب أصحاب الجلود لا الجلود قوله: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] ولم يقل: لتذوق (٣).
و (غير) على هذا التأويل غير تنافٍ وتضادٍ.
واعتمد أبو بكر (٤) هذا القول فقال: إن الله تعالى يُلبسهم جلودًا تؤلمهم ولا تألم هي في ذاتها، فتكون جلودًا توصل الآلام والأوجاع إلى أرواحهم وقلوبهم من غير أن يلحقها هي شيء من ذلك، كما قال: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] أراد بالسرابيل القمص، وهي قولهم: ولا تجد ألمًا (٥).
ومنهم من أبعد في التأويل فقال: أراد بالجلود السرابيل في قوله: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] سميت السرابيل جلودًا للزومها جلودهم على المجاورة، كما يسمى الشيء الخاص بالإنسان جلدة ما بين عينيه ووجهه (٦)، ومنه قوله:
(١) بياض بقدر كلمتين أو ثلاث، وبمكن أن تقدر: [عليه أن يقال] كيف جاز...
(٢) بياض بقدر كلمتين أو ثلاث، ويمكن أن يقدر: [فالإنسان لم يتغير]...
(٣) انظر: "الطبري" ٥/ ١٤٢ - ١٤٣، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٣٨، "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٢٥٤.
(٤) لعله يقصد ابن الأنباري.
(٥) لم أقف عليه، وانظر: الطبري ٥/ ١٤٣.
(٦) انظر: الطبري ٥/ ١٤٣، والقرطبي ٥/ ٢٥٤، وقد استبعد هذا القول كالمؤلف ابن كثير في "تفسيره" ١/ ٥٦٤.
وجلدة بين العين والأنف سالم (١)
فالتبديل للسرابيل، كلما احترقت السرابيل أعيدت، وينشد على هذا قول الشاعر:
كسا اللؤم تيمًا خضرة في جلودها فويلٌ لتيمٍ من سرابيلها الخضر (٢)
أراد بالسرابيل جلودهم.
وللسدي في هذا مذهب آخر، هو أنه قال: تبدل الجلود جلودًا غيرها من لحم الكافر، يُعيد الجلد لحمًا وُيخرج من اللحم جلدًا آخر. لا يبدل بجلدٍ لم يعمل بخطيئة (٣).
ومعنى قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾ أي لانت، والنُّضج هو اللين بالحرارة، وهو دون الاحتراق (٤). ولفظ النضج ههنا أبلغ في التعذيب من لفظ الإحراق؛ لأنها إذا احترقت لم تحس بألم، ووقع بين فنائه وإنشاء غيره مهلة؛ إذ الجمع بين المحترق وغير المحترق محال، وفي تلك المهلة ترفيه للكافر، والله تعالى يقول: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦٢] (٥).
(١) هذا عجز بيت لعبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- وصدره:
يلومونني في سالم وألومهم
ولعله يقصد ابنه سالمًا. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٢٥٤.
(٢) البيت لجرير في "ديوانه" ص١٦٢، والكتاب ١/ ٣٣٣، ودون نسبة في "المقتضب" ٣/ ٢٢٠، "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٢٥٤. والسرابيل جمع سربال وهو القميص كما تقدم عند المؤلف.
(٣) انظر: "معالم التنزيل" ٢/ ٢٣٨.
(٤) الظاهر والذي عليه المفسرون أن معنى: (نضجت): احترقت. انظر: الطبري ٥/ ١٤٣، "بحر العلوم" ١/ ٣٦١، "زاد المسير" ٢/ ١١٣. وعلى ما ذكر المؤلف يلزم بأن يفسر تبديل الجلود بتغيير حالتها، لا تغييرها هي. والله أعلم.
(٥) انظر: الطبري ٥/ ١٤٣، والقرطبي ٥/ ٢٥٤.
وقوله تعالى: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. استعمل لفظ الذوق ههنا مع عظم ما نالوا من شدة العذاب إخبارًا بأن إحساسهم به في كل حال كإحساس الذائق في تجديد الوجدان من غير نقصان في الإحساس، كما يكون في الذي يستمر به الأكل فلا يجد الطعم (١).
ويقال: ذاق يذوق ذوقًا ومذاقًا وذواقًا، والذواق والمذاق يكونان مصدرين ويكونان طعمًا، كما تقول: ذواقه ومذاقه طيب (٢).
وروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: الذوق يكون بالفم وبغير الفم (٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي هو قوي لا يغلبه شيء، وهو مع ذلك حكيم فيما دبر (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾. أصل الظل الستر من الشمس، والليل يسمى ظلًا لأنه كالستر من الشمس (٥)، ومنه:
في ظل أخضر يدعو هامه البومُ (٦)
(١) انظر: "الكشاف" ١/ ٢٧٥.
(٢) "العين" ٥/ ٢٠١، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٣٠٢ (ذوق).
(٣) "تهذيب اللغة" ٢/ ١٣٠٢ (ذوق).
(٤) انظر: الطبري ٥/ ١٤٣، "بحر العلوم" ١/ ٣٦٢.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٢٤٥ - ٢٢٤٦، "اللسان" ٥/ ٢٧٥٤ (ظلل).
(٦) عجز بيت لذي الرمة في ص (٥٧٤)، "الأضداد" لابن الأنباري ص (٣٤٨)، "تهذيب اللغة" ١/ ١٠٤٦ (خضر)، "الصحاح" ٥/ ١٧٥٥، "معجم مقاييس اللغة" ٣/ ٤٦١ (ظلل)، "المفردات" ص (١٥٠)، "شرح العكبري لديوان المتنبي" ٢/ ١٥٣، "اللسان" في أكثر من موضع منها: ٥/ ٢٧٥٤ (ظلل). وصدره: "قد أعسف النازح المجهول معسفه" وفي "الديوان": "أغضف" بدل "أخضر" في الشطر الثاني. وجاء في "شرحه": أعسف: أسير على غير هداية، والنازح: البعيد، والمجهول: الذى ليس له علم، أغضف: يعني الليل، وأغضف أي =
ومضى القول في هذا عند قوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧].
واختلفوا في معنى الظليل، فقال ابن عباس: ﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ دائمًا (١).
ونحو ذلك قال الضحاك (٢). ومعنى قوله: دائمًا أنَّ الشمس لا تنسخه كما تنسخ ظلال الدنيا (٣). فهذا قول.
وقال الحسن: ظل ظليل لا يدخله الحر والسمائم (٤). وهذا اختيار ابن كيسان والزجاج.
قال ابن كيسان: ﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ من الرياح والحر (٥)، وكم من ظلٍّ لا يكون ظليلًا، ولذلك وصف ظل الجنة بأنه ظليل.
وقال الزجاج: معنى ظليل: يظل من الريح والحر، وليس كل ظل كذلك. أعلم الله عز وجل أن ظل الجنة ظليل لا حر (معه) (٦) ولا برد (٧).
وقال بعضهم: معنى الظليل أنه لا خلل فيه ولا فرجة، والمراد بهذا الظل هو الجنة وهو ظل لا حر فيه ولا برد (٨).
= أسود، والهام: ذكر البوم [وهو نوع من الطيور] انتهى من الديوان بتصرف.
(١) أورده المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٥٩٢ دون نسبة إلى ابن عباس، ولم أقف عليه عنه، وروى ابن أبي حاتم معناه عن الربيع بن أنس، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣١١.
(٢) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٢٥٥.
(٣) انظر: "معالم التنزيل" ٢/ ٢٣٨.
(٤) انظر: "الوسيط" ٢/ ٥٩٢، "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٢٥٥، "البحر المحيط" ٣/ ٢٧٥، وفيهما: "السموم" بدل "السمائم".
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٢٤٨ (ظلل).
(٦) في المخطوط: "معد" والتصويب من "معاني الزجاج".
(٧) "معاني الزجاج" ٢/ ٦٦.
(٨) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٦٦، "البحر المحيط" ٣/ ٢٧٥.
وقال مقاتل: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ يعني أكنان القصور لا فرجة فيها (١).
وهذا غير الأول لأنه خص الظل بأكنان القصور.
والظليل ليس بمبني على الفعل حتى يقال. إنه بمعنى فاعل أو مفعول، بل هو مبالغة في نعت الظل، ولم يسمع من الظل تصرف، وهذا كما يقال: رجل رجيل.
٥٨ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الآية.
أجمعوا على أنها نازلة في شأن مفتاح الكعبة (٢) (.. (٣)..) وذلك أن رسول الله - ﷺ - لما فتح مكة طلب المفتاح، فقيل له: إنه مع عثمان بن طلحة الحجبي (٤)، وكان من بني عبد الدار، وكان يلي سدانة الكعبة. فوجه إليه عليًا، فأبى دفعه إليه، وقال: لو علمت أنه رسول الله - ﷺ - لم أمنعه المفتاح. فلوى عليّ يده، وأخذ منه قسرًا، حتى دخل رسول الله - ﷺ - البيت وصلى فيه، فلما خرج قال له العباس: بأبي أنت اجمع لي السّدانة مع السقاية. وسأله أن يعطيه المفتاح. فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمر رسول الله عليًا أن يرده إليه، فرده إليه علي، وألطف له في القول، فقال: أخذته مني قهرًا. ورددته علي باللطف. فقال: لأن الله أمرنا برده عليك، وقرأ عليه الآية، فأتى النبي - ﷺ - وأسلم (٥).
(١) "تفسيره" ١/ ٣٨١، وانظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٦٢.
(٢) انظر: ابن كثير ١/ ٥٦٥.
(٣) هنا كلمة غير واضحة.
(٤) هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة (عبد الله) العبدري، الحجبي (حاجب البيت) أسلم يوم الحديبية على الصحيح، وشهد الفتح مع النبي - ﷺ -، وقد سكن المدينة إلى أن مات بها رضي الله عنه سنة ٤٢ هـ انظر: "أسد الغابة" ٣/ ٥٧٨، "الإصابة" ٢/ ٤٦٠.
(٥) أخرجه الطبري بمعناه ٥/ ١٤٥، وابن المنذر، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣١٢، كلاهما من طريق ابن جريج، وذكره المؤلف فى "الوسيط" ٢/ ٥٩٣، "أسباب =
وهذا قول محمد بن إسحاق (١) (٢) وسعيد بن المسيب (٣).
وقال أبو روق: قال النبي - ﷺ - لعثمان: أعطني المفتاح فقال: هاك بأمانة الله، فلما أراد أن يتناوله ضمّ يده، فقال رسول الله - ﷺ -: إن كنت تؤمن بالله واليوم الاخر فأعطني المفتاح، فقال: هاك بأمانة الله. فلما أراد أنَّ يتناوله ضمَّ يده، فقال في الثالثة: هاك بأمانة الله. ودفعه إلى النبى - ﷺ - وقام النبي يطوف ومعه المفتاح، وأراد أن يدفعه إلى العباس.
قال عطاء: فقال رسول الله - ﷺ -: يا عثمان، هذا المفتاح على أن للعباس معك نصيبًا فأنزل الله هذه الآية، فقال النبي - ﷺ - لعثمان: هاك خالدةً تالدةً، لا ينزعها عنك إلا ظالم (٤).
قال ابن يسار: ثم إن عثمان هاجر ودفع إلى أخيه (٥) شيبة (٦)، فهو في ولده إلى اليوم (٧).
= النزول" ص ١٦٢ وأنكره ابن حجر لأن عثمان الحجبي أسلم قبل الفتح. انظر: "الإصابة" ٢/ ٤٦٠.
(١) تقدمت ترجمته.
(٢) انظر: ابن كثير ١/ ٥٦٥.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) نحو هذا الأثر ورد من طريق الكلبي عن ابن عباس وهو سند واه، أخرجه ابن مردويه انظر: ابن كثير ١/ ٥٦٥، "الدر المنثور" ٢/ ٣١٢، "لباب النقول" ص ٧١، ولم أقف عليه عن أبي روق.
(٥) قد يكون الصواب: ابن عمه كما سيأتي في الترجمة الآتية.
(٦) هو أبو عثمان شيبة بن عثمان (الأوقص) بن أبي طلحة العبدري الحجبي، أسلم يوم الفتح وكان ممن ثبت يوم حنين، وقد ولي الحجابة بعد والده عثمان فاستمرت في ولده، توفي رضي الله عنه سنة ٥٩ هـ. انظر: "تاريخ خليفة" ص ٢٢٦، "أسد الغابة" ٢/ ٥٣٤، "الإصابة" ٢/ ١٦١.
(٧) انظر: "معالم التنزيل" ٢/ ٢٣٨، "الإصابة" ٢/ ١٦١.
قال ابن عباس: هذه الآية عامة في كل أمانة، البر والفاجر يؤدِّي الأمانة إلى البر والفاجر، والرحم توصل برةً كانت أو فاجرةً (١).
وقال الكلبي: نزلت هذه الآية يوم فتح مكة، ثم صارت عامة للناس (٢).
وقال ابن عمر (٣): أول ما خلق اللهُ من الإنسان فرجه، ثم قال: هذه أمانة خبأتها عندك، فلا تسأل منها شيئًا إلا بحقها، فالفرج أمانة (والبصر) (٤) أمانة، واللسان أمانة، والقلب أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له (٥).
وقال ابن مسعود: إنَّ الأمانة في كل شيء؛ في الوضوء، والصلاة، والزكاة، والجنابة، والصوم، وفي الكيل والوزن، وأعظم من ذلك الودائع (٦).
فالخطاب بأداء الأمانات إلى أهلها متوجهٌ على كل مؤتمن على شيء في قول ابن عباس، والكلبي، وأبي بن كعب، والحسن وقتادة (٧).
وقال عبد الرحمن بن زيد: الخطاب بأداء الأمانات لولاة الأمر (٨).
(١) ذكره بمعناه ابن كثير ١/ ٥٦٥، وأخرج البيهقي نحوه عن ميمون بن مهران، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣١٤.
(٢) لم أقف عليه، وانظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٦٢.
(٣) لعله ابن عمرو كما في "مسند الفردوس" ١/ ١٣.
(٤) في "مسند الفردوس ": "والسمع".
(٥) أخرجه فى "مسند الفردوس" ١/ ١٣ بنحوه.
(٦) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ١١٤، وانظر القرطبي ٥/ ٢٥٦.
(٧) انظر: "النكت والعيون" ١/ ٤٠٠، "زاد المسير" ٢/ ١١٤، والقرطبي ٥/ ٢٥٦.
(٨) أخرجه الطبري ٥/ ١٤٥ - ١٤٦، عن ابن زيد عن أبيه وانظر "زاد المسير" ٢/ ١١٤.
وقال ابن جريح: هذه الآية في رد مفاتيح الكعبة إلى عثمان (١).
والصحيح ما عليه الجمهور، أنها عامة في جميع الأمانات (٢)، فمن كانت عنده أمانة فعليه تأديتها إذا طالبه صاحبها. وليس عليه مؤونة نقلها إلى صاحبها؛ لأن الله تعالى لم يوجب عليه سوى التأدية.
والأمانة مصدر سمي به المفعول، ولذلك جُمع لأنه أخلص اسمًا (٣)، قال الشاعر:
فأخلفن ميعادي وخن أمانتي وليس لمن خان الأمانة دينُ (٤)
يريد ما أمنهن عليهن.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ (٥). الكناية في (به) تعود إلى ما في (نعما) وهو اسم بمنزلة: نعم شيئًا يعظكم به، أو وعظًا يعظكم به. وذكرنا وجوه القراءات في (نعما) في سورة البقرة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]. أي هو سميع لما تقولون في الأمانة والحكم، بصير بما تعملون فيها (٦)، فيكون بصير ههنا بمعنى: عليم، ويجوز أن يكون بمعنى راءٍ ذلك.
وذكر فرق لطيف بين السامع والسميع، فقيل: لفظ السامع يدل على وجود المسموع؛ لأنه فاعل من قولك: سمعتُ كلام فلان فأنا سامعٌ له. ومعنى سميع أنه إذا وجد المسموع سمعه. وكذلك الفرق بين مُبصر وبصير.
(١) تقدم الأثر عنه.
(٢) انظر: الطبري ٥/ ١٤٦، و"معاني الزجاج" ٢/ ٦٦، و"بحر العلوم" ١/ ٣٦٢، و"أحكام القرآن" للهراسي ٢/ ٤٧١، والقرطبي ٥/ ٢٥٦.
(٣) انظر: القرطبي ٥/ ٢٥٦.
(٤) نسب إلى كثير عزة في "العقد الفريد" ٦/ ١٨٤، ينظر: "ديوانه" ص ٢٣٠، و"الأغانى" ٥/ ١٠٨.
(٥) انظر: "البحر المحيط" ٣/ ٣٧٧.
(٦) انظر: الطبري ٥/ ١٤٦.
٥٩ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم﴾. [النساء: ٥٩].
اختلف الرواية عن ابن عباس في تفسير أولي الأمر، فقال في رواية عطاء: يريد الولاة من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان (١).
وقال في رواية الوالبي: هم الفقهاء والعلماء، أهل الدين الذين يعلِّمون الناس معالم دينهم أوجب الله طاعتهم (٢). وهذا قول مجاهد (٣) والحسن (٤) والضحاك (٥).
وقال في رواية سعيد بن جبير: نزلت في عبد الله بن حذافة (٦) [بن قيس بن عدي] (٧)، بعثه النبي - ﷺ - في السرية (٨).
(١) انظر: "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤١. وقد أخرج الخطيب البغدادي في كتاب "الفقيه والمتفقه" ص ٢٧ من رواية عطاء عن ابن عباس قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: "العلماء حيث كانوا وأين كانوا".
(٢) "تفسير ابن عباس" ص ١٥١، وأخرجه الطبري ٥/ ١٤٩، لكنه فيهما بلفظ "يعني أهل الفقه في الدين".
(٣) في "تفسيره" ١/ ١٦٢، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١٦٦، والطبري ٥/ ١٤٩ والخطيب في الفقيه والمتفقه ص (٢٧، ٢٨).
(٤) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١٦٦، والطبري ٥/ ١٤٩، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" ص ٢٨، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ١٧.
(٥) أورده السمرقندي في "بحر العلوم" ١/ ٣٦٣، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ١١٧.
(٦) هو أبو حذافة أو أبو حذيفة عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي القرشي السهمي من قدماء المهاجرين ومن المهاجرين، وقد ثبت أمام فتنة ملك الروم لما أسر وصار سببًا في فكاك أسارى المسلمين، توفي رضي الله عنه في خلافة عثمان. انظر: "أسد الغابة" ٣/ ٢١١، "الإصابة" ٢/ ٢٩٦، "التقريب" ص ٣٠٠ رقم (٣٢٧٢).
(٧) بياض في (ش) والتسديد من البخاري ٨/ ٢٥٣، "أسباب النزول" للمؤلف ص١٦٣.
(٨) أخرجه البخاري (٤٥٨٤) كتاب "التفسير" سورة النساء، باب: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ومسلم (١٨٣٤) كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء، والطبري ٥/ ١٤٨، والمؤلف في "أسباب النزول" ص ١٦٣ - ١٦٤.
وفي رواية باذان عن ابن عباس: أنها نزلت في خالد بن الوليد (١). بعثه رسول الله - ﷺ - أميرًا على سرية، وفيها عمار بن ياسر (٢)، فجرى بينهما اختلاف في شيء، فنزلت هذه الآية، وأمر بطاعة أولي الأمر (٣).
وقال الكلبي ومقاتل والسدي: أولو الأمر أمراء السرايا (٤).
وقال ابن زيد: هم الأمراء والسلاطين، أمروا بأداء الأمانة بقوله: بحسن الطاعة لهم (٥).
(١) هو أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو القرشي المخزومي، سيف الله، كان أحد أشراف قريش في الجاهلية ومقدما في الحروب، أسلم سنة سبع وشهد الفتح وحنين والفتوحات وطلب الشهادة لكنه توفي رضي الله عنه على فراشه سنة ٢١ هـ انظر: "أسد الغابة" ٢/ ١٠٩، "الإصابة" ١/ ٤١٣.
(٢) هو أبو اليقظان عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنسي حليف بني مخزوم، من السابقين هو وأبوه وأمه إلى الإسلام وكانوا يعذبون فيحثهم النبي - ﷺ - على الصبر، من المهاجرين وشهد المشاهد، وقد قتلته الفئة الباغية كما أخبر النبي - ﷺ - يوم صفين سنة ٨٧ هـ انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص (٤٣)، "سير أعلام النبلاء" ١/ ٤٠٦، "الإصابة" ٢/ ٥١٢.
(٣) أخرجه ابن مردويه كما ذكره ابن كثير في "تفسيره" ٢/ ٣٢٦، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ١١٦.
(٤) قول مقاتل في "تفسيره" ١/ ٣٨٣. وعن الكلبي انظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٦٣، "زاد المسير" ٢/ ١١٦، والقرطبي ٥/ ٢٦٠. أما عن السدي فقد أخرج الأثر المتقدم عن ابن عباس عنه مرسلًا. الطبري ٥/ ١٤٨، وابن أبي حاتم. انظر: "تفسير ابن كثير" ١/ ٥٦٦ - ٥٦٧، "الدر المنثور" ٢/ ٣١٤.
(٥) أخرج ابن جرير الطبري ٥/ ١٤٨ بسنده عن ابن زيد قال في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: قال أبي: هم السلاطين. قال: وقال ابن زيد في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ "قال أبي: قال رسول الله - ﷺ -: الطاعة الطاعة، وفي الطاعة بلاء... " الحديث.
هذا ما وجدته عن ابن زيد، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ١١٦.
ولهذا قال يرعى. حقٌّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا (١).
وقال الزجاج: وجملة أولي الأمر من يقوم بشأن المسلمين في أمر دينهم وجميع ما أدى إلى صلاحهم (٢).
قال العلماء: طاعة السلطان عن الكتاب والسنة فلا طاعة له، وإنما تجب طاعتهم فيما وافق الحق (٣).
وروي أن مسلمة بن عبد الملك (٤) قال لأبي حازم (٥): ألستم أمرتم بطاعتنا حيث قيل: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾؟ فقال أبو
(١) أخرجه ابن أبي شيبة، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣١٧، وذكره في "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٠.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٦٧.
(٣) هكذا جاءت هذِه العبارة في (ش) ولعل في الكلام سقطا بعد كلمة السلطان، كما هو ظاهر. والصواب: طاعة السلطان [واجبة بالمعروف، فإن خرج أمره] عن الكتاب والسنة.. وانظر: نحو هذا الكلام في الطبري ٥/ ١٥٠، "بحر العلوم" ١/ ٣٦٣، "النكت والعيون" ١/ ٥٠٠، "الدر المنثور" ٢/ ٣١٦ - ٣١٧.
(٤) هو أبو سعيد مسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكم من أمراء بني أمية وقادتهم وكان شجاعًا من أبطال عصره، وله فتوحات كثيرة، كان أهلًا للخلافة ولم يتمكن منها. توفي رحمه الله سنة ١٢٠هـ انظر: "سير أعلام النبلاء" ٥/ ٢٤١، "التقريب" ص (٥٣١) رقم (٦٦٦٠)، "الأعلام" ٧/ ٢٢٤.
(٥) لعله سلمة بن دينار الأعرج التَّمار المدني المخزومي القاص الواعظ العابد الزاهد، من علماء التابعين وفضلائهم، وله كلمات مأثورة في الوعظ والحكمة، وهو ثقة أخرج حديثه الجماعة. مات في خلافة المنصور رحمه الله. انظر: "تاريخ الثقات" ١/ ٤٢٠، "سير أعلام النبلاء" ٦/ ٩٦، "التقريب" ص (٢٤٧) رقم (٢٤٨٩).
حازم: أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾؟ (١).
قالوا: والإمام الأعظم الذي تجب طاعته على الرعية يجب أن يكون مستجمعًا لأوصاف أربعة: أحدها: العلم.
والثاني: الأمانة.
والثالث: الكفاية.
والرابع: النسب، وهو أن يكون قرشي النسب (٢).
والإمام في الدين الذي يقتدى به ويجب قبول قوله، على ما قاله مجاهد والحسن والضحاك كان أولي (٣) الأمر هم الفقهاء يجب أن يكون جامعًا لخلال؛ وهي العلم بكلام العرب، والعلم بكتاب الله، والعلم بسنة رسول الله - ﷺ - والعلم بأقاويل السلف، والعلم بالقياس، والورع في الدين.
وأولو الأمر معناه: ذوو الأمر، وواحده (ذو) على غير قياس كالنساء والإبل والخيل، اسم للجمع لا واحد له من لفظه (٤).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾. قال الزجاج: أي اختلفتم وتجادلتم، وقال كل فريق: القول قولي. قال: واشتقاق المنازعة من انتزاع الحجة، وهو أن كل واحد منهما ينتزع الحجة (٥).
(١) لم أقف عليه.
(٢) انظر: "الأحكام السلطانية" للماوردي ص ٦، "الأحكام السلطانية" للقاضي الفراء الحنبلي ص ٢٠.
(٣) هكذا في المخطوط، والصواب "أولو".
(٤) انظر: "مجاز القرآن" ١/ ١٣٠، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ٢٠١، القرطبي ٥/ ٢٦١.
(٥) "معاني الزجاج" ٢/ ٦٨، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ١١٧.
وقال غيره: أصل المنازعة والتنازع في الخصومات من النزع الذي هو الجذب. والمنازعة في الخصومة مجاذبة الحجج فيما يتنازع فيه الخصمان (١).
وقوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال ابن عباس في رواية باذان، حيث قال: إن هذه الآية نزلت في خالد بن الوليد وعمار بن ياسر، وقد حكينا ذلك، فقال في هذه الرواية في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (وأمراؤكم) (٢) فردوا الأمر إلى الرسول، وهو بين أظهركم، فما أمركم به الرسول فافعلوا (٣).
وقال المفسرون: معنى الآية قول (٤) مجاهد والكلبي وقتادة والسدي وميمون بن مهران (٥) (٦). قال سعيد بن جبير: ما بيَّن الله في الكتاب فذلك أمر الله وقضاؤه، والسنة ما سن النبي في الدين مما لم ينزل به كتاب، يقال: كتاب الله وسنة نبيه (٧).
(١) انظر: "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٢، والقرطبي ٥/ ٢٦١.
(٢) كأن هذِه الكلمة في المخطوط: "وأمر لكم"، وما أثبته هو الموافق للوسيط ٢/ ٦٠١.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) يبدو أن في الكلام سقطًا، ويحتمل:
"معنى الآية على قول مجاهد ". وقد ساق المؤلف أقوالهم بعد ذلك.
(٥) هو أبو أيوب ميمون بن مهران الجزري الكوفي الأسدي بالولاء، من ثقات التابعين وكان فقيهًا فاضلًا دينًا، ولد سنة ٤٠ هـ، وولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز، ومات رحمه الله سنة ١١٧هـ وقيل بعدها. انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص ١١٧، "سير أعلام النبلاء" ٢/ ٧١، "التقريب" ص ٥٥٦ رقم، (٧٠٤٩).
(٦) انظر في ذلك: الطبري ٥/ ١٥١، "النكت والعيون" ١/ ٥٠٠، "زاد المسير" ٢/ ١١٧، وابن كثير ١/ ٥٦٨، "الدر المنثور" ٢/ ٣١٥.
(٧) لم أقف عليه.
وقال قتادة: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ إلى كتاب الله ﴿وَالرَّسُولِ﴾ إلى سنة الرسول (١).
وقال ميمون بن مهران: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ إلى كتابه وإلى ﴿الرَّسُولِ﴾ ما دام حيًا، فإذا قُبض فإلى سنته (٢).
وقال ابن مسلم (٣): ردُّه إلى الله أن يرده إلى كتابه، ورده إلى الرسول أن يرده إلى سنته (٤).
قال علماء الأمة: هذه الآية دليل على أن من لا يعتقد وجوب متابعة السنة والحكم بالأخبار الواردة عن النبي - ﷺ - لا يعتقد الإيمان بالله ورسوله؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] (٥).
والمفسرون أجمعوا على أن رد المختلف فيه إلى الله والرسول رده إلى الكتاب والسنة (٦).
ولهذا كان علماء السلف يجعلون ما بين النبي - ﷺ - في سنته وما فعله خلفاؤه بعده مما لم ينكروا عليهم كالمنطوق به في القرآن؛ لأن الله أوجب طاعة الرسول كما أوجب طاعته، فمن أخذ بقول الرسول كان كالآخذ بما
(١) أخرجه الطبري ٥/ ١٥١، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ١١٧.
(٢) أخرجه الطبري ٥/ ١٥١، وابن المنذر، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣١٥.
(٣) يعني ابن قتيبة.
(٤) "غريب القرآن" ص ١٢٧.
(٥) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٦٨، وابن كثير ١/ ٥٦٨.
(٦) انظر: "أحكام القرآن" للشافعي ١/ ٢٩، "تفسير عبد الرزاق" ١/ ١٦٧، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص١٢٧، والطبري ٨/ ١٥٠ - ١٥١، "معاني الزجاج" ٢/ ٦٨ "بحر العلوم" ١/ ٣٦٣، "الماوردي" ١/ ٥٠٠.
نص عليه الله تعالى في القرآن، ألا ترى أن ابن مسعود قال: إن الله تعالى لعن في كتابه المرأة التي تصلُ شعرها بشعر غيرها. فقال بعض من سمع ذلك منه بعد زمان: لقد تدبرت الكتاب فلم أجد لعنها في موضع من الكتاب. فقال: أما قرأت قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] الآية، وقد قال رسول الله - ﷺ -: "لعن الله الواصلة والمستوصلة" (١).
ومثل هذا ما روي عن عكرمة أنه قال: أمهات الأولاد أحرار بالقرآن. قيل: أي القرآن؟ قال: أعتقهن عمر بن الخطاب. ألم تسمع قول الله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وإن عمر من أولي الأمر، وإن عمر قال: أعتقها ولدها وإن كان سقطًا (٢).
فجعل ما حكم به عمركما حكم به الكتاب.
وردُّ المختلف فيه إلى الكتاب والسنة إنما يجب إذا كان الاختلاف قائمًا. فأما إذا وقع عليه إجماع الصحابة، أو إجماعُ يؤثر في رفع الخلاف فذلك حق، ولا نحتاج بعد ذلك إلى نظر في الكتاب والسنة؛ لأن ذلك الإجماع مستند إلى الكتاب والسنة (٣).
قال أبو إسحاق: ويحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي قولوا فيما لم تعلموه: الله ورسوله أعلم (٤).
(١) أخرجه البخاري (٤٨٨٦) كتاب التفسير سورة الحشر باب: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، ومسلم بنحوه (٢١٢٥) كتاب اللباس - باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، وغيرهما.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣١٦.
(٣) انظر: "الرسالة" للإمام الشافعي ص ٣٢٢، ٤٧٠، ٤٧٢.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٦٨، وانظر: القرطبي ٥/ ٢٦١.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. أي ردكم ما اختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة وترككم التجادل خير (١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. التأويل تفعيل من آل يؤول إذا رجع وعاد. وقال أبو عبيد: التأويل: المرجع والمصير، مأخوذ من آل يؤول إلى كذا، أي: صار إليه، وأولته صيرته إليه (٢).
وقال ابن المظفر: التأول والتأويل: تفسير الكلام الذي يختلف معانيه، ولا يصح إلا ببيان غير لفظه. وأنشد:
نحنُ ضربناكم على تنزيله فاليوم نضربكم على تأويله (٣)
وسئل أحمد بن يحيى عن التأويل، فقال: التأويل والتفسير المعنى واحد (٤).
قال الأزهري: اشتقاق التأويل من ألت الشيء أؤوله: إذا جمعته وأصلحته. فكأن التأويل جمع معاني ألفاظ أشكلت بلفظ واضح لا إشكال فيه. تقول العرب: أوَّل الله عليك أمرك. أي: جمعه. وإذا دعوا عليه قالوا: لا أول الله عليك شملك (٥).
(١) انظر: الطبري ٥/ ١٥١، "معاني الزجاج" ٢/ ٦٨.
(٢) من "تهذيب اللغة" ١/ ٢٣٣.
(٣) "العين" ٨/ ٣٦٩، "تهذيب اللغة" ١/ ٢٣٣، وانظر: "اللسان" ١/ ١٧٢ (أول) والبيت من الرجز، وهو لعبد الله بن رواحة رضي الله عنه، وقد قال بعده:
ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله
"أساس البلاغة" ١/ ٢٥ (أول).
(٤) "تهذيب اللغة" ١/ ٢٣٢، وانظر: "اللسان" ١/ ١٧٢ (أول).
(٥) "تهذيب اللغة" ١/ ٢٣٢ (أول)، وانظر: "اللسان" ١/ ١٧٢ (أول)، والقرطبي ٥/ ٢٦٣.
هذا كلام أهل اللغة في معنى التأويل. وقول المفسرين غير خارج عن معاني قول أهل اللغة.
قال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾: يريد أصدق تفسيرا (١).
وقال قتادة والسدي وابن زيد: وأحمد عاقبة (٢).
وهذا على قول من يجعل التأويل مشتقًّا من الأَوْل بمعنى الرجوع. والعاقبة تسمى تأويلًا؛ لأنها مآل، بمنزلة ما تفرقت عنه الأشياء ثم رجعت إليه، يقال: إلى هذا مآل هذا الأمر: أي عاقبته (٣).
وهذا القول اختيار الزجاج (٤) وابن قتيبة (٥). قال الزجاج: وجائز أن يكون المعنى: وأحسن من تأولكم أنتم، دون ردكم إياه إلى الكتاب والسنة (٦).
وذكرنا طرفًا من الكلام في معنى التأويل في أول سورة آل عمران.
٦٠ - وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية. الزَّعم والزُّعم لغتان. وأكثر ما يستعمل الزعم بمعنى القول فيما لا يتحقق (٧).
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرج ذلك عنهم الطبري ٥/ ١٥٢، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" ١/ ٥٠٠، وانظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٦٣، والبغوي ٢/ ٢٤٢، وابن كثير ١/ ٥٦٩، "الدر المنثور" ٢/ ٣١٨.
(٣) انظر: "مقاييس اللغة" ١/ ١٦٢، "أساس البلاغة" ص ١/ ٢٥ (أول).
(٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٦٨.
(٥) انظر: "غريب القرآن" ص ١٢٧.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٦٨.
(٧) انظر: "العين" ١/ ٣٦٤، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٣٤ (زعم)، "زاد المسير" ٢/ ١٢٠.
قال ابن المظفر: أهل العربية يقولون: زعم فلان. إذا (شك فيه) (١) فلم يدر لعله كذب أو باطل، وكذلك تفسير قوله: ﴿هَذَا الله بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام:١٣٦] أي بقولهم الكذب (٢).
قال شمر: روي عن الأصمعي أنه قال: الزعم الكذب وأنشد للكميت:
إذا الإكام اكتست مآليها وكان زعم اللوامع الكذب (٣)
يريد السراب. قال شمر: والعرب تقول: أكذب من يلمع (٤).
وقال شريح: زعموا كنية الكذب (٥). قال (٦) شمر: الزَّعم والتزاعم أكثر ما يقال فيما يشك فيه ولا يحقق (٧).
أبو عبيد عن الأصمعي: الزعوم من الغنم التي لا يُدرى أبها شحم أم لا (٨). ثعلب عن ابن الأعرابي قال: الزعم القول يكون حقًا ويكون باطلًا (٩).
وأنشد في الزعم الذي هو حق يذكر نوحًا:
نودي قم واركبن بأهلك إن الله موف للنَّاس ما زعما (١٠)
(١) في "العين" ١/ ٣٦٤ (زعم): "شك في قوله".
(٢) "العين" ١/ ٣٦٤، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٣٢ (زعم).
(٣) في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٣٣، "اللسان" ٣/ ١٨٣٤ (زعم).
(٤) "تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٣٣، وانظر: "اللسان" ٣/ ١٨٣٦ (زعم).
(٥) "تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٣٣ (زعم).
(٦) في (ش): قاله، ولعله تصحيف، انظر: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٣٣ (زعم).
(٧) من "تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٣٣، وانظر: "اللسان" ٣/ ١٨٣٦ (زعم).
(٨) "تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٣٣ (زعم).
(٩) "تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٣٢ (زعم).
(١٠) البيت للجعدي. "ديوانه" ١٣٦. انظر: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٣٣، "اللسان" ٣/ ١٨٣٥ (زعم)، "خزانة الأدب" ٩/ ١٣٣، "الجمهرة" ٢/ ٨١٦.
وهذا بمعنى التحقيق (١).
والذي في هذه الآية المراد به الكذب؛ لأن الآية نزلت في المنافقين.
قال الكلبي وغيره من المفسرين (٢): نازع رجل من المنافقين رجلًا من اليهود، فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم، وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف. وهو الذي يسمى الطاغوت. فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله - ﷺ -، وصار إليه، فحكم لليهودي على المنافق، فقال المنافق: لا أرضى، انطلق بنا إلى أبي بكر، فحكم أبو بكر لليهودي، فلم يرض المنافق، وقال: بيني وبينك عمر، فصارا إلى عمر، فأخبره اليهودي أنَّ المنافق قد حكم عليه النبي - ﷺ - وأبو بكر، فلم يرض بحكمهما، فقال للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. فقال عمر: اصبرا، إن لي حاجة أدخل فأقضيها وأخرج إليكما فدخل فأخذ سيفه ثم خرج إليهما، فضرب به المنافق حتى برد، وهرب اليهودي. فجاء أهل المنافق، فشكا عمر إلى النبي - ﷺ -، فسأل عمر عن قصته، فقال عمر: إنه رد حكمك يا رسول الله. فقال - ﷺ -: أنت الفاروق (٣).
(١) "تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٣٣ (زعم).
(٢) كابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس. انظر الطبري ٥/ ١٥٤ - ١٥٥، والكلبي في هذا الأثر يروي عن أبي صالح عن ابن عباس وهو سند واه وانظر: "أسباب النزول" للمؤلف ص ١٦٦.
(٣) ذكره الزجاج في "معانيه" ٢/ ٦٩، بصيغة التمريض، يُروى، بلفظ المؤلف وأخرجه الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٨١ أ، من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وكذلك المؤلف في "أسباب النزول" ص ١٦٦، وهذا الطريق من الأسانيد الواهية كما هو مشتهر، وانظر: "تفسير القرطبي" ٥/ ٢٦٤، "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٠. وأخرجه بنحوه ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي الأسود، =
وروي أن عمر لما قتل المنافق أتى جبريل رسول الله - ﷺ - فقال: إنَّ الفاروق فرق بين الحق والباطل فدعا رسول الله - ﷺ - عمر وقال: أنت الفاروق (١).
وقال ابن عباس في رواية عطاء: الطاغوت ههنا حيي بن أخطب (٢)
وقال السدي: الطاغوت ههنا كاهن يقال له أبو بردة هلال بن عويمر (٣)، وذلك أنه وقعت خصومة في دم بين أناس من قريظة والنضير، كانوا قد آمنوا ونافق بعضهم، واختصموا إلى النبي - ﷺ -، ولم يرضوا بحكمه، وقالوا: حتى يحكم بيننا أو بردة الكاهن، ونزلت الآية في شأنهم (٤).
وسنذكر هذه القصة عند قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، وعند قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] إن شاء الله.
= وسنده ضعيف. انظر: "الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف" ص ٤٥، "لباب النقول" ص ٧٣.
(١) "الكشف والبيان" (٤/ ٨١/ ب)، وانظر: "أسباب النزول" للمؤلف ص ٦٦٦.
(٢) ذكره النحاس في "معاني القرآن" ٢/ ١١١ مرويًا عن ابن عباس، وذكره بغير نسبة الأزهري في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢١٩٦ (طغا)، والثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٨٢ أ. وقد أخرج الطبري من رواية عطية العوفي عن ابن عباس أن الطاغوت هنا هو كعب بن الأشرف. "تفسير الطبري" ٥/ ١٥٤، وأخرجه ابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٠.
(٣) هو أبو بردة الأسلمي، دعاه النبي - ﷺ - فأبى، ثم كلمه أبناؤه في ذلك فأجاب، وكان كاهنًا يقضي بين اليهود. انظر: "الإصابة" ٤/ ١٩.
(٤) ذكر الكلام عن السدي بطوله الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٨١ ب، ٨٢ أ، وأشار إليه ابن الجوزي ونسبه لابن عباس من طريق عكرمة. انظر: "زاد المسير" ٢/ ١١٩.
والطاغوت ذو الطغيان على جهة المبالغة في الصفة. ومضى الكلام فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ قال ابن عباس: أمروا أن لا يوالوا غير أهل دينهم (١). ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ قال: يريد ضلالًا لا يرجعون عنه إلى محبة الله أبدًا، وهو النفاق (٢).
وجملة معنى الآية تعجيب النبي - ﷺ - من جهل من يعدل عن حكم الله إلى حكم الطاغوت، مع زعمه بأنه يؤمن بالله ورسوله وما أنزل إليه، تفحيشًا لفعله، وتحذيرًا من مثل حاله.
٦١ - وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: يريد في القرآن من الحكم (٣).
وقوله تعالى: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾. أي يعرضون عنك إلى غيرك.
وذكر المصدر للتأكيد وبيان وقوع الصدود على الحقيقة، كما قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] أي ليس ذلك على بيان كالكلام، بل كلمه في الحقيقة (٤).
قال أهل العلم: وإنما صد المنافقون عن حكم رسول الله، لأنهم
(١) انظر: "تنوير المقباس" بهامقش المصحف ص ٨٨
(٢) لم أقف عليه، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ١٢٠، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٨.
(٣) ذكره المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٦٠٤، دون نسبة إلى ابن عباس، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٨.
(٤) من "الكشف والبيان" ٤/ ٨٢ أ، ب بتصرف، وانظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٦٤، والقرطبي ٥/ ٢٦٤.
كانوا ظالمين وعلموا أنه لا يأخذ الرشا (١) على الحكم، وأنه يحكم بمُرِّ الحق (٢). وقيل: لعداوتهم للدين (٣).
٦٢ - قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية في تأويل هذه ووجه نظمها طريقان: أحدهما: أن المراد بالمصيبة ههنا نقمة من الله تنالهم عقوبة لهم بصدودهم.
وفي الكلام إضمار واختصار، معناه: فكيف يصنعون ويحتالون إذا أصابتهم مصيبةٌ مجازاةً لهم على ما صنعوا. ويتم الكلام عند قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ثم عطف قوله: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ على معنى ما تقدم، لا على ظاهر اللفظ. وقد بينا في مواضع أنه يجوز العطف على ما يمكن في المعنى كقوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا﴾ [آل عمران: ٨٦]، وقد سبقت الآيتان بما فيهما من القول.
والتقدير في هذه الآية: أنه لما أخبر عنهم بالتحاكم إلى الطاغوت، (وصدُّوا عنك صدودًا) ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ وذلك أن المنافقين أتوا نبي الله عليه السلام وحلفوا أنهم ما أرادوا بالعدول عنه في المحاكمة إلا توفيقًا بين الخصوم، أي جمعًا وتأليفًا وإحسانًا بالتقريب في الحكم، دون الحمل على مرِّ الحق. وكل ذلك كذب منهم وإفك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣]، أي من الكذب والخيانة.
(١) جمع رشوة، وجاءت في المخطوط هكذا بالممدودة، والصواب "الرشى" بالمقصورة. انظر: "اللسان" ٣/ ١٦٥٣ (رشا).
(٢) انظر: الطبري ٥/ ١٥٥، "النكت والعيون" ١/ ٥٠١ - ٥٠٢.
(٣) انظر: "زاد المسير" ٢/ ١٢١، "التفسير الكبير" للرازي ١٠/ ١٥٨.
وعلى هذا يكون قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ كلام معترض. وقد يفعل ذلك العرب، يدخلون بين كلام متصل فصلًا يقرب منه في المعنى، وليس هو إياه، وهو كثير في الشعر، من ذلك قول الشاعر:
وقد أدركتني والحوادث جمة أسنة قوم لا ضعافٍ ولا عزل (١)
أراد: أدركتني أسنة قوم، فأدخل بينهما جملة معترضة، وهي من قبيل معنى كلامه؛ لأن إدراك الأسنة إياه من جملة الحوادث.
ويسمي الرواة مثل هذا التفاتًا. وهذه طريقة صحيحة (٢).
الثاني: أن المراد بالمصيبة التي أصابتهم قتل عمر صاحبهم الذي أظهر أنه لا يرضى بحكم رسول الله - ﷺ -. ومعنى قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ هو أنهم طالبوا عمر بدم صاحبهم، وحلفوا: ما أردنا (بهذه) (٣) المطالبة إلا إحسانًا وطلبًا لما يوافق الحق.
وهذا المعنى الثاني اختيار أبي إسحاق (٤).
(١) انظر: "البحر المحيط" ١/ ٥٧٥، و"الخصائص" ١/ ٣٣١، و"المحكم" و"اللسان" (فشل)، و"سر الصناعة" ١/ ١٤٠، و"مغني اللبيب" ٢/ ٣٨٧، ونسبه في "الدرر اللوامع" ٤/ ٢٥ لجويرية بن زيد ولرجل من بني عبد الدار في "شرح شواهد المغني" ٢/ ٨٠٧.
(٢) الظاهر أن هذا الكلام من كتاب "نظم القرآن" وهو مفقود ويؤكد هذا كلام المؤلف، وانظر: "تفسير الطبري" ٥/ ١٥٦، "بحر العلوم" ١/ ٣٦٤، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٢ ب، "زاد المسير" ٢/ ١٢٠، "التفسير الكبير" للرازي ١٠/ ١٥٨، والقرطبي ٥/ ٢٦٤.
(٣) كلمه غير واضحه، ولا يبعد ما أثبته.
(٤) الزجاج في "معانيه" ٢/ ٦٩، وقد أشار إليه بإيجاز. وانظر: "الكشف والبيان" ٨٢/ ب "النكت والعيون" ١/ ٥٠٢، "زاد المسير" ٢/ ١٢١، "الرازي" ١٠/ ١٥٨.
وقيل: معناه ما أردنا بالترافع إلى عمر إلا إحسانًا وتوفيقًا (١). فيكون هذا كما ذكرنا في الوجه الأول.
ونظم الآية على هذا المعنى أن قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ فصل منسوق على ما قبله من قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ و ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ معناه ههنا تعجيب، و (كيف) أيضًا استفهام معناه التعجيب، كما تقول في الكلام: كيف رأيت فلانًا فعل كذا وكذا، إذا أردت أن تعجب المخاطب من فعله. والله تعالى عجب نبيه مما قد هم المنافقون (٢) من التحاكم إلى الطاغوت، ثم نسق عليه خبرًا آخر عجبه مما كان منهم عند قتل صاحبهم، وتهتك أستارهم بظهور نفاقهم.
والتقدير: ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك كَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بالله إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا. إلا أن الفاء دخلت في أول (كيف) لأنه نسق على ما قبله ومعطوف. وكذلك دخلت ثم في قوله: ﴿ثُمَّ جَآءُوكَ﴾ للنسق. وهذا الوجه ذكره الحسن بن يحيى الجرجاني (٣).
والطريقة الأولى أعجب إلي وأقوى في نفسي؛ لأنه ليس يظهر وجه دخول الفاء في (فكيف) ودخول ثم في قوله: ﴿ثُمَّ جآءُوكَ﴾ على ما ذكره صاحب النظم، وعلى ما ذكره المتعجب منه مجيئهم حالفين، ولا يحسن
(١) "الكشف والبيان" ٤/ ٨٢ ب، وانظر: "النكت والعيون" ١/ ٥٠٢، "زاد المسير" ٢/ ١٢١.
(٢) هكذا جاءت هذه العبارة. والمراد: مما قد همّ به المنافقون. وقد تكون "به" ساقطة من النسخ.
(٣) صاحب كتاب "نظم القرآن".
دخول ثم على المتعجب منه إذا لم يكن قبله ما ينسق عليه، كقولك: كيف رأيت زيدًا ثم ضربك. إلا أنه قد لاح لي أن قوله: ﴿ثُمَّ جَآءُوكَ﴾ منسوق على المتعجب منه في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ ويكون ﴿جَآءُوكَ﴾ بمعنى: يجيئونك. ومثله في الكلام: ألم تر إلى زيد يهجوك ويشتمك فكيف إذا نزلت به نازلة ثم يأتيك؟ فيصح هذا الكلام على تقديم وتأخير كأنك قلت: يهجوك ويشتمك ثم إذا نزلت به نازلة فكيف ذلك. كذلك تقدير الآية: ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، ويصدون عنك صدودًا، ثم يجيئونك يحلفون بالله ما أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا، إذا أصابتهم مصيبة فكيف؟ أي فكيف ذلك.
والتقديم والتأخير كثير في الكلام، وكل هذا من مذاهب العرب وافتنانهم في مخاطباتهم، وإيقاع الماضي موقع المستقبل كثير في كلامهم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ [الروم: ٥١]. قال الخليل: معناه ليظلن. فأوقع الماضي موقع المستقبل (١)، ومنه قول الحطيئة (٢):
شهد الحطيئة عند يلقى ربه أن الوليد أحقُّ بالعذر (٣)
(١) "سر صناعة الإعراب" ١/ ٣٩٨.
(٢) هو جرول بن أوس من بني قطيعة بن عبس، تقدمت ترجمته.
(٣) "ديوان الحطيئة بشرح ابن السكيت والسكري والسجستاني" ص ٢٣٣، وجاء في شرحه أن المراد بالوليد هو الوليد بن عقبة بن معيط وذلك أنه لما كان واليًا على العراق شرب الخمر فصلى بالناس الغداة فلما فرغ قال: أأزيدكم؛ فعلم أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه بذلك فضربه الحد.
أي يشهد (١). فهذا ما يحضرني في هذه الآية.
٦٣ - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الآية
قال أبو إسحاق: الله عز وجل يعلم ما في قلوب أولئك وقلوب غيرهم، إلا أن تخصيصهم بالذكر هنا يفيد أن المعنى أولئك الذين قد علم الله أنهم منافقون، فكأنه قيل لنا: اعلموا أنهم منافقون (٢).
وقال غيره: معنى قوله: ﴿يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي لا يُغني عنهم كتمان ما يضمرونه، ولا يدفع عنهم شيئًا من العقاب؛ لأن الله تعالى يعلم ما في قلوبهم (٣).
فهذا كلام أهل المعاني، وقد عُلم النظم وظهرت الفائدة من غير إضمار.
وأما أهل التفسير فقال الحسن ومقاتل: أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم من الشرك والنفاق (٤).
وقال عطاء: كذبهم الله تعالى بهذه الآية. يريد أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم (٥).
(١) "سر صناعة الإعراب" ١/ ٣٩٨.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٠، وانظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٦٥، و"تفسير القرطبي" ٥/ ٢٦٥.
(٣) انظر: "النكت والعيون" ١/ ٥٠٢، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٥٨.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" ١/ ٣٨٥، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٢ ب، ولم أقف عليه عن الحسن.
(٥) ذكر ابن الجوزي معناه عن ابن عباس في "زاد المسير" ٢/ ١٢٢، ولم أقف عليه عن عطاء.
وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد: فاصفح عنهم. قال: وهذا منسوخ يعني بآية السيف (١).
وقال بعض أصحاب المعاني: معناه فأعرض عن قبول الاعتذار منهم (٢).
وقال مقاتل: معنى ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ لا تعاقبهم (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَعِظْهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد ذكرهم (٤).
وقال مقاتل: وعظهم بلسانك (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يقال: قول بليغ، وقد بلغ القول بلاغةً، أي صار بليغًا وجيدًا وكذلك: بلغ الرجل يبلغ بلاغة فهو بليغ، إذا كان يبلغ بعبارة [لسانه كنه ما في قلبه] (٦)، ويقال: أحمق بلغٌ
(١) ذكر نحو ذلك غير منسوب لابن عباس كثير من المفسرين، وبعضهم ينسب القول بالنسخ إلى مقاتل.
انظر: الطبري ٥/ ١٥٦، "بحر العلوم" ١/ ٣٦٥، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٢ ب، "الوسيط" ٢/ ٦٠٥، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٤، "زاد المسير" ٢/ ١٢٢.
(٢) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" ١/ ٥٠٣، والبغوي في "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٤، والقرطبي ٥/ ٢٦٥، وانظر: "التفسير الكبير" ١٠/ ١٥٨.
(٣) انظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٦٥، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٢ ب، "زاد المسير" ٢/ ١٢٢.
(٤) أورده المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٦٠٥، بلفظ: "خوفهم بالله". وذكره بنحو ما في "الوسيط" البغوي غير منسوب لأحد. انظر: "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٤.
(٥) "تفسيره" ١/ ٣٨٥، وذكره في "بحر العلوم" ١/ ٣٦٥، والبغوي في "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٤، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ١٢٢.
(٦) بياض في (ش) بقدر أربع كلمات تقريبًا، والتسديد من "معاني الزجاج" ٢/ ٧٠ لأنه نقل الكلام منه. وانظر: "إعراب النحاس" ١/ ٤٣٠، "زاد المسير" ٢/ ١٢٢، والقرطبي ٢/ ٢٦٥.
وبلغٌ (١)، ومعناه أنه يبلغ مع حمقه حاجته.
وقيل: إنه الذي (بلغ النهاية في الحماقة) (٢).
وأما التفسير فقال ابن عباس: يريد خوفهم بالله (٣).
وقال الحسن: أي قل لهم: إن أظهرتم ما في قلوبكم من النفاق (قتلتم) (٤): فهذا القول البليغ؛ لأنه يبلغ من نفوسهم كل مبلغ (٥).
وقال الزجاج: أعلمهم إن ظهر منهم رد لحكمك وكفر، فالقتل حقهم (٦).
وقال بعضهم: أي قل لهم في أنفسهم من الغيب بما أطلعك الله عليه من غشهم قولًا بليغًا، شديدًا باللسان، يعني: فازجرهم عما هم عليه بأبلغ الزجر، كي لا (يستمروا) (٧) الكفر، وعظهم كي لا يغتروا بطول الإمهال (٨).
(١) يحتمل أن تكون "بلغ ملغ" بالميم أي خبيث. انظر: "الصحاح" ٤/ ١٣١٦ (بلغ).
(٢) ما بين القوسين غير واضح. ويبدو أن ذلك بسبب الرطوبة التي تصيب المخطوطات مع الزمن. وقد استوضحته وأثبته بالرجوع إلى "معاني الزجاج" ٢/ ٧٠، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٣٠، وانظر القرطبي ٥/ ٢٦٥.
(٣) تقدم الكلام على أثر عن ابن عباس نحوه.
(٤) هذِه الكلمة في المخطوط: "قتلتكم"، وكذا عند القرطبي ٥/ ٢٦٥، وعند الماوردي: "قتلكم"، وما أثبته هو الموافق "للوسيط" للمؤلف ٢/ ٦٠٥، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٤.
(٥) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" ١/ ٥٠٣، والمؤلف في "الوسيط" ٢/ ٦٠٥، لكن محققه اعتبر كلام الحسن إلى قوله: "قتلتم"، ولا أراه صوابًا. وانظر: "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٤، والقرطبي ٥/ ٢٦٥، "البحر المحيط" ٣/ ٢٨١.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٠.
(٧) كأن هذِه الكلمة: "يستيسروا".
(٨) انظر: "النكت والعيون" ١/ ٥٠٣، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٥٩، "البحر المحيط" ٣/ ٢٨١.
والأظهر أن قوله: (﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ حقه) (١) التأخير؛ لأن المعنى: قولًا بليغًا في أنفسهم (٢).
٦٤ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية. (من) دخلت مؤكدة، المعنى: وما أرسلنا رسولًا. قاله الزجاج (٣).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ الذي اقتضى ذكر طاعة الرسول ههنا إعراض المنافقين الذين تحاكموا إلى الطاغوت.
ومعنى: ﴿لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال الكلبي: بأمر الله (٤).
يعني أن طاعة الرسول وجب (٥) بأمر الله الذي دل على وجوب طاعته. ونحو هذا قال الزجاج، أي إلا ليطاع؛ لأن الله قد أذن في ذلك وأمر (٦).
وقال مجاهد: يطيعهم من شاء الله، ولا يطيعهم أحد إلا بإذن الله (٧).
يريد أن الله قد بعث الرسل ليطاعوا، ولا يطيعهم إلا من شاء الله
(١) ما بين القوسين غير واضح في المخطوط، وما أثبته هو الأقرب.
(٢) انظر: " التفسير الكبير" ١٠/ ١٥٩، "الدر المصون" ٤/ ١٨.
(٣) في "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٠، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٣٠، "معاني القرآن" له ٢/ ١٢٨.
(٤) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٨، وقد ذكره غير واحد من المفسرين غير منسوب للكلبي. انظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٦٥، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٤.
(٥) لعل الصواب: "وجبت"، وانظر: "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٤.
(٦) انظر. : "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٠، "معاني القرآن" للنحاس ٢/ ١٢٨، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٤.
(٧) "تفسيره" ١/ ١٦٥، وأخرجه الطبري ٥/ ١٥٧، وابن المنذر. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢١.
وأراد ذلك منه، وهذا خلاف مذهب القدرية. ومحل قوله: ﴿لِيُطَاعَ﴾ نصب، لأن المعنى: وما أرسلنا رسولًا إلا مفروضًا له الطاعة (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد بعصيانهم إياك وموالاتهم الكفار حتى يُحكِّموهم ويتحاكموا إليهم (٢).
وقوله تعالى: ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ قال: يريد نزعوا وتابوا إلى الله (٣).
وقال الزجاج: المعنى في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى آخر الآية: ولو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم أنفسهم مع استغفارهم ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٤).
٦٥ - قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية. دخول (لا) في أول الكلام يحتمل معنيين:
أحدهما: أن (لا) ردّ لكلام سبق، كأنه قيل: ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا، وهم يخالفون حكمك. ثم استؤنف القسم بقوله: ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ (٥).
الثانى: أن (لا) توطيدٌ للنفي الذي يأتي فيما بعد، لأنه إذا ذكر في أول الكلام وآخره كان أوكد وأحسن، لأن النفي يتصدر الكلام وقد اقتضى
(١) انظر: "الدر المصون" ٤/ ١٨.
(٢) ذكره المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٦٠٦، دون نسبة لابن عباس، وذكره بمعناه ابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ١٢٣.
(٣) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٨
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٠.
(٥) "تفسير الطبري" ٥/ ١٥٨، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٣ ب، وانظر: "الدر المصون" ٤/ ١٩.
القسم أن يذكر في الجواب (١).
واختلفوا في هذه الآية، فذهب عطاء مجاهد والشعبي، أن هذه الآية نازلة في قصة اليهودي والمنافق، وأن هذه الآية متصلة بما قبلها (٢).
وهو اختيار الزجاج (٣).
وقال آخرون: هذه مستأنفة، نازلة في قصة أخرى، وهي ما روي عن عروة بن الزبير: أن رجلًا من الأنصار (٤) خاصم الزبير في شراج الحرّة (٥) التي يسقي بها (كلاهما) (٦)، فقال رسول الله - ﷺ - للزبير: "اسق أرضك، ثم أرسل الماء إلى أرض جارك" وقضى للزبير على الأنصاري، فقال الأنصاري: إنك تُحابي ابن عمتك. فتلون وجه رسول الله - ﷺ -، ثم قال
(١) انظر: "البحر المحيط" ٣/ ٢٨٤، "الدر المصون" ٤/ ١٩.
(٢) أخرج الأثر عن مجاهد والشعبي الطبري ٥/ ١٥٩ - ١٦٠، وابن المنذر عن مجاهد. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٢. وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٨٣ ب، "النكت والعيون" ١/ ٥٠٣، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٥، "الرازي" ١٠/ ١٦٣ ونسبه الرازي إلى عطاء. واختاره ورجحه الطبري ٥/ ١٦٠، وابن العربي في "أحكام القرآن" ١/ ٤٥٦.
(٣) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٠.
(٤) قيل: هو: حاطب بن أبي بلتعة، وقيل: ثعلبة بن حاطب. انظر: "أسباب النزول" للمؤلف ص ١٥٥، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٥.
(٥) الشراج: جمع شرج وهو مجرى الماء، والحرة: موضع بالمدينة، أرض ذات حجارة سوداء. انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد ٢/ ١٦٠، "اللسان" ٢/ ٨٢٨ (حرر).
(٦) غير واضحة في (ش)، وانظر: "أسباب النزول" للمؤلف ص ١٦٧ - ١٦٨. وقد رجح محمود شاكر في تحقيقه للطبري ٨/ ٥١٩ أن تكون هذِه الكلمة: "كلاهما" وهو العشب.
للزبير: "اسق، ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر" (١). قال الزبير: والله إن هذه الآية نزلت في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية (٢).
واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء، وحقه تمام السقي، وتمامه أن يبلغ الماء الجدر (٣) وأقل السقي ما سمي سقيًا. قال الزهري (...) (٤) ماء الأنهار قول النبي - ﷺ -: "حتى يبلغ الماء الجذر" فكان ذلك إلى الكعبين.
وأمر رسول الله - ﷺ - الزبير (....) (٥) على المسامحة، فلما أساء خصمه الأدب، ولم يعرف حق ما أمره به النبي من المسامحة (لأجل) (٦) أمره النبي - ﷺ - باستيفاء حقه وحمل خصمه على مر الحق (٧).
وقوله تعالى: ﴿شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. يقال: شجر بينهما من خصومة (أي اختلف واختلط) (٨).
(١) "الجدر: بفتح الجيم وكسرها... والمراد بالجدر أصل الحائط، وقيل أصول الشجر والصحيح الأول".
"صحيح مسلم" ٤/ ١٨٣٠ حاشية (٤)، وانظر: "النهاية في غريب الحديث" ١/ ٢٤٦.
(٢) أخرجه البخاري (٤٥٨٥) في التفسير سورة: النساء، باب: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك..﴾ ٥/ ١٨٠، ومسلم (٢٣٥٧) في الفضائل، باب: وجوب اتباعه - ﷺ -، والمؤلف في "الوسيط" ٢/ ٦٠٧، "أسباب النزول" ص١٦٧ - ١٦٨.
(٣) انظر: "التفسير الكبير" ١٠/ ١٦٣.
(٤) كلمة غير واضحة في (ش) ويمكن أن تقدر بـ: [وذلك في] ماء الأنهار.
(٥) غير واضح بقدر كلمتين، ويبدو أنها "أن يسقي" أو نحوها، انظر: "التفسير الكبير" ١٠/ ١٦٣.
(٦) هكذا في المخطوط، وفي "التفسير الكبير" للرازي ١٠/ ١٦٣: "لأجله"، وهو أصوب.
(٧) انظر: "التفسير الكبير" ١٠/ ١٦٣.
(٨) ما بين القوسين غير واضح تمامًا، وانظر: "الوسيط" للمؤلف ٢/ ٦٠٩.
قال الفراء: يشجر (١) شجورًا وشجرًا. وشاجره في الأمر إذا نازعه في الأمر مشاجرة وشجارًا. وتشاجروا تشاجرا واشتجروا، وكل ذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض، (ومنه) (٢) يقال لخشبات الهودج شجارٌ لتداخل بعضها في بعض (٣).
قال ابن عباس في هذه الآية: يريد بالمشاجرة: المنازعة (٤).
وقال الضحاك و (...........) (٥). وقال الكلبي: فيما التبس بينهم (٦) وذلك أن الاختلاط والتداخل يؤدي إلى الالتباس.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾.
أصل الحرج في اللغة الضِّيق، ويقال للشجر الملتف الذي لا يكاد يوصل إليه: حرج، وجمعه حراج (٧)، ومنه قول العجاج:
عاين حيًّا كالحراج نعمه (٨)
(١) في "الوسيط" ٢/ ٦٠٩: (شجر يشجر).
(٢) غير واضحة تمامًا، وانظر: "التفسير الكبير" ١٠/ ١٦٣.
(٣) كلام الفراء ليس في "معاني القرآن"، فقد يكون في كتابه المفقود: "المصادر"، وانظر: الطبري ٥/ ١٥٨، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٨٣٠، "مقايس اللغة" ٣/ ٢٤٦ (شجر)، "الوسيط" ٢/ ٦٠٩، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٦٣.
(٤) لم أقف عليه، وقد قال السيوطي: أخرج الطستي عن ابن عباس... ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ قال: "فيما أشكل عليهم"، "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٣.
(٥) ما بين القوسين بياض في (ش)، ولم أقف على قول للضحاك في تفسير هذِه الآية.
(٦) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٨.
(٧) انظر: الطبري ٥/ ١٥٨، "معاني القرآن" للنحاس ٢/ ١٢٩، "تهذيب اللغة" ١/ ٧٥٥، "الصحاح" ١/ ٣٠٦ (حرج)، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٦٤.
(٨) نسبه في "الصحاح" ١/ ٣٠٦ (حرج) لرؤبة بن العجاج، وفي "اللسان" ٢/ ٨٢٢ (حرج). وهو صدر بيت من الرجز، عجزه:
يكون أقصى شدِّه محر نجمه
وسنذكر هذا بأبلغ من هذا الشرح عند قوله: ﴿ضَيِقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] إن شاء الله.
قال ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾: يريد ضيقًا مما قضيت، يريد: يرضوا بقضائك (١). وكذا قال أبو العالية: حرجًا أي ضيقًا (٢).
وقال مجاهد: شكا (٣)، أي لا تضيق صدورهم عن قضيتك.
وقوله تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ التسليم تفعيل من السلامة، يقال: سلم فلان، أي: عوفي ولم تنشب به بلية. وسلم هذا الشيء لفلان، أي: خلص له من غير منازع ولا مشارك. فإذا ثقلته بالتشديد فقلت: سلّم له، فمعناه أنه خلصه له ولم يدع فيه (٤).
هذا هو الأصل في اللغة. وجميع معاني التسليم راجع إلى هذا الأصل، فقولهم: سلّم عليه، أي دعا له بأن يسلم. وسلم إليه الوديعة، أي أخلصها له وخلى بينها وبينه. وسلم له، أي: بذل الرضا بحكمه، على معنى: ترك السخط والمنازعة. وكذلك: سلم لفلان ما قال، أي أخلصه له
= والشاهد أن النعم وهي الإبل كالحراج وهي الشجر الملتفة الكثيرة.
(١) في "زاد المسير" ٢/ ١٢٤ أن ابن عباس فسر الحرج هنا بالشك كقول مجاهد الآتي وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٨، وعنه أيضاً: (هما وحزنًا). انظر: "البحر المحيط" ٣/ ٢٨٤. وممن فسر الحرج بالضيق أبو عبيدة في "مجازة" ١/ ١٣١، والطبري ٥/ ١٥٨، والزجاج في "معانيه" ٢/ ٧٠.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) "تفسيره" ١/ ١٦٤، وأخرجه الطبري ٥/ ١٥٨.
(٤) انظر: "مقاييس اللغة" ٣/ ٩٠، "المفردات" للراغب ٢٣٩ - ٢٤٠.
من غير معارضة فيه. وكذلك: سلم إلى الله أمره، أي فوض إليه على معنى أنه لم ير لنفسه في أمره أثرًا ولا شركة وعلم أن المدبر والصانع هو الله وحده لا شريك له. هذا معنى التسليم.
وأما التفسير: قال ابن عباس: ويسلموا الأمر إلى الله وإلى رسوله (١).
وقال الزجاج: أي يسلِّمون لما يأتي من حكمه (٢)، ولا يعارضونه بشيء (٣).
و (تسليمًا) مصدر مؤكد، والمصادر المؤكدة بمنزلة ذكر الفعل ثانيًا فإذا قلت: سلمت تسليمًا، فكأنك قلت: سلمت سلمت. وحق التوكيد أن يكون محققًا لما تذكره في صدر كلامك، فإذا قلت: ضربت ضربًا، فكأنك قلت: أحدثت ضربًا أحقه ولا أشك فيه، فكذلك ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: يسلِّمون لحكمك تسليمًا لا يدخلون على أنفسهم شكًا (٤).
وقد أخبر الله تعالى أنه لا يتم إيمانهم حتى يعتقدوا وجوب المراجعة في خصوماتهم وتحكيمه والرضا بحكمه من غير ضيق صدر ولا كراهة، وأن من تسخط حكم النبي - ﷺ -، وارتاب (....) (٥) أو عدل إلى غيره رغبة عنه، غير مسلم له، فهو كافر (٦).
(١) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص (٨٨).
(٢) في "معاني الزجاج" ٢/ ٧١: حكمك.
(٣) "معاني الزجاج" ٢/ ٧١.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج ٢/ ٧١، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس ٢/ ١٢٩، "المحرر الوجيز" ٤/ ١٢١، القرطبي ٥/ ٢٦٩، "البحر المحيط" ٣/ ٢٨٤.
(٥) هنا بياض بقدر حرفين، فقد يكون الساقط: "فيه" والله اعلم.
(٦) انظر: "التفسير الكبير" ١٠/ ١٦٥.
٦٦ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس والكلبي وغيرهما: يريد فرضنا وأوجبنا عليهم (١).
قال مجاهد: يعني: على اليهود والعرب (٢).
قال المفسرون: كتب الله على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم، فقال الله: ولو كتبنا على هؤلاء ما كتبنا على غيرهم لما فعله إلا قليل منهم (٣).
وقوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾. قال الحسن: أخبر عن علمه فيهم، كقوله عن نوح: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦] (٤). يعني: ما يفعل ذلك إلا من قد علم الله منه ذلك وهم قليل.
وقال عطاء: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ يريد الأنصار (٥).
وقال مقاتل: كان من القليل عمار بن ياسر، وابن مسعود، وثابت بن قيس بن شماس (٦). ونحو ذلك قال الكلبي، فقال: نزلت في ثابت بن قيس؛ لأنه قال: إن الله يعلم لو أمرني بأمرٍ أقتل نفسي لقتلت، فكان ثابت من القليل الذين استثنى (٧).
(١) ذكره المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٦١٠ دون نسبة لأحد وكذا السمرقندي في "بحر العلوم" ١/ ٣٦٦، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٨.
(٢) أخرج الطبري ٥/ ١٦٠، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٣.
(٣) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٨٤ أ، "الوسيط" ٢/ ٦١٠، "الرازي" ١٠/ ١٦٧.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) "تفسيره" ١/ ٣٨٧، وانظر: "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٦، والقرطبي ٥/ ٢٧٠.
(٧) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص (٨٨)، "الكشف والبيان" (٤/ ٨٤ أ "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٦.
والظاهر في هذه الآية ما قال الحسن؛ لكون المستثنى من المكتوب عليهم، والمهاجرون والأنصار وهؤلاء الذين ذكرهم فقال: ﴿مِنْهُمْ﴾، وإنما أريد بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ المنافقون والذين لم يستقر الإيمان في قلوبهم، وهم الذين ذكروا في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ هذا هو ظاهر (....) (١) عطاء ومقاتل، فيمكن أن يحمل على وجهين: أحدهما: أن قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ يريد اليهود والمنافقين والمؤمنين جميعًا، ثم استثنى الصحابة الأنصار والمهاجرين والمؤمنين بقوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾، ويكون قوله بعد هذا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ اليهود والمنافقين.
وقد ورد في التنزيل آي حمل بعضها على العموم وبعضها على الخصوص. وعليه (....) (٢) أن يُحمل على قراءة من قرأ ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ بالنصب (٣)؛ لاختلاف جنسي المستثنى منه والمستثنى، وذلك أنه في هذه الآية قبيلان: مكتوب عليهم وهم المنافقون، ومستثنى وهم الأنصار، فصار كالجنسين المختلفين، وإذا اختلف الجنسان فالاختيار النصب (٤)، كقوله:
وما بالرَّبع من أحدٍ إلا أواري (٥)
(١) بياض في (ش) بقدر كلمتين أو ثلاث، ويمكن أن تقدر بـ: [ما قاله] أو [ما ذهب إليه].
(٢) كلمة غير واضحة في (ش)، ويمكن أن تقدر بـ: [يحتمل].
(٣) هذِه قراءة لابن عامر خاصة وكذا هي في المصحف الشامي. انظر: "الحجة" ٣/ ١٦٨، "النشر" ٢/ ٢٥٠.
(٤) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٧٠، "شرح المعلقات العشر" للنحاس ٢/ ١٥٨.
(٥) جملة مستفادة من بيتين من الشعر للنابغة الذبياني هما:
ويحتمل أن يكون هذا من الاستثناء المنقطع عن الأول، على أن تكون إلا بمعنى لكن، كأنه قيل: لكن قليلًا منهم، وهم الأنصار.
وذكرنا معنى الاستثناء المنقطع بأبلغ الاستثناء عند قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ في سورة البقرة [الآية:١٥٠].
وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ على هذا الكنايةُ تعود إلى المنافقين، ويقال ذلك لأن القبيلين وإن اختلفا من حيث الإيمان والكفر، فقد اتفقا بالنسب والجوار والحلف واللغة، وكونهم أهل عصر (١) واحد، في زمن نبي واحد، وكل هذا من الملابسة بين الفريقين، ولأن المنافقين أيضًا ادعوا الإيمان وأظهروا شعاره، فقاسمُ الإيمان يشملهم.
ومثل هذا من التنزيل قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] يعني المنافقين، وهو يخاطب المؤمنين، فجعلهم منهم. وسنذكر الوجه منه إذ انتهينا إليه.
ولهذا المعنى الذي ذكرنا أن القليل غير مستثنى من المنافقين اختار جماعة من القراء (....) (٢) الوقف على قوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ إشعارًا أن هذا الاستثناء منقطع من الأول (٣).
= "معاني الزجاج" ٢/ ٧٠، "شرح القصائد المشهورات" للنحاس ٢/ ١٥٨. والأواري التي يحبس بها الخيل من وتد أو حبل، الواحد: آري، واللأى: البطء، والنؤي: حاجز من تراب حول الخيمة يحول دون وصول الماء إليها. وقال: بالمظلومة الجلد، لأنهم مروا في برية فحفروا فيها حوضًا وليست موضع حوض فجعل الشيء في غير موضعه.
(١) قد تكون هذِه الكلمة: "مصر".
(٢) غير واضح في (ش)، ولعل الكلمة تكون: [ترجيح] الوقف...
(٣) ممن اختار هذا الوقف يعقوب. انظر: "القطع والائتناف" ص ٢٥٦.
واختلف القراء في قوله: ﴿أَنِ اقْتُلُوا﴾ و ﴿أَوِ اخْرُجُوا﴾ فكسرهما عاصم وحمزة (١) لالتقاء الساكنين (٢) ولم يضماهما وإن ضمت الهمزة لضم الحرف الثالث في الفعل، لأنهما (.. (٣)..) المنفصل في حكم المتصل (٤).
ومن قرأ بالضم فيهما (٥) فلأنهما حلّا محل الهمزة المضمومة كما ضمت هي، وإن كانتا منفصلتين (٦).
قال أبو إسحاق: للكسرة والضمة في هذه الحروف وجهان جيدان (٧).
وأبو عمرو كان يختار الكسر في: ﴿أَنِ اقْتُلُوا﴾، والضم في: ﴿أَوِ اخْرُجُوا﴾. قال الزجاج: ولست أعرف لفصل أبي عمرو بين هذين الحرفين خاصية إلا أن يكون رواية (٨).
وقال غيره (٩): فصل أبو عمرو بين النون والواو لأن الضمة في الواو أحسن لأنها تشبه واو الضمير، والجمهور في واو الضمير على الضم [نحو] (١٠) ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ [البقرة: ١٦، ١٧٥] ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وهذا قول أبي علي الفارسي (١١).
(١) انظر: "السبعة" ص ٢٣٦، "الحجة" ٣/ ١٦٧.
(٢) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٧١، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٦٦.
(٣) بياض في (ش)، ولعله: مع كونهما من... المنفصل...
(٤) انظر: "الحجة" ٣/ ١٦٨.
(٥) هذِه القراءة لابن عامر وابن كثير ونافع والكسائي. انظر: "السبعة" ص ٢٣٤، "الحجة" ٣/ ١٦٧.
(٦) انظر: "الوسيط" ٢/ ٦١٠.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٢.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٢.
(٩) أبو علي في "الحجة" ٣/ ١٦٧.
(١٠) بياض في (ش)، والتسديد من "الحجة" ٣/ ١٦٧.
(١١) "الحجة" ٣/ ١٦٧.
وقال الأخفش: الضم في هذه الحروف لغة حسنة، [وهي] (١) أكثر في الكلام وأقيس، لأن ما أجروه في كلامهم من المنفصل مجرى المتصل أكثر من أن يُقتص (٢).
وقوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ الكناية تعود إلى القتل والخروج كلاهما وذلك أن الفعل جنس واحد وإن اختلف ضروبه (٣).
واختلف القراء في قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ فمن ضم وهو الوجه جعله بدلًا من الواو في ﴿فَعَلُوُه﴾، وكذلك كل مستثنى من مجحود، كقولك: ما أتاني (٤) أحد إلا زيد، ترفع زيدًا على البدل من أحد، فتحمل إعراب ما بعد إلا على ما قبلها. وكذلك في النصب والجر، كقولك: ما رأيت أحدًا إلا زيدًا، وما مررت بأحد إلا زيد.
قال أبو علي: الرفع هو الأكثر والأشيع في الاستعمال والأقيس، فقدته من جهة القياس أن معنى: ما أتاني أحد إلا زيد واحد (٥)، فكما اتفق (٦) على: ما أتاني إلا زيد، على الرفع، وكان: ما أتاني أحد إلا زيد، بمنزلته وبمعناه، اختاروا الرفع مع ذكر أحد.
وأما من نصب فقال: ما جاءني أحد إلا زيدًا، فإنه جعل النفي بمنزلة
(١) بياض في (ش)، والتسديد من "الحجة" ٣/ ١٦٧.
(٢) من "الحجة" ٣/ ١٦٧، ١٦٨، وكلام الأخفش ليس في كتابه "معاني القرآن".
(٣) من "الكشف والبيان" ٤/ ٨٤ ب بتصرف، وانظر: "التفسير الكبير" ١٠/ ١٦٧. وقد استبعد أبو حيان والسمين كون الضمير راجعًا إلى الأمرين، وإنما لأحدهما انظر: "البحر المحيط" ٣/ ٢٨٥، "الدرالمصون" ٤/ ٢٢.
(٤) انظر: "الحجة" ٣/ ١٦٨.
(٥) يبدو أن في الكلام حذفًا أو سقطًا، ففي "الحجة" ٣/ ١٦٨: "فقوته من جهة القياس أن معنى: ما أتاني أحد إلا زيد، وما أتاني إلا زيد، واحد".
(٦) في "الحجة" ٣/ ١٦٨: "اتفقوا" وهو الأنسب بالسياق.
الإيجاب، وذلك أن قوله: ما جاءني أحد، كلام تام، كما أن: جاءني القوم كذلك، فنصب مع النفي، كما نصب مع الإيجاب، من حيث اجتمعا في أن كل واحد منهما كلام تام (١). وذكرنا للنصب وجها آخر في معنى الآية.
قال أصحاب المعاني: (....) (٢) تجهيل من خالف ما يلزمه من التكليف مع تسهيله، ولو شدد نهاية التشديد لم يجز إلا (......) (٣) من الحظ الجزيل. يقول الله تعالى: ولو كتبنا عليهم القتل والخروج ما فعلوه للمشقة فيه، مع أنه كان ينبغي أن يفعلوه (... (٤)..) وقد سهلنا تكليفهم غاية التسهيل ويسرناه نهاية التيسير.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾. قال مقاتل: ما يوعظون به من القرآن (٥). وقال الكلبي: ما يُؤمرون به (٦).
وقوله تعالى: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في الآخرة (٧).
وقال مقاتل: لكان خيرًا لهم في دينهم (٨).
وقال الحسن: لكان خيرًا له في العصمة وأمنع من الشياطين (٩).
وقوله تعالى: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء:٦٦]. قال عطاء عن ابن عباس: أشد تثبيتًا في دينهم (١٠).
(١) انتهى من "الحجة" ٣/ ١٦٨، ١٦٩، بتصرف. وانظر: "الوسيط" ٢/ ٦١١.
(٢) غير واضح في (ش) بسبب طمس بعض الحروف.
(٣) بياض في (ش).
(٤) كلمة غير واضحة، ويمكن أن تكون الكلمة: (سيما) وقد سهلنا.
(٥) "تفسير" ١/ ٣٨٧.
(٦) "تنويرالمقباس" بهامش المصحف ص ٨٩.
(٧) انظر: "الوسيط" ٢/ ٦١١، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٩.
(٨) "تفسيره" ١/ ٣٨٧.
(٩) لم أقف عليه.
(١٠) لم أقف عليه، وانظر: "الوسيط" ٢/ ٦١١.
وقال مقاتل: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ تصديقًا بأمر الله (١). فمعنى قول عطاء أنهم لو أطاعوا الرسول كان ذلك أشد تثبيتًا منهم لأنفسهم في الدين.
وقال أبو روق: ﴿تَثبِيتًا﴾ تحقيقًا (٢).
٦٧ - قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قد استوفينا الكلام في أحكام (إذن) في قوله: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء:٥٣] (٣).
ومعنى ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ من عندنا (٤). وإنما ذكر من لدنا لتأكيد الاختصاص (٥)، بأنه ما لا يقدر عليه إلا الله؛ لأنه قد يؤتي ما يُجريه على يد بعض عباده، وقد يؤتي ما يختص بفعله، وذلك أشرف له وأعظم في النعمة به، ولأنه ينحتم (٦) بما لا يقدر عليه غيره (٧).
يؤكد ما ذكرنا أن الأجر العظيم ههنا فُسر بالجنة في قول مقاتل وغيره (٨).
٦٨ - قوله تعالى: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد أرشدناهم إلى دين مستقيم (٩). يريد دين الحنيفية لا دين اليهودية.
(١) "تفسيره" ١/ ٣٨٧.
(٢) في "الكشف والبيان" ٤/ ٨٤ ب جاء هذا الوجه من التفسير بلفظ: "تحقيقًا وتصديقا لإيمانهم" دون نسبة لأحد، وانظر: "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٦.
(٣) هنا جزء مفقود من الكتاب.
(٤) انظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٦٦.
(٥) انظر: "التفسير الكبير" ١٠/ ١٦٩.
(٦) هكذا في (ش)، وقد تكون: (تفخيم)، والله أعلم.
(٧) انظر: "الوسيط" ٢/ ٦١٢.
(٨) انظر: "تفسير مقاتل" ١/ ٣٨٧، "الوسيط" ٢/ ٦١٢.
(٩) انظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٦٦، "تنوير المقياس" بهامش المصحف ص ٨٩.
وقال غيره: ولأدمنا لهم اللطيفة التي يثبتون بها على الطاعة في لزوم الطريق المستقيم. كأنه يقول: ولأثبتناهم على الطريق المستقيم كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، (١). وقيل: ولهديناهم في الآخرة طريق الجنة (٢).
٦٩ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية. اختلفوا في سبب نزولها؛ فقال جماعة من أهل التفسير: إنها نزلت في ثوبان (٣) مولى رسول الله - ﷺ -، وكان بلغ من حبِّه لرسول الله ما شجاه وأثر فيه، فسأله رسول الله - ﷺ - عن حاله، فقال: إني لا أكاد أصبر عنك، وأذكر الآخرة وأنت تُرفع في درجة النبيين، وأنا مع العبيد، فلا ألقاك، فنزلت الآية. وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي (٤).
وقال السدي: إن ناسًا من الأنصار قالوا: يا رسول الله إنك تسكن
(١) لم أقف عليه.
(٢) انظر: "المحرر الوجيز" ٤/ ١٢٥، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٦٩.
(٣) هو أبو عبد الله ثوبان بن بجدد، وقيل: ابن جحدر، من حمير اليمن، أصابه السِّباء فاشتراه الرسول - ﷺ - وأعتقه وخيره بين البقاء معه واللحاق بأهله فاختار البقاء معه وخدمته حتى توفي الرسول - ﷺ - فارتحل إلى مصر والشام ومات رضي الله عنه بحمص سنة ٥٤ هـ. انظر: "أسد الغابة" ١/ ٢٩٦، "سير أعلام النبلاء" ٣/ ١٥، "الإصابة" ١/ ٢٠٤.
(٤) ذكره أبو الليث السمرقندي في "بحر العلوم" ١/ ٣٦٧، وأورده غير منسوب لابن عباس الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٨٤ ب، وذكره المؤلف في "أسباب النزول" ١٦٨ - ١٦٩، وقال الحافظ ابن حجر: "حكي ذلك عن جماعة من الصحابة" "الكافي الشاف" ص ٤٦، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٩، وقد أخرج الطبراني وابن مردويه من طريق الشعبي عن ابن عباس: "أن رجلاً أتي النبي - ﷺ -.. " "الحديث بمعناه. انظر: ابن كثير ٢/ ٣٣٤ ط "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٥.
الجنة في أعلاها، ونحن نشتاق إليك، فكيف نصنع؟ فنزلت الآية (١).
وقال الشعبي: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله، فقال: لأنت أحب إليّ من نفسي وأهلي ومالي وولدي، ولولا أني آتيك فأراك، فظننت أني سأموت وبكى. فقال له النبي - ﷺ -: ما أبكاك؟ فقال: ذكرت أنك تُرفع مع النبيين، ونحن إن دخلنا الجنة كنا دونك، فلم يُخبره النبي - ﷺ - بشيءٍ، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمًا﴾، فقال له النبي: أبشر (٢).
وقال الحسن: إن المؤمنين قالوا للنبي: ما لنا منك إلا الدنيا، فإذا كانت الآخرة رُفعت في الأعلى (فحزن النبي - ﷺ -) (٣) وحزنوا، فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿عَلِيمًا﴾ (٤).
وقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار، قال للنبي - ﷺ -: إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك، فما ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، وذكرتُ درجتك في الجنة، فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة؟ فأنزل هذه الآية، فلما توفي النبي - ﷺ - أتى الأنصاريَّ ابنه وهو في حديقة له، فأخبره بموت النبي - ﷺ -، فقال: اللهم أعمني فلا أرى شيئًا أبدًا بعد حبيبي، حتى
(١) أخرجه الطبري ٥/ ١٦٤، وانظر: "الدرالمنثور" ٢/ ٣٢٥.
(٢) أخرجه السمرقندي في "بحرالعلوم" ١/ ٣٦٧، وسعيد بن منصور وابن المنذر. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٥. وورد نحوه مرفوعاً من طريق الشعبي عن ابن عباس وعائشة وبعض التابعين. انظر: الطبري ٥/ ١٦٣ - ١٦٤ "أسباب النزول" للمؤلف ١٦٩ - ١٧٠، وابن كثير ١/ ٥٧٣ - ٥٧٤، "الدرالمنثور" ٢/ ٣٢٥، "لباب النقول" ص (٧٤).
(٣) ما بين القوسين بياض في (ش)، والتسديد من "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٠.
(٤) انظر: "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٠.
ألقى حبيبي. فعمي مكانه، وكان يُحب النبي - ﷺ - حبًا شديدًا، فجعله الله معه في الجنة (١).
قال الكلبي وغيره: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ في الفرائض ﴿وَالرَّسُولَ﴾ في السنن (٢).
قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أي المطيعون. قاله الزجاج (٣).
وقوله تعالى: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾.
أي أنه يستمتع برؤية النبيين وزيارتهم والحضور معهم، فلا يتوهمن من أجل أنهم في أعلى عليين أنه لا يراهم (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَالصِّدِّيقِين﴾. قال ابن (المظفر: هو من) (٥) صدّق بكل ما أمر الله، لا يتخالجه في شيء منه شك، وصدق الأنبياء، فهو صديق. وهو قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] (٦).
(١) "تفسير مقاتل" ١/ ٣٨٧، ٣٨٨، وانظر: "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٠، وهذا الأثر غريب لوروده من طريق مقاتل وهو مطعون فيه، ولأن سؤال الرجل العمى لا يتفق وورود النهي عن مثله والأمر بسؤال الله العافية، ولأن فيه ما يحتاج إلى توقف وقد انقطع الوحي.
(٢) "الكشف والبيان" ٤/ ٨٥ أ، "تنويرالمقباس" بهامش المصحف ص ٨٩، ونسبه ابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ١٢٦، إلى ابن عباس.
(٣) في "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٣، وانظر: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٤٤٣ (رفق).
(٤) انظر: "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٧، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧١، والقرطبي ٥/ ٢٧٢.
(٥) ما بين القوسين غير واضح في (ش)، وأثبته حسب الرجوع إلى "العين" ٥/ ٥٦، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٩٩٠ - ١٩٩١ (صدق).
(٦) "العين" ٥/ ٥٦، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٩٩٠ - ١٩٩١ (صدق)، وانظر: "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٢.
وقال الكلبي: الصديقون أفاضل أصحاب النبي عليه السلام (١). وقال مقاتل: الصديقون [أول] (٢) من صدّق بالأنبياء (حين عاينوهم) (٣) (٤).
وقال الزجاج: الصديقون أتباع الأنبياء (٥).
قد ذكرنا مستقصى ما قيل في الشهيد عند قوله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. وأما تفسير الشهداء ههنا فقال الكلبي ومقاتل: هم القتلى في سبيل الله (٦). وقال الزجاج: هم القائمون بالقسط (٧).
وقوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾. قال الكلبي: هم سائر المسلمين (٨). وقال مقاتل: أهل الجنة (٩).
وقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. قال الزجاج: أي حسن الأنبياء وهؤلاء رفيقًا (١٠).
(١) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٨٥ أ، "التفسيرالكبير" ١٠/ ١٧٢، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٩.
(٢) بياض في (ش) والتسديد من "الوسيط" ٢/ ٦١٤.
(٣) ما بين القوسين غير واضح، وما أثبته استعانة "بالوسيط" ٢/ ٦١٤.
(٤) "تفسيره" ١/ ٣٨٨.
(٥) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٣، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٤٤٣ (رفق).
(٦) "تفسير مقاتل" ١/ ٣٨٨، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٨٥ أ، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٧، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٩.
(٧) ليس في "معاني القرآن وإعرابه".
(٨) في "تنوير المقباس" ص ٨٩: "صالحي أمة محمد"، وانظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٦٧، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٥، "الوسيط" ٢/ ٦١٤.
(٩) لم أقف عليه.
(١٠) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٣.
ومعنى الرفيق (١) في اللغة: لين الجانب ولطافة الفعل، وصاحبه رفيق، وقد رفق يرفق (٢). هذا معناه في اللغة. والصاحب يسمى رفيقًا لارتفاقك به وبصحبته، ومن هذا قيل للجماعة في السفر رفقة، لارتفاق بعضهم ببعض (٣).
قال الفراء: وإنما وحد الرفيق وهو حقه الجمع؛ لأن الرفيق والبريد والرسول تذهب به العرب إلى الواحد وإلى الجمع، ولا يجوز أن تقول: حسن أولئك رجلاً، وإنما يجوز ذلك إذا كان اسمًا مأخوذًا من فعل (٤)، ولم يكن اسمًا مصرحًا مثل: رجل وامرأة (٥)، ألا ترى أن الشاعر قال:
وإذا هم طعموا فألأم طاعمُ (٦)
قال أبو إسحاق: لا فرق بين رفيق ورجل؛ لأن الواحد في التمييز ينوب عن الجماعة، وكذلك في المواضع التي لا تكون إلا جماعة نحو:
(١) هكذا في (ش) ولعل الصواب: الرفق (بدون ياء على المصدر) وسياق الكلام يدل عليه. وانظر: "العين" ٥/ ١٤٩، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٤٤٣ (رفق)، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٥.
(٢) من "العين" ٥/ ١٤٩، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٤٤٣ (رفق).
(٣) انظر المصدرين السابقين.
(٤) هكذا الحركة فوقية على الفاء، وقد تكون تحتية لاختلاف المصطلحات الإملائية عبر العصور.
(٥) كلام الفراء ليس في "معاني القرآن"، وانظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٧٣، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٤٤٣ - ١٤٤٤، "اللسان" ٣/ ١٦٩٦ (رفق).
(٦) صدر بيت وعجزه:
وإذا هم جاعوا فشر جياع
وانظر: "نوادر أبي زيد" ص ١٥٢، والطبري ١/ ٦٥٢، و"البحر المحيط" ١/ ٣٣٢، و"معاني الفراء" ١/ ٣٣، و"المحرر الوجيز" ١/ ١٣٤، و"الاشتقاق" لابن دريد ص ٤١٧.
أجمل فتى وأحسنه، المعنى: هو أجمل الفتيان وأحسنهم. ولو قلت حسن القوم مجاهدًا في سبيل الله، وحسن القوم رجلاً، كان واحدًا. فقوله ﴿رَفِيقًا﴾ منصوب على التمييز، وينوب عن رفقاء (١).
وعند الفراء لا يجوز أن ينوب الواحد عن الجميع إلا أن يكون من أسماء الفاعلين، لا يجوز حسن أولئك رجلاً (٢)، وأجازه الزجاج كما ذكرنا، قال: وهو مذهب سيبويه (٣).
وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ حسن كل واحد منهم رفيقًا، كما قال: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] (٤).
وانتصاب ﴿رَفِيقًا﴾ على الحال، معنى: حسن كل منهم مرافقًا (٥).
٧٠ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾. أي ذلك الثواب، وهو الكون مع النبيين والصديقين فضلٌ من الله، تفضل به على من أطاعه، وكل ما يفعله الله عز وجل من منافع العباد فهو فضل وتفضّل وإفضال؛ لأنه زائد على مقدار الاستحقاق؛ لأن العبد لا يستحق على مولاه بطاعته شيئاً (٦). بخلاف ما قالت القدرية (٧) أن ثواب المطيع فرض على الله، فلا فضل. وقد
(١) "معاني الزجاج" ٢/ ٧٣، ٧٤ بتصرف. وانظر: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٤٤٣ (رفق).
(٢) من "تهذيب اللغة" ٢/ ١٤٤٣، وانظر: "اللسان" ٣/ ١٦٩٦ (رفق).
(٣) من "تهذيب اللغة" ٢/ ١٤٤٣، وانظر: "اللسان" ٣/ ١٦٩٦ (رفق)، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٥. وفي رأي سيبويه، انظر: "الكتاب" ٣/ ٥٨٢، ٦٢٤.
(٤) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٨٥ أ، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٥، والقرطبي ٥/ ٢٧٢.
(٥) وقيل: على التمييز، ورجحه ابن جرير. انظر: "تفسير الطبري" ٥/ ١٦٣، "معاني الزجاج" ٢/ ٧٣، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٣٢.
(٦) انظر: الطبري ٥/ ١٦٤، "بحر العلوم" ١/ ٣٦٧، "الوسيط" ٢/ ٦١٥ "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٨، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٥.
(٧) ومنهم المعتزلة. انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٨٥ ب، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٦.
صرحت الآية بتكذيبهم (١).
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾. قال ابن عباس: يريد بخلقه (٢).
قال أهل المعاني: تأويل هذا يعود إلى أنه لا يضيعُ عنده عملُ عامل؛ لأنه عالم لا يخفى عليه شيء (٣).
٧١ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ الآية. هذا حث من الله تعالى عباده المؤمنين على الجهاد.
والحذر في اللغة يعني الحذر، وهو كالمثل والمثَل والعدْل والعدَل (٤)، (والعرب تقول: فخذ حذر) (٥).
قال أهل المعاني في هذا قولين: أحدهما: أن المراد بالحذر ههنا السلاح، والمعنى: خذوا سلاحكم (٦)، فيسمى السلاح حذرًا؛ لأنه يتقي به ويحذر.
والثاني: أن يكون ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ بمعنى احذروا عدوكم (٧)، إلا أن هذا الأمر بالحذر مضمن بأخذ السلاح؛ لأن أخذ السلاح هو الحذر من
(١) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٨٥ ب، والقرطبي ٥/ ٢٧٣.
(٢) لم أقف عليه. وانظر: "الطبري" ٥/ ١٦٤.
(٣) انظر: الطبري ٥/ ١٦٤.
(٤) انظر: "الصحاح" ٢/ ٦٢٦ (حذر)، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٥ ب، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٦، "اللسان" ٢/ ٨٠٩ - ٨١٠ (حذر).
(٥) هكذا في المخطوط، وفي "الوسيط" للمؤلف ٢/ ٦١٥: "وتقول العرب: خُذ حذرك، أي أحذر".
(٦) "بحر العلوم" ١/ ٣٦٧، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٥ ب، وانظر: "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٨، "زاد المسير" ٢/ ١٢٩، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٦، ابن كثير ١/ ٥٧٥.
(٧) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٨٥ ب، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٨، "زاد المسير" ٢/ ١٢٩ "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٧.
العدو. فالتأويل يعود إلى الأول (١).
فعلى القول الأول الأمر مصرح بأخذ السلاح، وعلى القول الثاني أخذ السلاح مدلول عليه بفحوى الكلام (٢).
وأما التفسير فقال ابن عباس: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ يريد عند لقاء العدو (٣). وهذا يقوي القول الأول. وقد صرح مقاتل (٤) بالقول الأول فقال: خذوا حذركم من السلاح (٥).
وقال الكلبي: خذوا حذركم من عدوكم (٦).
وهذا التفسير على القول الثاني، وكأنه اختيار أبي إسحاق؛ لأنه قال في هذه الآية: أمر الله أن لا يلقي المؤمنون بأيديهم إلى التهلكة، وأن يحذروا عدوهم، وأن يجاهدوا حق الجهاد (٧).
وهذه الآية لا تدل على أن الحذر يرد شيئًا من القدر، ولكنا تعبِّدنا في الشريعة بالحذر من (.. (٨)..) والتوقِّي من النشر، والقدر جارٍ على ما قضي. وكان رسول الله - ﷺ - إذا مر عدُّوا له أسرع المشي، وقد قال الله تعالى له: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:
(١) انظر: : "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٧، وابن كثير ١/ ٥٧٥.
(٢) انظر: "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٧.
(٣) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٩
(٤) هو مقاتل بن حيان. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٦.
(٥) أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم بلفظ. "عدتكم من السلاح". انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٥٩١.
(٦) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٩.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٤.
(٨) كلمة غير واضحة، ويمكن أن تكون: (الخطر)، أو (العدد).
٥١] (١).
وقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا﴾. قال الفراء: يقال: نفر القوم ينفرون نفرًا ونفيرًا (٢) إذا هم نهضوا لقتال عدو وخرجوا لحرب (٣).
واستنفر الإمام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون، إذا حثهم على النفير ودعاهم إليه. ومنه قول النبي - ﷺ -: وإذا استنفرتم فانفروا (٤). والنفير اسم للقوم الذين ينفرون (٥)، ومنه فلان (لا في العير ولا في النفير) (٦).
وقال أصحاب العربية: أصل هذا الحرف من النُّفور والنِّفار، وهو الفزع، نفر ينظر نفورًا إذا فزع إليه (٧). والمعنى انفروا إلى قتال عدوكم.
وقوله تعالى: ﴿ثُبَاتٍ﴾. قال جميع أهل اللغة: الثُّبات جماعات متفرقة واحدها ثبة (٨)، وأنشدوا لزهير:
(١) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٨٦ أ، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٧، القرطبي ٥/ ٢٧٤.
(٢) من "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٦٢٨ (نفر).
(٣) انظر: "الوسيط" ٢/ ٦١٦.
(٤) من "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٦٢٨ (نفر). وحديث: "إذا استنفرتم" أخرجه البخاري من حديث ابن عباس (١٨٣٤) كتاب: جزاء الصيد، باب لا يحل القتال بمكة، ومسلم (١٣٥٣) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٦٢٨، "أساس البلاغة" ٢/ ٤٦٣ - ٤٦٤ (نفر)، القرطبي ٥/ ٢٧٤.
(٦) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٦٢٨ (نفر)، "جمهرة الأمثال" للعسكري ٢/ ٣٩٩، "مجمع الأمثال" للميداني ٣/ ١٦٨.
(٧) انظر: القرطبي ٥/ ٢٧٤.
(٨) انظر: "مجاز القرآن" ١/ ١٣٢، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١٢٧، الطبري ٨/ ٥٣٦، "معاني الزجاج" ٢/ ٧٥، "تهذيب اللغة" (٤٦٥) (ثاب)، "اللسان" ١/ ٥١٩، (ثوب)، "عمدة الحفاظ" ص ٨٥.
وقفت فيها أصيلا لا أسائلها عيت جوابًا وما بالربع من أحد
إلا الأواري لأيًا ما أبينها والنؤيُ كالحوض بالمظلومة الجلد
وقد أغدو على ثبة كرامٍ نشاوى واجدين لما نشاء (١)
وأما أصلها واشتقاقها فقال علماء اللغة والنحو: ثبة أصلها من ثبيت الشيء، أي جمعته. ويقال: ثبيت على الرجل، إذا أثنيت عليه في حياته، وتأويله: جمع محاسنه (٢). وأنشدوا للبيد:
يُثَبِّي ثناءً من كريمٍ وقولُه ألا انعم على حسن التحيَّة واشربِ (٣)
وقال آخر:
كم لِيَ من ذي تُدْرأٍ مذبِّ أشوس أبَّاءٍ على المُثَبِّي (٤)
أي الذي يعذله ويكثر لومه ويجمع له العذل من هنا وهنا. فقولهم: يثبِّي، يدل على أن اللام معتلة، وأن الثاء والباء فاء عين الفعل، وأصلها ثبوة. وثبيت لا يدل على أن المحذوف من ثبة الياء دون الواو، لقولهم: خليت، وعديت، من: خلا يخلو، وعدا يعدو، كما قالوا: قضيت وسقيت والقبيلان إذا صارا إلى هنا متساويان.
(١) البيت في "ديوان زهير" ص ١٧، "مجاز القرآن" ١/ ١٣٢، والطبري ٥/ ١٦٤، "معاني الزجاج" ٢/ ٧٥، "تهذيب اللغة" ١/ ٤٦٥ (ثاب)، "اللسان" ١/ ٥١٨ - ٥١٩، "عمدة الحفاظ" ص ٨٥ (ثوب). ومعنى "نشاوى" جمع نشوان وهو السكران، "واجدين" أي قادرين على ما يريدون من طعام وشراب.
(٢) "معاني الزجاج" ٢/ ٧٥، "معاني النحاس" ٢/ ١٣١، "تهذيب اللغة" ١/ ٤٦٥ (ثاب)، "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٦٠٢، وانظر: "مقاييس اللغة" ١/ ٤٠١ (ثبي)، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٧.
(٣) "ديوانه" ص ٨، "تهذيب اللغة" ١/ ٤٦٥ (ثاب)، "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٦٠٢ "مقاييس اللغة" ١/ ٤٠١ (ثبي)، وانظر: "معجم شواهد العربية" ص ٥٥.
(٤) البيت غير منسوب في "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٦٠٢، "اللسان" ١/ ٥١٩ (ثوب) ومعنى "ذي تدرأ": ذي قوة وعدة على دفع أعدائه في نفسه، "مذب": من الذب وهو الدفع والمنع، "أشوس": جريء على القتال الشديد.
والذي ينبغي أن يُقضى به في ثبة أن تكون من الواو، وذلك أن أكثر ما حذفت لامه إنما هو من الواو نحو: أبٍ وأخٍ وغدٍ وحمٍ (١).
قال الزجاج: وتصغيرها ثبية، وتصغير ثبة الحوَض: ثوبية؛ لأن المحذوف من هذه عين الفعل، لأنه من ثاب، (وثبة الحوض حيث) (٢) يثوب الماء إليه، أي يرجع (٣).
ويجمع الثبة التي هي الجماعة ثبين (٤)، قال عمرو:
وأما يوم خشيتنا عليهم فتُصبح خيلنا عصمًا (٥) ثبينا (٦)
وسنذكر لم جمع بالياء والنون عند قوله: ﴿عِضِينَ﴾ [الحجر:٩١] لأن هذه نظرة عضة -إن شاء الله.
وأما التفسير فقال المفسرون في الثبات نحو قول أهل اللغة، فقال مقاتل: عصبا متفرقين (٧).
وقال ابن عباس: سرايا متفرقين (٨).
(١) من الكلام على البيت الأخير إلى هنا أخذه المؤلف من "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٦٠٢، ٦٠٣ بتصرف يسير، وانظر: "الممتع في التصريف" ٢/ ٦٢٣.
(٢) في "معاني الزجاج" ٢/ ٧٥: "وثبة الحوض وسطه" وهذا أولى.
(٣) "معاني الزجاج" ٢/ ٧٥.
(٤) "مجاز القرآن" ١/ ١٣٢، والطبري ٥/ ١٦٤، "معاني الزجاج" ٢/ ٧٥، وانظر: "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٤٥٨، وابن كثير ١/ ٥٧٥.
(٥) في القرطبي ٥/ ٢٧٤، "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٧ "عصبا" ولعله أولى.
(٦) أخرج الطستي عن ابن عباس عن مسائل نافع بن الأزرق المشهورة، وفيها هذا البيت. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٧، وأورده أبو عبيدة في "مجاز القرآن" ١/ ١٣٢، والقرطبي ٥/ ٢٧٤، وفيها نسبته لعمرو بن كلثوم.
(٧) انظر: "الوسيط" ٢/ ٦١٦، ولعله مقاتل بن حيان. انظر ابن كثير ١/ ٥٧٥.
(٨) "تفسيره" ص ١٥١، وأخرجه الطبري ٥/ ١٦٥، وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٦.
وقال قتادة: الثبات الفرق (١).
وأما معنى الآية فقال العلماء: هذه الآية تدل على أن الجهاد من فروض الكفاية؛ لأن الله تعالى خيرهم بين أن يُقاتلوا جميعًا، وبين أن يقاتل بعضهم دون بعض بقوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ فدل أنه ليس من فروض الأعيان (٢). وهذا مذهب جماعة من المفسرين في الآية.
وقال قوم: الآية لا تدل على ذلك؛ لأن قوله: ﴿فَانْفِرُوا﴾ ﴿أَوِ انْفِرُوا﴾ محمول على حالين مختلفين، فقوله: ﴿انْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ إذا لم ينفر معهم رسول الله - ﷺ -، (أو انفروا جميعًا) مع الرسول. نظيره قوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] إذا نفر رسول الله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] إذا لم ينفر رسول الله. وهذا قول عبد الرحمن بن زيد والكلبي (٣).
وقد ذكرنا في سورة البقرة ابتداء وجوب الجهاد، ومذاهب العلماء في وجوبه اليوم عند قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ الآية [البقرة: ٢١٦].
ومنهم من قال: التخيير في قوله: ﴿فَانْفِرُوا﴾ (أو انفروا) يعود إلى صفة الخروج للقتال، يقول: انفروا جماعات متفرقة، أو انفروا جميعًا بعضكم إلى بعض، أي على أي صفة كانت من الاجتماع في النفر والوقوف ليتلاحق الآخر والأول والمبادرة وترك التفريج للتلاحق. ولهذا المعنى أراد الشاعر لما قاله:
(١) أخرجه الطبري ٥/ ١٦٥، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس ٢/ ١٣١، وابن كثير ١/ ٥٧٥.
(٢) انظر: "الوسيط" ٢/ ٦١٧، والقرطبي ٥/ ٢٧٥.
(٣) انظر: القرطبي ٥/ ٢٧٥، "تنوير المقياس" بهامش المصحف ص ٨٩.
طاروا إليه زرافات ووحدانا (١)
ومثله قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] أي على أي الحال كنتم فصلوا (٢).
٧٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾. قال المفسرون: نزلت الآية في عبد الله بن أبيّ (٣) المنافق، كان يتخلف عن رسول الله - ﷺ - إذا خرج لغزو (٤). والخطاب في هذه الآية للمؤمنين، ومعنى ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ﴾ والمعنى كان من المنافقين يحتمل وجهين:
أحدهما: أن هذا من باب حذف المضاف، والمراد: وإن من دخلائكم، أو من عدادكم، فحذف المضاف.
والثاني: أنه جعل المُبطِّئ منهم في الحال الظاهرة من حكم الشريعة
(١) عجز بيت صدره:
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم
وهو لقريط بن أنيف كما في "الحماسة" ١/ ٤، وانظر: "الصناعتين" ص ٢٨٥، و"خزانة الأدب" ٧/ ٤١٣، و"الخصائص" ٢/ ٢٧٠، و"بصائر ذوي التمييز"، وهو في "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٧، و"اللسان" ٨/ ٤٧٧٩ (وحد).
(٢) انظر: "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٧.
(٣) هو أبو الحباب عبد الله بن أبي بن مالك الخزرجي المشهور بابن سلول (وهي جدته، نسب إليها، رأس المنافقين، وكان سيد الخزرج في آخر جاهليتهم، توفي قبحه الله سنة ٩ هـ.
انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص ٣٥٤، "الأعلام" ٤/ ٦٥.
(٤) أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٧، وأورده الثعلبي ٤/ ٨٦ أ، والبغوي ٢/ ٢٤٨، وابن كثير ١/ ٥٧٥. والقول بأنها نازلة في المنافقين لعموم المفسرين. انظر: "تفسير الطبري" ١٦٥ - ١٦٦ "بحر العلوم" ١/ ٢٦٧، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٦ أ، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٨، "زاد المسير" ٢/ ١٣٠.
وهو حقن الدم والموارثة والمواكلة ونحو ذلك، وجعله منهم من حين الجنس والنسب (١).
وقال الزجاج: أي ممن أظهر الإيمان (٢). وقد ذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٦٦] (٣).
وقوله: ﴿لَمَن﴾ اللام فيه لام الابتداء، وإنما دخلت مكان إن، كما تقول: إن فيها لأخاك (٤).
قال الفراء: دخلت اللام في: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ وهي صلة لمن على إضمار شبيه باليمين، كما تقول في الكلام: هذا الذي ليقومن، وأرى رجلاً ليفعلن ما يريد (٥). فتدخل اللام في صلة النكرة، كما تدخلها في صلة الموصول.
وقال الزجاج: (من) في هذه الآية موصولة بالجالب للقسم، كأن هذا لو كان كلامًا لقلت: إن منكم لمن أحلف والله ليبطئن (٦).
وهذا الذي قاله الزجاج معنى قول الفراء: وهي صلة لمن على إضمار شبيه باليمين.
قال (٧): والنحويون يُجمعون على أن: من وما والذي لا يوصلن
(١) انظر: "الوسيط" ٢/ ٦١٧، "المحرر الوجيز" ٤/ ١٢٩، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٨.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٥.
(٣) انظر تفسير الآية.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٧٥، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٤٥٠، الطبري ٥/ ١٦٦، "معاني الزجاج" ٢/ ٧٥، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٦ ب.
(٥) "معاني القرآن" ١/ ٢٧٥.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٥، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ١٣٠، "التفسير" ١٠/ ١٧٩، "الدر المصون" ٤/ ٢٩.
(٧) أي الزجاج.
بالأمر والنهي إلا بما يضمر معها من ذكر الخبر، وأن لام القسم إذا جاءت مع هذه الحروف فلفظ القسم وما أشبه لفظه مضمر معها (١). هذا كلام الزجاج.
وبيان هذا: أنه يجوز أن تقول: مررت بمن تضربه، ولا يجوز: مررت بمن أضربه؛ لأن الخبر يصح أن يكون صلة والأمر والنهي لا يكونان صلة لموصول، والفرق بينهما أن الخبر يوضح الموصول كما يوضح الموصوف في قولك: مررت برجل لتكرمنه؛ لأنه قد خصصه وقوع الإكرام به في المستقبل، وليس ذلك الأمر في قولك: مررت برجل اضربه؛ لأنه لا يتخصص بالضرب في الأمر كما يتخصص في الخبر، فلذلك جاز أن يعرف بالضرب في الخبر ولم يجز في الأمر.
وأما معنى التبطئة في اللغة فقال الفراء في كتاب المصادر: بطؤ بطأ مثل قبح قبحًا، وأبطأ بطأ وأبطأ فيه يبطئ إبطاء، بمعنى واحد.
وقال الليث: البطء الإبطاء (٢).
فأما التَّبطئة فأكثرهم على أنه يعني الإبطاء أيضًا (٣).
ومعناها التأخر، والتشديد فيه على تكرار الفعل منه (٤).
وحكى أهل اللغة أن العرب تقول: ما أبطأ بك يا فلان عنا (٥).
(١) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٥، ٧٦.
(٢) " العين" ٧/ ٤٦٢، "تهذيب اللغة" ١/ ٣٥٢.
(٣) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٧٥، و"التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٨، والقرطبي ٥/ ٢٧٥.
(٤) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٧٥، و"بحر العلوم" ١/ ٣٦٧، و"التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٨، والقرطبي ٥/ ٢٧٥.
(٥) "العين" ٧/ ٤٦٢، "تهذيب اللغة" ١/ ٣٥٢، "الصحاح" ١/ ٣٦ (بطؤ).
وإدخالهم الباء يدل على أنه مطاوع (١)، وأجاز بعضهم أن يكون التَّبطئة واقعًا (٢)، فتقول بطأت فلانًا عن كذا، أي أخرته عنه.
وكلام المفسرين يدل على الوجهين فيه، فإن جعلته مطاوعًا لم يقتض مفعولًا وإن جعلته واقعًا اقتضى مفعولًا، وهو محذوف، والتقدير فيه: ليُبطئن غيره، أو ليبطئن بغيره، إن كان المعنى أنه يحبس غيره عن القتال (٣).
وأكثر المفسرين على أن المراد أنه يحتبس بنفسه ويتأخر بقعوده عن الغزو (٤)، فقال مقاتل: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ ليتخلفن عن الجهاد (٥).
وقال الكلبي: وإن منكم لمن يتثاقل (٦).
وقال قتادة: ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ عن الجهاد والغزو في سبيل الله (٧).
وهذا يحتمل أن يكون معناه ليبطئن غيره عن الجهاد.
(١) أي: لازم لا يتعدى إلى مفعول، كما سيأتي من كلام المؤلف، وانظر: "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٩، "الدر المصون" ٤/ ٢٩.
(٢) أي: متعديًا إلى مفعول، كما سيأتي من كلام المؤلف، وانظر: "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٨، ١٧٩، "الدر المصون" ٤/ ٢٩.
(٣) انظر: الطبري ٥/ ١٦٥، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٦ أ، "زاد المسير" ٢/ ١٣٠، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٩، القرطبي ٥/ ٢٧٥، "الدر المصون" ٤/ ٢٩.
(٤) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٧٥، "بحر العلوم" ١/ ٣٦٧، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٦/ أ، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٨، "زاد المسير" ٢/ ١٣٠.
(٥) ابن حيان، وأخرج الأثر عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٧، وانظر: "الوسيط" ٢/ ٦١٧.
(٦) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص (٨٩)، انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٨٦ أ، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٨.
(٧) أخرجه الطبري ٥/ ١٦٦، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٧.
وجماعة من المفسرين فسروا التبطئة ههنا بالتثبيط، وذلك يدل على أنه واقع (١).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾. قال ابن عباس: يريد من القتل (٢).
وقال مقاتل (٣): ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ من العدو، وجهد من العيش. وقال الكلبي: نكبة (٤).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾. أي قال هذا المبطئ قد أنعم الله علي بالقعود.
﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ يريد: حيث لم أحضر فيصيبني ما أصابهم من البلاء والشدة. قال (٥) ابن عباس (٦) ومقاتل (٧).
وقال الزجاج: أي إذ لم أشركهم في مصيبتهم (٨).
(١) انظر: "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٩.
(٢) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٩، وأخرج الطبري ٥/ ١٦٦ نحوه عن ابن جريج.
(٣) هو ابن حيان، وأخرج الأثر عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٧.
(٤) لم أقف عليه عن الكلبي، وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ١٣٠، عن ابن عباس.
(٥) هكذا، والصواب: "قاله". انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٧.
(٦) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٩.
(٧) هو ابن حيان، وأخرج الأثر عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٧.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٦.
وقال أهل المعاني: هذا القول من هذا المنافق على إظهار الشماتة بالمؤمنين، إذا أصابهم قتل وهزيمة (١).
٧٣ - وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: يريد إذا ظفرتم بعدوكم وغنمتم شيئًا. وقال الكلبي: فتح، أو غنيمة، أو نصر وظهور (٢).
وقوله تعالى: ﴿لَيَقُولَنَ﴾ أي هذا المنافق، قول نادم حاسد (٣). ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾؛ لأسعد مثل ما سعدوا به من الغنيمة (٤).
وقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾. قرئ (يكن) بالياء والتاء (٥)، وكلا القراءتين قد جاء التنزيل به، فمن التذكير قوله: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧]، وقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقال في آية أخرى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧]، فالتأنيث هو الأصل، والتذكير يحسن إذا كان التأنيث غير حقيقي، سيما إذا وقع فاصلٌ بين الفعل والفاعل (٦).
(١) انظر: الطبري ٥/ ١٦٥ - ١٦٦، "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٧. وكأن في كلام المؤلف سقطًا وذلك أن التعبير يحتاج إلى كلمة: "يدل" في أول كلام أهل المعاني، أو في أثنائه، قبل: "على إظهار... ".
(٢) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٩
(٣) "الكشف والبيان" ٤/ ٨٦ ب، وانظر: "الوسيط" ٢/ ٦١٨.
(٤) انظر: الطبري ١٦٦ - ١٦٧، "بحر العلوم" ١/ ٣٦٧، والمصدرين السابقين.
(٥) القراءة بالتاء: (تكن) لابن كثير وحفص عن عاصم ويعقوب، وبالياء (تكن) للباقين من العشرة. انظر: "السبعة" ص ٢٣٥، "الحجة" ٣/ ١٧٠، ١٧١، "المبسوط" ص ١٥٧.
(٦) انظر: "الحجة" ٣/ ١٧١، "حجة القراءات" ص ٢٠٨، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" ١/ ٣٩٢.
واختلف أهل العربية في موضع قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾؛ فالأكثرون على أن هذا اعتراض بين المفعول وفعله؛ لأن المعنى: ليقولن: يا ليتني كنت معهم، فكما أن قوله ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّه﴾ ﴿لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ في موضع نصب، يقال كذلك قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ في موضع نصب بقوله: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾، وقوله ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾ متصل في النظم بقوله: ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ﴾ ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ (١).
وعلى هذا الزجاج (٢) وابن الأنباري وأبو علي (٣) وصاحب النظم وكثير من أصحاب المعاني (٤).
ومعنى قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ قال الكلبي: أي معرفة وود في الدين (٥).
وقال مقاتل (٦): يقول: كأنه ليس من أهل دينكم في المودة.
هذا قولهما في تفسير هذه الآية. والله تعالى يعلم أنه لم يكن بين هذا المنافق وبين المؤمنين مودة خالصة، ولكن أراد بهذه المودة المذكورة ههنا
(١) من "الحجة" ٣/ ١٧١ بتصرف يسير.
(٢) في "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٦.
(٣) في "الحجة" ٣/ ١٧١.
(٤) انظر: "الكشاف" ١/ ٢٨٠، "المحرر الوجيز" ١٣٠ - ١٣٢، "زاد المسير" ٢/ ١٣١، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٩، "البحر المحيط" ٣/ ٢٩٣، "الدر المصون" ٤/ ٣٢.
(٥) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٩، وانظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٦٧، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٦ ب.
(٦) ابن حيان، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٨٦ ب وانظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٦٧، ٣٦٨، "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٧.
مودة في الظاهر؛ لأن المنافقين كانوا يظهرون المودة للمؤمنين.
قال ابن الأنباري: أي كأن لم يُعاقدكم على الإسلام ويبايعكم على الصبر والثبات فيه، على ما ساء وسر و (....) (١).
ونحو هذا قال أبو علي: أي لا يعاضدكم قتال عدوكم، ولا يرعى الذِّمام الذي بينكم (٢).
وقال الزجاج: أي كأنه لم يعاقدكم على أن يجاهد معكم، ولم يعاقدكم على الإيمان، أي كأنه لم يُظهر لكم المودة (٣).
فهذه الأقوال عن أهل المعنى تبيِّن أن المودة المذكورة في الآية يراد بها ما أظهره من المودة.
وأجاز ابن الأنباري وغيره أن يكون قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ مؤخرًا إلى آخر الآية، والتقدير: ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا، كأن لم تكن بينكم وبينه مودة.
والمعنى على هذا التقدير أن الله تعالى لما أخبر عن هذا المنافق أنه يشمت بمصيبة المؤمنين، فيقول: قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدًا، أو يحسدهم لما يصيبون من الغنيمة فيندم على التخلف، ويقول يا ليتني كنت معهم، قال بعد الإخبار عنه بهاتين الخلتين: {كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ
(١) غير واضح في المخطوط بقدر كلمتين، ولعلها (ونفع وضر) أو نحو ذلك.
(٢) "الحجة" ٣/ ١٧١.
(٣) هكذا هذِه العبارة وفيها ركاكة بالتكرار، وعبارة الزجاج في "معانيه" ٢/ ٧٦: "ومعنى المودة ههنا، أي كأنه لم يعاقدكم على الإيمان، أي كأنه لم يظهر لكم المودة، وجائز أن يكون والله أعلم: ليقولن: يا ليتني كنت معهم كأن لم تكن بينكم وبينه مودة، أي كأنه لم يعاقدكم على أن يجاهد معكم". وانظر: القرطبي ٥/ ٢٧٦.
مَوَدَّةٌ} أن يحسدكم ويشمت بكم (١).
وأجاز آخرون أن يكون موضع قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ حيث ذكر في النظم والمعنى؛ لأن معنى هذا الفصل لائق بمعنى هاتين الآيتين فأينما ذكر حسن ولم يكن أجنبيًا، وعلى هذا التقدير يكون قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ في موضع الحال من القائل الذي قال: يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ كما تقول: مررت بزيد، كأن لم يكن بينك وبينه معرفة، فتكون هذه جملة في موضع الحال، أي مررت به وهذه حالك (٢).
وقال بعض أهل المعاني على هذا التقدير: يجوز أن يكون قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ من كلام المنافق بقوله للذين أقعدهم عن الجهاد: كأن لم تكن بينكم وبين محمد مودة فيخرجكم لتأخذوا من الغنيمة. وإنما يقول هذا ليبغض لهم رسول الله - ﷺ - (٣).
وهذا وجه بعيد، وأصحاب العربية والنحو على الوجهين الأولين.
وقوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ قال مقاتل: أي فآخذ نصيبًا وافرًا (٤). وذكرنا معنى الفوز فيما تقدم.
وهذا القول من هذا المنافق ليس على طلب المثوبة، وتمنيه الحضور
(١) انظر: "التفسير الكبير" ١٠/ ١٧٩، ١٨٠، "البحر المحيط" ٣/ ٢٩٣، "الدر المصون" ٤/ ٣٣.
(٢) انظر: "إملاء ما من به الرحمن بهامش الفتوحات الإلهية" ٢/ ٢٨٣، "الدر المصون" ٢/ ٣٤.
(٣) نسب نحو هذا القول لمقاتل وأبي علي الفارسي في "البحر المحيط" ٣/ ٢٩٣، "الدر المصون" ٤/ ٣٣.
(٤) هو ابن حيان، وأخرج الأثر عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٧.
إنما هو على وجه الحسد للمؤمنين، عن قتادة وابن جريج (١).
قال أبو بكر: لم يقله رغبةً في الجهاد ولا حرصًا على طاعة النبي - ﷺ - وإنما قاله حرصًا على فتنة الدنيا وميلًا إلى الازدياد منها، فلذلك نعى الله عليه هذا القول وليم به.
وانتصب قوله: ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لأنه جواب التمني بالفاء، والعلة في انتصابه عند أهل الكوفة أنَّ في التمني معنى: يسرني أن تفعل فافعل، فهذا نصب كأنه منسوق، كقولك في الكلام: وددت أن أقوم فيتبعني الناس. والتقدير في الآية: يسرني أن أكون معهم فأفوز. وهذا قول الفراء (٢).
وعند أهل البصرة انتصبت هذه الجوابات بالفاء بإضمار أن، ولا يجوز إظهارها. قالوا: وجميع ما انتصب بالفاء في الجواب إنما انتصب لمخالفة الثاني الأول، فلم يمكن عطفه عليه، فجعلت الأول بتقديره مصدره، وأضمرت بعد الفاء أن فنصبت بها الفعل، لتكون قد عطفت مصدرًا على مصدر؛ لأن أن والفعل بتقدير مصدر، وذلك قولك: ما زرتني فأحسن إليك، تقديره: ما كانت منك زيارة فإحسانٌ مني، هذا تقدير جميعه وتمثيله.
والتقدير في الآية: ليت لي كونا معهم ففوزًا عظيمًا. قالوا: وإنما لم يجز إظهار أن لأن ما قبلها فيه تقدير المصدر من غير إظهار للفظه، فلما كان المعطوف عليه مقدرًا غير مظهر، اختاروا أن يكون مضمرًا بعد الفاء ليشاكل ما قبلها (٣).
(١) أخرج الأثر عنهما الطبري ٥/ ١٦٦ - ١٦٧، وانظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٧.
(٢) في "معاني القرآن" ١/ ٢٧٦، وانظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٧٦، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٣٤، "الحروف" للمزني ص ٦٦.
(٣) انظر: "معانى الحروف" للرماني ص ٤٣، ٤٤، "سر صناعه الإعراب" ١/ ٢٧٢ "رصف المباني" ص ٣٦٨، ٤٤٣، ٤٤٦.
٧٤ - قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. لما ذم الله تعالى المنافق بالتثبيط عن الجهاد، أمر المؤمنين بالقتال في سبيل الله، فكأنه قال: فلا تلتفتوا إلى تثبيط المنافقين وقاتلوا في سبيل الله.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾. معناه يبيعون (١). يقال:
وشريت بردًا ليتني... من بعد بردٍ كنت هامه (٢)
وأصله الاستبدال والاختبار، فلذلك كان بالمعنيين.
وقال الشماخ:
فلما شراها فاضت العين عبرةً... وفي الصدر حزاز من اللوم حامز (٣)
والشرى في البيتين بمعنى البيع.
قال ابن عباس والحسن والسدي وابن زيد: ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي يبيعونها (٤).
(١) الطبري ٥/ ١٦٧، "معاني الزجاج" ٢/ ٧٧، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٨٦٩، (شرى)، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٦ ب.
(٢) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري كما في: ديوانه ٢١٣، "مجاز القرآن" ١/ ٤٨، ٣٠٤، " الكامل" ١/ ٣٧٣، "معاني الزجاج" ٢/ ٧٧، "اللسان" ٤/ ٢٢٥٢ (شرى). و"برد" كان عبدًا ليزيد وكان يحبه، فباعه فندم على ذلك، وتمنى أن لو كان بعد برد ميتًا، والهامه: الصدى يسمع على قبر الميت. انظر: "معاني الزجاج" ١/ ٢٧٨ [حاشية٣].
(٣) هو من "ديوانه" ص ١٩٠، و"تفسير القرطبي" ٩/ ١٥٥، و"جمهرة أشعار العرب" ص ٢٤٨، و"الزاهر" ١/ ٢٦٩، و"غريب الحديث" لأبي عبيد ٤/ ٢٣٣، و"غريب الحديث" للحربي ٢/ ٤٨٠، و"العين" و"المحكم" و"اللسان" و"التهذيب" و"الجمهرة" (حزز).
(٤) عن ابن عباس. انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٩. وعن السدي =
وقوله تعالى: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ قال ابن عباس: يريد بالآخرة في هذا الموضع الجنة كأن المعنى يختارون الجنة على البقاء في الدنيا فيُجاهدون طلبًا للشهادة والقتل في سبيل الله (١).
وقال أهل المعاني: تقدير الآية يشترون الحياة الدنيا بالحياة الآخرة. كأنه قيل: يبيعون الحياة الفانية بالحياة الباقية، فالآخرة صفة محذوفة الموصوف (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ فيستشهد ﴿أَوْ يَغْلِبْ﴾ فيظفر. قاله الكلبي (٣).
وقال ابن عباس: يريد كلاهما سواء (٤).
وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قال ابن عباس: يريد ثوابًا لا صفة له (٥).
٧٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. قال المفسرون: هذا حض من الله تعالى على الجهاد في سبيله؛ لاستنقاذ المؤمنين من أيدي أعدائهم (٦)، والمعنى: أيُّ شيء لكم تاركين القتال (٧)؟
= وابن زيد أخرجه الطبري ٥/ ١٦٧، وانظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٧. أما عن الحسن فلم أقف عليه، وانظر: "تفسير الهواري" ١/ ٣٩٨.
(١) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٩
(٢) لم أقف عليه.
(٣) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٩.
(٤) انظر: "تنوير المقباس" ص ٨٩
(٥) انظر: "تنوير المقباس" ص ٨٩.
(٦) انظر الطبري ٥/ ١٦٧ - ١٦٨، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٦ ب، والقرطبي ٥/ ٢٧٩.
(٧) "معاني الزجاج" ٢/ ٧٧، وانظر: الطبري ٥/ ١٦٧.
أي: أي شيء لكم في ما لو ترك القتال، مع هذه الأمور التي تقتضي الحرص على الجهاد؟ وهي قوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ الآية (١)، أي لا عذر لكم فيه.
قال أبو إسحاق: و ﴿لَا تُقَاتِلُونَ﴾ في موضع نصب على الحال، كقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾. قال ابن عباس: يريد قومًا بمكة استضعفوا، فحبسوا وعذبوا (٣).
قال: وكنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان (٤).
وقال الكلبي: كان هؤلاء بمكة يلقون من المشركين أذًى شديدًا، وكان أهل مكة قد اجتهدوا أن يفتنوا قومًا من المؤمنين عن دينهم بالأذى لهم، وكانوا مستضعفين في أيديهم، لم يكن لهم بمكة قوة يمتنعون بها من المشركين، ولم يقدروا أن يهاجروا إلى المدينة (٥).
واختلفوا في وجه خفض المستضعفين، فذكر المبرِّد فيه وجهين: أحدهما: أن يكون عطفًا على السبيل، المعنى: ما لكم لا تقاتلون في سبيل
(١) هي الآية التي تليها هذِه الآية المفسرة.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٧، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٣٤، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ٢٠٢.
(٣) أخرجه بنحوه من طريق العوفي: الطبري ٥/ ١٦٩، وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٨.
(٤) أخرجه عن ابن عباس: البخاري (٤٥٨٧) كتاب التفسير، باب: قوله ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ الآية، لكن بدون لفظ: "من النساء والولدان".
(٥) هو بمعنى الأثر المتقدم عن ابن عباس، ومر تخريجه، وأخرج الطبري ٥/ ١٦٩ نحوه عن ابن زيد. وروي عن الضحاك، انظر: "معاني القرآن" للنحاس ٢/ ١٣٣، "بحر العلوم" ١/ ٣٦٨. ولم أقف عليه عن الكلبي.
الله وسبيل المستضعفين (١). ثم اختار الوجه الأول، قال: لأنَّ القوم خرجوا إلى القتال في سبيل الله وخلاص المستضعفين، لا إلى القتال في سبيل المستضعفين؛ لأن القتال في سبيل الله أن يقاتل رجاء ثواب الله في طاعة الله، ولا يجوز القتال في سبيل المستضعفين على هذا المعنى، وإذا كان كذلك فالأولى أن يكون العطف على ما عملت فيه (في) (٢).
وذكر أبو إسحاق هذا وأشار إلى نحو ما ذكرنا فقال: وقول أكثر النحويين كما اختار أبو العباس، لاختلاف السبيلين؛ لأن معنى سبيل المستضعفين كأنه: وخلاص المستضعفين، وإذا اختلف معنى السبيلين فالاختيار الأول. والوجه الثاني عند أبي إسحاق أشبه بالمعنى؛ لأن سبيل المستضعفين في سبيل الله، على معنى أن خلاصهم من سبيل الله (٣).
وأما التفسير: فقال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: معناه عن المستضعفين (٤). وكذلك قاله مجاهد (٥) ومقاتل (٦).
(١) الظاهر أن هنا سقطًا أو حذفًا، وكل منهما مخل بالكلام، لأنه لم يأت بالوجه الثاني. وقد ذكر الزجاج الوجه الثاني عند المبرد بقوله: "قال: وجائز أن يكون عطفًا على اسم الله، أي في سبيل الله وسبيل المستضعفين" "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٨.
(٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٧، ٧٨، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٣٤، "بحر العلوم" ١/ ٣٦٨، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ٢٠٣، "زاد المسير" ٢/ ١٣٢.
(٣) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٨، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٧١.
(٤) "الكشف والبيان" ٤/ ٨٧ أ. وأخرج الطبري ٥/ ١٦٨ من طريق عطية العوفي عن ابن عباس قال: "وفي المستضعفين".
(٥) عن مجاهد أنه قال في تفسير هذه الآية: "أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفي المؤمنين" تفسيره ١/ ١٦٥، وأخرجه الطبري ٥/ ١٦٨ وهذا رأي الحسن أيضًا. انظر: "تفسير الهواري" ١/ ٣٩٩.
(٦) "تفسيره" ١/ ٣٨٩.
وقال أصحاب العربية: قولهم: (عن المستضعفين) معنى، وليس بتفسير للفظ، وذلك أن المراد بالقتال صرف الأذى عنهم، فيعود التأويل إلى ما ذكرنا أن التفسير: في سبيل الله وسبيل المستضعفين.
والولدان جمع الولد، ونظيره مما جاء على فعل وفعلان خرب وخربان (١) وورل وورلان (٢)، كذلك ولد وولدان (٣).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ أخبر الله تعالى أن هؤلاء لما صدوا عن الهجرة كانوا يدعون الله تعالى ويقولون: ربنا أخرجنا.
قال ابن عباس: يريد إلى دار الهجرة وهي المدينة (٤).
﴿مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ يريدون مكة، في قول جميع المفسرين (٥).
﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ قال ابن عباس: يريد أنهم جعلوا لله شركًا (٦) (٧).
قال الفراء: وخفض الظالم لأنه نعت للأهل، فلما عاد الأهل على
(١) "الخرب": ذكر الحُبارى، والجمع الخِرْبان "الصحاح" ١/ ١١٩ (خرب) وقد جاءت هذِه الكلمة عند الرازي في "التفسير الكبير" ١٠/ ١٨٢ "حزب وحزبان" بالزاي، ولعله تصحيف.
(٢) "الورل": دابة مثل الضبّ، والجمع: ورلان "الصحاح" ٥/ ١٨٤١ (ورل) وجاءت في "التفسير الكبير" ١٠/ ١٨٢: "ورك ووركان" بالكاف، ولعله تصحيف.
(٣) انظر: "أساس البلاغة" ص ٥٢٦ (ولد)، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٨٢، "الدر المصون" ٤/ ٣٨.
(٤) أورده المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٦٢٠ دون نسبة لابن عباس، ولم أقف عليه.
(٥) الطبري ٥/ ١٦٨، "معاني الزجاج" ٢/ ٧٧، "النكت والعيون" ٥٠٦، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٧ أ، "زاد المسير" ٢/ ١٣٢.
(٦) هكذا جاءت بالتنوين، وفي "الوسيط" ٢/ ٦٢٠: "شركاء" بالمد.
(٧) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٠، وقد أورده المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٦٢٠ دون نسبة لابن عباس.
القرية كانت فعل ما أضيف إليها بمنزلة فعلها، كما تقول: مررت بالرجل الواسعة داره، ومررت برجل حسنة عينه (١).
وقال أبو إسحاق: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ نعت للقرية، وحدد الظالم لأنه صفة تقع موقع الفعل، يقال: مررت بالقرية الصالح أهلها: أي التي صلح أهلها (٢).
وهذه مسألة محتاج فيها إلى شرح وبيان، والنحويون يسمُّون ما كان من مثل هذا الصفة المشبهة باسم الفاعل، والأصل في هذا الباب أنك إذا أدخلت الألف واللام في الأخير أجريته على الأول في تذكيره وتأنيثه وعدده، نحو قولك: مررت بامرأة حسنة الزوج كريمة الأب، ومررت برجل جميل الجارية. وإذا لم تُدخل اللام في الأخير حملته على الثاني في التذكير والتأنيث والعدد، كقولك: مررت بامرأة كريم زوجها، ومن هذا قوله: ﴿مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، ولو أدخلت الألف واللام على الأهل لقلت: من هذه القرية الظالمة الأهل (٣)، ومما أجري على الأول لما لم يكن في الثاني الألف واللام قول طرفة:
ومكان زَعِلٍ ظُلْمانه كالمخاض الجُرْب في اليوم المطر (٤)
(١) "معاني القرآن" ١/ ٢٧٧، وانظر: الطبري ٥/ ١٦٨، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٣٤، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٧ أ، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٥٠، "زاد المسير" ٢/ ١٣٢.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٧.
(٣) انظر: "الكتاب" ١/ ١٩٤ - ٢١٠، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٨٣، "الدر المصون" ٤/ ٣٩.
(٤) ديوان طرفة ص ٤٢، و"العين" ١/ ٣٥٥، ٤/ ٢٢٩، و"تهذيب اللغة" (خدر) و"مقاييس اللغة" (زعل)، و"أساس البلاغة" (خدر)، و"الشعر والشعراء" ص ١٩٠، وأشعار الشعراء الستة الجاهليين اختيار الشنتمري ٢/ ٦٧. لكن قافيته فيهما: "الخدر" وأوله: "وبلاد" بدل: (ومكان) وجاء في شرحهما: "بلاد". رب بلاد، وزعل: =
ولو كان في الثانية والألف واللام لقال: زعلة الظلمان.
وإنما جاز أن يكون الظالم نعتًا للقرية، وهو من صفة أهلها، لأن الأهم قد يوصف بصفةٍ لسببه، كقولك: مررت برجل قائم أبوه، فالقيام للأب، وقد أجريته صفة للرجل، وكذلك: مررت برجل حسنة أمه، وإنما نعت بفعل سببه لأنه يخصه، ويُخرجه من إبهام إلى تخصيص، كما يُخرجه فعله المحض، فلما ساوى فعل سببه فعله نعت به، فقوله: من القرية الظالم نعت للقرية (١).
والهاء في ﴿أَهْلُهَا﴾ يرجع إلى القرية (٢)، والأهل فاعل الظلم (٣)، ولذلك ارتفع، فإن ثنيت القرية أو جمعته لم يتغير لفظ الظالم؛ لأن الأهل واحد في اللفظ، والظالم بمنزلة فعل مقدم، والفعل إذا كان مقدمًا على الفاعل لم يثنَّ ولم يُجمع (٤)، ولهذا لم يؤنث الظالم؛ لأن الفعل إنما يؤنث إذا كان فاعله مؤنثًا، ولما كان فاعل الظلم مذكرًا لم يلحقه علامة التأنيث (٥).
= نشيط، وظلمان: جمع ظليم: وهو ذكر النعام، والمخاض: الحوامل النوق، أو ساعات الولادة، والجرب: جمع جرباء وهي الناقة المعيبة، واليوم الخدر: الشديد البرد أو المطر والريح، وخص اليوم الخدر لأن المخاض تنضم فيه وتجتمع. ولم أجد هذا البيت في كتب النحو والأدب، مما يدل على توسع المؤلف في العربية.
(١) انظر: الطبري ٥/ ١٦٨، "معاني الزجاج" ٢/ ٧٧، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٤٣، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٧ أ.
(٢) انظر: الطبري ٥/ ١٦٨.
(٣) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٧٧، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٤٣، "الدر المصون" ٤/ ٣٨.
(٤) انظر: "مشكل إعراب القرآن" ١/ ٢٠٣، "الكشاف" ١/ ٢٨١.
(٥) انظر: "الكشاف" ١/ ٢٨١، "التفسير الكيبر" ١٠/ ١٨٢، "الدر المصون" ٤/ ٣٨.
وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾. قال ابن عباس: يريد ولّ علينا رجلاً من المؤمنين (يوالينا) (١) على عدونا ويقوم بشرائعك وحدودك (٢).
وقال الكلبي: واجعل لنا من لدنك وليًا في ديننا، يعنون النبي - ﷺ - (٣)
وقال بعضهم: الولي ههنا القيم بالأمر لهم حتى يستنقذهم من أيدي أعدائهم؛ لأنه يتولى الأمر بنفسه ولا يكله إلى غيره (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥]. قال ابن عباس: يريد ينصرنا على عدوك وعدونا (٥).
وقال الكلبي: يريد مانعًا يمنعنا من المشركين (٦).
وقال الزجاج: أي تولنا بنصرك (٧).
قال الكلبي: فلما فتحت مكة جعل الله لهم النبي - ﷺ - وليًّا (٨).
وقال ابن عباس: فاستجاب الله دعاءهم، وولى عليهم رسول الله عتَّاب بن أسيد (٩)، فكان عتاب يُنصف الضعيف من الشديد، والمظلوم من
(١) الكلمة غير واضحة تمامًا، وما أثبته هو الموافق لما في "الوسيط" ٢/ ٦٢١، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٨٣.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٠.
(٤) انظر القرطبي ٥/ ٢٨٠.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٠.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٧.
(٨) "بحر العلوم" ١/ ٣٦٨، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٨٧ ب، وتنوير المقباس بهامش المصحف ص ٩٠.
(٩) هو أبو عبد الرحمن عتاب بن أسيد بن أبي العيمر الأموي. أسلم يوم الفتح، =
الظالم، وأعانهم (...) (١). فكانوا أعز بها من الظلمة قبل ذلك (٢).
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٦]. قال ابن عباس: يريد في طاعة الله (٣) وتأويل ذلك أنها تُؤدي إلى ثواب الله في جنته التي أعدها لأوليائه، فلذلك سُميت طاعة الله: سبيل الله.
وقيل: معنى ﴿في سَبِيلِ اَللَّهِ﴾: في دين الله الذي شرعه ليؤدي إلى ثوابه ورحمته، فيكون التقدير على هذا: في نصرة دين الله (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال ابن عباس: يعني المشركون واليهود والنصارى (٥).
﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ قال: يريد في طاعة الشيطان (٦).
= واستعمله النبي - ﷺ - على مكة لما سار إلى حنين وكان رضي الله عنه صالحًا فاضلًا، توفي يوم مات أبو بكر رضي الله عنهما. انظر: "أسد الغابة" ٣/ ٥٥٦، "الإصابة" ٢/ ٤٥١.
(١) كلمة غير واضحة.
(٢) قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة" ٢/ ٤٥١: أورده العقيلي في ترجمة هشام بن محمد بن السائب الكلبي بسنده إليه عن أميه عن أبي صالح عن ابن عباس. اهـ وأورده السمرقندي في "بحر العلوم" ١/ ٣٦٨ عن الكلبي، والثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٨٧ أدون نسبة، وذكره عن ابن عباس ابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ١٣٣، والرازي في "التفسير الكبير" ١٠/ ١٨٣، والأثر في "تنوير المقباس" بهامش المصحف" ص (٩٠).
(٣) ذكر في "بحر العلوم" ١/ ٣٦٨)، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٧ أ، والقرطبي ٥/ ٢٨٠ غير منسوب لابن عباس، ولم أقف عليه عنه.
(٤) انظر: الطبري ٥/ ١٦٩، "الوسيط" ٢/ ٦٢٢.
(٥) في "تنوير المقباس": بهامش المصحف ص ٩٠: " أبو سفيان وأصحابه".
(٦) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٠.
والطاغوت ههنا الشيطان في قول ابن عباس والحسن والشعبي (١)، والدليل على صحة ذلك قوله في هذه الآية: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾.
قال ابن عباس: يريد عبدة الأصنام (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ معنى الكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال، يقال: كاده يكيده كيدًا، إذا عمل في إيقاع الضرر به على جهة الحيلة عليه (٣).
وأما معنى ضعف كيد الشيطان، فقال ابن عباس: يعني خذلانه إياهم يوم بدر، قتلوا ببدر (٤).
وقال أصحاب المعاني: إنما وصف كيده بالضَّعف لضعف نُصرته لأوليائه بالإضافة إلى نصرة الله للمؤمنين (٥).
وقال الحسن: لما أخبر الله عن ضعف كيد الشيطان دلَّ ذلك على أنه يُظهر المؤمنين على أولياء الشيطان. فكأنه قيل: فقاتلوا أولياء الشيطان فإنكم منصورون عليهم. هذا معنى قول الحسن (٦).
(١) لم أقف على أثر عنهما أو نسبة لهذا القول إليهما. والقول بأن الطاغوت ههنا هو الشيطان قول عامة المفسرين، انظر: الطبري ٥/ ١٦٩، "تفسير الهواري" ١/ ٣٩٩، "بحر العلوم" ١/ ٣٦٨، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٧ ب، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٥٠، "زاد المسير" ٢/ ١٣٣.
(٢) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص (٩٠) بلفظ: "جند الشيطان". وانظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٦٨، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٧ ب، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٥٠.
(٣) انظر: الطبري ٥/ ١٦٩ - ١٧٠، "الصحاح" ٢/ ٥٣٣ (كيد)، "بحر العلوم" ١/ ٣٦٩ "الكشف والبيان" ٤/ ٨٧ ب.
(٤) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٠.
(٥) انظر: "الكشاف" ١/ ٢٨١، " التفسير الكبير" ١٠/ ١٨٤.
(٦) انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" للهواري ١/ ٤٠٠.
وفائدة إدخال كان في قوله: ﴿كاَنَ ضَعِيفًا﴾ التأكيد لضعف كيده، وذلك أنَّ كان يدلُّ على لزوم الضعف كيده، خلاف العارض الذي لم يكن ثم كان، وكيده مما يلزمه صفة الضعف، وليس عارضة فيه، بدلالة كان على هذا المعنى (١).
٧٧ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية.
يقال: كففت فلانًا عن السوء فكف يكف كفًا، سواء لفظ اللازم والمجاوز (٢). وأكثر المفسرين على أنَّ هذه الآية نازلة في قوم من المؤمنين، استأذنوا النبي - ﷺ - وهم بمكة في قتال المشركين، فلم يأذن لهم، فلما كتب عليهم القتال بالمدينة قال فريق منهم ما أخبر الله عنهم. وهذا قول ابن عباس (٣) والحسن (٤) وعكرمة (٥) وقتادة (٦) والكلبي (٧) والسدي (٨).
قال الكلبي: نزلت في عبد الرحمن بن عوف والمقداد (٩) وقُدامة بن
(١) انظر: "التفسير الكبير" ١٠/ ١٨٤.
(٢) "العين" ٥/ ٢٨٣، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٦٦ (كف).
(٣) أخرجه عنه من طريق عكرمة النسائي في "تفسيره" ١/ ٣٩٤، والطبري ٥/ ١٦٩ - ١٧٠، وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٨.
(٤) انظر: "تفسير الهواري" ١/ ٤٠١.
(٥) أخرجه الطبري ٥/ ١٦٩ - ١٧٠.
(٦) أخرجه الطبري ٥/ ١٦٩ - ١٧٠، وعبد بن حميد وابن المنذر. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٥٩٤.
(٧) انظر: "تفسير الهواري" ١/ ٤٠١، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٠.
(٨) أخرجه الطبري ٥/ ١٦٩ - ١٧٠، وابن أبي حاتم، انظر: ابن كثير ١/ ٥٧٦، "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٨.
(٩) هو أبو الأسود أو أبو عمر المقداد بن عمرو بن ثعلبة البهراني، اشتهر بابن =
مظعون (١) وسعد بن أبي وقاص، كانوا مع رسول الله - ﷺ - قبل أن يُهاجروا إلى المدينة، يلقون من المشركين الأذى، فيشكون ذلك إلى رسول الله ويقولون: ائذن لنا في قتالهم، ويقول لهم رسول الله: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ فإني لم أؤمر بقتالهم، فلما هاجر رسول الله إلى المدينة وأمر بالقتال أمرهم أن يسيروا إلى بدر، فكرهه بعضهم، وهو طلحة (٢) بن عبيد الله، فأنزل الله هذه الآية (٣).
وقال السدي: نزلت هذه الآية في أهل الإيمان بمكة (٤).
= الأسود، لأن الأسود بن عبد يغوث قد تبناه، أسلم قديمًا وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وما بعدها وكان من الشجعان ومن أول من أظهروا الإسلام، توفي رضي الله عنه سنة ٣٣ هـ انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص ٤٤١، "أسد الغابة" ٥/ ٢٥١، "الإصابة" ٣/ ٤٥٤.
(١) هو أبو عمرو قدامة بن مظعون بن حبيب بن وهب القرشي الجُمحي، من السابقين إلى الإسلام، هاجر الهجرتين وشهد بدرًا وما بعدها، توفي رضي الله عنه سنة ٣٦هـ، وقيل بعدها.
انظر: "أسد الغابة" ٤/ ٢٩٤، "سير أعلام النبلاء" ١/ ١٦١، "الإصابة" ٣/ ٢٢٨.
(٢) هو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو القرشي التيمي من السابقين إلى الإسلام، أحد أصحاب الشورى، ومن العشرة المشهود لهم بالجنة، شهد أحدًا وما بعدها وبايع بيعة الرضوان وأبلى يوم أحد بلاءً عظيمًا، واستشهد يوم الجمل سنة ٣٦هـ. رضي الله عنه. انظر: "أسد الغابة" ٣/ ٨٥، "سير أعلام النبلاء" ١/ ٢٣، "الإصابة" ٢/ ٢٢٩.
(٣) بنحوه في "تفسير الهواري" ١/ ٤٠٠، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٧ ب، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٠، وهو بمعنى الأثر عن ابن عباس ومن قال به من التابعين، وتقدم تخريج ذلك.
(٤) أخرجه بمعناه الطبرى ٥/ ١٧٠، وابن أبي حاتم انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٨.
وقال عطاء: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ عن قتال عبدة الأصنام؛ لأنَّ الله لم يأمر بقتالهم (١). وقال ابن إسحاق: كان المسلمون قبل أن يؤمروا بالقتال قالوا للنبي - ﷺ -: لو أذنت لنا أن نقاتل المشركين. فأمروا بالكف، وأداء ما افترض عليهم غير القتال، وهو قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾. قال ابن عباس: فرض عليهم القتال بالمدينة.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾. قال: يعني عذاب الناس القتل ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (٣). وهو مصدر مُضاف إلى المفعول (٤).
﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾. قال ابن عباس: أو أكثر خشية (٥).
وقال الحسن: من صفة المؤمنين لما طُبع عليه البشر من المخافة، لا على كراهة أمر الله بالقتال (٦).
ودخلت ﴿أَوْ﴾ ههنا من غير شك، ومعناه الإبهام على المخاطب بمعنى أنهم على إحدى الأمرين من المساواة أو الشدَّة -وهذا أصل ﴿أَوْ﴾ (٧) - وهو بمعنى أحد الأمرين على الإبهام (٨).
(١) لم أقف عليه.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) بنحوه في الأثر المتقدم من طريق عكرمة عن ابن عباس، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٨٧ ب، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٠.
(٤) انظر: "التفسير الكبير" ١٠/ ١٨٥.
(٥) انظر:. "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٠.
(٦) انظر: "تفسير الهواري" ١/ ٤٠١، "النكت والعيون" ١/ ٥٠٧، "الوسيط" ٢/ ٦٢٤، القرطبي ٥/ ٢٨١.
(٧) انظر: "معاني الحروف" للرماني ص ٨٠.
(٨) انظر: "المحرر الوجيز" ٤/ ١٣٦، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٨٦.
وقيل: دخلت أو للإباحة، على معنى: أنك إن قلت: يخشون الناس كخشية الله، فأنت مُصيب، وإن قلت: يخشونهم أشدَّ من خشية الله، فأنت مصيب (١)؛ لأنه حصل لهم مثل تلك الخشية وزيادة (٢).
وقال أهل العلم: في هذه الآية دلالة على أنَّ العبد إذا خاف غير الله استحق مذمة الله تعالى، ألا ترى أن هذا خرج مخرج المذمة لهؤلاء.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾. إنما قالوا هذا جزعًا من الموت وحصرًا على الحياة، لا إنكارًا على الله سبحانه (٣) ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ﴾.
قال ابن عباس: يريد: أفلا أخرتنا إلى الموت. أي هلَّا تركتنا حتى نموت بآجالنا وعافيتنا من القتل. قاله السدي (٤).
ثم أعلم الله عز وجل أنَّ متاع الدنيا قليل، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد (٥) ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ قال الكلبي: أجل الدنيا قريب (٦).
(١) انظر: "المحرر الوجيز" ٤/ ١٣٦.
(٢) خلاصة ما قيل -على ما ذكر المؤلف- في: (أو) هنا: أنها إما للإبهام أو للتخيير وهناك قول ثالث لم يذكره المؤلف -وهو للجمهور- أنها بمعنى (الواو) فتكون عاطفة. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٣٦، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٧ ب، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ٢٠٣، "الكشاف" ١/ ٢٨٢، "المحرر الوجيز" ٤/ ١٣٦، "زاد المسير" ٢/ ١٣٥.
(٣) انظر: "تفسير الهواري" ١/ ٤٠١، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٨٦.
(٤) روى معناه عن السدي مقطوعًا الطبري ٥/ ١٧٠، وابن أبي حاتم. انظر: "زاد المسير" ٢/ ١٣٦، "تنوير المقباس" ص٩٠، "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٩.
(٥) انظر: الطبري ٥/ ١٧١، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٨ أ.
(٦) في "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٠، بلفظ: "منفعة الدنيا". انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٨٨ أ.
وقال الضحاك: عيش الدنيا قليل (١).
وقال ابن زيد: يسير ينقطع (٢). وقيل: كل ما تمتعون به من الدنيا قليل.
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾. قال عطاء عن ابن عباس: يريد الجنة خير لمن اتقى الله ولم يُشرك به شيئًا (٣).
﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ يريد لا ينقصون من ثواب أعمالهم مثل فتيل النواة.
قال (٤) عطاء عن ابن عباس (٥)، ورُوي عنه أيضًا أنه قال: هو ما تفتله بيدك ثم تُلقيه احتقارًا (٦).
ومضى الكلام في هذا (٧)، هذا مذهب المفسرين في هذه الآية.
وقال مجاهد: هذه الآية في اليهود، إلى قوله ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٨) [النساء: ٨٣].
(١) انظر: "الوسيط" ٢/ ٦٢٤.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٠.
(٤) هكذا في المخطوط، والظاهر الموافق للسياق: "قاله".
(٥) أخرج نحوه عن عطاء مقطوعًا الطبري ٥/ ١٧٢، ٦/ ١٢٩، ومن طريق علي ابن أبي طلحة في "تفسير ابن عباس" ص ١٤٩، وأخرجه الطبري ٥/ ١٧٢، ٦/ ١٢٩، وأخرجه الطستي وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس من مسائل نافع ابن الأزرق، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٩. وهذا قول مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد. انظر: "تفسير عبد الرزاق" ١/ ١٦٤، والطبري ٥/ ١٢٩، ٥/ ١٧٢.
(٦) أخرجه الطبري ٥/ ١٧١، ٥/ ١٢٩ بنحوه من طرق، وكذا عبد بن حميد وابن المنذر. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٩. وهذا قول أبي مالك والسدي. انظر: الطبري ٥/ ١٧٢، ٥/ ١٢٩.
(٧) عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩] وهذه الآية في القسم الساقط.
(٨) أخرجه الطبري ٥/ ١٨٤ وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٣٤.
قال: وهؤلاء الذين قيل لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ هم الذين ذكروا في قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ الآية [البقرة: ٢٤٦].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قرئ بالياء والتاء (١)، فمن قرأ بالياء فلما تقدم من ذكر الغيبة، وهو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾ ومن قرأ بالتاء فكأنه ضمَّ إليهم في الخطاب المسلمون (٢)، فغلِّب الخطاب على الغيبة، ويؤكد التاء قوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾، وما في ﴿قُلْ﴾ من الخطاب (٣).
٧٨ - قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾. هذه الآية عند الزجاج متصلة بالأولى إلى قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾؛ لأنه قال: وأعلمهم أنَّ آجالهم لا تخطئهم ولو تحصنوا بأمنع الحصون، فقال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَة﴾ (٤).
وقال الكلبي: نزلت هذه الآية في المنافقين حين قالوا لما استشهد من المسلمين ممن استشهد بأحد: لو كان (إخواننا قتلوا) (٥) عندنا ما قتلوا، فأنزل الله هذه الآية (٦).
(١) قرأ بالياء أبو جعفر وابن كثير وحمزة والكسائي وخلف، وقرأ الباقون بالتاء. انظر: "الحجة" ٣/ ١٧٢، "المبسوط" ص ١٥٦، "البدور الزاهرة" ص ٨٢.
(٢) في "الحجة" ٣/ ١٧٢: "النبي - ﷺ - والمسلمون".
(٣) من "الحجة " ٣/ ١٧٢، وانظر: "حجة القراءات" ص ٢٠٨، "الكشف" ١/ ٣٩٣.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٩.
(٥) هكذا في (ش)، وفي "أسباب النزول" للمؤلف ص ١٧١: "إخواننا الذين قتلوا" وهو الصواب.
(٦) ذكره المؤلف في "أسباب النزول" ص ١٧١ عن ابن عباس من رواية أبي صالح، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ١٣٧، والقرطبي ٥/ ٢٨٢.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ يا معشر المنافقين ولو كنتم في بُروج مشيَّدة (١). والبروج في كلام العرب القصور والحصون.
وقال ابن المظفر: البروج بيوتٌ تُبنى على سور المدينة (٢).
وبروج الفلك اثنا عشر، كل برج فيها ثلاثون درجة (٣).
وأصلها في اللغة من الظهور، ومنه يقال: تبرجت المرأة، إذا أظهرت محاسنها (٤). والبرج سعة العين لظهورها بالاتساع (٥).
وأما قول أهل التفسير في البروج فقال ابن عباس في رواية عطاء ﴿بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ يريد الحصون، أي لا تُرام (٦). وقال في رواية الضحاك البروج الحصون والآطام والقلاع (٧).
وقال مجاهد وابن جريج: هي القصور (٨).
وقال الربيع والسدي وقتادة: يعني بروج السماء بأعيانها (٩).
(١) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٠.
(٢) ذكر ذلك عن الليث (ابن المظفر) ابن منظور في "اللسان" ١/ ٢٤٤ (برج).
(٣) انظر: "الصحاح" ١/ ٢٩٩، "اللسان" ١/ ٢٤٤ (برج)، "معاني القرآن" لابن العربي ١/ ٤٦١.
(٤) "مقاييس اللغة" ١/ ٢٣٨، "الصحاح" ١/ ٢٩٩ (برج).
(٥) "مقاييس اللغة" ١/ ٢٣٨، وانظر: "اللسان" ١/ ٢٤٣ (برج).
(٦) انظر: "زاد المسير" ٢/ ١٣٧، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٠.
(٧) من الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٨٨ ب.
(٨) أخرج نحو ذلك عنهما الطبري ٥/ ١٧٢، ١٧٣.
(٩) أخرج ذلك عن الربيع والسدي: الطبري ٥/ ١٧٣، وابن أبي حاتم عن السدي انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٩. أما قول قتادة فأنه كالأقوال المتقدمة، فقد أخرج الطبري ٨/ ٥٥٢ عنه أنه قال: "في قصور محصنة" وانظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٩.
وأما المشيَّدة فقال الفراء في المصادر: شاد بناءه يشيد شيدًا، وأشاد بناءه أيضًا إشادة، وشيد بناءه يشيده تشييدًا، إذا رفعه (١).
وقال في المعاني (٢): ما كان من جمع مثل: بروج مشيدة، ومثل قولك: مررت بثياب مصبغة، وأكبش مذبحة، فجاز التشديد لأن الفعل متفوق في جمع، فإذا أفردت الواحد من ذلك، فإن كان الفعل يتردد في الواحد ويكثر جاز فيه التشديد والتخفيف مثل قولك: مررت برجل مشجج، وثوب مخرق (٣). جاز فيه التشديد لأن الفعل قد تردد فيه وكثر. وتقول: مررت بكبش مذبوح، ولا تقل: مذبح؛ لأن الذبح لا يتردد كتردد التخرق (٤).
وقال الزجاج في المشيد والتشييد والإشادة مثل قول الفراء (٥).
وقال أبو عبيدة وابن قتيبة: المشيدة المطولة (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ قال المفسرون: هذا موقف اليهود والمنافقين عند مقدم النبي - ﷺ - المدينة، وكان قد بسط عليهم الرزق، فلما كفروا أمسك عنهم بعض الإمساك، كما مضت سنة الله في الأمم، قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا﴾ [الأعراف: ٩٤]، فقالوا: ما رأينا أعظم
(١) انظر: "معاني القرآن" ١/ ٢٧٧، "معاني الزجاج" ٢/ ٧٩،"تهذيب اللغة" ٢/ ١٨٠٢ (شاد).
(٢) أي الفراء في كتابه "معاني القرآن" ١/ ٢٧٧.
(٣) في "معاني القرآن": "ممزق" والمعنى متقارب.
(٤) "معاني القرآن" ١/ ٢٧٧ وانظر: الطبري ٥/ ١٧٣.
(٥) انظر: "معانى القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٩.
(٦) "مجاز القرآن" ١/ ١٣٢، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١٢٧.
شؤمًا من هذا، نقصت أثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه. فقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ يعني الخصب ورخص السعر وتتابع الأمطار، قالوا: هذا من عند الله، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: جدب وغلاء الأسعار، قالوا: هذا من شؤم محمد.
وهذا كقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]. هذا قول الكلبي (١) وأكثر المفسرين (٢)، واختيار الفراء (٣) والزجاج (٤).
وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ من النصر والغنيمة يقولوا هذه من عند الله ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ من القتل والهزيمة (٥).
وهذا قول الحسن (٦) وابن زيد (٧).
وعلى هذا المعنى فقوله: ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ قال ابن زيد: بسوء تدبيرك (٨).
وقال ابن الأنباري: إذا أصابهم الخصب ونالوا ما يحبون من الغنائم والأموال قالوا: هذا من عند الله، لم نزل نعرفه، لا شيء لمحمد فيهن،
(١) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٠.
(٢) انظر: الطبري ٥/ ١٧٤، "تفسير الهواري" ١/ ٤٠١، "بحر العلوم" ١/ ٣٧٠، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٨ ب، "النكت والعيون" ١/ ٥٠٦ - ٥٠٧ "زاد المسير" ٢/ ١٣٧.
(٣) في "معاني القرآن" ١/ ٢٧٨.
(٤) في "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٩.
(٥) انظر: "زاد المسير" ٢/ ١٣٨.
(٦) انظر: "تفسير الهواري" ١/ ٤٠١، "النكت والعيون" ١/ ٥٠٦ - ٥٠٨.
(٧) أخرجه الطبري ٥/ ١٧٤ - ١٧٥، وانظر: "النكت والعيون" ١/ ٥٠٦ - ٥٠٨؛ "زاد المسير" ٢/ ١٣٨، "الدر المنثور"٢/ ٣٣٠.
(٨) المرجع السابق.
وإذا أصابهم الجدب والبلاء والشر قالوا: هذا الشقاء بشؤم محمد - ﷺ -، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي النصر والهزيمة (١).
وقال أهل المعاني: جملة المعنى الذي تضمنته هذه الآية الحض على الجهاد، بأن الموت لا بد منه، فلا تجزعوا من الموت جزع المُعرض عن ذكره، ولا تجهلوا بإضافة المصيبة فيه إلى غير الله (٢).
وقال ابن عباس في بعض الروايات: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أما الحسنة فأنعم الله بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لا يفهمون القرآن (٤).
والفقه في اللغة: اللهم، يقال: أوتي فلان فقهًا في الدين، أي فهمًا (٥)، ومنه قوله - ﷺ - لابن عباس: "وفقهه في التأويل" (٦) أي فهمه تأويله.
(١) مثل هذا مروي عن ابن زيد، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١، ولم أقف عليه عن عطاء.
(٢) انظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٦٩، "الكشف والبيان" ٤/ ٨٨ ب.
(٣) هذا الأثر من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في "تفسيره" ص١٥١، والطبري ٥/ ١٧٤ - ١٧٥، والبيهقي في "الاعتقاد على مذهب السلف" أهل السنة والجماعة ص (٦٧، ٦٨)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١ أيضًا إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٤) انظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٧٠، "زاد المسير" ٢/ ١٣٦.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٨٤٤، "الصحاح" ٦/ ٢٢٤٣ (فقه).
(٦) أخرجه البخاري (١٤٣) كتاب: الوضوء، باب: (١٠) وضع الماء عند الخلاء ١/ ٤٥ بلفظ: "اللهم فقهه في الدين"، ومسلم (٢٤٧٧) في كتاب: فضائل الصحابة، باب: (٣٠) فضائل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ٤/ ١٩٢٧ (ح ١٣٨) بلفظ:"اللهم فقهه" وأحمد في "مسنده" ١/ ٢٩٩ بلفظ: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".
٧٩ - قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ يوم بدر، من النصر والغنيمة، فمن الله، ﴿وَمَا أَصَابَكَ﴾ يوم أُحد من القتل والهزيمة، ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، يريد: فبذنبك. وهذا من الله مخاطبة للنبي - ﷺ - والمراد به أصحابه، والشعبي من ذلك بريء، وذلك أن الله تعالى حين بعثه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وعصمه فيما يستقبل حتى يموت، فهو معصوم. انتهى كلام ابن عباس (١).
وهذا الذي ذكره مذهب أكثر أهل التفسير والمعاني (٢).
قال أبو إسحاق: هذا خطاب للنبي - ﷺ - يُراد به الخلق، ومخاطبة النبي - ﷺ - قد يكون للناس جميعًا؛ لأنه - ﷺ - لسانهم، والدليل على ذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] فنادى النبي - ﷺ - وحده، وصار الخطاب شاملًا له ولأمته، فمعنى ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أي ما أصبتم من غنيمة، أو أتاكم من خصب فمن تفضل الله جل وعز، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ أي من جدب وغلبةٍ في حرب ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: أصابكم ذلك بما كسبت أيديكم (٣).
(١) ورد نحوه من طريق علي بن أبي طلحة في تفسير ابن عباس ص ١٥٢، وأخرجه الطبري ٥/ ١٧٥ - ١٧٧، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ١٣٨. ولم أقف على رواية عطاء، وانظر: "تنوير المقباس" ص ٩٠، وأخرج ابن أبي حاتم نحوه من طريق عطة العوفي عن ابن عباس. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٣١ - ٣٣١.
(٢) انظر: الطبري ٥/ ١٧٥ - ١٧٧، "بحر العلوم" ١/ ٣٧٠، "النكت والعيون" ١/ ٥٠٦ - ٥٠٩.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٩، ٨٠، وانظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١٢٧، "معاني القرآن" للنحاس ٢/ ١٣٥.
وقال الكلبي: ما أصابك من خير فالله هداك له وأعانك عليه، وما أصابك من أمر تكرهه فبذنبك، عقوبة للذنب (١).
وقال قتادة: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ عقوبة لذنبك يا ابن آدم (٢). وكذلك قال الحسن (٣) والسدي وابن جريج (٤) والضحاك في تفسير قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ فبذنبك. ويدل على صحة هذا التفسير قوله تعالى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠]، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١].
وقال أبو بكر بن الأنباري: ما أصابك من خصب فمن تفضل الله، وما أصابكم من جدب وغم فمن أجل ذنوبكم، فخوطب النبي - ﷺ - والمعني الأمة.
وهذا القول هو اختيارنا لموافقته الآثار واللغة، ودلالة الآية الأولى على صحته، ولأن الحسنة معلوم أنها تكون بمعنى الخصب، والسيئة بمعنى الجدب، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] أراد: واختبرناهم بالخصب والجدب. ونحو هذا قال ابن قتيبة (٥).
(١) لم أقف عليه، وانظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٧٠.
(٢) أخرجه الطبري ٥/ ١٧٥ - ١٧٦، وعبد بن حميد، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١.
(٣) انظر: "تفسير الهواري" ١/ ٤٠٢، "النكت والعيون" ١/ ٥٠٧ - ٥٠٩، "زاد المسير" ٢/ ١٣٩.
(٤) أخرجه عن السدي وابن جريج: الطبري ٥/ ١٧٥ - ١٧٦.
(٥) في "تفسير غريب القرآن" ص ١٢٧.
ولا تعلق للقدرية بهذه الآية؛ لأن الحسنة والسيئة المذكورتين هنا لا ترجعان إلى الطاعة والمعصية وأكساب العباد بحالٍ، ولا يجوز ذلك (١) قال ابن الأنباري: لأن الحسنة التي يُراد بها الخير والطاعة لا يقال فيها: أصابتني، إنما يقال: أصبتها، وليس في كلام العرب: أصابت فلانًا حسنةٌ على معنى: عمل خير، وكذلك: أصابته سيئة، على معنى عمل معصية، غير موجود في كلامهم، إنما يقولون: أصاب سيئة، إذا عملها واكتسبها، واللغة تُروى، ولا تُعمل عملًا، فانفساخ قول القدرية واضح بين.
وأكد الحسين بن الفضل هذا المعنى فقال: لو كانت الآية على ما يقول أهل القدر لقال: ما أصبت، ولم يقل: ما أصابك؛ لأن العادة جرت بقول الناس: أصابني بلاءً ومكروه، وأصابني فرح ومحبوب، ولا يكاد يسمع: أصابني الصلاة والزكاة، والطاعة والمعصية، فالحسنة والسيئة في هذه الآية ماستان مصيبتان، ولا ممسوستان مصابتان، وإذا كانتا بهذه الصفة لم يكن بيننا وبين أهل القدر خلاف أنهما تكونان من فعل الله تعالى وخلقه، كالخصب والجدب، والنصر والهزيمة.
وإذا صح هذا كان معنى قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ على ما ذكره المفسرون وأرباب المعاني، وبطل تعلقهم بالآية.
ومن المفسرين من أضمر في الآية شيئًا، وهو ما يُروى عن أبي صالح أنه قال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ وأنا قدَّرتُها عليك (٢).
(١) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٨٩ ب، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٥٢، ٢٥٣، "التفسير الكبير" ١٠/ ٩٠ - ١٩٢.
(٢) أخرجه الطبري ٥/ ١٧٥ - ١٧٦؛ وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١ أيضًا إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وقد ورد =
ونحو هذا روي عن زيد بن علي. وهذا لا يكاد يستقيم، لأنه إضمار ليس عليه دليل (١)، ولأنا قد بينا أنه لا يجوز حمل الحسنة والسيئة في هذه الآية على الطاعة والمعصية، فاستغنينا عن هذا التكلف.
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾. قال ابن عباس: يريد أنك قد بلغت رسالاتي ونصحت عبيدي (٢). ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ على ما بلغت من رسالة ربك.
٨٠ - قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.
قال ابن عباس: يريد أن طاعتكم لمحمد - ﷺ - طاعة لله (٣).
وقال الزجاج: أي من قبل ما أتى به الرسول فإنما قبل ما أمر الله جل وعز (٤) به.
وقال الحسن: جعل الله طاعة رسوله - ﷺ - طاعته، وقامت به الحجة على المسلمين (٥).
وذكر الشافعي رحمه الله في الرسالة في فرض طاعة الرسول (٦) هذه الآية، وقال: إن كل فريضة فرضها الله تعالى في كتابه، كالحج والصلاة
= "وأنا كتبتها عليك" قراءة عن أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم انظر: "إعراب القرآن" لنحاس ١/ ٤٧٤، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٥٣، "البحر المحيط" ٣/ ٣٠١، "الدر المنثور" ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١.
(١) بل عليه دليل وهو القراءة الواردة عن الصحابة، وتعتبر تفسيرية. وتقدم قريبًا عزو ذلك عند الأثر عن أبي صالح.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٧٠.
(٥) "تفسير كتاب الله العزيز" للهواري ١/ ٤٠٢.
(٦) أي: في باب فرض الله طاعة رسول الله من "الرسالة" ص ٧٩.
والزكاة، لولا بيان رسول الله - ﷺ - ما كنَّا نعرف كيف نأتيها، ولا يمكننا أداء شيء من العبادات، وإذا كان الرسول من الشريعة بهذه المنزلة، كانت طاعته على الحقيقة طاعةً الله. هذا معنى كلام الشافعي (١).
وقال مقاتل في هذه الآية: إن النبي - ﷺ - كان يقول: "من أحبني أحب الله، وما أطاعني فقد أطاع الله" (٢) فقال المنافقون: لقد قارف هذا الرجل الشِّرك، وهو ينهى أن يُعبد غير الله، وما يريد إلا أن نتخذه (٣) ربًا كما اتخذت النصارى عيسى، فأنزل الله تصديقًا لقول نبيه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾. قال ابن عباس: يريد عن طاعة محمد (٥)، وقال مقاتل: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ أعرض عن طاعته (٦).
ومعنى التولِّي في اللغة الإعراض، وقد أعطينا حقه عند قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٤].
من المفسرين من يجعل التولِّي في هذه الآية إعراضًا جهارًا (٧)،
(١) انظر: "الرسالة" ص ٧٩ - ١٠٤، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٩٣.
(٢) "تفسيره" ١/ ٣٩١، وآخره أخرجه البخاري (٢٩٥٧) في الجهاد، باب: يقاتل من وراء الإمام، ومسلم (١٨٣٥) في كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء.
(٣) في (ش): (يتخذه) بالياء، ولعل الصواب: (نتخذه) بالنون، انظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٧٠، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٥٣.
(٤) انظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٧٠، "الكشف والبيان" ٤/ ٩٠ أ، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٥٣، "زاد المسير" ٢/ ١٤١.
(٥) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩١.
(٦) "تفسيره" ١/ ٣٩٢ ولفظه: "أعرض عن طاعتهما".
(٧) انظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٧٠، "المحرر الوجيز" ٤/ ١٤٤، "زاد المسير" ٢/ ١٤٢، "التفسير الكبير"١٠/ ١٩٤.
ويقول: هذا في أول ما بُعث، ويقول في معنى قوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي حافظًا لهم من التولي والإعراض كما قال جل وعز: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] ثم أمر فيما بعد بالجهاد والإكراه بالسيف، ونُسخ هذا وأمثاله.
وهذا معنى قول ابن زيد (١)، واختيار ابن قتيبة (٢).
ومنهم من يجعل التولي ههنا إضمار العداوة للرسول، والإعراض عنه في السر؛ كتولي المنافقين، ويقول في قوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي حافظًا لهم من المعاصي حتى لا تقع، حافظًا لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها؛ لأن الله هو المُجازي بها. وإلى هذه الطريقة مال أبو إسحاق؛ لأنه يقول في قوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾: تأويله والله أعلم أنك لا تعلم غيبهم، وإنما لك ما ظهر منهم (٣).
ومعنى جواب الجزاء في قوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ كأنه يقول: ومن تولى فليس عليك بأس لتوليه؛ لأنك لم ترسل عليهم حفيظًا من المعاصي حتى لا تقع، أو حفيظًا لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها، فتخاف ألا تقوم بها على ما ذكرنا (٤). وعلى هذه الطريقة لا موضع للنسخ في الآية.
(١) أخرجه الطبري ٥/ ١٧٧، وانظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٣١.
(٢) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص ١٢٧، و"الكشف والبيان" ٤/ ٩٠ ب، والقرطبي ٥/ ٢٨٨.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٨٠، وانظر: "التفسير الكبير" ١٠/ ١٩٤.
(٤) انظر: الطبري ٥/ ١٧٧، "تفسير الهواري" ١/ ٤٠٢، "الكشاف" ١/ ٢٨٤، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٩٤.
٨١ - قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يعني المنافقين، في قول الحسن (١) والسدي (٢)، والضحاك (٣)، وأكثر المفسرين (٤).
قال ابن عباس: كانوا يقولون للنبي - ﷺ -: طاعة، يريدون أطعناك (٥).
وقال الكلبي: كانوا يقولون للنبي - ﷺ -: طاعة، يريدون: أطعناك.
وقال الكلبي: كانوا يقولون طاعة لأمرك (٦).
وقال مقاتل: كانوا يقولون طاعةً لأمرك (٧).
وقال مقاتل: كانوا إذا دخلوا على النبي - ﷺ - قالوا: مرنا بما شئت، فأمرك طاعة (٨).
وقال النحويون: معناه: أمرُنا طاعة (٩)، أي أمرنا وشأننا أن نُطيعك.
(١) انظر: "تفسير الهواري" ١/ ٤٠٢.
(٢) أخرجه الطبري ٥/ ١٧٨، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٣٣٢ أيضًا إلى ابن أبي حاتم.
(٣) أخرجه الطبري ٥/ ١٧٩، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس ٢/ ١٣٩.
(٤) انظر: "تفسير الهواري" ١/ ٤٠٢، "النكت والعيون" ١/ ٥٠٩، "الكشف والبيان" (٤/ ٩٠ ب، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٥٤، "زاد المسير" ٢/ ١٤٢.
(٥) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩١.
(٦) هذان القولان للكلبي متقاربان، ويحتمل أنه تكرار في النسخ، وانظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٧٠، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩١.
(٧) ليس في "تفسير مقاتل"، وإنما فيه قوله التالي، ويحتمل أن هذا تكرار لقول الكلبي السابق.
(٨) "تفسيره" ١/ ٣٩٢، وانظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٧٠، "زاد المسير" ٢/ ١٤٢.
(٩) "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٤٥١، "معاني الزجاج" ٢/ ٨١، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٣٧.
وقال بعضهم: منا طاعة (١). وقال أبو إسحاق: والمعنى أنَّ إضمار أمرنا أجمع في القصة وأحسن (٢).
وقال الفراء: الرفع على قولك: منا طاعة، وأمرك طاعة (٣). قال: والطاعة اسم من أطاع، يقال: أطعته إطاعة وطاعة، كقولك: أطقته إطاقه وطاقة، وأجبته إجابة وجابة. ذكر ذلك في المصادر (٤).
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾. قال الكلبي: خرجوا من عندك (٥).
وقوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾. قال الزجاج: كل أمر فكر فيه (أو خيض) (٦) فيه بليل فقد بيت، يقال: هذا أمر قد بيت بليل، ودبر بليل، بمعنى واحد. قاله في قوله: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، (٧).
وقال في هذه الآية: كل أمر قضي بليل قيل: بيت (٨)، وهو قول أبي عبيدة (٩) وأبي العباس (١٠) وجميع أهل اللغة، وأنشدوا:
(١) "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٧٨، الطبري ٥/ ١٧٧، "معاني الزجاج" ٢/ ٨١، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٣٧.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٨١.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٧٨.
(٤) أي الكلام على اشتقاق "طاعة" ووزنه، وقد أشار إلى أنه من ذوات الواو في "معاني القرآن" ١/ ٢٧٩.
(٥) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩١.
(٦) في المخطوط: "وأخيض" والتصويب من "معاني الزجاج" ٢/ ١٠١.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٠١، "تهذيب اللغة" ١/ ٢٥٠ (بيت)، وانظر: "التفسير الكبير" ١٠/ ١٩٥.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٨١.
(٩) في "مجاز القرآن" ١/ ١٣٣.
(١٠) أي المبرد في "الكامل" ٣/ ٣٠.
أتوني فلم أرض ما بيتوا وكانوا أتوني لأمر نكر (١)
وحُكي عن الأخفش أنه قال: العرب تقول للشيء إذا قدّر: قد بيت، يشبهونه بتقدير بيوت الشعر (٢).
وقال أهل اللغة: إنما قيل للتدبير بالليل تبييت لأنه تدبير في البيوت وقت البيتوتة (٣)، وذلك الوقت أخلى للأفكار. هذا كلام أهل اللغة في هذا الحرف.
فأما كلام المفسرين، فقال عطاء عن ابن عباس في قوله: بيت طائفة منهم غير الذي تقول: "يريد أضمروا في قلوبهم غير الذي تقول" (٤).
وقوله راجع إلى معنى التقدير؛ لأن إضمارهم الشيء تقدير منهم مع أنفسهم.
قال عبد الله بن مسلم (٥): (ويقولون طاعة) بحضرتك، (فإذا خرجوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول) أي قالوا وقدروا ليلًا غير ما أعطوك نهارًا (٦).
(١) البيت لعبيدة بن همام العدوي في "مجاز القرآن" ١/ ١٣٣، "الكشف والبيان" ٤/ ٩٠ ب، وغير منسوب في "غريب القرآن" لابن قتيبة ١/ ١٢٧، "الكامل" ٣/ ٣٠، "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٨١.
(٢) "الكشف والبيان" ٤/ ٩١ أ، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٥٤، "التفسير الكبير" ١٠/ ١٩٥. وينسب نحو هذا الكلام لأبي عبيدة، انظر: "مقاييس اللغة" ١/ ٣٢٥ (بيت) وقد تكون آخر كلمة: "الشعر" بكسر الشين وسكون العين.
(٣) انظر: "معجم مقاييس اللغة" ١/ ٣٢٥ (بيت).
(٤) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٩١ أ، "الوسيط" ٢/ ٦٣٣، "معالم التنزيل" ٢/ ٢٥٤، "زاد المسير" ٢/ ١٤٣، "البحر المحيط" ٣/ ٣٠٤.
(٥) أي: ابن قتيبة.
(٦) "غريب القرآن" لابن قتيبة ١/ ١٢٧، وانظر: "معالم التنزيل" ٢/ ٢٥٤، "زاد المسير" ٢/ ١٤٢.
وقال الكلبي: (بيت) غير طائفة منهم (١).
وقال قتادة: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ يغيرون ما عاهدوا عليه النبي - ﷺ - (٢). وكذلك قال الفراء في معنى التبييت، أنه بمعنى التغيير (٣).
وهذا التفسير راجع أيضًا إلى معنى التقدير؛ لأن: من قدّر شيئًا غير الأول فقد غير وبدل، وإنما يكون التبييت بمعنى التغيير إذا استعمل مع غير، يقال: بيت فلان غير ما قال إذا غيره ورجع عنه بتدبير وتقدير في نفسه.
وبعضهم يقول: إن التبييت في لغة طيّ يكون بمعنى التغيير (٤)، وينشدون:
وبيت قولي عبد المليك قاتلك الله عبدًا كفورًا (٥)
معنى بدلت وغيرت. وهذا لا يستقيم في معنى الآية؛ لأنك لو حملت الآية عليه كان المعنى غير طائفة أو النبي، على ما تذكر في تفسير: ﴿تَقُولُ﴾، وليس كذلك معنى الآية، لأنهم غيروا ما قالوه أو قاله النبي - ﷺ - لا غير ذلك، فقد بان لك أن التبييت إنما يستعمل بمعنى التغيير إذا كان مع غير.
(١) "الكشف والبيان" ٤/ ٩١ ب، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩١، وانظر: "تفسير الهواري" ١/ ٤٠٢.
(٢) أخرجه الطبري ٥/ ١٧٨، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٨٠ ب، وقد عزاه السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٣٣٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) انظر: "معاني القرآن" ١/ ٢٧٩.
(٤) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٩٠ ب.
(٥) البيت للأسود بن عامر الطائي كما في "تفسير الطبري" ٥/ ٢٧١ وهو غير منسوب في "غريب القرآن" لابن قتيبة ١/ ١٢٨، "الكشف والبيان" ٤/ ٩٠ ب، "زاد المسير" ٢/ ١٤٣، القرطبي ٥/ ٢٨٩.
وهذا ظاهر بحمد الله. والمفسرون فسروا ﴿بَيَّتَ﴾ بمعنى: غير، ذهابًا إلى المعنى، كما بينا.
وأما قوله: ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ فيدل كلام بعض المفسرين