0:00
0:00

صغير، وكان اليتيم ابن أخيه، فأكله فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا...﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
١ - افتتح الله سبحانه وتعالى سورةَ النساء بخطاب الناس جميعًا، ودعوتهم إلى تقواه وعبادته وحده منبهًا على قدرته، ووحدانيته، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ أي: يا بني آدم ﴿اتَّقُوا﴾ وخافوا ﴿رَبَّكُمُ﴾؛ أي: عقاب من رباكم بإحسانه، وتفضل عليكم بجوده بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه في حقه، وحق بعضكم على بعض، والخطاب فيه عام للمكلفين الموجودين، وقت نزول الآية ذكورًا وإناثًا، والحادثين بعد ذلك إلى يوم القيامة بدليل خارجي، وهو الإجماع على أنهم مكلفون بما كلف به الموجودون، أو تغليب الموجودين على من لم يوجد كما غلب المذكور على الإناث في قوله: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ لاختصاص ذلك بجمع المذكر ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ وأنشأكم، وأوجدكم بطريق التناسل والتوالد ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هي آدم، قرأ الجمهور واحدة بالتاء على تأنيث لفظ النفس، وقرأ ابن أبي عبلة ﴿واحد﴾ بغير هاء على مراعاة المعنى، إذ المراد به آدم، فالتأنيث باعتبار اللفظ، والتذكير باعتبار المعنى، وقوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا﴾؛ أي: من تلك النفس الواحدة التي هي آدم ﴿زَوْجَهَا﴾؛ أي: أمكم حواء قيل (١): هو معطوف على مقدر يدل عليه المقام؛ أي: خلقكم من نفس واحدة خلقها أولًا، وخلق منها زوجها ثانيًا، وقيل: على خلقكم فيكون الفعل الثاني مع الأول داخلًا في حيز الصلة.
وخلقها منه لم يكن بتوليد كخلق الأولاد من الآباء، فلا يلزم منه ثبوت حكم البنتية له، والأختية لنا فيها، فلا يقال: إذا كانت مخلوقةً من آدم، ونحن مخلوقون منه أيضًا تكون نسبتها إليه نسبة الولد، فتكون أختًا لنا لا أمًّا، روي (٢) أن الله سبحانه وتعالى لما خلق آدم عليه السلام، ألقى عليه النوم، ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى، وهو قصير، فلما استيقظ رآها جالسة عند رأسه
(١) الشوكاني.
(٢) الخازن.
فقال لها: من أنت؟ قالت: امرأة. قال: لماذا خلقت؟ قالت: خلقت لتسكن إلي؟ فمال إليها، وألفها؛ لأنها خلقت منه.
واختلفوا في أي وقت خلقت حواء، فقال كعب الأحبار، ووهب، وابن إسحاق: خلقت قبل دخولها الجنة، وقال ابن مسعود، وابن عباس - رضي الله عنهم -: إنما خلقت في الجنة بعد دخوله إياها، والله أعلم.
﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾؛ أي: نشر من تلك النفس الواحدة، وزوجها بطريق التوالد؛ أي: أظهر وفرق من آدم وحواء ﴿رِجَالًا كَثِيرًا﴾، وذكورًا عديدًا، ﴿وَنِسَاءً﴾ كثيرةً، ونشرهم في أقطار الأرض على اختلاف أصنافهم، وصفاتهم، وألوانهم، ولغاتهم، ثم إليه بعد ذلك المعاد والمحشر. إنما وصف الرجال بالكثرة دون النساء؛ لأن حال الرجال أتم، وأكمل، وهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال الرجال الظهور، والاشتهار، وبحال النساء الاختفاء، والخمول، وإنما أمرهم بتقوى خالقهم الذي خلقهم على هذا النظام؛ لأن خلقه تعالى لهم على هذا النمط البديع من أقوى الداعي إلى الاتقاء من موجبات نقمته، ومن أتم الزواجر عن كفران نعمته، وذلك لأنه ينبىء عن قدرة شاملة لجميع المقدورات التي من جملتها عقابهم، وعن نعمة كاملة لا يقدر قدرها.
فالتقوى نوعان: تقوى في حقه تعالى، وتقوى فيما بينهم من الحقوق، وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ استدعاء للتقوى الأولى، وقوله ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ استدعاء للتقوى الثانية، فالناس جميعًا من أصل واحد، وهم أخوة في الإنسانية، والنسب، ولو أدرك الناس هذا.. لعاشوا في سعادة، وأمان، ولما كان بينهم حروب طاحنة مدمرة تلتهب الأخضر واليابس وتقضي على الكهل والوليد. وقرىء (١) ﴿وخالق منها زوجها وباث منهما﴾ على صيغة اسم الفاعل، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره: وهو خالق ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾؛ أي: خافوا عقاب الله الذي تتحالفون، وتتناشدون به؛ أي: يناشد، ويسأل بعضكم بعضًا به حيث
(١) البحر المحيط.
يقول: أسألك باللهِ، وأنشدك بالله؛ أي: أقسم وأحلف عليك به، والتساؤل (١) بالله هو كقولك: أسألك باللهِ، وأحلف عليك بالله، واستشفع إليك بالله.
وإنما كرر (٢) الأمر بالتقوى؛ لأجل بيان بعض آخر من موجبات الامتثال؛ لأن سؤال بعضهم لبعض بالله يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره ونواهيه. وقرأ الجمهور من السبعة ﴿تَسَاءَلُونَ﴾ قرأ أهل الكوفة منهم: بحذف التاء الثانية، تخفيفًا لاجتماع المثلين، وأصله: تتساءلون، وقرأ أهل المدينة، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر بالتشديد بإدغام التاء الثانية في السين.
وقرأ عبد الله ﴿تسألون به﴾ مضارع سأل الثلاثي، وقرىء ﴿تسلون﴾ بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى السين. قال ابن عباس: معنى تساءلون به؛ أي: تتعاطفون، وقال الضحاك، والربيع، تتعاقدون، وتتعاهدون، وقال الزجاج: تتطلبون به حقوقكم.
﴿و﴾ اتقوا ﴿الأرحام﴾؛ أي: خافوا عقاب قطيعة مودة الأرحام، فإني قد أوجبت عليكم صلَتَها، فإن قطع الأرحام من أكبر الكبائر وصلتَها باب لكل خير، فتزيد في العمر، وتبارك في الرزق وقطعها سبب لكل ضر، ولذلك وصل تقوى الرحم بتقوى الله، وصلة الرحم تختلف باختلاف الناس، فتارة تكون عادته مع رحمه الصلةَ بالإحسان، وتارةً بالخدمة، وقضاء الحاجة، وتارةً بالمكانية، وتارة بحسن العبارة وغير ذلك، ولا فرق في الرحم؛ أي: القريب بين الوارث وغيره، كالخالة والخال والنعمة وبنتها، والأم والجد والجدة، وفي الآية دليل على تعظيم حق الرحم والنهي عن قطعها، ويدل على ذلك أيضًا، الأحاديث الواردة في ذلك، وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله". متفق عليه.
وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله - ﷺ - قال: "مَنْ سره أن يبسط عليه من رزقه، وينسأ في أثره، فليصل رحمه"، متفق عليه. قوله: يُنسأ في أثره؛ أي:
(١) الخازن.
(٢) الجمل.
يؤخر له في أجله.
وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يدخل الجنة قاطع". قال سفيان في روايته: يعني قاطع رحم. متفق عليه.
وعن الحسن قال: من سألك بالله.. فأعطه، ومن سألك بالرحم. فأعطه..
وعن ابن عباس قال: الرحم معلقة بالعرش، فإذا أتاها الواصل.. بشت به، وكلمته، وإذا أتاها القاطع.. احتجبت عنه.
وقرأ جمهور (١) السبعة ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالنصب على أن يكون معطوفًا على لفظ الجلالة؛ أي: اتقوا الله، واتقوا الأرحام فصلوها، ولا تقطعوها، أو معطوفًا على محل الجار والمجرور كقولك: مررت بزيدِ وعمرًا. وقرأ حمزة بالجر، وهي قراءة النخعي، وقتادة، والأعمش عطفًا على الضمير المجرور، والمعنى عليه: واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام؛ لأن العادة جرت في العرب بأن أحدهم قد يستعطف غيره بالرحم، فيقول: أسألك باللهِ، والرحم، وربما أفرد ذلك فقال: أسألك بالرحم، وهو ضعيف عند البصريين؛ لأنه كالعطف على بعض الكلمة؛ لأن العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة خافض، وإن كان لغةً فصيحةً فهو خلاف الكثير، كما أشار إلى ذلك ابن مالك بقوله:
وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ علَى ضَمِيْرِ خَفْضٍ لاَزِمًا قَدْ جُعِلاَ
وَلَيْسَ عِنْدِيْ لاَزِمًا إِذْ قَدْ أَتَى فِيْ النَّظْمِ وَالنَثْرِ الصَّحِيْحِ مُثْبَتَا
وأشار بالنثر الصحيح إلى الآية، وبالنظم إلى قول الشاعر:
فَالْيَوْمَ قَدْ بِتَّ تَهْجُوْنَا وَتَشْتِمُنَا فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ
وقرأ عبد الله بن يزيد بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره: والأرحام كذلك؛ أي: مما يتقى أو يتساءل به ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾: حافظًا مطلعًا على جميع ما يصدر عنكم من الأفعال والأقوال،
(١) البحر المحيط.
وعلى ما في ضمائركم من النيات مريدًا لمجازاتكم على ذلك.
والرقيب في صفته هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء من أمر خلقه، فبين بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ أنه يعلم السر وأخفَى، ومن كان كذلك.. فهو جدير بأن يخاف ويتقى.
٢ - ثم ذكر تعالى اليتامى فأوصى بهم خيرًا، وأمر بالمحافظة على أموالهم فقال: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾؛ أي: وأعطوا اليتامى والصغارَ الذين لا أب لهم، أموالهم التي في أيديكم، إذا بلغوا رشداء، والخطاب فيه للأولياءِ، والأوصياء واليتامى الصغار الذين مات آباؤهم، وإن كان لهم أجداد وأمهات.
وإطلاق (١) اسم اليتامى عليهم عند إعطائهم أموالَهم، مع أنهم لا يعطونها إلا بعد ارتفاع اسم اليتيم عنهم بالبلوغ مجاز باعتبار ما كانوا عليه، ويجوز أن يراد باليتامى: المعنى الحقيقي، وبالإيتاء ما يدفعه الأولياء والأوصياء إليهم من النفقة، والكوسة لا دفعها جميعها، وهذه الآية مقيدة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ولا يكون مجرد ارتفاع اليتم بالبلوغ مجوزًا لدفع أموالهم إليهم، حتى يؤنَسَ منهم الرشد.
وقال أبو السعود (٢)؛ أي: لا تتعرضوا لأموال اليتامى بسوءٍ حتى تأتيَهم، وتصلَ سالمةً، سواء أريد باليتامى الصغار، أو ما يعم الصغارَ والكبارَ، ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ﴾؛ أي: لا تتبدلوا الحرامَ الذي هو مال اليتامى ﴿بِالطَّيِّبِ﴾؛ أي: بالحلال الذي هو مالكم الذي أبيح لكم من المكاسب، بأن تتركوا أموالكم الطيبَ لكم، وتأكلوا أموالَ اليتامى من الخبيث عليكم لجودتها على أموالكم، واختلفوا (٣) في هذا التبدل، فقال سعيد بن المسيب، والنخعي، والزهري، والسدي: كان أولياء اليتامى يأخذون الجيدَ من مال اليتيم، ويجعلون مكانَه الرديء، فربما كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة، ويجعل مكانَها الهزيلةَ، ويأخذ
(١) الشوكاني.
(٢) أبو السعود.
(٣) الخازن.
الدرهمَ الجيدَ، ويجعل مكانَه الزيف، ويقول: شاة بشاة، ودرهم بدرهم، فذلك تبديلهم فنهوا عنه، وقال عطاء: هو الربح في مال اليتيم، وقيل: هو أكل مال اليتيم عوضًا عن أكل أموالهم فنهوا عنه.
وخلاصة ذلك (١): واحفظوا أيها الأولياء والأوصياء أموالَ اليتامى، ولا تتعرضوا لها بسوءٍ، وسلموها لهم متى آنستم منهم رشدًا ولا تتمتعوا بأموالهم في المواضع، والحالات التي من شأنكم أن تتمتعوا فيها بأموالكم، فإذا فعلتم ذلك.. فقد جعلتم مالَ اليتيم بدلًا من مالكم.
﴿وَلَا تَأكُلُوا أَمْوَالَهُمْ﴾؛ أي: أموال اليتامى مخلوطةً ومضمومةً ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ حتى لا تفرقوا بين أموالهم وأموالكم في الانتفاع بها؛ لأن في ذلك قلة مبالاة بما لا يحل، وتسوية بين الحرام والحلال، فإنه لا يحل لكم من أموالهم ما زاد على قدر الأقل من أجرتكم ونفقتكم.
والمراد بالأكل هنا: سائر التصرفات المهلكة للأموال، وإنما ذكر الأكلَ؛ لأن معظم ما يقع من التصرفات؛ فهو لأجله ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن أكل أموال اليتامى بغير حق ﴿كَانَ﴾ عند الله تعالى ﴿حُوبًا﴾؛ أي: ذنبًا ﴿كَبِيرًا﴾؛ أي: عظيمًا، وإثمًا شديدًا.
والمعنى (٢): أن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم، وخطأُ كبير فاجتنبوه.
فإن اليتيم ضعيفٌ لا يقدر على حفظ ماله، والدفاع عنه، فهو في حاجة إلى رعاية، وحماية، وظلم الضعيف عند الله عظيم. وقرأ الجمهور (٣) ﴿حُوبًا﴾ بضم الحاء، وقرأ الحسن ﴿حُوبًا﴾ بفتح الحاء، وهي لغة تميم، وغيرهم وقرأ أبي بن كعب ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾ بالألف، وكلها مصادر كقال قولًا وقالًا.
٣ - ثم أرشد تعالى إلى ترك التزوج من اليتيمة إذا لم يعطها مهر أمثالها فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ يا أولياء
(١) المراغي.
(٢) ابن كثير.
(٣) البحر المحيط.
اليتامى وعلمتم من أنفسكم ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾؛ أي: أن لا تعدلوا ﴿فِي الْيَتَامَى﴾ إذا نكحتموهن ﴿فَانْكِحُوا﴾؛ أي: فاتركوهن، وتزوجوا ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الأجنبيات؛ أي: فتزوجوا من استطابتها، وأحبتها أنفسكم، ومالت إليها قلوبكم من الأجنبيات، أو فانكحوا ما حل لكم من النساء؛ لأن منهن ما حرم الله تعالى كاللاتي في آية التحريم، وقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ بدل من ﴿ما﴾ في قوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ والواو فيه بمعنى، أو التي للتخيير؛ أي: فانكحوا اثنين اثنين من النساء الأجنبيات، أو ثلاثةً ثلاثةً منها، أو أربعةً أربعةً منها، ولا تزيدوا على أربع؛ أي: فيجوز لكل أحد أن يختار لنفسه قسمًا واحدًا من هذه الأقسام بحسب حاله، فإن قدر على نكاح اثنين فاثنتان، وإن قدر على ثلاث فثلاث، وإن قدر على أربع فأربع، لا أنه يضم عددًا منها إلى عدد آخر، وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز لأحد أن يزيد على أربع نسوة، وأن الزيادة على أربع من خصائص النبي - ﷺ - التي لا يشاركه فيها أحد من الأمة، ويدل على أن الزيادة على أربع غير جائزة، وأنها حرام ما روي عن الحارث بن قيس أو قيس بن الحارث قال: أسلمت، وعندي ثمان نسوة، فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: "اختر منهن أربعًا". أخرجه أبو داود.
وعن ابن عمر: أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم، وله عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يختار منهن أربعًا. أخرجه الترمذي.
قال العلماء (١): فيجوز للحر أن يجمع بين أربع نسوة حرائر، ولا يجوز للعبد أن ينكح أكثر من امرأتين، وهو قول أكثر العلماء؛ لأنه خطاب لمن ولي وملك، وذلك للأحرار دون العبيد، وقال مالك في إحدى الروايتين عنه، وربيعة: يجوز للعبد أن يتزوج بأربع نسوة، واستدل بهذه الآية. وأجاب الشافعي بأن هذه الآية مختصة بالأحرار، ويدل عليه آخر الآية، وهو قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا
(١) الخازن.
فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} والعبد لا يملك شيئًا، فثبت بذلك أن المراد بحكم الآية الأحرار دون العبيد ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾؛ أي: خشيتم، وقيل: علمتم ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ بين الأزواج الأربع أو ما دونها من هذه الأعداد في القسمة، والنفقة ﴿فـ﴾ تزوجوا ﴿واحدة﴾ واقتصروا عليها، ولا تزيدوا ﴿أَوْ﴾ استفرشوا ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وأيديكم من الإماء من غير حصر؛ لأنه لا قسمة لهن عليكم، ولكن لهن حق الكفاية في نفقات المعيشة بما يتعارفه الناس، والمراد استفراشهن بطريق الملك لا بطريق النكاح، وإسناد الملك إلى اليمين لكونها المباشرةَ لقبض الأموال، وإقباضها، ولسائر الأمور التي تنسب إلى الشخص في الغالب ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من الاقتصار على الواحدة، أو على التسري بالإماء ﴿أَدْنَى﴾، وأقرب إلى ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ ولا تميلوا من الحق، ولا تجوروا؛ أي: اختيار الواحدة، أو التسري أقرب من عدم الجور والظلم.
والخوف (١) من عدم العدل يصدق بالظن والشك في ذلك، فالذي يباح له أن يتزوج ثانية أو أكثر هو من يشق من نفسه بالعدل ثقة لا شك فيها.
والخلاصة: أن البعد من الجور سبب في تشريع الحكم، وفي هذا إيماء إلى اشتراط العدل، ووجوب تحريه، وإلى أنه عزيز المنال كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾.
والعدل إنما يكون فيما يدخل تحت طاقة الإنسان، كالتسوية في المسكن، والملبس، ونحو ذلك، أما ما لا يدخل في وسعه من ميل القلب إلى واحدة دون أخرى، فلا يكلف الإنسان بالعدل فيه، وقد كان النبي - ﷺ - في آخر عهده يميل إلى عائشة أكثر من سائر نسائه، لكنه لا يخصها بشيءٍ دونهن إلا برضاهن، وإذنهن وكان يقول: "اللهم إنّ هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك" يريد ميل القلب، وقد استبان لك مما سبق أن إباحة تعدد الزوجات مضيق فيها أشد التضييق، فهي ضرورة تباح لمن يحتاج إليها بشرط الثقة بإقامة العدل،
(١) المراغي.
والأمن من الجور.
وصفوة القول (١): أن تعدد الزوجات يخالف المودة، والرحمة، وسكون النفس إلى المرأة، وهي أركان سعادة الحياة الزوجية؛ فلا ينبغي لمسلم أن يقدم عليه إلا لضرورة مع الثقة بما أوجبه الله تعالى من العدل، وليس وراء ذلك إلا ظلم المرء لنفسه، وامرأته وولده وأمته.
وأن من يرى الفساد الذي يدب في الأسر التي تتعدد فيها الزوجات.. ليحكم حكمًا قاطعًا؛ بأن البيت الذي فيه زوجتان أو أكثر لرجل واحد لا تستقيم له حال، ولا ينتظم له نظام.
فإنك ترى إحدى الضرتين تغري ولدها بعداوة إخوته، وتغري زوجها بهضم حقوق ولده من غيرها، وكثيرًا ما يطيع أحب نسائه إليه فيدب الفساد في الأسرة كلها.
وربما جر ذلك إلى السرقة، والزنا، والكذب، والقتل فيقتل الولد والدَه، والوالد ولده، والزوجة زوجَها، والعكس بالعكس كما دونت سجلات المحاكم.
فيجب على رجال القضاء والفتيا الذين يعلمون أن درء المقاصد مقدم على جلب المصالح، وأن من أصول الدين منع الضرر والضرار، أنْ ينظروا إلى علاج ذلك، ويضعوا من الزواجر ما يكفل منع هذه المقاصد على قدر المستطاع.
مزايا تعدد الزوجات وفوائده عند الحاجة إليه
الأصل في السعادة الزوجية: أن يكون للرجل زوج واحدة، وذلك منتهى الكمال الذي ينبغي أن يربى عليه الناس، ويقنعوا به، لكن قد يعرض ما يدعو إلى مخالفة ذلك لمصالح هامة تتعلق بحياة الزوجين، أو حاجة الأمة؛ فيكون التعدد ضربة لازب لا غنى عنه، ومن ذلك:
(١) المراغي.
١ - أن يتزوج الرجل امرأةً عاقرًا، وهو يود أن يكون له ولد، فمن مصلحتها أو مصلحتهما معًا أن تبقى زوجًا له، ويتزوج بغيرها، ولا سيما إذا كان ذَا جاء وثروة كأن يكون ملكًا أو أميرًا.
٢ - وأن تكبر المرأة، وتبلغ سن اليأس، ويرى الرجل حاجتَه إلى العقب، وهو قادر على القيام بنفقة غير واحدة، وكفاية الأولاد الكثيرين، وتعليمهم.
٣ - وأن يرى الرجل أن امرأةً واحدةً لا تكفيه لإحصانه؛ لأن مزاجه الخاص يدفعه إلى الحاجة إلى النساء، ومزاجها بعكس هذا، أو يكون زمن حيضها طويلًا، يأخذ جزءًا كبيرًا من الشهر، فهو حينئذ أمامَ أحد أمرين: إما التزوج بثانية، وإما الزنا الذي يضيع الدين، والمال، والصحة، ويكون هذا شرًّا على الزوجة من ضم واحدة إليها مع العدل بينهما، كما هو شرط الإباحة في الإِسلام.
٤ - وأن تكثر النساء في الأمة كثرةً فاحشة، كما يحدث عقب الحروب التي تجتاح البلاد، فتذهب بالألوف المؤلفة من الرجال فلا وسيلة للمرأة في التكسب في هذه الحال إلا بيع عفافها، ولا يخفى ما بعد هذا من شقاء على المرأة التي تقوم بالإنفاق على نفسها، وعلى ولد ليس له والد يكفله، ولا سيما عقبَ الولادة ومدة الرضاعة، والمشاهد أن اختلاط النساء بالرجال في المعامل، ومحال التجارة وغيره من الأماكن العامة قد جر إلى كثير من هتك الأعراض، والوقوع في الشقاء والبلاء، فهذه مصيبة أي مصيبة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
حكمة تعدد زوجات النبي - ﷺ - (١)
راعى النبي - ﷺ - النصيحة في اختيار كل زوجة من زوجاته، فجذب إليه كبار القبائل بمصاهرتهم، وعلم أتباعه احترامَ النساء وإكرام كرائمهن، والعدلَ بينهن. وترك من بعده تسعَ أمهات للمؤمنين، يعلمن نساءَهم الأحكامَ الخاصة بالنساء،
(١) المراغي.
مما ينبغي أن يعلمنه منهن لا من الرجال، ولو كان قد ترك واحدة ما كان فيها الغناء، كما لو ترك التسعَ.
وقصارى القول: إنه عليه السلام، ما أراد بتعدد الزوجات ما يريده الملوك والأمراء، والمترفون من التمتع بالنساء، إذ لو كان قد أراد ذلك لأختارهن من حسان الأبكار، لا من الكهلات الثيبات، كما قال لمن اختار ثيبًا: "هلا بكرًا تلاعبها، وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك". رواه الشيخان.
وقرأ الجمهور (١): ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ بضم التاء من أقسط الرباعي بمعنى عدل، وقرأ النخعي، وابن وثاب تقسطوا بفتح التاء من قسط الثلاثي، بمعنى جار ويقال: قسط بمعنى أقسط؛ أي: عدل، وقرأ ابن أبي عبلة ﴿من طاب﴾ وقرأ الجمهور ﴿مَا طَابَ﴾ فقيل ﴿ما﴾ بمعنى من، وقيل عبر بـ ﴿ما﴾ عن النساء؛ لأن إناثَ العقلاء لنقصان عقولهن يجرين مجرى غير العقلاء.
وقرأ ابن أبي إسحاق، والجحدري، والأعمش ﴿طاب﴾. بالإمالة، وفي مصحف أبي. ﴿طيب﴾ بالياء، وهو دليل الإمالة وقرأ النخعي، ويحيى بن وثاب ﴿ثلث وربع﴾ بغير ألف، وقرأ الحسن، والجحدري، وأبو جعفر، وابن هرمز ﴿فواحدة﴾ بالرفع، ووجه ذلك ابن عطية على أنه مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف تقديره: فواحدة كافية وقرأ ابن أبي عبلة ﴿أو من ملكت أيمانكم﴾ وقرأ الجمهور ﴿أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾؛ أي: تجوروا من عال الرجل يعول إذا مال، وجار، وقرأ طلحة بن مصرف ﴿أن لا تعيلوا﴾ بفتح التاء؛ أي: لا تفتقروا من العيلة، وقرأ طاووس ﴿أن لا تعيلوا﴾ من أعال الرجل إذا كثر عياله.
٤ - ولما أذن الله سبحانه وتعالى في نكاح الأربع، وما دونها أمر الأزواج باجتناب ما كانوا عليه في الجاهلية، قيل: كان الرجل منهم يتزوج بلا مهر، ويقول: أرثك وترثيني، فتقول: نعم، فأمروا بأن يسرعوا إعطاء المهور، فقال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ﴾؛ أي: وأعطوا أيها الأزواج النساء اللواتي تعقدون عليهن
(١) البحر المحيط.
﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾؛ أي: مهورهن حالة كونها ﴿نِحْلَةً﴾؛ أي: عطية من الله سبحانه وتعالى فرضها لها بلا مقابلة مال؛ ليكون رمزًا للمودة التي ينبغي أن تكون بينكما، وآية من آيات المحبة، ودليلًا على وثيق الصلة، والرابطة التي تجب أن تكنفكما، وتحيط بسماء المنزل الذي تحلان فيه، وقد جرى عرف الناس بعدم الاكتفاء بهذا العطاء، فتراهم يردفونه بأصناف الهدايا والتحف من مآكل، وملابس، ومصوغات إلى نحو ذلك مما يعبر عن حسن تقدير الرجل للمرأة التي يريد أن يجعلها شريكته في الحياة.
وسمي (١) الصداق نحلة من حيث أنه لا يجب في مقابلته غير التمتع دون عوض مالي، وقيل (٢): معناه: فريضة كما قاله ابن عباس، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد، وإنما فسروا النّحلة بالفريضة؛ لأن النحلة في اللغة معناها: الديانة، والملة، والشرعة، والمذهب فقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾؛ أي: أعطوهن مهورهن؛ لأنها شريعة، ودين، ومذهب، وما هو كذلك، فهو فريضة ﴿فَإِنْ طِبْنَ﴾ النساء المتزوجات ﴿لَكُمْ﴾ أيها الأزواج ﴿عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ﴾؛ أي: من الصداق المعين فوهبن لكم شيئًا منه بطيب نفس من غير أن يكون السبب فيه شكاسة أخلاقكم معهن، أو سوء معاشرتكم معهن؛ أي: فإن طابت نفوسهن بإعطائكم شيئًا من الصداق من غير ضرار، ولا خديعة ﴿فَكُلُوهُ﴾؛ أي: فخذوا ذلك الشيء وتصرفوا فيه، وانتفعوا به، وهو أمر إباحة، وعبر بالأكل؛ لأنه معظم الانتفاع؛ أي: ﴿فَكُلُوهُ﴾ أكلًا ﴿هَنِيئًا﴾؛ أي: حلالًا لا إثم عليه في الدنيا ﴿مَرِيئًا﴾؛ أي: طيبًا لا مؤاخذة عليه في الآخرة.
ومن ثم (٣): لا يجوز للرجل أن يأكل شيئًا من مال امرأته، إلا إذا علم أن نفسها طيبة به، فإذا طلب منها شيئًا وحملها الخوف أو الخجل على إعطاء ما طلب، فلا يحل له، ألا ترى أن الله سبحانه وتعالى نهى عن أخذ شيء، من المرأة، في طور المفارقة فقال: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ
(١) الخازن.
(٢) مراح.
(٣) المراغي.
إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} فالتحذير من أخذه في طور الرغبة والتحبب وإظهار القدرة على ما يجب عليه من أعباء الزوجية من كفالة المرأة، والإنفاق عليها يكون أشد، وآكد، ولكن حب المال جعل الرجال يماكسون في المهر كما يماكسون في سلع التجارة، وصار حبهم للمحافظة على الشرف والكرامة دون حبهم للدرهم والدينار. وذهب الأوزاعي (١) إلى أنه لا يجوز تبرعها ما لم تلد، أو تقم في بيت زوجها سنة، فلو رجعت بعد الهبة فقال شريح، وعبد الملك بن مروان: لها أن ترجع، وروى مثله عن عمر بن الخطاب، فقد روي عنه أنه كتب إلى قضاته: أن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت زوجها، ثم أرادت أن ترجع فلها ذلك، قال شريح: لو طابت نفسها لما رجعت.
قال الشوكاني (٢): فإذا ظهر منها ما يدل على عدم طيبة نفسها لم يحل للزوج، ولا للولي، وإن كانت قد تلفظت بالهبة، أو النذر، أو نحوهما، وما أقوى دلالة هذه الآية على عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك بمجردها لنقصان عقولهن، وضعف إدراكهن وسرعة انخداعهن، وانجذابهن إلى ما يراد منهن بأيسر ترغيب أو ترهيب انتهى.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾ بفتح الصاد، وضم الدال جمع صدقة على وزن سمرة، وقرأ قتادة وغيره، بإسكان الدال وضم الصاد جمع صدقة على وزن غرفة، وقرأ مجاهد، وموسى بن الزبير، وابن أبي عبلة، وفياض بن غزوان، وغيرهم: ﴿صدقاتهن﴾ بضمهما، وقرأ النخعي، وابن وثاب: ﴿صدقتهن﴾ بضمهما، وبالإفراد، وهو تثقيل صدقة، كظلمة في ظلمة.
وقرأ الحسن، والزهري ويزيد، وكذا حمزة في الوقف ﴿هنيا مريا﴾ بلا همزة، أبدلوا الهمزة التي هي لام الكلمة ياءً، وأدغموا فيها ياء المدح، وهمزهما الباقون.
(١) البحر المحيط.
(٢) فتح القدير.
(٣) البحر المحيط.
٥ - ولما أمر الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة بإيتاء اليتامى أموالهم، وبإيتاء النساءِ مهورهن.. أتى في هذه الآية بشرط للإيتاء يشمل الأمرين جميعًا، وهو: أن لا يكون كل منهما سفيهًا مع بيان أنهم يرزقون فيها، ويكسون ما دامت في أيديهم مع قول المعروف لهم حتى تَحسن أحوالُهم، وأنه لا تسلم إليهم الأموال إلا إذا أونس منهم الرشد، وأنهم لا ينبغي الإسراف في أكل أموال اليتامى، فمن كان من الأولياء غنيًّا. فليعف عن الأكل من أموالهم، ومن كان فقيرًا.. فليأكل بما يبيحه الشرع، ويستجيزه أهل المروءة، كما مر هذا الكلام بعينه في بحث المناسبة، فقال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا﴾؛ أي: ولا تعطوا أيها الأولياء ﴿السُّفَهَاءَ﴾؛ أي: الضعفاء العقول المبذرين للأموال بصرفها في غير مصارفها ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى ﴿لَكُمْ قِيَامًا﴾؛ أي: حياة ومعيشة تنتعشون بها، وتقومون بها، وهذا نهي للأولياء عن أن يؤتوا الذين لا رشد لهم أموالهم، فيضيعوها، وإنما أضاف الأموال إلى الأولياء في قوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾، ولم يقل: أموالهم مع أن الخطاب للأولياء، والمال مال السفهاء الذين في ولايتهم؛ لأنها في تصرفهم وتحت ولايتهم ولينبهنا إلى أنه إذا ضاع هذا المال وجب على الولي أن ينفق عليه من مال نفسه، فإضاعته مفضية إلى إضاعة شيء من مال الولي، فكأن ماله عين ماله، وإلى أن الأمة متكافلة في المصالح، فمصلحة كل فرد فيها، كأنها مصلحة للآخرين، والحاصل: أنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، والمراد بالسفهاء: الصغار، والبالغون المبذرون من الأولاد، وهذا القول هو الملائم للآيات المتقدمة والمتأخرة.
وقيل (١): المراد بالسفهاء: امرأتك، وابنك السفيه. قال ابن عباس: لا تعمد إلى مالك الذي خوله الله لك، وجعله لك معيشةً فتعطيه امرأتَك، وابنك فيكونوا هم الذين يقومون عليك، ثم تنظر إلى ما بين أيديهم، أمسك مالك، وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم في رزقهم، ومؤونتهم.
(١) الخازن والبيضاوي.
وقال الكلبي: إذا علم الرجل أن امرأته سفيهةٌ مفسدة، وأن ولده سفيهٌ مفسد، لا ينبغي له أن يسلط واحدًا منهما على ماله، فيفسده، وإنما سماهم سفهاء استخفافًا بعقلهم، واستهجانًا لجعلهم قوامًا على أنفسهم، وعلى هذا فالإضافة في قوله ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ على ظاهرها وحقيقتها.
ومعنى جعل الأموال قيامًا للناس (١): أن بها تقوم وتثبت منافعهم، ومرافقهم، فمنافعُهم الخاصة ومصالحهم العامة، لا تزال قائمة ثابتة ما دامت أموالهم في أيدي الراشدين المقتصدين منهم، الذين يحسنون تثميرها، وتوفيرَها، ولا يتجاوزون حدودَ المصلحة في الإنفاق.
وفي هذا حث عظيم على الاقتصاد بذكر فوائده، وتنفير من الإسراف والتبذير ببيان مغبته (٢)، فإن الأموال إذا وقعت في أيدي السفهاء المسرفين، فات ما كان من تلك المنافع قائمًا، ومن ثم وصف الله تعالى المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ وقد ورد في السنة النبوية حث كثير على الاقتصاد من ذلك: ما رواه أحمد عن ابن مسعود "ما عال من اقتصد" وما رواه الطبراني والبيهقي عن ابن عمر "الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن العقل نصف العلم".
وإن من أشد العجب أن يكون حال المسلمين اليومَ ما نرى من الإسراف والتبذير، بإنفاق أموالهم في غير مصارفها، من المغنيات، والملاهي، وسائر وجوه المحرمات، وكتابهم يهديهم إلى ما للاقتصاد من فوائد، وما للتبذير من مضار، انظر إلى ما للمال في هذا الزمن من المنزلة التي لا يقدر قدرها حتى صارت جميع المرافق موقوفة على المال، وأصبحت الأمم الجاهلة بطرق الاقتصاد، وليس في أيديها المال مستذلة مستعبدة للأمم الغنية ذات البراعة في الكسب والإحسان في الاقتصاد، وجمع المال، ولا سبب لهذا إلا أنا نبذنا هدي
(١) المراغي.
(٢) مغبته - بتشديد الباء المفتوحة -: أي عاقبته اهـ م.
القرآن وراء ظهورنا، وأخذنا بآراء الجاهلين الذين لبسوا على الناس ونفثوا سمومهم، وبالغوا في التزهيد، والحث على إنفاق ما تصل إليه الأيدي، مع أن السلف الصالح كانوا من أشد الناس محافظةً على ما في أيديهم، وأعرف الناس بتحصيل المال من وجوه الكسب الحلال، وليت هذا التزهيد أتى بالغرض المسوق لأجله من الترغيب في الآخرة، والعمل لها، لكنهم زهدوهم في الدنيا وقطعوهم عن الآخرة، فخسروهما معًا، وما ذاك إلا لجهلهم بهدي الإِسلام، وهو السعي للدنيا، والعمل للآخرة كما ورد في الأثر "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا" وكانوا يقولون: اتجروا، فإنكم في زمان، إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه.
وقرأ الحسن (١)، والنخعي ﴿اللاتي جعل الله لكم قيامًا﴾ وهو في المعنى جمع التي، وقرأ الجمهور ﴿الَّتِي﴾ بالإفراد، قال ابن عطية: والأموال جمع لا يعقل، فالأصوب فيه قراءة الجماعة انتهى كما قال بعضهم:
وَجَمْعُ كَثْرَةٍ لِمَا لاَ يَعْقِلُ الأفْصَحُ الإِفرَادُ فِيهِ يَا فُلُ
وقرىء شاذًا ﴿اللواتي﴾، وهو أيضًا في المعنى جمع التي.
وقرأ نافع، وابن عامر ﴿قيمًا﴾ وجمهور السبعة ﴿قِيَامًا﴾ ولما انكسرت القاف في قوام، أبدلوا الواو ياءً. وعبد الله بن عمر ﴿قوامًا﴾ بكسر القاف، والحسن، وعيسى بن عمر ﴿قوامًا﴾ بفتحها، ورويت عن أبي عمرو، وقرىء شاذًا ﴿قومًا﴾ فأما ﴿قيمًا﴾ فمصدر كالقيام، والقوام، قاله الكسائي، والفراء، والأخفش، وليس مقصورًا من قيام، وقيل: هو مقصور منه. قالوا: حذفت الألف كما حذفت في خيم وأصله خيام.
﴿وَارْزُقُوهُمْ﴾؛ أي: وأطعموا السفهاء، واليتامى ﴿فِيهَا﴾؛ أي: من أموالهم التي في أيديكم، وأنفقوا عليهم منها ﴿وَاكْسُوهُمْ﴾؛ أي: ألبسوهم منها، وإنما قال الله ﴿فِيهَا﴾ ولم يقل: منها. كما هو ظاهر السياق، لئلا يكون ذلك أمرًا بجعل
(١) البحر المحيط.
بعض أموالهم رزقًا لهم، بل أمرهم بأن يجعلوا أموالَهم مكانًا لرزقهم، وكسوتهم بأن يتجروا فيها، ويثمروها، فيجعلوا أرزاقَهم من الأرباح لا من أصول المال، فيأكلها الإنفاق.
والمعنى: أيها الأولياء الذين عهد إليكم حفظ أموال اليتامى والسفهاء، وتثميرها حتى كأنها أموالكم، عليكم أن تنفقوا عليهم فتقدموا لهم كفايتَهم من الطعام، والثياب وغير ذلك.
والرزق (١) من الله تعالى: هو العطية من غير حد، ولا قطع، ومعنى الرزق من العباد: هو الأجر الموظف المعلوم لوقت معلوم محدود.
والرزق يعم وجوه الإنفاق كلها، كالأكل، والكسوة، والسكن، والزواج، وإنما خص الكسوةَ بالذكر؛ لأن الناس يتساهلون فيها أحيانًا ﴿وَقُولُوا﴾: أيها الأولياء ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لليتامى، والسفهاء ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾؛ أي: جميلًا، حسنًا، شرعًا، وعقلًا وهو كل ما سكنت إليه النفس، واطمأنت به؛ لأن القول الجميل يؤثر في القلب، ويزيل السفَهَ، كأن يقول الولي له: إذا كان صغيرًا المال مالك، وأنا أمين عليه، وخازن له لك، وإذا كبرت ورشدتَ سلمت إليك أموالك، وإذا كان سفيهًا وعظه، ونصحه، ورغبه في ترك التبذير والإسراف، وعرفه أن عاقبةَ ذلك الفقر والاحتياج إلى الخلق إلى نحو ذلك، كما يعلمه كل ما يوصله إلى الرشد، وبذا قد تحسن حاله، فربما كان السفه عارضًا لا فطريًّا، فبالنصح والإرشاد، والتأديب يزول ذلك العارض، ويصبح رشيدًا.
وأين هذا مما يفعله الأولياء والأوصياء من أكل أموال السفهاء ومدهم في غيهم، وسفههم حتى يحولوا بينهم وبين أسباب الرشد. وما مقصدهم من ذلك إلا بقاء الأموال تحت أيديهم يتمتعون بها، ويتصرفون فيها بحسب أهوائهم وشهواتهم!.
٦ - وبعد أن أمر الله سبحانه وتعالى بإيتاء اليتامى أموالَهم، وكان هذا مجملًا
(١) الخازن.
ذكر كيفية ذلك الإيتاء، ووقته فقال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الآية (١) نزلت في ثابت بن رفاعة، وفي عمه، وذلك أن رفاعة مات، وترك ابنه ثابتًا، وهو صغير فجاء عمه إلى النبي - ﷺ - وقال له: إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.. ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾؛ أي: واختبروا أيها الأولياءُ الصغارَ الذين لا أب لهم قبل البلوغ، في عقولم، وأديانهم، وتصرفهم في أموالهم بما يليق بحالهم، بأن تجربوا ولد التاجر بالبيع والشراء، والمماكسة فيهما، وولد الزراع بالزراعة، والنفقة على القوام بها، والأنثى فيما يتعلق بالغزل، والقطن، وصون الأطعمة عن الهرة ونحوها، وحفظ متاع البيت، وولد الأمير ونحوه بالإنفاق مدة في خبز وماء ولحم ونحوها.
قال أبو حنيفة رحمه الله (٢): تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ أمر للأولياء بأن يأذنوا لهم في البيع والشراء قبل البلوغ، وذلك يقتضي صحة تصرفاتهم، وقال الشافعي: ولا يصح عقد الصبي المميز بل يُمتحن في المماكسة، فإذا أراد العقد.. عقد الولي؛ لأنه لا يجوز دفع المال إليه حال الصغر، فثبت عدمُ جواز تصرفه حالَ الصغر ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾؛ أي: اختبروهم في عقولهم، وجربوهم في تصرفاتهم إلى وقت بلوغهم زمن صلاحية النكاح، والزواج، والوطء بأن يبلغ بالاحتلام، أو باستكمال خمس عشرة سنة، عند الشافعي، أو ثماني عشرة سنة عند أبي حنيفة، وبلوغ النكاح كناية عن البلوغ؛ لأنه يصلح للنكاح عنده، فإذا بلغوا، ووصلوا زمنَ صلاحية النكاح ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ وعلمتم ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من اليتامى الذين وصلوا زمن النكاح والزواج ﴿رُشْدًا﴾؛ أي: هداية في التصرفات، وصلاحًا في المعاملات من غير تبذير، وعجز عن خديعة الغير، وقيل: معنى رشدًا؛ أي: عقلًا، وصلاحًا في الدين، وحفظًا للمال، وعلمًا بما يصلحه ﴿فَادْفَعُوا﴾، وسلموا ﴿إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ التي عندكم من غير تأخير عن وقت البلوغ، وإنما تدفع إليهم أموالهم بعد بلوغهم، وإيناس الرشد منهم.
(١) الخازن.
(٢) مراح.
وقال ابن سيرين (١): لا يدفع إليه المال بعد الإيناس والاختبار المذكورين حتى تمضيَ عليه سنة كاملة، وتداوله الفصول الأربع، وظاهر الآية أنه إن لم يونس منه رشد، بقي محجورًا عليه دائمًا، ولا يدفع إليه المال، وبه قال الجمهور. وقال النخعي، وأبو حنيفة: ينتظر به خمس وعشرون سنة، ويدفع إليه ماله، أُونس منه الرشد أو لم يؤنس، وظاهر الآية يدل على استبداد الوصي بالدفع والاستقلال به، وقالت طائفة: يفتقر إلى أن يدفعه إلى السلطان، ويثبت رشدَه عنده.
وظاهر عموم اليتامى اندراج البنات في هذا الحكم، فيكون حكمهن حكم البنين في ذلك، فقيل: يعتبر رشدها، وإن لم تتزوج بالبلوغ.
وقال المراغي (٢) والمعنى: أيها الأولياء، ابتلوا اليتامى إلى ابتداء البلوغ، وهو الحد الذي يبلغون فيه سن النكاح، فإن آنستم منهم بعد البلوغ رشدًا، فادفعوا إليهم أموالهم، وإلا فاستمروا على الابتلاء حتى تأنسوه منهم، ويرى أبو حنيفة دَفعَ مال اليتيم إليه، إذا بلغ خمسًا وعشرين سنةً، وإن لم يرشد. انتهى.
وقرأ (٣) ابن مسعود ﴿فإن أحستم منهم رشدًا﴾ يريد أحسستم فحذف عين الكلمة، وهذا الحذف شذوذ، لم يرد إلا في ألفاظ يسيرة، وحكى غير سيبويه أنها لغة سليم، وقرأ ابن مسعود، وأبو عبد الرحمن، وأبو السمال، وعيسى الثقفي ﴿رشدًا﴾ بفتحتين، وقرىء شاذًا ﴿رشدًا﴾ بضمتين، قيل: هما لغتان، وقيل: هو بالضم مصدر رشد، من باب: قعد، وبالفتح مصدر رَشِدَ من باب: طرب، وقراءة الجمهور ﴿رُشْدًا﴾ بضم الراء، وسكون الشين.

فصل في بيان البلوغ


البلوغ يحصل بأربعة أشياء: اثنان يشترك فيهما الرجال والنساء، واثنان
(١) البحر المحيط.
(٢) المراغي.
(٣) البحر المحيط.
يختصان بالنساءِ. أما اللذان يشترك فيهما الرجال والنساءِ:
فأحدهما: السن، فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنةً حكم ببلوغه غلامًا كان أو جاريةً، ويدل عليه ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: عرضت على رسول الله - ﷺ - عام أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني ثم عرضت عليه عام الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. أخرجه الشيخان في "الصحيحين".
وهذا قول أكثر أهل العلم، وقال أبو حنيفة: بلوغ الجارية باستكمال سبع عشرة سنة، وبلوغ الغلام باستكمال ثماني عشرة سنة.
والثاني: الاحتلام، وهو إنزال المني الدافق سواء أنزل باحتلام أو جماع؛ فإذا وجد ذلك من الصبي أو الجارية حكم ببلوغه، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ ولقوله - ﷺ - لمعاذ: "خذ من كل حالم دينارًا" أما إنبات الشعر الخشن حول الفرج، فهو يدل على البلوغ في أولاد المشركين، لما روي عن عطية القرظي قال: كنت من سبط قريظة، فكانوا ينظرون، فمن أثبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت ممن لم ينبت، وهل يكون ذلك علامة على البلوغ في أولاد المسلمين؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه يكون بلوغًا كما في أولاد المشركين.
والثاني: لا يكون ذلك بلوغًا في حق أولاد المسلمين؛ لأنه يمكن الوقوف على مواليد أولاد المسلمين، والرجوع إلى قول آبائهم بخلاف الكفار، فإنه لا يوقف على مواليدهم، ولا يقبل في ذلك قول آبائهم لكفرهم فجعل الإنبات الذي هو أمارة البلوغ بلوغًا في حقهم.
وأما الذي يختص بالنساء: فهو الحيض والحبل، فإذا حاضت الجارية بعد استكمال تسع سنين، حكم ببلوغِهَا، وكذلك إذا ولدت حكم ببلوغها، قبل الوضع بستة أشهر؛ لأنها أقل مدة الحمل. قيل (١): ومن علامات البلوغ الحيض
(١) صاوي.
كما ذكر، وكبر الثدي للإناث، ونبات العانة، ونتن الإبط، وفرق الأرنبة، وغلظ الحنجرة للذكور، فإذا وجدت تلك العلامات حكم ببلوغه عند مالك، وأما عند الشافعي فلا يحكم بالبلوغ إلا بالاحتلام، أو الحيض، أو كمال خمس عشرة سنة، وما عدا ذلك علامة على البلوغ، ولا يحكم عليه به.
﴿وَلَا تَأكُلُوها﴾؛ أي: ولا تأكلوا أيها الأولياء، والأوصياء أموالَ اليتامى حالةَ كونكم ﴿إِسْرَافًا﴾؛ أي: مسرفين، ومجاوزين الحد الشرعي، في الإنفاق، ولو على اليتيم نفسه ﴿و﴾ حالة كونكم ﴿بدارًا﴾؛ أي: مبادرينَ ومسرعين إلى إنفاقها ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾؛ أي: مخافة كبرهم، رشداءَ فيمنعوكم عن ذلك، ويلزمكم تسليمها إليهم، وتقولون: ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى، فينزعوها من أيدينا.
ولما كانت هاتان الحالتان الإسراف ومسابقة كبر اليتيم ببعض التصرف من مواطن الضعف التي تعرض للإنسان نهى الله عنهما، ونبه الأولياء إلى خطرهما حتى يراقبوا ربهم إذا عرضتا لهم، أما الأكل من مال اليتيم بلا إسراف ولا مبادرة خوفَ أخذها عند البلوغ، فقد ذكر الله تعالى حكمه بقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ﴾ منكم أيها الأولياء ﴿غَنِيًّا﴾؛ أي: غير محتاج إلى شيء من مال اليتيم الذي تحت ولايته ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾؛ أي: فليعف نفسه عن الأكل من ماله، وليتنزه عن أكله، وليقنع بما آتاه الله من الرزق، إشفاقًا على اليتيم، وإبقاءً على ماله، ولا ينقص منه شيئًا قليلًا ولا كثيرًا ﴿وَمَنْ كَانَ﴾ منكم ﴿فَقِيرًا﴾؛ أي: محتاجًا لا يستغنى عن الانتفاع بشيء من مال اليتيم الذي يشغل بعض وقته في تثميره، وحفظه ﴿فَلْيَأكُلْ﴾ منه ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ شرعًا، وعند الناس وهو ما يبيحه الشرع، ولا يستنكره أرباب المروءة، ولا يعدونه خيانةً، وطمعًا، وقيل (١): ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بقدر أجرة خدمته لليتيم، وعمله في ماله، وقيل ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بالقرض، ثم إذا أيسر قضاه، وإن مات، ولم يقدر على القضاءِ، فلا شيء عليه، وهذا قول سعيد بن
(١) المراح.
جبير، ومجاهد، وأبي العالية، وهذا القرض في أصول الأموال، أما نحو ألبان المواشي، واستخدام العبيد، وركوب الدواب، فمباح لنحو الوصي، إذا كان غير مضر بالمال، وهذا قول أبي العالية وغيره، وإنما خص الأكل بالذكر؛ لأنه أعم وجوه الانتفاعات، ومحل ذلك في غير الحاكم، أما هو: فليس له ذلك لعدم اختصاص ولايته بالمحجور عليه، بخلاف غيره، حتى أمينه كما صرح به المحاملي، وله الاستقلال بالأخذ منه من غير مراجعة الحاكم، ومعلوم أنه إذا نقصت أجرة الأب، أو الجد، أو الأم إذا كانت وصية عن نفقتهم، وكانوا فقراء يتمونها من مال محجورهم؛ لأنها إذا وجبت بلا عمل فمعه أولى، ولا يضمن المأخوذَ؛ لأنه بدل عمله. قال ابن جرير: إن الأمة مجمعة على أن مال اليتيم ليس مالًا للولي؛ فليس له أن يأكل منه شيئًا، ولكن له أن يستقرض منه عند الحاجة، كما يستقرض له، وله أن يؤاجر نفسَه لليتيم بأجرة معلومة، إذا كان اليتيم محتاجًا إلى ذلك، كما يستأجر له غيره من الأجراء غير مخصوص بها حالَ غنى، ولا حالَ فقر، وهكذا الحكم في أموال المجانين، والمعاتيه: جمع معتوه ناقص العقل من غير جنون.
وقد روى أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - قال: ليس لي مال وإني ولي يتيم، فقال: "كل (١) من مال يتيمك، غير مسرف، ولا متأثل مالًا، ومن غير أن تقي مالك بماله".
والحكمة في هذا: أن اليتيم يكون في بيت الولي كولده، والخير له في تربيته أن يخالط الولي وأهله في المؤاكلة والمعاشرة، فإذا كان الولي غنيًّا لا طمع له في ماله، كانت المخالطة مصلحة لليتيم، وإن كان ينفق فيها شيء من ماله فبقدر حاجته، وإن كان فقيرًا.. فهو لا يستغني عن إصابة بعض ما يحتاج إليه من مال اليتيم الغني الذي في حجره، فإن أكل من طعامه ما جرى به العرف بين الخلطاء غير مصيب من صلب المال شيئًا، ولا متأثل لنفسه منه عقارًا، ولا مالًا
(١) المراغي.
آخر، ولا منفق مالَه في مصالحه ومرافقه كان بعمله هذا آكلًا بالمعروف.
﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ﴾ وسلمتم أيها الأولياء، والأوصياء ﴿إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: إلى اليتامى ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ بعد البلوغ، والرشد، ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على استلامهم إياها، منكم بإقباضكم إياهم، وبراءة ذممكم منها كي لا يكون نزاع بينكم، فإنه أنفى للتهمة، وأبعد من الخصومة.
وهذا (١) الإشهاد واجب عند الشافعية، والمالكية؛ إذ أن تركه يؤدي إلى التخاصم، والتقاضي كما هو مشاهد، وجعله الحنفية مندوبًا، لا واجبًا ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾؛ أي: وكفى الله سبحانه وتعالى محاسبًا، ومجازيًا للمحسنين، والمسيئين، وشاهدًا عليهم، فعليكم بالتصادق، وإياكم والتكاذب فإنه يحاسبكم على ما تسرون، وما تعلنون، فلا تخالفوا ما أمرتم به، ولا تتجاوزوا ما حَدَّ لكم.
وقد جاء بهذا بعد الأمر بالإشهاد، ليرشدنا إلى أن الإشهاد، وإن أسقط الدعوى بالمال عند القاضي فهو لا يسقط الحق عند الله، إذا كان الولي خائنًا. فإن الله لا يخفى عليه ما يخفى على الشهود، والحُكّام، وعلى الجملة فإنك ترى أن الله تعالى حاط أموالَ اليتامى بضروب من الصيانة، والحفظ، فأمر باختبار اليتيم، قبل دفع ماله إليه، ونهى عن أكل شيء منه بطرق الإسراف، ومبادرة كبره، وأمرَ بالإشهاد عليه عند الدفع، ونبه إلى مراقبة الله تعالى في جميع التصرفات الخاصة به.
٧ - ﴿لِلرِّجَالِ﴾؛ أي: للذكور من أولاد الميت، وأقربائه صغارًا أو كبارًا ﴿نَصِيبٌ﴾؛ أي: حظ ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾؛ أي: من الميراث الذي تركه ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ المتوفون ﴿وَلِلنِّسَاءِ﴾؛ أي: وللإناث من بنات الميت، وقراباته، ﴿نَصِيبٌ﴾؛ أي: حظ ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ المتوفون قيل: سبب نزول هذه الآية: خبر أم كحلة زوجة أوس بن ثابت الأنصاري، وقد تقدم في أسباب النزول.
(١) المراغي.
قال المروزي (١): كان اليونان يعطون جميع المال للبنات؛ لأن الرجال لا يعجز عن الكسب، والمرأة تعجز، وكانت العرب لا يعطون البنات، فرد الله على الفريقين، والمعنى بالرجال المذكور، وبالنساء الإناث، وقال الشوكاني (٢): لما ذكر الله سبحانه وتعالى حكم أموال اليتامى وصله بأحكام المواريث، وكيفية قسمتها بين الورثة، وأفرد سبحانه ذكر النساء بعد ذكر الرجال، ولم يقل للرجال والنساء نصيب، للإيذان بأصالتهن في هذا الحكم، وللاعتناء بأمرهن، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء، ولم يستفد من الآية الرد عليهم في حرمان الزوجة؛ لأن الزوج ليس والدًا، ولا قريبًا لها، فكأن حكمها أستفيد مما سيأتي، ومن السنة، وفي ذكر القرابة بيان لعلة الميراث مع التعميم لما يصدق عليه مسمى القرابة من دون تخصيص، وقوله ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ﴾ أي مما تركوه أي من المال المخلف من الميت ﴿أَوْ كَثُرَ﴾ منه بدل من قوله ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ بإعادة الجار، والضمير في قوله ﴿مِنْهُ﴾ راجع إلى المبدل منه، وأتى بهذا البدل لتحقيقِ أن لكل من الفريقين حقًّا من كل ما جل ودق، ولدفع توهم اختصاص بعض الأموال ببعض الورثة كالخيل، وآلات الحرب للرجال حالة كون نصيب كل من الفريقين ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ أي: حظًّا مقدرًا لهم مقطوعًا بتسليمه إليهم؛ فلا يسقط بإسقاطهم، ففي الآية (٣) دليل على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه بالإعراض.
وقد أجمل الله سبحانه وتعالى في هذه الآية قدر النصيب المفروض ثُمَّ أنزل قوله ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ فبين ميراث كل فرد، ومعنى الآية (٤) أنه إذا كان لليتامى مالُ مما تركه لهم الوالدان والأقربون، فهم فيه سواء لا فرق بين الرجال والنساء، ولا فرق بين كونه كثيرًا أو قليلًا، وأتى بقوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ لبيان أنه حق معين مقطوع به، ليس لأحد أن ينقص منه شيئًا، ولا أن يحابى فيه.
٨ - ﴿وَإِذَا حَضَرَ﴾ وجاء ﴿الْقِسْمَةَ﴾؛ أي: محل قسمة التركة بين الورثة {أُولُو
(١) البحر المحيط.
(٢) فتح القدير.
(٣) البيضاوي.
(٤) المراغي.
الْقُرْبَى}؛ أي: أصحاب قرابة الميت ممن لا يرث، لكونه عاصبًا، محجوبًا كالأخ لأب مع الأخ الشقيق، والعم مع الأب، أو لكونه من ذوي الأرحام، كالخال والخالة، ﴿وَالْيَتَامَى﴾؛ أي: يتامى المؤمنين الأجانب ﴿وَالْمَسَاكِينُ﴾؛ أي: مساكين المؤمنين الأجانب ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾؛ أي: فأعطوا ندبًا أيها الورثة الكاملون هؤلاء الأصناف الثلاثة الحاضرين محل القسمة ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من المال المقسوم بينكم قبل القسمة شيئًا، ولو قليلًا؛ أي: إذا حضر قسمة التركة أحد من هؤلاء الأصناف الثلاثةِ المذكورينَ فأعطوهم أيها الورثة الكاملون بشيء من الرزق الذي أتاكم من غير كد ولا نصب، فلا ينبغي أن تبخلوا به على المحتاجين من ذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وتتركوهم يذهبون منكسري القلب مضطربي النفس، ﴿وَقُولُوا﴾ أيها الورثة الكاملون مع الإعطاء المذكور ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لهؤلاء الأصناف الحاضرين محل القسمة ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾؛ أي: قولًا لينًا طيبًا تطيب به نفوسهم عندما يعطون، حتى لا يثقل على أبيِّ النفس منهم ما يأخذ، ويرضي الطامع في أكثر مما أخذ بما أخذ بالتودد، والتلطف في القول، وعدم التغليظ فيه.
وقيل: الخطاب في الآية على التوزيع، فالخطاب في الرزق للورثة الكاملين، وفي القول لأولياء الورثة غير الكاملين، والمعنى حينئذ. فارزقوهم أيها الورثة الكاملون من المال المقسوم شيئًا من الرضخ، وقولوا: يا أولياء الورثة غير الكاملين لهؤلاء الأصناف الحاضرين قولًا معروفًا جميلًا كأن يقول الولي لهم: هذا المالُ لهؤلاء الضعفاء، الذين لا يعقلون، وليس لي فيه حق فأعطيكم، ولكن إذا كبروا فيعرفون حقوقكم، فيعطوكم، أو يقول: سأوصيهم ليعطوكم شيئًا إذا كبروا.
والسر في إعطائهم شيئًا من التركة: أنه ربما يسري الحسدُ إلى نفوسهم، فينبغي التودد إليهم، واستمالتهم باعطائهم قدرًا من هذا المال هبةً، أو هدية، أو إعداد طعام لهم يوم القسمة، ليكون في هذا صلة للرحم، وشكر للنعمة.
قال سعيد بن جبير: هذا الأمر أعني أمر الإعطاء للوجوب، وقد هجره الناس كما هَجروا العملَ بالاستئذان عند دخول البيوت، والمعتمد أنه ندبُ.
وقال الحسن، والنخعي، إن الذي أمرنا أن نرزقهم منه عند القسمة هو الأعيانُ المنقولة كالذهب، والفضة، وأما الأرضون، والرقيق، وما أشبه ذلك فلا يجب أن يعطوا منها شيئًا، بل يكتفي حينئذ بقول المعروف، أو بإطعام الطعام.
٩ - قوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ هو خطاب (١) مع الذين يجلسون عند المريض فيقولون له: إن ذريَتك وورثتَك لن يغنوا عنك من عذاب الله شيئًا، فأوص مالَك لفلان، ولفلان، ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن لا يَبْقَى من ماله للورثة شيءٌ أصلًا.
وحاصل الكلام: أنك لا ترضى مثل هذا الفعل لنفسك، فلا ترضه لأخيك المسلم، وعن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي - ﷺ - "لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
والمعنى: وليخف الله تعالى الذين يجلسون عند المريض، ويأمرونه بإيصاء كل ماله، وليْتَّقُوا الضياعَ والفقرَ على أولاد ذلك المريض، الذي أمروه بإيصاء كل ماله؛ كما أنهم يخافون الضياع، والفقر على أولاد أنفسهم، لو أوصوا بجميع مالهم، وتركوا من بعد موتهم ذريةً ضِعافًا، وقوله: ﴿ضِعَافًا﴾ بمعنى صغارًا لا يقومون بأمرهم، يقرأ بالتفخيم على الأصل، وبالإمالة لأجل الكسرة، وجاز ذلك مع حرف الاستعلاء؛ لأنه مكسور مقدم، ففيه انحدار، وقوله: ﴿خَافُوا﴾ يقرأ بالتفخيم على الأصل، وبالإمالة؛ لأن الخاء تنكسر في بعض الأحوال، وهو خفت، وهو جواب لو، ومعناها إن. ذكره أبو البقاء. ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: فليخافوا عقابَ الله في أمر ذلك المريض بإيصاء كل ماله، وترك أولاده عالة يتكففون الناسَ ﴿وَلْيَقُولُوا﴾ لذلك المريض ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾؛ أي: قولًا عدلًا صوابًا بأن يقولوا له: إنك إن تذَر ورثتَك أغنياء خيرٌ لك من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس، فالقول السديد: هنا أن يأمروه أن يخلفَ ماله لولده، ويتصدق بما دون الثلث، أو الثلث، ويأمروه أن يتخلص من حقوق الله، وحقوق العباد، وأن
(١) المراح.
يُوصي بالقرب المقربة إلى الله سبحانه وتعالى.
قال (١) ابن كثير: قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هذا في الرجل يحضره الموتُ فيسمعه رجل يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله ويوفقه ويسددَه للصواب، فينظرَ لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته، إذا خشي عليهم الضيعةَ، وهكذا قال مجاهد، وغير واحد، وثبت في "الصحيحين" أن رسول الله - ﷺ - لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده، قال: يا رسول الله، إني ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي، قال: لا قال: فالشطر، قال: لا. قال: فالثلث. قال: "الثلثُ والثلثُ كثير"، ثم قال رسول الله - ﷺ -: "إنك تذرَ ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس" انتهى.
والمعنى (٢): كما أنكم تكرهون بقاءَ أولادكم في الضعف والجوع من غير مال، فاخشوا الله، ولا تحملوا المريضَ على أن يحرم أولادَه الصغارَ من ماله.
وحاصل الكلام: كما أنك لا ترضى مثلَ هذا الفعل لنفسك، فلا ترضه لأخيك المسلم. قيل: الآية تحتمل أن تكون خطابًا لمن حضر أجله، ويكون المقصود نهيه عن تكثير الوصية، لئلا تبقى ورثته فقراءَ ضعافًا ضائعينَ بعد موته، والمعنى على هذا القول؛ أي: وليخش الله سبحانه وتعالى في تكثير الوصية: المُوصُونَ الذين يخافون على أولادهم الضياعَ والفقرَ لو تركوهم من خلفهم ذريةً، ضعافًا صغارًا بلا مال، فليتقوا عقابَ الله في حرمانهم، وليقولوا في إيصائهم قولًا سديدًا، بأن اقتصروا في إيصائهم على الثلث، أو نَقَصُوا عنه.
وقيل: الآية (٣) خطاب لأولياء اليتامى، والمعنى: وليخش من خاف على ولده من بعد موته أن يضيع مال اليتيم الضعيف الذي هو ذرية غيره، إذا كان في حجره، والمقصود من الآية: من كان في حجره يتيم فليحسن إليه، سواءً كان
(١) ابن كثير.
(٢) الخازن.
(٣) الخازن.
وليه أو وصيه، وليفعل به ما يحب أن يفعلَ بأولاده من بعده، ﴿فَلْيَتَّقُوا﴾ عقاِب ﴿اللهَ﴾ في أمر اليتامى ﴿وَلْيَقُولُوا﴾ لهم: ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾؛ أي: سهلًا لينًا بأن يقولوا لليتامى مثل ما يقولون لأولادهم بالشفقة والتأديب، ويخاطبونهم بقولهم: يا ولدي يا بني.
وعبارة البيضاوي هنا: قوله تعالى (١): ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً﴾ الآية. أمر للأوصياء بأن يخشوا الله تعالى ويتقوه في أمر اليتامى، فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريهم، الضعاف بعد وفاتهم، أو أمر للحاضرين المريضَ عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم، أو يخشوا على أولاد المريض، ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم، فلا يتركوه أن يضر بهم بصرف المال عنهم، أو أمر للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى، والمساكين متصورينَ أنهم لو كانوا أولادَهم بقوا خلفهم ضِعَافًا مثلهم هل يجوزون حرمانهم؟ أو أمر للموصين بأن ينظروا للورثة، فلا يسرفوا في الوصية انتهت. فالقول (٢) السديد من الجالسين عند المريض هو أن يأمروه أن يتصدق بدون الثلث، ويترك الباقيَ لولده وورثته، وأن لا يحيف في وصيته، والقول السديد من الأوصياء، وأولياء اليتامى أن يكلموهم كما يكلمون أولادهم، ولا يؤذوهم بقول ولا فعل. وقرأ الزهري والحسن، وأبو حيوة، وعيسى بن عمر بكسر لام الأمر في ﴿ولِيخش﴾، وفي ﴿فلِيتقوا﴾، وفي ﴿ولِيقولوا﴾ وقرأ الجمهور بالإسكان.
١٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾، وينتفعون بها ﴿ظُلْمًا﴾؛ أي: حالةَ كونهم ظالمينَ، أو على سبيل الظلم وهضم الحقوق لا أكلًا بالمعروف عند الحاجة إلى ذلك، أو تقديرًا لأجرة العمل ﴿إِنَّمَا يَأكُلُونَ فِي﴾ ملء ﴿بُطُونِهِمْ نَارًا﴾؛ أي: حرامًا يكون سببًا لعذاب النار. ونبه بقوله: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ على نقصهم، ووصفهم بالشره في الأكل، والتهافت في نيل الحرام بسبب البطن ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾؛ أي: وسيدخلون يوم القيامة ﴿سَعِيرًا﴾؛ أي: نارًا متقدة ذات لهب
(١) البيضاوي.
(٢) الخازن.
شديد، لا يعرف قدر حرارتها إلا الله تعالى يحترقون فيها.
وإنما خص الأكل بالذكر، وإن كان المراد سائر أنواع الإتلافات، وجميع التصرفات الرديئة المتلفة للمال؛ لأن الضررَ يحصل بكل ذلك لليتيم، فعبر عن جميع ذلك بالأكل؛ لأنه معظم المقصود، وإنما ذكر البطون للتأكيد؛ فهو كقولك رأيت بعيني، وسمعت بأذني.
وروى السدي (١): يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة، ولهبُ النار يخرج منْ فيه، ومن مسامعه، وأنفه، وعينيه يعرفه كل من رآه بآكل مال اليتيم.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لما نزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية: انطلق من كان عنده يتيم فعزلَ طعامَه من طعامه، وشرابَه من شرابه، فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكلَه، أو يفسدَ فاشتدَ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ - فأنزل الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم.
وقرأ الجمهور ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾ مبنيًّا للفاعل من الثلاثي، من صلي النار يصلاها من باب رضي، والصلي هو التسخن بقرب النار، أو مباشرتها، وقرأ (٢) ابن عامر، وأبو بكر، وعاصم بضم الياء وفتح اللام مبنيًّا للمفعول من الثلاثي. وقرأ ابن أبي عبلة، وأبو حيوة بضم الياء وفتح الصاد، واللام مشددةً، مبنيًّا للمفعول من التصلية بكثرة الفعل مرة بعد أخرى.
وعبر بالصلي بالنار عن العذاب الدائم بها؛ إذ النار لا تذهب ذواتَهم بالكلية، بل كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، وهذا وعيد عظيم على هذه المعصية، والسعير: الجمر المشتعل.
(١) ابن كثير.
(٢) البحر المحيط والشوكاني.
الإعراب
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.
﴿يَا﴾ حرف نداء ﴿أي﴾ منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾ حرف تنبيه زائد، تعويضًا عما فات ﴿أي﴾ من الإضافة. ﴿النَّاسُ﴾ صفة لـ ﴿أي﴾ تابع للفظه، وجملة النداء مستأنفة. ﴿اتَّقُوا﴾ فعل وفاعل والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿رَبَّكُمُ﴾ مفعول به، ومضاف إليه. ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول في محل النصب صفة لـ ﴿ربكم﴾. ﴿خَلَقَكُمْ﴾ فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة له، والعائد ضمير الفاعل. ﴿مِنْ نَفْسٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿خلق﴾. ﴿وَاحِدَةٍ﴾ صفة لـ ﴿نفس﴾.
﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾.
﴿وَخَلَقَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿خلق﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة معطوفة على جملة ﴿خَلَقَكُمْ﴾. ﴿منها﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿خلق﴾. ﴿زَوْجَهَا﴾ مفعول به ومضاف إليه. ﴿وَبَثَّ﴾ الواو عاطفة. ﴿بث﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة معطوفة على جملة ﴿خَلَقَكُمْ﴾. ﴿مِنْهُمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿بث﴾. ﴿رِجَالًا﴾ مفعول به. ﴿كَثِيرًا﴾ صفة له ﴿وَنِسَاءً﴾ معطوف على ﴿رِجَالًا﴾.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.
﴿وَاتَّقُوا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿اتقوا الله﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿اتقوا ربكم﴾. ﴿الَّذِي﴾ صفة للجلالة. ﴿تساءلون﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿بِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تساءلون﴾، وهو العائد على الموصول. ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالنصب معطوف على الجلالة، والمعنى: اتقوا الله بطاعته، واتقوا الأرحامَ التي تساءلون بها بصلتها، فإنها مما أمر الله تعالى أن يوصلَ، وقيل: معطوف على محل الجار والمجرور، في قوله ﴿بِهِ﴾ كقولك مررت بزيد وعمرًا، والمعنى: اتقوا الله الذي تساءلون به، وتتساءلون بالأرحام،
وبالجر عطفًا على الضمير في ﴿بِهِ﴾ كما مر في بحث التفسير. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿إن﴾ حرف نصب، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهَ﴾ اسمها، ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الله. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿رَقِيبًا﴾. ﴿رَقِيبًا﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾.
﴿وَآتُوا الْيَتَامَى﴾ فعل وفاعل، ومفعول أول ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ مفعول ثان، ومضاف إليه، والجملة مستأنفة ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ الواو عاطفة. ﴿لا﴾ ناهية. ﴿تَتَبَدَّلُوا﴾ فعل، وفاعل مجزوم. بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿الْخَبِيثَ﴾ مفعول به. ﴿بِالطَّيِّبِ﴾ متعلق به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَآتُوا﴾. ﴿وَلَا تَأكُلُوا أَمْوَالَهُمْ﴾ الواو عاطفة. ﴿لا﴾ ناهية. ﴿تَأكُلُوا﴾ فعل، وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ مفعول به، ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿آتُوا﴾ ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ تقديره: حالة كونها مضافة ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ ﴿إن﴾ حرف نصب وتوكيد. ﴿الهاء﴾ ضمير عائد على المصدر المفهوم من ﴿لا تأكلوا﴾ تقديره: إن أكلها في محل النصب اسمها ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾. ﴿حُوبًا﴾ خبرها. ﴿كَبِيرًا﴾ صفته، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ الواو استئنافية. ﴿إن﴾ حرف شرط جازم. ﴿خِفْتُمْ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لـ ﴿إنَّ﴾ ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿لا﴾ نافية. ﴿تقسطوا﴾ فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾. ﴿في اليتامى﴾ جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية صلة أن المصدرية، أن مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: وإن خفتم عدم
إقساطكم في اليتامى. ﴿فَانْكِحُوا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا، لكون الجواب جملة طلبية. ﴿انكحوا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم، بـ ﴿إن﴾ على كونه جواب الشرط. ﴿مَا طَابَ﴾ ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿انكحوا﴾. ﴿طَابَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾ والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿طاب﴾ وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ جار ومجرور حال من فاعل ﴿طَابَ﴾. ﴿مَثْنَى﴾ حال من ﴿ما﴾ في قوله ﴿مَا طَابَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف منع مع ظهورها التعذر؛ لأنه اسم قصور، ولم ينون؛ لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف: علتان، فرعيتان، معتبرتان، من علل تسع، ترجع إحداهما إلى اللفظ، والأخرى إلى المعنى، وهما العدل، والوصف وهو جامد مؤول بمشتق تقديره، حالة كونه معدودًا باثنين اثنين. ﴿وَثُلَاثَ﴾ ﴿وَرُبَاعَ﴾ معطوفان على ﴿مَثْنَى﴾ معدولان من ثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، والأصل: فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنين اثنين، وثلاثًا ثلاثًا، وأربعًا أربعًا.
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.
﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم جواز نكاح مثنى وثلاث ورباع، وأردتم بيانَ حكم ما إذا خفتم أن لا تعدلوا بينهن.. فأقول لكم ﴿إن خفتم﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط جازم. ﴿خِفْتُمْ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ أن حرف نصب ومصدر. ﴿لا﴾ نافية. ﴿تعدلوا﴾ فعل وفاعل منصوب بإن، وجملة ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ صلة ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ عدم عدلكم فيما فوق الواحدة ﴿فَوَاحِدَةً﴾ الفاء رابطة لجواب إن الشرطية المحذوف تقديره: ﴿فانكحوا﴾ واحدة. ﴿واحدة﴾ مفعول لذلك المحذوف، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
﴿أَوْ﴾ حرف عطف. ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب معطوف على واحدة، أو منصوب بعامل محذوف تقديره: أو تسروا ما ملكت أيمانكم على حد علفتها تبنًا، وماءَ باردًا. ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فعل وفاعل، ومضاف إليه، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: أو ما ملكته أيمانكم. ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ. ﴿أَدْنَى﴾ خبره، والجملة مستأنفة. ﴿أن﴾ حرف مصدر. ﴿لا﴾ نافية. ﴿تَعُولُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن، وجملة ﴿أن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بإلى محذوفًا، تقديره: ذلك الاقتصار على الواحدة، أو على ما ملكت أيمانكم أقرب إلى عدم عولكم وجوركم في الاثنتين، وما فوقهما.
﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
﴿وَآتُوا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿آتوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿النِّسَاءَ﴾ مفعول أول. ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾ مفعول ثان، ومضاف إليه. ﴿نِحْلَةً﴾ حال من صدقاتهن أو منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه مصدر معنوي لـ ﴿آتُوا﴾. ﴿فَإِنْ طِبْنَ﴾ الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم وجوب إيتاء الصداق للنساء، وأردتم بيان حكم ما إذا وهبن لكم فأقول لكم: ﴿فَإِنْ طِبْنَ﴾ إن حرف شرط ﴿طِبْنَ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿طبن﴾ ﴿عَنْ شَيْءٍ﴾ جار ومجرور متعلق به. ﴿مِنْهُ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾. ﴿نَفْسًا﴾ تمييز محول عن فاعل ﴿طِبْنَ﴾ منصوب به. ﴿فَكُلُوهُ﴾ الفاء رابطة الجواب. ﴿كلوه﴾ فعل وفاعل، ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابًا لها ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ حالان من ضمير المفعول، أو منصوبان على المفعولية المطلقة تقديره أكلا هنيئًا مريئًا، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿لا﴾ ناهية جازمة. ﴿تُؤْتُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿السُّفَهَاءَ﴾ مفعول أول. ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ مفعول ثان، ومضاف إليه، والجملة مستأنفة.
﴿الَّتِي﴾ اسم موصول في محل النصب صفة لـ ﴿أموالكم﴾. ﴿جَعَلَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل. ﴿لَكُمْ﴾ متعلق به. ﴿قِيَامًا﴾ مفعول ثان. لـ ﴿جعل﴾، والأول محذوف تقديره جعلها الله لكم قيامًا، والجملة صلة الموصول، والعائد الضمير المحذوف.
﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
﴿وَارْزُقُوهُمْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿ارزقوهم﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿فِيهَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿ارزقوا﴾ و ﴿في﴾ بمعنى من الابتدائية. ﴿وَاكْسُوهُمْ﴾ فعل وفاعل، ومفعول معطوف على ﴿وَلَا تُؤْتُوا﴾. ﴿وَقُولُوا﴾ الواو عاطفة. ﴿قولوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿وَلَا تُؤْتُوا﴾. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿قولوا﴾. ﴿قَوْلًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة. ﴿مَعْرُوفًا﴾ صفة لـ ﴿قولا﴾.
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾.
﴿وَابْتَلُوا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿ابتلوا اليتامى﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿حَتَّى﴾ حرف ابتداء لدخولها على الجملة، فلا عمل لها، وإنما دخلت على الكلام لمعنى الغاية، كما تدخل على المبتدأ، أو حرف جر وغاية لكون ما بعدها غايةً لما قبلها، و ﴿إذا﴾ حينئذ مجردة عن معنى الشرط. ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان مضمن معنى الشرط. ﴿بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ فعل وفاعل، ومفعول، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب إذا لكون الجواب جملة شرطية ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿آنَسْتُمْ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلق به. ﴿رُشْدًا﴾ مفعول به. ﴿فَادْفَعُوا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملة طلبية. ﴿ادفعوا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابًا لها. ﴿إِلَيْهِمْ﴾ متعلق به. ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ مفعول به ومضاف إليه، وجملة إن الشرطية من فعل شرطها وجوابها جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب على القول بأن ﴿حَتَّى﴾ حرف ابتداء، أو في محل الجرب ﴿حتى﴾ على القول بأن ﴿حتى﴾ حرف جر
وغاية، والمعنى على الأول: أعني كونها حرف ابتداء إذا بلغوا النكاحَ راشدينَ، فادفعوا إليهم أموالهم. والمعنى على الثاني: أعني كونها حرف جر وغاية، وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم، واستحقاقهم دفع أموالهم بشرط إيناس الرشد.
﴿وَلَا تَأكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿لا﴾ ناهية جازمة. ﴿تَأكُلُوهَا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ حالان من الفاعل، ولكن بتأويلهما بمشتق؛ أي: حالة كونكم مسرفينَ، ومبادرينَ إلى أكلها، أو مفعولان لأجله؛ أي: لأجل الإسراف، والمبادرة لهم إلى أكلها. ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾ فعل، وفاعل منصوب ﴿بأن﴾ المصدرية، والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة المصدر المقدر، تقديره: مَخَافة كبرهم، والمصدر المقدر منصوب على المفعولية لأجله، أو الجملة في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعول ﴿وَبِدَارًا﴾ تقديره: ومبادرين كبرهم. ﴿وَمَنْ﴾ الواو استئنافية. ﴿من﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الجواب. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بمن على كونه فعل شرط لها، واسمه ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿غَنِيًّا﴾ خبرها. ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ الفاء رابطة لجواب من الشرطية، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.
﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿من﴾ اسم شرط مبتدأ. ﴿كَانَ فَقِيرًا﴾ فعل شرط لها ﴿فَلْيَأكُلْ﴾ في محل الجزم جوابها، والجملة معطوفة على جملة ﴿من﴾ الأولى ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ متعلق بـ ﴿يأكل﴾ أو صفة لمصدر محذوف تقديره؛ أي: أكلًا ملتبسًا بالمعروف. ﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾ استئنافية، أو فصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم وجوبَ الدفع إليهم عند إيناس الرشد منهم، وأردتم بيانَ ما ينبغي لكم عند الدفع فأقول: ﴿إذا دفعتم﴾ إذا ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿دَفَعْتُمْ﴾ فعل وفاعل. ﴿إِلَيْهِمْ﴾ متعلق به. ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ مفعول به، ومضاف إليه،
والجملة في محل الخفض بـ ﴿إذا﴾ على كونها فعلَ شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿فَأَشْهِدُوا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إذا﴾. ﴿شهدوا﴾ فعل وفاعل جواب ﴿إذا﴾ لا محل له من الإعراب. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق به، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة، أو في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ الواو استئنافية. ﴿كفى﴾ فعل ماض. ﴿باِللهَ﴾ الباء (١) زائدة. ولفظ الجلالة فاعل، ودخلت عليه ﴿الباء﴾؛ لتدل على معنى الأمر، إذ التقدير اكتف بالله، وقيل: إن الفاعل مضمر، والتقدير: كفى الإكتفاء بالله، فبالله على هذا في موضع نصب مفعولًا به. ﴿حَسِيبًا﴾ حال، وقيل: تمييز، وكفى يتعدى إلى مفعولين، وقد حذفا هنا، والتقدير: كفاك الله شرهم، ونحو ذلك، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ ذكره أبو البقاء.
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾.
﴿لِلرِّجَالِ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿نَصِيبٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿نصيب﴾. ﴿تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾ فعل وفاعل. ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ معطوف عليه، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: مما تركه الوالدان. ﴿وَلِلنِّسَاءِ﴾ الواو عاطفة. ﴿للنساء﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿نَصِيبٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾. ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ صفة لـ ﴿نصيب﴾. ﴿مِمَّا قَلَّ﴾ جار ومجرور بدل من الجار والمجرور في قوله: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ﴾ بإعادة الجار، وجملة ﴿قَلَّ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط ضمير الفاعل. ﴿والهاء﴾ في ﴿مِنْهُ﴾ عائد إلى ﴿ما﴾ في قوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾، وهذا البدل مقدر أيضًا في الجملة الأولى، أعني قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾ محذوف لعلمه من المذكور، ويجوز (٢) أن يكون الجار والمجرور في قوله: ﴿مِمَّا قَلَّ﴾ حالًا من الضمير
(١) عكبري.
(٢) عكبري.
المحذوف في ﴿تَرَكَ﴾؛ أي: وللنساء نصيب مما تركه الوالدان، والأقربون حالة كونه قليلًا. أو كثيرًا، أو مستقرًا مما قلَّ ﴿أَوْ كَثُرَ﴾ معطوف على ﴿مما قلّ﴾ منصوب على المصدرية بعامل محذوف تقديره: نصبهم نصيبًا؛ أي: أعطاهم الأنصباء عطاءً مقدرًا بما لا يزيد، ولا ينقص، وقيل: هو حال مؤكدة، والعامل فيها: معنى الاستقرار في قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ وقيل: هو حال من الفاعل في ﴿قَلَّ﴾ ﴿أَوْ كَثُرَ﴾ وقيل: هو مفعول لفعل محذوف تقديره: أوجب لهم نصيبًا، وقيل: هو منصوب على إضمار أعني، ذكره أبو البقاء. ﴿مَفْرُوضًا﴾ صفة لـ ﴿نصيبا﴾.
﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ فعل ومفعول وفاعل، ومضاف إليه، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، ﴿وَالْيَتَامَى﴾ معطوف على ﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ ﴿وَالْمَسَاكِينُ﴾ معطوف عليه أيضًا ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إذا﴾. ﴿ارزقوهم﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿مِنْهُ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿ارزقوهم﴾. ﴿وَقُولُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿ارزقوهم﴾ ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور، متعلق به. ﴿قَوْلًا﴾ منصوب على المصدرية. ﴿مَعْرُوفًا﴾ صفة له.
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾.
﴿وَلْيَخْشَ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿اللام﴾ حرف أمر وجزم مبني على السكون، تخفيفًا لاتصالها بالواو. ﴿يخشى الذين﴾: فعل وفاعل مجزوم بلام الأمر، والجملة مستأنفة، ومفعول (١) الخشية محذوف تقديره: وليخش الله الذين
(١) الجمل.
لو تركوا، ويجوز أن تكون المسألة من باب التنازع، فإن قوله: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ يطلب الجلالة، وكذلك ﴿فَلْيَتَّقُوا﴾، ويكون من أعمال الثاني للحذف من الأول. اهـ "سمين". ﴿لَوْ﴾ حرف شرط غير جازم بمعنى ﴿إن﴾. ﴿تَرَكُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تركوا﴾، ويجوز أن يكون حالًا من ﴿ذُرِّيَّةً﴾ كما ذكره أبو البقاءِ. ﴿ذُرِّيَّةً﴾ مفعول به لـ ﴿تركوا﴾. ﴿ضِعَافًا﴾ صفة لـ ﴿ذرية﴾. ﴿خَافُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق به، والجملة جواب ﴿لَوْ﴾. لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ من فعل شرطها، وجوابها صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل في ﴿تَرَكُوا﴾. ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة. و ﴿اللام﴾ لام الأمر، مبني على السكون تخفيفًا لاتصالها بـ ﴿الفاء﴾ ﴿يتقوا الله﴾ فعل وفاعل ومفعود مجزوم بلام الأمر، والجملة معطوفة على جملة ﴿يخش﴾. ﴿وَلْيَقُولُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿يتقوا﴾. ﴿قَوْلًا﴾ منصوب على المصدرية. ﴿سَدِيدًا﴾ صفة له.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾.
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل النصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿يَأكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ فعل وفاعل ومفعول، ومضاف إليه، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿ظُلْمًا﴾ مفعول لأجله، وشروط النصب موجودة فيه، أو منصوبُ على الحالية من فاعل ﴿يَأكُلُونَ﴾، ولكن بتأويله بمشتق تقديره: يأكلونه حالَ كونهم ظَالِمينَ. ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر. ﴿يَأكُلُونَ﴾ فعل وفاعل. ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يأكلون﴾ أو بمحذوف حال من ﴿نَارًا﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليه، فانتصب حالًا. ﴿نَارًا﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وفي ذلك (١) دلالة على وقوع خبر
(١) الجمل.
﴿إن﴾ جملة مصدرةً بـ ﴿إن﴾، وفي ذلك خلاف، وحسنه هنا وقوع اسم إن موصولًا فطال الكلام بصلة الموصول، فلما تباعد ما بينهما لم يبال بذلك. ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾ الواو عاطفة. ﴿سيطلون﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَأكُلُونَ﴾. ﴿سَعِيرًا﴾ منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿يصلون﴾، وجاء (١) ﴿يَأكُلُونَ﴾ بالمضارع دون سين الاستقبال، ﴿سيصلون﴾ بالسين، فإن كان الأكل للنار حقيقةً فهو مستقبل، واستغنى عن تقييده بالسين بعطف المستقبل عليه، وإن كان مجازًا فليس بمستقبل؛ إذ المعنى يأكلون ما يجر إلى النار، ويكون سببًا إلى العذاب بها، ولما كان لفظ ﴿نَارًا﴾ مطلقًا، في قوله: ﴿إِنَّمَا يَأكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ قيد في قوله: ﴿سَعِيرًا﴾ إذ هو الجمر المتقد. ذكره أبو حيان.
التصريف ومفردات اللغة
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ﴿النَّاسُ﴾ (٢) اسم للجنس البشري، وهو الحيوان الناطق، المنتصب القامة، الذي يُطلَق عليه اسم إنسان ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.
بحث في حقيقة النفس والروح على اختلاف آراء الناس فيها
اختلف المسلمون في حقيقة النفس، أو الروح الذي يحيا به الإنسانُ، وتتحقق به وحدة جنسه على اختلاف أصنافه، وأشهر آرائهم في ذلك الرأي القائل: إنها جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحةً لقبول الآثارِ التي تفيض عليها من هذا الجسم اللطيف، وجد الحس والحركةَ الإراديةَ والفكر وغيرها، وإذا فسدت هذه الأعضاء، وعجزت عن قبول تلك الآثار، فارق الروح البدنَ وانفصل إلى عالم الأرواح.
ومما يثبت ذلك أن العقلَ، والحفظَ، والتذكر وهي أمور ثابتة قطعًا. ليست
(١) البحر المحيط.
(٢) المراغي.
من صفات هذا الجسد، فلا بد لها من منشأ وجوديّ عبرَ عنه الأقدمون بالنفس، أو الروح.
وما مثلها إلا مثل الكهرباء، فالماديون الذين يقولون: لا روحَ إلا هذه الحياة يكون مثل الجسد عندهم مثل المستودع الكهربائي، فهو بوضعه الخاص، وبما يودع فيه من المواد تتولد فيه الكهرباء، فإذا زال شيءُ مما أودع فيه أو أزيل تركيبه الخاص فقد الكهرباء، وهكذا حال الجسم تتولد فيه الحياة بتركيب مزاجه بكيفية خاصة، وبزوالها تزول الحياة.
والذين يقولون: إن للأرواح استقلالًا عن الجسد يكون مثلُ الجسد مثل الآلة التي تدار بكهرباء تأتي إليها من المولد الكهربائي، فإذا كانت الآلة على وضع خاص في أجزائها، وأداوتها كانت مستعدة لقبول الكهرباء التي توجه إليها، حتى تؤدي وظيفتَها، وإن فقدت منها بعض الأجزاء الرئيسية، أو اختل وضعها الخاص تصبح غير قابلة للكهرباء، ومن ثم لا تؤدي وظيفتَها الخاصة بها. ذكره المراغي.
﴿وَبَثَّ﴾ بمعنى نشَرَ وفرق، ومنه ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ فهو من المضاعف المتعدي فقياسه ضم عين مضارعه، ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ جمع رحم، والرحم: القرابة، وإنما استعير اسم الرحم للقرابة؛ لأن الأقارب يتراحمون، ويعطف بعضهم على بعض، والرحم في الأصل: مكان يكون فيه الجنين في بطن أمه، ثم أطلق على القرابة. ﴿رَقِيبًا﴾ الرقيب: فعيل بمعنى فاعل؛ أي: بمعنى المراقب، وهو المشرف من مكان عال، والمرقب مفعل بمعنى المكان الذي يشرف منه الإنسان على ما دونه، والمراد بالرقيب هنا الحافظ المطلع على الأعمال؛ لأن ذلك من لوازمه.
﴿وَآتُوا الْيَتَامَى﴾ جمع يتيم، لغة من مات أبوه مطلقًا، لكن العرف خصصه بمن لم يبلغ مبلغ الرجال، وفي "المصباح" (١) يتم ييتم من باب تعب، وضرب يتمًا بضم الياء وفتحها، لكن اليتم في الناس من قبل الأب: فيقال: صغير يتيم،
(١) الفتوحات الإلهية.
والجمع أيتام، وصغيرة يتيمة، والجمع يتامى، وفي غير الناس من قبل الأم، وأيتمت المرأة أيتامًا، فهي مؤتم، صار أولادها يَتَامَى، فإن مات الأبوان فالصغير لطِيم، وإن ماتت الأم فقط فهو عَجَمي انتهى.
﴿الْخَبِيثَ﴾: هو مال اليتيم، وإن كان جيدًا، فهو خبيث لكونه حرامًا ﴿بِالطَّيِّبِ﴾ وهو مال الولي، فهو طيب لكونه حلالًا، وإن كان رديئًا ﴿حُوبًا﴾ الحوب الذنب، والإثم فهو مصدر: حاب يحوب حوبًا من باب قال: وفي "المصباح" حاب حوبًا من باب قال: إذا اكتسب الإثم، وبضم الحاء أيضًا.
﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ من أقسط الرباعي بمعنى عدل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، وفي "المصباح" قسط يقسط من باب: ضرب قسطًا، وقسوطًا إذا جار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾، ويأتي بمعنى عدل أيضًا، فهو حينئذ من الأضداد، قاله ابن القطاع. ويقال: أقسط بالألف إذا عدلَ، والاسم منه: القِسط بالكسر، وقرىء هنا بفتح التاء من قسط الثلاثي، إذا جار، فتكون هذه القراءة محمولة على تقدير زيادة لا، كأنه قال: وإن خفتم أن تقسطوا.
﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾؛ أي: ما مال إليه القلب منهن ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ واعلم (١) أن هذه الألفاظَ المعدولةَ فيها خلاف، وهل يجوز فيها القياس، أو يقتصر فيها على السماع؛ قولان. قول البصريين: عدم القياس، وقول الكوفيين، وأبي إسحاق: جوازه، والمسموع من ذلك أحدَ عشرَ لفظًا أحاد، وموحد، وثناء، ومثنى، وثلاث، ومثلث، ورباع، ومربع، ومخمس، وعشار، ومعشر، ولم يسمع خماس، ولا غيره من بقية العقد، واختلفوا أيضًا في صرفها، وعدمه فجمهور النحاة على منعه، وأجاز الفراء صرفَها، وإن كان المنع عنده أولى ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ ﴿أَدْنَى﴾ اسم تفضيل من دنا يدنو دنوًا إلى الشيء إذا قرب إليه، ودنا يتعدى بإلى، وباللام وبمن تقول: دنوت إليه، وله، ومنه ﴿تَعُولُوا﴾ من عال يعول من باب: قال إذا مال عن الحق، وجار فيه، والمصدر العول، والعيالة، وعال الحاكم إذا جار.
(١) الفتوحات الإلهية.
﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾؛ أي: أعطوا (١) من آتى الرباعي إيتاء بمعنى أعطاه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ لا من أتى بالقصر إتيانًا إذا جاء، ﴿صَدُقات﴾ جمع صدقة بفتح الصاد، وضم الدال اسم للمهر، وله أسماء كثيرة منها صَدَقة بفتحتين، وبفتح فسكون، وصَدَاق بالفتح والكسر ﴿نِحْلَةً﴾ مصدر من غير لفظ الفعل بل من معناه؛ لأن معنى آتوهن بمعنى أنحلوهن، فهو على حد جلست قعودًا وقمت وقوفًا، وفي "المصباح" ونحله بفتحتين نحلًا مثل قفل إذا أعطيته شيئًا من غير عوض عن طيب نفس، ونحلت المرأة مهرها نحلةَ بالكسر أعطيتها ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ الهنيء هو ما يستلذه الآكل، والمريء، ما تُحمَد عاقبته، كأن يسهلَ هضمه، وتحسُنَ تغذيته، وقيل: ما ينساغ في مجراه الذي هو المريء، وهو ما بين الحلقوم إلى فم المعدة، سمي بذلك لمرور الطعام فيه؛ أي: انسياغه ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ ﴿هَنِيئًا﴾ (٢) مصدر جاء على وزن فعيل، وهو نعت لمصدر محذوف؛ أي: أكلًا هنيئًا، وقيل: هو مصدر في موضع الحال من الهناء، والتقدير: مهنا أو طيبًا ومثله ﴿مَرِيئًا﴾ والمريء، فعيل بمعنى مفعل؛ لأنك تقول: أَمْرَأَني الشيء رباعيًّا إذا لم تستعله مع هَنَاني، فإن قلت هَنَانِي ومَراني لم تأت بالهمزة في مَرَاني؛ لتكون تابعةً لهناني ثلاثيًّا. ذكره أبو البقاء.
وقال أبو حيان (٣): ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغًا لا تنغيص فيه، ويقال: هَنَا يهنا بغير همز قيل: واشتقاق الهنيء من هناء البعير، وهو الدواء الذي يطلى به من الجرب، ويُوضع في عقره، والمريء ما يساغ في الحلق كما مر آنفًا انتهى.
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾ وأصل: ﴿تُؤْتُوا﴾ تؤتيوا بوزن تكرموا أستثقلت الضمة على الياء، فحذفت الضمة، فالتقى ساكنان الياء وواو الضمير، فحذفت الياء؛ لئلا يلتقي ساكنان. والسفهاء (٤) جمع سفيه، وهو المبذر للمال المنفق له فيما لا ينبغي، وأصل السفه الخفة والاضطراب، ومنه قيل: زمان سفيه؛ إذا كان كثير
(١) كرخي.
(٢) عكبري.
(٣) البحر المحيط.
(٤) المراغي.
الاضطراب، وثوب سفيه رديء النسج، ثم استعمل في نقصان العقل، وهو المراد هنا ﴿قِيَامًا﴾؛ أي: تقوم بها أمور معايشكم، وتمنع عنكم الفقر؛ قال الراغب: القيامُ والقوامُ ما يقوم به الشيء، ويثبت كالعماد، والسناد ما يعمد، ويسند به.
و ﴿قِيَامًا﴾ بالياء، والألف مصدر قام، والياء بدل من الواو، وأبدلَت منها لما أعلت في الفعل، وكانت قبلها كسرة ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾، والقول المعروف هو ما تطيبُ به النفوسُ، وتألفه كإفهام السفيه أنَّ المال مَالُه لا فضلَ لأحد عليه، ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾؛ أي: علمتم منهم حسن التصرف في الأموال، وفي "المصباح"، وآنستُ الشيء بالمد، علمته، وآنسته أبصرته. انتهى، وفيه أيضًا الرشد: خلاف العيّ والضلال، وهو إصابةُ الصواب، ورشد رشدًا من باب تعب، ورشد يَرُشُد من باب قتل، فهو راشد، والاسم: الرشاد اهـ. ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ الإسراف: مجاوزة الحد في التصرف في المال، والبدار المبادرة والمسارعة إلى الشيء، يقال: بادرت إلى الشيء، وبدرت إليه، وهو من باب المفاعلة التي تكون بين اثنين؛ لأن اليتيم مار إلى الكبرَ، والولي مار إلى أخذ ماله فكأنهما يستبقان، ويجوز أن يكون من واحد، وفي "المصباح": كبر الصبي، وغيره يكبر من باب: تعب مكبرًا مثلَ مسجد، وكبرًا وزانَ عِنب، فهو كبير، وجمعه كبار، والأنثى كبيرة ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾؛ أي: فليعف نفسَه عن مال اليتيم، فـ ﴿السين﴾ و ﴿التاء﴾ فيه زائدتان، والعفة تركُ ما لا ينبغي من الشهوات، وفي "المختار": عفَّ عن الحرام يَعِفُّ بالكسر عِفةً وعَفًّا، وعفا إذا كف عنه، فهو عف، وعفيف، والمرأة عفة، وعفيفة ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ أي: سهمًا مقدرًا مَحْتُومًا لا بد لهم أن يأخذوه ﴿وَلْيَخْشَ﴾ الخشية: الخوف في محل الأمن ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾ والسديد: العدل، والصواب، والسداد بالكسر: ما يسد به الشيء كالثغر موضع الخوف من العدو، والقارورة ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ يقال: صلى اللحم صليًا، إذا شواه، فإذا أراد إحراقه يقال: أصلاه إصلاءً، وصلاه تصليةً وصلى يده بالنار - من باب رضي - أدفأها، واصطلى استدفأ، وفي "المختار" صليت اللحم وغيره؛ من باب: رمَى شويته، ويقال: صليت الرجلَ نارًا؛ أي: أدخلته النار، وجعلته يصلاها. اهـ. والسعير: النار المستعرة المشتعلة، يقال: سَعرت النار، وسعرتُهَا، أوقدتُها.
البلاغة
قال أبو حيان (١): وقد تضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والفصاحة:
منها: الطباق في قوله: ﴿وَاحِدَةٍ﴾ و ﴿زَوْجَهَا﴾ و ﴿غنيًّا﴾ و ﴿فقيرًا﴾ و ﴿قل﴾ ﴿أو كثر﴾ و ﴿رِجَالًا﴾ ﴿وَنِسَاءً﴾ و ﴿الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾.
ومنها: التكرار المسمى بالإطناب عندهم في قوله: ﴿اتقوا﴾، و ﴿خلق﴾، و ﴿خِفْتُمْ﴾، و ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾، و ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ منه جهة المعنى و ﴿اليتامى﴾، و ﴿النساء﴾، و ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ و ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾، وفي قوله: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ و ﴿خافوا﴾ من جهة المعنى على قول من جعلهما مترادفين.
ومنها: إطلاق اسم المسبب على السبب في قوله: ﴿ولا تأكلوا﴾ لأن الأخذَ سبب للأكل.
ومنها: تسمية الشيء باسم ما كان عليه في قوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى﴾ سماهم يتامى بعد البلوغ.
ومنها: التأكيد بالإتباع في قوله: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
ومنها: تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه في قوله: ﴿نصيب مما ترك﴾، و ﴿نارا﴾ على قول من زعم أنها حقيقة كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾؛ أي: عنبًا يؤول إلى خمر.
ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿فَادْفَعُوا﴾ ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ﴾ والمغاير في قوله: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا﴾.
ومنها: الزيادة للزيادة في المعنى في قوله: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾.
ومنها: إطلاق اسم الكل على البعض في قوله: ﴿الأقربون﴾ إذ المراد أرباب الفرائض.
(١) البحر المحيط.
ومنها: إقامة الظرف المكاني مقام الزماني في قوله: ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾؛ أي: من بعد وفاتهم.
ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿بُطُونِهِمْ﴾ خصها دون غيرها؛ لأنها محل للمأكولات.
ومنها: التعريضُ في قوله: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ عرض بذكر البطون لخستهم، وسقوط هممهم، والعرب تذم بذلك قال شاعرهم:
دَعِ الْمَكَارِمَ لاَ تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِيْ
ومنها: تأكيد الحقيقة بما يرفع احتمالَ المجاز في قوله: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ رفع المجازَ العارضَ في قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ على قول من حمله على الحقيقة، ومَنْ حملَه على المجاز فيكون عنده من ترشيح المجاز، ونظيره في كونه رافعًا للمجاز قوله ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾، وقوله: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ والحذف في عدة مواضعَ مثل قوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾؛ أي: كثيرًا.
ومنها: المقابلة اللطيفة بَيْنَ ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
فائدة: وفي قوله تعالى: ﴿نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إشارة إلى ترك المفاخرة، والكبر لتعريفه إياهم، بأنهم من أصل واحد، ودلالة على المعاد؛ لأن القادر على إخراج أشخاص مختلفينَ من شخص واحد، فقدرته على إحيائهم بطريق الأولى، و ﴿زَوْجَهَا﴾ هي حواء، وظاهر منها ابتدأ خلق حواء من نفسه، وأنه هو أصلها الذي اخترعت، وأنشئت منه، ويدل عليه الحديث الصحيح في قوله - ﷺ -: "إن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فإن ذهبت تُقِيمُها كسرتها، وكسرها طلاقها" انتهى.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾.
المناسبة
لما (١) بين الله سبحانه وتعالى حُكْمَ الميراث مجملًا في قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ذكر هنا تفصيلَ ذلك المجمل فبيَّن أحكامَ المواريث، وفرائضها، لإبطال ما كان عليه العربُ من نظام التوارث في الجاهلية من منع الأنثى، وصغار الأولاد، وتوريث بعض مَنْ حَرَمه الإِسلامُ من الميراث. وقد كانت أسبابُ الإرث في الجاهلية ثلاثةً:
الأول: النّسبُ، وهو لا يكون إلا للرجال الذين يركبون الخيلَ، ويقاتلون
(١) المراغي.
العدوَّ، ويأخذون الغنائم، وليس للضعيفَيْنِ المرأة والطفل من ذلك شيء.
والثاني: التبني فقد كان الرجلُ يتبنَّى ولدَ غيره، فيكون له أحكام الولد في الميراث وغيره.
والثالث: الحِلْفُ والعهدُ، فقد كان الرجل يقول لآخرَ: دمي دمك، وهدمي هدمك؛ أي: إذا أهدر دمي أهْدِر دمك، وترثني وأرثك، وتطلَبُ بي وأطلَبُ بك، فإذا فعلًا ذَلك، ومات أحدهما قبل الآخر كان للحيّ ما اشترط من مال الميت.
فلما جاء الإِسلام أقرهم على الأول، والثالث دون الثاني، فقال: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ والمراد به: التوارث بالنسب، وقال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ والمراد به التوارثُ بالعهد، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ والمراد به: التوارث بالتبني، وزاد شيئين آخرين:
الأول: الهجرةُ، فكان المهاجر يرثُ من المهاجر، وإن كان أجنبيًّا عنه، إذا كان بينهما مخالطة، وود، ولا يرثه غير المهاجر، وإن كان من أقاربه.
والثاني: المؤاخاةُ كان رسول الله - ﷺ - يؤاخي بين كل اثنين من الرجال، وكان ذلك سببًا للتوارث، ثم نسخ التوارثُ بهذين السببين بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. ثم استقر الأمر بعد نزول أحكام الفرائض على أن أسباب الإرث ثلاثة: النسب، والنكاح، والولاء.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ مناسبتها لما قبلها (١): لما بين الله سبحانه وتعالى حدوده التي حدها لعباده، قَسَمَ الناس إلى عامل بها، مطيع، وإلى غير عامل بها، عاص، وبدأ بالمطيع؛ لأن الغالبَ على مَنْ كان مؤمنًا بالله تعالى الطاعة، إذ السورة مفتتحة بخطاب الناس عامةً، ثم أردف بخطاب من يتصف بالإيمان إلى آخر المواريث، وبدأ بالمطيع؛ لأن قسم الخير ينبغي أن يبتدأ
(١) البحر المحيط.
به، وأن يعتنَى بتقديمه، وحَمَل أوَّلًا على لفظ ﴿من﴾ في قوله: ﴿يُطِعِ﴾ و ﴿يُدْخِلْهُ﴾ فأفرد، ثم حملَ على المعنى في قوله: ﴿خالدين﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾، مناسبتها لما قبلها: لمَّا ذكر ثَوابَ مراعي الحدود.. ذَكَرَ عقابَ من يتعداها، وغلظ في قسم المعاصي، ولم يكتف بالعصيان بل أكَّدَ ذلك بقوله: ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ وناسب الختم بالعذاب المهين؛ لأن العاصيَ المتعدي للحدود؛ برز في صورة من اغترَّ، وتجاسرَ على معصية الله تعالى، وقد تقل المبالاة بالشدائد، ما لم ينضمَّ إليها الهوانُ، ولهذا قالوا: المنية ولا الدنيَّةُ.
قيل: وأفرد خالدًا هنا، وجمع في خالدين فيها؛ لأن أهلَ الطاعةِ، أهل الشفاعة، وإذا اشفع في غيره دخلها، والعاصي لا يدخل النار به غيره، فبقي وحيدًا.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ...﴾ الآية، سبب (١) نزولها: ما أخرجه الأئمة الستة وغيرُهم عن جابر بن عبد الله، قال: عادني رسول الله - ﷺ - وأبو بكر في بني سلمة، مَاشِيينْ فوجدني النبي - ﷺ - لا أعقل شيئًا، فدعا بماءٍ فتوضأ، ثم رش علي فأفقت، فقلتُ ما تأمرني أن أصنع في مالي؟ فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
وللآيةِ سببٌ آخر: وهو ما أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم عن جابر - رضي الله عنه - قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في أحد شهيدًا، وأن عمهما أخَذَ مالهما، فلم يَدَعْ لهما مالًا، ولا تنكحَان إلا ولهما
(١) لباب النقول.
مالٌ، فقال: يقضي الله في ذلك، فنزلت آية الميراث ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآيةَ، فأرسل رسول الله - ﷺ - إلى عمهما، فقال: أعط بنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمنَ، وما بقي فهو لك، قالوا وهذه أول تركة قسِمَتْ في الإِسلام.
وقصة جابر أصح؛ لأنها متفق عليها، وأما قصة بنات سعد بن الربيع ففيها عبدُ الله بن محمَّد بن عقيل، وهو صدوق ضعيفُ الحفظ على أنه لا تنافيَ بين القصتين، فيحتمل أنها نزلت فيهما معًا.
قال الحافظ بن حجر في "الفتح": تمسَّك بهذا الحديث الأخير مَنْ قال: إن الآية نَزلت في قصة ابنتي سعد، ولم تنزل في قصة جابر خصوصًا أنَّ جابرًا لم يكن له يومئذ ولد، قال الحافظ: والجواب أنها نزلت في الأمرين معًا، ويحتمل أن يكون: نزولُ أولها في قصة البنتين، وآخرها، وهو قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ في قصة جابر، ويكون مراد جابر بقوله: فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾؛ أي: ذكر الكلالة المتصلُ بهذه الآية، والله أعلم. انتهى.
وأقولُ في كلام الحافظ رحمه الله: نظر، فإنَّ قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ في ميراث الإخوة لأم، فالأَوْلى أن يقال: لا مانع من نزول الآية في الأمرين معًا كما قرره هو قبل، والله أعلم.
وقد ورد (١) في الآية سببُ ثالثٌ : وهو ما أخرجه ابن جرير، عن السدي قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواريَ ولا الضعفاء من الغلمان، لا يرث الرجلَ منْ ولده إلا من أطاق القتالَ، فمات عبد الرحمن أخو حسَّان الشاعر، وترك امرأة يقال لها: أم كحلة، وخمسَ بنات، فجاء الورثة يأخذون مالَه، فشكَتْ أمَّ كحلة ذلك إلى النبيِّ - ﷺ - فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ ثم قال في أمّ كحلةَ ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾.
(١) لباب النقول.
فصول في فضل علم الفرائض وذكر نبذة من أحكامه
وقبل الشروع في تفسير هذه الآيات الكريمة، نقدم فصولًا تتضمن أحكامَ الفرائض، وأصولَ قواعدها.
الفصل الأول: في فضله والحث على تعلمه وتعليمه
اعلم أن علم الفرائض من أعظم العلوم قدرًا، وأشرفها ذخرًا، وأفضلها ذكرًا، وهي ركن من أركان الشريعة، وفرع من فروعها في الحقيقة، اشتغل الصدر الأول من الصحابة بتحصيلها، وتكلموا في فروعها، وأصولها، ويكفي في فضلها أن الله عَزَّ وَجَلَّ تَولَّى قسمتَها بنفسه، وأنزلها في كتابه مبينةً من فوق سمواته، وقد حث رسول الله - ﷺ - على تعليمها فيما رواه أبو هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "تعلموا الفرائضَ والقرآنَ، وعلموا الناسَ، فإني مقبوض" أخرجه الترمذي، وقال: فيه اضطراب، وأخرجه أحمد بن حنبل، وزاد فيه "فإني امرؤ مقبوض" والعلمُ مرفوع، ويوشك أن يختلف اثنان في الفريضة فلا يَجدَانِ أحدًا يخبرهما". وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "تعلموا الفرائض وعلّموها، فإنه نصف العلم، وهو أول علم يُنْسَى، وهو أول شيء يُنْزَعُ من أمتي". أخرجه ابن ماجه والداقطني.
الفصل الثاني: في بيان الورثة وأقسامها
إذا مات الميت، وله مال يبدأ بتجهيزه من ماله، ثم تُقضى ديونه، إن كان عليه دين، ثم تنفَّذ وصايَاه، وما فَضَل بعد ذلك من ماله يقسم بين ورثته. والوارثون من الرجال عشرة بالاختصار، الابن وابن الابن، وإن سفل، والأب، والجد وإن علا، والأخ سواء كان لأب وأم، أو لأب فقط، أو لأم فقط، وابن الأخ للأب والأم، أو للأب وإن سفل، والعم للأب والأم، أو للأب فقط، وابناهما، وإن سفلوا، والزوج، والمعتق.
والوارثات من النساء سبع بالاختصار: البنت، وبنت الابن وإن سفلت، والأم والجدة وإن علت، والأخت من كل الجهات، والزوجة، والمعتقة.
وستة من هؤلاء لا يلحقهم حجب الحرمان بالغير، وهم: الأبوان، والولدان، والزوجان، لأنه ليس بينهم، وبين الميت واسطة.
ثم الورثة ثلاثة أصناف: صنف يرث بالفرض فقط، وهم الزوجان، والبنات، والأخوات، والأمهات، والجدات، وأولاد الأم، وصنف يرث بالتعصيب فقط، وهم البنون والإخوة الأشقاء أو لأب وبنوهم والأعمام وبنوهم وصنف يرث بالتعصيب تارة وبالفرض أخرى وهما الأب والجد، فيرث بالتعصيب إذا لم يكن للميت ولد، فإن كان له ابن، ورث الأب بالفرض السدس، وإن كانت بنت ورث السدس بالفرض، وأخذ الباقيَ بالتعصيب والعصبة: هو من يأخذ جميع المال إذا انفرد، ويأحذ ما فَضَل عن أصحاب الفروض إذا كان معهم.
الفصل الثالث: في أسباب الإرث وموانعه
وأسباب الإرث ثلاثة: نسب، ونكاح، وولاء، فالنسب القرابةُ يرث بعضهم بعضًا، والنكاح هو أن يرث أحد الزوجين من صاحبه بسبب النكاح، والولاء هو أن المعتقَ وعصباته يرثون المعتقَ.
والأسباب التي تمنع الإرث أربعة:
الأول: اختلاف الدين، فالكافر لا يرث المسلم، والمسلم لا يرث الكافر؛ لما روي عن أسامة بن زيد - رضي الله عنه - أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم". أخرجاه في "الصحيحين". فأما الكفار فيرث بعضهم بعضًا مع اختلاف مللهم، وأديانهم؛ لأن الكفر كله ملة واحدة، وذهب بعضهم إلى أن اختلاف الملل والكفر يمنع التوارث أيضًا، حتى لا يرث اليهودي من النصراني، ولا النصراني من المجوسي، وإلى هذا ذهب الزهري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، لما روي عن جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا توارث بين أهل ملتين". أخرجه الترمذي، وقال حديث غريب.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن رسول الله - ﷺ -
قال: "لا يتوارث أهل ملتين شتى". أخرجه أبو داود، وحمله الآخرون على الإِسلام والكفر؛ لأن الكفر عندهم ملة واحدة، فتوريث بعضهم من بعض لا يكون فيه إثبات التوارث بين ملتين شتى.
والثاني: الرق، فإنه يمنع الإرث، لأن الرقيق ملك، ولا ملك له، فلا يرث، ولا يورث.
والثالث: القتل، فإنه يمنع الإرث مطلقًا محمدًا كان القتل، أو خطأً؛ لما روي عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "القاتل لا يرث". أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث لا يصح، والذي العمل عليه عند أهل العلم أن القاتل لا يرث، سواءً كان القتل عمدًا أو خطأً. وقال بعضهم: إذا كان القتل خطأً. فإنه يرث، وهو قول مالك.
والرابع: إبهام الموت، وهو أن يخفى موت المتوارثين، وذلك بأن غرقا أو انهدم عليهما بناء، فلم يدر أيهما سبق موته، فلا يرث أحدهما الآخر، بل يكون إرث كل واحد منهما لمن كانت حياته يقينًا بعد موته من ورثته.
الفصل الرابع: في بيان الفروض وأهلها
والسهام المقدرة في المواريث المذكورة في كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ ستة: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس:
فالنصف: فرض الزوج عند عدم الولد الوارث، وفرض البنت الواحدة للصلب، أو بنت الابن عند عدم بنت الصلب، وفرض الأخت الواحدة للأب والأم، وفرض الأخت الواحدة للأب إذا لم يكن ولد لأب وأم.
والربع: فرض الزوج مع الولد، وفرض الزوجة مع عدم الولد.
والثمن: فرض الزوجة مع الولد.
والثلثان: فرض البنتين فصاعدًا، أو بنات الابن عند عدم بنات الصلب، وفرض الأختين فصاعدًا للأب والأم، أو للأب.
والثلث: فرض ثلاثة: فرض الأم إذا لم يكن للميت ولد، ولا اثنان من لإخوة والأخوات إلا في مسألتين: تسمى بالغراوين: إحداهما زوج، وأبوان، والأخرى: زوجة وأبوان، فإن للأم فيهما ثلث الباقي بعد نصيب الزوج، أو الزوجة، وفرض الاثنين فصاعدًا من أولاد الأم ذكرهم وأنثاهم فيه سواء، وفرض الجد مع الإخوة إذا لم يكن في المسألة صاحب فرض، وكان الثلث خيرًا له من المقاسمة مع الإخوة.
والسدس: فرض سبعة: فرض الأب إذا كان للميت ولد، وفرض الأم إذا كان للميت ولد، أو ولد ابن أو اثنان من الإخوة، والأخوات، وفرض الجد إذا كان للميت ولد، ومع الإخوة إذا كان في المسألة صاحب فرض، وكان السدس خيرًا له من المقاسمة مع الإخوة، وفرض الجدة والجدات، وفرض الواحد من أولاد الأم ذكرًا كان أو أنثى، وفرض بنات الابن مع بنت الصلب تكملةَ الثلثين، وفرض الأخوات للأب مع الأخت للأب والأم تكملةَ الثلثين.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله - ﷺ -: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر". متفق عليه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان المال للولد، والوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فَجَعَلَ للذكر مثل حظ الأثنيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما: السدس، أو الثلث، وجعل للمرأة الثمن، أو الربع، وللزوج الشطر أو الربع، رواه البخاري.
الفصل الخامس: في الحجب
روي عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: ولَدُ الأبناء بمنزلة الأبناء، إذا لم يكن دونه ابن، ذكرهم كذكرهم، وأنثاهم كأنثاهم، يرثون ويَحجبون كما يَحجبون، ولا يرث ولد ابن مع ابن ذكر، فإن ترك بنتًا، وابن ابن.. كان للبنت النصف، ولابن الابن ما بقي لقوله - ﷺ -: "ألحقوا الفرائضَ بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر". ففي هذا الحديث دلالة على أن بعض الورثة يحجب البعض،
والعجيب قسمان: حجبُ نقصان، وحجبُ حرمان:
أمَّا الأول: وهو حجب النقصان: فهو أن الولد وولد الابن يحجب الزوجَ من النصف إلى الربع، والزوجةَ من الربع إلى الثمن، والأم من الثلث إلى السدس، وكذلك الاثنان من الإخوة والأخوات يحجبون الأم من الثلث إلى السدس.
وأما الثاني: وهو حجب الحرمان. فهو أن الأم تسقط الجدات، وأولاد الأم، وهم الإخوة للأم يسقطون بأربعة: بالأب، والجد، وإن علا، وبالولد، وولد الابن، وأولاد الأب والأم، وهم الإخوة للأب والأم يسقطون بثلاثة: بالأب، والابن، وابن الابن وإن سفلوا، ولا يسقطون بالجد على مذهب زيد بن ثابت، وهو قول عمر، وعثمان، وعلي وابن مسعود، وبه قال مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد وأولاد الأب يسقطون بهؤلاء الثلاثة، وبالأخ للأب والأم. وذهب قوم إلى أن الإخوة يسقطون جميعًا بالجد كما يسقطون بالأب، وهو قول أبي بكر الصديق، وابن عباس، ومعاذ، وأبي الدرداء، وعائشة، وبه قال الحسن، وعطاء، وطاووس، وأبو حنيفة.
الفصل السادس: في العصبات
والأقرب من العصبات يسقط الأبعدَ منهم، فأقربُهم الابن، ثم ابن الابن، وإن سفل، ثم الأب، ثم الجد، وإن علا، فإن كان مع الجد أحد من الإخوة، والأخوات للأب والأم أو للأب يشتركان في الميراث، فإن لم يكن جد فللأخ للأب والأم، ثم الأخ للأب، ثم بنوا الأخوة يقدم أقربهم، سواء كان لأب وأم، أو لأب، فإن استويا في الدرجة، فالذي هو لأب وأم أولى، ثم العم لأب، وأم، ثم لأب ثم بنوهم على ترتيب بني الإخوة، ثم عم الأب، ثم عم الجد على الترتيب السابق في الإخوة، فإن لم يكن أحد من عصبات النسب، وعلى الميت ولاء، فالميراث للمعتق، فإن لم يكن حيًّا فلعصبات المعتق، وأربعة من الذكور يعصبون الإناث: الابن، وابن الابن، والأخ للأب والأم، والأخ للأب، فلو مات عن ابن، وبنت، أو عن أخ، وأخت لأب وأم، أو لأب، يكون المال
بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا يفرض للبنت والأخت وكذلك ابن الابن يعصب من في درجته الإناث، ومن فوقه إذا لم يأخذ من الثلثين شيئًا حتى لو مات عن بنتين وبنت ابن، فللبنتين الثلثان، ولا شيءَ لبنت الابن، فإن كان في درجتها ابن ابن، أو أسفل منها ابن ابن ابن كان الباقي بينهما للذكر مثل حظ الأثنيين، والأخت للأب والأم، أو للأب تكون مع البنت عصبة حتى لو مات عن بنت وأخت كان للبنت النصف، والباقي: وهو النصف للأخت، ولو مات عن بنتين، وأخت، كان للبنتين الثلثان، والباقي للأخت.
ويدل على ذلك ما روي عن هذيل بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى عن بنت، وبنت ابن، وأخت، فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف، وأتت بنت الابن ابن مسعود، فسئل ابن مسعود، وأخبر بقول أبي موسى فقال ابن مسعود: لقد ضللت وما أنا من المهتدين، ثم قال: أقضى فيها بقضاء رسول الله - ﷺ - للبنت النصف، ولبنت الابن السدس. تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت فأخبر أبو موسى بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم. أخرجه البخاري.
التفسير وأوجه القراءة
١١ - ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ وهذا شروع في تفصيل أحكام المواريث المجملة في قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ الخ، وإنما بَدَأَ الله سبحانه وتعالى بإرث الأولاد، لأنهم أقرب الورثة إلى الميت، وأكثر بقاء بعد المورث؛ ولأن تعلق قلب الإنسان بولده أشد من تعلقه بغيره. والخطاب فيه للمؤمنين، وقرأ ابن أبي عبلة، والحسن ﴿يوصيكم﴾ بالتشديد، والوصية ما تعهد به إلى غيرك من العمل، كما تقول: أوصيت المعلم أن يراقب آدابَ الصبي، ويؤدبه على ما يسيء فيه، وهي في الحقيقة: أمر له بعمل ما عهد إليه به.
والمعنى: يأمركم الله سبحانه وتعالى ﴿فِي﴾ إرث ﴿أَوْلَادِكُمْ﴾ الوارثين الذكور والإناث كبارًا كانوا أو صغارًا مما تتركونه من أموالكم، بأن يُعْطَى ﴿لِلذَّكَرِ﴾ الواحد منهم ﴿مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؛ أي: قَدْرُ نصيب اثنتين من إناثهم، إذا كانوا ذكورًا وإناثًا، واختير هذا التعبيرُ، ولم يقل: للأنثى نصف حظ الذكر،
إيماء إلى أنَّ إرثَ الأنثى كأنه مقرر معروف، وللذكر مثله مرتين، وإشارةً إلى إبطال ما كانت عليه العرب في الجاهلية من منع توريث النساء.
والحكمة في جعل حظ الذكر كحظ الأنثيين: أن الذكر يحتاج إلى الإنفاق على نفسه، وعلى زوجه فجُعل له سهمان، وأما الأنثى فهي تنفق على نفسها، فحسب، وإن تزوجت كانت نفقتها على زوجها، ويدخل في عموم الأولاد:
١ - الكافرُ لكن السنة بينت أن اختلاف الدين مانعٌ من الإرثِ، قال - ﷺ -: "لا يتوارث أهل ملتين" كما مر.
٢ - والقاتل عمدًا لأحد أبويه مثلًا، ويخرج بالسنة والإجماع.
٣ - والرقيق، وقد ثبت منعه بالإجماع؛ لأن المملوك لا يملك بل كل ما يصل إلى يده من المال، فهو ملك لسيده، ومالكه فلو أعطيناه من التركة شيئًا، كنا معطين ذلك للسيد فيكون هو الوارث بالفعل.
٤ - والميراث من النبي - ﷺ - فقد استثني بحديث "نحن معاشر الأنبياء لا نورث".
ولا خلاف في أن ولد الولد يقوم مقامه عند فقده، أو عدم إرثه لمانع كقتل مورّثه، قال شاعرهم:
بَنُونَا بَنُوْ أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا بَنُوْهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ
فإذا خلف الميت ذكرًا واحدًا وأنثى واحدةً فللذكر سهمان، وللأنثى سهم، وإذا كان الوارث جماعةً من المذكور وجماعةً من الإناث كان لكل ذكر سهمان، ولكل أنثى سهم.
وإذا كان مع الأولاد أبوان وأحد الزوجين، فالباقي بعد سهام الأبوين، وأحد الزوجين بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين.
﴿فَإِنْ كُنَّ﴾؛ أي: فإن كانت البنات المتروكات من الأولاد ﴿نِسَاءً﴾؛ أي: إناثًا خلصا ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾؛ أي: بنتَيْنِ فأكثر مهما بَلَغ عددُهن ﴿فَلَهُنَّ﴾؛ أي:
فلتلك البنات سواءً كانت ثنتينِ فأكثر ﴿ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾؛ أي: ثلثا ما ترك والدُهن المتوفَّى أو والدتُهن.
وأجمعت (١) الأمة على أن للبنتين الثلثين إلا ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه ذهبَ إلى ظاهر الآية، وقال الثلثان فرض الثلاث من البنات؛ لأن الله تعالى قال ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ فجعل الثلثين للنساء إذا زدن على الثنتين، وعنده أن فرض الثنتين النصف كفرض الواحدة، وأجيب عنه بأجوبة فيها حجة لمذهب الجمهور كما ذكروها:
منها: أن في الآية تقديمًا وتأخيرًا، والتقدير فإن كن نساءً اثنتين فما فوقهما فلهن الثلثان.
ومنها: أن الجمع يطلق على ما فوق الواحد؛ لأنَّ العرب تطلق الجمع على الاثنين كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾.
ومنها: أن لفظةَ فوق صلَةُ هنا، والتقدير: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ اثنتين.
﴿وَإِنْ كَانَتْ﴾ المولودة الوارثةُ بنتًا ﴿وَاحِدَةً﴾؛ أي: منفردةً ليس معها أخ، ولا أختَ ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾ مما ترك الوالد الميتُ أو الوالدة، والباقي لسائر الورثة بحسب الاستحقاق كما يعلم من أحكام المواريث.
وخلاصة ذلك: أنه إذا كان الأولاد ذكورًا وإناثًا كان للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن كان المولود أنثى واحدةً. كان لها النصفُ، وإن كن ثنتين أو ثلاثًا فصاعدًا. كان لهن الثلثان. وقد عُلم من ذلك أنَّ البنات لا يستغرق فرضهن التركةَ، والولد الذكر إذا انفرد. يأخذ التركة كلَّها، وإذا كان معه أخ له فأكثرُ.. كانت قسمة التركة بينهما، أو بينهم بالمساواة.
قرأ الجمهور (٢) ﴿وَاحِدَةً﴾ بالنصب على أنه خبر ﴿كان﴾؛ أي: وإن كانت هي؛ أي: البنت فذةً ليس معها أخرى، وقرأ نافع ﴿واحدة﴾ بالرفع على أن كان تامة، ﴿وواحدة﴾ فاعلها، وقرأ السلمي النصف بضم النون، وهي قراءةٌ علي وزيد في جميع القرآن.
(١) الخازن.
(٢) البحر المحيط.
ولما فرغ الله سبحانه وتعالى من ذكر الفروع، ومقدار ما يرثون أخَذَ في ذكر الأصول، ومقدارِ ما يرثون، فقال: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾؛ أي: ولأبوي الميت وقوله: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ بدل منه بتكرير العامل، وفائدته (١): التنصيص على استحقاق كل واحد منهما السدسَ والتفصيل بعد الإجمال تأكيد، وأبواه هما أبوه وأمه وغلَّب لفظَ الأب في التثنية كما قيل: القمران، فغلب القمر لتذكيره على الشمس؛ أي: لكل واحد من الأبوين ﴿السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ الميت على السواء في هذه الفريضة، ﴿إِنْ كَانَ لَهُ﴾؛ أي: لهذا الميت ﴿وَلَدٌ﴾ ذكر أو أنثى واحد، أو أكثر، والباقي بعد هذا الثلث أعني سدسيهما يقتسمه الأولاد؛ أي: فإن كان مع الأبوين ولد ذكر، فأكثر أو بنتان فأكثر، فلكل واحد من الأب والأم السدس، وإن كان مَعهما بنت.. فلها النصف، وللأم السدس، وللأب السدس بحكم هذه الآية، والسدس الباقي للأب أيضًا بحكم التعصيب.
﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ﴾؛ أي: للميت ﴿وَلَدٌ﴾ ولا ولد ولد ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فرضًا لها، والباقي للأب كما هو معلوم من انحصار الإرث، فيأخذ السدسَ بالفريضة، والنصفَ بالتعصيب، وإذا انفرد أخذ كل المال كما هو شأنُ العصبة، وإذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين، فللأم ثُلُثُ ما يبقى بعد فرضه، والباقي للأب وتسمى هذه المسألة الغراوين، وقد أشار إليها صاحبُ "الرحبية":
وَإِنْ يَكُنْ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأَبُ فَثُلُثُ الْبَاقِيْ لَهَا مُرَتَّبُ
وهَكَذَا مَعْ زَوْجَةٍ فَصَاعِدَا فَلاَ تَكُنْ عَنِ الْعُلُوْمِ قَاعِدَا
وثلث الباقي في الحقيقة إما ربعٌ أو سدسٌ، وقد انعقد الإجماعُ على ذلك إلا ما شَذَّ عن ابن عباس فإنه قال: يأخذ الزوجُ نصيبه، وتأخذ الأم ثُلُثَ التركة كلَّها، ويأخذ الأب ما بقي، وقال: لا أجدُ في كتاب الله ثلثَ الباقي، والسر في تساوي الوالدين في الميراث مع وجود الأولاد الإشارة إلى وجوب احترامهما على السواء.
(١) الخازن.
والحكمة في أن حظ الوالدين من الإرث أقل من حظ الأولاد مع عظم حقهما على الولد: أنهما يكونان في الغالب أقل حاجة إلى المال من الأولاد، إما لكبرهما، وإما لتموُلهما، وإما لوجود من تَجِبَ عليه نفقتهما من أولادهما الأحياء، وأما الأولاد فإما أن يكونوا صغارًا لا يقدرون على الكسب، وإما أن يكونوا على كبرهم محتاجينَ إلى نفقات كثيرة في الحياة، كالزواج، وتربية الأطفال، ونحو ذلك ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ﴾؛ أي: للميت مع أرث أبويه له ﴿إِخْوَةٌ﴾ اثنان فصاعدًا ذكور أو إناث أشقاء كانوا أو لأب أو لأم وارثين كانوا أو محجوبين بالأب ﴿فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ مما ترك والباقي للأب، ولا شيءُ للإخوة، وأما السدس الذي حجبوها عنه.. فهو للأب عند وجوده، ولهم عند عدمه.
والمعنى: أنه إن كان أب وأم وإخوة.. كان نصيبُ الأم السدسَ وحظها الإخوة من الثلث إلى السدس، وصار الأب يأخذ خمسةَ الأسداس كرجل مات عن أبوين وأخوين، فإن للأم السدس والباقي، وهو خمسةُ أسداس للأب، سدس بالفريضة، والباقي بالتعصيب، فكل جمع منهم يحَجب الأم من الثلث إلى السدس، ولا شيء لهم لكونهم محجوبين بالأب. قال صاحبُ "التلمسانية":
وَفِيْهِمُ فِيْ الْحَجْبِ أَمْرٌ عَجَبُ لِكَوْنِهِمْ قَدْ حَجَبُوْا وَحُجِبُوْا
وإنما حجب الإخوة الأمَّ من غير أن يرثوا مع الأب شيئًا؛ معونة للأب؛ لأنه يقوم بشأنهم، وينفق عليهم دون الأم، ولكن هذا يدلُّ على خستهم.
وعلم مما ذكر في مسألة الغراوين: أن (١) حقوقَ الزوجية في الإرث مقدمة على حقوق الوالدين؛ إذ أنهما يتقاسمان ما بقي بعد أخذ الزوج حصتَه، وسر هذا أن صلة الزوجية أشد وأقوى من صلة البنوة؛ ذاك أنهما يعيشان مجتمعينِ وجودُ كل منهما متمم لوجود الآخر، حتى كأنه نصف شخصه، وهما حينئذ منفصلان عن الوالدين أشد الانفصال؛ فبهذا كانت حقوق المعيشة بينهما آكد، ومن ثم جعل الشارع حق المرأة على الرجل في النفقة هو الحق الأولَ؛ فإذا لم يجد
(١) المراغي.
الرجلِ إلا رغيفَين سد رَمَقهُ بِأحَدِهِما، ووجب عليه أن يعطيَ الثانيَ لامرأته لا لأحد أبَويه، ولا لغيرهما من أقَارِبِه.
قرأ الجمهور (١): ﴿فَلِأُمِّهِ﴾ هنا في الموضعين، وفي قوله: ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ في الزخرف، وفي قوله: ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ في القصص، وفي قوله: ﴿مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ في النحل، والزمر، وفي قوله: ﴿فيِ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ في النور ﴿مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ في النجم بضم الهمزة من أم، وهو الأصل. وقرأ الأخوان - أعني الكسائيَ وحمزة - جميعَ ذلك بكسر الهمزة، وانفرد حمزة بزيادة كسر الميم من أمهات في الأماكن المذكورة، هذا كله في الدرج أما في الابتداء بهمزة الأم والأمهات، فإنه لا خلاف في ضمها، أما وجه قراءة الجمهور، فظاهر؛ لأنه الأصل كما تقدم.
وأما قراءة حمزة والكسائي بكسر الهمزة فقالوا: لمناسبة الكسرة، أو الياء، التي قبل الهمزة، فكسرت الهمزة إتباعًا لما قبلها، ولاستثقالهم الخروجَ من كسر أو شبهه إلى ضم، ولذلك إذا ابتدىء بالهمزة ضمَّاها لزوال الكسر، أو الياء، وأما كسرُ حمزةَ الميمَ من أمهات في المواضع المذكورة، فللإتباع، أتبع حركة الميم لحركة الهمزة، فكسرةُ الميم تبع التبع، ولذلك إذا ابتدىءَ بها ضمت الهمزة، وفَتح الميم لما تقدم من زوال موجب ذلك، وكسر همزةِ أم بعد الكسرة، أو الياء، حكاه سيبويه لغةً عن العرب، ونَسَبها الكسائي والفراءُ إلى هوازن، وهذيل اهـ "سمين".
وقرأ الحسن (٢) ونعيم بن ميسرة ﴿السدْس﴾ بسكون الدال، وكذلك قرأ ﴿الثلْث﴾ و ﴿الرْبع﴾ إلى العشر بالسكون، وهيَ لغةُ بني تميم، وربيعة، وقرأ الجمهور بالتحريك ضمًّا، وهي لغة أهل الحجاز، وبني أسد في جميعها.
وقد اختلف العلماء في الجد هل هو بمنزلة الأب فتسقط به الإخوة أم لا؟ فذهب أبو بكر الصديق إلى أنه بمنزلة الأب، ولم يخالفه أحدٌ من الصحابة في أيام خلافته، واختلفوا في ذلك بعد وفاته فقال بقول أبي بكر ابن عباس،
(١) الجمل.
(٢) الشوكاني.
وعبد الله بن الزبير، وعائشة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب وغيرهم. وذهب علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت، وابن مسعود، إلى توريث الجد مع الإخوة للأبوين، أو لأَب، ولا ينقصَ معهم من الثلث، ولا ينقص مع ذوي الفروض من السدس.
وأجمع العلماء على أن للجدة السَّدُسَ إذا لم يكن للميت أم، وأجمعوا على أنها ساقطة مع وجود الأم، وأجمعوا على أن الأبَ لا يُسقِطُ الجدةَ أم الأم، واختلفوا في توريث الجدة وابنها حي.
هذه الأنصباء المذكورة إنما تقسم للورثة ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ تنفيذ ﴿وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ الميت، وإخراجها من ثلث ما بقي بعد الدين ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾؛ أي: ومن بعد قضاء دين عليه إن كان، وأو هنا لمطلق الجمع بمعنى الواو، لا تفيد ترتيبًا؛ لأن الدين مقدم على الوصية، ولا بد هنا من تقدير محذوف كما يُعلم مما سيأتي، تقديره: حالةَ كونه غير مَضار للورثة بالوصية والدين؛ بأن كان في كل منهما مصلحة، وإنما قدمت الوصية على الدين في الذكر في الآية مع أن الدينَ مقدم عليها في الوفاء، كما قضى به رسول الله - ﷺ - فيما رواه علي كرم الله وجهه، وأخرجه عنه جماعة قال - أعني عليًّا -: إنكم تقرؤون الوصيةَ قبل الدين، وبدأ رسول الله - ﷺ - بالدين قبل الوصية للاهتمام بها؛ لأنها تؤخذ كالميراث بلا عوض، فيشق على الورثة إخراجها.
وأجمعت الأمة على تقديم الدين، والوصية على الإرث لهذه الآية، وإنما قدما على الإرث؛ لأنَّ الدينَ حق على الميت، والوصية حق له، وهما يتقدمان على حق الورثة.
وإنما عطف (١) الدينَ على الوصية، بـ ﴿أو﴾ دون الواو إشارة إلى أنهما متساويان في الوجوب متقدمان على قسمة التركة مجموعين، أو منفردين.
والحاصل: (٢) أن أول ما يخرج من التركة مؤونة تجهيزه، ثم الدين، حتى لو استغرق الدين جميعَ التركة.. لم يكن للورثة فيها حق، فأما إذا لم يكن دين
(١) المراغي.
(٢) المراح.
أو كان إلا أنه قضي، وفضل بعده شيء. فإن أوصى الميت بوصية أخرجت من ثلث ما فضل، ثم قسم الباقي ميراثًا على حكم فرائض الله تعالى.
وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر، عن عاصم ﴿يُوصِي﴾ بفتح الصاد، وقرأ نافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي بكسر الصاد. ثم أتى بجملة معترضة بين ذكر الوارثين، وأنصبائهم، وبين قوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ ولا تعلق لمعناها بمعنى الآية للتنبيه على جهل المرء بعواقب الأمور فقال: ﴿أَبْنَاؤُكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ﴾، ولا تعرفون ﴿أَيُّهُمْ﴾؛ أي: أي الفريقين ﴿أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ وأكثر لكم فائدةً في الدنيا بالإحسان إليكم، وفي الآخرة في الدعاء لكم، والصدقة عنكم كما في الحديث الصحيح، "أو ولد صالح يدعو له"؛ أي: إنكم لا تدرون أي الفريقين أقرب لكم نفعًا هل هم أباؤكم أو أبناؤكم، فمنكم فريق ظان أن ابنَه أنفع له، فيعطيه، فيكون الأب أنفع له في نفس الأمر، ومنكم فريق ظان، ومعتقد أن أباه أنفع له، فيعطيه الميراثَ وحدَه مع كون ابنه في نفس الأمر أنفع له، فلا تتبعوا في قسمة التركة ما كان يتعارفه أهل الجاهلية من إعطائها للأقوياء، الذين يحاربون الأعداء، وحرمان الأطفال، والنساء؛ لأنهم من الضعفاء، بل اتبعوا ما أمركم الله به، فهو أعلم منكم بما هو أقرب لكم نفعًا مما تقوم به في الدنيا مصالحكم، وتعظم به في الآخرة أجوركم، روى الطبراني؛ أن أحد المتوالدين إذا كان أرفعَ درجةً من الآخر في الجنة... سأل أن يرفع الآخر إليه، فيرفع بشفاعته.
﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: فرَضَ الله سبحانه وتعالى ما ذكر من الأحكام ﴿فَرِيضَةً﴾ لا هوادة أي لا مسامحة في وجوب العمل بها، وفي هذا إشارة إلى وجوب الانقياد، لهذه القسمة التي قدرها الشرع، وقضى بها.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿كَانَ عَلِيمًا﴾ بالمصالح، والرتب ﴿حَكِيمًا﴾ في كل ما قضى وقدر؛ أي: لم يزل متصفًا بذلك. قال ابن عباس (١) إن الله ليشفع
(١) المراح.
المؤمنين بعضَهم في بعض، فأطوعكم لله تعالى من الأبناءِ، والآباءِ أرفعكم درجةً في الجنة، وإن كان الوالد أرفعَ درجةً في الجنة من ولده، رفع الله إليه ولده بمسألته؛ لتقر بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجةً في الجنة من والديه، رفع الله إليه والديه، ولذا قال تعالى: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾؛ لأن أحد المتوالدَين لا يعرف أنَّ انْتِفَاعَه في الجنة بهذا أكثر أم بذلك.
وقيل (١): معناه كانَ عليمًا بخلقه قبل أن يخلقهم، حكيمًا حيث فرض للصغار مع الكبار، ولم يخص الكبارَ بالميراث، كما كانت العرب تفعل.
١٢ - وبعد أن بين الله سبحانه وتعالى فرائض الأولاد، والوالدين، وقدم الأهمَ منهما من حيث حاجته إلى الأموال المتروكة، وهم الأولاد ذكر هنا فرائض الزوجين، فقال: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾؛ أي: ولكم أيها المؤمنون نصف ما تركته زوجاتكم من المال ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ﴾؛ أي: لتلك الزوجات ﴿وَلَدٌ﴾ سواءُ أكان منكم أم من غيركم، ولو من زنا، فإن ولد الزنا ينسب لأمه، وسواء أكان ذكرًا أم أنثى، وسواءٌ أكان واحدًا أم أكثر، وسواء أكان من بطنها، أو صلب بنيها، أو بني بنيها، وباقي التركة لأولادها، ووالديها على ما بينه الله في الآية السالفة، ولا يشترط في الزوجة أن تكون مدخولًا بها، بل يكفي مجرد العقد ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ وارث واحد، أو متعدد ﴿فَلَكُمُ﴾ أيها الأزواج ﴿الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾؛ أي: مما تركته الزوجات من المال، والباقي من التركة للأقرب إليها من ذوي الفروض والعصبات، أو ذوي الأرحام، أو لبيت المال، إن لم يكن وارث آخر.
واعلم: أنه لما جعل الله سبحانه وتعالى في الموجب النسبي حظ الرجل مثلَ حظ الأنثيين، جعل الله في الموجب السببي للرجل مثلَ حظ الأنثيين ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾؛ أي: هذه الأنصباء إنما تدفع لكم أيها الأزواج في الحالين من بعد تنفيذ وصية يوصين الزوجات بها غير مضارات بها،
(١) الخازن.
ومن بعد قضاء دين عليهن إن كان؛ إذ لا يأخذ الوارث شيئًا من التركة إلا ما فضل عنهما إن وجدا، أو وجد أحدهما، ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾؛ أي: وللزوجات الربع من المال الذي تركتموه أيها الأزواج ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ ذكر، أو أنثى واحد، أو متعدد منهن، أو من غيرهن على التفصيل السابق في أولادهن، فإن كانت واحدةً.. فلها هذا الربع وحدها، وإن كان له زوجان فأكثر.. اشتركتا أو شتركن فيه على طريق التساوي، والباقي يكون لبقية ورثتكم من أصحاب الفروض، والعصبات، أو ذوي الأرحام، أو لبيت المال إن لم يكن لكم وارث آخر أصلًا ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ﴾ أيها الأزواج ﴿وَلَدٌ﴾ وارث على التفصيل السابق، ولا فرق بين الولد، وولد الابن، وإن سفل في ذلك، وسواء كان الولد للرجل من الزوجة، أو من غيرها ﴿فَلَهُنَّ﴾؛ أي: لزوجاتكم ﴿الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ من الأموال، والباقي لبقية الورثة.
﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾؛ أي: هذه الأنصباء: إنما تدفع لأزواجكم من بعد تنفيذ وصية توصون بها، أيها الأزواج، حَالَ كونكم غير مضارينَ بها، وبعد قضاء دين عليكم إذا وجدا، أو وجد أحدهما.
وبهذا (١) تعلم أن فرَضَ الرجل بحق الزواج ضعف فرض المرأة كما في النسب، ولم يعط الله تعالى للزوجات في الميراث إلا مثل ما أعطى للزوجة الواحدة؛ لإرشادنا إلى أن الأصل الذي ينبغي أن نسيرَ عليه في الزوجية، أن تكون للرجل امرأة واحدةٌ، وإنما يباح الأكثر بشروط مضيقة، وأن التعدد من الأمور النادرة التي تدعو إليها الضرورة، فلم يراعها الشارع في الأحكام، إذ الأحكام إنما توضع للأصل الذي عليه العمل، والنادرُ لا حكمَ له. وبعد أن بين الله سبحانه وتعالى حكمَ ميراثِ الأولاد، والوالدين، والأزواج ممن يتصل بالميت مباشرةً شرع يبين من يتصل به بالواسطة، وهو الكلالة فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ﴾ من أورث صفة رجل؛ أي: إن كان الميت المورث
(١) المراغي.
﴿كَلَالَةً﴾ خبر كان، أو يورث خبره و ﴿كَلَالَةً﴾ حال من الضمير فيه؛ أي: مكللا مكتنفا محاطًا بحواشي النسب، متجردًا خاليًا عن أصوله، وفروعه، وذلك بأن كان له أخ أو أخت، وليس له ولد، ولا والد.
و ﴿الكلالة﴾ لغةً: الإحاطة، ومنه الإكليل لإحاطته بالرأس، وسمي من عدا الوالد، والولد بالكلالة؛ لأنهم كالدائرة المحيطة بالإنسان، وكالإكليل المحيط برأسه، أما قرابة الولادة. ففيها يتفرع بعض من بعض كالشيء الذي يتزايد على نسق واحد، ﴿أَوِ﴾ كانت ﴿امْرَأَةٌ﴾ تورث ﴿كَلَالَةً﴾ ﴿وَلَهُ﴾؛ أي: لذلك الرجل الموروث ﴿كَلَالَةً﴾ أو للمرأة الموروثة ﴿كَلَالَةً﴾ ﴿أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ من أم؛ لأن الأخوين من العصبة سيأتي حكمهما في آخر السورة ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ الخ، ويشهد لهذا المعنى قراءة أبي وسعد بن أبي وقاص ﴿وله أخ أو أخت من أم﴾ وإنما استشهدنا بهذه القراءة مع كونها شاذةً؛ لأنها بمنزلة رواية الآحاد، ورواية الآحاد يستدل بها؛ لأنها منقولة عن النبي - ﷺ - ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾؛ أي: فلكل من الأخ، والأخت المذكورين ﴿السُّدُسُ﴾ من غير تفضيل للذكر على الأنثى، لأنه لا تعصيب فيمن أدلوا به، وهي الأم ﴿فَإِنْ كَانُوا﴾؛ أي: فإن كان من يرث من الإخوة للأم ﴿أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾؛ أي: من الواحد ﴿فَهُمْ﴾؛ أي: الزائدون على الواحد، كيفما كانوا ﴿شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ فالذكر والأنثى فيه سواء، والباقي لبقية الورثة من أصحاب الفروض والعصبات.
وقرأ (١) الجمهور ﴿يُورَثُ﴾ بفتح الراء مبنيا للمفعول من أورثَ مبنيًّا للمفعول، وقرأ الحسن بكسرها مبنيًّا للفاعل من أورث أيضًا، وقرأ أبو رجاء، والحسن أيضًا، والأعمش بكسر الراء وتشديدها من ورث.
﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا﴾؛ أي: هذه الأنصباء المذكورة للإخوة من الأم، إنما تدفع لهم من بعد تنفيذ وصية يوصي بها الميت حالةَ كونه غير مدخل بها الضرر على ورثته؛ بأن يوصيَ بأكثر من الثلث، أو يوصي بالثلث لغرض
(١) البحر المحيط.
تنقيص حقوق الورثة ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾؛ أي: ومن بعد قضاء دين عليه، إن كان حالةَ كونه ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ به؛ أي: غير مدخل الضرر على الورثةِ بذلك الدين؛ بأن يقر على نفسه بدين لا حقيقةَ له لحرمان الورثة.
والحاصل (١): أن الضرار في الوصية، والدين يقع على وجوه:
الأول: أن يوصي بأكثر من الثلث، وهو لا يصح، ولا ينفذ، وعن ابن عباس: إنّ الضِرَارَ فيها من الكبائر.
الثاني: أن يوصي بالثلث فما دونه، لا لغرض من القربة، والتصدق لوجه الله بل لغرض تنقيص حقوق الورثة.
الثالث: أن يقر بدين لأجنبي يستغرق المالَ كله، أو بعضَه، ولا يريد بذلك إلا مضارة الورثة، وكثيرًا ما يفعله المبغضون للورثة، ولا سيما إذا كانوا كلالةً، ومن ثم جاء ذكر هذا القيد ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ في وصية ميراث الكلالة؛ لأن القصد إلى مضارة الوالدَين، أو الأولاد، وكذا الأزواج نادرٌ.
الرابع. أن يقر بأن الدينَ الذي كان له على فلان، قد استوفاه، ووَصَلَ إليه.
الخامس: أن يبيع شيئًا بثمن بخس، أو يشتري شيئًا بثمن غال.
والمعنى: تدفع الأنصباء لأصحابها بعد إخراج وصية، وقضاء دين لم يحصل بهما ضرر للورثة، وإن حصل الضرر بهما، فلا اعتبار بهما. قال الشوكاني (٢): فما صَدَرَ من الإقرارات بالديون، أو الوصايا المنهي عنها له، أو التي لا مقصد لصاحِبِهَا إلا المضارةَ لورثته، فهو باطل مردود، لا ينفذ منه شيء لا الثلث ولا دونه، وإنما كرر الوصية أربعَ مرات لاختلاف الموصين، فالأول: الأولاد؛ والثاني: الزوجة، والثالث: الزوج، والرابع: الكلالة.
قال النخعي: قبض رسول الله - ﷺ - ولم يوص، وقبض أبو بكر، وقد وصى
(١) المراغي.
(٢) فتح القدير.
فإن أوصى الإنسان. فحسن، وإن لم يوص.. فحسن أيضًا، ومن الحسن أن ينظر الإنسان في قدر ما يخلف، ومن يخلف، ثم يجعل وصيته بحسب ذلك، فإن كان ماله قليلًا، وفي الورثة كثرة.. لم يوص، وإن كان في المال كثرة.. أوصى بحسب ماله، وبحسب حاجتهم بعده كثرةً وقلةً، وقد روي عن علي أنه قال: لأن أوصي بالخمس، أحب إلى من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع، أحب إلى من أن أوصي بالثلث.
وقرأ ابن كثير (١) وابن عامر وعاصم ﴿يُوصَى﴾ بفتح الصاد، وقرأ الباقون بكسرها، واختار الكسر أبو عبيد، وأبو حاتم؛ لأنه جرى ذكرُ الميت قبل هذا، قال الأخفش: وتصديق ذلك قوله ﴿يُوصِينَ﴾ و ﴿تُوصُونَ﴾ وقرأ الحسن ﴿غير مضار وصية﴾ بالإضافة، وفيه وجهان: أحدهما: تقديره: غير مضار أهل وصية، أو ذي وصية، فحذف المضاف، والثاني تقديره: غير مضار وقتَ وصية، فحذف، وهو من إضافة الصفة إلى الزمان، ويقرب من ذلك قولهم: هو فارس حرب؛ أي: فارس في الحرب، ذكره أبو البقاء ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: يوصيكم الله سبحانه وتعالى بذلك، ويأمركم به وصيةً منه عز وجل، فهي جديرة أن يعتنى بها، ويذعن للعمل بموجبها، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما ينفعكم، وبنياتِ الموصين منكم، ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعجل بعقوبتكم بمخالفة أحكامه، ولا بالجزاء على مخالفتها عسى أن تتوبوا؛ كما لا يبيح لكم أن تعجلوا بعقوبة من تبغضونه، فتضاروه في الوصية، كما لا يرضى لكم بحرمان النساءِ، والأطفال من الإرث. وفي هذا إشارة إلى أنه تعالى قد فرضها، وهو يعلم ما فيها من الخير، والمصلحة لنا، فمن الواجب أن نذعن لوصاياه، وفرائضه، ونعمل بما ينزلُ علينا من هدايته؛ كما لا ينبغي أن يغر الطامع في الاعتداء، وأكل الحقوق تمتع بعض المعتدين بما أكلوا بالباطل، فيظن أنهم بمنجاة من العذاب، فيتجرأ على مثل ما تجرؤوا عليه من الاعتداء، فإنه إمهال يقتضيه الحلم، لا إهمالُ من العجز، وعدم العلم.
(١) الشوكاني.
١٣ - ﴿تِلْكَ﴾ الأحكام المذكورة من شؤون الأيتام، وأحكام الأنكحة، وأحوال المواريث يعني من أول السورة إلى هنا ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ أي: أحكام الله سبحانه وتعالى التي حدها، وبينها، وشرَعَها لعباده، وسماها حُدَودًا؛ لكونها لا تجوز مجاوزتها، ولا يحل تعديها ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ويمتثلهما في جميع الأوامر، والنواهي التي منها قسمة المواريث ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ نصب على الظرفية عند الجمهور، وعلى المفعولية عِندَ الأخفش؛ أي: يسكنه بساتينَ ﴿تَجْرِي﴾ وتسيلُ ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي من تحت قصورِها، وأشجارِها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ من الماء واللبن، والخمر، والعسل ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حالٌ من الهاء في ﴿يُدْخِلْهُ﴾، وهي عائدة على مَنْ، وهو مفرد في اللفظ جمع في المعنى، فلهذا صح الوجهان؛ أي: حالةَ كونهم مقدرين - الخلود - في تلك الجنات، لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها ﴿وَذَلِكَ﴾؛ أي: دخولُ الجنة على وجه الخلود هو: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ والظفر الجسيم الذي: لا فوزَ وراءه، ولا يذكَرُ بجانبه الفوز بحظوظ الدنيا القصيرة المنغصة بالأكدار، والجنات التي تجري من تحتها الأنهار، نُؤَمن بها، ونعتقد أنها أرفع مما نَرى في هذه الدنيا، وليس لنَا أن نبحَثَ عن كيفيتها؛ لأنها من عالم الغيب.
واعلم: أن طاعةَ الله هي اتباع ما شرعه من الدين على لسان رسوله - ﷺ -، وطاعةُ الرسول هي اتباع ما جاءَ به من الدين عن ربه، فطاعته هي بعينها طاعة الله، كما قال في هذه السورة ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ فهو إنما يأمرنا بما يوحيه إليه اللهُ بما فيه منافع لنا في الدنيا والآخرة، وإنما ذَكَرَها مع طاعة الله للإشارة إلى أنَّ الإنسان لا يستغني بعقله، وعلمه عن الوحي، وأنه لا بُدّ له من هداية الدين؛ إذ لم يكن العقل وحده في عَصْر في العصور كافيًا لهداية أمة، ولا مرقيًّا لها بدون معرفة الدين، فاتباعُ الرسل، والعملُ بهديهم هو أساس كلّ مدنية، والارتقاء المعنويُّ هو الذي يَبْعَثُ على الارتقاء الماديّ، فالآداب، والفضائل التي هي أسس المدنيات تستند كلها إلى الدين، ولا يكفي فيها بناؤها على العلم والعقل
١٤ - ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ويخالفهما، ولو في بعض الأوامر؛ بأن لم يرض بما قَسَم الله ورسوله ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾؛ أي: يتجاوز أحكامه التي حدها
لعباده بالجور فيها، ولو في بعض النواهي، فالفرق بين العصيان، والتعدِّي: أن العصيان بترك المأمورات كقسمة المواريث، والتعدِّي بفعل المنهيات كالزنا ونحوه ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا﴾ عظيمةً هائلةً حالة كونهِ ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ لا يموتُ، ولا يخرج منها، والمراد بالخلود: طولُ المكث إن مات مسلمًا، وعلى حقيقته إن مات كافرًا ﴿وَلَهُ﴾؛ أي: لذلك العاصي المتعدي حدودَ الله مع عذاب الحريق الجسماني ﴿عَذَابٌ﴾ شديدٌ روحاني ﴿مُهِينٌ﴾ له أي ذو إهانة وإذلال له، فمعنى المهين: المذل له، وهو عذاب الروح، فللعصاة عذابان عذاب جسماني للبدن العاصي باعتباره، حيوانًا يتألم، وعذاب روحاني باعتباره إنسانًا يشعر بالكرامة، والشرف، ويتألم بالإهانة والخزي. وحكمة الإفراد في جانب العذاب بقوله: خالدًا: الإشارة إلى أنه كما يعذب بالنار، يعذب بالغربة، والوحشة، فإن له من العذاب ما يمنعه من الإنس، فكأنه وحيدٌ لا يجد لذةً الاجتماع بغيره، ولا أنسًا به، وحكمة الجمع في جانب النعيم، بقوله: ﴿خَالِدًا﴾ الإشارة إلى أنه كما ينعم بالجنة ينعم باجتماعه مع أحبائه فيها، ويزورهم، ويزورونه، ويتنعَّمُ بذلك الاجتماع.
وقرأ نافع وابن عامر (١): ﴿ندخله﴾ بنون العظمة، في الموضعين، والباقون بالياء.
واعلم (٢): أن تعديَ الحدود الموجب للخلود في النار، هو الإصرارُ على الذنب، وعدمُ التوبة عنه، فللمذنب حالتان:
الأولى: غلبة الباعث النفسي من الشهوة، أو الغضب على الإنسان حتى يغيبَ عن ذهنه الأمر الإلهي، فهو يقع في الذنب، وقلبه غائب عن الوعيد، لا يتذكره أو يتذكره ضعيفًا كأنه نور ضئيل، يلوح في ظلمة ذلك الباعث المتغلب، ثم لا يلبث أن يزولَ، أو يختفيَ حتى إذا سكنت الشهوة، أو سكن الغضب، وتذكر النهيَ والوعيدَ ندم، وتاب، ولام نفسَه أشد اللوم، ومثل هذا، جدير بالنجاة إذ هو من المسارعين إلى الجنة كما قال تعالى في: أوصافهم {وَلَمْ يُصِرُّوا
(١) المراح.
(٢) المراغي.
عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.
الثانية: أن يقدم المرء على الذنب جريئًا عليه، متعمدًا فعلَه، عالمًا بتحريمه مؤثرًا له على الطاعة لا يصرفه عنه تذكر النهي، والوعيد عليه، ومثل هذا أحاطَت به خطيئته، فآثر شهوتَه على طاعة الله ورسوله، فدخل في عموم قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ إذ من يصر على المعصية، عامدًا عالمًا بالنهي، والوعيد، لا يكون مؤمنًا بصدق الرسول، ولا مذعنًا لشرعه الذي تنال الرحمة والرضا بالتزامه، والعذاب والنكال بتعدي حدوده، فالإصرار على العصيان، وعدم استشعار الخوف، والندم لا يجتمعان في قلب المؤمن الإيمانَ الصحيحَ المصدِّق بوعد الله، ووعيده.
الإعراب
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يوصيكم﴾. ﴿لِلذَّكَرِ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِثْلُ﴾. مبتدأ مؤخر وهو مضاف. ﴿حَظِّ﴾ مضاف إليه وهو مضاف. ﴿الْأُنْثَيَيْنِ﴾ مضاف إليه، والجملة الإسمية في محل النصب مفعول ﴿يُوصِيكُمُ﴾. والمعنى: يأمركم الله بإعطاء مثل حظ الأنثيين للذكر الواحد، وقيل: الجملة مستأنفة.
﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾.
﴿فَإِنْ كُنَّ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة تفصيلية. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كُنَّ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم، بـ ﴿إن﴾ الشرطية مبني بسكون على النون المدغمة في نون الإناث لاتصاله بنون الإناث، ونون الإناث: في محل الرفع اسم ﴿كان﴾. ﴿نِسَاءً﴾ خبرها. ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿نساء﴾ تقديره: كائنات فوق اثنتين، وهذه الصفة (١) هي التي تحصل فائدة
(١) الجمل.
الخبر، ولو اقتصر عليه لم تحصل فائدة. ﴿فَلَهُنَّ﴾ الفاء رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية. ﴿لهن﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿ثُلُثَا﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف. ﴿مَا تَرَكَ﴾ ﴿ما﴾ وموصولة، أو موصوفة في محل الجر مضاف إليه. ﴿تَرَكَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الميت، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: تركه، والجملة من المبتدأ والخبر، في محل الجزم بإن الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية: معطوفة على جملة قوله: ﴿يُوصِيكُمُ﴾ على كونها مفصلَةً لها مستأنفة.
﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾.
﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كَانَتْ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط، واسمها ضمير يعود على الوارثة. ﴿وَاحِدَةً﴾ خبرها. ﴿فَلَهَا﴾ الفاء رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿لها﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿النِّصْفُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية في محل الجزم جواب ﴿إن﴾ الشرطية، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾.
﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾.
﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ الواو مستأنفة، أو عاطفة. ﴿لأبويه﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿لِكُلِّ﴾ ﴿وَاحِدٍ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه بدل من الجار والمجرور قبله، وفائدة هذا البدل أنه لو قيل: ولأبويه السدس. لكان ظاهره اشتراكهما فيه؛ ولأن في الإبدال، والتفصيل بعد الإجمال تأكيدًا، وتقويةً كالذي تراه في الجمع بين المفسر والتفسير. ﴿مِنْهُمَا﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿واحد﴾. ﴿السُّدُسُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور، حال من ﴿السدس﴾ ﴿تَرَكَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الميت، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: مما تركه الميت ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿إن﴾. ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور خبر مقدم
لـ ﴿كان﴾ ﴿وَلَدٌ﴾ اسمها مؤخر وجواب الشرط معلوم مما قبله تقديره: إن كان له ولد فلأبويه السدس، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾.
﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أن لأبويه السدس إذا كان له ولد، وأردت بيان حكم ما إذا لم يكن له ولد.. فأقول لك ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿لَمْ﴾ حرف جزم. ﴿يَكُنْ﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿لَهُ﴾ خبر مقدم لـ ﴿يكن﴾. ﴿وَلَدٌ﴾ اسمها مؤخر، وجملة ﴿يَكُنْ﴾ في محل الجزم بإن الشرطية على كونها فِعْلَ شرط لها. ﴿وَوَرِثَهُ﴾ الواو عاطفة. ﴿ورثه﴾ فعل ومفعول. ﴿أَبَوَاهُ﴾ فاعل ومضاف إليه، والجملة في محل الجزم معطوفة على جملة الشرط. ﴿فلأمه﴾ الفاء رابطة الجواب. ﴿لأمه﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿الثُّلُثُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مقول لجواب إذا المقدرة وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة.
﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
﴿فَإِنْ كَانَ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة، لأنهَا أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت فرض الأم مع وجود الولد، وعدمه، وأردت بيان فرضها مع الإخوة.. فأقول لك: ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم. ﴿لَهُ﴾ خبرها مقدم. ﴿إِخْوَةٌ﴾ اسمها مؤخر. ﴿فَلِأُمِّهِ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الجواب. ﴿لأمه﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿السُّدُسُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفةٌ. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه حال من السدس تقديره: حال كونه مستحقًا من بعد تنفيذ وصية، ويجوز أن يكون الجار والمجرور خبرًا لمبتدأ محذوف، تقديره: وإرث مَن ذكر بما ذُكِرَ مستحقٌ من بعد تنفيذ وصية. ﴿يُوصِي بِهَا﴾ ﴿يُوصِي﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الميت. ﴿بِهَا﴾ جار
ومجرور متعلق بـ ﴿يوصى﴾ والجملة الفعلية في محل الجر صفة لـ ﴿وصية﴾ ولكنها سببية. ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ معطوف على ﴿وَصِيَّةٍ﴾.
﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
﴿آبَاؤُكُمْ﴾ مبتدأ، ومضاف إليه. ﴿وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ معطوف عليه. ﴿لَا تَدْرُونَ﴾ ﴿لا﴾ نافية. ﴿تَدْرُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿أَيُّهُمْ﴾ أي اسم استفهام مبتدأ مرفوع. ﴿والهاء﴾ مضاف إليه. ﴿أَقْرَبُ﴾ خبر لـ ﴿أي﴾. ﴿لَكُمْ﴾ جار مجرور متعلق بـ ﴿أقرب﴾. ﴿نَفْعًا﴾ تمييز محول عن المبتدأ تقديرهُ: نفع أيهم أقرب، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب سادة مسد مفعولي ﴿تَدْرُونَ﴾. وفي "الفتوحات" (١) قوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿لَا تَدْرُونَ﴾ وما في حيزه في محل رفع خبر له، و ﴿أيهم﴾ فيه وجهان: أشهرهما عند المعربين: أن يكون ﴿أَيُّهُمْ﴾ مبتدأَ وهو اسم استفهام، و ﴿أَقْرَبُ﴾ خبره، والجملة من هذا المبتدأ والخبر في محل نصب بـ ﴿تدرون﴾؛ لأنها من أفعال القلوب فعلقها اسم الاستفهام عن أن تعمل في لفظه؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، والثاني: أنه يجوز أن تكون ﴿أي﴾ اسم موصول بمعنى الذي، و ﴿أَقْرَبُ﴾ خبر مبتدأ محذوف هو عائد على الموصول، وجاز حذفه؛ لأنه يجوز ذلك مع ﴿أي﴾ مطلقًا؛ أي: سواء طالت الصلة أم لم تطل، والتقدير: أيهم هو أقرب، وهذا الموصول وصلته في محل نصب على أنه مفعول به نصبه ﴿تَدْرُونَ﴾، وإنما بني لوجود شرطي البناء، وهما: أن يضاف ﴿أي﴾ لفظًا، وأن يحذف صدر صلتها، وصارت هذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ فصار التقدير: لا تدرون الذي هو أقرب. قال الشيخ: ولم أر من ذكر هذا الوجه منهم، ولا مانع منه، لا من جهة المعنى، ولا من جهة الصناعة، فعلى القول الأول: تكون الجملة سادةً مسدَّ
(١) الجمل.
المفعولين، ولا حاجةَ إلى تقدير حذف، وعلى القول الثاني يكون الموصول في محل نصب مفعولًا أول، ويكون الثاني: محذوفًا، تقديره: لا تدرون الذي هو أقرب لكم نفعًا آباؤكم أو أبناؤكم اهـ "سمين" انتهت. ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿فَرِيضَةً﴾ منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف تقديره: فرض الله ذلك التوريث فريضة، والجملة مستأنفة مؤكدة لمضمون ما قبلها. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿فريضة﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾ اسمها. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص واسمها ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿عَلِيمًا﴾ خبر أول لـ ﴿كان﴾. ﴿حَكِيمًا﴾ خبر ثان لها، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة.
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾.
﴿وَلَكُمْ﴾ الواو استئنافية. ﴿لكم﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿نِصْفُ﴾ مبتدأ مؤخر وهو مضاف. ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل الجر مضاف إليه. ﴿تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ فعل وفاعل، ومضاف إليه، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: ما تركه أزواجكم، والجملة من المبتدأ والخبر مستأنفة. ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿لَمْ﴾ حرف جزم. ﴿يَكُنْ﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿لَهُنَّ﴾ جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿يكن﴾. ﴿ولد﴾ اسمها مؤخر، وجملة ﴿يَكُنْ﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها فعل شرط لها، وجواب ﴿إن﴾ معلوم مما قبله تقديره: إن لم يكن لأزواجكم ولد فلكم نصف ما تركن، وجملة إن الشرطية مستأنفة.
﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾.
﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم حكم ما إذا لم يكن لهن ولد، وأردتم بيانَ حكم ما إذا كان لهن الولد. فأقول لكم. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿لَهُنَّ﴾ جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿كان﴾. ﴿وَلَدٌ﴾ اسمها مؤخر. ﴿فَلَكُمُ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية.
﴿لكم﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿الرُّبُعُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الجزم بـ ﴿أن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مقول لجواب، إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال، من ﴿الرُّبُعُ﴾ تقديره: حالَ كون الربع مأخوذًا ﴿مِمَّا تَرَكْنَ﴾. ﴿تَرَكْنَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: مما تركنه.
﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ﴿النصف﴾ و ﴿الربع﴾ تقديره: حالةَ كونهما معتبرين مأخوذين مما بقي بعد تنفيذ وصية، وقضاء دين. ﴿يُوصِينَ﴾ فعل وفاعل؛ لأن ﴿النون﴾ فيه ضمير جماعة الإناث. ﴿بِهَا﴾ متعلق به والجملة صفة لـ ﴿وصية﴾ ولكنها سببية. ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ معطوف على ﴿وَصِيَّةٍ﴾.
﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾.
﴿وَلَهُنَّ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة أو استئنافية. ﴿لهن﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿الرُّبُعُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة أو معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور حال من ﴿الرُّبُعُ﴾. ﴿تَرَكْتُمْ﴾ فعل وفاعل والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: تركتموه. ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ﴾ ﴿إِن﴾ حرف شرط ﴿لَمْ﴾. حرف جزم ﴿يَكُنْ﴾ مجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿لَكُمْ﴾ خبر مقدم لـ ﴿يكن﴾. ﴿وَلَدٌ﴾ اسمها مؤخر، وجملة ﴿يَكُنْ﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها فعل شرط لها، وجواب ﴿إن﴾ معلوم مما قبله تقديره: إن لم يكن لكم ولد: فلهن الربع مما تركتموه، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة.
﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم حكمَ ما إذا لم يكن ولد، وأردتم بيانَ حكم ما إذا كان لكم ولد.. فأقول لكم: ﴿إِنْ كَانَ﴾ إنْ حرف شرط. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿إن﴾. ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور لـ ﴿كان﴾ خبر مقدم على اسمها. ﴿وَلَدٌ﴾ اسمها مؤخر. ﴿فَلَهُنَّ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة. ﴿لهن﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿الثُّمُنُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور حال من ﴿الثُّمُنُ﴾. ﴿تَرَكْتُمْ﴾ فعل وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: مما تركتموه. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ﴿الرُّبُعُ﴾ و ﴿الثمن﴾ تقديره: حالة كون كل منهما مستحقًا من بعد تنفيذ وصية، ويجوز أن يكون الجار والمجرور خبرًا لمحذوف تقديره: واستحقاق ما ذكر كائن بعد تنفيذ وصيةٍ كما أشرنا إليه في مبحث التفسير. ﴿تُوصُونَ﴾ فعل مضارع مرفوع بثبات النون، والواو ضمير المخاطبين في محل الرفع فاعل ﴿بِهَا﴾ متعلق به، والجملة صفة لـ ﴿وصية﴾. ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ معطوف على ﴿وَصِيَّةٍ﴾.
﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾.
﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿رَجُلٌ﴾ اسمها. ﴿يُورَثُ﴾ فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿رَجُلٌ﴾ والجملة الفعلية صفة لـ ﴿رجل﴾. ﴿كَلَالَةً﴾ خبر ﴿كَانَ﴾. ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾ الواو حالية. ﴿له﴾ خبر مقدم. ﴿أَخٌ﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة ظاهرة على لغة النقص. ﴿أَوْ أُخْتٌ﴾ معطوف عليه، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب حال من رجل، وصح مجيء الحال منه، لوصفه بالجملة المذكورة بعده، والمعنى؛ وإن كان رجل
مورث متكللًا؛ أي: خاليًا من ولد، ووالد، والحاصل أن له أخًا فقط، أو أختًا فقط. ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الجواب. ﴿لكل﴾ ﴿وَاحِدٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿مِنْهُمَا﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿واحد﴾. ﴿السُّدُسُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها ﴿جوابًا﴾ لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة، وفي هذا المقام أوجه كثيرة في إعراب الكلالة أعرضنا عنها صفحًا لئلا يطول الكلام.
﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾.
﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره إذا عرفتم حكمَ ما إذا كان له أخ أو أخت، وأردتم بيانَ حكم ما إذا كانوا أكثرَ.. فأقول لكم: ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فِعْلَ شرط لها. ﴿أَكْثَرَ﴾ خبر ﴿كان﴾. ﴿مِنْ ذَلِكَ﴾ متعلق بـ ﴿أكثر﴾. ﴿فَهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الجواب. ﴿هم شركاء﴾ مبتدأ وخبر. ﴿فِي الثُّلُثِ﴾ متعلق بـ ﴿شركاء﴾ والجملة الإسمية في محل الجزم بإن الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.
﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر لمحذوف تقديره: استحقاقهم ما ذكر من السدس، والثلث كائن من بعد تنفيذ وصية. ﴿يُوصَى﴾ بالبناء للفاعل وفاعله ضمير يعود على المحتضر. ﴿بِهَا﴾ متعلق بـ ﴿يوصى﴾ والجملة صفة لـ ﴿وصية﴾ ولكنها سببية، أو بالبناء للمفعول والجار والمجرور على هذا نائب فاعل قال ابن مالك:
وَقَابِلْ مِنْ ظَرْفٍ أوْ مِنْ مَصْدَرِ أَوْ حَرْفِ جَرٍّ بِنِيَابَةٍ حَرِيْ
والجملة صفة حقيقية لـ ﴿وصية﴾ ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ اسم فاعل حال من نائب
فاعل ﴿يُوصَى﴾ على البناء للمفعول، والمعنى حالةَ كون ما ذكر من الوصية، والدين غيرَ مضار بها. ﴿وَصِيَّةً﴾ منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف تقديره: يوصيكم الله بقسمة الميراث على الكيفية المبينة لكم، والجملة المحذوفة مستأنفة، أو منصوب على المفعولية المطلقة بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿وصية﴾. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ مبتدأ وخبر والجملة مستأنفة. ﴿حَلِيمٌ﴾ خبر ثان.
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر، ومضاف إليه، والجملة مستأنفة ﴿وَمَنْ﴾ الواو استئنافية. ﴿من﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو جملة الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله. ﴿يُطِعِ اللَّهَ﴾ فعل ومفعول مجزوم بمن وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿وَرَسُولَهُ﴾ معطوف على الجلالة. ﴿يُدْخِلْهُ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه جوابَ الشرط، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿والهاء﴾ في محل النصب مفعول أول. ﴿جَنَّاتٍ﴾ مفعول ثان. ﴿تَجْرِي﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تجري﴾. ﴿الْأَنْهَارُ﴾ فاعل والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿جنات﴾. ﴿خالدين﴾ حال من ﴿هاء﴾ ﴿يدخله﴾ وجمعه نظرًا لمعنى ﴿من﴾. ﴿فيها﴾ متعلق بـ ﴿خالدين﴾. ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿الْعَظِيمُ﴾ صفة للفوز، والجملة مستأنفة.
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾.
﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿من﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط. ﴿يَعْصِ اللَّهَ﴾ فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿من﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿وَرَسُولَهُ﴾ معطوف على الجلالة. ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ الواو
عاطفة. ﴿يتعد﴾ معطوف على ﴿يُطِعِ﴾. ﴿حُدُودَهُ﴾ مفعول به، ومضاف إليه.
﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
﴿يُدْخِلْهُ﴾ فعل مضارع مجزوم بمن على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿والهاء﴾ مفعول أول. ﴿نَارًا﴾ مفعول ثان، وجملة ﴿من﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿من﴾ الأولى. ﴿خَالِدًا﴾ حال من ضمير ﴿يُدْخِلْهُ﴾ وأفرده نظرًا للفظ ﴿من﴾ ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خالدًا﴾. ﴿وَلَهُ﴾ الواو عاطفة. ﴿له﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مُهِينٌ﴾ صفة له، والجملة الإسمية في محل الجزم معطوفة على جملة ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا﴾، والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ مضارع أوصى الرباعي، من باب: أفعلَ يقال: أوصى الشيء بالشيء، ووصاه به إذا أوصى له به؛ لأن الموصي أوصل خير عُقْبَاهُ بخير دنياه، وأوصى الله بكذا، إذا أَمرَ به، وأوجبه، والمعنى: هنا يأمركم الله سبحانه وتعالى في إرث أولادِكم بأن يُعطَى الذكرُ الواحد مثلَ حظ الأنثيين.
﴿حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الحظ: النصيب من الخير، والفضل، وقد يطلق على النصيب من الشر، واليسر، والسعادة يجمع على حظوظ، وحظاظ، وأحظ يقال حظ يحظ من باب: فتحَ إذا كان ذا حظ.. فهو حظيُّ، وحَظِيظ ومَحْظوظ.
﴿الْأُنْثَيَيْنِ﴾ مثنى الأنثى، والأنثى خلافُ الذكر، يُجمع على إناث، وأناثي، والمؤنث خلاف المذكر مأخوذة من أَنَثَ الحديدُ يَأنُثُ أَنْثًا من باب: نصر إذا لاَنَ، وكان غير شَديدٍ وصلبٍ، وسميت المرأة بأنثى للين بشرتها، وجسمها، ولضعفها خلقةً.
﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ يقال: فرض الله كذا على عباده، إذا أوجبه عليهم من باب: ضرب، والفريضةُ: الشيءُ الذي أوجبه عليهم، يُجمع على فرائض ﴿لَا تَدْرُونَ﴾ مضارع درى يدري دريًا، ودراية من باب: رمى، وهو من أفعال
القلوب، يتعدى إلى مفعولين قال الشاعر:
دَرَيْتَ ألوَفِيَّ العَهْدِ يَا عُرْوَ فَاغْتَبِطْ فَإِنَّ اغْتِبَاطًا بَالوَفَاءِ حَمِيْدُ
ولكن علقها هنا اسم الاستفهام عن العمل في لفظه، لأن اسمَ الاستفهام لا يعملُ فيه ما قبله، كما هو معلومٌ عندهم.
﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾، واختلف (١) في اشتقاق ﴿الكلالة﴾، قيل: من الكَلاَل وهو الإعياء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بُعْدٍ واعْيَاءٍ قال الأعشى:
فَآلَيْتُ لاَ أَرْثِي لَهَا مِنْ كَلاَلَةٍ وَلاَ وَجِيٍ حَتَّى تُلاَقِيْ مُحَمَّدَا
قال الزمخشري: والكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال، وهو: ذهاب القول من الإعياء، فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد، والوالد؛ لأنها بالإضافة إلى قرابتها كالَّة ضعيفة انتهى.
وقيل: هي مشتقة من تكلله النسب إذا أحاط به، فإذا لم يترك والدًا، ولا ولدًا.. فقد انقطع طرفاه، وهما عمودا نسبه وبقيَ موروثُه لمن يتكلل نسبه أي يحيط به من نواحيه كالإكليل، ومنه روض مكلل بالزهر، وقال الفرزدق:
وَرِثْتُمْ قَنَاةَ الْمَجْدِ لاَ عَنْ كَلاَلَةٍ عَنِ ابْنَي مَنَافٍ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمِ
وقال الأخفش: الكلالة من لا يرثه أب ولا أم، والذي عليه الجمهور أن الكلالةَ الميت الذي لا والدَ له، ولا مولودَ، وهو قول جمهور أهل اللغة: صاحب "العين"، وأبي منصوب اللغوي، وابن عرفة، وابن الأنباري، والعيني، وأبي عبيدة، وقال الراغب: الكلالَةُ اسم لكل وارث، قال الشاعر:
وَالْمَرْءُ يَجْمَعُ لِلْغِنَى وَللْكَلاَلَةِ مَا يَسِيْمْ
وقال الطبريُّ (٢) الصواب: أنَّ الكلالَةَ هم الذين يرثون الميتَ مَنْ عدا ولده ووالدَه لصحة خبر جابر، فقلت: يا رسول الله، إنما يرثني كلالةٌ أَفأُوصي بمالي
(١) البحر المحيط.
(٢) الشوكاني.
كلِّه؟ قال: لا "انتهى".
﴿شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ جمع شريك ككرماء جمع كريم ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ اسم فاعل من ضَار يضار ضرارًا، ومضاررةً من باب فاعل إذا أدخل عليه الضررَ إن بنيَ يوصى للفاعل، واسمُ مفعول إن بني للمفعول كما مرت الإشارة إليه ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ حدود الشيء أطرافه التي يمتاز بها من غيره، ومنه حدودُ الدار، سميت بها الشرائع التي أمر الله باتباعها، ونَهَى عن تركها، فمدارُ الطاعة على البقاء في دائرة هذه الحدود، ومَدارُ العصيان على اعتدائها.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ من أطاع الرباعي، يقال: أطاع الله يُطيع إطاعةً، وطاعة من باب: أعان: إذا امتثل ما أمرَ به، ونُهيَ عنه، وأطاع الرسولَ. إذا تمسَّك ما أتَى به وبيَّن.
البلاغة
قال أبو حيان (١): وقد تضمنت هذه الآيات من أصناف البديع:
منها: التفصيلُ في الوارث والأنصباء بعد الإبهام في قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ الآية.
ومنها: العُدول من صيغة يأمركم الله إلى ﴿يُوصِيكُمُ﴾ لما في الوصية من التأكيد، والحرص على اتباعها.
ومنها: الطباقُ في لفظ الذكر والأنثى في قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وفي ﴿من يطع﴾ و ﴿من يعص﴾ وفي ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾.
ومنها: إعادة الضمير على غير مذكور لقوة الدلالة على ذلك في قوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾؛ أي: ترك الموروث.
ومنها: التكرارُ في لفظ ﴿كَانَ﴾، وفي قوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾
(١) البحر المحيط.
و ﴿ولد وأبواه﴾ و ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ و ﴿وصية من الله إن الله﴾، وفي ﴿نِصْفُ مَا﴾، وفي ﴿مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
ومنها: جناسُ الاشتقاق في قوله: ﴿وَصِيَّةٍ يُوصَى﴾.
ومنها: المبالغةُ في قوله: ﴿عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.
ومنها: تلوينُ الخطاب في من قرأ ﴿ندخله﴾ بالنون.
ومنها: الحذف في مواضع انتهى.
فائدة: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ ﴿أو﴾ هنا (١) لإباحة الشيئين قال أبو البقاء: ولا تدل على ترتيب؛ إذ لا فرق بين قولك: جاءني زيد، أو عمرو، وبين قولك: جاءني عمرو، أو زيد؛ لأن أو لأحد الشيئين، والواحد لا ترتيب فيه، وبهذا يفسد قول من قال: التقدير: من بعد دين أو وصية، وإنما يقع الترتيب فيما إذا اجتمعا، فيقدم الدين على الوصية، وقال الزمخشري فإن قلتَ: فما معنى أو؟
قُلْتُ: معناها للإباحة، وإنه إن كان أحدهما، أو كلاهما قُدِّم على قسمة المواريث، كقوله: جالس الحسنَ، أو ابنَ سيرين، فإن قلتَ لم قدمت الوصية على الدين في الذكر، والدين مقدم عليها في الشريعة؟
قلت: لمَّا كانت الوصية مشبهةً للميراث في كونها مأخوذةً من غير عِوَضٍ كان إخراجها مما يشق على الورثة بخلاف الدين، فإن نفوسَهم مطمئنةُ إلى أدائه فلذلك قدمَتْ على الدين حثًّا على وجوبها، والمسارعةِ إلى إخراجها مع الدين، ولذلك جِيء بكلمة ﴿أو﴾ للتسوية بينهما في الوجوب اهـ "سمين".
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
(١) الجمل.
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ...﴾ الآية، مناسبةُ (١) هذه الآيات لما قبلها: أنه تعالى لما أمر بالإحسان إلى النساء، فذكر إيتاءَ صدقاتهن، وتوريثهن، وقد كنُ لا يورثنَ في الجاهلية.. ذَكَرَ التغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة، وفي الحقيقة: هو إحسان إليهن؛ إذ هو نظر في أمر آخرتهن؛ ولئلا يتوهمَ أنَّ من الإحسان إليهن أن لا تُقام عليهن الحدودُ، فيصيرُ ذلك سببًا لوقوعهن في أنواع المفاسد، ولأنه تعالى لمَّا ذكر حدودَه، وأشار بتلك إلى جميع ما وقع من أول السورة إلى موضع الإشارة؛ فكان في مبدأ السورة التحضُّنُ بالتزويج، وإباحةُ ما أباح من نكاح أربع لمن أباح ذلك، استطردَ بعد ذلك إلى
(١) البحر المحيط.
حكم مَنْ خالف ما أمر الله به من النكاح من الزواني، وأفردهنَ بالذكر أولًا؛ لأنهن على ما قيل: أدخلُ في باب الشهوة من الرجال، ثم ذكرهن ثانيًا مع الرجال الزانينَ في قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ فصار ذكر النساء الزواني مرتين: مرةً بالإفراد ومرةً بالشمول.
وقال المراغي (١): المناسبة في هذه الآية: لمَّا أوصى الله سبحانه وتعالى بالإحسان إلى النساء ومعاشرَتهن، بالمعروف، والمحافظة على أموالهنَ وعدَم أخذ شيء منها إلا إذا طابت أنفسهن بذلك؛ ذكَرَ هنا التشديدَ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة، وهو في الحقيقة إحسان إليهن، إذ الإحسانُ في الدنيا تارةً يكون بالثواب، وأخرى بالزجر والعقاب لكف العاصي عن العصيان، الذي يوقعه في الدمار والبَوار، ومبنَى الشرائع على العدل، والإنصاف، والابتعاد من طرفي الإفراط والتفريط، ومن أقبح العصيان الزنَا، ولا سيما في النساءِ؛ لأن الفتنةَ، بهن أكثر، والضرر منهن أخطر؛ لما يفضي إليه من توريث أولاد الزنا، وانتسابهم إلى غير آبائهم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ...﴾ الآية، مناسبتها (٢) لما قبلها: أنه سبحانه وتعالى لمَّا ذَكَر أن من تاب وأصلح، تركت عقوبته، وأُزيل الأذى عنه، وأنه هو التواب الذي هو يقبل التوبةَ عن عباده.. ذكَرَ هنا وقت التوبة، وشرط قبولها، ورغبتَه في تعجيلها حتى لا يأتيَ الموت، وهو مصر على الذنب، فلا تنفعه التوبة، وأرشَدَ أولياءَ الأمر إلى الطريق الذي يسلكونه مع العصاة في معاقبتهم، وتأديبهم، فأمر هنا بالإعراض عن أذى مَن تاب وأصلح العمل، بعد أَنْ فرض عقوبةَ مرتكبي الفواحش في الآية السالفة، فهذه شرح لذلك الإصلاح في العمل.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا...﴾ الآيات، هذه الآيات مناسبتها لما قبلها: أنه لما نهى الله سبحانه وتعالى فيما
(١) المراغي.
(٢) المراغي.
تقدم عن عادات الجاهلية في أمر اليتامَى، وأموالِهم.. أعقبَه بالنهي عن الاستنان بسنتهم في النساء، وأموالهن، وقد كانوا يحتقرون النساءَ، ويعدونَهن من قبيل المتاع، حتى كان الأقربون، يرثون زوجةَ من يموتُ منهم، كما يرثون مالَه؛ فحَرَّم الله عليهم هذا العمل.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا...﴾ سبب نزولها (١): ما روى البخاري وأبو داود، والنسائي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم. تزوَّجها، وإن شاؤوا زوجوها، فهم أحق بها من أهلها؛ فنزلت هذه الآية.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم بسند حسن، عن أبي أُمامة أسعد بن سهل بن حُنيف قال: لمَّا تُوفي أبو قيس بن الأصلت أراد ابنُه أن يتزوَّج امرأتَه، وكان لهم ذلك في الجاهلية؛ فنزلت هذه الآية.
وفي "الخازن" (٢): نزلت هذه الآية في أهل المدينة، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية، وفي أول الإِسلام، إذا مات الرجل، وخلَّف امرأةً جاء ابنه من غيرها، أو قَرِيبُه من ذوي عصبته، فألقى ثوبَه على تلك المرأة، أو على خبائها، فصار أحقَ بها من نفسها، ومن غيره، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداقَ الأول، الذي أصدقَها الميتُ، وإن شاء زوَّجها غيَره وأخذ هو صداقها، وإن شاء.. عضلها، ومنعها من الأزواج يُضارُّها بذلك لتفتديَ منه بما ورثت من الميت، أو تموتَ هي فيرثُها، فإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقيَ عليها وَلِيُّ زوجها ثوبَه.. كانت أحقَّ بنفسها، وكانوا على ذلك حتى توفّي أبو قيس بن الأصلت الأنصاري، وتَركَ امرأتَه كُبيشة بنتَ مَعْنٍ الأنصارية، فقام ابن له من غيرها، يقال له حصنُ: وقيل: اسمه قيس بن أبي قيس، فطرح ثوبَه عليها؛ فورث نكاحها، ثم تركها، فلم ينفق عليها يُضَارّها بذلك لتفتدي منه، فأتَتْ كبيشة رسول الله - ﷺ -
(١) لباب النقول.
(٢) الخازن.
فقالت: يا رسول الله: إن أبا قيس تُوفي، وورث نكاحي ابنه، فلا هو ينفق علي، ولا هو يدخل بي، ولا يخلي سبيلي، فقال: "اقْعُدي في بيتك، حتى يأتي أمر الله فيك"، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ يعني: ميراثَ نكاح النساء، وقيل: معناه أن ترثوا أموالَهن كرهًا، يعني وهن كارهاتُ.
التفسير وأوجه القراءة
١٥ - ﴿و﴾ النسوة ﴿اللاتي﴾ جمع التي في المعنى دون اللفظ؛ أي: والنسوة اللاتي ﴿يَأتِينَ﴾، ويفعلن ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ والزنا حالةَ كونهن كائنات ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾، وأزواجكم المؤمنات المحصنات، وفي التعبير عن الإقدام على الفواحش بهذه العبارات معنى دقيقٌ، وهو أنَّ الفاعلَ لها ذهب إليها بنفسه، واختارَها بطبعه، والفاحشةُ: الفعلة القبيحة والمراد بها هنا: الزنا لزيادتها في القبح على كثير من القبائح.
﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ﴾؛ أي: فأشهدوا أيها المسلمون على فعلهن الفاحشة؛ أي: على العَورتَينِ ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾؛ أي: أربعة رجال أحرار كائنين منكم أيها المؤمنون، أو المعنى: أطلبوا أربعة رجال منكم يشهدون على زَناهنَ، ويشترط في هذه الشهادة: المذكورة، والعدالة. قال الزهري: مضت السنة من رسول الله - ﷺ - والخليفتين بعده أنْ لا تُقبل شهادة النساء في الحدود.
والحكمة في هذا (١): إبعاد النساء عن مواقع الفواحش، والجرائم، والعقاب، والتعذيب رغبةً في أن يكنَّ دائمًا غافلات عن القبائح، لا يفكرنَ فيها، ولا يخضنَ مع أربابها، والظاهر: أنه يجوز الاستشهاد لمعاينة الزنا، وأن تعمدَ النظر إلى الفرج، لا يقدَحُ في العدالة؛ إذا كان ذلك؛ لأجل الزنا.
وقرأ عبد الله ﴿واللاتي يأتين بالفاحشة﴾ ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾؛ أي: فإن شهد
(١) المراغي.
أربعة رجال منكم على زناهن، برؤية العورتَين يتداخلان كالعُود في المكحلة ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾؛ أي: فاحبسوهن في بيوتكم، وامنعوهن من الخروج منها، حتى لا يَعُدْنَ إلى ارتكابها مرة أخرى؛ لأن المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز إلى الرجال، فإذا حُبست في البيت لم تقْدِرُ على الزنا ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾؛ أي: إلى أن يقبض أرواحهن ملك الموت، ويمتن ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾؛ أي: أو إلى أن يبين الله، ويشرع لهن طريقًا، وحكمًا، وعقوبةً على ارتكابهن الفواحشَ، وهذا الحكم كان في أول الإسلام قبل نزول الحدود، كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت، حتى تموت، ثم نسخ الحبسُ بالحدود، وجعل لهن سبيلًا، فقال رسول الله - ﷺ -: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا الثيب ترجم، والبكر تجلد، وتنفى".
وفي الآية (١) إشارة إلى أن منعَ النساء عن الخروج عند الحاجة إليه في غير هذه الحالة لمجرد الغيرة، أو لمجرد الهَوى والتحكم من الرجال لا يجَوزُ، وكذلك في الآية إيماء إلى أن هذه العقوبة مقرونة بما يدل على التوقيت، وعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: كان نبي الله - ﷺ - إذا نزل عليه حكم كرب لذلك، وتربد وجهه فأنزل الله عليه ذاتَ يوم، فبقي كذلك فلما سُري عنه قال: "خُذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، الثيبُ بالثيب جلدُ مائة، ورَجْمُ بالحجارة، والبكر بالبكر جلدُ مائة، وتغريب عام". أخرجه مسلم. ومن هذا تعلَمُ أنَّ السبيل كان مجملًا أولًا، فبينه الحديث المذكورُ، وخصص الحديثُ أيضًا، عُمومَ آية الجلد الآتية في سورة النور، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فثبت الجلد على البكر بنص الكتاب، وثبت الرجم على الثيب المحصن بسنة رسول الله - ﷺ - فقد صح أن رسول الله رَجَم ماعزًا، وكان قد أُحْصِنُ وسواء في هذا الحكم المسلم، واليهودي؛ لأنه ثَبتَ في الصحيح أن النبي - ﷺ - رَجَم يهوديين زَنَيا، وكانا قد أحصنا.
١٦ - ثم بين عِقابَ كل من الزانيين البكريَنِ فقال: ﴿وَاللَّذَانِ يَأتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾؛ أي: والبكران اللذان يفعلان الفاحشةَ
(١) المراغي.
من أحراركم، ويرتكبان جريمة الزنا، واللواط ﴿فَآذُوهُمَا﴾ بالسب باللسان، والضرب بالنعال بعد ثبوت ذلك بشهادة أربعة رجال منكم، وقيل: بالتهديد والتعيير، كأن يقال: بئس ما فعلتما، وقد تعرضتما لعقاب الله وسخطه، وأخرجتُما أنفسَكما عن اسم العدالة.
وهذا (١) العقاب والإيذاء كان أول الإِسلام من قبيل التعزير، وأمره مفوض إلى الأمة في كيفيته، ومقداره، فلما نزلت آية النور التي تقدم ذكرها، وجاء الحديث الشريف السابق، بينا مقدارَ هذا الإيذاءِ، وحدداه، وبهما استبان أن عقاب المرأة الثيب، والرجل المتزوج، الرجم بالحجارة حتى يموتا، وعقابَ المرأة البكر، والرجل الذي لم يتزوج جلد مائة، ونفيُهُ سنةً.
وقرأ الجمهور ﴿واللذان﴾ بتخفيف النون، وقرأ ابن كثير بالتشديد، وقراءة عبد الله ﴿والذين يفعلونه منكم﴾ وهي قراءة مخالفة لسواد مصحف الإِمام، ومتدافعة مع ما بعدها؛ إذ هذا جمع وضميرُ جمع، وما بعدهما ضميرُ تثنية، وقرىء ﴿واللذأن﴾ بالهمزة وتشديد النون، وتوجيهُ هذه القراءة: أنه لما شدَّدَ النون التقى ساكنان، ففرَّ القارئ من التقائهما إلى إبدال الألف همزةً تشبيهًا لها بألف فاعل المدغم عينه في لامه، كما قرئ: ﴿ولا الضألين﴾ ﴿ولا جأن﴾.
ثم بين أنَّ هذا الإيذاءَ، والعقاب: إنما يكون إذا لم يتوبَا، فإن تابا وأصلحا. رفع عنهما ذلك فقال ﴿فَإِنْ تَابَا﴾؛ أي: فإن تاب الزانيان، ورجعا عن فعل الفاحشةِ بعد زواجر الأذيَّةِ ونَدِمَا على ما فعلا ﴿وَأَصْلَحَا﴾ عملهما فيما بينهما، وبين الله، وغيّرا أحوالَهما كما هو شأن المؤمن، يطهر نفسه بالإقبال على الطاعة، ويزكيها من أدران المعاصي التي فَرطت منه، ويُقوي داعيةَ الخير حتى تغلب داعية الشر ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾؛ أي: فاتركوا إيذاءَهما، وكفوا الأذى عنهما بالقول والفعل، ثم علل الأمرَ بالإعراض عنهما بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿كَانَ تَوَّابًا﴾؛ أي: كثير القبول لتوبة من تاب ﴿رَحِيمًا﴾؛ أي: كثيرَ الرحمة
(١) المراغي.
واسع الغفران، وقيل: ﴿تَوَّابًا﴾؛ أي: رجاعًا بعباده عن معصيته إلى طاعته، ﴿رَحِيمًا﴾ لهم بترك أذاهم إذا تابوا، وقيل: ﴿التوابُ﴾ هو الذي يعودُ على عبده بفضله، ومغفرته، إذا تاب إليه من ذنبه، ﴿والرحيم﴾ كثير الرحمة والغفران لأرباب العصيان.
وهذه الجملةُ جاءت تعليلًا للأمر بالإعراض، والخطابُ هنا لأولي الأمر والحكام، وقد عُلم مما مر أن الإمساك في البيوت والإيذاءَ باللسان قد نسِخَا برجم المحصن وجلد البكر.
وقال أبو مسلم الأصفهاني بن بحر، والمرادُ بقوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ السحاقات وحدُّهن الحبس إلى الموت، أو إلى أن يُسهلَ الله لها قضاء الشهوة بطريق النكاح، والمراد بقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ أهل اللواط، وحَدُّهُمَا الأذى بالقول والفعل، والآية التي في سورة النور في الزانية والزاني، وخالف جمهور المفسرين، وبناه أبو مسلم على أصل له، وهو يرى أنه ليس في القرآن ناسخ ولا منسوخ.
١٧ - ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ﴾ الواجهب قبولُها ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ بمقتضى وعده لعباده، وجوبُ تفضل وإحسان، لا وجوبُ استحقاق وإلزام، كائنة ثابتة ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ﴾ ويفعلون ﴿السُّوءَ﴾ والذنب حالةَ كونهم ملتبسين ﴿بِجَهَالَةٍ﴾، وسفه، فإنَّ ارتكابَ الذنب، ولومع العلم به سفه وتجاهل، أو المعنى: الذين يعملون المعصيةَ مع عدم علمهم بأنها معصية، لكنه يمكنه تحصيل العلم بأنها معصية ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ﴾، ويرجعون إلى طاعة الله تعالى ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾؛ أي: في زمن قريب، والزمنُ القريب: هو الوقت الذي تسكن به ثَورةُ الشهوة، أو تنكسر به حدة الغضب، ويثوب فاعلُ السيئة إلى حلمه، ويرجعُ إليه دينه وعقله، وقيل: هو ما قبل معاينة سبب الموت وأهواله، وهذا القولُ ضعيف كما سيأتي الإشارة إليه قريبًا ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الذين فعلوا الذنوبَ بجهالة، وتابوا بعد قريب من الزمن ﴿يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: يقبل توبتَهم؛ لأن الذنوبَ لم ترسخ في نفوسهم، ولم يصروا على ما فعلوا، وهم يعلمون.
وخلاصة المعنى: أن التوبةَ التي أوجب الله على نفسه قبولَها بوعده الذي هو أثر كرمه وفضله، ليست إلا لمن يجترحُ السيئةَ بجهالة تلابس نفسَه من سورة غضب أو تغلب شهوة، ثم لا يلبث أن يندم على ما فرط منه، وينيبَ إلى ربه، ويتوبَ ويقلع عن ذنبه.
وما رواه أحمد عن ابن عمر من قوله - ﷺ -: "إن الله يقبل توبةَ العبد ما لم يغرغر"، فالمراد منه: أنه لا ينبغي لأحد أن يَقنط من رحمة الله، وييأس من قبول التوبة ما دام حيًّا، وليس معناه: أنه لا خوف على العبد من التمادي في الذنوب إذا هو تاب قبل الموت بساعة، فإن هذا مخالف لهدي الدين في مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ ولمثل قوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾.
قوله: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ السوء: هو العمل القبيح الذي يسوء فاعله إذا كان عاقلًا سليم الفطرة، وهذا شاملٌ للصغائر والكبائر ﴿والجهالة﴾ الجهل: وتغلُّب السفه على النفس عند ثورة الشهوة، أو سورة الغضب، حتى يذهبَ عنها الحلم، وتنسى الحقَّ، وكل من عصى اللهَ يسمَّى جاهلًا، ويسمَّى فعله جهالةَ كما قال تعالى: إخبارًا عن يوسف عليه السلام ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
وسر هذا أن العاصي لربه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب، والعقاب.. لما أقدم على المعصية؛ إذ هو لا يرتكبها إلا جاهلًا بحقيقة الوعيد، ومنتظرًا لاحتمال العفو، والمغفرة، أو شفاعة الشفعاء التي تصد عنه العقابَ، وقيل: معنى الجهالة: أن يأتي الإنسانُ بالذنب مع العلم، بأنه ذنب، لكنه يجهل عقوبتَه، وقيل: معنى الجهالة: هو اختيار اللذة الفانية على اللذة الباقية.
﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾؛ أي: يتوبون (١) بالإقلاع عن الذنب بزمان قريب، لئلا يعدَّ في زمرة المصرينَ، وقيل: القريب: أن يتوب في صحته قبل مرض موته، وقيل: قبل موته، وقيل: قبل معايَنةِ ملك الموت، ومعايَنةِ أهوال الموت،
(١) الخازن.
كما مَرَّ، وإنما سميت هذه المدة قريبة؛ لأن كلَّ ما هو آت قريب، وفيه تنبيه على أن عمرَ الإنسان، وإن طال. فهو قليل، وأن الإنسانَ يتوقع في كل ساعة ولحظة نزولَ الموت به، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - ﷺ - قال: "إن الله تعالى يقبل توبةَ العبد ما لم يغرغر". أخرجه الترمذي، وقد مرَّ الحديثُ بتأويله فلا تغفل. الغرغرة: أن يجعلَ المشروب في فم المريض، فيردِّدَه في الحَلْق، ولا يَصِلَ إليه، ولا يَقدِر على بلعه، وذلك عند بلوغ الروح الحلقومَ.
وقيل في معنى الآية: إن القريب هو: أن يتوب الإنسانُ قبل أن يحيطَ السوء بحسناته فيحبطَها.
والأصح كما قدمنا أن القريبَ أن يتوب بعدما سكنت ثورة الشهوة، وانكسرت حدَّةُ الغضب؛ إذ مَنْ كان قويَّ الإيمان لا تقع منه المعصية إلا عن بادرة غضبٍ، أو شهوةٍ هفوةً بعد هفوة، ثم لا يلبث أن يبادَر إلى التوبة.
وقد قسموا التوابين إلى أقسام وطبقات (١)
الأول: من هو سليم الفطرة عظيمُ الاستعداد للخير، فهو إذا وقع في خطيئة مرةً كان له منها أكبَرُ عبرة، فيندَمُ بعدها، ويحملُ نفسَه على الفضيلة، ويصرِفُها عن كل رذيلة.
الثاني: مَنْ تكون داعية الشهوة أقوى في نفسه، وأرسخَ في قلبه.. فإذا أطاع نفسَه، وارتكب معصيةً. قامتْ الخواطرُ الإلهية تحاربه، وتوبِّخُه حتى تنتصرَ عليه، وتقهرَهُ قهرًا تامًّا، فلا يعودُ بعدَها إلى اجتراح إثم، ولا وقوع ذنب.
الثالث: من تقوى نفسُه بالمجاهدة على اجتناب كبار الإثم، والفواحش، لا على صِغَارِ الذنوب والآثام، وهنَاكَ تكون الحربُ في نفوسهم سجالًا بينَ ما يلمون به من الصغائر، وبَيْنَ الخواطر الإلهية التي هي جندُ الإيمان.
الرابع: من يقع في الذنب، فيتوبُ ويستغفر، ثم يَعْرُض له مرةً أخرى،
(١) المراغي.
فيعودُ إليه، ثم يَلوم نفسه، ويندم، ويستغفر وهلم جرًّا، وهؤلاء أدْنَى طبقات التوابين، والنفس الباقية عندهم أرخَصُ من النفس الفانية، وهم مع ذلك محل للرجاء؛ لأن لهم زاجرًا من أنفسهم يذكرهم دائمًا بالرجوع إلى الله، عَقِب كل خطيئة، وهكذا تكون الحرب سجالًا بينَهم وبينَ أنفسهم، فإما أن تنتصر دواعي الخير.. فتصحَّ توبتُهم، وإما أن تنكسر أمامَ جند الشهوة.. فتحيطَ بهم خطيئتهم، ويكونوا من المصرينَ الهالكينَ.
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى ﴿عَلِيمًا﴾ بمن يطيع، ويعصي، ويتوب، ويعرض ﴿حَكِيمًا﴾ فيما دبره لخلقه بوضع الأشياء في مواضعها، فيقبلُ توبةَ من أناب إليه، لكنه لا يقبل إلا التوبةَ النصوح، دون حركات اللسان بالاستغفار، والإتيان ببعض المكفرات من الصدقات، والأذكار مع الإصرار على الذنوب، والأوزار، ومن ثمَّ جَمَعَ الله في الآية السابقة بين التوبة وإصلاح العمل.
وقد فعلت الأمم السالفة مثلَ هذا، فاستثقلت التكاليفَ وفسقَت عن أمر ربها، واتبعَتْ هواهَا، وجعلَتْ حظَهَا من الدين مجموعَ حركات لسانيةٍ، وبدنِيَةِ لا تهذَب خُلقًا، ولا تصلح عملًا، ولا تمنع النفسَ من التمتع بشهواتها، وقد اتبع كثير من المسلمين سُنَنَ من قبلهم، وحَذَوا حَذْوَهم شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراع، فكانت الأغاني لهم دثارًا، والملاهي شعارًا فإنا لله وإنا إليه راجعون.
١٨ - وبعد أن بينَ حالَ من تقبل توبتهمُ ذَكَرَ حالَ أضَدادِهم الذين لا تقبل توبتهم، فقال: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾؛ أي: وليس قبولُ التوبة واجبًا على الله للذين يفعلون، ويرتكبون الذنوبَ، والمعاصيَ، ويستمرون عليها إلى حضور علامات الموت وقُرْبه ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾؛ أي: فإذا حضر أحدهم أوائلُ الموت، وَرَأى أشراطَها، وأيس من الحياة التي يتمتع بها، ﴿قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ إلى طاعة الله، ولذلك لم يُقْبَل إيمانُ فرعون حين أدركَه الغرقُ؛ أي: إن سنةَ الله قد مضَتْ بأن التوبة لا تكون للذين يعملون السيئات منهمكينَ فيها إلى حضور الموت، وصدور ذلك القول منهم؛ لأن هؤلاء قد أحاطَتْ بهم خطيئَاتُهم، ولم تَدَعْ للأعمال الصالحة مكانًا في نفوسهم، فهم
أصروا عليها إلى أن حضرهم الموت، وَيئِسوا من الحياة التي يتمتعون بها، وحينئذ يقول أحدهم: إني تبتُ الآن، وما هو من التائبين بل من المدعين الكاذبين.
والخلاصة: أن التوبةَ لمثل هؤلاء ليست مقبولةً حتمًا، فأمرهم مفوَّضٌ إلى الله تعالى، وهو العليمُ بحالهم، وحديثُ قبول التوبة "ما لم يغرغر" أو تَبلُغ روحه الحلقوم: المرادُ منه حصول التوبة النصوح، بأن يُدركَ المذنبُ قبحَ ما كان قد عمله من السيئات، ويندَمَ على مزاولتها، ويزولَ حبه لها، بحيث لو عاشَ لم يعدْ إليها، وقلَّما يحصل مثل هذا الإدراك للمصر على السيئات المستأنس بها في عامة أيام الحياة، وإنما يَحصل له إدراك العجز عنها، واليأس منها، وكراهةُ ما يتوقعه من قُرْبِ العقاب عليها عندَ الموت.
﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾؛ أي: وليس قبول التوبة للذين يموتون على الكفر إذا تابوا في الآخرة عند معاينة العذاب؛ أي: لا تقبل توبة لهؤلاء ولا لهؤلاء، فقد سوى الله بين الذين سوفوا توبتَهم إلى أن حضر الموتُ، وبين الذين ماتوا على الكفر، في أنَّ توبتهم لا تقبل، فكما أن المائتَ على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، كذلك المسوف إلى حضور الموت فكلٌ منهما جَاوَزَ الحد المضروب للتوبة، إذ هي لا تكون إلا عند التكليف والاختيار.
﴿أُولَئِكَ﴾ المذكورون من الفريقين ﴿أَعْتَدْنَا﴾ وهيأنا ﴿لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ أي: مؤلمًا موجعًا في الآخرة؛ أي: هذان الفريقان اللذان استعبدَهما سلطان الشهوة، وخرَجَا عن نهج الفطرة، وهُدى الشريعةِ: أعدَدْنا وهيأنا لهم العذابَ الموجعَ في الآخرةِ، جزاءًا وفاقًا لما اكتسَبت أيديهم من السيئات مع إصرارهم عليها حتى المماتِ، إذ أنهم أفسدوا قلوبَهم، ودسوا نفوسَهم، فصارت تهبط بهم خَطَايَاهم إلى الدرك الأسفل من النيران، والهَوَان، وتعجز عن الصعود إلى معاهد الكرامةِ والرضوانِ، وهذه الجملة تأكيدٌ لعدم قبول توبتهم.
١٩ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللهِ ورسوله ﴿لَا يَحِلُّ﴾، ولا يجوز ﴿لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ﴾ عَيْنَ النساء وذاتها بنكاحِهن ﴿كَرْهًا﴾ أي مكرهات غيرَ راضيات له إذا
مات أقاربُكم عنهن؛ أي: لا يحل لكم أيها المؤمنون: أن تسيروا على سنةِ الجاهلية في هضم حقوق النساء، فتجعلوهن ميراثًا لكم، كالأموال، والعبيد، وتتصرفوا فيهن كما تَشاءُون، وهنَّ كارهات لذلك، فإن شاء أحدكم تزوج امرأةَ من يموت من أقاربه، وإن شاء زوجها غيره، وإن شاء أمسكها ومَنَعَها الزواجَ، كما مر بيان ذلك كله في أسباب النزول.
﴿و﴾ كذلك ﴿لا﴾ يحل لكم أيها المؤمنون أن: ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ وتحبسوهن في نكاحكم، وتضيّقوا عليهن بسوء العشرة، حتى أُلْجِئَت إلى الافتداء بمالها ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾؛ أي: لتأخذوا منهن، وتردوا عنهن بعضَ ما أعطيتموهن من المهور بسبب اختلاعهن، ومن باب أولى أَخَذُ الجميع. وقرأ ابن مسعود، ﴿ولا أن تعضلوهن﴾ وهذه القراءة تقوي احتمالَ النصب على احتمال الجزم، وقال ابن عطية: واحتمال النصب أقوى. انتهى؛ أي: لا يحل لكم أيها المؤمنون إرثُ ذاتِ نساءِ أقاربكم، إذا ماتوا عنهن بتزوجها كُرهًا من غير رِضَاهَا، ولا يحل لكم أيضًا العضل، والتضييق على أزواجكم اللاتي في نكاحكم، ومضارتُهن بسوء العشرة لِيُكْرِهْنَكُم، ويَضْطَرِرْنَ إلى الافتداء منكم بالمال، والصداق الذي أَخَذْنَ منكم أو بالمال الذي وَرِثَتْ من زوجها الأول، فقد كانوا يتزوجون من يعجبهم حَسْنُها، ويزوِّجون من لا تعجبهم، أو يمسكونها حتى تفتدِيَ بما كانت وَرِثَتْ من قريب الوارث، أو بما كانت أخذت من صداق ونحوه، أو بكلّ هذا، وربما كلفوها الزيادةَ إن علموا أنها تَسْطِيعها.
أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كانت قريش بمكة ينكح الرجل منهم المرأةَ الشريفةَ فلعلها، ما توافِقُهُ فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود، فيكتب ذلك عليها؛ فإذا خَطَبَها خاطبٌ، فإن أعطَتْه وأَرْضَتْهُ أذِنَ لها، وإلا عَضَلها، وكثيرًا ما كانوا يضيّقون عليهن ليفتدِينَ منهم بالمال.
وقرأ حمزة والكسائي ﴿كَرْهًا﴾ بضم الكاف هنا، وكذا في التوبة، وفي الأحقاف، وقرأ عاصم، وابن ذكوان عن ابن عامر في الأحقاف بالضم، والباقون بالفتح، وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو بالفتح في جميع ذلك، قال الفراء:
الكره بالفتح: الإكراه، وبالضم: المشقةُ، فما أُكرِه عليه فهو كَرُه بالفتح، وما كان من قِبَلِ نفسه، فهو كُرْهُ بالضم.
﴿إِلَّا أَنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم بفتح الياء؛ أي: بينها من يدَّعِيها، ويوضحها والباقون بالكسرة؛ أي: بينةٍ في نفسها، ظاهرة من النشوز وشَكاسة الخلق، وإيذاء الزوج وأهلِه بالبذاء والسلاطة، ويدل عليه قراءة أبي بن كعب إلا أن يفحشن عليكم، وقرأ ابن عباس ﴿مبينة﴾ بكسر الباء وسكون الياء: من أبانَ الشيء فهو مبين؛ أي: لا تعضلوهن في حال من الأحوال، إلا في الحال التي يفعلنَ فيها بالفاحشة، المبينة، الواضحة الظاهرة، الفاضحة دون الظنة والشبهةِ، فإذا نشزن عن طاعتكم وسَاءَتْ عشرتهن، ولم ينفع معهن التأديبُ، أو تبيَّنَ ارتكابهن للزنا، أو السرقة، أو نحو ذلك من الأمور الفاحشة الممقوُتة عند الناس، فلكم حينئذ أن تعضلوهن، وتضيقوا عليهن، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صداق وغيره من المال؛ لأن الفُحْشَ قد أتى من جانبها، فقد عُذِرْتُم حينئذ في طلب الخلع، وإنما اشترِطَ في الفاحشة أن تكونَ مبينةً؛ أي: ظاهرةً فاضحةً لصاحبها؛ لأنه رُبَّما ظلَمَ الرجل المرأةَ بإصابتها الهفوةَ الصغيرةَ، أو بمجرد سوء الظن، والتهمة، فمن الرجال الغَيور السيء الظنّ الذي يؤاخذ بأتفه الأمور، ويعده عظيمًا.
وإنما أبيح للرجل أن يضيِّق على امرأته إذا أتت بهذه الفاحشة المبينة؛ لأنها ربما كَرِهته، ومالَت إلى غيره فتؤذيه بفاحش القول، أو الفعل؛ ليملها، ويسأم معاشرتها؛ فيطلقها؛ فتأخذ ما كان أعطاها، وتتزوج غيره، وتتمتع بمال الأول، وربما فعلت مع الثاني ما فعلت مع الأول، فإذا عَلِمَ النساء أن العضلَ والتضييقَ بيد الرجال، ومما أبيح لهم إذا هن آذينَهُم وأهنَّهم؛ فإن ذلك يكفهن عن ارتكابها، والاحتيالِ بها على أرذلِ أنواعِ الكسب.
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: وعاشروا أيها: الأزواج، وساكنوا مع زوجَاتِكم بالوجه المعروف في هذه الشريعة، وبَيْنَ أهلها من حسن المعاشرة؛ أي: وعليكم أيها الأزواجُ أن تحسنوا معاشرةَ نسائِكم فتُخَالطُوهُنَّ بما تألُفُه
طباعهن، ولا يستنكرهُ الشرعُ، ولا العرفُ، ولا تضيقوا عليهن في النفقة، ولا تؤذوهن بقولٍ ولا فعلٍ، ولا تقابلوهنَ بعبُوسٍ الوجه، ولا تقطيب الجَبين، والمعاشرة بالمعروفِ هو: الإنصافُ في الفعل المبيت والنفقة والإجمال في القول، وفي المَثلِ: المرأة تَسْمُنُ مِن أُذنها.
وفي كلمة المعاشرة: معنى المشاركة، والمساواة؛ أي: عاشروهنَ بالمعروف. وليعاشِرْنكم كذلك، فيجب أن يكونَ كل من الزوجين مدْعَاةً لسرور الآخر، وسبب هناءته وسعادته في معيشته، ومنزله، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ أي فإن كرهتم أيها الأزواج صحبةَ زوجَاتكِم لعيب في أخلاقِهن أو دَمامةِ في خلقهن مما ليس لهن فيه كسب، أو لتقصير في العمل الواجب عليهنَّ كخِدمةِ البيت، والقيام بشُؤونه مما لا يخلو عن مِثلِه النساء في أعمالهنَ أو لميل منكم إلى غيرهن، فَاصْبِرُوا، ولا تَعْجلُوا بمضارتهن، ولا بمفارقتهن ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ ويؤولَ الأمرُ إلى ما تحبونه من ذهابِ الكراهة وتبدلِها بالمحبة ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾؛ أي: في ذلك المكروه لكم ﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾، ونفعًا كبيرًا لكم، فجواب الشرط محذوف، والفاء في عسى معلِّلُة لذلك المحذوف، وعسَى هنَا للتحقق، لا للرجاء، والمعنَى: فإن كرهتموهن.. فاصبرُوا، ولا تفارقُوهن؛ لأنه قد ثبَتَ وحقَّ كراهتكم شيئًا وجعل الله فيه خيرًا كثيرًا. وفي "القاموس" (١) عسى للترجي في المحبوب، والإشفاق في المكروه، واجتمَعا في قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الآية. وللشك واليقين، وقد تشبه بكاد ومن الله للإيجاب انتهى.
ومن الخير الكثير: الأولادُ الأَنْجابُ فرُبَّ امرأة يملها زوجها، ويَود فراقَها ثم يجيئه منها مَنْ تقرُّ به عَينه من الأولاد النجباء، فيَعْلَو قَدْرُها عنده بذلك.
ومن ذلك أن يصلُحَ حالها بصبره وحسن معاشرته فتكون من أعظم أسباب
(١) قاموس.
سعادته، وسروره في انتظام معيشته، وحسن خدمته، ولا سيما إذا أصيب بالأمراض، أو بالفقر، والعَوَزِ فتكون خَيْرَ سلوى وعون في هذه الأحوال، فيجب على الرجل أن يتذكر مثلَ ذلك كما يذكر أنه قلما يخلو من عيب تصبر عليه امرأته في الحال، والاستقبال، وقيل (١) أن ترى مُتَعَاشِرَين يرضى كل واحد منهما جميعَ خلق الآخر، ويقال: ما تعاشر اثنان إلا وأحدهما يتغامض عن الآخر، وفي صحيح مسلم "لا يفرك مؤمن مؤمنةً، إن كره منها خلقًا رضيَ منها آخر" وأنشدوا في هذا المعنى:
وَمَنْ لاَ يُغَمِّضْ عَيْنَهُ عَنْ صَدِيْقِهِ وَعَنْ بَعْضِ مَا فِيْهِ يَمُتْ وَهْوَ عَاتِبُ
وَمَنْ يَتَتَبَّعْ جَاهِدًا كُلَّ عَثْرَةٍ يَجِدْهَا وَلاَ يَسْلَمُ لَهُ الْدَّهْرَ صَاحِبُ
وقد جاء (٢) قوله تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ في سِياق حديث النساء دستورًا كاملًا، وحاكمًا عادلًا إذا نحن اتبعناه كان له الأثرُ الصالح في جميع أعمالنا، وهَدَانا إلى الرشد في جميع شؤوننا فكثيرٌ ممَّا يكرهُه الإنسانُ يكون له فيه الخَيْرُ، ومتى جاء ذلك الخير.. ظهرَتْ فائدةُ ذلك الشيء المكروه، والتجارب أصدَقُ شاهد على ذلك، فالقتال لأجل حماية الحقِ والدِّفاع عنه، يكرهه الطبع لما فيه من المشقة، لكن فيه إظهار الحق، ونصرُه ورفعة أهله، وخذلان الباطل وحزبه، على أنَّ الصبرَ على احتمالِ المكروه يمرن النفسَ على احتمال الأذى، ويعودها تحملَ المشاق في جسيم الأمور، وبالجملة: فالإحسان إلى النساء من مكارم الأخلاق، وإن وقعَتْ منهن الإساءَةُ لما في الحديث "يغلبن كريمًا، ويغلبهن لئيم، فأحب أن أكون كريمًا مغلوبًا، ولا أحب أن أكون لئيمًا غالبًا".
والخلاصة: أن الإِسلام وصى أهلَه بحسن معاشرة النساء، والصبر عليهن، إذا كَرِهَهُنَّ الأزواجُ رجاءَ أن يكون فيهن خير كثير، ولا يبيحُ عضلَهن افتِدَاؤهن أنفسهن بالمال، إلا إذا أتين بفاحشة مبينة بحيث يكون إمساكهن سببًا في مهانة
(١) البحر المحيط.
(٢) المراغي.
الرجل، واحتقاره أو إذا خافا أن لا يقيما حدود الله، وفيما عدا ذلك يجبُ عليه إذا أراد فراقُها أن يعطَيها جميعَ حقوقها،
٢٠ - وهذا ما أشار إليه بقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ﴾ وقصدتم أيُّها الأزواجُ ﴿اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾؛ أي: تزوجَ زوجة جديدة ترغبون فيها، وأخذَها ﴿مَكَانَ زَوْجٍ﴾؛ أي: بدلَ زوجة قديمة كرهتموها، وأردتم تطليقَها لعدم طاقتكم الصبرَ على معاشرتها، وهي لم تأت بفاحشة مبينة، ﴿و﴾ قد ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ﴾؛ أي: إحدى الزوجات؛ أي: والحال أنكم قد أعطيتم تلك القديمةَ التي تريدون تطليقَا ﴿قِنْطَارًا﴾؛ أي: مالًا كثيرًا من الصداق ﴿فَلَا تَأخُذُوا مِنْهُ﴾؛ أي: من ذلك القنطار ﴿شَيْئًا﴾؛ أي: يسيرًا، ولا كثيرًا، وقرأ أبو السمال (١) وأبو جعفر ﴿شَيْئًا﴾ بفتح الياء وتنوينها حذف الهمزة وألقى حركتها على الياء والمعنى (٢): وإذا رغبتم أيها الأزواج في استبدال زوجٍ جديدةٍ مكانَ زوج سابقةٍ كرهتموهَا لِعَدَمِ طاقَتِكم الصبرَ على معاشِّرتِها، وهي لم تأت بفاحشة مبينة، وقد آتيتموها المالَ الكثيرَ مقبوضًا، أو ملتزمًا دفعه إليها، فصار دينًا في ذمتكم؛ فلا تأخذوا منه شيئًا، بل عليكم أن تدفعوه لها؛ لأنكم إنما استبدلتم غيرهَا بها لأغراضكم ومصالحكم بدون ذَنْب، ولا جَرِيرة تُبيح أَخْذَ شيء منها، فبأي حق تستحلون ذلك، وهي لم تَطْلُب فِراقَكَم، ولم تُسيء العشرةَ إليكم، فتحملَكم على طلاَقِها.
وإرادةُ الاستبدال ليسَتْ شرطًا في عدم حل أخذ شيءٍ من مالها، إذا هو كره عشرتها، وأراد الطلاقَ لكنه ذكر لأنه هو الغالب في مثل هذا الحال، ألا ترى: أنه لو طلقها، وهو لا يريد تزوَّجَ غيرها، بأن أراد الوَحْدةَ وعدمَ التقيد بالنساء، ومؤنتهن، فإنه لا يحل له شيء من مالها.
ثم أنكر عليهم هذا الفعلَ، ووبخهم عليه أشد التوبيخ فقال: ﴿أَتَأخُذُونَهُ﴾ استفهام إنكاري فيه معنى التوبيخ؛ أي: هل تأخذون ذلك القنطار منها
(١) البحر المحيط.
(٢) المراغي.
﴿بُهْتَانًا﴾؛ أي: حالة كونكم باهتينَ وكاذبينَ عليها برميها بالفاحشة، ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾؛ أي: وحالة كونكم آثمين إثمًا مبينًا؛ أي: ظالمينَ لها ظلمًا، بينًا، ظاهرًا، بأخذ مالها بغير استحقاق له؛ أي: لا تفعلوا ذلك، وقد كان من دَأبهم أنهم إذا أرادوا تطليقَ الزوجة، رَمَوها بفاحشة، حتى تَخافَ وتشتريَ نَفْسَها منه بالمهر الذي دَفَعه إليها، وأصل البهتان (١) الكذب الذي يواجهُ به الإنسان صاحبَه على جهة المكابرة، فيبْهَتُ المكذوبُ عليه؛ أي: يتحيَّرُ ثُمَّ سميَ كلُّ باطل يتحيّر من بطلانه بُهْتَانًا.
٢١ - ثم زاده إنكارًا آخر مبالغةً في التنفير من ذلك فقال: ﴿وَكَيْفَ تَأخُذُونَهُ﴾؛ أي: وبأي وجه وسبب تأخذُون ذلك القنطار ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: والحال: أنه قد وَصَلَ، وألصقَ بعضكم أيُّها الأزواجُ والزوجات إلى بعض بالجماع الموجب للمهر، واجتمعتم في لحاف واحدٍ، ولاَبَس بعضكم بعضًا ملابسةً يتكوَّنُ منها الولد، فإنها قد بذلَتْ نفسَها لك، وجعلَتْ ذاتَها مَلاذك ومتمتعك، وحصلَت الألفة التامَّةُ بينكما، فكيف يليق بالعاقل أن يسترد منها شيئًا، فهذا لا يليق بمَنْ له طَبْعٌ سليم، وذوقٌ مستقيم؛ أي: إنَّ حالَ هؤلاء الذين يستحلون أخذَ مهور النساء إذا أرادوا مُفارقتَهن بالطلاق، لا لذنب جَنيْنَهُ، ولا لإثم اجترحنَه من الإتيان بفاحشة مبينة، أو عدم إقامة حدود الله، وإنما هو الرأي والهَوى، وكراهةُ معاشرَتِهن عجيب أيما عجيب، فكيف يستطيبون ويجُوزون أخذَ ذلك منهن بعد أن تأكَّدَت الرابطة بين الزوجين بأقوى رباط حيوي بين البشر، ولابس كل منهما الآخر حتى صار كل منهما من الآخر بمنزلة الجزء المتمم لوجوده، فَبعد أن أفضى كل منهما إلى الآخر إفضاء، ولابسه ملابسةً يتكون منها الولد يقطع تلك الصلة العظيمة، ويطمع في مالها وهي المظلومة الضعيفة، وهو القادر على اكتساب المال بسائر الوسائل، التي هدَى الله إليها البشرَ.
وجملة قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ معطوفة على جملة قوله:
(١) البحر المحيط.
﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: وكيف تأخذونه، والحاصل: أن هؤلاء النساء، يعني زوجاتَهم قد أخذن وجعلن عليكم ميثاقًا، وعهدًا غليظًا؛ أي: شديدًا وعاشرن معكم بذلك العهد. قال ابن عباس، ومجاهد: الميثاق الغليظ: كلمة النكاح المعقودة على الصداق، وهي الكلمة التي تستحلُّ بها الفروجُ، ويدل على ذلك ما رُوي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وقيل: هو قولُ العاقد عند العقد زوجتكها على ما أخَذَ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، قاله قتادة.
وهذا الإسناد (١) مجاز عقلي من الإسناد للسبب؛ لأن الآخذ للعهد حقيقة هو الله سبحانه وتعالى، لكن بولغ فيه حتى جَعَل كأنهن الآخذاتُ له، والمعنى فكيف تأخذونه، والحاصل أنَّ الله سبحانه وتعالى قد أخذ وجعل عليكم أيُّها الأزواج بسببهن ميثاقًا غليظًا، وعهدًا شديدًا على التقوى في حقوقهن حيث قال: على لسان نبيه محمد - ﷺ -: "اتقوا الله في النساء" الحديث.
وقيل: الميثاق الغليظُ: المودةُ والرحمةُ المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ فالإسناد على هذا حقيقي، والمعنى حينئذ: فكيف تأخذونه وقد أخذنَ وحَمَلْنَ أزواجكم بسببكم مودةً شديدةً وشفقة عجيبة.
فهذه آية من (٢) آيات الفطرة الإلهية هي أقوى ما تعتمدُ عليها المرأَةُ في ترك أبوَيْها، وإخوتها وسائر أهلها، والاتصال برجل غريب عنها تسَاهِمُهُ السرَّاءَ والضراءَ، وتسكن إليه ويَسْكُن إليها، ويكون بينهما من المودة أقوَى مما يكون بين ذوي القربى ثقةً منها بأنَّ صِلَتَها به أقوى من كل صلة، وعيشتَها معه أَهْنَأُ مِن كلِّ عيشة.
(١) المراح.
(٢) المراغي.
هذه الثقة، وذلك الشعورُ الفطري الذي أودعَ في المرأة وجعلها تحسُّ بصلة لم تَعْهَدْ من قَبْلُ لا تَجِدُ مثلَها لدى أحد من الأهل، وبها تعتقد أنها بالزواج مقبلة على سعادة ليس وراءَها سعادة في الحياة، هذا هو المركوز في أعماق النفوس، وهذا هو الميثاق الغليظ، فما قيمة مَنْ لا يَفِي بهذا الميثاق، وما هي مَكانتُه من الإنسانية. وقد استدلوا (١) بذكر القنطار على جواز التغالي في المهور، وقد روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - نهى على المنبر، أن يزاد في الصداق على أربع مائة درهم، ثم نَزلَ فاعترضَتْه امرأةٌ من قريش فقالت: أما سمعْتَ الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ فقال: اللهم عَفْوًا كلُّ الناس أَفْقَهُ من عُمَر، ثُمَّ رَجَع فركب المنبرَ، فقال إني كنت نهيتكم أن تزيدوا في صدقاتهن على أربع مائة درهم، فَمَنْ شاء أن يعطِيَ من ماله، فله ما أحبَّ.
هذا وإن الشريعة لم تحدِّدْ مقدار الصداق، بل تركَتْ ذلك للناس لتفاوتهم في الغنى والفقر، فكل يعطي بحسب حاله، لكن جاء في السنة: الإرشاد إلى اليسْر في ذلك، وعدم التغالي فيه.
فمن ذلك ما رواه أحمد، والحاكم، والبيهقي عن عائشة إنَّ مِنْ يُمْنِ المرأة تيسيرَ خِطْبَتِهَا، وتَيسِيرَ صداقها. وإن التغالِيَ في المُهور الآن، قد صار من أسباب قلة الزواج، وقلَّةِ الزواج: تُفْضِي إلى كثرة الزنا والفساد، والغَبْنُ أخيرًا على النساء أكثَرُ، وإنّك لَتَرى هذه العادةَ متمكنة لدى بعض الناس، حتى إن وليَّ المرأة؛ ليمتنع عن تزويج بنته للكفء الذي لا يرجى من هو خيرٌ منه، إذا كان لا يعطيه ما يراه لائقًا بكرامته، ويزوجها لمن هو دونه دينًا وخُلُقًا ومن لا يَرجُو لها سعادة عنده إذا هو أعطاه الكثيرَ الذي يراه محققًا لأغراضه، وهكذا تَتَحكم التقاليد والعادات حتى تفسدَ على الناس سعادتَهم، وتقوضَ نَظْمَ بيوتهن، وهم لها منقادون بلاَ تفكير في العواقب، فيا لَها مصيبةً في دِيننا، ودُنيانا، وإنَّا للهِ وإنا إليه راجعون.
(١) المراغي.
الإعراب
﴿وَاللَّاتِي يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾.
﴿وَاللَّاتِي﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿اللاتي﴾ اسم موصول للجمع المؤنث في محل الرفع، مبتدأ مبني على السكون ﴿يَأتِينَ﴾ فعل وفاعل. ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ مفعول به، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿يَأتِينَ﴾ ﴿فَاسْتَشْهِدُوا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الخبر بالمبتدأ، جوازًا على رأي الجمهور لشبه المبتدأ بالشرط في كونه موصولًا عامًّا، صلته فعل مستقبل. استشهدوا فعل وفاعل ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ متعلق به لـ ﴿أَرْبَعَةً﴾ مفعول به ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿أربعة﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر مستأنفة، ويجوز (١) أن يكون الخبر محذوفًا، والتقدير: فيما يتلى عليكم حكم اللاتي فحذف الخبر، والمضاف إلى المبتدأ، للدلالة عليهما، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا نظير ما فعله سيبويه في نحو ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾؛ أي: فيما يتلى عليكم حكم الزانية، ويكون قوله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا﴾ وقوله ﴿فَاجْلِدُوا﴾ وقوله: ﴿فَاقْطَعُوا﴾ دالًّا على ذلك المحذوف؛ لأنه بيان له اهـ "سمين".
﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾.
﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا امتثلتم ما أمرتكم به من الاستشهاد، وأردتم بيانَ حكم ما إذا أشهدوا.. فأقول لكم. ﴿إن﴾ ﴿شَهِدُوا﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿شَهِدُوا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعلَ شرط لها. ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ الفاء رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا. ﴿أمسكوهن﴾ فعل وفاعل ومفعول. {فِي
(١) الفتوحات الإلهية.
الْبُيُوتِ} جار ومجرور متعلق به، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية من فعل شرطِها وجوابِها في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية. ﴿يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ فعل ومفعول وفاعل منصوب بـ ﴿إن﴾ مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حتى﴾ بمعنى إلى، تقديره. فأمسكوهن في البيوت إلى توفي الموت إياهن، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿أمسكوا﴾. ﴿أَوْ﴾ حرف عطف بمعنى إلى ﴿أو﴾ بمعنى إلا. ﴿يَجْعَلَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد، ﴿أَوْ﴾ التي بمعنى إلى ﴿أو﴾ بمعنى إلا. ﴿لَهُنَّ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَجْعَلَ﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له. ﴿سَبِيلًا﴾ مفعول أول لجَعَل، والجملة الفعلية صلةُ أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر منسبك من الجملة التي قبلها، تقديره: فأمسكوهن في البيوت إلى توفي الموت إياهن أو جعل الله لهنَّ سبيلًا.
﴿وَاللَّذَانِ يَأتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾.
﴿وَاللَّذَانِ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية أو عاطفة. ﴿اللذان﴾ اسم موصول للمثنى المذكر في محل الرفع مبتدأ، مبني على ﴿الألف﴾ و ﴿النون﴾ حرف زائد لشبه التثنية، أو مرفوع بـ ﴿الألف﴾ على الخلاف المذكور في محله، هذا على قراءة تخفيف النون على أصل التثنية، ويقرأ (١) بتشديدها على أن إحدى النونين، عوض من اللام المحذوفة؛ لأن الأصلَ اللذيان مثل العَمَيَان والشجَيَان، فحذفت الياء؛ لأن الاسمَ مبهمُ، والمبهمات لا تثنى التثنيةَ الصناعيةَ، والحذف مؤذن بأن التثنيةَ هنا مخالفة للقياس، وقيل: حذفت لطول الكلام بالصلة، ذكره أبو البقاء. ﴿يَأتِيَانِهَا﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور حال من ضمير الفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿فَآذُوهُمَا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الخبر بالمبتدأ
(١) عكبري.
جوازًا لما في المبتدأ من العموم. ﴿آذوهما﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والرابط ضميرُ المفعول، والجملة الإسمية مستأنفة استئنافًا نحويًّا، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿واللاتي﴾ على كونها مستأنفة.
﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾.
﴿فَإن﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذَا امتثلتم ما أمرتكم به من الإيذاء لهما، وأردتم بيانَ حكم ما بعد الإيذاء.. فأقول لكم. ﴿إن تابا﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿تَابَا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعلَ شرط لها. ﴿وَأَصْلَحَا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم معطوف على ﴿تَابَا﴾. ﴿فَأَعْرِضُوا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملة طلبية. ﴿أعرضوا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابَ الشرط. ﴿عَنْهُمَا﴾ جار ومجرور متعلق به، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب. ﴿إِنَّ﴾ اسمها. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الجلالة. ﴿تَوَّابًا﴾ خبر أول لها. ﴿رَحِيمًا﴾ خبر ثان، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ جملة معللة للإعراض في محل الجر بلام التعليل المقدرة.
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾.
﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر. ﴿التَّوْبَةُ﴾ مبتدأ. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، تقديره: إنما التوبة ثابتة، وواجبة على الله وجوبَ تفضل منه، وإنجاز وعد منه لا وجوبَ إلزام، وكلفة عليه، ولكن الكلامُ على حذف مضاف، تقديره: إنما قبول التوبة؛ لأن التوبةَ هنا مصدر لتاب عليه إذا قبل توبته، لا مصدر تاب العبد إلى الله، إذا رجعَ إلى طاعته، والجملة الإسمية مستأنفة، ﴿لِلَّذِينَ﴾ جار ومجرور حال من الضمير المستكن في الخبر، تقديره: إنما التوبة ثابتة، هي على الله حالةَ كونها كائنة للذين يعملون السوء. ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ﴾ فعل وفاعل ومفعول،
والجملة صلة الموصول. ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ جار ومجرور حال من ضمير الفاعل، تقديره: حالةَ كونهم ملتبسين ﴿بجهالة﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب، ولكن التراخي المفهوم من ﴿ثم﴾ منفي بقوله: ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾. ﴿يَتُوبُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾. ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يتوبون﴾ قال أبو حيان (١): و ﴿من﴾ في قوله: ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾ تتعلق بـ ﴿يتوبون﴾ وفيها وجهان: أحدهما: أنها للتبعيض؛ أي: بعضَ زمان قريب، ففي أي جزء من أجزاء هذا الزمان أتى بالتوبة.. فهو تائب من قريب، والثاني: أن تكون لابتداء الغاية؛ أي: يبتدىء التوبة من زمان قريب من المعصية لئلا يقع في الإصرار. ومفهومُ ابتداء الغاية. أنه لو تاب من زمان بعيد.. فإنه يخرج عن من خص بكرامة حتم قبول التوبة على الله المذكورة في الآية بـ ﴿على﴾ بقوله: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ انتهى.
﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة تفريعية. ﴿أولئك﴾ مبتدأ. ﴿يَتُوبُ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، ولكنه خبر سببي، والجملة الإسمية معطوفة مفرعة على جملة قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾. ﴿وَكَانَ﴾ الواو استئنافية. ﴿كان الله عليمًا﴾ فعل ناقص، واسمه وخبره. ﴿حَكِيمًا﴾ خبر ثان له، والجملة مستأنفة.
﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾.
﴿وَلَيْسَتِ﴾ الواو استئنافية. ﴿ليست التوبة﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿لِلَّذِينَ﴾ جار ومجرور خبر ﴿ليس﴾ وجملة ﴿ليس﴾ مستأنفة. ﴿يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ﴾ ﴿حتى﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿حَضَرَ﴾ فعل ماض. ﴿أَحَدَهُمُ﴾ مفعول به، ومضاف إليه. ﴿الْمَوْتُ﴾ فاعل،
(١) البحر المحيط.
والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة إذا إليها، على كونها فعلَ شرط لها، والظرف متعلق بالجواب. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على أحدهم، وجملة ﴿قَالَ﴾ جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ من فعل شرطها وجوابها غاية لما قبل ﴿حَتَّى﴾، والتقدير: وليست التوبة لقوم يعملون السيئات، ويستمرون على ذلك، فإذا حضر أحدهم. قال كيتَ وكيتَ، وهذا (١) هو الوجه الحسن، ولا يجوز في ﴿حَتَّى﴾ أن تكون جارةً لـ ﴿إذا﴾؛ أي: يعملون السيئات إلى وقت حضور الموت من حيث إنها شرطية، والشرط لا يعمل فيه ما قبله، للزومه الصدارةَ، وإذا جعلنا ﴿حتى﴾ جارة تعلقت بـ ﴿يعملون﴾ وأدوات الشرط لا يعملُ فيها ما قبلَها، ولأنَ ﴿إِذَا﴾ لا تتصرف على المشهور، ذكره في "الفتوحات" ﴿إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قال﴾ منصوب بفتحة مقدرة، منع من ظهورها اشتغالُ المحل بحركة الحكاية، وإن شئت قلت ﴿إن﴾ حرف نصب وتوكيد ﴿والياء﴾ في محل النصب اسمها. ﴿تُبْتُ﴾ فعل وفاعل. ﴿الْآنَ﴾ ظرف للزمن الحاضر في محل النصب على الظرفية مبني على الفتح لشبهه بالحرف، شبهًا معنويًّا، لتضمنه معنى حرف التعريف، والظرف متعلق بـ ﴿تبت﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾.
﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
﴿وَلَا الَّذِينَ﴾ الواو عاطفة. ﴿لا﴾ زائدة زيدت لتأكيد نفي ما قبلها. ﴿الَّذِينَ﴾ في محل الجر معطوف على قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾. ﴿يَمُوتُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الواو حالية. ﴿هُمْ﴾ مبتدأ. ﴿كُفَّارٌ﴾ خبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿يَمُوتُونَ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ. ﴿أَعْتَدْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿اعتدنا﴾. ﴿عَذَابًا﴾ مفعول به. ﴿أَلِيمًا﴾ صفة له.
(١) الجمل.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء. ﴿أي﴾ منادى نكرة مقصودة ﴿والهاء﴾ حرف تنبيه زائد. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل الرفع، أو في محل النصب صفة لـ ﴿أي﴾. ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، وجملة النداء مستأنفة. ﴿لَا يَحِلُّ﴾ ﴿لَا﴾ نافية. ﴿يَحِلُّ﴾ فعل مضارع مرفوع. ﴿لَكُمْ﴾ متعلق به. ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ﴾ ناصب وفعل وفاعل ومفعول، والجملة في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية، لـ ﴿يحل﴾ تقديره: لا يحل لكم إرث النساء كرهًا، وجملة ﴿لَا يَحِلُّ﴾ جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿كَرْهًا﴾ حال من النساء منصوب، ولكنه بعد تأويله بالمشتق تقديره مكرهات.
﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ الواو عاطفة. ﴿لا﴾ زائدة زيدت لتأكيد نفي ما قبلها. ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿تَرِثُوا﴾ منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية، والجملة في تأويل مصدر مرفوع معطوف على مصدر منسبك من الجملة التي قبلها. على كونه فاعلًا لـ ﴿يحل﴾ تقديره: لا يحل لكم إرث النساء كرهًا ولا عضلهن. ﴿لِتَذْهَبُوا﴾ ﴿اللام﴾ لام كي. ﴿تذهبوا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي. ﴿بِبَعْضِ﴾ ﴿الباء﴾ حرف جر وتعدية. ﴿بعض﴾ مجرور بـ ﴿الباء﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تذهبوا﴾، وجملة ﴿تذهبوا﴾ صلة أن المضمرة، وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام كي، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تعضلوا﴾ والتقدير: ولا تعضلوهن لذهابكم، وأخذكم بعض ما آتيتموهن من المهور، ﴿بعض﴾ مضاف. ﴿ما﴾ موصولة أو موصوفة في محل الجر مضاف إليه. ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف تقديره: ببعض ما آتيتموهن إياه؛ لأن ﴿آتى﴾ هنا بمعنى أعطى، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط الضمير المحذوف الذي هو المفعول الثاني. ﴿إِلَّا أَنْ يَأتِينَ﴾ ﴿إلا﴾ أداة استثناء من أعم الأحوال. ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿يَأتِينَ﴾ فعل مضارع في حل النصب بأن المصدرية مبني على السكون لاتصاله ﴿بنون﴾ الإناث، و ﴿نون﴾ الإناث في محل الرفع فاعل
﴿بِفَاحِشَةٍ﴾ جار ومجرور متعلق به. ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ صفة لـ ﴿فاحشة﴾ والجملة الفعلية صلة أن المصدرية ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على الاستثناء، ولكنه على تقدير مضاف، والتقدير: ولا يحل لكم أن تعضلوهن في حال من الأحوال إلا حالَ إتيانهن بفاحشة مبينة.
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿عاشروهن﴾ فعل وفاعل، ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ جار ومجرور متعلق به، أو متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿عاشروا﴾ تقديره: حالةَ كونكم ملتبسينَ بالمعروف. ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصَحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما أمرتكم به من المعاشرة بالمعروف، وأردتم بيانَ حكمِ ما إذا كرهتموهن، فأقول لكم. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ فعل وفاعل، ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعلَ شرط لها. ﴿فَعَسَى﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا، لكون الجواب جملة جامدة. ﴿عسى﴾ فعل ماض تام. ﴿أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ ناصب وفعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية صلة ﴿أن﴾ المصدرية ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لـ ﴿عسى﴾ تقديره: فعسى وحق كراهتكم شيئًا. ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية؛ لأنه معطوف على ﴿تَكْرَهُوا﴾. ﴿فيه﴾ جار ومجرور متعلق به، وهو في محل المفعول الثاني لـ ﴿جعل﴾. ﴿خَيْرًا﴾ مفعول أول له. ﴿كَثِيرًا﴾ صفة لـ ﴿خَيْرًا﴾ والتقدير: فعسى كراهتكم شيئًا، وجعل الله فيه خيرًا كثيرًا، وجملة عسى في محل الجزم بإن الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة.
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾.
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿أَرَدْتُمُ﴾ فعل
وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فِعْلَ شرط لها. ﴿اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ مفعول به، ومضاف إليه. ﴿مَكَانَ زَوْجٍ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿استبدال﴾ ﴿وَآتَيْتُمْ﴾ الواو واو الحال. ﴿آتيتم﴾ فعل وفاعل. ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ مفعول أول، ومضاف إليه. ﴿قِنْطَارًا﴾ مفعول ثان، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿أَرَدْتُمُ﴾ ولكنه على تقدير قد، كما أشرنا إليه في بحث التفسير. ﴿فَلَا تَأخُذُوا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية جوازًا. ﴿لا﴾ ناهية جازمة. ﴿تَأخُذُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿ـلا﴾ الناهية. ﴿مِنْهُ﴾ متعلق به. ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿ـإن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿أَتَأخُذُونَهُ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري التوبيخي. ﴿تأخذونه﴾ فعل وفاعل ومفعول مرفوع بثبات النون، والجملة الفعلية، جملة استفهامية لا محلَّ لها من الإعراب. ﴿بُهْتَانًا﴾ حال من ضمير الفاعل. ﴿وَإِثْمًا﴾ معطوف عليه. ﴿مُبِينًا﴾ صفة لإثم محذوف تقديره: أتأخذونه حالةَ كونكم باهتينَ آثمينَ إثمًا مبينًا، ويجوز نصبهما على المفعول لأجله؛ كما ذكره أبو البقاء.
﴿وَكَيْفَ تَأخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾.
﴿وَكَيْفَ﴾ الواو استئنافية. ﴿كيف﴾ اسم استفهام عن الحال في محل النصب على الحال من فاعل ﴿تأخذون﴾ مبني على الفتح لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا، والاستفهام أيضًا للإنكار والتوبيخ. ﴿تَأخُذُونَهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والمعنى أتأخذونه حالة كونكم ظالمينَ. قال أبو البقاء (١): ﴿كيف﴾ في موضع نصب على الحال، والتقدير: أتأخذونه جائرينَ وهذا يتبين لك بجواب ﴿كيف﴾، فإذا قلت: كيف أخذت مال زيد، كان الجواب حالًا تقديره: أخذته ظالمًا، أو عادلًا، ونحو ذلك، ويكون موضع كيف في الإعراب مثلَ موضع جوابها أبدًا.
(١) العكبري.
انتهى. والجملة الفعلية جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾ واو الحال. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿أَفْضَى بَعْضُكُمْ﴾ فعل وفاعل، ومضاف إليه، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿تأخذون﴾. ﴿إِلَى بَعْضٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أفضى﴾. ﴿وَأَخَذْنَ﴾ الواو عاطفة. ﴿أخذن﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَفْضَى﴾. ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أخذن﴾. ﴿مِيثَاقًا﴾ مفعول به. ﴿غَلِيظًا﴾ صفة له.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَاللَّاتِي يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ ﴿اللاتي﴾ جمع (١) التي بحسب المعنى دون اللفظ؛ كما مر في بحث التفسير، وفيه لغات: اللاتي: بإثبات التاء، والياء، واللات: بحذف الياء، وإبقاء الكسرة لتدل عليها، واللائي: بالهمزة، والياء. واللاء: بكسر الهمزة، وحذف الياء، ويقال في جمع الجمع: اللواتي واللوات واللواء والفاحشة الفعلية القبيحة وهي مصدر كالعافية، والعاقبة، وإتيانها فعلها، ومباشرتُها يقال: أتى الفاحشةَ يأتي إتيانًا إذا فعلها وبَاشَرها.
﴿وَاللَّذَانِ يَأتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ ﴿الذان﴾ (٢) تثنية الذي وكان القياس: أن يُقال: اللذَيان كرحَيَان. قال سيبويه: حذفت الياء ليُفرقَ بين الأسماء المتمكنة، وبين الأسماء المبهمة، وقال أبو علي: حُذفت الياء، تخفيفًا، وقرأ ابن كثير ﴿اللذان﴾ بتشديد النون، وهي لغة قريش، وفيه لغة أخرى وهي: اللذا بحذف النون ﴿فَآذُوهُمَا﴾ أمر للجماعة من آذى الرباعي، يقال: آذى الرجلَ يؤذيه إيذاءَ أوصلَ إليه الأَذى، ثلاثيه أُذِيَ من باب شَجِيَ، يقال: أذِيَ زيد يأذى أذىً، وأذاةً إذا أصيبَ بأذى، والأذى والأذية والأذاة الضرر اليسير.
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ التوبة: مصدر تاب الله عليه توبةً إذا قبلَ توبتَه لا مصدر تاب العبد إلى الله بمعنى رجع إلى طاعته ﴿السُّوءَ﴾ يعم الكفر والمعاصيَ وغيرهما سمي بذلك، لأنه تسوء عاقبته ﴿أَعْتَدْنَا﴾ أصل أعتدنا أعددنا، فأبدلت
(١) الشوكاني.
(٢) الشوكاني.
الدال الأولى تاء ﴿كَرْهًا﴾ الكُره: بفتح الكاف، وضمها مع سكون الراء فيهما مصدران لكره الثلاثي المكسور العين، معناه الإباءُ والمشقُة، وما أكره عليه الإنسان، وقيل: هو بالضم ما أكرهت نفسك عليه، وبالفتح ما أكرهَكَ عليه غيرك، ويقال: شيء كره؛ أي: مكروه، ورجلُ كره؛ أي: متكره، ووجه كره، أي: قبيح، وفعله كَرهًا، أي إكراهًا.
﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يقال: عضل من باب نصر، والعضل التضييق، والشدة، ومنه: الداء العضال؛ أي: الشديد الذي لا نجاةَ منه، والفاحشةُ الفعلةُ الشنيعةُ الشديدة القبح كما مر آنفًا. والمبينة الظاهرة الفاضحة ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يقال: عاشرَه معاشرةً وعشرةً وتعاشَروا واعتشَروا عشرةً، والعِشرةُ الصحبةُ، والمخالطة، والمعروف هو مَا تألفه الطباعُ ولا يستنكره الشرعٌ ولا العرفُ ولا المروءةُ ﴿قِنْطَارًا﴾ القنطار: المالُ الكثيرُ، وقد تقدم الكلام عليه في أول سورة آل عمران فراجعه.
﴿بُهْتَانًا﴾ يقال: بهت يبهت وبهتًا وبهتانًا من باب فتح إذا افترى عليه الكذبَ، فهو بهاتُ، وبَهُوت، والبُهتان الكذب الذي يبهِّتُ المكذوبَ عليه، ويسكته متحيِّرًا.
﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: وصل إليها الوصول الخاص الذي يكون بين الزوجين، فيلابس كلُّ منهما الآخرَ حتى كأنهما شيء واحد، والإفضاء (١) إلى الشيء الوصول إلى فضاء منه؛ أي: سعة غير محصورة، كقولهم: الناس فوضَى فَضَى؛ أي: مختلطون يباشر بعضهم بعضًا، ويقال: أفضى إليه إفضاءً، وهو رباعي من الثلاثي المزيد فيه بحرف، يقال: فضا يفضو فضاءً من باب دعا إذا اتسع، فألف أفضى منقلبة عن ياءٍ أصلها واو، والميثاق الغليظ: العهدُ المؤكدُ الذي يربطكم بهن أقوى رباط وأحكمه.
(١) البحر المحيط.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البيان والبديع:
منها: التجوزُ (١) باطلاق اسم الكل على البعض في قوله: ﴿يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ لأن أل في الفاحشة تستغرق كل فاحشةٍ، وليس مرادًا، وإنما أطلق اسمُ الكل على البعض تعظيمًا لقبحة، وفحشه؛ كأنه لا فاحشةَ إلّا هو، فإنَّ كان العرف في الفاحشة الزنا، فليس من هذا الباب إذ تكونُ الألفُ واللام فيه للعهد.
ومنها: التجوزُ بأن يُرادَ من المطلق بعض مدلوله في قوله: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ إذا فسر بالتعيير، أو بالضرب بالنعال، أو الجمع بينهما، وبقوله: ﴿سَبِيلًا﴾ والمراد الجلد، أو رجمُ المحصن، وبقوله ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾: أي: اتركوهما.
ومنها: المجاز العقليُّ بإسناد الفعل إلى غير فاعله في قوله: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾: والمرادُ يتوفاهن اللهُ أو ملائكته، وفي قوله: حَتَّى إذا حضر أحدهم الموت؛ أي: علاماتُه ومقدماتُه.
ومنها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿فَإِنْ تَابَا﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا﴾.
ومنها: التجنيسُ المماثل في قوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا﴾.
ومنها: التكرار - أي: الإطناب - في اسم الله في مواضع، وفي قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ﴾ ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾، وفي قوله: ﴿اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾.
ومنها: إطلاق المستقبل على الماضي في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ و ﴿وَاللَّذَانِ يَأتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾، و ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ و ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ﴾.
ومنها: الإشارة والإيماء في قوله: ﴿كَرْهًا﴾ فإن تحريمَ الإرث كُرْهًا يوميء إلى جوازه طوعًا، وقد صرح بذلك في قوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ﴾.
ومنها: الإيماء أيضًا في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾
(١) البحر المحيط.
ففيه إشارة إلى أن له أن يَعْضلَها على غير هذه الصفة لمصلحة لها تتعلَّقُ بها، أو بمالها.
ومنها: المبالغةُ في تفخيم الأمر وتأكيده في قوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ عظم الأمر حتى يُنتهى عنه.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ استعار الأخذ للوثوق بالميثاق، والتمسك، والميثاق معنى لا يتهيأ فيه الأخذ حقيقةً، وفيه أيضًا استعارة لفظ الميثاق للعقد الشرعي، كما قال مجاهد: الميثاقُ الغليظُ: عُقدةُ النكاح، وفي هذا (١) الإسناد أيضًا مجاز عقلي؛ لأنَّ الآخِذَ للعهد هو الله؛ أي: وقد أخذ الله عليكم العهد لأجلهن، وبسببهن فهو مجازَ عقلي من الإسناد إلى السبب كما مرَّ.
ومنها: تسمية الشيء بما يؤول إليه في قوله: ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ سمي تزويجُ النساء أو مَنْعُهن للأزواج إرثًا، لأن ذلكَ سببُ الإرث في الجاهلية.
ومنها: الطباق المعنوي في قوله: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾: وقد فسر الخير الكثير بما هو محبوب.
ومنها: الحذف في مواضع لا يتم المعنى إلا بها.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
(١) الفتوحات.
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ...﴾ مناسبة هاتينَ الآيتين لِمَا قبلهما: أنه لما بين (١) الله سبحانه وتعالى، وذَكَرَ في أوائل السورة حكم نكاح اليتامَى، وعددَ مَنْ يحل من النساء، والشرطَ في ذلك، وبيَّن حكم استبدال زوج مكان زوج، وما يجبُ عن لمعروف في معاشرتهن.. أَرْدَف ذلك ببيان ما يحرمُ نكاحه من النساء اللواتي، لا يجوز الزواجُ بهن بسبب القرابة، أو الرضاع، أو المصاهرة، أو بغير ذلك.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ...﴾ الآية، سبب نزولِها: ما أخرجه (٢) ابن جرير، قال: حَدَّثَني محمَّد بن عبد الله المخرمي قال: حدثنا قراد، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم إلا امرأةَ الأب والجمعَ بين الأختين، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾.
(١) المراغي.
(٢) الطبري.
وأخرج الطبراني (١) أيضًا، وابن أبي حاتم، والفريابي، عن عدى بن ثابت، عن رجل من الأنصار، قال توفي أبو قيس بن الأصلت، وكان من صالحِي الأنصار فَخَطَب ابْنُه قيس امرأتَه، فقالت: إنما أعَدُك ولدًا، وأنت من صالحي قومك، فأتت النبي - ﷺ - فأخبرته فقال: ارجعي إلى بيتك، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ...﴾ سبب نزولها (٢). ما أخرجه ابن جرير، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ما سببها قال: كنا نتحدث أنها نزلت في محمَّد - ﷺ - حِينَ نكح امرأةَ زيد بن حارثة، قال: المشركون في ذلك فنزلت: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ونزلت: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ونزلت ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.
التفسيرُ وأوجه القراءة
٢٢ - ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾؛ أي: ولا تتزوجوا أيها المؤمنون ﴿مَا نَكَحَ﴾، وتزوج ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ من نسب أو رضاع، حقيقةً أو بواسطة، فيشمل الأجدادَ، وإن علوا ﴿مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وسَبَقَ منكم في الجاهلية قبل نزول آية التحريم من نكاح زوجات الآباء فإنه معفوٌّ عنه لا مؤاخذةَ عليكم به.
والخلاصة: أنكم تستحقُّون العقابَ بنكاح ما نكح آباءكم إلا ما قد سلف، ومَضَى فإنه مفعو عنه، وهذا شروع (٣) منه في بيان من يحرم نكاحها من النساء، ومن لا يحرم، وإنما خَصَّ هذا النكاحَ بالنهي، ولم ينتظم في سلك نكاح المحرمات الآتية مبالغةً في الزجر عنه حيث كانوا مُصِرّينَ على تعاطيه، وكانَ فاشيًا في الجاهلية، وقد ذَمَّهُ الله أقبحَ ذم، فسماه فاحشةً، وجَعَلَه مبغوضًا أشدَّ البغض، قال ابن عباس رضي الله عنهما: وجمهور المفسرين كان أهلُ الجاهلية
(١) لباب النقول.
(٢) لباب النقول.
(٣) أبو السعود.
يتزوجون بأزواج آبائهم فنهُوا عن ذلك.
ومن المعلوم أنَّ المحومات بالمصاهرة أربعُ: زوجةُ الأب، وزوجة الابن، وأم الزوجة، وبنتُ الزوجة، وكلُّها يحصل فيها التحريمُ بمجرد العقد، وإن لم يحصل دخول إلا الربيبةَ، فلا تحرم إلا بشرط الدخول بأمها، وهذا يُستفاد من الآية، فإنها لم تقيد بالدخول إلا في الربيبة على ما سيأتي.
واختلفوا في ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ والظاهر أنها موصولة كما فسَّرْنَا أوَّلًا، والمعنى، ولا تنكحوا المرأةَ التي نَكَحَهَا آباؤكم من النساء، فإنه موجب للعقاب، إلا ما قد مضى قبل نزول آية التحريم، فإنه معفو عنه، وقيل: ﴿ما﴾ مصدرية. والمعنى حينئذٍ: ولا تنكحوا نكاح آبائكم؛ أي: نكاحًا كنكاح آبائكم في البطلان، فإن أنكحتَهم كَانَتْ بِغَيْرِ وليّ وشهود وكانت مؤقَّتة، وعلى سبيل القهر، وهذا الوجه منقول، عن محمَّد بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية.
وقيل: لا تزوجُوا امرأةً وطِئها أباؤكم بالزنا إلا ما قد سلف من الأب في الجاهلية من الزنا بامرأة، فإنه يجوز للابن تزوجُها كما نُقِل هذا المعنى عن ابن زيد، وكما قال أبو حنيفة: يحرم على الرجل أن يتزوَّجَ بمزنِيَّةِ أبيه، لهذه الآية. وقال الشافعي: لا يحرم؛ لأنه لا اعتبار بوطء الزنا ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن نكاح زوجات الآباء وحلائِلهم ﴿كَانَ فَاحِشَةً﴾؛ أي: قبيحًا من أقبح الفواحش لأنَّ زوجةَ الأب بمنزلة الأم، فكانت مباشرتُها كمباشرة الأم، فهي من أقبح المعاصي، وأفحش الفواحش تمجه الأذواقُ السليمةُ، وتقشعرّ منه العقول الصحيحة، ﴿و﴾ كان ﴿مقتًا﴾؛ أي: ممقوتًا مبغوضًا عند الله، وعند ذوي المروءات من الجاهلية وغيرهم، وأنه لم يَزَلْ في حكم الله تعالى، وعلمه موصوفًا بذلك ما رَخَّص فيه لأُمةٍ من الأمم من لدن آدم، وكانت العربُ تقول لولد الرجل من امرأة أبيه. مقتيّ نُسبة إلى المقت، وهو أشدُّ الغضب، وكان منهم (١) الأشعثُ
(١) الخازن.
بن قيس، وأبو معيط ابن أبي عمرو بن أمية، ﴿وَسَاءَ﴾ ذلك النكاح، وقَبُحَ ﴿سَبِيلًا﴾؛ أي: طريقًا، ومَسْلَكًا تَسْلُكه الجاهليةُ، روى (١) البغوي بسنده عن البراء بن عازب، قال: مر بي خالي، ومعه لواء فقلت أين تذهَب؟ قال: بعثني النبي - ﷺ - إلى رجل تزوَّج امرأةَ أبيه آتيهِ برأسه.
قيل: مراتب القبح (٢) ثلاث: القبح العقلي، والقبح الشرعي، والقبح العادي، وقد وصف الله تعالى هذا النكاح بكل ذلك، فقوله: ﴿فَاحِشَةً﴾ مرتبة قبحه العقليِّ، وقوله: ﴿وَمَقْتًا﴾ مرتبة قبحه الشرعي، وقوله: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ مرتبة قبحه العادي، وما اجتمعَتْ فيه هذه المراتبُ. فقد بَلغ أَقْصى مراتب القبح.
٢٣ - ثم بيَّن الله سبحانه وتعالى المحرمات من النساء فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾؛ أي: نكاحهن، وتلك المحرمات أربعةُ أقسام:
القسمُ الأول: المحرماتُ بالنسب، وهي سبع مذكورة، كُلُّها في الآية الأمهاتُ، والبناتُ، والأخواتُ، والعمَّاتُ، والخالات، وبناتُ الأخ، وبنات الأخت.
والقسم الثاني: المحرمات بالرضاع، وهي السبع المذكورة في النسب لحديث عائشة رضي الله عنها إن رسول الله - ﷺ - قال: "يحَرمُ من الرضاع ما يحرم من الولادة". أخرجاه في "الصحيحين". ذَكَر منها في هذه الآية اثنتين: الأمهاتُ من الرضاع، والأخوات من الرضاع.
والقسم الثالث: المحرمات بالمصاهرة، وهي أربعة أصناف: ذكر منها في هذه الآية ثلاثةً: أمهاتُ النساء، والربائبُ، وحلائلُ الأبناءِ، والرابعةُ: منها حلائلُ الآباء، وذكرها في الآية قبل هذه بقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾.
والقسم الرابع: المحرماتُ بسبب عارض إذا زال السببُ، وهو الجَمْعُ زال التحريمُ، وهي ثلاثة، ذَكَرَ منها في الآية واحدة، وهي الجمعُ بين الأختين،
(١) الخازن.
(٢) الرازي.
والجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها.
فجملة المحرمات المذكورة إحدى وعشرون، والثانية والعشرون، أزواجُ النبي - ﷺ - وذكرها في سورة الأحزاب بقوله جلّ وعلا ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾.
فجملةُ المحرمات بنصِّ الكتاب خمسةَ عَشَرَ، ذَكَرَ منها أربعةَ عشرَ في هذه الآية، والتي قبلها، وواحدةً في سورة الأحزاب. فقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ وهي جمع أم، والأم (١) هي كل امرأة رجع نسبك إليها، سواء كانت من جهة الأم، أو من جهة الأب، وسواء كانت بدرجة، وهي الأم حقيقةً أو بدرجات، وهن الجدات، وإن عَلوْنَ فيحرم نكاحُ الأم، وجميع الجدات، وإن لم تكن وارثةً كأم أبي الأم ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ جمع بنت، وهي كل أنثى رَجَعَ نسَبُها إليكَ بالولادة بدرجة كبنت الصلب، أو بدرجات بإناث خلص، كبنت بنت البنت، وإن سفلت، أو بذكور كبنت ابن الابن، وإن سفل ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ جمع أخت، وهي كل امرأة شاركتك في أصلك، فتدخل فيها الأخوات الأشقاء، والأخوات لأب، والأخوات لأم ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ جمع عمة، وهي كل امرأة شاركَتْ أبَاك في أصله، وإن علا، فتدخل فيها جميع أخوات الأب، وأخوات آبائه، وإن علوا، وقد تكون العمة من جهة الأم أيضًا، وهي أخت أبي الأم ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ جمع خالة، وهي كل امرأة شاركَتْ أمك في أصلها، فيدخل فيها جميع أخوات الأم، وأخوات أمهاتها، وقد تكون الخالةُ من جهة الأب أيضًا، وهي أخت أم الأب ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾، وهي كل امرأة لأخيك عليها ولادة، ويرجع نسبها إلى الأخ، فيدخل فيها جميعُ بنات أولاد الأخ، وإن سفلنَ ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ وهي كلُّ امرأة لأختك عليها ولادة، ويرجع نسبُها إلى الأخت، فيدخل فيها جميع بنات أولاد الأخت، وإن سفلنَ، فهذه الأصناف السبعة محرمة بالنسب بنص الكتاب، وهي القسمُ الأول من الأقسام الأربعة السابقة.
(١) الخازن.
والقسم الثاني: المحرماتُ بالرضاع، وهي السبع المذكورة في النسب كما سبق.
وذَكَرَ الأولى منها بقوله: ﴿و﴾ حرمت عليكم ﴿أمهاتكم التي أرضعنكم﴾ في الحولين خمسَ رضعاتٍ متفرقات عند الشافعي، وأحمد بن حنبل، وقال أبو حنيفة ومالك: يحصل التحريمُ بمصة واحدة، وفاقًا للأوزاعي، والثوري، وعبد الله بن المبارك، كما هو مذهب ابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن المسيب.
وأم الرضاع هي (١) كل امرأة أرضعَتْك، أو أرضعت من أرضعتك أو أرضعَتْ من ولدك بواسطة، أو بغيرها، أو ولدت مرضعتَك، أو ذا لبنها، وهو الفحلُ بواسطة أو غيرها.
وذكَرَ الثانيةَ منها بقوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، وهي كل امرأة أرضعَتْها أمك، أو ارتضعت بلبن أبيك، أو ولدَتْها مرضعتُك أو الفحلُ.
وإنما نص الله سبحانه وتعالى على ذكر الأم، والأخت من الرضاع، ليَدُلَّ بذلك على بقية المحرمات من الرضاع، وتنبيهًا على أن الرضاع يجري مجرى النسب في التحريم كما بينته السنة.
والثالثة من محرمات الرضاع: العمة، وهي (٢) أخت الفحل، وأختُ ذكر ولده بواسطة أو بغيرها من نسب أو رضاع.
والرابعة منها: الخالة وهي أختُ المرضعة، وأخت أنثى ولدَتْها بواسطة، أو بغيرها من نسب، أو رضاع.
والخامسة منها: بنت الرضاع، وهي كل من ارتضعَتْ بلبنك، أو بلبن من ولدته بواسطة أو بغيرها.
والسادسة منها: بنت أخ الرضاع، وهي بنت ولد المرضعة، أو الفحل من نسب، أو رضاع، وإن سفلَتْ ومَن ارتضعت بلبن أخيك، وبنتُها بنسب أو رضاع،
(١) المحلى على المنهاج.
(٢) المحلى على المنهاج.
وإن سفلَتْ.
والسابعةَ: بنت أخت الرضاع، وهي بنتُ بنت المرضعة، أو الفحل من نسب أو رضاع، وإن سفلت، ومن ارتضعت أختَك، وبنتُها من نسب أو رضاع، وإن سفلت، وكذا بنت أنثى أرضعَتْها أُمُّك أو ارتضعت بلبن أبيك.
وقرأ الجمهور ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ وقرأ عبد الله ﴿اللايَ﴾ بالياء، وقرأ ابن هُرْمُز التي، وقرأ أبو حَيْوة من الرِّضاعة بكسر الراء.

فصل في ذكر نبذة من أحكام الرضاع وأحاديثه


وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - ﷺ - في بنت حمزة: "إنها لا تحل لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وإنها ابنةُ أخي من الرضاعة". متفق عليه. فدل الحديث بمنطوقه على حرمة بنت أخ الرضاع، فكُلُّ مَنْ حرُمت بسبب النسب حُرِّمَ نظيرُها بسبب الرضاعة.
وإنما سمَّى الله تعالى المرضعات أمهات، لأجل الحرمة، فيحرم عليه نكاحُها، ويحلُّ له النظر إليها، والخلوة بها والسفرُ معها، ولا يترتَّبُ عليه جميعُ أحكام الأمومة من كل وَجه، فَلاَ يتوارثان، ولا تَجِبُ على كل واحد منهما نفقةُ الآخر، وغير ذلك من الأحكام وإنما تثبت حرمة الرضاع بشرطين:
أحدهما: أن يكونَ إرضاع الصبي في حال الصغر، وذلك إلى انتهاء سنتين من ولادته لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾.
وعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاءَ في الثدي، وكان قبل الفطام". أخرجه الترمذي.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لا رضاعةَ إلا ما كان في الحولين. أخرجه مالك في الموطأ بأطْوَل من هذا، وأخرجه أبو داود مختصرًا قال: قال عبد الله بن مسعود لا رضاعَ إلا ما شَدَّ اللحم وقال أبو حنيفة: مدة الرضاع
ثلاثون شهرًا لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ وحمله الجمهور على أقلِّ مدة الحمل، وأكثر مدة الرضاع؛ لأن مدةَ الحمل داخلة فيه، وأقله ستة أشهر.
والشرط الثاني: أن يوجد خمسُ رضعات متفرقات، رويَ ذلك عن عائشة رضي الله عنها وبه قال عبد الله بن الزبير، وإليه ذهب الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، ويدل على ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي - ﷺ - قال: "لا تحرم المصةُ ولا المصَّتَان". أخرجه مسلم.
وعن أم الفضل رضي الله عنها أن النبي - ﷺ - قال: "لا تحرم الإملاجَةُ ولا الإملاجَتَان". أخرجه مسلم أيضًا. وفي رواية: إن رجلًا من بني عامر بن صعصعة قال: يا نبي الله، هل تحرّم الرضعة الواحدة، قال: "لا".
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن، عشرُ رضعات معلومات، يُحَرِّمْنَ، ثم نُسخت؛ أي: حكمُها بخمس معلومات، فتوفي رسول الله - ﷺ - وهنَّ فيما يُقْرأُ من القرآن، أخرج مسلم.
يحتمل أنه لم يبلغها نسخ تلاوتها، وأجمعوا على أن هذا لا يُتْلَى فهو ممَّا نسخ تلاوتُه، وبقي حُكْمُه وقد غَلَب على الناس التساهلُ في أمر الرضاعة، فيُرضِعُون الولدَ من امرأة، أو من عدة نسوة، ولا يهتمونَ بمعرفة أولاد المرضعة، وأخواتها، ولا أولاد زوجها من غيرها، وإخوته ليعرفوا ما يترتب عليهم في ذلك من الأحكام، كحرمة النكاح، وحقوق القرابة الجديدة التي جعلَها الشارع كالنسب، فكثيرًا ما يتزوَّج الرجل أختَه، أو عمَّتَه، أو خالتَه من الرضاعة، وهو لا يَدْرِي.
والقسمُ الثالث من المحرمات: ما يحرم بالمصاهرة، وهي أربعةُ أصناف، كما سبق:
الأولى منها: ما ذكره بقوله: ﴿و﴾ حرمت عليكم ﴿أمهات نسائكم﴾؛ أي: أمهات حلائلكم من نسب، أو رضاع بواسطة، أم بغير واسطة، سواء دخل بزوجته أم لم يدخل بها، بل يكفي مجرد العقد عليها، وبهذا قال جمهور
الصحابة ومن بعدهم، وعليه المذاهب الأربعة.
والثانية منها: ما ذكره بقوله: ﴿و﴾ حُرِّمَت عليكم ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾؛ أي: بَنَاتُ نسائكم ﴿اللَّاتِي﴾ ربيتموهن وأدبتموهن ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾، وبيوتكم حالةَ كونهن كائنات ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾؛ أي: جامعتموهن سواءٌ كانَ بعقد صحيح، أو فاسد يجب لها به الصداقُ، وتجبُ عليها العدةُ وَيلحَقُ به الولدُ. والربائب جمع ربيبة، وهي بنتُ المرأة من رجل آخر، سُمِّيَتْ رَبيبةً لتربيتِها في حجر الرجل، وقوله: دخلتم بهن كنايةٌ عن الجماع، لا نفسُ العقد، فيحرم على الرجل بناتُ امرأته، وبناتُ أولادها، وإن سَفلْنَ من النسب، أو الرضاع بعد الدخول بالزوجة، فلو فارق زوجتَه قبل الدخول بها، أو ماتَتْ قبل دخوله بِهَا جَازَ له أن يتزوَجَ بنتَها، ولا يجوز أن يتزوجَ أمَّهَا؛ لأنَّ الله أطلق تحريمَ الأمهات، وعلَّق تحريمَ البنات بالدخول بالأم، ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾؛ أي؛ بنسائكم، كأن عَقَدَ عليها النكاحَ، وفارقها قبل الدخول، أو ماتَتْ كما مر آنفًا ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾؛ أي: لا حَرَجَ ولا منعَ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ في نكاح الربائب بعد طلاق أمها أو موتها.
والثالثة منها: ما ذكره بقوله: ﴿و﴾ حرمت عليكم ﴿حلائل أبنائكم﴾، أي نساءُ أولادِكم ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾؛ أي: من أولاد فِرَاشِكم دُونَ نساء الأولاد الأدعياء الذين تبنيتم، وأمَّا حلائل أبناء الرضاع فعلم تحريمهن بالسنة، وإن كان مقتضَى مفهوم الآية تحليلهن، والحلائلُ جمع حليلة، وهي الزوجةُ، والرجل حليلُ سميا بذلك؛ لأن كلَّ واحد منهما يَحِلُّ لصاحبه، وقيل: لأنَّ كل واحد منهما يَحُلَّ إزارَ صاحبه من الحَلِ بفتح الحاء بمعنى الفكّ.
ويدخل في الأبناء أبناءُ الصلب مباشرةً أو بواسطة كابن الابن، وابن البنت، فحلائلُهما تحرم على الجد كما يدخل الابن من الرضاعة، فتحرم حليلته لما تقدم من قوله - ﷺ -: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".
والرابعة: من هذا القسم حلائل الآباءِ، وذكرها بقوله: في الآية السابقة ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾.
والقسم الرابع من المحرمات: ما يحرم بسبب عَارِض، وقد تقدم لك أنه ثلاثة أصناف: ذَكَرَ منها واحد: في هذه الآية بقوله: ﴿و﴾ حرم عليكم ﴿أن تجمعوا بين الأختين﴾؛ أي: وحرم عليكم أيها المؤمنون الجمع بين الأختين بنسب، أو رضاع في الاستمتاع الذي يراد به الولد، وهو الجماع لا في نفس ملك اليمين، والمذاهب الأربعة متفقة على تحريم الاستمتاع بالأختين بملك اليمين، أو بالنكاح، أو بالنكاح والملك كأن يكون مالكًا لأحدهما، ومتزوجًا للأخرى، فيحرم عليه أن يَسْتَمْتِعَ بهما، ويجب عليه أن يحرم إحداهما على نفسه، كأن يعتق المملوكة، أو يهبها. وقال الشافعي: نكاح الأخت في عدة الأخت البائن جائز؛ لأنه لم يوجد الجمع.
والثانية منها: الجمع بين المرأة وعمتها.
والثالثة: الجمع بين المرأة وخالتها. ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها". أخرجاه في "الصحيحين".
والعلة في تحريم جمع هؤلاء إفضاؤه إلى قطع ما أمر الله تعالى بوصَله من الرّحم، لِمَا يوجد بينهما بسبب الجمع من التباغض، والتحاسُد، كما هو شأن الضرتَينِ كما يدل عليه قوله - ﷺ -: "فإنكم إن فعلتم ذلك قَطَعْتمُ أَرْحَامَكم".
والضابط لذلك: أنه يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما قرابةٌ لو كانت إحداهما ذكرًا. لحرُمَ عليه بها نكاح الأخرى. ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؛ أي: لكن ما قد مضى، ووقع منكم من الجمع بينهما قبلَ نزول التحريم، فمغفور لكم، لا تؤاخَذون عليه بعد الإِسلام، وقد كانوا في الجاهلية يجمعون بين الأختين مثلًا كما يدل على ذلك ما أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه عن الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، إني أسلمتُ وتحتي أختان، قال: "طَلِّقِ أيتَهما شئتَ".
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن أهلَ الجاهلية كانوا يحرمونَ ما حرم الله إلا امرأةَ الأب والجَمعُ بين الأختين، كما سبق، ثم علَّل الاستثناء بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿كَانَ غَفُورًا﴾ لكم بما وقع منكم في الجاهلية من المحرمات المذكورة ﴿رَحِيمًا﴾ بكم حيث سامَحَ وعَفا لكم ما قد وقع منكم في الجاهلية، فلا يؤاخِذُكم بما سلفَ منكم في زمن الجاهلية، إذا أَنتم عملتم بشريعة الإِسلام، ومِن مغفرته أَنْ يمحوَ من نفوسكم آثارَ الأعمال السيئة، ويغفرَ لكم ذنوبَكم إذا أنبتم إليه، ومن رحمته أنْ شَرَعَ لكم من أحكام النكاح ما فيه المصلحةُ لكم، وتوثيق الروابط بَيْنكم لتتراحَموا، وتتعاوَنُوا على البرّ والتقوى.
الإعراب
﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
﴿وَلَا﴾ الواو استئنافية. ﴿لا﴾ ناهية جازمة ﴿تَنْكِحُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة مستأنفة. ﴿مَا نَكَحَ﴾ ﴿ما﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره ما نكحه أباؤكم ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ جار ومجرور، حال من ﴿ما﴾ الموصولة ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿إلا﴾ أداة استثناء منقطع، ووجه الانقطاع أن المستثنى ماض، والمستثنى منه مستقبل؛ لأن (١) النهي للمستقبل، وما سلف ماض، فلا يكون من جنسه، وهو في موضع نصب، ومعنى المنقطع: أنه لا يكون داخلًا في الأول، بل يكون في حكم المستأنف، وتُقدَّرُ إلا فيه بلكن، والتقدير هنا: ولا تتزوجوا مَنْ تزوَّجَه أباؤكم، ولا تطؤوا مَنْ وطئهُ أباؤكم، لكن ما سلف من ذلك فمعفو عنه ذكره أبو البقاء. ﴿مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب على الاستثناء. ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق. ﴿سَلَفَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على
(١) العكبري.
﴿ما﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ ﴿إن﴾ حرف نصب. و ﴿الهاء﴾ اسمها. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿الهاء﴾ في أنه العائد على نكاح نساء الآباء. ﴿فَاحِشَةً﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة كان في محل الرفع خبر إن، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة المعللة للنهي المذكور قبلها ﴿وَسَاءَ﴾ الواو استئنافية، أو عاطفة ﴿ساء﴾ فعل ماض من أفعال الذم وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا مبهم يفسره التمييز المذكور بعده تقديره: هو يعود على ﴿سبيل﴾ نكاح نساء الآباء ﴿سَبِيلًا﴾ تمييز له، وجملة ﴿ساء﴾ في محل الرفع خبر مقدم لمبتدأ محذوف الذي هو المخصوص بالذم تقديره: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ذلك السبيل، والجملة الإسمية، أو جملةُ ﴿ساء﴾ من الفعل، والفاعل في محل الرفع معطوف على جملة ﴿كَانَ﴾ وقيل (١): إن الضمير في ﴿ساء﴾ عائد على ما عاد إليه الضميرُ قبلَ ذلك، و ﴿سَبِيلًا﴾ تمييز منقول من الفاعل والتقدير: ساء سبيله.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾.
﴿حُرِّمَتْ﴾ فعل ماض مغير الصيغة. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق به. ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ نائب فاعل، ومضاف إليه والجملة مستأنفة ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ معطوف على ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ وكذا قوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ﴾: معطوفات على ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾؛ ﴿اللَّاتِي﴾: صفة ﴿لأمهاتكم﴾: ﴿أَرْضَعْنَكُمْ﴾: فعل وفاعل، ومفعول به، والجملة صلة الموصول ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾: معطوف أيضًا على ﴿أمهاتكم﴾ الأولى، جريًا على القاعدة المشهورة عندهم: أنه إذا كثرت
(١) الجمل.
المعطوفات، وكان العطف بالواو يكون العطف على الأول منها ﴿مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾: جار ومجرور، حال ﴿من أخواتكم﴾ ﴿وَأُمَّهَاتُ﴾: معطوف أيضًا على ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الأولى، وهو مضاف ﴿نِسَائِكُمْ﴾: مضاف إليه ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾: معطوف على ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ أيضًا، ومضاف إليه ﴿اللَّاتِي﴾: صفة لـ ﴿ربائبكم﴾ ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف صلة الموصول تقديره: اللاتي رُبِّيْنَ في حجوركم ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه حال من ﴿ربائبكم﴾ وإن شئت قلت: حال من الضمير في الجار والمجرور الذي هو صلة تقديره: اللاتي استقَرَرْنَ في حجوركم كائنات من نسائكم ﴿اللَّاتِي﴾: صفة لـ ﴿نسائكم﴾ المذكور قبله المجرور بـ ﴿من﴾ ﴿دَخَلْتُمْ﴾: فعل وفاعل ﴿بِهِنَّ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة: صلة الموصول ﴿فَإِنْ﴾: ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم حكم الربائب اللاتي دخلتم بأمهاتهن، وأردتم بيانَ حكم الربائب اللاتي لم تدخلوا بأمهاتهن.. فأقول لكم ﴿إن لم تكونوا﴾ إن حرف شرط. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿تَكُونُوا﴾؛ فعل ناقص واسمه مجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿دَخَلْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِنَّ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية: في محل النصب خبر ﴿تَكُونُوا﴾ تقديره: فإن لم تكونوا داخلين بهن وجملة ﴿تَكُونُوا﴾: في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها فعْلَ شرط لها ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾: ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا. ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل ﴿إن﴾. ﴿جُنَاحَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور خبر ﴿لا﴾ وجملة لا من اسمها وخبرها: في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا ﴿وَحَلَائِلُ﴾ معطوف على ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الأولى وهو مضاف. ﴿أَبْنَائِكُمُ﴾: مضاف إليه ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول للجمع المذكر في محل الجر صفة لأبنائكم ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه صلة الموصول تقديره: الذين كانوا من أصلابكم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾: الواو عاطفة. ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تَجْمَعُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ وجملة ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على
﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الأولى تقديره: حرمت عليكم أمهاتكم وجمعكم ﴿بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تجمعوا﴾ ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾: ﴿إلَا﴾: أداة استثناء. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب على الاستثناء ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿سَلَفَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على محمَّد والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والاستثناء منقطع كما مر نظيره ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الجلالة. ﴿غَفُورًا﴾: خبر أول لها. ﴿رَحِيمًا﴾: خبر ثان، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة المعللة للاستثناء.
التصريف ومفردات اللغة
﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؛ يقال: سَلَفَ يَسْلُف سلفًا، وسُلوفًا من باب قعد: إذا مضى، وتقدم وسبق يقال سَلَف له عمل صالح إذا تقدم وسَبقَ ﴿فَاحِشَةً﴾؛ أي: شديدَ القبح ﴿مَقْتًا﴾ مصدر بمعنى اسم المفعول؛ أي: ممقوتًا مبغوضًا عِندَ ذوي الطباع السليمة، ومن ثَمَّ كانوا يسمونه نكاح المقتِ، ويسمى الولد منه مقيتًا؛ أي: مبغوضًا محتقرًا، فالمقلت: البغض المقرونُ باستحقار حَصَل بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه. قاله أبو حيان. ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾: ساء من أفعال الذم بمعنى بئس، والمعنى: بئس طريقًا ذلك الطريقُ الذي اعتادوا سلُوكَهُ في الجاهلية، وبئس مَنْ يسلُكَهُ، لم يَزِدْهُ السيرُ فيه إلا قبحًا.
﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الأمهات (١) جمع أم، فالهاء زائدة في الجمع، فرقا بين العقلاء، وغيرهم. يقالَ في العقلاء: أمهات، وفي غيرهم أمات، وقد يقال: أمات في العقلاء، وأمهات في غيرهم، وقد سمع أمهه في أم بزيادة ﴿الهاء﴾ قبل ﴿هاء﴾ التأنيث، وعلى هذا يجوز أن تكون ﴿أمهات﴾ جمع أمهه المزيد فيها الهاء، والهاء قد أتت زائدة في مواضع ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ لام (٢) الكلمة محذوف،
(١) الجمل.
(٢) العكبري.
ووزنه فعاتكم، والمحذوف واو أو ياء فَأَمْا بنت. فالتاء فيها بدل من اللام المحذوفة، وليسَت تاءَ التأنيث؛ لأن تاءَ التأنيث لا يسكَّن ما قبلها، وتقلب هاءً في الوقف، فبناتُ ليس بجمع بنت، بل جمع بَنَةٍ، وكسرت الباء تنبيهًا على المحذوف هذا عند الفراء، وقال غيره: أصلها الفتح، وعلى ذلك جاء جمعها ومذكرها. وهو بنون، وهو مذهب البصريين ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ جمع (١) أخت، فالتاء فيها بدل من الواو؛ لأنها من الأخوة؛ فإن قيل: لم ردَّ المحذوف في أخوات، ولم يردَّ في بناتٍ؟
أجيب: بأنه حمل كل واحد من الجمعَين على مذكره، فمذكرُ بنات لم يَزدَّ فيه المحذوفُ بل جَاءَ نَاقصًا، قالوا: بَنون، وقالوا: في جمع أخ، إخوَةٌ، وإخوانُ فَردَّ المحذوف ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾: جمع عمة، والعمة تأنيث العم، وهي أخت الأب ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾: جمع خالة، والخالة تأنيث الخال، وألفه منقلبة عن واو لقولهم في جمع خال: أخوال، ورجل مخول؛ أي: كريمُ الأخوال ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾: جمع ربيبة، والربيبة بنت زوج الرجل من غيره ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾: جمع (٢) حِجْرٍ، بفتح الحاء وكسرها، والحجر مقدم ثوب الإنسان، وما بين يديه في حال اللبس، ثم استعملت اللفظة في الحفظ؛ لأن اللابس إنما يحفظ طفلًا، وما أشبهه في ذلك الموضع من الثوب، ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾: جمع (٣) حليلة، والحليلة: الزوجة، والحليل: الزوج. قال الشاعر:
أَغْشَى فَتَاةَ الْحَيِّ عِنْدَ حَلِيْلِهَا وَإِذَا غَزَا فِيْ الْجَيْشِ لاَ أغْشَاهَا
سميت حليلة؛ لأنها تَحُلُّ مع الزوج حيث حَلَّ، فهي فعيلة، بمعنى فاعلة، وذهب الزجاج وغيره، إلى أنها من لفظ الحلال، فهي حليلة بمعنى مُحلَّله، وقيل: يَحُلُّ كلُّ واحد منهما إزارَ الآخر.
﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾: جمع صلب، والصلب: الظهر، ويقال: صَلُب صلابةً من باب فَعُل المضموم إذا قوي، واشتدَّ، وذكر الفراء في كتاب لغات القرآن، له أنَّ
(١) العكبري.
(٢) البحر المحيط.
(٣) البحر المحيط.
الصُّلْبَ، وهو الظهر على وزن قُفْلَ، هو لغة أهل الحجاز، ويقول فيه تميمُ وأسْدَ الصَلَبُ بفتح الصاد واللام.
البلاغة
وقد تضمنت هاتان الآيتان، أنواعًا من البديع والبيان:
منها: الجناس المماثل في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ﴾.
ومنها: المغاير في قوله: ﴿أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ﴿مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ لأن إسناد التحريم إلى الذوات لا يَصح، وإنما يتعلَّق بالفعل، فهو على حذف مضاف، والمعنى: حرمت عليكم نكاح أمهاتكم إلخ، وهذا هو الذي يفهم من تحريمهن كما يفهم من تحريم الخمر، تحريم شربها، ومن تحريم لحم الخنزير، تحريم أكله.
ومنها: الاحتراس (١) في قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ احترز من اللاتي لم يدخل بهن، وفي قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ احترز به من اللاتي ليست في الحجور، ولكنَّ هذا القيدَ خَرَجَ مَخْرَج الغالبِ، فلا مفهومَ له.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ فهو كناية عن الجماع كقولهم بني عليها، وضرب عليها الحجابَ.
ومنها: الطباق اللفظي في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾؛ لأنه نَسَق المحرمات أولًا ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
(١) البحر المحيط.
الحمد لله على إفضاله، والشكر له على نواله، والصلاة والسلام على حبيبه محمَّد وصحبه، وآله ما تطارَدَ الجَدِيدَان وتطاوَلَ المَدى والزمانُ (١).
(١) وكان الفراغ من مسوَّدةِ هذا الجزء بالمسفلة حارة الرشد من مكة المكرمة في شهر ذي القعدة، في اليوم الأول منه يوم الأربعاء وقت الضحوة، على رأس الساعة الرابعة من الطلوع من شهور سنة ثمان وأربع مئة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضلُ الِصلاة وأزكى التحية بتاريخ: ١/ ١١/ ١٤٠٨ هـ / في شهر يونية: ١٥/ ١٩٨٨م.
وكان الانتهاء إلى هذا الموضع في التاريخ المذكور في أعلى الصحيفة بيد مؤلفه محمَّد أمين بن عبد الله الأثيوبي الهرري الراجى من ربه سبحانه أن يُعينه على تمامه، وييسَّره عليه، ويوفقه لما هو المعنى عنده، ويجعلَ في عمره البركة إلى إكماله، ويحفظَ عليه سمَعه وبصرَه وفهمَه وعقله وجِسْمه، وجميعَ قواه إلى انتهائه، وينفع به مَنْ شاء من عباده، ويجعله مَرْجِعًا لهم في علوم كتابه وذخيرةً له عند وفوده إلى دار الآخرة، ويجعله خالصًا مخلصًا لوجهه، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمَّد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين آمين.
تم تصحيح هذه النسخة بيد مؤلفه منتصف الساعة الأولى من يوم السبت بتاريخ ١٧/ ١٢/ ١٤٠٨ هـ والحمد لله أولًا وآخرًا.
تم المجلد الخامس من شرح حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن ويليه المجلد السادس وأوله قوله سبحانه وتعالى ﴿والمحصنات من النساء﴾ الجزء الخامس من القرآن الكريم.
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد السادس»
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[٦]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

شعر
جَزَى اللَّهُ خَيْرًا مَن تأَمَّلَ صَنْعَتِيْ وَقَابَلَ مَا فِيْهَا مِنَ السّهوِ بِالْعَفْوِ
وَأصْلَحَ مَا أخْطَأتُ فِيْهِ بِفَضْلِهِ وَفِطْنَتِهِ أَسْتَغفِرُ اللَّهَ مِنْ سَهْوِيْ
آخر

بِسمِ اللهِ الرَّحَمِن الرَّحِيمِ

الحمد لله على إنعامه، والشكرُ له على إحسانه، والصلاة والسلام على نبيه محمَّد وآله، ما سطر المؤلفون أسطار الحكم بمداد الجود والكرم.
أما بعد: فلما فرغت بحمد الله من شرح الجزء الرابع من القرآن.. أخذت - بعون الله تعالى - في شرح الجزء الخامس منه فقلت:
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ...﴾ إلى آخر الآيتين، مناسبتُهما لما قبلهما: أنهما (١) من تتمةِ ما قبلهما من جهة المعنى، فقَدْ ذكَرَ في أولاهما بقية ما
(١) المراغي.
يحرم من النساء، وحل سِوى من تقدم، ووجوب إعطاء المهور، وذكر في الآية الثانية حكم نكاح الإماء، وحُكم حدهن عند ارتكاب الفاحشة. لكن من قسموا القرآن ثلاثين جزءًا جعلوهما أولَ الجزء الخامس مراعاهّ للفظِ دون المعنى؛ إذ لو راعوا المعنى.. لجعلُوا أولَ الجزء الخامس قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ لأنه كلام مستأنف.
أسبابُ النزول
قولُه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ...﴾ سببُ نزول هذه الآية: ما أخرجه سلم عن أبي سعيد الخدري: (أن رسول الله - ﷺ - يوم حُنين بعث جيشًا إلى أوطاس، فلَقُوا عدوًّا فقاتَلُوهم فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسًا من أصحاب الرسول - ﷺ - تحرجوا من غشيانهن من أَجْلِ أزواجهن من المشركين، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ أي: فإن لكم حلال إذا انقضَتْ عدتهن. الحديثُ أخرجه الترمذي - وقال: حديث حسن صحيح - وأبو داود والنسائي والإمامُ أحمد وابن جرير.
وأخرج الطبراني (١) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نزلت يوم حنين، لما فتَحَ الله حنينًا.. أصاب المسلمون نساءً من نساء أهل الكتاب لهن أزواجٌ، وكان الرجل إذا أراد أن يأتيَ المرأةَ قالت: إن لي زوجًا، فسُئِلَ - ﷺ - عن ذلك، فأنزل الله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ...﴾ الآيةَ.
قولُه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ...﴾ سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير عن معمر عن سليمان عن أبيه قال: زعم حضري أنَّ رجالًا كانوا يفوضون المهر ثُمَّ عسى أن تدرك أحدهم العسرةُ، فنزلت: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾.
(١) لباب النقول.
التفسير وأوجهُ القراءة
٢٤ - قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ معطوف على قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾؛ أي: وحُرِّم عليكم أيها المؤمنون نكاحُ المتزوجات اللاتي أَحصنَّ أنفسَهن من الزنا بالزواج، أو أزواجَهن من الزنا إن قرئ بكسر الصاد، أو ذاتِ الأزواج اللاتي أَحْصنهن الأزواجُ من الزنا، إنّ قرئ بفتح الصاد حالةَ كونهن من جميع النساء مسلماتٍ كُنّ أو كتابياتٍ. قال الشوكاني (١): وقد قرئ المحصنات - بفتح الصاد وكسرها - فالفتح على أن الأزواج حصنوهن، والكسر على أنهن أحصن فروجهن من غير أزواجهن، أو أَحصَن أزواجَهن انتهى. ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وأيديكم إما بسبي، فإنَّ المسبيَّات حلال لكم بعد ما استبرأتُم أرحامَهن بحيضةٍ، وإن كان لهن أزواج في دار الحرب، أو بشراءٍ فإنَّها تحل للمشتري بعد الاستبراء ولو كانت مزوَّجة، وينفسخُ النكاح الذي كان عليها بخروجها عن ملكِ سيدها الذي زوَّجها.
والمعنى: وحُرِّم (٢) عليكم نكاحُ المتزوجات إلا ما ملكت الأيمان والأيدي بالسبي في حُروب دينية، تدافعون بها عن دينكم، وأزواجُهن كفارٌ في دار الكفر، وقد رأيتُم من المصلحة أن لا تُعاد السبايا إلى أزواجهن، فحينئذ يَنْحَلُّ عَقدُ زوجيَّتهنَّ، وَيكُنَّ حلالًا بالشروط المذكورة في كُتب الفقه.
والحكمةُ في حِلّيِّة السبايا: أنه لما كان الغالبُ في الحروب أن يُقْتَل بعضُ أزواجهن، ويفر بعضهم الآخر ولا يعود إلى بلاد المسلمين، وكان من الواجب كفالةُ هؤلاء السبايا بالإِنفاق عليهن، ومنعهن من الفِسق، كان من المصلحة لهن وللمجتمع أن يكون لكل واحدة منهن أو أكثر كافل يكفيها البحث عن الرزق؛ أَيْ: عن طلب المؤنة، أو بذل العرض، وفي هذا ما لا يخفى من الشقاء على النساء. وقال الحنفية: إن من سبي معها زوجها. لا تَحلُّ لغيره؛ إذ لا بُدَّ من اختلاف الدار بَيْنَ الزوجين، دارِ الإِسلام ودار الحرب.
(١) فتح القدير.
(٢) المراغي.
والإِسلام لم يَفرُض السَّبْيَ، ولم يُحْرِّمه؛ لأنه قد يكون من الخير للسبايا أنفسِهن في بعض الأحوال، كما إذا استأصلَتْ الحرب جميعَ الرجال مِن قبيلة محدودةِ العدد، فإِنْ رَأَى المسلمون أنَّ من الخير أن تُردَّ السبايا إلى قومهن.. جاز لهم ذلك، عملًا بقاعدةِ "دَرْءُ المفاسد مقدم على جلب المصالح" وإن كانت الحرب لمطامع الدنيا، وحظوظِ المُلُوك.. فلا يباح فيها السبي.
والاسترقاقُ (١) المعروفُ في هذا العصر في بلاد السودان، وبلادِ الحجاز وغيرِها غير شرعي، وهو محرم لأن أولئك اللواتي تسترققن حرائرُ من بناتِ المسلمين الأحرار، فلا يجوز الاستمتاع بهن بغيرِ عقدِ النكاح، والإِسلامُ بَريء من هذا.
وقولُه: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ قَيْدٌ جِيءَ به لإفادةِ التعميم، وبيانِ أنَّ المرادَ كلُّ متزوجة لا العفيفات والمسلمات، وقد جاء الإِحصان في القرآن لأربعةِ معان (٢):
١ - التزوّج كما في هذه الآية.
٢ - العفةُ كما في قوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾.
٣ - الحريةُ كما في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾.
٤ - الإِسلام كما في قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾؛ أي: أسلَمْنَ على قراءة البناء للفاعل.
واختلف القراء (٣) في كلمةِ ﴿المحصنات﴾ سواء كانت معرَّفة بأل أم نكرة، فقرأ الجمهور بفتح الصاد، والكسائي بكسرها في جميع القرآن، إلا التي في هذه الآية فإنهم أجمعوا فيها على الفتح، والمعنى: أحصنهن الأزواجُ بالتزوج؛ أي:
(١) المراغي.
(٢) المراغي.
(٣) المراح.
أعفوهن عن الوقوع في الحرام، والأولياءُ أعفُّوهن عن الفساد بالتزويج، وهن يحصن أزواجَهن عن الزنا، ويُحصن فروجَهن من غير أزواجهن بعفافهن.
﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ مصدر مؤكد لمضمون قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ منصوب بعامل محذوف؛ تقديره: كَتَب الله عليكم تحريمَ هذه الأنواع المذكورة، كتابًا مؤكَّدًا، وفرضه فرضًا ثابتًا محكمًا لا هَوادَةَ فيه؛ لأنْ مصلحتكم فيه ثابتةً لا يدخلها شك ولا تغيير، أو المعنى: الزموا كتاب الله وحُكْمه المذكور.
وقرأ أبو حيوة ومحمد بن السميقع اليماني (١): ﴿كتب الله عليكم﴾ على صيغة الفعل الماضي الرافع ما بعده، وروي عن ابن السميقع أيضًا، أنه قرأ: ﴿كتب الله عليكم﴾ جمعًا ورفعًا؛ أي: هذه كتب الله عليكم؛ أي: فرائضه ولازماته.
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ بالبناء للمفعول، عطفًا على قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾، وقرأ الباقون: ﴿وَأُحِلَّ﴾ بالبناء للفاعل، عطفًا على كتاب الله؛ أي كتب الله عليكم تحريم هذه الأصناف السابقة، وأحل الله لكم ما وراء ذلكم؛ أي: ما سوى تلك المحرمات السابقة.
وظاهر هذه الآية يقتضي (٢) حل ما سوى المذكورات من المحرمات السابقة، لكن قد دل الدليل من السنة أو الكتاب على تحريم أصناف أخرى سوى ما ذكر، فمن ذلك أنه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، ومن ذلك المطلقة ثلاثًا لا تحل لزوجها الأول حتى تنكح زوجًا غيره، ومن ذلك نكاح المعتدة، فلا تحل للأزواج حتى تنقضي عدتها، ومن ذلك أن من كان في نكاحه حرة لم يجز له أن يتزوج بالأمة، والقادر على طول الحرة لم يجز له أن
(١) البحر المحيط.
(٢) الخازن.
يتزوج بالأمة، ومن ذلك أن من كان عنده أربع نسوة حرم عليه أن يتزوج بخامسة، ومن ذلك الملاعنة فإنها محرمة على الملاعن علي التأبيد، ومن ذلك بيعض أصناف محرمات الرضاع، فهذه أصناف من المحرمات سوى ما ذكر في الآية، على هذا يكون قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ورد بلفظ العموم، لكن العموم دخله التخصيص، فيكون عامًّا مخصوصًا. وقوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ في محل رفع على البدل من ما على القراءة الأولى بدل اشتمال.
والمعنى: وأحل لكم ما سوى المحرمات السابقة أن تبتغوه وتطلبوه؛ أي: أحل لكم ابتغاء ذلك السوى وطلبه بأموالكم التي تدفعونها مهرًا للزوجة، أو ثمنًا للأمة، أو في محل نصب على البدل أيضًا على القراءة الثانية، والمعنى وأحل الله لكم ما سوى تلك المحرمات السابقة، أن تبتغوه بأموالكم؛ أي: أحل لكم ابتغاءَهُ وطلبه بأموالكم المصروفة في المهور، في النكاح وفي الأثمان وفي التسري، حالة كونكم ﴿مُحْصِنِينَ﴾؛ أي: متعففين أنفسكم من الزنا، ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾؛ أي: غير زانين، وهذا تكرير للتأكيد؛ لأن الإحصان لا يجامع السفاح؛ أي: عافين أنفسكم من الزنا، ومانعين لها من الاستمتاع بالمحرم، باستغناء كل منكما بالآخر؛ إذ الفطرة تدعو الرجل إلى الاتصال بالأنثى، والأنثى إلى الاتصال بالرجل، ليزدوجا وينتجا، وإنما اقتصر هنا على غير مسافحين، ولم يقل متخذي أخدان؛ لأنه في الحرائر المسلمات، وهنَّ إلى الخيانة أبعد من بقية النساء، وزاد فيما بعد ﴿مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ لأنه في الإماء، وهن إلى الخيانة أقربُ من الحرائر المسلمات، فالإحصان هو هذا الاختصاص الذي يمنع النفس أن تذب أي مذهب، فيتصلُ كل ذكر بأي امرأة، وكل امرأة بأيِّ رجل، إذ لو فعلا ذلك.. لما كان القصد من هذا إلا المشاركة في سفح الماء الذي تفرزه الفطرة، إيثارًا للذة على المصلحة؛ إذ المصلحة تدعو إلى اختصاص كل أنثى بذكر معين، حتى تتكون بذلك الأسرة، ويتعاون الزوجان على تربية أولادهما.
فإذا انتفى هذا المقصد.. انحصرت الداعية الفطرية في سفح الماء وصبه، وذلك هو البلاء العام الذي تصطلي بناره الأمة كلها، فإن بعض الدول الأوروبية
التي كثر فيها السفاح، وقلّ النكاح بضعف الدين وقلته، وقف نموها، وقلّ نسلها، وضعفت حتى اضطرت إلى الاعتزاز بمحالفة بعض الدول الأخرى.
وفي الآية: دليل على أن الصداق لا يتقدر بشيء، فيجوز على القليل والكثير، لإطلاق قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾.
﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾؛ أي: فأي امرأة انتفعتم بها بالعقد عليها، أو تلذذتم بوطئها من تلك النساء الحلالات لكم، ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؛ أي: فأعطوهن مهورهن التي فرضتم لهن ﴿فَرِيضَةً﴾ وقدرتموها لهن تقديرًا، وسميتموها لهن في عقد النكاح، وإنما سمي المهر أجرًا لأنه بدل المنافع، لا بدل الأعيان، كما يسمى بدل منافع الدار والدابة أجرًا؛ أي: وأي امرأة من النساء اللواتي أُحلِلْن لكم تزوجتموها فأعطوها الأجر، وهو المهر بعد أن تفرضوه في مقابلة ذلك الانتفاع.
وسر هذا: أن الله لما جعل للرجل على المرأة حق القيام، وحق رياسة المنزل الذي يعيشان فيه، وحق الاستمتاع بها.. فرض لها في مقابلة ذلك جزاءًا وأجرًا تطيب به نفسها، ويتم به العدل بينها وبين زوجها.
والخلاصة: أن أي امرأة طلبتم أن تتمتعوا وتنتفعوا بتزوجها، فأعطوها المهر الذي تتفقون عليه عند العقد، حالة كونه فريضة فرضها الله عليكم، وذلك أن المهر يفرض ويعين في عقد النكاح، ويسمى ذلك إيتاءً وإعطاءً، فيتعين بفرضه في العقد، ويصير في حكم المعطى، وقد جرت العادة أن يعطى كله أو أكثره قبل الدخول، ولكن لا يجب كله إلا بالدخول، فمن طلق قبله وجب عليه نصفه لا كله، ومن لم يعط شيئًا قبل الدخول وجب عليه كله بعده، وقيل إن هذه الآية واردة في نكاح المتعة الذي كان في صدر الإِسلام، حيث كان الرجل ينكح المرأة وقتًا معلومًا ليلة أو ليلتين أو أسبوعًا بثوب أو غيره، ويقضي منها وطره ثم يسرحها. وفي "الخازن": وقال قوم: المراد من حكم هذه الآية نكاح المتعة، وهو أن ينكح امرأةً إلى مدة معلومة بشيء معلوم، فإذا انقضت تلك المدة.. بانت منه من غير طلاق، وتستبرىء رحمها بحيضة. وفي "القرطبي": وقال ابن
العربي: وأما متعة النساء: فهي من غرائب الشريعة؛ لأنها أبيحت في صدر الإِسلام، ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت في غزوة أوطاس، ثم حرمت بعد ذلك، واستقر الأمر على التحريم، وليس لها أخت في الشريعة إلا مسألة القِبْلَة، فإن النسخ طرأ عليها مرتين، ثم استقرت كما سيأتي ذلك كله مع بيان أدلة تحريمها.
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: ولا حرج ولا منع ولا تضييق عليكم ولا عليهن، ﴿فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ﴾؛ أي: فيما اتفقتم عليه أيها الأزواج والزوجات من النقص في المهر، أو تركه كله، أو الزيادة فيه؛ أي: اتفقتم عليه، ﴿مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾، والتقدير أولًا في عقد النكاح: فلا جناح عليكم في الزيادة، ولا عليهن في الحط؛ أي: لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للزوج مهرها، أو يهب الزوج للمرأة المطلقة قبل الدخول تمام المهر، أو فيما تراضيا عليه من النفقة ونحوها، من غير ذكر المقدار المعين في العقد؛ إذ ليس الغرض من الزوجية إلا أن يكونا في عيشة راضية، يستظلان فيها بظلال المودة والرحمة والهدوء والطمأنينة، والشارع الحكيم لم يصنع لكم إلا ما فيه سعادة الفرد والأمة، ورقي الشؤون الخاصة والعامة.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿كَانَ عَلِيمًا﴾ بمصالح العباد ﴿حَكِيمًا﴾ فيما شرعه لهم، فلا يشرع الأحكامَ إلا على وفق الحكمة، وذلك يوجب التسليم لأوامره، والانقياد لأحكامه، وقد وضع لعباده من الشرائع بحكمته ما فيه صلاحهم ما تمسَّكوا به، ومن ذلك أنه فرض عليهم عقد النكاح الذي يحفظ الأموال والأنساب، وفرض على من يريد الاستمتاع بالمرأة مهرًا يكافؤها به على قبولها قيامه ورياسته عليها، ثم أذن للزوجين أن يعملا ما فيه الخير لهما بالرضا، فيحطا المهر كله أو بعضه أو يزيدا عليه.
ونكاح المتعة: وهو نكاح المرأة إلى أجل معين ليوم أو أسبوع أو شهر، فإذا انقضت تلك المدةُ.. بانت منه بغير طلاق، ويستبرىء رحمها وليس بينهما ميراث. وكان مرخصًا فيه في بدء الإِسلام، وأباحه النبي - ﷺ - لأصحابه في بعض
الغزوات؛ لبعدهم عن نسائهم، فرخص فيه مرة أو مرتين خوفًا من الزنا، فهو من قبيل ارتكاب أخف الضررين، ثم نهى عنه نهيًا مؤبدًا - كما مر - لأن المتمتع به لا يكون مقصده الإحصانُ، وإنما يكون مقصده المسافحةُ - للأحاديث المصرحة بتحريمه تحريمًا مؤبدًا إلى يوم القيامة:
فمنها: ما أخرجه مسلم عن سَبْرة بن معبد الجهني - رضي الله عنه - أنه كان مع رسول الله - ﷺ - فقال: "يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإنَّ الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء.. فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا".
ومنها: ما أخرجه الشيخان عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية).
ولنهي عمر في خلافته وإشادته بتحريمه على المنبر وإقرار الصحابة له على ذلك. وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الصحابة، فمن بعدهم؛ أي: إنَّ نكاح المتعة حرام. وقال قوم: المراد من حكم الآية نكاح المتعة، ثم نسخت بما روي عن النبي - ﷺ -، أنه نهى عن متعة النساء، وهذا تكلف لا يحتاج إليه، لأن النبي - ﷺ - أجاز المتعة أولًا ثم منع منها، فحرمها فكان قوله منسوخًا بقوله، وأما الآية فإنها لم تتضمن جواز المتعة؛ لأنه تعالى قال فيها: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ فدل ذلك على النكاح الصحيح، فليس فيها دلالة على المتعة.
٢٥ - ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ﴾؛ أي: ومن لم يقدر منكم أيها الأحرار ﴿طَوْلًا﴾؛ أي: مهرًا يكون له وصلة وسببًا إلى ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾؛ أي: إلى نكاح الحرائر ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بأن لم يجد ما يمهره للحرة، أو وجده ولم ترض به، لعيب في خُلقه أو خَلقه، أو عجزٍ عن القيام بغير المهر من حقوق المرأة الحرة، من النفقة وغيرها، فإن لها حقوقًا كثيرة، وليس للأمة مثل هذه الحقوق. ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ أي: فلينكح أمة كائنة من الإماء اللاتي ملكتهن أيمانكم وأيديكم، حالة كونها ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾؛ أي: من إمائكم ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
والمعنى: من لم يقدر على مهر الحرة المؤمنة.. فليتزوج الأمة المؤمنة دون
الكتابية، فلا يجوز نكاحها؛ لأن فيها نقصين: الرق والكفر. وقال الشوكاني: الطَّول: الغنى والسعة، ومعنى الآية: فمن لم يستطع منكم غنىً وسعةً في ماله، يقدر بها على نكاح المحصنات المؤمنات.. فلينكح من فتياتكم المؤمنات انتهى.
والفتيات جمع فتاة، وهي المرأة الحديثة السنِّ، ويقال للشابة: فتاة، وللغلام فتى، والأمة تسمى فتاة، سواء كانت عجوزًا أو شابة؛ لأنها كالشابة في أنها لا توقر توقير الكبير.
وعبر عن (١) الإماء بالفتيات تكريمًا لهن، وإرشادًا لنا إلى أن لا ننادي بالعبد والأمة، بل بلفظ الفتى والفتاة. وقد روى البخاري قوله - ﷺ -: "لا يقولن أحدكم: عبدي أمتي، ولا يقل المملوك: ربي، ليقل المالك: فتاي وفتاتي، وليقل المملوك: سيدي وسيدتي، فإنكم المملوكون والرب هو الله عز وجل". ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى ﴿أَعْلَمُ﴾ منكم ﴿بِإِيمَانِكُمْ﴾؛ أي: بمراتبكم في الإيمان، وهو العلم بحقيقة الإيمان ودرجة قوته وكماله فرب أمة يفوق إيمانها إيمان الحرائر، فتكون أفضل منهن عند الله تعالى، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، فاعملوا على الظاهر في الإيمان، فإنكم مكلفون بظواهر الأمور، والله يتولى السرائر والحقائق. والمعنى: فلا يشترط في نكاحها أن يُعلم إيمانُها علمًا يقينيًّا، فإنَّ ذلك لا يطلع عليه إلا الله تعالى ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾؛ أي: أنتم وأرقائكم متناسبون، نسبكم من آدم ودينكم الإِسلام وما أحسن قول عليّ رضي الله عنه:
يَا رَبَّنَا يَا رَبَّنَا يَا رَبَّنَا كُنْ وَافَيًا لَنَا مُرَادَنَا
مِن شَرْحِ أَفْضَلِ الْكِتَابِ قَبْلَ حُلُوْلِنَا تَحْتَ التُّرَاب
وَأصْلِحْ لَنَا الأَقْوَالَ والأَعْمَالَ وَكَمِّلْ لَنَا الْمَقْصُودَ والآمَالَ
يَا رَبَّنَا يَا رَبَّنَا يَا رَبَّنَا يَا رَبَّنَا يَا رَبَّنَا يَا رَبَّنَا اسْتَجِبْ لَنَا
النَّاسُ مِنْ جِهَةِ التَّمْثِيْلِ أَكْفَاءُ أَبُوْهُمُ آدَمُ وَالأُمُّ حَوَّاءُ
والمعنى: كلكم مشتركون في الإيمان، وهو أعظم الفضائل، فإذا حصل الاشتراك في ذلك.. كان التفاوت فيما وراءه غير معتبر، وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "ثلاث من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والاستسقاء بالأنواء" فلا ينبغي أن تعدوا نكاح الأمة عارًا عند الحاجة إليه، وفي هذا إشارة إلى أن الله تعالى قد رفع شأن الفتيات المؤمنات، وساوى بينهن وبين
(١) المراغي.
الحرائر. ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾؛ أي: فاخطبوهن بإذن سادتهن، واطلبوا منهم نكاحهن، فقد اتفق العلماء على أن نكاح الأمة بغير إذن سيدها باطل؛ لأن الله تعالى جعل إذن السيد شرطًا في جواز نكاح الأمة.
وقال بعضُ الفقهاء: المرادُ من الأهل من لهم علين ولاية التزويج، ولو غير المالكين كالأب والجد والقاضي والوصي، إذ لكل منهم تزويج أمة اليتيم. ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؛ أي: وأعطوهن مهورهن، وأدوها إليهن بإذن أهلهن، أو أدوها إلى مواليهن، وأجمعوا إلا مالكًا على أن المهر للسيد؛ لأنه ملكه، وإنما أضيف إيتاء المهر إلى الإماء لأنه ثمن بضعهن.
وقال مالك (١): المهر حق للزوجة على الزوج، وإن كانت أمة فهو لها لا لمولاها، وإن كان الرقيق لا يملك شيئًا لنفسه، لأن المهر حق الزوجة تصلح به شأنها، ويكون تطييبًا لنفسها في مقابلة رياسة الزوج عليها، وسيد الأمة مخير بين أن يأخذه منها بحق الملك، أو يتركه لها لتصلح به شأنها، وهو الأفضل الأكمل.
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: أعطوهن مهورهن بالمعروف؛ أي: من غير ضرار، ولا مطل ولا نقصان، وقيل: معناه وآتوهن مهور أمثالهن، اللاتي يساوينهن في الحال والحسب. وقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ حال من مفعول فانكحوهن؛ أي: فانكحوهن حال كونهن محصنات؛ أي: عفائف من الزنا ندبًا بناء (٢) على المشهور من جواز نكاح الزواني، ولو كن إماء وقيل المعنى: أعطوهن أجورهن حالة كونهن متزوجات لكم، ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾؛ أي: غير مجاهرات بالزنا؛ أي: غير مؤجرة نفسها مع أي رجل أرادها كالمومسات، ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾؛ أي: غير متخذات أخلاء معينين يزنون بهنَّ سرًّا، وهو حال مؤكدة كالذي قبله؛ لأن الإحصان لا يجامع السفاح كما مر.
والمسافحون (٣) هم الزانون المبتذلون، وكذلك المسافحات من الزواني
(١) المراغي.
(٢) خطيب.
(٣) البحر المحيط.
المبتذلات، اللواتي هن سوق الزنا، ومتخذوا الأخدان هم الزناة المتسترون، الذين يصحبون واحدة واحدة، وكذلك متخذات الأخدان من الزواني المتسترات، اللواتي يصحبن واحدًا واحدًا، ويزنين خفية، وهذان نوعان كانا في الجاهلية، قاله ابن عباس والشعبي والضحاك وغيرهم. وقد كان الزنا في الجاهلية قسمين: سريًّا وعلنيًّا، فالسري: يكون خاصًّا، فيكون للمرأة خدن يزني بها سرًّا، ولا تبذل نفسها لكل أحد، والعلني: يكون عامًّا، وهو المراد بالسفاح، قاله ابن عباس، وكان البغايا من الإماء ينصبن الرايات الحمر لتعرف منازلهن، ولا تزال هذه العادة متبعةً إلى الآن في بلاد السودان والحبشة والصومال وغيرها، فتوجد بيوت خاصة لشراب المسكر، وفيها البغاء العلني.
وروي عن ابن عباس (١): أن أهل الجاهلية كانوا يحرمون ما ظهر من الزنا، ويقولون: إنه لؤم، ويستحلون ما خفي، ويقولون إنه لا بأس، وقد نزل في تحريم النوعين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. وهذان النوعان فاشيان في بلاد الإفرنج، والبلاد التي تقلدهم في شرورهم، كمصر والصومال وجيبوتي وبعض بلاد الهند، بل عم الآن كل من النوعين مشارق الأرض ومغاربها، تقليدًا للإفرنج، فيا لها من مصيبة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقصارى القول: أن الله فرض في نكاح الإماء مثل ما فرض في نكاح الحرائر، من الإحصان والعفة لكل من الزوجين، لكن جعل الإحصان وعدم السفاح في نكاح الحرائر من قبل الرجال، فقال: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ لأن الحرائر ولا سيما الأبكار أبعد من الرجال من الفاحشة، وأقل انقيادًا لطاعة الشهوة، على أن الرجال هم الطالبون للنساء والقوامون عليهن.
وجعل قيد الإحصان في جانب الإماء، فاشترط على من يريد أن يتزوج أمة أن يتحرى فيها أن تكون محصنة، مصونة في السر والجهر، فقال: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ وذلك أن الزنا كان غالبًا في الجاهلية على الإماء،
(١) المراغي.
وكانوا يشترونهن للاكتساب ببغائهن، حتى إن عبد الله بن أبيٍّ كان يكره إماءه على البغاء، بعد أن أسلمن، فنزل في ذلك: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ على أنهن لذلهن وضعفهن وكونهن مظنة للانتقال من يد إلى أخرى، لم تمرن نفوسهن على الاختصاص برجل واحد، يرى لهن عليه من الحقوق ما تطمئن به نفوسهن في الحياة الزوجية، التي هي من شؤون الفطرة.
﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بالبناء للفاعل، ومعناه: حفظن فروجهن، وقيل معناه أسلمن، كما قال عمرو بن مسعود، والشعبي والنخعي والسدي، قالوا: الإحصان هنا (١) الإِسلام، والمعنى: أن الأمة المسلمة عليها نصف حد الحرة المسلمة، وقد ضعف هذا القول، بأن الصفة لهن بالإيمان قد تقدمت في قوله من فتياتكم المؤمنات، فكيف يقال في المؤمنات فإذا أسلمن، قاله إسماعيل القاضي. وقرأ الباقون بالبناء للمفعول إلا عاصمًا فاختلف فيه ومعناه زُوِّجن. ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ﴾؛ أي: فإن فعلن ﴿بِفَاحِشَةٍ﴾؛ أي: بالزنا ﴿فَعَلَيْهِنَّ﴾؛ أي: فعلى الإماء اللاتي زنين ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ أي: نصف ما على الحرائر الأبكار، إذا زنين من العقاب؛ أي: من الجلد، فيجلدن خمسين جلدة، ويجلد العبد للزنا إذا زنى خمسين جلدة، ولا فرق في المملوك بين المتزوج وغير المتزوج، فإنه يجلد خمسين مطلقًا، ولا رجم عليه، هذا قول أكثر العلماء.
والمعنى: أنّ الإماء إذا زنين بعد إحصانهن بالزواج.. فعليهن من العقاب نصف ما على المحصنات الكاملات، وهنَّ الحرائر إذا زنين، وهذا العقاب ما بينه سبحانه وتعالى بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فتجلد الأمة المتزوجة خمسين جلدة، وتجلد الحرة مائة، ولا ترجم لأن الرجم لا يتنصف.
والحكمة في ذلك: ما قدمناه فيما سلف، وهو كون الحرة أبعد عن داعية الفاحشة، والأمة ضعيفة عن مقاومتها، فرحم الله ضعفها وخفف العقاب عنها.
(١) البحر المحيط.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: ذاك الذي ذكرنا لكم، من إباحة نكاح الإماء عند العجز عن الحرائر جائز، ﴿لِمَنْ خَشِيَ﴾ وخاف ﴿الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾؛ أي: خاف الوقوع في الزنا بسبب العزوبة وشدة الشهوة، والمعنى: ذلك لمن خاف أن تحمله شدة الغلمة وشدة الشهوة على الزنا، وإنما سمي الزنا بالعنت لما يعقبه من المشقة، وهو الحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة، فأباح الله تعالى نكاح الأمة بثلاثة شروط: عدم القدرة على نكاح الحرة، وخوف العنت، وكون الأمة مؤمنة. ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾ عن فكاح الإماء متعفِّفين، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من نكاحهن كي لا يكون الولد رقيقًا. والمعنى (١): وصبركم عن نكاح الإماء خير لكم من نكاحهن، لما في ذلك من تربية قوة الإرادة، وتنمية ملكة العفة، وتغليب العقل على عاطفة الهوى، ومن عدم تعرض الولد للرق، وخوف فساد أخلاقه، بإرثه منها المهانة والذلة؛ إذ هي بمنزلة المتاع والحيوان، فربما ورث شيئًا من إحساسها ووجدانها وعواطفها الخسيسة.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إذا نكح العبد الحرة.. فقد أعتق نصفه، وإذا نكح الحر الأمة.. فقد أرق نصفه. ورحم الله القائل:
إِذَا لَمْ تَكُنْ فِيْ مَنْزِلِ الْمَرْءِ حُرَّةٌ تُدَبِّرُهُ ضَاعَتْ مَصَالِحُ دَارِهِ
وسر هذا: ما شرحناه من قبل، من أن معنى الزوجية حقيقة واحدة مركبة من ذكر وأنثى، وكل منهما نصفها فهما شخصان صورةً واحدةً، اعتبارًا بالإحساس والشعور والوجدان والمودة والرحمة، ومن ثم ساغ أن يطلق على كل منهما لفظ: زوج؛ لاتحاده بالآخر، وإن كان فردًا في ذاته ومستقلًا في شخصه.
﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى ﴿غَفُورٌ﴾؛ أي: غفار لمن صدرت منه الهفوات، كاحتقار الإماء المؤمنات، والطعن فيهن عند الحديث في نكاحهن، وعدم الصبر على معاشرتهن بالمعروف، وسوء الظن بهن، ﴿رَحِيمٌ﴾ بعباده حيث رخص لهم فيما رخص فيه بإباحته لهم نكاح الإماء، وإن كان يؤدي إلى إرقاق الولد، مع أن
(١) المراغي.
هذا يقتضي المنع لاحتياجهم إليه، فكان ذلك من باب المغفرة والرحمة.
وهذه الجملة (١) كالتوكيد لما تقدم، يعني أنه تعالى كفر لكم، ورحمكم حيث أباح لكم ما أنتم محتاجون إليه.
الإعراب
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾: الواو: عاطفة. ﴿المحصنات﴾: معطوف على ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾، من قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ على كونه نائب فاعل لـ ﴿حُرِّمَ﴾. ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿المحصنات﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب على الاستثناء. ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ملكته أيمانكم. ﴿كِتَابَ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، بفعل محذوف تقديره: كتب الله ذلك عليكم كتابًا، وهو مضاف. ولفظ الجلالة ﴿اللَّهِ﴾: مضاف إليه. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور، متعلق بالفعل المحذوف، لا (٢) بالمصدر المذكور؛ لأن المصدر هنا فضلة، وقيل: هو متعلق بنفس المصدر؛ لأنه نائب عن الفعل، حيث لم يذكر معه، فهو كقولك: مرورًا يزيد؛ أي: أمرر به، والجملة المحذوفة مستأنفة، مسوقة لتأكيد مضمون جملة قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾؛ لأنه لمّا قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ...﴾ علم أن ذلك مكتوب، فأكده بهذه الجملة.
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾.
﴿وَأُحِلَّ﴾: الواو عاطفة. ﴿أحل﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الرفع نائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾. ﴿وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: ظرف ومضاف
(١) الخازن.
(٢) العكبري.
إليه، والظرف صلة لما، أو صفة لها. ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾: فعل وفاعل وناصب، والمصدر المؤول من الجملة مرفوع على كونه بدل اشتمال من ما الموصولة، ومفعول تبتغوا محذوف، تقديره: أن تبتغوه، عائد على ما الموصولة، والتقدير: اْحل لكم ما وراء ذلكم ابتغاؤهُ بأموالكم. ﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَبْتَغُوا﴾. ﴿مُحْصِنِينَ﴾: حال من فاعل تبتغوا. ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾: حال مؤكدة، ومضاف إليه.
﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.
﴿فَمَا﴾: الفاء: استئنافية. ما: موصولة في محل الرفع مبتدأ. ﴿اسْتَمْتَعْتُمْ﴾: فعل، وفاعل. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد ضمير به. ﴿مِنْهُنَّ﴾ جار ومجرور حال من ضمير به. ﴿فَآتُوهُنَّ﴾: الفاء رابطة الخبر بالمبتدأ لما في المبتدأ من العموم. ﴿أتوهن﴾: فعل، وفاعل، ومفعول أول. ﴿أُجُورَهُنَّ﴾: مفعول ثان، ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿فَرِيضَةً﴾: حال من أجورهن، أو مصدر مؤكد؛ أي: فرض الله ذلك فريضة، أو صفة لمصدر محذوف؛ تقديره: فآتوهن أجورهن إيتاءً مفروضًا.
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
﴿وَلَا جُنَاحَ﴾: الواو استئنافية. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿جُنَاحَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لا، وجملة لا من اسمها وخبرها: مستأنفة. ﴿فِيمَا﴾: جار ومجرور متعلق بما تعلق به الجار والمجرور قبله. ﴿تَرَاضَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير به. ﴿مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَرَاضَيْتُمْ﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ولفظ الجلالة ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الله.
﴿عَلِيمًا﴾: خبر أول لها. ﴿حَكِيمًا﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر إن، وجملة إن مستأنفة.
﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
﴿وَمَنْ﴾: الواو: استئنافية. ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم، أو اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو جملة الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يَسْتَطِعْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها فعل شرط لها، أو صلة الموصول. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿يَسْتَطِعْ﴾. ﴿طَوْلًا﴾: مفعول به. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَنْكِحَ﴾: منصوب بأن، وفاعله ضمير يعود على من. ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾: مفعول به. ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾: صفة للمحصنات، والجملة الفعلية صلة أن المصدرية، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام مقدرة، متعلقة بمحذوف صفة ﴿طَوْلًا﴾، تقديره: ومن لم يستطع منكم طولًا ومهرًا كائنًا لنكاح المحصنات المؤمنات.
﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾.
﴿فَمِنْ مَا﴾: الفاء: رابطة الجواب، أو رابطة الخبر بالمبتدأ. ﴿من ما﴾: جار ومجرور متعلق بالجواب المحذوف، أو بالخبر المحذوف، تقديره: فلينكح، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مِنْ فعل شرطها وجوابها مستأنفة. ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المحذوف، تقديره: مما ملكته. ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه حال من الضمير المحذوف في ملكته. ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾: صفة لفتياتكم. ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو: استنئافية، أو اعتراضية. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿بِإِيمَانِكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بأعلم. ﴿بَعْضُكُمْ﴾: مبتدأ،
ومضاف إليه. ﴿مِنْ بَعْضٍ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة، أو معترضة.
﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.
﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أن من لم يستطع طول الحرة ينكح الإماء، وأردتم بيان كيفية نكاحها.. فأقول لكم: انكحوهن وآتوهن. ﴿انكحوهن﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة من محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بانكحوهن. ﴿وَآتُوهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿أُجُورَهُنَّ﴾: مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة انكحوهن. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: متعلق بآتوهن، أو حال من أجورهن. ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾: حال من المفعول في فانكحوهن. ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾: حال ثانية مؤكدة للأولى. ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾: الواو عاطفة. لا: زائدة، زيدت لتأكيد نفي ﴿غَيْرَ﴾. ﴿مُتَّخِذَاتِ﴾: معطوف على ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾، وهو مضاف. ﴿أَخْدَانٍ﴾: مضاف إليه.
﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾
﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾: الفاء: فاء الفصحية؛ لأنا أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم جواز نكاح الإماء بالشرط المذكور، وأردتم بيان حكم ما إذا أتين بفاحشة.. فأقول لكم: ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه. ﴿أُحْصِنَّ﴾: فعل ونائب فاعل مبني بسكون على النون المدغمة في نون الإناث، ونون الإناث: في محل الرفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها. ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ﴾: الفاء: رابطة لجواب إذا الشرطية. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿أَتَيْنَ﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها فعل شرط لها. ﴿بِفَاحِشَةٍ﴾: متعلق ﴿أَتَيْنَ﴾.
﴿فَعَلَيْهِنَّ﴾: الفاء: رابطة لجواب إن الشرطية. ﴿عليهن﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿نِصْفُ﴾: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف. ﴿مَا﴾: في محل الجر، مضاف إليه. ﴿عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾: جار ومجرور، صلة لما، أو صفة لها. ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾: جار ومجرور، حال من الضمير في الجار والمجرور، العامل (١) فيها هو العامل في صاحبها، ولا يجوز أن يكون حالًا من ما؛ لأنها مجرورة بالإضافة فلا يكون لها عامل لفظي، والجملة من المبتدأ والخبر: في محل الجزم جواب إن الشرطية، وجملة إن الشرطية: جواب إذا الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة إذا الشرطية: في محل النصب مقول لجواب إذا، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة، أو معترضة.
﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور خبر له، والجملة مستأنفة. ﴿خَشِيَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على من. ﴿الْعَنَتَ﴾: مفعول به. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المستتر في خشي، والجملة الفعلية صلة من الموصولة، والعائد الضمير المستتر في ﴿خَشِيَ﴾. ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾: فعل وفاعل وناصب، والجملة في تأويل مصدر مرفوع على الابتداءِ؛ تقديره: وصبركم. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر له. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ جمع محصنة بفتح الصاد، يقال: حصنت المرأة - بضم الصاد - حصنًا وحصانة، إذا كانت عفيفة، فهي حاصن، وحاصنة وحَصَان بفتح الصاد، ويقال: أحصنت المرأة إذا تزوجت؛ لأنها تكون في حصن الرجل وحمايته، وأحصنها أهلها زوجوها.
_________
(١) العكبري.
والحاصل: أن الفتح في المحصنات على وجهين:
أشهرهما: أنه أُسند الإحصان إلى غيرهن وهو: إما الأزواج أو الأولياء، فإن الزوج يحصن امرأته؛ أي: يعفَّها، والولي يحصنها بالتزويج، والله يحصنها بذلك.
والثاني: أن هذا المفتوح الصاد بمنزلة المكسور، يعني أنه اسم فاعل، وإنما شذ فتح عين اسم الفاعل في ثلاثة ألفاظ: أحصن فهو محصن، وأفلج فهو ملفج، وأسهب فهو مسهب، وأما الكسر فإنه أسند الإحصان إليهن؛ لأنهن يحصن أنفسهن بعفافهن أو يحصن فروجهن بالحفظ، أو يحصن أزواجهن. ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ جمع مسافح، اسم فاعل من سافح من باب فاعل، وأصله من السفح وهو الصب، وإنما سمي الزنا سفاحًا لأن الزاني لا غرض له إلا صب النطفة، وقضاء الشهوة فقط. ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ جمع أجر، وهو في الأصل الجزاء الذي يعطى في مقابلة شيء ما من عمل، أو منفعة، والمراد به هنا المهر.
﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الاستطاعة: كون الشيء في طوعك، لا يتعاصى عليك، والطول: الغنى والفضل، من مال أو قدرة على تحصيل الرغائب، يقال: طال يطول طولًا، في الأفضال والقدرة، وفلان ذو طول؛ أي: ذو قدرة في ماله. والطول بالضم ضد القصر.
﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ الأخدان: جمع خدن بكسر أوله وسكون ثانيه، وهو الصاحب، ويطلق على الذكر والأنثى، وهو الصديق للمرأة يزني بها سرًّا، قال أبو زيد: الأخدان الأصدقاء على الفاحشة. وفي "المصباح" و "القاموس" الأخدان: جمع خدن بالكسر، كحمل وأحمال، وعدل وأعدال. ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ﴾ والعنت في الأصل انكسار العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مشقة وضرر يعتري الإنسان، وأريد به هنا ما يجر إليه الزنا من العقاب الدنيوي والأخروي، يقال: عنت عنتًا من باب طرب إذا ارتكب الزنا، وفي "القاموس": والعنت محركًا الفساد، والإثم والهلاك ودخول المشقة على الإنسان، ولقاء الشدة والزنا والوهن والانكسار واكتساب المآثم، وأعنته غيره، وعنته تعنيتًا إذا شدد عليه وألزمه ما يصعب عليه.
البلاغة
وقد تضمنت هاتان الآيتان أنواعًا من البلاغة:
منها: التكرار بلفظ المؤمنات في قوله: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، وفي قوله: ﴿فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، وفي قوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ و ﴿مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾، وبلفظ: ﴿الْمُحْصَنَاتُ﴾، في قوله: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾، وفي قوله: ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾.
ومنها: الإشارة في قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى ما تقدم من المحرمات، وفي قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ إشارةً إلى تزويج الإماء.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: فرض الله، استعار للفرض لفظ الكتاب لثبوته وتقريره، فدل بالأمر المحسوس على المعنى المعقول، وفي قوله: ﴿مُحْصِنِينَ﴾ استعار لفظ الإحصان، وهو الامتناع في المكان الحصين للامتناع بالعقاب، واستعار لكثرة الزنا السفح، وهو صب الماء في الأنهار والعيون، بتدفق وسرعة. وكذلك: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ استعار لفظ الأجور للمهور، والأجر: هو ما يدل على عمل، فجعل تمكين المرأة من الانتفاع بها كأنه عمل تعمله، وفي قوله: ﴿طَوْلًا﴾ استعارهُ للمهر يتوصل به إلى معالي الأمور.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾؛ لأن المحصن الذي يمنع فرجه، والمسافح الذي يبذله.
ومنها: الاحتراز في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ إذ المحصنات قد يراد بها الأنفس المحصنات، فيدخل تحتها الرجال فاحترز عنه بقوله من النساء.
ومنها: الاعتراض بقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه سبحانه وتعالى لما ذكر (١) أحكام النكاح فيما سلف على طريق البيان والإسهاب.. ذكر هنا عللها وأحكامها، كما هو دأب القرآن الكريم أن يعقب ذكر الأحكام التي يشرعها للعباد ببيان العلل والأسباب؛ ليكون في ذلك طمأنينة للقلوب، وسكون للنفوس لتعلم مغبة (٢) ما هي مقدمة عليه من الأعمال، وعاقبة ما كلفت به من الأفعال، حتى تقبل عليها وهي مثلجة الصدور، عالمة بأن لها فيها سعادةً في دنياها وأخراها، ولا تكون في عماية من أمرها، فتتيه في أودية الضلالة وتسير قدمًا لا إلى غاية.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٣): أنه تعالى لمَّا بيّن كيفية التصرف في النفوس بالنكاح.. بيَّن كيفية التصرّف في الأوال الموصلة إلى النكاح، وإلى ملك اليمين، وأن المهور والأثمان المبذولة في ذلك لا تكون مما
(١) المراغي.
(٢) المغبة: العاقبة.
(٣) البحر المحيط.
ملكت بالباطل، والباطل هو: كل طريق لم تُبحه الشريعة فيدخل فيه السرقة، والخيانة والغصب والقمار والملاهي وعقود الربا وأثمان البيوع الفاسدة كما سيأتي.
وقال المراغي (١): قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لمّا ذكر فيما سلف كيفية معاملة اليتامى وإيتاء أموالهم إليهم عند الرشد وعدم دفع الأموال إلى السفهاء، ثم بيّن وجوب دفع المهور للنساء، وأنكر عليهم أخذها بوجه من الوجوه، ثم ذكر وجوب إعطاء شيءٍ من أموال اليتامى إلى أقاربهم إذا حضروا القسمة.. ذكر هنا قاعدة عامة للتعامل في الأموال تطهيرًا للأنفس في جمع المال المحبوب لها.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٢): أنه تعالى لمّا ذكر الوعيد على فعل بعض الكبائر.. ذكر الوعد على اجتناب الكبائر، والظاهر أن الذنوب تنقسم على قسمين؛ إلى كبائر وسيئات، وهي التي عبر عنها أكثر العلماء بالصغائر.
وقيل (٣): المناسبة أنه لمّا نهى الله سبحانه وتعالى عن أكل أموال الناس بالباطل، وعن قتل النفس، وهما أكبر الذنوب المتعلقة بحقوق العباد، وتوعد فاعل ذلك بأشد العقوبات.. نهى عن جميع الكبائر التي يعظم ضررها، وتؤذن بضعف إيمان مرتكبها، ووعد من تركها بالمُدخَل الكريم.
التفسير وأوجه القراءة
٢٦ - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ هذه الآيات إلى قوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ كأنها واقعة في جواب أسئلة مقدرة (٤)، تقديرها: ما الحكمة في هذه الأحكام، وما فائدتها للعباد وهل من كان قبلنا من الأمم السالفة كلف بمثلها، فلم يبح
(١) المراغي.
(٢) البحر المحيط.
(٣) المراغي.
(٤) المراغي.
لهم أن يتزوجوا كل امرأة، وهل كان ما أمرنا الله به أو نهانا عنه تشديدًا علينا أو تخفيفًا عنا؟
واللام (١) في قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ﴾ زائدة مؤكدة لإرادة التبيين، كما زيدت في لا أبا لك لتأكيد إضافة الأب، والمعنى: يريد الله سبحانه وتعالى بما شرعه لكم من الأحكام أن يبين لكم، ويوضح ما فيه مصالحكم ومنافعكم، وقيل يبين لكم ما يقربكم منه وقيل يبين لكم أن الصبر عن نكاح الإماء خير لكم.
﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: ويريد الله سبحانه وتعالى أن يرشدكم طرائق من تقدمكم، ومناهجهم من الأنبياء والصالحين لتقتدوا بهم وتقتفوا آثارهم، وتسيروا سيرتهم، فكل ما بيَّن الله تحريمه وتحليله لنا من النساء.. كان الحكم كذلك في جميع الشرائع والملل، فالشرائع والتكاليف وإن اختلفت باختلاف أحوال الاجتماع والأزمان كما قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾.. فهي متفقة في مراعاة المصالح العامة للبشر.
فروح الديانات جميعًا وأساسها توحيد الله تعالى، وعبادته والخضوع له، على صور مختلفة، ومآل ذلك تزكية النفس بالأعمال التي تقوم بها، وتهذيب الأخلاق لتَبْتَعِدَ عن سيء الأفعال والأقوال، ﴿و﴾ يريد الله سبحانه وتعالى أن ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: أن يرجعكم عن المعصية التي كنتم عليها إلى طاعته، ويوفقكم للتوبة عنها، قيل: إن الأحكام قبل البعثة لم تثبت فأين المعصية؟
أجيب: بأن المراد المعصية ولو صورةً، والمعنى: ويريد الله تعالى أن يجعلكم بالعمل بتلك الأحكام تائبين، راجعين عما كان قبلها من تلك الأنكحة الضارة التي كان فيها انحراف عن سنن الفطرة؛ إذ كنتم تنكحون ما نكح آباؤكم، وتقطعون أرحامكم، ولا تلتفتون إلى المعاني السامية التي في الزوجية، من تقوية روابط النسب، وتجديد قرابة الصهر، والسعادة التي تثلج قلوب الزوجين، والمودة والرحمة اللتين تعمر بهما نفوسهما. ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى ﴿عَلِيمٌ﴾
(١) النسفي.
بمصالح عباده في أمر دينهم ودنياهم ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما دبره لهم من أمورهم؛ أي: فبعلمه المحيط بما في الأكوان شرع لكم من الدين ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم، وبحكمته لم يكلفكم بما يشق عليكم، وبما فيه الأذى والضرر لكم، وبها يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات
٢٧ - ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى ﴿يُرِيدُ﴾ بما كلّفكم به من تلك الشرائع ﴿نْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: أن يطهركم من الذنوب ويزكي نفوسكم من الأدناس، قال ابن عباس: معناه: يريد أن يطهركم من كل ما يكرهُ إلى ما يحب ويرضى، وقيل: معناه يدلكم على ما يكون سببًا لتوبتكم التي يغفر لكم بها ما سلف من ذنوبكم. ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ المحرمة ويستبيحونها ويفعلونها. قيل: هم (١) اليهود والنصارى، وقيل: هم اليهود خاصة؛ لأنهم يقولون: إن نكاح بنت الأخ من الأب حلال، وقيل: هم المجوس؛ لأنهم يستحلون نكاح الأخوات، وبنات الإخوة، فلما حرمهن الله تعالى.. قالوا: إنكم تحلون بنت الخالة، وبنت العمة، والخالة والعمة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت، فنزلت هذه الآية، وقيل: هم الزناة يريدون أن تكونوا مثلهم. ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ وتعدلوا عن الحق، وقصد السبيل ﴿مَيْلًا﴾ بموافقتهم على اتباع الشهوات، واستحلال المحرمات ﴿عَظِيمًا﴾؛ أي: بينًا بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئة، على ندور غير مستحل لها؛ أي: أن تخطئوا خطأً عظيمًا بنكاح الأخوات من الأب ونحوها، لقولهم: إنه حلال في كتابنا، وبمشاركتهم في اتباع الشهوات، فإن الزاني يحب أن يشركه في الزنا غيره، ليفرق اللوم عليه وعلى غيره، ومتبعوا الشهوات هم الذين يدورون مع شهوات أنفسهم، وينهمكون فيها، فكأنها أمرتهم باتباعها فامتثلوا أمرها، فلا يبالون بما قطعوا من حقوق الأرحام، ولا بما أزالوا من مودة القرابة، فليس مقصدهم إلا التمتع باللذة.
وأما الذين يفعلون ما يأمر به الدين: فليس غرضهم إلا امتثال أوامره، لا اتباع شهواتهم، ولا الجري وراء لذاتهم، وقرأ الجمهور أن تميلوا بتاء الخطاب، وقرىء بالياء على الغيبة، فالضمير في ﴿يميلوا﴾ يعود على الذين يتبعون
(١) الخازن.
الشهوات. وقرأ الجمهور ﴿ميلًا﴾ بسكون الياء، وقرأ الحسن بفتحها.
٢٨ - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى: ﴿أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أيها الأمة المحمدية، ويسَهل عليكم في جميع أحكام الشرع، كإباحة نكاح الأمة عند الضرورة، ونحوه من سائر الرخص، ولم يثقل التكاليف عليكم، كما ثقلها على بني إسرائيل، كما أخبره في كتابه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وكما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة".
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾؛ أي: خلق الله جنس الإنسان حالة كونه ضعيفًا؛ أي: عاجزًا عن مخالفة هواه، غير قادر على مخالفة دواعيه، حيث لم يصبر عن النساء، وعن اتباع الشهوات، ولا يستخدم قواه في مشاق الطاعات، ولذلك خفف الله تكليفه، وقد ورد عن النبي - ﷺ -:"لا خير في النساء ولا صبر عنهن يغلبن كريمًا ويغلبهن لئيم، فأحب أن أكون كريمًا مغلوبًا ولا أحب أن أكون لئيمًا غالبًا". وقيل: هو ضعيف في أصل الخلقة؛ لأنه خلق من ماء مهين..
وقد رحم الله عباده (١)، فلم يحرم عليهم من النساء إلا ما في إباحته مفسدة عظيمة، وضرر كبير، ولا يزال الزنا ينتشر حيث يضعف وازع الدين، ولا يزال الرجال هم المعتدين، فهم يفسدون النساء ويغرونهن بالأموال، ويحجر الرجل على امرأته ويحجبها، بينما يحتال على امرأة غيره ويخرجها من خِدرها، وإنه لغِرٌّ جاهلٌ، أفيظن أن غيره لا يحتال على امرأته كما احتال هو على امرأة سواه، فقلما يفسق رجل إلا يكون قدوةً لأهل بيته في الفسق والفجور، وفي الحديث: "عفوا تعف نسائكم وبروا آباءكم تبرّكم أبناؤكم" رواه الطبراني من حديث جابر.
وقد بلغ الفسق في هذا الزمن حدًّا صار الناس يظنونه من الكياسة، وزالت غيرتهم، وأسلسوا القياد لنسائهم كما يسلسن لقيادتهن، فوهت الروابط الزوجية، ونخر السوس في سعادة البيوت، ووجدت الرذيلة لها مرتعًا خصيبًا في أجواء الأسر، حتى أصبح الرجل لا يثق بنسله، وكثرت الأمراض والعلل بشتى مظاهرها.
(١) المراغي.
أخرج البيهقي (١) في "شعب الإيمان" عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، وعد هذه الآيات الثلاث: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾، والرابعة: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، والخامسة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، والسادسة: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، والسابعة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، والثامنة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾.. الآية.
وقال الراغب (٢): ووصف الإنسان بأنه خلق ضعيفًا إنما هو باعتباره بالملأ الأعلى، نحو: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾، أو باعتباره بنفسه دون ما يعتريه من فيض الله ومعونته، أو اعتبارًا بكثرة حاجاته، وافتقار بعضهم إلى بعض، أو اعتبارًا بمبدئه ومنتهاه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ وأما إذا اعتُبر بعقله، وما أعطاه من القوة التي يتمكن بها من خلافة الله في أرضه، ويبلغ يها في الآخرة إلى جواره تعالى.. فهو أقوى ما في هذا العالم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾.
وقرأ ابن عباس ومجاهد: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ مبنيًّا للفاعل مسندًا إلى ضمير اسم الله، وانتصاب ضعيفًا على الحال.
٢٩ - وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ شروع في بيان بعض المحرمات المتعلقة بالأموال والأنفس، إثر بيان المحرمات المتعلقة بالأبضاع، وإنما خَصَّ الأكل بالذكر؛ لأن معظم المقصود من الأموال الأكل، فالمراد: النهي عن مطلق الأخذ، قيل: ويدخل فيه أكل مال نفسه، وأكل مال غيره، فأكل مال نفسه بالباطل إنفاقه في المعاصي.
(١) المراغي.
(٢) البحر المحيط.
أي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدَّقوا بما جاء به محمَّد - ﷺ - لا تأكلوا أموالكم المتداولة بينكم بالوجه الباطل الممنوع في الشرع؛ أي: بالطريق الذي يخالف الشرع، كالغصب والسرقة والخيانة والقمار وعقود الربا وشهادة الزور والحلف الكاذب وجحد الحق، ونحو ذلك كالرُشا، والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ منقطع؛ لأن التجارة عن تراضٍ ليست من جنس أكل المال بالباطل، فتكون ﴿إِلَّا﴾ هنا بمعنى: لكن، والمعنى: لكن أكلها بتجارة صادرة عن تراض منكم، وطيب نفس من المتعاقدين جائز لكم.
وخص التجارة (١) بالذكر دون غيرها كالهبة والصدقة والوصية؛ لأن غالب التصرف في الأموال بها ولأن أسباب الرزق متعلق بها غالبًا، ولأنها أرفق بذوي المروءات، بخلاف الإيهاب وطلب الصدقات، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿تِجَارَةً﴾ بالنصب على أن ﴿تَكُونَ﴾ ناقصة، واسما ضمير مستتر يعود على (٢) الأموال، تقديره: إلا أن تكون الأموال أموال تجارة صادرة عن تراض منكم، فيجوز أكلها، أو يعود على ﴿تجارة﴾ والتقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة عن تراض منكم.
وقرأ الباقون بالرفع على أن تكون تامة، والمعنى: إلا أن توجد تجارة صادرة عن تراض منكم، فيجوز أكل الأموال المكتسبة بها.
واختلف العلماء في التراضي (٣)، فقالت طائفة: تمامه، أي: تمام البيع وجوبه بافتراق الأبدان بعد عقد البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه اختر، كما في الحديث الصحيح: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر" أخرجه الشيخان عن ابن عمر، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي والثوري والأوزاعي والليث وابن عيينة وإسحاق وغيرهم. وقال
(١) كرخي.
(٢) البحر المحيط.
(٣) الشوكاني.
مالك وأبو حنيفة: تمام البيع هو أن يعقد البيع بالألسنة، فيرتفع بذلك الخيار، وأجابوا عن الحديث بما لا طائل تحته.
فائدة: وفي قوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ رمز (١) إلى أن المال المحرم يكون عادة موضع التنازع في التعامل بين الآكل والمأكول منه، كل منهما يريد جذبه إليه، والمراد بالأكل الأخذ على أي وجه، وعبر عنه بالأكل لأنه أكثر أوجه استعمال المال وأقواها.
وأضاف الأموال إلى الجميع، ولم يقل: لا يأكل بعضكم مال بعض، تنبيهًا إلى تكافل الأمة في الحقوق والمصالح، كان مال كل واحد منها هو مال الأمة جميعها، فإذا استباح أحدهم أن يأكل مال الآخر بالباطل.. كان كأنه أباح لغيره أن يأكل ماله، فالحياة قصاص، وإرشادًا إلى أن صاحب المال يجب عليه بذل شيء منه للمحتاج وعدم البخل عليه به، إذ هو كأنما أعطاه شيئًا من ماله، وبهذا قد وضع الإِسلام قواعد عادلة للأموال لدى من يعتنق مبادئه:
منها: أن مال الفرد مال الأمة، مع احترام الحيازة والملكية وحفظ حقوقها، فهو يوجب على ذي المال الكثير حقوقًا معينة للمصالح العامة، وعلى ذي المال القليل حقوقًا أخرى للبائسين وذوي الحاجات من سائر أصناف البشر، ويحث على البر والإحسان والصدقات في جميع الأوقات.
وبهذا لا يوجد في بلاد الإِسلام مضطر إلى القوت أو عريان، سواء أكان مسلمًا أم غير مسلم؛ لأن الإِسلام فرض على المسلمين إزالة ضرورة المضطر، كما فرض في أموالهم حقوقًا للفقراء والمساكين.
وكل فرد يقيم في بلادهم يرى أن مال الأمة هو مالُه، فإذا اضطر إليه.. يجده مذخورًا له، كما جُعل المال المفروض في أموال الأغنياء تحت سيطرة الجماعة الحاكمة من الأمة، حتى لا يمنعه من في قلبه مرض، وحثهم على البذل
(١) المراغي.
ورغبهم فيه، وذمهم على البخل، ووكل ذلك إلى أنفسهم؛ لتقوى لديهم ملكة السخاء والمروءة والرحمة.
ومنها: أنه لم يبح للمحتاج أن يأخذ ما يحتاج إليه من أيدي أربابه إلا بإذنهم، حتى لا تنتشر البطالة والكسل بين أفراد الأمة، وتوجد الفوضى في الأموال والضعف والتواني في الأحوال، ويدب الفساد في الأخلاق والآداب.
ولو أقام المسلمون معالم دينهم، وعملوا بشرائعه.. لضربوا للناس الأمثال، واستبان لهم أنه خير شريعة أخرجت للناس، ولأقاموا مدنية صحيحة في هذا العصر، يتأسى بها كل من يريد سعادة الجماعات، ولا يجعلها تَئِنُ تحت أثقال العوز والحاجة، كما هو حادث الآن من التنافر العام، والنظر الشزر من العمال إلى أصحاب رؤوس الأموال. ومعنى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾؛ أي: لا تكونوا من ذوي الأطماع الذين يأكلون أموال الناس بغير مقابل لها من عين أو منفعة، ولكن كلوها بالتجارة التي قوام الحل فيها التراضي، وذلك هو اللائق بأهل المروءة والدين، إذا أرادوا أن يكونوا من أرباب الثراء.
وفي الآية إيماء إلى أنواع شتى من الفوائد:
منها: أن مدار حل التجارة على تراضي المتبايعين، فالغش والكذب والتدليس فيها من المحرمات.
ومنها: أن جميع ما في الدنيا من التجارة، وما في معناها، من قبيل الباطل الذي لا بقاء له ولا ثبات، فلا ينبغي أن يشغل العاقل بها عن الاستعداد للآخرة، التي هي خير وأبقى.
ومنها: الإشارة إلى أن معظم أنواع التجارة يدخل فيها الأكل بالباطل، فإنَّ تحديد قيمة الشيء، وجعل ثمنه على قدره بالقسطاس المستقيم يكاد يكون مستحيلًا، ومن ثم يجري التسامح فيها إذا كان أحد العوضين أكبر من الآخر، أو إذا كان سبب الزيادة براعة التاجر في تزيين سلعته، وترويجها بزخرف القول من غير غش ولا خداع، فكثيرًا ما يشتري الإنسانُ الشيء وهو يعلم أنه يمكنه شراؤه
من موضع آخر بثمن أقلّ، وما نشأ هذا إلّا من خلابة التاجر وكياسته في تجارته، فيكون هذا من باطل التجارة الحاصلة بالتراضي، فيكون حلالًا، والحكمة في إباحة ذلك الترغيب في التجارة؛ لشدة حاجة الناس إليها، والتنبيه إلى استعمال ما أوتوا من الذكاء والفطنة في اختيار الأشياء، والتدقيق في المعاملة حفظًا للأموال، حتى لا يذهب شيء منها بالباطل؛ أي: بدون منفعة تقابلها.
فإذا ما وجد في التجارة الربح الكثير بلا غشٍ ولا تغرير، بل بتراض من الطرفين.. لم يكن في هذا حرج، ولولا ذلك ما رغب أحد في التجارة، ولا اشتغل بها أحد من أهل الدين، على شدة حاجة العمران إليها، وعدم الاستغناء عنها.
ولما كان المال عديل الروح، وقد نهينا عن إتلافه بالباطل، كنهينا عن إتلاف النفس؛ لكون أكثر إتلافهم لها بالمغامرات؛ لنهب الأموال، وما كان متصلًا بها، وربما أدى ذلك إلى الفتن التي ربما كان آخرها القتل. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: لا تفعلوا ما تستحقون به القتل، من قتل المؤمن بغير حق والردة والزنا بعد الإحصان، أو المعنى: لا يقتل بعضكم بعضًا، وإنما قال: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ لأنهم أهل دين واحد، فهم كنفس واحدة، وللإشعار بتعاون الأمة وتكافلها ووحدتها، وقد جاء في الحديث: "المؤمنون كالنفس الواحدة"؛ ولأن قتل الإنسان لغيره يفضي إلى قتله قصاصًا أو ثأرًا، فكأنه قتل نفسه.
وبهذا علمنا القرآن: أن جناية الإنسان على غيره جناية على نفسه، وجناية على البشر جميعًا، لا على المتصلين به برابطة الدين أو الجنس أو السياسة، كما قال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ كما أنه أرشدنا باحترام نفوس الناس بعدها كنفوسنا، إلى أن نحترم نفوسنا بالأولى، فلا يباح بحال أن يقتل أحد نفسه؛ ليستريح من الغم وشقاء الحياة، فمهما اشتدت المصائب بالمؤمن.. فعليه أن يصبر ويحتسب، ولا ييأس من الفرج الإلهي، ومن ثَمَّ لا يكثرُ بَخْعُ النفس والانتحار إلا حيث يقل الإيمان، ويفشو الكفر والإلحاد.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ سبحانه وتعالى كان بكم رحيمًا حيث نهاكم عن كل ما تستوجبون به مشقة؛ أي: إنه سبحانه وتعالى بنهيكم عن أكل الأموال بالباطل وعن قتلكم أنفسكم كان رحيمًا بكم؛ إذ حفظ دماءكم كما حفظ أموالكم، التي عليها قوام المصالح، واستمرار المنافع، وعلمكم أن تتراحموا وتتوادوا، ويكون كل منكم عونًا للآخر، يحافظ على ماله، ويدافع عن نفسه إذا جد الجد، ودعت الحاجة إلى الدفاع عنه.
٣٠ - ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ المنهي المذكور من أكل الأموال بالباطل، وقتل الأنفس، أو سائر المحرمات المذكورة من أول السورة إلى هنا، ﴿عُدْوَانًا﴾؛ أي: تعديًا (١) وعمدًا لا خطأً، ﴿وَظُلْمًا﴾؛ أي: بغير حق لا قصاصًا، أو المعنى ﴿عُدْوَانًا﴾؛ أي: (٢) تعديًا على الغير، ﴿وَظُلْمًا﴾؛ أي: لنفسه بتعريضها للعقاب، لا جهلًا ونسيانًا وسفهًا، وقال المراغي (٣): العدوان هو التعدي على الحق، وهو يتعلق بالقصد، بأن يتعمد الفاعل الفعل، وهو عالم أنه قد تعدى الحق وجاوزه إلى الباطل، والظلم يتعلق بالفعل نفسه، بأن لا يتحرى الفاعل عمل ما يحل فيفعل ما لا يحل، والوعيد مقرون بالأمرين معًا، فلا بد من قصد الفاعل العدوان، وأن يكون فعله ظلمًا لاحقًا، فإذا وجد أحدهما دون الآخر.. لم يستحق الفاعل هذا التهديد الشديد، فإذا قتل الإنسان رجلًا كان قد قتل أباه أو ابنه.. فهنا قد وجد العدوان ولم يوجد الظلم، وإذا سلب امرؤ مال آخر ظانًّا أنه ماله الذي كان قد سرقه أو اغتصبه، ثم تبين أن المال ليس ماله، وأن هذا الرجل لم يكن هو الذي أخذ ماله.. فها هنا قد وجد الظلم دون العدوان، وقرىء ﴿عِدوانًا﴾ بالكسر، ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾؛ أي: فسوف ندخله في الآخرة نارًا هائلة شديدة العذاب، يصلى فيها، عقوبة له على جريمته ومدلول (٤) ﴿نَارًا﴾ مطلق، والمراد - والله أعلم - تقييدها بوصف الشدة، أو ما يناسب هذا الجرم العظيم من أكل المال بالباطل وقتل الأنفس.
(١) النسفي.
(٢) بيضاوي جمل.
(٣) المراغي.
(٤) البحر المحيط.
وقرأ الجمهور (١): ﴿نُصْلِيهِ﴾ بضم النون، وقرأ النخعي والأعمش بفتحها من صلاه الثلاثية، ومنه شاة مصلية، وقرىء أيضًا ﴿نصلّيه﴾ مشددًا، وقرىء ﴿يصليه﴾، والظاهر أن الفاعل ضمير يعود على الله؛ أي: فسوف يصليه هو؛ أي: الله تعالى، وأجاز الزمخشري: أن يعود الضمير على ذلك، قال: لكونه سببًا للمصلي، وفيه بعد.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ الإصلاء والإدخال في النار ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾؛ أي: يسيرًا سهلًا هينًا على الله سبحانه وتعالى لا يمنعه منه مانع، ولا يدفعه عنه دافع، ولا يشفع فيه إلا بإذنه شافع، فلا يغترَّن الظالمون المعتدون بحلمه تعالى عليهم في الدنيا، وعدم معاجلتهم بالعقوبة، فيظنوا أنهم بمنجاة من عقابه في الآخرة، ولا يكونن كأولئك المشركين الذين قالوا: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
٣١ - ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ وتتركوا ﴿كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾؛ أي: عظائم ما نهاكم الله عنه من الذنوب، كالشرك والزنا وقتل النفس المحرمة مثلًا، وتفعلوا عزائم ما أمركم الله به، كالصلوات الخمس وصيام رمضان والزكاة والحج، ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾؛ أي: نمحُ عنكم صغائر الذنوب، ونغفرها لكم فلا نؤاخذكم بها، فتصير بمنزلة ما لم يعمل؛ لأن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر وفعل المأمورات، ولا تكفر كبارها إلا بالتوبة والإقلاع عنها، فمعنى تكفير السيئات: إزالة ما يستحق عليها من العقوبات، وجعلها كأن لم تكن، فالمراد بالسيئات هنا الصغائر؛ لأنهم قسموا الذنوب إلى قسمين: صغائر كالنظرة واللمسة والقبلة مثلًا، وكبائر كالزنا والسرقة، وقالوا: أكبر الكبائر الشرك بالله، وأصغر الصغائر حديث النفس. وإنما زدنا في تفسير الآية قيد وتفعلوا عزائم المأمورات؛ لأنه لا بد من تقييد ما في هذه الآية من تكفير السيئات بمجرد اجتناب الكبائر، بما أخرجه النسائي وابن ماجه وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه، والبيهقي في "سننه"، عن أبي هريرة وأبي سعيد: أن النبي - ﷺ - جلس على المنبر ثم قال: "والذي نفسي بيده، ما من عبد يصلي الصلوات الخمس،
(١) البحر المحيط.
ويصوم رمضان، ويؤدي الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع.. إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة، حتى إنها لتصفق"، ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، وقيل: لا يشترط ذلك بل تكفر الصغائر باجتناب الكبائر، فإنَّ اجتناب الكبائر من أعظم الطاعات، وهو المعتمد لظاهر الآية. ﴿وَنُدْخِلْكُمْ﴾ في الآخرة ﴿مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾؛ أي: موضعًا طيبًا ومنزلًا حسنًا، أو ندخلكم مكانًا لكم فيه الكرامة عند ربكم، وهو الجنة التي تجري من تحتها الأنهار، ومعنى كونه كريمًا أنه لا نكد فيه ولا تعب، بل فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، جعلنا الله سبحانه وتعالى من أهلها.
وقرأ ابن عباس وابن جبير (١): ﴿إن تجتنبوا كبير﴾ على الإفراد، وقرأ المفضلُ عن عاصم: ﴿يُكفِّر﴾ ﴿ويدخلكم﴾ بالياء على الغيبة، وقرأ ابن عباس: ﴿من سيئاتكم﴾، بزيادة (من)، وقرأ نافع: ﴿مُدْخَلًا﴾ هنا، وفي الحج بفتح الميم، ورُويت عن أبي بكر، وقرأ باقي السبعة بضمها.
واعلم: أنه قد اختلف العلماءُ في عدد الكبائر، وتحقيق معناها، فقال ابن مسعود: هي ثلاث: القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، وروي عنه أيضًا أنها أربع، فزاد الإشراك بالله، وقال عليٌّ : هي سبع، الإشراك بالله، وقتل النفس، وقذفُ المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرارُ يوم الزحف، والتعرب بعد الهجرة، وقال عبيد بن عمير: الكبائر سبع كقول علي في كل واحدة منها أية من كتاب الله، وجعل الآية في التعرب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى...﴾ الآية.
والأحاديث الصحيحة (٢) كما سيأتي مختلفة في عددها، ومجموعها يزيد على سبع، ومن ثم قال ابن عباس: لما قال له رجل: الكبائر سبع؟ قال: هي إلى سبعين أقرب، وفي رواية عنه: هي إلى سبع مئة أقرب؛ إذ لا صغيرة مع
(١) البحر المحيط.
(٢) المراغي.
الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار، ومراده أن كل ذنب يرتكب لعارض يعوض على النفس، من استشاطة غضب أو ثورة شهوة، وصاحبه متمكن من دينه، يخاف الله ولا يستحل محارمه، فهو من السيئات التي يكفرها الله تعالى، إذ لولا ذلك العارض القاهر للنفس لم يكن ليجترحه تهاونًا بالدين، إذ هو بعد اجتراحه يندم ويتألم ويتوب ويرجع إلى الله تعالى، ويعزم على عدم العودة إلى اقتراف مثله، فهو إذ ذاك لأَنْ يتوب عليه ويكفر عنه أقربُ، وكل ذنب يرتكبه الإنسان مع التهاون بالأمر، وعدم المبالاة بنظر الله إليه، ورؤيته إياه حيث نهاه، فهو مهما كان صغيرًا في صورته أو في ضرره يعد كبيرًا من حيث الإصرار والاستهتار، فتطفيف الكيل والميزان ولو حبة لمن اعتاده، والهمز واللمز، وعيب الناس، والطعن في أعراضهم لمن تعوده، كل ذلك كبيرة ولا شك، وكان النبي - ﷺ - يذكر في كل مقام ما تمس إليه الحاجة ولم يرد الحصر والتحديد.
وأما في تحقيقها فقيل: إن الذنوب كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها: صغيرة بالنسبة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال: الزنا صغيرة بالنسبة إلى الكفر، والقبلة المحرمة صغيرة بالنسبة إلى الزنا. وقال ابن عباس: الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، وقال ابن مسعود: الكبائر ما نهى الله عنه في هذه السورة إلى ثلاث وثلاثين آيةً، وقال سعيد بن جبير: كل ذنب نسبه الله إلى النار فهو كبيرة، وقال جماعة من أهل الأصول: الكبائر كل ذنب رتب عليه الحد أو صرح بالوعيد فيه، وقيل: كل ذنب عظم قبحه وعظمت عقوبته، إما في الدنيا بالحدود، وإما في الآخرة بالعذاب عليه، وقيل غير ذلك مما لا طائل في ذكره.

فصل في ذكر الأحاديث الواردة في الكبائر


فمنها: ما روي عن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: كنا عند رسول الله - ﷺ - فقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثًا"، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ألا وشهادة الزور، وقول الزور"، وكان متكئًا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. أخرجاه في "الصحيحين".
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: ذكر لنا رسول الله - ﷺ - الكبائر
فقال: "الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس"، وقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، قول الزور" أو قال: "شهادة الزور" متفق عليه.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - ﷺ - قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، والزنا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" متفق عليه.
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: سألت رسول الله - ﷺ -: أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك"، قال: قلت: إن ذلك لعظيم، ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك"، قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك" رواه البخاري.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن النبي - ﷺ - قال: "الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس"، وفي رواية، أن أعرابيًّا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: "الإشراك بالله"، قال: ثم ماذا؟ قال: "اليمين الغموس"، قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: "الذي يقتطع مال امرئ مسلم بيمين هو فيها كاذب" رواه البخاري.
وعنه - رضي الله عنهما - أن رسول الله قال: "إن من الكبائر شتم الرجل والديه"، قالوا: وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: "نعم! يسب الرجل أبا الرجل أو أمه، فيسب أباه أو أمه"، وفي رواية: "من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه" وذكر الحديث، متفق عليه.
الإعراب
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، مسوقة لتقرير ما سبق من
الأحكام، وكونها جارية على مناهج المهتدين من الأنبياء والصالحين. ﴿لِيُبَيِّنَ﴾: اللام لام كي، ولكنها زائدة، زيدت لتأكيد إرادة التبيين. ﴿لِيُبَيِّنَ﴾: منصوب بأن مضمرة بعد اللام، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: يريد الله تبيينه لكم. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ﴾: الواو: عاطفة. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُبَيِّنَ﴾ على كونها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: يريد الله بيانه لكم، وهدايته لكم. ﴿سُنَنَ الَّذِينَ﴾: مفعول ثان ومضاف إليه. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَيَتُوبَ﴾: معطوف أيضًا على ﴿يُبَيِّنَ﴾. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به، تقديره: وتوبته عليكم. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: مبتدأ وخبر أول. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان والجملة مستأنفة.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾.
﴿اللَّهُ﴾: الواو عاطفة. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿يُرِيدُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الإسمية معطوفة على الجملة الفعلية؛ أعني: جملة يريد الله. ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر ﴿يَتُوبَ﴾: منصوب بـ ﴿أن﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: والله يريد توبته عليكم. ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ﴾. ﴿يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل. ﴿مَيْلًا﴾: مفعول مطلق. ﴿عَظِيمًا﴾: صفة له، والجملة الفعلية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿يُرِيدُ﴾؛ تقديره: ويريد الذين يتبعون الشهوات ميلكم ميلًا عظيمًا.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدر. ﴿يُخَفِّفَ﴾: منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿عَنْكُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: يريد الله تخفيفه عنكم، ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ﴾ فعل ونائب فاعل. ﴿ضَعِيفًا﴾: حال من الإنسان، وهي حال مؤكدة، والجملة مستأنفة، بمنزلة التعليل لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿أيُّ﴾: منادى نكرة مقصودة. ها: حرف تنبيه زائد زيد تعويضًا عما فات أي من الإضافة، ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع، أو في النصب صفة له، وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿لَا تَأكُلُوا﴾: جازم وفعل وفاعل، والجملة جواب النداء. ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿بَيْنَكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَأكُلُوا﴾، أو حال من ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾. ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: متعلق بـ ﴿تَأكُلُوا﴾.
﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء منقطع بمعنى لكن. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب. ﴿تَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص. ﴿تِجَارَةً﴾: خبرها منصوب على قراءة النصب، واسمها ضمير يعود على المعاملة مثلًا، وعلى قراءة الرفع فتكون تامة، ﴿تِجَارَةً﴾: فاعلها، وجملة ﴿تَكُونَ﴾ على كلا الإعرابين: صلة أن المصدرية، أن مع صلتها: في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء، والخبر محذوف؛ تقديره: لكن كون المعاملة تجارة عن تراض منكم جائز، أو كون تجارة عن تراض منكم جائز، والجملة جملة استدراكية لا محل لها من الإعراب. ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿تِجَارَةً﴾. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿تَرَاضٍ﴾، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا﴾: جازم وفعل وفاعل معطوف على جملة ﴿لَا تَأكُلُوا﴾. ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾:
مفعول به ومضاف إليه. ﴿إنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الجلالة. ﴿بِكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿رَحِيمًا﴾، وهو خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: الواو استئنافية. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو جملة الجواب، أو هما. ﴿يَفْعَلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل الشرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مفعول به. ﴿عُدْوَانًا﴾: حال من فاعل يفعل. ﴿وَظُلْمًا﴾: معطوف عليه، ولكن بعد تأويلهما بمشتق؛ تقديره: ومن يفعل ذلك حالة كونه متعديًا على غيره، وظالمًا لنفسه، أو منصوبان على المفعول لأجله. ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب مقترنًا بـ ﴿سوف﴾، ﴿سَوْفَ﴾: حرف تنفيس. ﴿نُصْلِيهِ﴾: فعل ومفعول أول. ﴿نَارًا﴾: مفعول ثان، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، ولم يجزم لفظه لاقترانه بحرف التنفيس، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسِيرًا﴾ وهو خبر كان، وجملة ﴿كَانَ﴾: مستأنفة.
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾: جازم وفعل وفاعل، مجزوم بحذف النون. ﴿كَبَائِرَ مَا﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿تُنْهَوْنَ﴾: فعل مغير ونائب فاعل. ﴿عَنْهُ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد ضمير عنه. ﴿نُكَفِّرْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿أَن﴾ على كونه جواب الشرط لها، وفاعله ضمير يعود على الله،
وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: مستأنفة. ﴿عَنْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نُكَفِّرْ﴾. ﴿سَيِّئَاتِكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿وَنُدْخِلْكُمْ﴾. معطوف على ﴿نُكَفِّرْ﴾ مجزوم على كونه جواب ﴿إن﴾: الشرطية، و ﴿الكاف﴾: مفعول به، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿مُدْخَلًا﴾: منصوب على الظرفية متعلق بندخل. ﴿كَرِيمًا﴾: صفة له، ويصح نصبه على المصدرية، والمدخول فيه على هذا محذوف، تقديره: وندخلكم الجنة إدخالًا كريمًا.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾، السنن جمع سنة، كغرف وغرفة، والسنة: الطريقة، ويقال: تاب إلى الله توبة وتوبًا ومتابًا، من باب قال، إذا رجع من معصيته إلى طاعته، وتاب الله عليه إذا غفر له، ورجع عليه بفضله، والمعنى هنا: ويغفر لكم، ومعناه في الموضع الثاني أعني قوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ التوفيق للهداية، والرجوع إلى الطاعة، ﴿الشَّهَوَاتِ﴾: جمع شهوة، كهفوات جمع هفوة، وهي المستلذات المحرمة، يقال: شها الشيء يشهو من باب دعا، ويقال: شهي يشهى - من باب رضي يرضى - شهوةً إذا أحبه ورغب فيه رغبة شديدة، ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ يقال: مال يميل من - باب باع - ميلًا وتميالًا وميلانًا وميلولةً إلى المكان عدل إليه، أو إلى الشيء، أو إلى الشخص، إذا رغب فيه أو أحبه، ومال عن الطريق إذا حاد عنه، ومال الحاكم في حكمه إذا جار وظلم، ومال الحائط إذا زال عن استوائه، والمراد هنا الميل عن الطريق المستقيم. ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ والضعيف: صفة مشبهة من ضعف يضعف ضعافة وضعافية ضد قوي، وهو من باب فعل المضموم كشرف، يجمع على ضعاف وضعفاء وضعفة وضعفى مؤنثه ضعيفة. ﴿أموالَكم﴾: جمع مال، والمال هو ما ملكته من جميع الأشياء، وهو عند أهل البادية يطلق على النعم والمواشي كالإبل والغنم، يذكر ويؤنث فيقال: هو المال، وهي المال، سمي به لميل القلب إليه، ويقال: مال يمول مولًا ومؤولًا من باب قال، يقال: مال زيد إذا صار ذا مال أو
كثر ماله، وموَّله إذا صيره ذا مال، ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ الباطل: ضد الحق، يجمع على أباطيل، يقال: بطل يبطل - من باب نصر - بطلًا وبطولًا، إذا ذهب خسرًا وضياعًا فهو باطل، وفي "المراغي": الباطل من البطل، والبطلان وهو الضياع والخسار، وفي الشرع: أخذ المال بدون عوض حقيقي يعتد به، ولا رضي ممن يؤخد منه، أو إنفاقه في غير وجه حقيقي نافع، فيدخل في ذلك الغصب والغش والربا والغبن وإنفاق المال في الوجوه المحرمة والإسراف بوضع المال فيما لا يرضى به العقلاء، ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ﴾: اجتنب من باب افتعل، والاجتناب: ترك الشيء جانبًا، والكبائر جمع كبيرة ككريمة وكرماء، وهي المعصية العظيمة، ﴿سَيِّئَاتِكُمْ﴾ والسيئات: جمع سيئة، وهي الفعلة التي تسوء صاحبها عاجلًا أو آجلًا، والمراد بها هنا الصغائر، كما هو مذهب الجمهور. ﴿مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾: وفي "السمين": قرأ (١) نافع وحده هنا، وفي الحج ﴿مُدْخَلًا﴾ بفتح الميم، والباقون بضمها، ولم يختلفوا في ضم التي في الإسراء كما مرَّ.
فأما المضموم الميم فإنه يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه مصدر، وقد علم أن المصدر الميمي من الرباعي فما فوقه، كاسم المفعول منه، والمدخول فيه على هذا محذوف؛ أي: وندخلكم الجنة إدخالًا كريمًا.
والثاني: أنه اسم مكان الدخول.
وفي نصبه حينئذ احتمالان:
أحدهما: أنه منصوب على الظرف، وهو مذهب سيبويه.
والثاني: أنه مفعول به، وهو مذهب الأخفش، وهكذا كل مكان مختص بعد دخل، فإن فيه هذين المذهبين، وهذه القراءة واضحة، لأن اسم المصدر والمكان جاريان على فعلهما، وأما قراءة نافع: فتحتاج إلى تأويل، وذلك لأن
(١) الفتوحات.
المفتوح الميم إنما هو من الثلاثي، والفعل السابق لهذا كما رأيت رباعي، فقيل: إنه منصوب بفعل مقدر مطاوع لهذا الفعل المذكور، والتقدير: وندخلكم فتدخلون مدخلًا، ومدخلًا منصوب على ما تقدم إما المصدرية وإما المكانية بوجهيها، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، نحو أنبتكم من الأرض نباتًا على إحدى القراءتين انتهى.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والبديع (١):
منها: التكرار في اسم الله وفي قوله: ﴿يُرِيدُ﴾ في أربعة مواضع، وفي قوله: ﴿يَتُوبَ﴾، ﴿أَنْ يَتُوبَ﴾.
ومنها: إطلاق المستقبل على الماضي في قوله: ﴿يُرِيدُ﴾، وفي قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ﴾؛ لأن إرادة الله وبيانه قديمان؛ إذ تبيانه في كتبه المنزلة، والإرادة والكلام من صفات ذاته وهي قديمة.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾، وفي قوله: ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾؛ لأنه استعار الاتباع والميل اللذين هما حقيقة في الإجرام؛ لموافقة هوى النفس المؤدي إلى الخروج عن الحق. وفي قوله: ﴿أَنْ يُخَفِّفَ﴾ لأن التخفيف أصله من خفة الوزن وثقل الجرم، وتخفيف التكاليف: رفع مشاقها من النفس، وذلك من المعاني. وفي قوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ جعله ضعيفًا باسم ما يؤول إليه، أو باسم أصله.
ومنها: الزيادة في قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، قال الزمخشري: تقديره: يريد الله أن يبين لكم، فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبيين، كما زيدت في لا أبا لك؛ لتأكيد إضافة الأب كما مر ذلك.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿لَا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾؛ لأنه مجاز عن
(١) البحر المحيط.
مطلق الأخذ؛ لأن المراد النهي عن مطلق الأخذ، وإنما خص الأكل بالذكر؛ لأن معظم المقصود من الأموال الأكل.
ومنها: الحذف في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ لأنه على تقدير إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه وتفعلوا الطاعات؛ لأن التكفير ليس مرتبًا على الاجتناب فقط، بل لا بد معه من فعل الطاعات.
ومنها: قصد الدلالة على الثبوت في جملة، وعلى التجدد في أخرى، في قوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ لأنه جاءت الجملة الأولى اسمية والثانية فعلية، لإظهار تأكيد الجملة الأولى؛ لأنها أدل على الثبوت، ولتكرير اسم الله تعالى فيها على طريق الإظهار والإضمار، وأما الجملة الثانية: فجاءت فعلية مشعرة بالتجدد؛ لأن إرادتهم تتجدد في كل وقت.
ومنها: إطلاق الكل وإرادة البعض في قوله: ﴿لَا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ لأن إضافة الأموال إلى المخاطبين معناه أموال بعضكم، كما قال تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣) الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أنه تعالى لما نهى عن أكل المال بالباطل، وعن قتل الأنفس، وكان ما نهى عنه مدعاة إلى التبسط في الدنيا والعلو فيها، وتحصيل حطامها.. نهاهم عن تمني ما فضل الله به بعضهم على بعض؛ إذ التمني لذلك سبب مؤثر في تحصيل الدنيا، وشوق النفس إليها بكل طريق، فلم يكتف بالنهي عن تحصيل المال بالباطل، وقتل الأنفس، حتى نهى عن السبب المحرض على ذلك، وكانت المبادرة إلى النهي عن السبب آكد لفظاعته ومشقته، فبدىء به، ثم أتبع بالنهي عن السبب حسمًا لمادة المسبب، وليوافق العمل القلبي العمل الخارجي، فيستوي الباطن والظاهر في الامتناع عن الأفعال القبيحة.
وقال في "المراغي" (٢): المناسبة: أن الله سبحانه وتعالى لما نهى عن أكل
(١) البحر المحيط.
(٢) المراغي.
أموال الناس بالباطل، وعن القتل، وتوعد فاعلهما بالويل والثبور، وهما من أفعال الجوارح؛ ليصير الظاهر طاهرًا عن المعاصي الوخيمة العاقبة.. نهى عن التمني، وهو التعرض لها بالقلب حسدًا؛ لتطهر أعمالهم الباطنة، فيكون الباطن موافقًا للظاهر، ولأن التمني قد يجر إلى الأكل، والأكل قد يقول إلى القتل، فإن من يرتع حول الحمى.. يوشك أن يقع فيه انتهى.
وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ...﴾ قال أبو حيان (١): مناسبتها لما قبلها: أنه سبحانه وتعالى لما نهى عن التمني المذكور، وأمر بسؤال الله من فضله.. أخبر تعالى بشيء من أحوال الميراث، وأن في شرعه ذلك مصلحة عظيمة، من تحصيل مال للوارث لم يسع فيه، ولم يتعن فيه بطلب فرب ساع لقاعد.
وقال المراغي: مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما (٢) نهى عن أكل أموال الناس بالباطل، وعن تمني أحد ما فضل الله به غيره عليه من المال، حتى لا يسوقه التمني إلى التعدي، وهو وإن كان نهيًا عامًّا، فالسياق يعين المراد منه، وهو المال؛ لأن أكثر التمني يتعلق به، ثم ذكر القاعدة العامة في حيازة الثروة وهي الكسب.. انتقل إلى نوع آخر تأتي به الحيازة وهو الإرث.
قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها (٣): أن الله سبحانه وتعالى لما نهى كلًّا من الرجال والنساء عن تمني ما فضل الله به بعضهم على بعض وأرشدهم إلى الاعتماد في أمر الرزق على كسبهم، وأمرهم أن يؤتوا الوارثين أنصبتهم، وفي هذه الأنصبة يستبين تفضيل الرجال على النساء.. ذكر هنا أسباب التفضيل.
(١) البحر المحيط.
(٢) المراغي.
(٣) المراغي.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ...﴾ سبب نزوله (١): ما رواه الترمذي والحاكم عن أم سلمة أنها قالت: يغزو الرجال ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث، فأنزل الله قوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ...﴾، وأنزل فيها ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ...﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتت امرأة إلى النبي - ﷺ -، فقالت: يا نبي الله للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل أفنحن في العمل هكذا، إن عملت المرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة، فأنزل الله ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ...﴾ الآية أخرج (٢) أبو داود في سننه من طريق ابن إسحاق عن داود بن الحصين قال: كنت أقرأ على أم سعد ابنة الربيع، وكانت مقيمة في حجر أبي بكر فقرأت: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ فقالت: لا ولكن ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ﴾ وإنما نزلت في أبي بكر وابنه، حين أبى الإِسلام، فحلف أبو بكر أن لا يورثه، فلما أسلم أمره أن يؤتيه نصيبه.
قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ...﴾ سبب نزوله: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن قال: جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - تستعدي على زوجها أنه لطمها، فقال رسول الله - ﷺ -: "القصاص"، فأنزل الله عز وجل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ...﴾ الآية فرجعت بغير قصاص.
وروي أن سعد بن الربيع - كان نقيبًا من نقباء الأنصار - نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد، فلطمها فأنطلق معها أبوها إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: أفرشته كريمتي فلطمها، فقال النبي - ﷺ -: "لتقتص منه"، فنزلت ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، فقال: "أردنا أمرًا وأراد الله أمرًا والذي أراد الله خير" وأخرج (٣)
(١) لباب النقول.
(٢) لباب النقول.
(٣) لباب النقول.
ابن جرير من طرق عن الحسن، وفي بعضها أن رجلًا من الأنصار لطم امرأته، فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبي - ﷺ - بينهما القصاص فنزلت: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾، ونزلت: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾.
وأخرج نحوه عن ابن جريج والسدي وأخرج ابن مردويه عن علي قال: أتى النبي - ﷺ - رجل من الأنصار بامرأة له، فقالت: يا رسول الله إنه ضربني، فأثر في وجهي، فقال رسول الله - ﷺ -: "ليس له ذلك" فأنزل الله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ...﴾ الآية، فهذه شواهد يقوي بعضها بعضًا.
التفسير وأوجه القراءة
٣٢ - ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: لا تغتبطوا أيها المؤمنون كون ما فضل الله وخص به بعضكم، ورفعه به على بعض آخر من الأمور الدنيوية أو الدينية، كالجاه والمال والعلم والطاعة لأنفسكم، ولا تنافسوا فيه؛ لأن ذلك (١) التفضيل قسمة من الله، صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد، وبما ينبغي لكل من بسط في الرزق أو قبض، فعلى كل واحد أن يرضى بما قُسم له، ولا يحسد أخاه على حظه، فالحسد أن يتمنى أن يكون ذلك الشيء له ويزول عن صاحبه، والغبطة أن يتمنى مثلما لغيره، وهو مرخص فيه، والأول منهي عنه.
والتمني (٢): هو التعلق بحصول أمر في المستقبل عكس التلهف؛ لأنه التعلق بحصول أمر في الماضي، فإن تعلق بانتقال ما لغيره له، أو لغيره مع زواله عنه، فهو حسد مذموم، وهو المعني بقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وفي ذلك قال الإِمام أحمد بن حنبل:
ألاَ قُلْ لِمَنْ بَاتَ لِيْ حَاسِدَا أَتَدْرِيْ عَلَى مَنْ أَسَأتَ الأدَبْ
(١) النسفي.
(٢) صاوي.
أَسَأتَ عَلَى اللهِ في فِعْلِهِ كَأَنَّكَ لَمْ تَرْضَ لِيْ مَا وَهَبْ
فَكَانَ جَزَاؤُكَ أَنْ خَصَّنِي وَسَدَّ عَلَيْكَ طَرِيْقَ الطَّلَبْ
وإن تعلق بمثل ما لغيره مع بقاء نعمته، فإن كان تقوى أو صلاحًا، أو إنفاق مال في الخير.. فهو مندوب، وهو المعني بقوله عليه الصلاة والسلام: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الخير، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها، ويعلمها الناس" وأما إن تمنى المال لمجرد الغنى.. فهو جائز.
قال ابن عباس (١): لا يتمنى الرجل مال غيره، ودابته وامرأته ولا شيئًا من الذي ثبت له، كالجاه وغير ذلك مما يجري فيه التنافس، وذلك هو الحسد المذموم؛ لأن ذلك التفضيل قسمة من الله تعالى صادرة عن حكمة وتدبير لائق بأحوال العباد، متفرع على العلم بجلائل شؤونهم ودقائقها، ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وقولوا: اللهم ارزقنا مثله أو خيرًا منه مع التفويض.
قيل: نزلت هذ الآية في حق أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، حين قالت للنبي - ﷺ -: ليت الله كتب علينا ما كتب على الرجال لكي نؤجر كما يؤجر الرجال، فنهى الله عن ذلك، وقال: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ﴾؛ أي: الرجال ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: النساء، من الجماعة والجمعة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بين الله ثواب كل من الرجال والنساء باكتسابهم فقال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾؛ أي: حظ من الثواب والأجر ﴿مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾؛ أي: على ما اكتسبوا، وعملوا من الخيرات، كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنفقة على النساء. ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾؛ أي: ثواب ﴿مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾؛ أي: على ما عملن من الخيرات في بيوتهن، كحفظ فروجهن وطاعة الله وأزواجهن، وقيامهن بمصالح البيت من الطبخ والخبز، وحفظ الثياب ومصالح المعاش وكالطلق والارضاع.
أي: إن الله (٢) سبحانه وتعالى كلف كلًّا من الرجال والنساء أعمالًا، فما
(١) مراح.
(٢) المراغي.
كان خاصًّا بالرجال لهم نصيب من أجره لا يشاركم فيه النساءُ، وما كان خاصًّا بالنساء لهن نصيب من أجره، لا يشاركهن فيه الرجال، وليس لأحدهما أن يتمنى ما هو مختص بالآخر، وقد أراد أن يختص النساء بأعمال البيوت، والرجالُ بالأعمال الشاقة التي في خارجها، ليتقن كل منهما عمله، ويقوم بما يجب عليه مع الإخلاص.
وعلى كل منهما أن يسأل ربه الإعانة، والقوة على ما نيط به من عمل، ولا يجوز أن يتمنى ما نيط بالآخر، ويدخل في هذا النهي تمني كل ما هو من الأمور الخلقية، كالعقل والجمال؛ إذ لا فائدة في تمنيها لمن لم يعطها، ولا يدخل فيه ما يقع تحت قدرة الإنسان من الأمور الكسبية؛ إذ يحمد من الناس أن ينظر بعضهم إلى ما نال الآخرون، ويتمنوا لأنفسهم مثله أو خيرًا منه بالسعي والجد.
والخلاصة: أنه تعالى طلب إلينا أن نوجه الأنظار والأفكار إلى ما يقع تحت كسبنا، ولا نوجهها إلى ما ليس في استطاعتنا، فإنما الفضل بالأعمال الكسبية، فلا تتمنوا شيئًا بغير كسبكم وعملكم، فعلى المسلم أن يعتمد على مواهبه وقواه في كل مطالبه، بالجد والاجتهاد، مع رجاء فضل الله فيما لا يصل إليه كسبه، إما للجهل به وإما للعجز عنه، فالزارع مثلًا يجتهد في زراعته، ويتبع السنن والأسباب التي سنها الله تعالى لعمله، ويسأل الله أن يمنع الآفات والجوائح عنه.
روى عكرمة أن النساء سألن الجهاد فقلن: وددنا أن الله جعل لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال، فنزلت: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى أيها المؤمنون والمؤمنات ما احتجتم إليه من حوائج الدين والدنيا، يعطكم ﴿مِن﴾ خزائن ﴿فَضْلِهِ﴾ وإحسانه وإنعامه، فإن خزائنه مملوءة لا تنفذ، ولا تتمنوا نصيب غيركم ولا تحسدوا من فضل عليكم.
قال الفخر الرازي (١): قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ تنبيه على أن
(١) الفخر الرازي.
الإنسان لا يجوز له أن يعين شيئًا في الطلب والدعاء، ولكن يطلب من فضل الله ما يكون سببًا لصلاحه في دينه ودنياه، على سبيل الإطلاق انتهى.
وقد ورد في الحديث (١): "لا يتمنين أحدكم مال أخيه، ولكن ليقل: اللهم ارزقني اللهم أعطني مثله"، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله - ﷺ - قال: "سلوا الله من فضله فالله يحب أن يسأل وإن من أفضل العبادة انتظار الفرج".
وقرأ ابن كثير والكسائي (٢): ﴿وسلوا﴾ بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على السين، وذلك إذا كان أمرًا للمخاطب وقبل السين واو أو فاء، نحو ﴿فسل الذين يقرؤون الكتاب﴾ و ﴿فسلوا أهل الذكر﴾، وقرأ باقي السبعة بالهمز. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى: ﴿كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ - ومنه محل فضله وسؤالكم - ﴿عَلِيمًا﴾؛ أي: عالمًا به، ولذلك جعل الناس على طبقات، فرفع بعضهم على بعض درجات بحسب مراتب استعدادهم، وتفاوت اجتهادهم في معترك الحياة، ولا يزال العاملون يستزيدونه، ولا يزال ينزل عليهم من جوده وكرمه ما يفضلون به القاعدين الكسالى، حتى بلغ التفاوت بين الناس في الفضل حدًّا بعيدًا، وكاد التفاوت بين الشعوب يكون أبعد من التفاوت بين بعض الحيوان وبعض الإنسان؛ أي: فإنه (٣) تعالى هو العالم بما يكون صلاحًا للسائلين، فليقتصر السائل على المجمل، وليحترز في دعائه عن التعيين، فربما كان ذلك محض المفسدة والضرر.
٣٣ - ﴿وَلِكُلٍّ﴾ إنسان ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾؛ أي: أولياء وأقارب ورثة يرثون ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾؛ أي: يرثون من المال الذي تركه الوالدان والأقربون إن ماتوا، فيكون الوالدان والأقربون موروثين لا وارثين، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ مبتدأ خبره ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾؛ أي: والحلفاء الذين عقدتم لهم عقد
(١) مراح.
(٢) البحر المحيط.
(٣) المراح.
الحلف والنصرة وصافحت أيمانكم أيمانهم عند العقد، فآتوهم وأعطوهم الآن؛ أي: في صدر الإِسلام نصيبهم وحظهم الذي تعطونهم في الجاهلية وهو السدس، وكان الحليف في الجاهلية يرث السدس من مال حليفه فنسخ بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ وهذا التفسير مرويٌّ عن ابن عباس. وقيل معنى الآية: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ﴾؛ أي: ولكل (١) من الرجال الذين لهم نصيبٌ مما اكتسبوا، ومن النساء اللاتي لهن نصيب مما اكتسبن جعلنا موالي مما ترك؛ أي: أقارب وأولياء لهم حق الولاية على ما يتركونه من كسبهم ومالهم ويرثونه منهم، ثم بيَّن هؤلاء الموالي فقال: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ أي: أولئك الموالي الذين يرثون كلًّا من الفريقين هم الوالدان والأقربون والأزواج، الذين عقدت لهم أيمانكم؛ أي: إن هؤلاء الموالي هم جميع الورثة، من الأصول والفروع والحواشي والأزواج الذين عقدت أيمانكم، فإن كلًّا من الزوجين له حق الإرث بالعقد، والمتعارف عند الناس في العقد أن يكون المصافحة باليدين، قاله أبو مسلم الأصفهاني.
﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾؛ أي: فأعطوهم هؤلاء الموالي نصيبهم المقدر لهم، ولا تنقصوهم منه شيئًا، وقيل: إن (٢) لفظة كل واقعة على تركة، ومما ترك بيان لـ (كل)، والمعنى: ولكل تركة كائنة مما ترك الوالدان والأقربون، ومما ترك الزوج والزوجة الذين عقدت أيمانكم جعلنا موالي وورثة متفاوتة في الدرجة، يلونها ويحرزون منها أنصبائهم بحسب استحقاقهم، فالمراد بالذين عقدت أيمانكم الأزواج والزوجات، فالنكاح يسمى عقدًا، وهو قول أبي مسلم الأصفهاني.
ويصح (٣) أن تكون جملة جعلنا موالي صفة لكل، والضمير الراجع إليه محذوف، والكلام مبتدأ وخبر، والمعنى حينئذ: ولكل قوم جعلناهم وارثًا نصيب معين مغاير لنصيب قوم آخرين، مما ترك المورثون، فآتوهم نصيبهم من الميراث.
(١) المراغي.
(٢) المراح.
(٣) مراح.
وقيل: المراد من قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الحلفاء، وبقوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ النصرة والنصيحة والمصافاة في العشرة، فقوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ متضمن معنى الشرط، خبره ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، وعلى هذه الوجوه فليست الآية منسوخة، بخلاف ما لو حمل الذين عقدت أيمانكم على الحلفاء في الجاهلية، وقوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ على الميراث وهو السدس، فالآية حينئذ منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، وكذا لو حمل على مؤاخاة النبي - ﷺ - أو على الأبناء الأدعياء.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى: ﴿كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من أعمالكم وغيرها ﴿شَهِيدًا﴾؛ أي: مطلعًا عالمًا بها، فهو عالم الغيب والشهادة؛ أي: إن الله رقيب شاهد على تصرفاتكم في التركة وغيرها، فلا يطمعنَّ من بيده المال أن يأكل من نصيب أحد الورثة شيئًا، سواء أكان ذكرًا أم أنثى، كبيرًا أم صغيرًا، وجاءت هذه الآية لمنع طمع بعض الوارثين في نصيب بعض.
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ بالألف والمفعول محذوف؛ أي: عاقدتهم أيمانكم، وقرىء ﴿عَقَدَت﴾ بغير ألف، والمفعول محذوف أيضًا هو والعائد تقديره: عقدت حلفهم أيمانكم، وروي عن حمزة أنه قرأ: ﴿عقّدت﴾ بتشديد القاف على التكثير؛ أي: والذين عقدت لهم أيمانكم الحلف.
٣٤ - ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ﴾، أي: مسلطون ﴿عَلَى﴾ تأديب ﴿النِّسَاءِ﴾ تسليط الولاة على الرعايا ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: بسبب تفضيل الله تعالى إياهم عليهن بكمال العقل، وحسن التدبير ورزانة الرأي، ومزيد القوة في الأعمال والطاعات، ولذِلك خُصوا بالنبوة والإمامة والولاية وإقامة الشعائر، والشهادة في جميع القضايا، ووجوب الجهاد والجمعة وغير ذلك، لكون الرجل يتزوج بأربع نسوة ولا يجوز للمرأة غير زوج واحد، ومنه زيادة النصيب في الميراث، وبيده الطلاق والنكاح والرجعة وإليه الانتساب، فكل هذا يدل على فضل الرجال على
(١) عكبري وشوكاني.
النساء، ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾؛ أي: وبسبب إنفاقهم عليهن من أموالهم في المهور والنفقات ومؤن النساء.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - ﷺ - قال: "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد.. لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" أخرجه الترمذي.
أي: إن من (١) شأن الرجال أن يقوموا على النساء بالحماية والرعاية، وتبع هذا فرض الجهاد عليهم دونهن؛ لأن ذلك من أخص شؤون الحماية، وجعل حظهم من الميراث أكثر من حظهن؛ لأن عليهم من النفقة ما ليس عليهن، وسبب هذا: أن الله فضل الرجال على النساء في الخلقة، وأعطاهم ما لم يعطهن من الحول والقوة، كما فضلهم بالقدرة على الإنفاق على النساء من أموالهم، فإن في المهور تعويضًا للنساء، ومكافأة لهن على الدخول تحت رياسة الرجال، وقبول القيامة عليهن نظير عوض مالي يأخذنه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.
والمراد بالقيام: الرياسة التي يتصرف فيها المرؤوس بإرادة الرئيس واختياره؛ إذ لا معنى للقيام إلا الإرشاد والمراقبة في تنفيذ ما يرشد إليه وملاحظة أعماله، ومن ذلك حفظ المنزل، وعدم مفارقته إلا بإذنه، ولو لزيارة القربى وتقدير النفقة فيه، فهو الذي يقدرها بحسب ميسرته، والمرأة هي التي تنفذ على الوجه الذي يرضيه ويناسب حاله سعة وضيقًا.
ولقيام الرجل بحماية المرأة وكفايتها ومختلف شؤونها يمكنها أن تقوم بوظيفتها الفطرية، وهي الحمل والولادة وتربية الأطفال، وهي آمنة في سربها، مكفية ما يهمها من أمور أرزاقها. ثم فصل حال النساء في الحياة المنزلية، التي تكون المرأة فيها تحت رياسة الرجل، فذكر أنها قسمان: قسم صالحات مطيعات، وقسم عاصيات متمردات، فذكر القسم الأول بقوله: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾؛ أي: فالنساء اللاتي يراعين حقوق الله وحقوق العباد، ﴿قَانِتَاتٌ﴾؛ أي:
(١) المراغي.
مطيعات لله ولأزواجهن ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾؛ أي: حافظات للسر الذي يجري بينهن وبين أزواجهن في الخلوة من الرفث - الجماع - والشؤون الخاصة بالزوجية، لا يطلعن أحدًا على ذلك السر، ولو قريبًا، وبالأولى يحفظن العرض من يد تلمس أو عين تبصر أو أذن تسمع، أو حافظات لما يجب حفظه عند غيبة أزواجهن عنهن، من حفظ نفوسهن وأموالهم، ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾؛ أي: بسبب تحفيظ الله إياهن ذلك السر، وأمره إياهن بحفظه، فهن يطعنه ويعصين الهوى، أو حافظات لغيب أزواجهن بحفظ الله لهن ومعونته وتسديده، أو حافظات بما استحفظهن الله من أداء الأمانة إلى أزواجهن، على الوجه الذي أمر الله به، أو حافظات له بحفظ الله لهن بما أوصى به الأزواج في شأنهن من حسن العشرة، وقرأ أبو جعفر: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ بنصب الاسم الشريف على حذف المضاف؛ أي: بسبب حفظهن حدود الله وأوامره، وفي الآية: أكبر زجر وعظة لمن تتفكه من النساء بإفشاء الأسرار الزوجية، ولا تحفظ الغيب فيها، وفي الحديث: "إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر أحدهما سر صاحبه".
وكذلك: عليهن أن يحفظن أموال الرجال، وما يتصل بها من الضياع، روى ابن جرير والبيهقي: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها". وقرأ الآية. وهذا القسم من النساء ليس للرجال عليهن سلطان التأديب، إذ لا يوجد ما يدعو إليه، وإنما سلطانهم على القسم الثاني، الذي ذكره الله تعالى، وذكر حكمه بقوله: ﴿و﴾ النساء ﴿اللاتي تخافون نشوزهن﴾؛ أي: تظنون عصيانهن لكم وخروجهن عن طاعتكم، برؤية أمارات النشوز عليها، قولًا كأن كانت تلبيه أولًا إذا دعاها، وتخضع له إذا خاطبها، فرفعت عليه صوتها، أو لم تجبه إذا دعاها أو فعلًا كأن كانت تقوم له إذا دخل عليها وتسرع إلى أمره إذا أمرها، فرأى منها خلاف ذلك، أو تعلمون نشوزهن كأن دعاها إلى فراشه فأبت منه بغير عذر، ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾؛ أي: فانصحوا لهن بالترهيب والترغيب، وذكروهن بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وخوفوهن عقوبة الله على النشوز، كأن يقول لها: اتقي الله وخافيه، فإن لي عليك حقًّا وارجعي عما
أنت عليه، واعلمي أن طاعتي فرض عليك، ونحو ذلك فإن أصرت على ذلك.. هجرها في المضجع، كما قال تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾؛ أي: وأعرضوا عنهن في المراقد والمفارش، وحولوا عنهن وجوهكم في المضاجع، فلا تدخلوهن تحت اللحاف إذا حققتم منهن النشوز، ولم ينفعهن الوعظ والنصيحة بالقول، فإن أصرف على النشوز بعد الوعظ والهجران.. ضربها ضربًا غير مبرح، كما قال تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ إن لم ينجح الهجران ضربًا لا يكسر عظمًا، ولا ينهر دمًا، ولا يورث شينًا، والأولى ترك الضرب كما يستفاد من الأحاديث الصحيحة.
عن حكيم بن معاوية عن أبيه قال: "قلتُ يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت". أخرجه أبو داود، قوله: "ولا تقبح"؛ أي: لا تقل قبحك الله.
وعن عبد الله بن زمعة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يجلد أحدكم امرأته
جلد العبد ثم لعله يجامعها - أو قال يضاجعها - من آخر اليوم" متفق عليه.
وعن عمرو بن الأحوص - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع يقول بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وذكر ووعظ، وذكر في الحديث قصة فقال: "ألا فاستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما من عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا". أخرجه الترمذي، بزيادة قوله: "عوان" جمع عانية؛ أي: أسيرة، شبه المرأة ودخولها تحت أمر زوجها بالأسير، والضرب المبرح: الشديد الشاق.
وعن عمر - رضي الله عنه - عن النبي - ﷺ - قال: "لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته". أخرجه أبو داود.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان عليها.. لعنتها الملائكة حتى تصبح". متفق عليه.
وفي رواية أن رسول الله - ﷺ - قال: "والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه، فأبت عليه.. إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها". وفي رواية: "إذا باتت مهاجرة فراش زوجها.. لعنتها الملائكة حتى تصبح". وفي أخرى "حتى ترجع".
وعن طَلْقِ بن علي: أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا دعا الرجل امرأته إلى حاجة، فلتأته وإن كانت على التنور" أخرجه الترمذي.
وله عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو دخيل عندك يوشك أن يفارقك إلينا".
وله عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "أيما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة". ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾؛ أي؛ فإن رجعْن عن النشوز إلى طاعتكم عند هذا التأديب ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾؛ أي: فلا تطلبوا عليهن طريقًا إلى الضرب والهجران، على سبيل التعنت والإذاية، ولا تتعرضوهن بما وقع من النشوز، واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. أو المعنى: فإن أطعنكم بواحدة من هذه الخصال التأديبية.. فلا تبغوا ولا تتجاوزوا ذلك إلى غيرها، فابدؤوا بما بدأ الله به، من الوعظ ثم الهجر ثم الضرب ثم التحكيم، ومتى استقام لكم ظاهر حالها.. فلا تبحثوا عما في سرائرها من الحب والبغض.
ثم هدد وخوف من يظلم النساء ويبغي عليهن فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى: ﴿كَانَ عَلِيًّا﴾؛ أي: متصفًا بجميع صفات الكمال ﴿كَبِيرًا﴾؛ أي: متنزهًا عن جميع النقائص، والمعنى: إن الله تعالى مع علوه وكبريائه لا يكلفكم ما لا تطيقون، فكذلك لا تكلفوهن ما لا طاقة لهن من المحبة، وأنه تعالى مع ذلك يتجاوز عن سيئاتكم، فأنتم أحق بالعفو عن أزواجكم عند طاعتهن لكم.
فكأنه يقول لهم: إن سلطانه عليكم فوق سلطانكم على نسائكم، فإذا بغيتم
عليهن.. عاقبكم، وإن تجاوزتم عن هفواتهن كرمًا.. تجاوز عنكم، وكفر عنكم سيئاتكم.
وليس بخاف أن الرجال الذين يستذلون نسائهم إنما يلدون عبيدًا لغيرهم؛ إذ هم يتربون على الظلم ويستسيغونه، ولا يكون في نفوسهم شيء من الكرامة ولا من الشمم والإباء، وأمّة تُخرج أبناءً كهؤلاءِ إنما تُربي عبيدًا أذلاء، لا يقومون بنصرتها، ولا يغارون لكرامتها، فما أحراهم بأن يكونوا قطعانًا من الغنم تزدجِرُ من كل راع، وتستجيب لكل ناعق.
استدراك في معنى قوله: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ...﴾ الآية:
والحاصل: أن اللاتي (١) تأنسون منهن الترفع، وتخافون أن لا يقمن بحقوق الزوجية على الوجه الذي ترضونه.. فعليكم أن تعاملوهن على النهج الآتي:
١ - أن تبدؤوا بالوعظ الذي ترون أنه يؤثر في نفوسهن، فمن النساء من يكفيها التذكير بعقاب الله وغضبه، ومنهن من يؤثر في أنفسهن التهديد والتحذير من سوء العاقبة في الدنيا، كشماتة الأعداء، ومنعها بعض رغباتها كالثياب والحلي ونحو ذلك. وعلى الجملة: فاللبيب لا تخفى عليه العظات التي لها المحل الأرفع في قلب امرأته، فإن لم يجد ذلك.. فله أن يجرب:
٢ - الهجر والإعراض في المضجع، ويتحقق ذلك بهجرها في الفراش مع الإعراض والصد، وقد جرت العادة بأن الاجتماع في المضجع يهيج شعور الزوجية، فتسكن نفس كل من الزوجين إلى الآخر، ويزول ما كان في نفوسهما من اضطراب أثارته الحوادث قبل ذلك، فإذا هو فعل ذلك.. دعاها هذا إلى السؤال عن أسباب الهجر والهبوط بها من نشز المخالفة إلى مستوى الموافقة، فإن لم يفد ذلك.. فله أن يجرب:
(١) المراغي.
٣ - الضرب غير المبرح؛ أي: غير المؤذي إيذاء شديدًا كالضرب باليد أو بعصا صغيرة.
وقد يستعظم بعض من قلد الإفرنج من المسلمين مشروعية ضرب المرأة الناشز، ولا يستعظمون أن تنشز وتترفع هي عليه، فتجعله وهو الرئيس مرؤوسًا محتقرًا، وتُصر على نشوزها، فلا تلين لوعظه ونصحه، ولا تبالي بإعراضه وهجره، فإن كان قد ثقل ذلك عليهم.. فليعلموا أن الإفرنج أنفسهم يضربون نسائهم العالمات المهذبات، بل فعل هذا حكماؤهم وعلماؤهم وملوكهم وأمراؤهم، فهو ضرورة لا يستغنى عنها، ولا سيما في دين عام للبدو والحضر من جميع أصناف البشر، وكيف يُستنكر هذا والعقل والفطرة يدعوان إليه، إذا فسدت البيئة - الحالة - وغلبت الأخلاق الفاسدة، ولم ير الرجل مناصًا منه، ولا ترجع المرأة عن نشوزها إلا به.
لكن إذا صلحت البيئة وصارت النساء يستجبن للنصيحة، أو يزدجرن بالهجر.. وجب الاستغناء عنه؛ إذ نحن مأمورون بالرفق بالنساء، واجتناب ظلمهن، وإمساكهن بمعروف، أو تسريحهن بمعروف.
والخلاصة: أن الضرب علاج مُرٌّ قد يستغني عنه الخير الكريم، ولكنه لا يزول من البيوت إلا إذا عم التهذيب الرجال والنساء، وعرف كلٌّ ما له من الحقوق، وكان للدين سلطان على النفوس، يجعلها تراقب الله في السر والعلن، وتخشى أمره ونهيه.
٣٥ - ثم بين الطريق السوي الذي يتبع عند حدوث النزاع وخوف الشقاق، فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ والخطاب فيه لولاة الأمور، وصلحاء الأمة؛ أي: وإن علمتم أيها الولاة، أو أيها المؤمنون شقاقًا، ومخالفة واقعة بين الزوجين، ولم تعلموا من أيهما الشقاق.. ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾؛ أي: فأرسلوا أيها الولاة أو المؤمنون برضى الزوجين - وجوبًا - إلى الزوج رجلًا عَدْلًا عارفًا بالحكم ودقائق الأمور، كائنًا من أقارب الزوج ندبًا؛ لأن الأقارب أعرف
بحاله من الأجانب، وأشد طلبًا للإصلاح بينهما، ولأن قلبه أسكن إليهم إن وجد منهم، إلا فمن الأجانب يستكشف عن حاله ليعلم أهو ظالم أو مظلوم، وأرسلوا إلى الزوجة رجلًا عدلًا عارفًا بالحكم من أقاربها، يستكشف عن حالها؛ ليعلم أهي ظالمة أو مظلومة، ثم بعد استكشاف الحكمين ما عند الزوجين يجتمعان، ويتشاوران فيما هو الأصلح للزوجين من الموافقة إن أمكنت، أو المفارقة إن لم تمكن الموافقة، ويوكل الزوج حكمه في طلاق وقبول عوض عليه وتوكل هي حكمها في الاختلاع فيجتهدان، ويأمران الظالم بالرجوع، أو يفرقان إن رأيا في الفراق مصلحة، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾: إن قصد الحكمان إصلاحًا، وتوفيقًا بين الزوجين، وقطعًا لخصومتهما.. ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾؛ أي: أوقع الله سبحانه وتعالى الموافقة بين الزوجين؛ أي: إن كانت نية الحكمين صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله تعالى.. أوقع الله الموافقة بين الزوجين، إما على الاجتماع، أو على الفراق، ببركة نية الحكمين، وسعيهما في الخير، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿كَانَ عَلِيمًا﴾ بموافقة الزوجين ومخالفتهما ﴿خَبِيرًا﴾ ببواطن الزوجين، وسرائرهما كظواهرهما، فيعلم كيف يوفق بين المختلفين، ويجمع بين المتفرقين، وفيه وعد شديد للزوجين والحكمين إن سلكوا غير طريق الحق.
وعبارة المراغي في هذه الآية قوله (١): ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا...﴾ الآية، هذا الخطاب عام يدخل فيه الزوجان وأقاربهما، فإن قاموا بذلك فذاك، وإلا وجب على من بلغه أمرهما من المسلمين أن يسعى في إصلاح ذات بينهما، والخلاف بينهما قد يكون بنشوز المرأة، وقد يكون بظلم الرجل، إن كان بالأول فعلى الرجل أن يعالجه بأقرب أنواع التأديب التي ذكرت في الآية التي سلفت، وإن كان بالثاني، وخيف من تمادي الرجل في ظلمه، أو عجز عن إنزالها عن نشوزها، وخيف أن يحول
(١) المراغي.
الشقاق بينهما دون إقامتهما لأركان الزوجية الثلاث، من السكون والمودة والرحمة.. وجب على الزوجين وذوي القربى أن يبعثوا الحكمين، وعليهم أن يوجهوا إرادتهم إلى إصلاح ذات البين، ومتى صدقت الإرادة، وصحت العزيمة. فالله كفيل بالتوفيق بفضله وجوده. وبهذا تعلم شدة عناية الله بأحكام نظام الأسر والبيوت، وكيف لم يذكر مقابل التوفيق وهو التفريق؛ لأنه يبغضه، ولأنه يود أن يشعر المسلمين بأنه لا ينبغي أن يقع.
ولكن واأسفا لم يعمل المسلمون بهذه الوصية الجليلة إلا قليلًا حتى دب الفساد في البيوت، ونخر فيها سوس العداوة والبغضاء، ففتك بالأخلاق والآداب وسرى من الوالدين إلى الأولاد، ثم ذكر أن ما شرع من الأحكام جاء وفق الحكمة والمصلحة؛ لأنه من حكيم خبير بأحوال عباده، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾؛ أي: إنَّ هذه الأحكام التي شرعت لكم كانت من لدن عليم بأحوال العباد وأخلاقهم، خبير بما يقع بينهم وبأسبابه، ما ظهر منها وما بطن، ولا يخفى عليه شيء من وسائل الأصلاح بينهما.
وفي الآية: إرشاد إلى أن ما يقع بين الزوجين من خلاف، وإن ظن أنه مستعص يتعذر علاجه.. فقد يكون في الواقع على غير ذلك من أسباب عارضة، يسهل على الحكمين الخبيرين بدخائل الزوجين؛ لقربهما منهما أن يمحصا ما علق من أسبابه بقلوبهما، فيزيلاها متى حسنت النية وصحت العزيمة.
ولتعلم - أيها المؤمن - أن رابطة الزوجية أقوى الروابط التي تربط بين اثنين من البشر، فبها يشعر كل من الزوجين بشركة مادية ومعنوية، وبها يؤاخذ كل منهما شريكه على أدق الأمور وأصغرها، فيحاسبه على فلتات اللسان، وبالظنة والوهم وخفايا خلجات القلب، فيغريهما ذلك بالتنازع في كل ما يقصر فيه أحدهما من الأمور المشتركة بينهما، وما أكثرها وأعسر التوقي منها، وكثيرًا ما يفضي التنازع إلى التقاطع، والعتاب إلى الكره والبغضاء، فعليك أن تكون حكيمًا في معاملة الزوجة، خبيرًا بطباعها، وبهذا تحسن العشرة بينكما، انتهى.
الإعراب
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾.
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾: الواو عاطفة أو استئنافية. ﴿لا تتمنوا﴾: جازم وفعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ أو مستأنفة. ﴿مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ﴾: ما موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول به، ﴿فَضَّلَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل ﴿بِهِ﴾ متعلق به، والجملة صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير به، ﴿بَعْضَكُمْ﴾: مفعول ﴿فَضَّلَ﴾ ومضاف إليه. ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾: جار ومجرور متعلق بفضل، ﴿لِلرِّجَالِ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، ﴿نَصِيبٌ﴾: مبتدأ مؤخر والجملة مستأنفة، ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿نَصِيبٌ﴾، ﴿اكْتَسَبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لما، أو صفة لها والعائد أو الرابط محذوف تقديره: مما اكتسبوه. ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على جملة قوله؛ ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾، ﴿مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لما أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: مما اكتسبنه، ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف تقدير: حوائجكم. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق باسألوا، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾، ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿اللَّهَ﴾ اسمها، ﴿كاَنَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الله، ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿عَلِيمًا﴾، وهو خبر كان، وجملة كان في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة: مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾.
﴿وَلِكُلٍّ﴾: الواو استئنافية ﴿لكل﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والتنوين في ﴿كل﴾ عوض عن كلمة محذوفة، أي: لكل قوم ﴿جعلنا﴾ صفة لقوم، ومفعول ﴿جعلنا﴾ الأول محذوف، أي جعلناهم. ﴿مَوَالِيَ﴾: مفعول
ثان لـ ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿مَوَالِيَ﴾. ﴿تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾: فعل وفاعل. ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾: معطوف على ﴿الْوَالِدَانِ﴾، الجملة الفعلية صلة لما أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: مما تركه الوالدان والأقربون، والتقدير: وجعلنا موالي وأقرباء يرثون مما تركه الوالدان والأقربون لكل إنسان، وفي المقام أوجه كثيرة من الإعراب فلا نطيل الكلام بذكرها.
﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ، ﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره عاقدت حلفهم أيمانكم، ﴿فَآتُوهُمْ﴾: الفاء رابطة الخبر بالمبتدأ لما في المبتدأ من العموم. ﴿أتوهم﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿نَصِيبَهُمْ﴾: مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الله ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿شَهِيدًا﴾، وهو خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ﴾: مبتدأ وخبر والجملة مستأنفة. ﴿عَلَى النِّسَاءِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قَوَّامُونَ﴾، ﴿بِمَا﴾: ﴿الباء﴾ حرف جر. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه، ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾: متعلق بـ ﴿فَضَّلَ﴾، والجملة الفعلية صلة ما المصدرية، ما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء تقديره بتفضيل الله بعضهم على بعض، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿قَوَّامُونَ﴾، ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾: الواو عاطقة، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾، ﴿أَنْفَقُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لما أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره وبما أنفقوه.
﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من الضمير المحذوف.
﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.
﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية بمعنى الواو، ﴿الصالحاتُ﴾: مبتدأ، ﴿قَانِتَاتٌ﴾: خبر والجملة مستأنفة، ﴿حَافِظَاتٌ﴾: خبر ثان، ﴿لِلْغَيْبِ﴾: متعلق به، ﴿بِمَا﴾: الباء حرف جر، ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿حَفِظَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة ما المصدرية، ما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، وتقديره: بحفظ الله؛ أي: بتحفيظ الله إياهن، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿حافظات﴾. ﴿وَاللَّاتِي﴾: الواو عاطفة، ﴿اللاتي﴾: مبتدأ، ﴿تَخَافُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿نُشُوزَهُنَّ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة صلة الموصول، ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾: ﴿الفاء﴾ رابطة الخبر، ﴿عظوهن﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾، ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾، وكذلك جملة ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾ معطوفة عليها.
﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾.
﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾؛ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم حكم ما إذا نشزن، وأردتم بيان حكم ما إذا أطعنكم.. فأقول لكم: ﴿إن﴾ أطعنكم: ﴿إنْ﴾: حرف شرط، ﴿أَطَعْنَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾. ﴿فَلَا تَبْغُوا﴾ الفاء رابطة لجواب إن الشرطية. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَبْغُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بلا الناهية، والجملة في محل الجزم على كونها جوابًا لها. ﴿عَلَيْهِنَّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَبْغُوا﴾. ﴿سَبِيلًا﴾: مفعول به، وجملة إن الشرطية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الله، ﴿عَلِيًّا﴾: خبر أول
لها، ﴿كَبِيرًا﴾ خبر ثان، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾.
﴿وَإِنْ﴾: الواو استئنافية، ﴿إن﴾ حرف شرط، ﴿خِفْتُمْ﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم بإن، ﴿شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿فَابْعَثُوا﴾: الفاء رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا، ﴿ابعثوا﴾؛ فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابًا لها، وجملة إن الشرطية: مستأنفة. ﴿حَكَمًا﴾: مفعول به، ﴿مِنْ أَهْلِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿حَكَمًا﴾. ﴿وَحَكَمًا﴾ معطوف على ﴿حَكَمًا﴾ الأول، ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾: صفة لـ ﴿حَكَمًا﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط، ﴿يُرِيدَا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿إِصْلَاحًا﴾: مفعول به، ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، مجزوم بإن على كونه جوابًا لها، ﴿بَيْنَهُمَا﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُوَفِّقِ﴾، وجملة ﴿إن﴾: الشرطية مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، ﴿كاَنَ﴾: فعل ماض ناقص واسمها ضمير يعود على الله، ﴿عَلِيمًا﴾: خبر أول لكان، ﴿خَبِيرًا﴾ خبر ثان لها، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، ﴿تَتَمَنَّوْا﴾: مضارع تمنى يتمنى تمنيًّا، من باب تفعل الخماسي، والتمني (١): تشهي حصول الأمر المرغوب فيه، وحديث النفس بما يكون، وبما لا يكون، وقيل التمني: تقدير الشيء في النفس وتصويره فيها، وذلك قد يكون عن تخمين وظن، وقد يكون بلا روية، وأكثر التمني ما لا حقيقة له، وقيل: التمني عبارة عن إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون.
(١) الجمل.
﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وفضله: إحسانه ونعمه المتكاثرة، ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ الموالي من يحق لهم الاستيلاء على التركة، واحده مولى، والمولى: الابن والعم وابن الابن وابن العم وكل قريب وعاصب.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ القوامون: جمع تصحيح لقوام، يقال هذا قيم المرأة وقوامها إذا كان يقوم بأمرها، ويهتم بحفظها، والقوام: هو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب، ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يقال: فضله على غيره إذا حكم له بالفضل عليه، وصيره أفضل منه، والفضل: الزيادة والدرجة، يجمع على فضول، وما به الفضل قسمان:
فطري: وهو قوة مزاج الرجل وكماله في الخلقة، ويتبع ذلك قوة العقل، وصحة النظر في مبادئ الأمور وغاياتها.
وكسبي: وهو قدرته على الكسب والتصرف في الأمور، ومن ثم كلف الرجال بالإنفاق على النساء والقيام برياسة المنزل، ﴿قَانِتَاتٌ﴾ جمع قانتة، اسم فاعل من القنوت، وهو السكون والطاعة لله وللأزواج، ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾؛ أي اللاتي يحفظن ما يغيب عن الناس، ولا يقال إلا في حال الخلوة بالمرأة، كشؤون الجماع والاستمتاع فلا تخبرنه للناس، والغيب: السر يجمع على غياب وغيوب.
﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾؛ أي (١): تظنون، فالخوف هنا بمعنى الظن، وربما يأتي بمعنى العلم، أصل النشوز الارتفاع إلى الشرور، ونشوز المرأة: بغضها لزوجها، وعصيانها لأمره، ورفع نفسها عليه تكبرًا، وعبارة أبي السعود: النشوز من النشز وهو المرتفع من الأرض، يقال: نشزت الأرض إذا ارتفعت عما حواليها، ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: يقال: هجره يهجره هجرًا وهجرانًا - من باب نصر - إذا صرمه وقطعه، ضد وصله، وهجر الشيء: تركه وأعرض عنه، وهجر زوجه: اعتزل عنها ولم يطلقها، و ﴿المضاجع﴾: على زنة مفاعل، جمع مضجع - بفتح الجيم - موضع الضجوع، ﴿شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾: فيه وجهان (٢):
(١) الجمل.
(٢) الجمل.
أحدهما: أن الشقاق مضاف إلى بين ومعناها الظرفية، والأصل شقاقًا بينهما، ولكنه اتسع فيه، فأضيف الحدث إلى ظرفه، وظرفيته باقية، نحو ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾.
والثاني: أنه خرج عن الظرفية وبقي كسائر الأسماء، كأنه أريد المعاشرة والمصاحبة بين الزوجين، وقال أبو البقاء: البين هنا الوصل الكائن بين الزوجين، وسمي الخلاف شقاقًا؛ لأن المخالف يفعل ما يشق على صاحبه، أو لأن كلا منهما صار على شق؛ أي: جانب.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من المعاني والبيان والبديع:
منها: الإطناب في قوله: ﴿نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ و ﴿نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾، وفي قوله: ﴿حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾؛ لأنه شبه استحقاقهم للإرث وتملكهم له بالاكتساب، واشتق من لفظ الاكتساب بمعنى الاستحقاق، اكتسبوا بمعنى استحقوا على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ فقد كنى بذلك عن الجماع.
ومنها: التأكيد بصيغة المبالغة في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ﴾؛ لأن فعال من صيغ المبالغة، ومجيء الجملة اسمية لإفادة الدوام والاستمرار.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: لما كان الكلام (١) من أول السورة إلى هنا في وصايا عديدة، ونصائح حكيمة، كابتلاء اليتامى قبل تسليمهم أموالهم، والنهي عن إيتاء الأموال للسفهاء، وعن قتل النفس، والإرشاد إلى كيفية معاملة النساء، وطرق تأديبهن، تارة بالموعظة الحسنة، وأخرى بالقسوة والشدة، مع مراقبة الله عَزَّ وَجَلَّ في كل ذلك.. ناسب بعدها التذكير بحسن معاملة الخالق، بالإخلاص له في الطاعة، وحسن معاملة الطوائف المختلفة من الناس، وعدم الضن عليهم بالمال في أوقات الشدة، مع قصد التقرب إلى الله تعالى، لا لقصد الفخر والخيلاء؛ لأن ذاك عمل
(١) المراغي.
من لا يرجو ثواب الله تعالى، ولا يخشى عقابه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: لما بين الله سبحانه وتعالى صفات المتكبرين وسوء أحوالهم، وتوعدهم على ذلك بأشد أنواع الوعيد.. زاد الأمر توكيدًا وتشديدًا.. فذكر أنه لا يظلم أحدًا من العاملين بوصاياه لا قليلًا وكثيرًا، بل يوفيه حقه بالقسطاس المستقيم، وفي هذا أعظم الترغيب لفاعلي البر والإحسان، وحفز لهممهم على العمل، وفي معنى الآية قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾.
وفي "الفتوحات" قوله (١): ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها واضحة؛ لأنه تعالى لما أمر بعبادة الله وبالإحسان للوالدين ومن ذكر معهم، ثم أعقب ذلك بذم البخل والأوصاف المذكورة معه، ثم وبخ من لم يؤمن ولم ينفق في طاعة الله، وكان هذا كله توطئة لذكر الجزاء على الحسنات والسيئات.. أخبر تعالى بصفة عدله، وأنه تعالى لا يظلم أدنى شيء، ثم أخبر بصفة الإحسان فقال: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: لما وصف الله سبحانه وتعالى الوقوف بين يديه يوم العرض، والأهوال التي تؤدي إلى تمني الكافر العدم، فيقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾، والتي تجعله لا يستطيع أن يكتم الله حديثًا، وذكر أنه لا ينجو في ذلك اليوم إلا من كان طاهر القلب والجوارح بالإيمان بالله والطاعة لرسوله.. وصف في هذه الآية الوقوف بين يديه في مقام الأنس وحضرة القدس المنجي من هول الوقوف في ذلك اليوم، وطلب فيه استكمال القوى العقلية وتوجيهها إلى جانب العلي الأعلى بأن لا تكون مشغولة بذكرى غيره، طاهرة من الأنجاس والأخباث؛ لتكون على أتم العدة للوقوف في ذلك الموقف الرهيب، مستشعرة تلك العظمة والجلال والكبرياء.
(١) الجمل.
أسباب النزول
قوله تعالى (١): ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ...﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير من طرق ابن إسحاق، عن محمَّد بن أبي محمَّد عن عكرمة أو سعيد عن ابن عباس قال: كان كردم بن زيد حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن عمرو وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت، يأتون رجالًا من الأنصار، يخالطونهم وينصحون لهم، فيقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون، فأنزل الله فيهم: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ إلى قوله ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم عن علي قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعامًا، فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة، فقدموني فقرأت: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم وابن المنذر عن علي قال: نزلت هذه الآية ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ في المسافر تصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي.
وأخرج بن مردويه عن الأسلع بن شريك قال: كنت أرحِّل ناقة رسول الله - ﷺ -، فأصابتني جنابة في ليلة باردة، فخشيت أن أغتسل بالماء البارد فأموت أو أمرض، فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ -، فأنزل الله: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ
(١) لباب النقول.
(٢) لباب النقول.
وَأَنْتُمْ سُكَارَى...} الآية كلها.
وأخرج الطبراني عن الأسلع قال: "كنت أخدم النبي - ﷺ -، وأرحل له، فقال لي ذات يوم: يا أسلع قم فأرحل، فقلت: يا رسول الله أصابتني جنابة، فسكت رسول الله - ﷺ -، وأتاه جبريل بآية الصعيد، فقال رسول الله - ﷺ -: قم يا أسلع فتيمم، فأراني التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، فقمت فتيممت ثم رحلت له".
وأخرج ابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب: أن رجالًا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فكانت تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممرًا إلا في المسجد، فأنزل الله قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ...﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار كان مريضًا، فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ ولم يكن له خادم يناوله، فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فأنزل الله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى...﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال (١): نال أصحاب النبي - ﷺ - جراحة، ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة، فشكوا ذلك إلى النبي - ﷺ -، فنزلت: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى...﴾ الآية كلها.
التفسير وأوجه القراءة
٣٦ - ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى أيها الناس، بقلوبكم وجوارحكم: أي؛ أطيعوه فيما أمر به ونهى عنه، ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾ شركًا جليًّا ولا خفيًّا ﴿بِهِ﴾ سبحانه وتعالى، ﴿شَيْئًا﴾ من الأشياء، سواء أكان جمادًا كالصنم، أو حيوانًا حيًّا أو ميتًا، فقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أمر بالطاعة، وقوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ أمر بالإخلاص في العبادة فالثاني تأسيس لا تأكيد كما قيل.
فعبادة الله (٢): هي الخضوع له، وتمكين هيبته وعظمته من النفس، والخشوع لسلطانه في السر والجهر، وأمارة ذلك: العمل بما به أمر، وترك ما
(١) لباب النقول.
(٢) المراغي.
عنه نهى، وبذا تصلح جميع الأعمال من أقوال وأفعال، فالعبادة هي الخضوع لسلطة غيبية وراء الأسباب المعروفة، يرجى خيرها، ويخشى شرها، وهذه السلطة لا تكون لغير الله تعالى، فلا يرجى غيره ولا يخشى سواه، فمن اعتقد أن غيره يشركه فيها.. كان مشركًا، وإذا نهى الله عن إشراك غيره معه.. فلأن ينهى عن إنكار وجوده وجحد ألوهيته أولى.
وقيل (١): العبودية أربعة أنواع: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود.
والإشراك بالله ضروب مختلفة (٢):
منها: ما ذكره الله سبحانه وتعالى عن مشركي العرب من عبادة الأصنام، باتخاذهم أولياء وشفعاء عند الله، يقربون المتوسل بهم إليه، ويقضون الحاجات عنده، وقد جاء ذكر هذا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
ومنها: ما ذكره عن النصارى من أنهم عبدوا المسيح عليه السلام، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾.
والخلاصة: وأخلصوا لله في العبادة، ولا تجعلوا له في الربوبية والعبادة شريكًا؛ لأن من عبد مع الله غيره، أو أراد بعمله غير الله.. فقد أشرك به، ولا يكون مخلصًا.
وعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال: كنت رديف رسول الله - ﷺ - على حمار يقال له: عفير، أو اسمه يعفور، فقال: "يا معاذ، هل تدري ما حق الله
(١) النسفي.
(٢) المراغي.
على عباده، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا، فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس قال: لا تبشرهم؛ فيتكلوا" متفق عليه. إنما قال: لا تبشرهم فيتكلوا؛ لأنه - ﷺ - رأى ذلك أصلح لهم، وأحرى أن لا يتكلوا على هذه البشارة، ويتركوا العمل الذي ترفع لهم به الدرجات في الجنة، وبعد أن أمر الله بعبادته وحده لا شريك له، أعقبه بالوصية بالوالدين، فقال: ﴿و﴾ أحسنوا ﴿بالوالدين إحسانًا﴾ وبرًّا وعطفًا بالقيام بخدمتهما، وبالسعي في تحصيل مطالبهما، والإنفاق عليهما بقدر الطاقة، وبعدم رفع الصوت عليهما، وعدم تخشين الكلام معهما، وعدم شهر السلاح عليهما، وعدم قتلهما، ولو كانا كافرين؛ لأنه - ﷺ - نهى حنظلة عن قتل أبيه أبي عامر الراهب وكان مشركًا.
وعن أبي سعيد الخدري: أن رجلًا جاء إلى رسول الله - ﷺ - من اليمن استأذنه في الجهاد، فقال - ﷺ -: "هل لك أحد باليمن؟ " فقال أبواي فقال: "أبواك أذنا لك؟ " فقال: لا، فقال: "فارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك"، قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك"، قال: ثم من؟ قال: "ثم أبوك". متفق عليه. وفي رواية قال: "أمك ثم أمك ثم أباك، ثم أدناك فأدناك"، قوله: "ثم أباك" فيه حذف تقديره: ثم بر أباك.
وعنه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه" قيل: من يا رسول الله؟ قال: "من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما، ثم لم يدخل الجنة".
وإنما قرن الله سبحانه وتعالى بر الوالدين بعبادته وتوحيده.. لتأكد حقهما على الولد.
والمعنى: أحسنوا بهما، ولا تقصروا في شيء مما يطلبانه؛ لأنهما السبب الظاهر في وجودكم وتربيتكم بالرحمة والإخلاص، وقد فصلت هذه الوصية في سورة الإسراء بقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾.
والخلاصة: أنَّ العبرة بما في نفس الولد، من قصد البر والإحسان والإخلاص فيه، بشرط أن لا يحد الوالدان من حرية الولد واستقلاله في شؤونه الشخصية أو المنزلية، ولا في الأعمال الخاصة بدينه ووطنه، فإذا أراد أحدهما الاستبداد في شيء من ذلك.. فليس من البر العمل برأيهما اتباعًا لهواهما.
﴿و﴾ أحسنوا وصلوا ﴿بِذِي الْقُرْبَى﴾؛ أي: أحسنوا إلى صاحب القرابة لكم، وهو ذو رحمه من قبل أَبيه وأمه، كأخ وعم وخال وغيرهم، وكرر الباء إشارة إلى تأكد حق الرحم.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره.. فليصل رحمه". متفق عليه. قوله: ينسأ له في أثره يعني: يؤخر له في أجله وعمره، والمعنى: وأحسنوا معاملة أقرب الناس إليكم بعد الوالدين، وإذا أدى المرء حقوق الله، فصحت عقيدته، وصلحت أعماله، وقام بحقوق الوالدين.. صلح البيت، وحسن حال الأسرة، وإذا صلح البيت.. كان قوة كبيرة، فإذا عاون أهله ذوي القربى الذين ينسبون إليهم.. كان لكل منهم قوة أخرى تتعاون مع هذه الأسرة وبذا تتعاون الأمة جمعاء، وتمد يد المعونة لمن هو في حاجة إليها، ممن ذكروا بعد في قوله: ﴿و﴾ أحسنوا إلى ﴿اليتامى﴾ بالرفق بهم، وبمسح رأسهم، وبتربيتهم وحفظ أموالهم.
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئًا". أخرجه البخاري.
وإنما أمر بالإحسان إليهم؛ لأن اليتيم قد فقد الناصر المعين وهو الأب مع صغره، وقلما تستطيع الأم مهما اتسعت معارفها أن تقوم بتربيته تربية كاملة، فعلى القادرين أن يعاونوا في تربيته، وإلا كان وجوده جناية وثقلًا على الأمة؛ لجهله وفساد أخلاقه، وكان خطرًا على من يعاشرهم من لداته، وجرثومة فساد بينهم، ومعلوم أن اليتامى جمع يتيم، وهو صغير لا أب له، وإن كان له جد وأم كما سبق في البقرة.
﴿و﴾ أحسنوا إلى ﴿المساكين﴾ بالصدقة، أو بالرد الجميل، وهو جمع مسكين، وهو من التصقت يده بالتراب، فيشمل الفقير، وإنما أمر بالإحسان إليهم؛ لأنه لا ينتظم حال المجتمع إلا بالعناية بهم، وصلاح حالهم، وإلا كانوا وبالًا عليه.
والمساكين ضربان: مسكين معذور تجب مواساته، وهو من كان سبب عدمه الضعف والعجز، أو نزول آفة سماوية ذهبت بماله، ومثل هذا يجب عونه بمساعدته بالمال الذي يسد عوزه، ويستعين به على الكسب. ومسكين غير معذور في تقصيره، وهو من عدم المال بإسرافه وتبذيره، ومثل هذا يبذل له النصح ويدل على طرق الكسب، فإن اتعظ وقبل النصح فبها، وإلا ترك أمره إلى أولي الأمر، فهم أولى بتقويم إعوجاجه، وإصلاح ما فسد من أخلاقه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - ﷺ - قال: "الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله"، وأحسبه قال: "وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر". متفق عليه.
﴿و﴾ أحسنوا إلى ﴿الجار ذي القربى﴾؛ أي: إلى الجار الذي قرب منكم جواره وداره، أو إلى الجار الذي له مع الجوار اتصال بكم في النسب، أوله (١) اتصال بكم في الدين، فقد روي عنه - ﷺ -: "الجيران ثلاثة: فجار له ثلاثة حقوق: حق الجوار وحق القرابة وحق الإِسلام، وجار له حقان: حق الجوار وحق
(١) الجمل.
الإِسلام، وجار له حق واحد: حق الجوار فقط، وهو المشرك من أهل الكتاب". رواه البزار وغيره.
وقرىء بالنصب (١) على الاختصاص تعظيمًا لحقه؛ لأن له ثلاثة حقوق: حق القرابة وحق الجوار وحق الإِسلام، كما قرئ ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ نصبًا على الاختصاص.
﴿و﴾ أحسنوا إلى ﴿الجار الجَنْب﴾؛ أي: المجانب عنكم، أي البعيد داره عن داركم، أو الذي لا قرابة له منكم، فله حقان: حق الجوار وحق الإِسلام، وقرأ الأعمش والمفضل ﴿والجار الجنب﴾ بفتح الجيم وسكون النون؛ أي: ذي الجنب، وهو الناحية، وأنشد الأخفش: الناس جنب والأمر جنب. ذكره الشوكاني.
والجوار (٢): ضرب من ضروب القرابة، فهو قرب بالمكان والسكن، وقد يأنس الإنسان بجاره القريب أكثر مما يأنس بالنسيب، فيحسن أن يتعاون الجاران، ويكون بينهما الرحمة والإحسان، فإذا لم يحسن أحدهما إلى الآخر.. فلا خير فيهما لسائر الناس.
وحدد الحسن البصري الجوار بأربعين دارًا، من كل جانب من الجوانب الأربعة، والأولى عدم التحديد بالدور، وجعل الجار من تجاوره ويتراءى وجهك ووجهه في غدوك أو رواحك.
وإكرام الجار من شيم العرب قبل الإِسلام، وزاده الإِسلام تأكيدًا بما جاء في الكتاب والسنة، ومن إكرامه إرسال الهدايا إليه ودعوته إلى الطعام، وتعاهده بالزيارة والعيادة، إلى نحو ذلك.
وقد حث الدين على الإحسان في معاملة الجار ولو غير مسلم، وعن ابن
(١) المراح.
(٢) المراغي.
عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورِّثه". متفق عليه. وعن عائشة مثله.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال:"إلى أقربهما بابًا منك". رواه البخاري.
وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك". أخرجه مسلم. وفي رواية قال: أوصاني خليلي - ﷺ - قال: "إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، ثم انظر إلى أهل بيت جيرانك فأصبهم منها بمعروف".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - ﷺ - قال: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن" قيل: من يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يأمن جاره بوائقه". متفق عليه.
ولمسلم: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه"، البوائق: الغوائل والشرور.
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يا نساء المؤمنات، لا تُحقِّرَنَّ جارة لجارتها، ولو فرسن شاة". متفق عليه. معناه: ولو أن تهدي إليها فرسن شاة: وهو الظلف وأراد به الشيء الحقير.
وعنه: أن رسول الله - ﷺ - قال: "من كان يؤمن باللهِ واليوم الآخر.. فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن باللهِ واليوم الآخر.. فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر.. فليقل خيرًا أو ليصمت". متفق عليه.
﴿و﴾ أحسنوا إلى ﴿الصاحب بالجنب﴾، روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه الرفيق في السفر، والمنقطع إليك يرجو نفعك ورفدك، فهو إما رفيق في سفر، أو جار ملاصق، أو شريك في تعلم أو حرفة، أو قاعد بجنبك في مسجد أو مجلس، وقيل: هي المرأة، فإنها تكون معك وتضطجع إلى جنبك، وقيل: هو كل من صاحبته وعرفته، ولو وقتًا قصيرًا، فيشمل صاحب الحاجة
الذي يمشي بجانبك، يستشيرك أو يستعين بك.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - ﷺ -: "خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره". أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن.
﴿و﴾ أحسنوا إلى ﴿ابن السبيل﴾؛ أي: إلى المسافر المنقطع عن بلده بالسفر، السائح الرحالة في غرض صحيح غير محرم.
والأمر بالإحسان إليه يتضمن الترغيب في السياحة والإعانة عليها، ويشمل اللقيط أيضًا، وهو أجدر بالعناية من اليتيم، وأحق بالإحسان إليه، وقد عني الأوروبيون بجمع اللقطاء وتربيتهم وتعليمهم، ولولا ذلك لاستطار شرهم، وعم ضرهم، وقد كنا أحق بهذا الإحسان منهم؛ لأن الله قد جعل في أموالنا حقًّا معلومًا للسائل والمحروم.
وقال الأكثرون: المراد بابن السبيل الضيف يمر بك فتكرمه، وتحسن إليه؛ أي: وأحسنوا إلى الضيف بإكرامه، وله ثلاثة أيام حق، وما فوق ذلك صدقة.
وعن أبي شريح خويلد بن عمرو الخزاعي - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر.. فليكرم ضيفه جائزته"، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: "يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه". وقال: "من كان يؤمن باللهِ واليوم الآخر.. فليقل خيرًا أو ليصمت". متفق عليه، زاد في رواية: "ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه"، قالوا: يا رسول الله وكيف يؤثمه؟ قال: "يقيم عنده ولا شيء له يقريه به"، قوله: "جائزته يومه وليلته" الجائزة: العطية؛ أي: يقري الضيف ثلاثة أيام، ثم يعطيه ما يجوز به من منهل إلى منهل، وقيل: هو أن يكرم الضيف، فإذا سافر.. أعطاه ما يكفيه يومًا وليلة، حتى يصل إلى موضع آخر، وقوله: أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه؛ أي: يوقعه في الإثم؛ لأنه إذا أقام عنده ولم يُقْرِهِ أثم بذلك.
﴿و﴾ أحسنوا إلى ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وأيديكم من عبيدكم وإمائكم، ويشمل هذا تحريرهم وعتقهم، وهو أتم الإحسان وأكمله، ومساعدتهم على شراء أنفسهم دفعة واحدة، أو نجومًا وأقساطًا، وحسن معاملتهم في الخدمة، بأن لا يكلفوا ما لا يطيقون، ولا يؤذون بقول ولا بفعل.
وقيل: الآية (١) عامة فتشمل جميع الحيوانات من عبيد وإماء وغيرهم، فالحيوانات غير الأرقاء أكثر في يد الإنسان من الأرقاء، فغلب جانب الكثرة، فعبر عنه بـ ﴿ما﴾، وأمر الله بالإحسان إلى كل مملوك آدمي وغيره. وقد روى الشيخان قوله - ﷺ -: "هم إخوانكم وخولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده.. فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم، وإن كلفتموهم.. فأعينوهم عليه".
وقد أكد (٢) النبي - ﷺ - الوصية بهم في مرض موته، وكان ذلك من آخر وصاياه، فقد روى أحمد والبيهقي من حديث أنس قال: كانت عامة وصية رسول الله - ﷺ - حين حضره الموت: الصلاة: وما ملكت أيمانكم"، وقد أوصانا الله سبحانه وتعالى بهؤلاء، حتى لا يظن أن استرقاقهم يجيز امتهانهم، ويجعلهم كالحيوانات المسخرة، ثم ذكر ما هو علة للأمر السابق فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾؛ أي: لا تفتخروا على هؤلاء المذكورين لأن الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا يُحِبُّ﴾؛ أي: يعاقب ﴿مَنْ كَانَ مُخْتَالًا﴾ في مشيته متكبرًا عن أقاربه الفقراء وجيرانه الضعفاء وأصحابه لا يحسن عشرتهم، ﴿فَخُورًا﴾ بلسانه على الناس بما أعطاه الله تعالى من العلم والمال وغيرهما، فالمختال (٣): المتكبر الذي تظهر أثار الكبر في حركاته وأعماله، والفخور المتكبر: الذي تظهر آثار الكبر في أقواله، فتجده يذكر ما يرى أنه ممتاز به عن الناس زهوًا بنفسه، واحتقارًا لغيره، والمختال الفخور مبغوض عند الله تعالى؛ لأنه احتقر جميع الحقوق التي
(١) الجمل.
(٢) المراغي.
(٣) المراغي.
أوجبها الله للناس، وأوجبها لنفسه، من الشعور بعظمته وكبريائه، فهو كالجاحد لصفات الألوهية التي لا تليق إلا له.
فالمختال لا يقوم بعبادة ربه حق القيام؛ لأن العبادة لا تكون إلا عن خشوع للقلب، ومن خشع قلبه.. خشعت جوارحه، ولا يقوم بحقوق الوالدين ولا ذوي القربى لأنه لا يشعر بحق لغيره عليه، وبالأولى لا يشعر بحق لليتيم أو المسكين أو لجار قريب أو بعيد، فهو لا يرجى منه بر ولا إحسان، وإنما يتوقع منه إساءة وكفران.
ومن الكبر والخيلاء إطالة الثوب، وجر الذيل بطرًا ومرحًا، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾، وليس من الكبر والخيلاء أن يكون المرء وقورًا في غير غلظة، عزيز النفس مع الأدب والرقة.
روى أبو داود والترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة، فقال - ﷺ -: "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمص الناس" بطر الحق: رده استخفافًا وترفعًا، وغمص الناس: احتقارهم والازدراء بهم.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - ﷺ - قال "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره خيلاء". متفق عليه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا". متفق عليه.
وعنه رضي الله تعالى عنه أن رسول الله - ﷺ - قال: "بينما رجل يمشي في حلة، تعجبه نفسه، مرجِّل جمته، يختال في مشيته؛ إذ خسف الله به، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة". متفق عليه.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - ﷺ - قال: "بينما رجل ممن
كان قبلكم يجر إزاره من الخيلاء.. خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة". أخرجه البخاري.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "الفخر والخيلاء في الفدادين من أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم". متفق عليه. الفدادون: هم الفلاحون والحراثون، وأصحاب الإبل والبقر، المتكثرون منها، المتكبرون على الناس بهما.
٣٧ - ثم بين الله سبحانه وتعالى المختال الفخور فقال: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ والأظهر أن الموصول منصوب على الذم، أو مرفوع على الذم، ويجوز أن يكون بدلًا من قوله كان مختالًا، وأن يكون مبتدأ خبره محذوف، تقديره: أحقاء بكل ملامة، أو كافرون، والأوضح من هذه الأوجه كلها أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، تقديره: هؤلاء المختالون الفخورون هم الذين يبخلون ويمنعون الناس ما منحوا به من المال والعلم، ويأمرون الناس غيرهم بالبخل، والامتناع من أداء ما يجب عليهم أداؤه من المال والعلم، ويحثونهم عليه.
روى ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس: كان جماعة من اليهود يأتون إلى الأنصار يتنصحون لهم، فيقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ...﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ كما مر في أسباب النزول.
والمراد بالبخل في الآية (١): البخل بالإحسان، الذي أمر به فيما تقدم، فيشمل البخل بلين الكلام، وإلقاء السلام، والنصح في التعليم، وإنقاذ المشرف على التهلكة.
وفي البخل أربع لغات: فتح الباء والخاء، وبها قرأ حمزة والكسائي،
(١) المراغي.
وبضمهما وبها قرأ الحسن وعيسى بن عمر، وبفتح الباء مع سكون الخاء وبها قرأ قتادة وابن الزبير، وبضم الباء وسكون الخاء وبها قرأ جمهور الناس.
﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: يخفون ما أعطاهم الله سبحانه وتعالى، ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ وإحسانه من العلم والمال وسعة الحال، فيشمل اليهود الذين كتموا صفة محمد - ﷺ -، وما عندهم من العلم، والأغنياء الذين كتموا الغنى، وأظهروا الفقر وبخلوا بالمال، ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ وضع (١) الظاهر موضع المضمر، إشعارًا بأن من هذا شأنه فهو كافر لنعمة الله سبحانه وتعالى، ومن كان كافرًا لنعمة الله فله عذاب يهينه، كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء.
أي وهيَّأنا (٢) لهؤلاء بكبرهم وبخلهم وعدم شكرهم عذابًا يهينهم ويذلهم، فهو عذاب جامع بين الألم والذلة جزاءًا لهم على ما اقترفوا، وسماهم الله كفارًا للإيذان بأن هذه أخلاق وأعمال لا تصدر إلا من الكفور، لا من المؤمن الشكور. وفي الحديث الذي رواه أحمد أنه - ﷺ - قال: "إذا أنعم الله على عبده نعمة.. أحب أن يظهر أثرها عليه".
٣٨ - قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ معطوف على قوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾، ووجه ذلك (٣): أن الأولين قد فرّطوا بالبخل، وبأمر الناس به، وبكتم ما آتاهم الله من فضله، وهؤلاء أفرطوا ببذل أموالهم في غير مواضعها؛ لمجرد الرياء والسمعة، كما يفعله من يريد أن يتسامع الناس بأنه كريم، ويتطاول على غيره بذلك، ويشمخ بأنفه عليه، مع ما ضم إلى هذا الإنفاق الذي يعود عليه بالضرر من عدم الإيمان باللهِ ولا باليوم الآخر.
أي: وهم الذين يصرفون أموالهم في غير مصارفها، ليراهم الناس ويمدحوهم، ويقولوا فيهم: ما أسخاهم وما أجودهم، ولا يريدون بما أنفقوا وجه الله تعالى، ولا يصدقون بوحدانية الله تعالى، ولا بمجيء المعاد الذي فيه جزاء الأعمال.
(١) البيضاوي.
(٢) المراغي.
(٣) الشوكاني.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه". أخرجه مسلم.
الرئاء والرياء والمراءاة سواء، والحاصل: أن مانعي الإحسان من أهل الفخر والخيلاء فريقان: فريق يبخلون ويكتمون فضل الله عليهم، وفريق يبذل المال لا شكرًا لله على نعمه، ولا اعترافًا لعباده بحق، بل ينفقونها مرائين الناس؛ أي: يقصدون أن يروهم فيعظموا قدرهم، ويحمدوا فعلهم.
والكبرياء كما تكون من شىء في نفس الشخص، تكون أيضًا بما يكون له من المال والنسب، والمرائي أقل شرًّا من البخيل؛ إذ هو يحمل الناس على قبول فخره واختياله في مقابلة ما يبذله لهم من مال، فكأنه رأى لهم عليه حقًّا عوضًا من التعظيم والثناء الذي يطلبه بريائه، وأما البخيل: فقد بلغ من احتقاره للناس أنه لا يرى لهم عليه شيئًا من الحقوق فهو يكلفهم تعظيمه وأمواله مدخرة في الصناديق.
والمرائي بخيل في الحقيقة؛ إذ هو إنما يبذل المال لمن لا حق لهم عنده، ويبخل على أرباب الحقوق كالزوجة والولد والخادم والأقربين كالوالدين، ولا يتحرى في إنفاقه النفع العام ولا الخاص، وإنما يتحرى مواطن التعظيم والمدح، وإن كان الإنفاق ضارًّا، كالمساعدة على فسق أو فتنة.. فهو تاجر يشتري تعظيم الناس له، وتسخيرهم للقيام بخدمته.
ومعنى قوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ أي: إن المؤمنين المرائين في إنفاقهم يثقون بما عند الناس، من المدح والثناء والتعظيم والإطراء، ولا يثقون بما أعد الله لعباده من الثواب والجزاء، ويفضلون التقرب إليهم على التقرب إليه، فالله في نظرهم أهون من الناس، فمثل هؤلاء لا يعدون مؤمنين إيمانًا حقيقيًّا بالله، ولا باليوم الآخر، بل إيمانهم ضرب من التخيل، ليس له ما يؤيده من أثر في القلب، ولا إذعان للنفس فهم لا يعرفون الله، وإنما يسمعون
الناس يقولون قولًا فيقلدونهم فيما يحفظونه منهم، فهم لا يعرفون أنه موجد الكائنات النافذ علمه وقدرته فيما في الأرض والسموات، ولو كانوا مؤمنين باليوم الآخر، وأن هناك حياة أبدية.. لما فضلوا عليها عرض هذه الحياة القصيرة.
ومن أمارات التفرقة بين المخلص والمرائي:
أن الأول قلما يتذكر عمله أو يذكره إلا لمصلحة كترغيب بعض الناس في البذل، كأن يقول: إني على ما بي من فقر قد أعطيت كذا درهمًا في مصلحة كذا، فاللائق بمثلك أن يبذل كذا وكذا درهمًا.
أما الثاني: فهو يلتمس الفرص والمناسبات للفخر والتبجح بما أعطى وما فعل، كما لا يبذل المال ولا يعمل العمل الصالح إلا بقصد الرياء والسمعة، إذ ليس له وراء حظوظ الدنيا أمل ولا مطلب.
فهؤلاء حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾؛ أي: ومن يكن الشيطان معينًا له في هذه الأفعال في الدنيا.. فساء قرينًا؛ أي: فبئس الصاحب له في النار هو، فإن الله تعالى يقرن مع كل كافر شيطانًا في سلسلة في النار؛ أي: إن هؤلاء المتكبرين ما حملهم على ما فعلوا إلا وسوسة الشيطان، وهو بئس الصاحب والخليل، والمقصد من هذا أن حالهم في الشر كحال الشيطان. وفي الآية إيماء إلى تأثير قرناء المرء في سيرته، وأن الواجب اختيار القرين الصالح على قرين السوء، وتعريض بتنفير الأنصار من معاشرة اليهود الذين كانوا ينهونهم عن الإنفاق في سبيل الله، وبيان أنهم شياطين يعِدون الفقر، وينهون عن العرف.
أما القرين الصالح: فهو عون على الخير، مرغب فيه، منفر بسيرته ونصحه عن الشر، مبعد عنه، مذكر بالتقصير، مبصر بالعيوب، وكم أصلح القرين الصالح فاسدًا، وكم أفسد قرين السوء صالحًا، وفي "الفتوحات": لما ذكر الأوصاف المتقدمة من البخل، والأمر به، والكتمان والإنفاق رئاء الناس، وعدم الإيمان بالله واليوم الآخر.. ذكر سببها الذي تنشأ عنه وهو مقارنة الشيطان، ومخالطته وملازمته للمتصفين بالأوصاف المتقدمة، كما يؤخذ من "النهر" لأبي حيان.
٣٩ - ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: وما الذي يصيبهم من الضرر ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ ورسوله ﴿و﴾ بمجيء ﴿اليوم الآخر﴾ إيمانًا صحيحًا يظهر أثره في العمل، ﴿وَأَنْفَقُوا﴾ في الخيرات ﴿مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ تعالى ابتغاء وجه الله، وطلبًا لمرضاته، وإنما (١) قدم الإيمان هنا وأخره في الآية الأخرى؛ لأن القصد بذكره إلى التحضيض ههنا والتعليل ثمة. وفي هذا الأسلوب إثارة تعجيب الناس من حالهم؛ إذ هم لو أخلصوا.. لما فاتهم منفعة الدنيا، ولفازوا مع ذلك بسعادة العقبى، فكثيرًا ما يفوت المرائي ما يرمي إليه من التقرب إلى الناس، وامتلاك قلوبهم، ويظفر بذلك المخلص الذي لم يكن من همه أن أحدًا يعرف ما عمل.
فجهله جدير بأن يتعجب منه؛ لأنه جهل بالله، وجهل بأحوال الناس، ولو آمن وأخلص ووثق بوعد الله ووعيده.. لكان في هذا سعادته، فالإيمان سلوى من كل فائت، وفقده عرضة لليأس من كل خير، وأما المؤمن فأقل ما يؤتاه في المصائب الصبر، الذي يخفف وقعها على النفس، وأكثره رحمة الله، التي بها تتحول النقمة إلى نعمة، بما يستفيد من الاختبار والتمحيص وكمال العبرة والتهذيب.
وقد يبتلي الله المؤمن ويمتحن صبره، فيعطيه إيمانه من الرجاء به ما تخالط حلاوته مرارة المصيبة حتى تغلبها، وقد يأنس بها أحيانًا؛ لعظم رجائه وصبره، وهذا وإن كان نادرًا فهو واقع حاصل، ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى ﴿بِهِمْ﴾ وبأحوالهم المخفية ﴿عَلِيمًا﴾ يعني: لا يخفى عليه شيء من أعمال هؤلاء الذين ينفقون أموالهم لأجل الرياء والسمعة، فلا يثيبهم بما ينفقونه رئاء الناس، فينبغي للمؤمن أن يكتفي بعلم الله في إنفاقه، ولا يبالي بعلم الناس، فهو الذي لا ينسى عمل العاملين، ولا يظلمهم من أجرهم شيئًا.
وفي هذه الآيات الكريمة الهداية الكافية في معاملة الناس لربهم ولبعضهم بعضًا، ولكن المسلمين قصروا في اتباع هذه الأوامر، وأعرضوا عن مساعدة ذوي
(١) الخازن.
القربى والجيران واليتامى والمساكين.
٤٠ - ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿لَا يَظْلِمُ﴾ أحدًا ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾؛ أي: وزن نملة حمراء صغيرة، أي: لا يظلم قليلًا ولا كثيرًا، ونظم هذا الكلام مع الذي قبله: وماذا عليهم لو آمنوا وأنفقوا، فإن الله لا يظلم ولا يبخس ولا ينقص أحدًا من ثواب عمله مثقال ذرة، وقال ابن عباس: الذرة رأس نملة حمراء، وقيل: الذرة كل جزء من أجزاء الهباء، الذي يكون في الكوة إذا كان فيها ضوء الشمس لا وزن لها، وهذا مثلٌ ضربه الله تعالى لأقل الأشياء، فخرج الكلام على أصغر شيء يعرفه الناس، وفي ذكره إيماء إلى أنه وإن صغر قدره عظم جزاءه.
والخلاصة: أن الظلم لا يقع من الله تعالى؛ لأنه من النقص الذي يتنزه عنه، وهو ذو الكمال المطلق والفضل العظيم، وقد شرع لهم من أحكام الدين وآدابه ما لا تستقل عقولهم بالوصول إلى مثله في هدايتهم وحفظ مصالحهم، وهي تسوق إلى الخير وتصرف عن الشر، وأيدها بالوعد والوعيد، فمن وقع بعد ذلك فيما يضره ويؤذيه.. كان هو الظالم لنفسه؛ لأن الله تعالى لا يظلم أحدًا.
﴿وَإِنْ تَكُ﴾؛ أي: وإن يكن مثقال الذرة ﴿حَسَنَةً﴾ وأنث (١) الضمير لتأنيث الخبر، أو لإضافة المثقال إلى مؤنث، وحذف النون من غير قياس تخفيفًا وتشبيهًا بحروف العلة، وقرأ نافع وابن كثير ﴿حسنةٌ﴾ بالرفع على أن كان تامة بمعنى وإن حصلت حسنة، والباقون بالنصب. والمعنى: وإن تكن زنة الذرة حسنة، ﴿يُضَاعِفْهَا﴾؛ أي: يضاعف جزاء تلك الحسنة عشرة أمثالها، أو أضعافًا كثيرة إلى سبع مائة، كما جاء في آية أخرى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب ﴿يضعِّفْها﴾ بالتشديد من غير ألف، فكلاهما بمعنى واحد.
وقيل هذا عند الحساب فمن بقي له من الحسنات مثقال ذرة.. ضاعفها الله
(١) البيضاوي.
له إلى سبع مئة، وإلى أجر عظيم. قال قتادة: لأن تفضل حسناتي على سيئاتي بمثقال ذرة أحب إليَّ من الدنيا وما فيها. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر: فيعطى بحسنات قد عمل بها في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها". رواه مسلم.
﴿وَيُؤْتِ﴾؛ أي: يعط الله صاحب الحسنة ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾؛ أي: من عنده تعالى: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وثوابًا جزيلًا فلا يقدر أحد قدره وهو الجنة.
أي: إنه تعالى لواسع فضله، لا يكتفي بجزاء المحسنين على إحسانهم فحسب، بل يزيدهم من فضله، ويعطيهم من لدنه عطاءً كبيرًا، وسمي هذا العطاء أجرًا ولا مقابل له من الأعمال؛ لأنه لما كان تابعًا للأجر على العلم سمي باسمه لمجاورته له، وفي ذلك إيماء إلى أنه لا يكون لغير المحسنين، إذ هو علاوة على أجور أعمالهم، فلا مطمع للمسيئين فيه،
٤١ - والفاء في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ فاء الفصيحة، والاستفهام فيه للتوبيخ والتقريع، أي: إذا كان الله لا يضيع من عمل العالمين مثقال ذرة.. فكيف يكون حال هؤلاء الكفار والمنافقين يوم القيامة، إذا جمعناهم والخلائق، وجئنا من كل أمة بشهيد يشهد عليهم؛ أي: نبي يشهد على فساد عقائدهم وقبح أعمالهم، فما من أمة إلا لها بشير ونذير، وهذه الشهادة عبارة عن عرض أعمال الأمم على أنبيائهم، لا فرق بين اليهود والنصارى والمسلمين، ومقابلة عقائدهم وأعمالهم بعقائد الأنبياء وأعمالهم وأخلاقهم، فمن شهد لهم نبيهم بانهم على ما جاء به وما أمر الناس بالعمل به.. فهم ناجون، ومن تبرأ منهم أنبياؤهم لمخالفة أعمالهم وعقائدهم لما جاؤوا به.. فأولئك هم الخاسرون، وإن ادعوا اتباعهم والانتماء إليهم.
﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾؛ أي: وجئنا بك يا محمَّد حالة كونك
(١) الخازن.
شاهدًا على هؤلاء الذين سمعوا القرآن، وخوطبوا به بما علموا؛ أي: شاهدًا على من آمن بالإيمان، وعلى من كفر بالكفر، وعلى من نافق بالنفاق، والرسول - ﷺ - بسيرته وأخلاقه العالية وسنته المرضية يكون حجة على من تركها، وتساهل في اتباعها، وعلى من تغالى فيها، وابتدع البدع المحدثة من بعده، أو المعنى: وجئنا بك شاهدًا على صدق هؤلاء الأنبياء الذين شهدوا على أممهم لعلمك بعقائدهم، واستجماع شرعك مجامع قواعدهم، وقيل: وجئنا بك مزكيًّا معدلًا لأمتك؛ لأن أمته - ﷺ - يشهدون للأنبياء على قومهم إذ جحدوا البلاغ.
وروى الشيخان والترمذي والنسائي وغيرهم حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: "إقرأ عليَّ القرآن" فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل! قال: "نعم أحب أن أسمعه من غيري"، قال: فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذد الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ قال: "حسبك الآن"، قال: فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. زاد مسلم: (شهيدًا ما دمت فيهم)، أو قال: (ما كنت فيهم)، شك أحد رواته.
فانظر أيها الأخ الكريم كيف اعتبر بهذه الشهادة الشهيد الأعظم - ﷺ -، فبكى لتذكر هذا اليوم، وهل نعتبر كما اعتبر؟ وهل نستعد لهول ذلك اليوم باتباع سنته، ونجتهد في اجتناب البدع والتقاليد التي لم تكن في عهده، وبذا نكون أمة وسطًا لا تفريط عندها في الدين، ولا إفراط لا في الشؤون الجسمية، ولا في الشؤون الروحية، أو نظل في غوايتنا تقليدًا للآباء، فنكون كما قال الكافرون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾.
٤٢ - ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ جئنا من كل أمة بشهيد، ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: يتمنى الذين كفروا بالله ورسوله ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾؛ أي: خالفوا رسوله محمدًا - ﷺ -، فيما أمر به ونهى عنه، ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾؛ أي: يتمنون لو دفنوا في الأرض، ويهال عليهم التراب، ويسوى عليهم كما يسوى على الموتى، أو يودون أنهم لم يبعثوا، وأنهم كانوا هم والأرض سواء، أو لم يخلقوا، وقال
الكلبي (١): يقول الله تعالى للبهائم والوحوش والطيور والسباع: كوني ترابًا، فتسوى بهن الأرض، فعند ذلك يتمنى الكافر لو يكون ترابًا لعظم هول ذلك اليوم، ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾؛ أي: لا يقدرون أن يكتموا ويخفوا عن الله سبحانه وتعالى حديثًا عن عقائدهم وأعمالهم؛ لأن جوارحهم تشهد عليهم.
أي: إنهم (٢) يريدون الكتمان، أولًا لما علموا أن الله لا يغفر شركًا، فيقولون: ربنا والله ربنا ما كنا مشركين، رجاء غفران الله لهم، لكنهم تشهد عليهم الأعضاء والزمان والمكان، فلم يستطيعوا الكتمان، فهنالك يودون أنهم كانوا ترابًا ولم يكتموا الله حديثًا.
قرأ نافع وابن عامر (٣): ﴿تُسَوَّى﴾ بفتح التاء وتشديد السين، وقرأ حمزة والكسائي: بفتح التاء وتخفيف السين، وقرأ الباقون: بضم التاء وتخفيف السين، والمعنى على القراءة الأولى والثانية: أن الأرض هي التي تسوى بهم؛ أي: أنهم تمنوا لو انفتحت لهم الأض، فساخوا فيها، وقيل: الباء في قوله: ﴿بهم﴾ بمعنى على؛ أي: تسوى عليهم الأرض، وعلى القراءة الثالثة الفعل مبني للمفعول؛ أي: لو سوى الله بهم الأرض، فيجعلهم والأرض سواء، حتى لا يبعثوا.
٤٣ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما جاء به محمَّد - ﷺ - ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾؛ أي: لا تقيموا الصلاة ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾؛ أي: حال كونكم نشاوى من شرب الشراب ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾؛ أي: إلى أن تعلموا قبل الشروع فيها ما تقولونه، بأن تفيقوا من السكر، ﴿وَلَا﴾ تقيموها حال كونكم ﴿جُنُبًا﴾؛ أي: متصفين بالجنابة ﴿إِلَّا﴾ حال كونكم ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾؛ أي: مسافرين، وقيل إلا اسم بمعنى (غير) صفة لـ ﴿جُنُبًا﴾، أي؛ ولا تقيموها حال كونكم جنبًا غير مسافرين، ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ من الجنابة ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ مرضًا يمنع من استعمال الماء، {أَوْ عَلَى
(١) الخازن.
(٢) المراح.
(٣) الشوكاني.
سَفَرٍ}، أي: متلبسين بسفر طويل أو قصير، ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾؛ أي؛ جاء أحدكم موضع قضاء الحاجة، فأحدث بخروج شيء من أحد السبيلين، والمراد به جميع أسباب الحدث الأصغر وأصل الغائط المكان المطمئن من الأرض، وقرأ ابن مسعود من ﴿الغيط﴾، وخرج على وجهين:
أحدهما: أنه مصدر، إذ قالوا: غاط يغيط غيطًا.
والثاني: أن أصله فيعل ثم حذف كـ: مَيْتٍ، قاله أبو حيان.
﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾؛ أي: أو ماسستم بشرتهن ببشرتكم، وبه استدل الشافعي - رحمه الله تعالى - على أن اللمس ينقض الوضوء، وقيل أو جامعتموهن، وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي المائدة ﴿لمستم﴾ واستعماله كناية عن الجماع أقل من الملامسة، ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ يجب استعماله تتطهرون به للصلاة بعد الطلب، ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾؛ أي؛ فاقصدوا ترابًا ﴿طَيِّبًا﴾؛ أي: طاهرًا بعد دخول الوقت، فاضربوا به ضربتين، ﴿فَامسَحوا﴾ منه ﴿بوجوهكم﴾ بالضربة الأولى، ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ بالضربة الثانية، وحذف الممسوح به هنا وأظهره في آية المائدة، في قوله: ﴿منه﴾ فحمل عليه ما هنا، وقد أشرنا له بقولنا منه، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ كالتعليل للترخيص المستفاد مما قبله؛ أي: كان كثير العفو والمحو لذنوب عباده عن صحف الملائكة، غفورًا: أي؛ كثير الغفر والستر لها عن أعين الملائكة، فلا يؤاخذهم بها، فلذلك يسَّر عليكم الأمر ورخص لكم في التيمم. وقال الشوكاني قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾؛ أي؛ عفا عنكم وغفر لكم تقصيركم، ورحمكم بالترخيص لكم والتوسعة عليكم انتهى.
واعلم أن الخطاب في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ موجه إلى المسلمين قبل السكر، بأن يجتنبوه إذا ظنوا أنهم سيصلون، ليحتاطوا فيجتنبوه في أكثر الأوقات، وقد كان هذا تمهيدًا لتحريم السكر تحريمًا باتًّا لا هوادة فيه، إذ من يتقي أن يجيء عليه وقت الصلاة وهو سكران، يترك الشرب عامة النهار وأول الليل، لتفرق الصلوات الخمس في هذه المدة، فلم يبق للسكر إلا وقت النوم من
بعد العشاء إلى السحر، فيقل الشراب لمزاحمة النوم له، وأول النهار من صلاة الفجر إلى وقت الظهيرة وقت الكسب والعمل لأكثر الناس، ويقل أن يسكر فيه إلا أصحاب البطالة والكسل.
وقد ورد أنهم كانوا بعد نزولها يشربون بعد العشاء، فلا يصبحون إلا وقد زال السكر، وصاروا يعلمون ما يقولون، وعبر سبحانه وتعالى بقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ولم يقل ولا تقربوا الصلاة سكارى، مع أنه أخصر من الأول؛ لأن بين الأسلوبين فرقًا، الأول يتضمن النهي عن السكر الذي يخشى أن يمتد إلى وقت الصلاة، فيفضي إلى أدائها في أثنائه.
وخلاصة المعنى عليه: احذروا أن يكون السكر وصفًا لكم عند حضور الصلاة، فتصلوا وأنتم سكارى، فامتثال هذا النهي إنما يكون بترك السكر في وقت الصلاة، وفيما يقرب منها، والثاني يتضمن النهي عن الصلاة حال السكر فحسب.
وأما نهيهم عن الصلاة جنُبًا: فلا يتضمن نهيهم عن الجنابة قبل الصلاة؛ لأنها من سنن الفطرة، وإنما ينهاهم عن الصلاة في أثنائها حتى يغتسلوا؛ ولهذا قال جنبًا، ولم يقل وأنتم جنب.
﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾؛ أي: ولا تقربوا الصلاة جنبًا في أي حال، إلا حال كونكم عابري سبيل؛ أي: مجتازين الطريق. وقد روي أن رجالًا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، وكان يصيبهم الجنابة ولا يجدون ممرًا إلا فيه، فرخص لهم في ذلك، ولم يأمر النبي - ﷺ - بسد تلك الأبواب والكوى إلا في آخر عمره الشريف، ولم يستثن إلا خوخة أبي بكر رضي الله عنه، الخوخة: الكوة والباب الصغير.
﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾؛ أي لا تقربوا الصلاة جنبًا إلى أن تغتسلوا، إلا فيما رخص لكم فيه من حالة السفر.
وحكمة الاغتسال من الجنابة (١): أن الجنابة تحدث تهيجًا في الأعصاب، فيتأثر البدن كله، ويحدث فتور وضعف فيه، يزيله الاغتسال بالماء، ومن ثم ورد: "إنما الماء من الماء" رواه مسلم.
والخلاصة: أن الدين طلب الصلاة حال العلم والفهم وتدبر القرآن والذكر، وذلك يتوقف على الصحو وترك السكر، كما طلب أن يكون الجسم نظيفًا نشيطًا، وذلك لا يكون إلا لإزالة الجنابة.
ولما كانت الصلاة فريضة موقوتة لا هوادة فيها؛ لأنها تذكر المرء وتعده للتقوى، وكان الاغتسال من الجنابة يتعسر في بعض الحالات، ويتعذر في بعضها الآخر.. رخص سبحانه وتعالى لنا في ترك استعمال الماء، والاستعاضة عنه بالتيمم، فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ المراد بالمرض: المرض الذي يخاف زيادته باستعمال الماء، كبعض الأمراض الجلدية، والقروح كالحصبة والجدري ونحو ذلك. والسفر يشمل الطويل والقصير، والمراد بالمجيء من الغائط الحدث الأصغر، بخروج شيء من أحد السبيلين القبل والدبر، أو بغيره من سائر أسباب الحدث الأصغر، وملامسة النساء التقاء البشرتين، أو غشيانهن على الخلاف المذكور فيه كما مر.
ففي هذه الحالات كلها - المرض، السفر، فقد الماء، عقب الحدث الأصغر الموجب للوضوء، والحدث الأكبر الموجب للغسل - اقصدوا وتحروا صعيدًا طيبًا؛ أي: ترابًا طاهرًا من الأرض لا قذارة فيه ولا أوساخ، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه، ثم صلوا.
والخلاصة: أن حكم المريض والمسافر إذا أراد الصلاة كحكم المحدث حديثًا أصغر، أو ملامس النساء ولم يجد الماء، فعلى كل هؤلاء التيمم فقط.
(١) المراغي.
روي أن هذه الآية نزلت في بعض أسفار النبي - ﷺ -، وقد انقطع عقد لعائشة فأقام النبي - ﷺ - يلتمسه، والناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فلما نزلت وصلوا بالتيمم.. جاء أسيد بن الحضير إلى مضرب عائشة، فجعل يقول ما أكثر بركتكم يا آل أبي بكر، وفي رواية يرحمك الله يا عائشة ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فيه فرجًا.
ثم ذكر (١) منشأ السهولة واليسر، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ العفو التيسير والسهولة، ومنه قوله تعالى ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾، وقوله - ﷺ -: "قد عفوت عن صدقة الخيل والرقيق"؛ أي: أسقطتها تيسيرًا عليكم، ومن عفوه وتيسيره وتسهيله أن أسقط في حال المرض والسفر وجوب الوضوء والغسل.
وفي ذلك إيماء إلى أن ما كان من الخطأ في صلاة السكارى، كقولهم: "قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون" مغفور لهم، لا يؤاخذون عليه،
واعلم: أن التيمم من خصائص هذه الأمة، خصها الله تعالى به ليسهل عليهم أسباب العبادة، ويدل على ذلك ما روي عن حذيفة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا، إذا لم نجد الماء" أخرجه مسلم.
فصول في أحكام تتعلق بالآية الفصل الأول منها
إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى شيء من بدن المرأة، ولا حائل بينهما.. انتقض وضوئهما، وهو قول ابن مسعود، وابن عمر، وبه قال الزهري، والأوزاعي، والشافعي؛ لما روى الشافعي بسنده عن ابن عمر أنه قال: قُبلة
(١) المراغي.
الرجل امرأته وجَسُّهَا بيده من الملامسة، فمن قبَّل امرأته، أو جسها بيده فعليه الوضوء. أخرجه مالك في "الموطأ"، قال الشافعي: وبلغنا عن ابن مسعود مثله.
وقال مالك والليث بن سعد وأحمد وإسحاق: إذا كان اللمس بشهوة.. انتقض الوضوء، وإن لم يكن بشهوة.. فلا، ويدل عليه ما روى عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله - ﷺ - قبل امرأة من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قال عروة: ومن هي إلا أنت فضحكت. أخرجه أبو داود.
وأجيب عن هذا الحديث بأنه ليس بثابت، قال الترمذي: إنه لا يصح إسناده بحال، وسمعت محمَّد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث، وقال: حبيب بن ثابت لم يسمع من عروة، وضعف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث، وقال: هو شبه لا شيء، وفيه ضعف من وجه آخر، وهو أن عروة هذا ليس بعروة بن الزبير ابن أخت عائشة، إنما هو شيخ مجهول، قال البيهقي: يعرف بعروة المزني.
وإنما المحفوظ عن عائشة أن النبي - ﷺ - كان يقبل وهو صائم، كذا رواه الثقات عن عائشة.
وقال أبو حنيفة: لا ينتقض الوضوء باللمس إلا أن يحدث الانتشار، وقال قوم: لا ينتقض بحال، وهو قول ابن عباس، وبه قال الحسن والثوري.
واحتج من لم يوجب الوضوء باللمس بما روى عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله، ورجلاي في قِبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح). أخرجاه في "الصحيحين".
وأجاب من أوجب الوضوء باللمس عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون غمزه لها بحائل.
الفصل الثاني
اختلف قول الشافعي في لمس المحرم، كالأم والبنت والأخت أو أجنبية
صغيرة، فأصح القولين عنه: أنه لا ينتقض الوضوء به، والثاني: أنه ينتقض الوضوء به، ومأخذ القولين عند أصحاب الشافعي التردد بين التعلق بعموم الآية في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، أو النظر إلى المعنى في النقض باللمس، وهو تحرك الشهوة، فإن أخذنا بعموم الآية.. فينتقض الوضوء بلمس المحارم، وإن أخذنا بالمعنى.. فلا ينتقض، وفي الملموس قولان، والملموس هو الذي لا فعل منه في المباشرة رجلًا كان أو امرأة، واللامس هو الفاعل للمس، وإن لم يقصد المباشرة.
فأحد القولين: أنه ينتقض وضوء اللامس والملموس لعموم الآية؛ لأنه لمس وقع بين الرجل والمرأة فينتقض وضوؤهما معًا.
والقول الثاني: أنه ينتقض وضوء اللامس دون الملموس؛ لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "فقدت رسول الله - ﷺ - ليلة من الفراش فالتمسته فوضعت يدي على أخمص قدميه وهو ساجد وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". أخرجه مسلم.
فلو انتقض وضوؤه - ﷺ - لقطع الصلاة، ولو لمس شعر امرأة أو سنها أو ظفرها، فلا وضوء عليه.
الفصل الثالث في الحدث
وهو الخارج من السبيلين، عينًا كان كالبول والغائط، أو أثرًا كالريح ونحوها، فإذا حصل شيء من ذلك.. فلا تصح صلاته، ما لم يتوضأ أو يتيمم عند عدم الماء؛ لما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"، فقال رجل من أهل حضرموت: ما الحدثُ يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط. أخرجاه في "الصحيحين".
أما خروج النجاسة من غير السبيلين، كالفصد والحجامة والرعاف والقيء
ونحوها: فذهب قوم إلى أنه لا وضوء من خروج هذه الأشياء، يروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وبه قال عطاء وطاووس، والحسن وابن المسيب، وإليه ذهب مالك والشافعي؛ لما روي عن أنس قال: احتجم رسول الله - ﷺ -، فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه. أخرجه الدارقطني.
وذهب قوم إلى إيجاب الوضوء من ذلك، منهم سفيان الثوري، وابن المبارك، وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق، واتفق هؤلاء على أن خروج القليل منه لا ينقض، ويدل على انتقاض الوضوء بخروج هذه الأشياء ما روي عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء: أن النبي - ﷺ - قاء فتوضأ، قال معدان: فلقيت ثوبان في مسجد دمشق، فذكرت له ذلك، فقال: صدق، أنا صببت له وضوءه، أخرجه الترمذي، وقال: هو أصح شيء في هذا الباب.
الفصل الرابع
من نواقض الوضوء: زوال العقل بجنون أو إغماء أو نوم؛ لما روي عن علي قال: قال رسول الله - ﷺ -: "العين وكاء السه، فمن نام.. فليتوضأ". أخرجه أبو داود وابن ماجه.
ويستثنى من ذلك النوم اليسير قاعدًا مفضيًا بمحل الحدث إلى الأرض، ويدل على ذلك ما روي عن أنس قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - ينتظرون العشاء الأخيرة، حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون. أخرجه أبو داود.
وذهب قوم إلى أن النوم لا ينقض الوضوء بكل حال، وهو قول أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما، وبه قال الحسن وإسحاق والمزني، وذهب قوم إلى أنه لو نام قائمًا أو قاعدًا أو ساجدًا وهو في الصلاة.. فلا وضوء عليه حتى يضطجع، وبه قال سفيان الثوري، وابن المبارك، وأصحاب الرأي، لما روي عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: "ليس على من نام ساجدًا وضوء، حتى يضطجع، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله". أخرجه أحمد ابن حنبل وضعف بعضهم هذا الحديث.
الفصل الخامس
من نواقض الوضوء مس الفرج من نفسه أو غيره، فذهب قوم إلى أنه يوجب الوضوء، وهو قول عمر وابن عمر وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وعائشة - رضي الله عنهم - وبه قال سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق، غير أن الشافعي قال: ينتقض الوضوء إذا لمس ببطن الكف، والرجل والمرأة في ذلك سواء، ويدل على ذلك ما روي عن بسرة بنت صفوان، أن رسول الله - ﷺ - قال: "من مس ذكره.. فلا يصلِّ حتى يتوضأ"، أخرجه الترمذي، وقال حديث صحيح ولأبي داود والنسائي نحوه.
وعن أم حبيبة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من مس فرجه فليتوضأ". أخرجه ابن ماجه وصححه أحمد وأبو زرعة.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - ﷺ - قال: "من أفضى بيده إلى ذكره، وليس دونه ستر.. فقد وجب عليه الوضوء" أخرجه أحمد ابن حنبل.
وذهب قوم إلى أن مس الذكر لا يوجب الوضوء، وهو قول علي وابن مسعود وأبي الدرداء وحذيفة، وبه قال الحسن: وإليه ذهب الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي، واحتجوا بما روي عن طلق بن علي قال: قدمنا على رسول الله - ﷺ -، فجاءه رجل كأنه بدوي، فقال: يا نبي الله، ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما توضأ؟ قال: "هل هو إلا مضغة منه؟ " أو قال: "بضعة منه". أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي نحوه بمعناه.
وأجاب من أوجب الوضوء على من مس الذكر عن حديث طلق بن علي، بأن قدومه على رسول الله - ﷺ - كان في أول الهجرة، وهو يبني المسجد، وأبو هريرة رضي الله عنه من آخرهم إسلامًا وقد روى بانتقاض الوضوء بمس الذكر، فصار حديث أبي هريرة رضي الله عنه ناسخًا لحديث طلق بن علي، وأيضًا فإن حديث طلق يرويه عنه ابنه قيس بن طلق، وهو ليس بالقوي عند أهل الحديث.
الفصل السادس: في التيمم وأركانه
التيمم لغة: القصد، ومنه قول بعضهم:
تَيَمَّمْتُكُم لَمَّا فَقَدْتُ أُولِيْ النُّهَى وَمَنْ فَقَدَ المَاءَ تَيَمَّمَ بِالتُّرْبِ
وشرعًا: إيصال التراب إلى الوجه واليدين بشرائط مخصوصة، وأركانه خمسة:
الأول: تراب طاهر خالص له غبار يعلق بالوجه واليدين، ويجوز بالرمل إذا كان عليه غبار.
الثاني: قصد الصعيد، فلو تعرض لمهب الريح.. لم يكفه، ولو يممه غيره بإذنه مع عجزه جاز، وإن كان قادرًا فوجهان.
الثالث: نقل التراب إلى الوجه واليدين.
الرابع: نية استباحة الصلاة، فلو نوى رفع الحدث.. لم يصح، وأكمله أن ينوي استباحة الفرض والنفل.
الخامس: مسح الوجه واليدين إلى المرفقين بضربتين والترتيب.
ولا يصح التيمم لصلاة إلا بعد دخول وقتها، ولا يجوز الجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد، وهو قول علي وابن عباس وابن عمر، وبه قال الشعبي والنخعي وقتادة، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وذهب جماعة إلى أن التيمم كالوضوء فيجوز تقديمه على الوقت، ويجوز أن يصلي به ما شاء من النوافل قبل الفرض وبعده إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى، وأن يقرأ القرآن إن كان جنبًا ويشترط طلب الماء في السفر؛ بأن يطلبه في رحله وعند رفقته، ان كان في صحراء ولا حائل دون نظره.. نظر حواليه، وإن كان دون نظره حائل قريب من تل أو جدار أو نحوه.. عدل عنه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، ولا يقال لم يجد إلا لمن طلب، ولا يشترط الطلب عند أبي حنيفة، فإن رأى الماء ولا يقدر عليه؛ لمانع من عدو، أو سبع يمنعه من الذهاب إليه، أو كان الماء في بئر وليس معه آلة الاستقاء.. فهو كالعادم، فيتيمم ويصلي ولا إعادة عليه. والله أعلم.
الإعراب
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾.
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة مسوقة (١) لبيان الأحكام المتعلقة بحقوق الوالدين والأقارب ونحوهم، إثر بيان الأحكام المتعلقة بحقوق الأزواج، وصدر بما يتعلق بحقوق الله عَزَّ وَجَلَّ التي هي آكد الحقوق، وأعظمها تنبيهًا، على عظم شأن حقوق الوالدين بنظمهما في سلكها، كما في سائر المواقع. ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تُشْرِكُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بلا الناهية، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاعْبُدُوا﴾. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تُشْرِكُوا﴾، ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به منصوب؛ أي: لا تشركوا به شيئًا من الأشياء صنمًا أو غيره أو منصوب على المفعولية المطلقة؛ أي: لا تشركوا به شيئًا من الإشراك جليًّا أو خفيًّا.
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿بالوالدين﴾: جار ومجرور متعلق بفعل محذوف معطوف على جملة قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾، تقديره: وأحسنوا بالوالدين. ﴿إِحْسَانًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بذلك المحذوف. ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه معطوف على قوله ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾. ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾: معطوفان على ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾. ﴿وَالْجَارِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿الجار﴾: معطوف على ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾، صفة لـ ﴿جار﴾، ومضاف إليه. ﴿وَالْجَارِ﴾: معطوف على ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾. ﴿الْجُنُبِ﴾: صفة لجار؛ لأنه مشتق؛ لأنه اسم فاعل. ﴿وَالصَّاحِبِ﴾: معطوف على ﴿ذي القربى﴾. ﴿بِالْجَنْبِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ﴿الصاحب﴾، تقديره حالة كونه ملتبسًا بالجنب؛ أي: بالقرب بجنبه. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: معطوف على ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾ ومضاف إليه.
(١) الفتوحات.
﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾.
﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل الجر معطوفة على ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾. ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: وما ملكته أيمانكم. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُحِبُّ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة، المعللة لمحذوف تقديره: لا تفتخروا على هؤلاء المذكورين لأن الله لا يحب ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على من الموصولة. ﴿مُخْتَالًا﴾: خبر أول لـ ﴿كَانَ﴾، ﴿فَخُورًا﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿كَانَ﴾: صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد الضمير المستتر في ﴿كَانَ﴾.
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم، عائد على ﴿مَنْ كَانَ مُخْتَالًا﴾، وجمعه اعتبارًا لمعناه، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره في محل النصب بدل من ﴿مَن﴾ الموصولة، في قوله: ﴿لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. ﴿يَبْخَلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿وَيَأمُرُونَ النَّاسَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿يَبْخَلُونَ﴾. ﴿بِالْبُخْلِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَيَأمُرُونَ﴾. ﴿وَيَكْتُمُونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿يَبْخَلُونَ﴾. ﴿مَا آتَاهُمُ﴾: ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿وَيَكْتُمُونَ﴾، ﴿آتَاهُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعل، والمفعول الثاني محذوف تقديره: ما آتاهم الله إياه؛ لأن آتى بمعنى أعطى، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المحذوف. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ﴿مَا﴾ الموصولة، أو من الضمير المحذوف. ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾: فعل وفاعل والجملة
مستأنفة. ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَعْتَدْنَا﴾. ﴿عَذَابًا﴾: مفعول به. ﴿مُهِينًا﴾: صفة له.
﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: في محل الرفع معطوف على ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾؛ أي: وهم الذين ينفقون، ويجوز (١) أن يكون عطفًا على ﴿الكافرين﴾، بناء على إجراء التغاير الوصفي مجرى التغاير الذاتي. ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾. ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾: مفعول لأجله ومضاف إليه، أو حال من فاعل ﴿يُنْفِقُونَ﴾، بتأويله بمشتق تقديره: ينفقون حالة كونهم مرائين الناس، فـ ﴿رِئَاءَ﴾: مصدر مضاف إلى المفعول. ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يُنْفِقُونَ﴾. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به. ﴿وَلَا بِالْيَوْمِ﴾: جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور قبله. ﴿الْآخِرِ﴾: صفة لـ ﴿اليوم﴾.
﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾.
﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ والخبر جملة الشرط أو الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله. ﴿يَكُنِ الشَّيْطَانُ﴾: فعل ناقص واسمه مجزوم بـ ﴿من﴾ الشرطية، على كونه فعل الشرط له. ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿قَرِينًا﴾ وهو خبر ﴿يَكُنِ﴾. ﴿فَسَاءَ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط وجوبًا؛ لكون الجواب جملة جامدية. ﴿سَاءَ﴾: فعل ماض من أفعال الذم، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا؛ لشبهه بالمثل، تقديره: هو يعود على ﴿الشَّيْطَانُ﴾. ﴿قَرِينًا﴾: تمييز له، والجملة في محل الجزم جواب ﴿منْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية: مستأنفة، والمخصوص بالذم محذوف وجوبًا تقديره: هو؛ أي: الشيطان أو القرين.
﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾.
(١) كرخي.
﴿وَمَاذَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. ﴿ذا﴾: اسم موصول بمعنى الذي في محل الرفع خبر. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور صلة الموصول، والجملة مستأنفة. ﴿لَوْ آمَنُوا﴾: ﴿لَوْ﴾ مصدرية. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به. ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: معطوف على الجلالة، والجملة الفعلية صلة ﴿لَوْ﴾ المصدرية، ﴿لَوْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، متعلق بما تعلق به ﴿عَلَيْهِمْ﴾، تقديره: وما الذي استقر عليهم في إيمانهم باللهِ واليوم الآخر، وفي المقام أوجه أخر من الإعراب فراجعها. ﴿وَأَنْفَقُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَأَنْفَقُوا﴾. ﴿رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول أول وفاعل، والمفعول الثاني محذوف تقديره: إياه، وهو العائد على ﴿ما﴾ أو الرابط لها، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِهِمْ﴾: متعلق بقوله ﴿عَلِيمًا﴾، وهو خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾: مستأنفة.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، وجملة ﴿لَا يَظْلِمُ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إنْ﴾، وجملة ﴿إنْ﴾: مستأنفة. ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: مفعول به، ومضاف إليه. ﴿وَإِنْ تَكُ﴾: الواو: استئنافية. ﴿إنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿تَكُ﴾: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية، وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة للتخفيف؛ لأن أصله: وإن تكون، فحذفت الضمة للجازم، والواو لالتقاء الساكنين، والنون للتخفيف، فالحذفان الأولان (١) واجبان، والثالث جائز، و ﴿حَسَنَةٌ﴾: بالرفع فاعلها؛ لأنه من كان التامة؛ أي: وإن تحصل حسنة.. يضاعفها لصاحبها، من عشر إلى سبع مئة ضعف، وفي قراءة النصب ﴿حَسَنَةً﴾ خبر تكون، واسمها ضمير مستتر فيها جوازًا يعود على الذرة؛ أي: وإن تك الذرة حسنة.. يضاعفها، حتى يوافيها صاحبها يوم القيامة وهي كالجبل العظيم.
(١) الكواكب على المتممة.
﴿يُضَاعِفْهَا﴾: فعل ومفعول مجزوم على كونه جواب الشرط، والفاعل ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: مستأنفة، ﴿وَيُؤْتِ﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿يُضَاعِفْهَا﴾، مجزوم بحذف حرف العلة، والفاعل ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والمفعول الأول لآتى محذوف تقديره: ويؤت صاحبها، ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُؤْتِ﴾. ﴿أَجْرًا﴾: مفعول ثان لآتى، ﴿عَظِيمًا﴾: صفة لـ ﴿أَجْرًا﴾.
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾.
﴿فَكَيْفَ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿كيف﴾: اسم للاستفهام التوبيخي والتقريعي، في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: فكيف حالهم أو صنيعهم، والعامل (١) في إذا هو هذا المقدر، أو في محل النصب بفعل محذوف، تقديره: فكيف يكونون أو يصنعون، ويجري فيها الوجهان في نصبها: إما النصب على التشبيه بالحال، كما هو مذهب سيبويه، أو على التشبيه بالظرف، كما هو مذهب الأخفش، وذلك المحذوف هو العامل في إذا أيضًا، وجملة كيف مع العامل المحذوف مستأنفة. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط. ﴿جِئْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾، والظرف متعلق بالعامل المحذوف في ﴿كيف﴾ كما مر آنفًا؛ أي: فكيف يكونون وقت مجيئنا. ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿جِئْنَا﴾، أو حال (٢) من ﴿شهيد﴾ على قول من أجاز تقديم حال المجرور عليه. ﴿بِشَهِيدٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جِئْنَا﴾، ﴿وَجِئْنَا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿جِئْنَا﴾ الأول. ﴿بِكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جِئْنَا﴾. ﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿شَهِيدًا﴾، وهو حال من الكاف في ﴿بِكَ﴾.
﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾.
(١) الجمل.
(٢) العكبري.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿يوم﴾: منصوب على الظرفية وهو مضاف. ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، في محل الجر مضاف إليه، مبني بسكون مقدر، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين؛ لالتقائها ساكنة مع التنوين، والظرف متعلق بـ ﴿يَوَدُّ﴾. ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾: ﴿لَوْ﴾: مصدرية. ﴿تُسَوَّى... الْأَرْضُ﴾: فعل ونائب فاعل، ﴿بِهِمُ﴾: متعلق بـ ﴿تُسَوَّى﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿لَوْ﴾ المصدرية، ﴿لَوْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿يَوَدُّ﴾، تقديره: يودون تسوية الأرض بهم. ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿حَدِيثًا﴾: مفعول ثان، والجملة إما معطوفة على جملة ﴿يَوَدُّ﴾ أو مستأنفة، والتقدير: وهم لا يكتمون الله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾
﴿يَا أَيُّهَا﴾: جملة ندائية مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل الرفع صفة لـ ﴿أي﴾. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾: جازم وفعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب النداء. ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾: مبتدأ وخبر، والجملة حال من فاعل ﴿تَقْرَبُوا﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿تَعْلَمُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد حتى بمعنى إلى، والجملة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾، تقديره: إلى علمكم ما تقولون، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَقْرَبُوا﴾. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿تَعْلَمُوا﴾، ﴿تَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما تقولونه.
﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾.
﴿وَلَا جُنُبًا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿جُنُبًا﴾: حال من فاعل
﴿تَقْرَبُوا﴾، فهو معطوف على جملة قوله ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، فكأنه قيل: لا تقربوا
الصلاة سكارى ولا جنبًا، وهو السر (١) في إعادة لا ليفيد النهي عن كل. ﴿إِلَّا﴾: اسم بمعنى غير صفة لـ ﴿جُنُبًا﴾، ولكن نقل إعرابها إلى ما بعدها؛ لكونها على صورة الحرف. ﴿عَابِرِي﴾: صفة لـ ﴿جُنُبًا﴾، منصوب بالياء وهو مضاف. ﴿سَبِيلٍ﴾: مضاف إليه، والتقدير: لا تقربوا الصلاة جنبًا غير عابري سبيل؛ أي: غير مسافرين؛ أي: حالة كونكم جنبًا مقيمين غير معذورين، وقيل: إنه منصوب على الحال، فهو استثناء مفرغ، والعامل فيها فعل النهي، والتقدير: لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة إلا في حال السفر. ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾: فعل وفاعل، منصوب بأن المضمرة، والمصدر المؤول من أن المقدرة وما بعدها مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾، وهي متعلقة بـ ﴿تَقْرَبُوا﴾، والتقدير: ولا تقربوا الصلاة جنبًا إلى اغتسالكم إلا عابري سبيل. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إن﴾: حرف جزم. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾، ﴿مَرْضَى﴾: خبر كان. ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾: جار ومجرور في محل النصب معطوف على خبر كان، والتقدير: وإن كنتم مرضى أو متلبسين بسفر.
﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾.
﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ معطوف على ﴿كُنْتُمْ﴾. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿أَحَدٌ﴾. ﴿مِنَ الْغَائِطِ﴾: متعلق بـ ﴿جَاءَ﴾. ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، في محل الجزم معطوف على ﴿كُنْتُمْ﴾. ﴿فَلَمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم. ﴿تَجِدُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لم﴾، ﴿مَاءً﴾: مفعول به، ووجد هنا بمعنى وجدان الضالة، فيتعدى لواحد، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، معطوفة على قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، على كونها فعل شرط لها.
﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
﴿فَتَيَمَّمُوا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب
(١) كرخي.
جملة طلبية. ﴿تَيَمَّمُوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو: فاعل. ﴿صَعِيدًا﴾: مفعول به. ﴿طَيِّبًا﴾: صفة له، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية: مستأنفة كما أشرنا إليه سابقًا. ﴿فَامْسَحُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿أمسحوا﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم معطوف على ﴿تَيَمَّمُوا﴾، على كونها جواب الشرط. ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿امسحوا﴾. ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾: معطوف على ﴿وجوهِكم﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿عَفُوًّا﴾: خبر أول لـ ﴿كَانَ﴾، ﴿غَفُورًا﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ من اسمها وخبرها: في محل الجر بلام التعليل المقدرة، المتعلقة بمعلول محذوف، تقديره: وإنما يسر عليكم، ورخص لكم في التيمم؛ لكونه عفوًا غفورًا.
التصريف ومفردات اللغة
﴿ذِي الْقُرْبَى﴾، ﴿الْقُرْبَى﴾: مؤنث الأقرب، كالفضلى مؤنث الأفضل، وهو من قرُب من باب فعل المضموم، ومعناه الجار القريب الجوار أو النسب، ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: ﴿الْجُنُبِ﴾: بضمتين صفة يستوي فيه المفرد والمثنى، والمجموع مذكرًا كان أو مؤنثًا، ومعناه: والجار البعيد القرابة أو الجوار، ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: ﴿الْجُنُبِ﴾: بالفتح والسكون الناحية والجانب، ﴿مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ المختال: اسم فاعل من اختال يختال، إذا تكبر وأعجب بنفسه، وألفه منقلبة عن ياء؛ لأنه من خال يخيل، وفي "المصباح": وسميت الخيل خيلًا لاختيالها، وهو إعجابها بنفسها مرحًا، ومنه يقال اختال الرجل وبه خيلاء، وهو الكبر والإعجاب انتهى.
﴿فَخُورًا﴾: صيغة مبالغة من الفخر، وهو عد مناقب الإنسان ومحاسنه، وفي "المصباح": أيضًا فخرت به فخرًا من باب نفع، وافتخر به مثله، والاسم الفخار، وهو المباهاة بالمكارم والمناقب من حسب ونسب، وغير ذلك، إما في المتكلم أو في آبائه انتهى. فالمختال: ذو الخيلاء والكبر، يأنف من أقاربه
وجيرانه وأصحابه ومماليكه، أو لا يلتفت إليهم، والفخور الذي يعدد محاسنه من العلم والمال والجاه تعاظمًا وتكبرًا، ﴿مُهِينًا﴾؛ أي: ذا الإهانة والذلة اسم فاعل من أهان الرباعي.
﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾: القرين: المصاحب الملازم، وهو فعيل بمعنى مفاعل، كالخليط والجليس، والقرين أيضًا الحبل؛ لأنه يقرن به بين البعيرين، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: ظلم من باب ضرب، يتعدى لمفعول واحد، وذلك الواحد محذوف تقديره: لا يظلم أحدًا، وينتصب مثقال على أنه نعت لمصدر محذوف؛ أي: ظلمًا وزن ذرة، كما تقول: لا أظلم قليلًا ولا كثيرًا، وقيل: ضمن معنى ما يتعدى لاثنين، فانتصب مثقال على أنه مفعول ثان، والأول محذوف كما قدرنا، والتقدير: لا ينقص أحدًا مثقال ذرة من الخير أو الشر، كما ذكره أبو حيان، والمثقال، أصله المقدار الذي له ثقل مهما قل ثم أطلق على المعيار المخصوص للذهب وغيره، والذرة أصغر ما يدرك من الأجسام، ومن ثم قالوا: إنها النملة، أو رأسها أو الخردلة أو الهباء ما يظهر من نور الشمس الداخل من الكوة، ولذلك روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه أدخل يده في التراب، ثم نفخ فيه، فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة.
﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾: السكارى - بفتح السين وضمها - جمع سكران، مؤنثه سكرى، ويقال في لغة بني أسد: سكرانة، وفعله سكر من باب طرب، والسكر لغة: السد، ومنه قيل لما يعرض للمرء من شرب المسكر؛ لأنه يسد ما بين المرء وعقله، وأكثر ما يقال السكر، لإزالة العقل بالمسكر، وقد يقال ذلك؛ لإزالته بالغضب، ونحوه من عشق وغيره، والسكر - بفتح السين وسكون الكاف - حبس الماء، وبالكسر نفس الموضع المسدود، وأما السكر - بفتحهما - فما يسكر به من المشروب، ومنه قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾.
﴿وَلَا جُنُبًا﴾: الجنب يطلق على المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، كما مر آنفًا؛ لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب، ويقال رجل جنب، ورجلان جنب، ورجال جنب، وامرأة جنب، وامرأتان جنب،
ونساء جنب، قاله الكرخي، ومثله أبو حيان، وهو المشهور في اللغة والفصيح، وبه جاء القرآن، وقد جمعوه جمع سلامة بالواو والنون، فقالوا: قوم جنبون، وجمع تسكير فقالوا: قوم أجناب، وأما تثنيته فقالوا: جنبان.
﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾: الغائط - بزنة فاعل - المنحفض من الأرض كالوادي، وأهل البادية والقرى الصغيرة يقصدونه عند قضاء الحاجة، للستر والاستخفاء عن الناس، ثم عبر به عن نفس الحدث، كناية للاستحياء عن ذكره، وفرقت العرب بين الفعلين منه، فقالت: غاط في الأرض إذا ذهب وأبعد، إلى مكان لا يراه إلا من وقف عليه، وتغوط إذا أحدث.
وقرأ ابن مسعود: ﴿من الغيط﴾ وفيه قولان:
أحدهما: وإليه ذهب ابن جني، أنه مخفف من فيعل، كهين وميت في هين وميت.
الثاني: أنه مصدر على وزن فعل يقال غاط يغيط غيطًا، وغاط يغوط غوطًا، وقال أبو البقاء: هو مصدر تغوط، فكان القياس غوطًا، فقلبت الواو ياء، وإن سكنت وانفتح ما قبلها لخفتها، كأنه لم يطلع على أن فيه لغة أخرى من ذوات الياء حتى ادعى ذلك.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والبيان والبديع (١):
منها: التجوز بطلاق الشيء على ما يقاربه في المعنى، في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ﴾ أطلق الظلم على انتقاص الأجر، من حيث إن نقصه عن الموعود به قريب في المعنى من الظلم.
ومنها: التنبيه بما هو أدنى على ما هو أعلى في قوله: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾.
(١) البحر المحيط.
ومنها: الإبهام في قوله: ﴿يُضَاعِفْهَا﴾؛ إذ لم يبين فيه المضاعفة في الأجر.
ومنها: السؤال عن المعلوم لتوبيخ السامع أو تقريره لنفسه في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا﴾.
ومنها: العدول من بناء إلى بناء لمعنىً في قوله: ﴿بِشَهِيدٍ﴾، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿بِشَهِيدٍ﴾، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾.
ومنها: التجوز بإطلاق المحل على الحال فيه في قوله: ﴿مِنَ الْغَائِطِ﴾.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
ومنها: التقديم والتأخير في قوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾.
ومنها: الحذف في عدة مواضع مثل: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾؛ أي: أحسنوا إلى الوالدين إحسانًا، ذكره أبو حيان في "البحر المحيط".
ومنها: التعريض في قوله: ﴿مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ عرض بذلك إلى ذم الكبر المؤدي إلى احتقار الناس وإهانتهم.
ومنها: الإطناب في قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾، ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ حيث كرر الباء، بخلاف نظيره في سورة البقرة فإنه لم يكرر فيه الباء، وفائدة إعادتها ثانيًا التأكيد؛ لأن (١) هذه الآية في حق هذه الأمة، فالاعتناء بها أكثر، وإعادة الباء تدل على زيادة التأكيد، فناسب ذلك هنا، بخلاف آية البقرة؛ فإنها في حق بني إسرائيل، والمراد بهذه الجملة الأمر بالإحسان، وإن كانت خبرية، كقوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. اهـ "سمين".
ومنها: التغليب في قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، حيث عبر بما دون
(١) الجمل.
﴿من﴾؛ لأنها لغير العاقل، نظرًا لجانب الكثرة؛ لأن المملوك يشمل جميع الحيوانات من عبيد وإماء وغيرهم، فالحيوانات غير الأرقاء أكثر في يد الإنسان من الأرقاء، فغلب جانب الكثرة، وأمر الله سبحانه وتعالى بالإحسان إلى كل مملوك آدمي وغيره.
ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾؛ لأن مقتضى السياق أن يقال وأعتدنا لهم، فوضع الظاهر موضع المضمر، إشعارًا بأن من هذا شأنه فهو كافر بنعمة الله تعالى، ومن كان كافرًا بنعمته فله عذاب يهينه، كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء، فتلخص أن الكافرين هنا بمعنى الجاحدين.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ حيث كرر ﴿لا﴾، وكذلك الباء إشعارًا (١) بأن الإيمان بكل منهما منتف على حدته، فلو قلت: لا أضرب زيدًا وعمرًا.. احتمل نفي الضرب عن المجموع، ولا يلزم منه نفي الضرب عن كل واحد على انفراده، واحتمل نفيه عن كل واحد بانفراده، وإن قلت: ولا عمرًا.. تعين هذا الثاني.
ومنها: تغليب الخطاب على الغيبة في قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ لأن الضمير فيه عائد لكل من تقدم، من مريض ومسافر ومتغوط ولامس أو ملامس، وفيه تغليب للخطاب على الغيبة، وذلك أنه تقدم غيبة في قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾. وخطاب في: ﴿كُنْتُمْ﴾ و ﴿لمستم﴾، فغلب الخطاب في قوله ﴿كُنْتُمْ﴾ وما بعده عليه، وما أحسن ما أتى به هنا بالغيبة لأنه كناية عما يستحيا منه، فلم يخاطبهم به، وهذا من محاسن الكلام، ومثله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
(١) الجمل.
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾.
المناسبة
٤٤ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (١): أنه تعالى لما ذكر شيئًا من أحوال الآخرة، وأن الكفار إذ ذاك يودون لو تسوى بهم الأرض، ولا يكتمون الله تعالى حديثًا وجاءت هذه
(١) البحر المحيط.
الآية بعد ذلك كالاعتراض بين ذكر أحوال الكفار في الآخرة، وذكر أحوالهم في الدنيا، وما هم عليه من معاداة المؤمنين، وكيف يعاملون رسول الله - ﷺ -، الذي يأتي شهيدًا عليهم وعلى غيرهم، ولما كان اليهود أشد إنكارًا للحق، وأبعد من قبول الخير، وكان قد تقدم أيضًا: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ...﴾، وهم أشد الناس تحليا بهذين الوصفين.. أخذ يذكرهم بخصوصيتهم.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): هو أنه تعالى لما رجاهم بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا...﴾ الآية. خاطب من يرجى إيمانه منهم بالأمر بالإيمان، وقرن بالوعيد البالغ على تركه؛ ليكون أدعى لهم إلى الإيمان والتصديق به، ثم أزال خوفهم من سوء الكبائر السابقة بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ...﴾ الآية، وأعلمهم أن تزكيتهم أنفسهم بما لم يزكهم به الله تعالى لا ينفع.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٢): أنه سبحانه وتعالى لما هدد اليهود على الكفر، وتوعدهم عليه بأشد الوعيد، كطمس الوجوه، والرد على الأدبار، ثم بين أن ذلك الوعيد واقع لا محالة بقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾.. ذكر هنا أن هذا الوعيد وشديد التهديد إنما هو لجريمة الكفر، فأما سائر الذنوب سواه فالله تعالى قد يغفرها، ويتجاوز عن زلاتها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر (٣) في الآية السالفة: أن ممن دعوا إلى التصديق بالأنبياء فريق نأى وأعرض عن اتباع الحق، ثم توعد من أعرض بسعير جهنم.. فَصَّل هنا الوعيد بذكر أحوال الفريقين، وما يلاقيه كل منهم من الجزاء يوم القيامة.
(١) البحر المحيط.
(٢) المراغي.
(٣) المراغي.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ...﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما أخرجه ابن إسحاق عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود، وإذا كلم رسول الله - ﷺ -.. لوى لسانه، وقال: أرعنا سمعك يا محمَّد حتى نفقهك، ثم طعن في الإِسلام دعابة، فأنزل الله فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن إسحاق عن ابن عباس قال: كلم رسول الله - ﷺ - رؤساء من أحبار اليهود، منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسيد، فقال لهم: "يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق"، فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمَّد، فأنزل الله فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني، عن أبي أيوب الأنصاري قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ -، فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام، قال: "وما دينه؟ "، قال: يصلي ويوحد الله، قال: "استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه"، فطلب الرجل ذلك منه فأبى عليه، فأتى النبي - ﷺ - فأخبره فقال: وجدته شحيحًا على دينه، فنزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس: كانت اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ وأخرج ابن جرير نحوه عن عكرمة ومجاهد وأبي مالك وغيرهم.
(١) لباب النقول.
(٢) لباب النقول.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه أحمد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة.. قالت قريش: ألا ترى إلى هذا الصنوبر - الرجل الفرد الضعيف الذليل بلا أهل وعقب وناصر - المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة وأهل السقاية، قال: أنتم خير منه، فنزلت فيهم: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ وأنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾. وأخرج ابن إسحاق عن ابن عباس قال: كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب وسلَّام بن الحقيق، وأبا رافع، والربيع بن أبي الحقيق، وأبا عمارة، وهوذة بن قيس، وكان سائرهم من بني النضير، فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود، وأهل العلم بالكتب الأولى، فاسألوهم أدينكم خير أم دين محمَّد، فسألوهم فقالوا: دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: قال أهل الكتاب: زعم محمَّد أنه أوتي ما أوتي في تواضع وله تسع نسوة، وليس همه إلا النكاح، فأي ملك أفضل من هذا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ...﴾ الآية. وأخرج ابن سعد عن عمر مولى عمرة نحوه بأبسط منه.
التفسير وأوجه القراءة
بعد (١) أن ذكر الله سبحانه وتعالى في سابق الآيات كثيرًا من الأحكام الشرعية، ووعد فاعلها بجزيل الثواب، وأوعد تاركها بشديد العقاب.. انتقل هنا إلى ذكر حال بعض الأمم، الذين تركوا أحكام دينهم، وحرفوا كتابهم، واشتروا الضلالة بالهدى، لينبه الذين خوطبوا بالأحكام المتقدمة إلى أن الله مهيمن عليهم، كما هيمن على من قبلهم فإذا هم قصروا.. أخذهم بالعقاب الذي رتبه على ترك
(١) المراغي.
أحكام دينه في الدنيا والآخرة، والمؤمنون بالله حقًّا بعد أن سمعوا الوعد والوعيد المتقدمين لا بد أن يأخذوا بهذه الأحكام على الوجه الموصل لهم إلى إصلاح الأنفس، وذلك هو الأثر المطلوب منها، ولن يكون ذلك إلا إذا أخذت بصورها ومعانيها، لا بأخذها بصورها الظاهرة فحسب.
وقد اكتفى بعض الأمم من الدين ببعض رسومه الظاهرة فقط، كبعض اليهود الذين يكتفون ببعض القرابين وأحكام الدين الظاهرة، وهذا لا يكفي في اتباع الدين، والقيام به على الوجه المصلح للنفوس كما أراده الله تعالى، فأرشدنا الله سبحانه وتعالى إلى أن عمل الرسوم الظاهرة في الدين كالغسل والتيمم لا يغني عنهم شيئًا إذا لم يطهروا القلوب، حتى ينالوا مرضاته، ويكونوا أهلًا لكرامته، ولا يكون حالهم كحال بعض من سبقهم من الأمم.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ كلام مستأنف (١)، مسوق لتعجيب المؤمنين من سوء حالهم، والتحذير من موالاتهم، والخطاب فيه لكل من تتأتى منه الرؤية من المؤمنين، وتوجيهه إليه - ﷺ - هنا مع توجيهه فيما بعد إلى الكل للإيذان بكمال شهرة شناعة حالهم، وأنها بلغت من الظهور إلى حيث يتعجب منها كل من يراها، والرؤية هنا بصرية؛ أي: ألم تنظر أيها المخاطب إلى حال هؤلاء الذين أعطوا حظًّا يسيرًا من علم التوراة، والمراد بهم أحبار اليهود حال كونهم ﴿يَشْتَرُونَ﴾؛ أي: يختارون لأنفسهم ﴿الضَّلَالَةَ﴾ وهي البقاء على اليهودية - على الهدى بعد وضوح الآيات لهم على صحة نبوة محمَّد - ﷺ -، وأنه هو النبي العربي المبشر به في "التوراة" و"الإنجيل"، أو يؤثرون تكذيب محمد - ﷺ - على تصديقه؛ ليأخذوا الرشا على ذلك، وتحصل لهم الرياسة كما قاله الزجاج، وإنما ذكر بلفظ الشراء لأنه استبدال شيء بشيء ﴿و﴾ حالة كونهم ﴿وَيُرِيدُونَ﴾، ويقصدون بما فعلوا من الكتمان، ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ أيها المؤمنون، وتخطئوا ﴿السَّبِيلَ﴾؛ أي: طريق الحق ودينه الذي لا طريق سواه، كما هم ظنوا، فتكونوا مثلهم، فهم
(١) الفتوحات.
دائبون على الكيد لكم، ليردوكم عن دينكم إن استطاعوا؛ أي: ويتوصلون إلى إضلال المؤمنين، والتلبيس عليهم لكي يخرجوا عن الإسلام؛ أي: لم يكفهم (١) أن ضلوا في أنفسهم، حتى تعلقت آمالهم بضلالكم أنتم أيها المؤمنون عن سبيل الحق؛ لأنهم علموا أنهم قد خرجوا من الحق إلى الباطل، فكرهوا أن يكون المؤمنون مختصين باتباع الحقِّ، فأرادوا أن تضلوا كما ضلوا هم، كما قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾، وقرأ النخعي: ﴿وتريدون﴾ بالمثناة الفوقية، قيل معناه: وتريدون أيها المؤمنون أن تضلوا السبيل؛ أي: تدعون الصواب في اجتنابهم، وتحسبونهم غير أعداء الله، وقرىء: ﴿أن يضلوا﴾ بالياء وفتح الضاد وكسرها.
والتعبير (٢) بالشراء دون الاختيار للإيماء إلى أنهم كانوا فرحين بما عملوا، ظانين أن الخير كل الخير فيما صنعوا، والتعبير بالنصيب يدل على أنهم لم يحفظوا كتابهم كله، إذ هم لم يستظهروه زمن التنزيل كما حفظ "القرآن"، ولم يكتبوا منه نسخًا متعددة في العصر الأول كما فعلنا، حتى إذا ما فقد بعضها، قام مقامه بعض آخر، بل كان عند اليهود نسخةٌ من التوراة، هي التي كبتها موسى عليه السلام ففقدت، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾.
والخلاصة: أنهم لم يأخذوا الكتاب كله، بل تركوا كثيرًا من أحكامه لم يعملوا بها، وزادوا عليها، والزيادة فيه كالنقص منه، فالتوراة تنهاهم عن الكذب وإيذاء الناس وأكل الربا، وكانوا يفعلون ذلك، وزاد لهم علماؤهم ورؤساؤهم كثيرًا من الأحكام والرسوم الدينية، فتمسكوا بها، وهي ليست من التوراة، ولا مما يعرفونه عن موسى عليه السلام فالذي لم يعملوا به من التوراة قسمان:
أحدهما: ما أضاعوه ونسوه.
وثانيهما: ما حفظوا حكمه، وتركوا العمل به، وهو كثير أيضًا.
(١) البحر المحيط.
(٢) المراغي.
٤٥ - ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى ﴿أَعْلَمُ﴾ منكم ﴿بِأَعْدَائِكُمْ﴾؛ أي: بمن هم أعداؤكم، فأنتم تظنون في المنافقين أنهم منكم، وما هم منكم، فهم يكيدون لكم في الخفاء، ويغشونكم في الجهر، فيبرزون لكم الخديعة في معرض النصيحة، ويظهرون لكم الولاء والرغبة والنصرة، والله أعلم بما في قلوبهم من العدواة والبغضاء، فهو تعالى يعلمكم ما هم عليه، ويخبركم به، وقد أخبركم بعداوتهم لكم، وما يريدون لكم؛ لتكونوا على حذر منهم، ومن مخالطتهم، أو هو أعلم بحالهم ومآل أمرهم، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾؛ أي: وكفاكم الله سبحانه وتعالى عن غيره من جهة كونه ﴿وَلِيًّا﴾ لكم؛ أي: متوليًا لأموركم، ومتصرفًا فيها، ومن كان الله وليه فلا يضره أحد. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾؛ أي: وكفاكم الله سبحانه وتعالى عن غيره من جهة كونه ﴿نَصِيرًا﴾؛ أي: ناصرًا لكم على أعدائكم، فهو تعالى ينصركم عليهم في كل موطن، فثقوا بولايته ونصرته.
أي: فهو (١) يسبحانه وتعالى الذي يرشدكم إلى ما فيه خيركم وفلاحكم، وهو الذي ينصركم على أعدائكم، بتوفيقكم لصالح العمل، والهداية لأسباب النصر من الاجتماع والتعاون وسائر الوسائل، التي تؤدي إلى القوة، فلا تطلبوا الولاية من غيره، ولا النصرة من سواه، وعليكم باتباع السنن التي وضعها في هذه الحياة، ومنها: عدم الاستعانة بالأعداء، الذين لا يعملون إلا لمصالحهم الخاصة كاليهود وغيرهم.
٤٦ - وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ بيان للمراد من الذين أوتوا الكتاب بأنهم يهود ونصارى، وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾: وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ جملتان معترضتان بين البيان والمبين، ثم بين المراد من اشترائهم الضلالة بالهدى، فقال: من الذين هادوا ورجعوا عن عبادة العجل قوم ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ المذكورة في التوراة ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾؛ أي: عن مواضع تلك الكلم؛ أي: يغيرون الكلم التي أنزل الله في التوراة عن مواضعها وهيأتها، التي ذكرها الله تعالى فيها، كتحريفهم في نعت
(١) المراغي.
النبي - ﷺ - أسمر ربعة، فوضعوا مكانه آدم طوال، وتحريفهم الرجم فوضعوا بدله الجلد. وقرىء: ﴿يحرفون الكِلْم﴾ بكسر الكاف وسكون اللام جمع كلمة تخفيف الكَلِمْ. وقرأ النخعي، وأبو رجاء: ﴿يحرفون الكلام﴾ وذكر الضمير في مواضعه مع عوده إلى الكلم، حملًا على معنى الكلم؛ لأنها جنس، قاله: العكبري.
فالتحريف يطلق على معنيين (١):
أحدهما: تأويل القول بحمله على غير معناه الذي وضع له، كما يؤولون البشارات التي وردت في النبي - ﷺ -، ويؤولون ما ورد في المسيح، ويحملونه على شخص آخر، ولا يزالون ينتظرونه إلى اليوم.
وثانيهما: أخذ كلمة أو طائفة من الكلم من موضع من الكتاب ووضعها في موضع آخر، وقد حصل هذا في كتب اليهود، خلطوا ما يؤثر عن موسى بما كتب بعده بزمن طويل، وكذلك ما وقع في كلام غيره من أنبيائهم، واعترف بهذا بعض العلماء من أهل الكتاب، وقد كانوا يقصدون بهذا التحريف الإصلاح في زعمهم، وسبب هذا النوع من التحريف أنه وجدت عندهم قراطيس متفرقة من التوراة، بعد فقد النسخة التي كتبها موسى عليه السلام وأرادوا أن يؤلفوا بينها، فجاء فيها ذلك الخلط بالزيادة والتكرار، كما أثبت ذلك بعض الباحثين من المسلمين.
﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: ويقول هؤلاء اليهود للنبي - ﷺ -: ﴿سَمِعْنَا﴾ قولك ﴿وَعَصَيْنَا﴾؛ أي: خالفنا غيرك، وذلك أنهم كانوا إذا أمرهم النبي - ﷺ - بأمر.. قالوا في الظاهر: سمعنا قولك، وعصينا غيرك، وأما في الباطن: سمعنا قولك وخالفنا أمرك، وقيل إنهم كانوا يظهرون هذا القول عنادًا واستخفافًا، وقد روي عن مجاهد أنهم قالوا للنبي - ﷺ -: سمعنا قولك ولكن لا نطيعك، وكذلك كانوا يقولون له: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾؛ أي: ويقولون في أثناء مخاطبة النبي - ﷺ - خاصة كلامًا ذا وجهين، محتملًا للخير والمدح وللشر والذم، فأما معناه في المدح فإنهم يقولون: واسمع منا كلامنا حالة كونك غير مسمع منا مكروهًا لا يوافقك،
(١) المراغي.
وأما معناه في الذم: فإنهم يقولون: واسمع منا كلامنا حالة كونك غير مسمع كلامًا أصلًا لصمم أو موت، وهو دعاء منهم عليه بالموت، أو بذهاب سمعه، أو غير مسمع جوابًا يوافقك فكأنك ما أسمعت شيئًا؛ أي: يخاطبون النبي - ﷺ - استهزاء به، مظهرين للنبي - ﷺ - إرادة المعنى الأول؛ أعني: الخير وهم مضمرون في أنفسهم المعنى الأخير؛ أعني: الشر والدعاء عليه.
وكذلك كانوا يقولون للنبي - ﷺ - في أثناء خطابهم له: ﴿وَرَاعِنَا﴾ وهي كلمة ذات وجهين، محتملة للخير إذا حملت على معنى اصرف سمعك إلى كلامنا، وأنصت لحديثنا وتفهم، أخذًا من المراعاة بمعنى المحافظة، وللشر إذا حملت على السب بالرعونة والحمق، بمعنى اشملنا وأفدنا رعونتك وحمقك، أو حملت على أنهم يريدون أنك يا محمَّد ترعى أغنامًا لنا، بمعنى كن راعيًا أغنامنا.
﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾؛ أي: يقولون ذلك في مخاطبتهم له - ﷺ - ليًّا وفتلًا وصرفًا بألسنتهم عن الحق، الذي هو أطعنا واسمع وانظرنا إلى الباطل، الذي هو عصينا، واسمع غير مسمع، وراعنا وطعنًا في الدين؛ أي: يقولون ذلك طعنًا في دين الإِسلام، بقولهم لأصحابهم إنما نشتمه ولا يعرف، ولو كان نبيًّا لعرف ذلك، فأطلعه الله تعالى على خبيث ضمائرهم، وما في قلوبهم من العداوة والبغضاء؛ أي: يقولون ذلك لصرف الكلام عن نهجه، وللقدح في دين الإِسلام بالاستهزاء والسخرية، أو المعنى: هم (١) يلوون ألسنتهم فيجعلونها في الظاهر راعنا، وبلَيِّ اللسان وإمالته - راعينا - قصدًا منهم للسباب والشتم والسخرية، أو جعله راعيًا من رعاة الغنم، أو من الرعونة، أو من تحريف اللسان وليِّه في خطابهم النبي - ﷺ - وتحيته بقولهم: السام - الموت - عليكم، يوهمون بفتل اللسان وليه أنهم يقولون له: السلام عليكم، وقد ثبت هذا في صحيح الأحاديث، كما ثبت أن النبي - ﷺ - بعد أن علم منهم ذلك كان يجيبهم بقوله: وعليكم؛ أي: الموت على كل أحد منكم.
قال ابن عطية (٢): وهذا اللي باللسان إلى خلاف ما في القلب موجود حتى
(١) المراغي.
(٢) البحر المحيط.
الآن في بني إسرائيل، ويحفظ في عصرنا أمثلة إلا أنه لا يليق ذكرها بهذا الكتاب انتهى. وهو يحكى عن يهود الأندلس، وقد شاهدناهم وشاهدنا يهود ديار مصر على هذه الطريقة، وكأنهم يربون أولادهم الصغار على ذلك، ويحفظونهم ما يخاطبون به المسلمين، مما ظاهره التوقير ويريدون التحقير.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا﴾ باللسان أو بالحال عند سماع شيء من أوامر الله تعالى ونواهيه: ﴿سَمِعْنَا﴾ قولك ﴿وَأَطَعْنَا﴾ أمرك، بدل قولهم سمعنا وعصينا، لعلمهم بصدقك، ولوجود الأدلة والبينات المتظاهرة على ذلك، وكذلك لو قالوا ﴿وَاسْمَعْ﴾ منا ما نقول ﴿وَانْظُرْنَا﴾؛ أي: انظر إلينا أو أمهلنا وانتظرنا بمعنى أفهمنا، ولا تعجل علينا حتى نفهم عنك ما تقول، بدل قولهم: واسمع غير مسمع وراعنا، ﴿لَكَانَ﴾ قولهم هذا ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ من ذلك السابق عند الله يسبحانه وتعالى، ﴿وَأَقْوَمَ﴾؛ أي: أصوب وأعدل مما قالوه، لما فيه من الأدب والفائدة وحسن العاقبة، وقال أبو حيان: والحاصل أنهم لو تبدلوا بالعصيان الطاعة، ومن الطاعة الإيمان بك، واقتصروا على لفظ اسمع، وتبدلوا براعنا قولهم وانظرنا، فعدلوا عن الألفاظ الدالة على عدم الانقياد، والموهمة إلى ما أمروا به، لكان؛ أي: ذلك القول خيرًا لهم عند الله تعالى وأقوم؛ أي: أعدل وأصوب، وقرأ أبي: ﴿وَأنْظِرْنَا﴾ من الإنظار وهو الإمهال، ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى؛ أي: خذلهم وطردهم وأبعدهم عن الرحمة والطاعة والهدى، ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾، أي: بسبب كفرهم باللهِ وبمحمد - ﷺ - بذلك القول وبغيره؛ إذ مضت سنة الله في البشر بأن الكفر يمنع صاحبه من التفكر والتروي والأدب في الخطاب، ويجعله بعيدًا من الخير والرحمة، فلا يمتُّ - يصل - إليهما بسبب، ولا يصل إليهما برحم ولا نسب.
﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: فهم (١) لا يؤمنون إلا إيمانًا قليلًا غير نافع لهم لا يعتد به، فهو لا يصلح عملًا، ولا يطهر نفسًا، ولا يرقي عقلًا، ولو كان
(١) المراغي.
إيمانهم بنبيهم وكتابهم إيمانًا كاملًا.. لهداهم إلى التصديق بمن جاء مصدقًا لما معهم من الكتاب، وبين لهم ما نسوا منه، وما حرفوا فيه، كما جاء بمكارم الأخلاق، والسنن الكاملة في الاجتماع والتشريع، ولو اتبعوه.. كانوا على الهدى والرشاد، وعلى الحق والسداد، وقيل (١): المعنى لا يؤمنون إلا زمانًا قليلًا وهو زمان الاحتضار، فلا ينفعهم الإيمان وقتئذ، وبعضهم جعل قليلًا مستثنى من الهاء في لعنهم؛ أي: إلا نفرًا قليلًا، فلا يلعنهم الله لأنهم لم يفعلوا ذلك، بل كانوا مؤمنين كعبد الله بن سلام وأصحابه.
٤٧ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾؛ أي: يا أيها اليهود والنصارى، الذين أعطوا "التوراة" و"الإنجيل" ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾؛ أي: صدقوا واتبعو "القرآن"، الذي نزلنا على عبدنا محمَّد - ﷺ -، حالة كون "القرآن" المنزل على محمَّد - ﷺ - ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾؛ أي: موافقًا "للتوراة" و"الإنجيل" اللذين معكم، في الدعوة إلى التوحيد، والأمر بالابتعاد عن الشرك، وفي القصص والمواعيد، والأمر بالعدل بين الناس، والنهي عن المعاصي والفواحش، ما ظهر منها وما بطن، وتلك هي أصول الدين وأركانه، والمقصد الأسمى من إرسال جميع الرسل، ولا خلاف بينهم في ذلك، وإنما الخلاف في التفاصيل، وطرق حمل الناس عليها، وهدايتهم بها، وترقيتهم في معارج الفلاح، بحسب السنن التي وضعها الله تعالى في ارتقاء البشر، بتعاقب الأجيال واختلاف الأزمان.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾؛ أي: من قبل أن نمحو تخطيط صورها، من عين وحاجب وأنف وفم، وقرأ الجمهور: ﴿نَطْمِسَ﴾ بكسر الميم، وقرأ أبو رجاء: بضمها وهما لغتان، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾؛ أي: فنجعلها على هيئة أقفائها؛ أي: آمنوا من قبل أن يحل بكم العقاب، من طمس الوجوه، والرد على الأدبار، أو من قبل أن نطمس وجوه مقاصدكم، التي توجهتم إليها من كيد الإِسلام، ونردها خاسرة إلى الوراء، بإظهار الإِسلام ونصره عليكم، وقد كان لهم
(١) المراح.
عند نزول الآية شيء من المكانة والقوة والعلم والمعرفة.
وجعل بعضهم الرد على الأدبار حسيًّا؛ فقال: نردهم على أدبارهم بالجلاء إلى فلسطين والشام، وهي بلادهم التي جاءوا منها.
وخلاصة المعنى: آمنوا قبل أن نعمي عليكم السبيل، بما نبصِّر المؤمنين شؤونكم، ونغريهم عليكم، فتردوا على أدباركم بأن يكون سعيكم إلى ما ليس بخير لكم.
وقوله: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ فيه التفات؛ لأن الضمير فيه عائد على أهل الكتاب، والمعنى: يا أهل الكتاب آمنوا من قبل أن نلعنكم ونخذلكم بالمسخ والطرد عن رحمة الله، ﴿كَمَا لَعَنَّا﴾ وخذلنا وطردنا ﴿أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ الذين اعتدوا بصيد السمك في يوم السبت، بمسخهم قردة وخنازير وطردهم عن رحمة الله تعالى، وقال ابن عطية: المراد بأصحاب السبت أصحاب أيلة الذين اعتدوا في السبت بالصيد، وكانت لعنتهم أن مُسخوا خنازير وقردة انتهى.
والخلاصة: آمنوا بما نزلنا على محمَّد - ﷺ -، من قبل أن تقعوا في الخيبة والخذلان، وذهاب العزة باستيلاء المؤمنين عليكم، وإجلائكم من دياركم، كما حدث لطائفة منكم، أو بالهلاك كما وقع بقتل طائفة أخرى وهلاكها، ثم هددهم وتوعدهم بقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ سبحانه وتعالى؛ أي: قضاؤه بإيقاع شيء ما، كالعذاب واللعنة، أو المغفرة والرحمة، ﴿مَفْعُولًا﴾؛ أي: نافذًا لا محالة، وهذا إخبار عن جريان عادة الله في الأنبياء المتقدمين، أنه تعالى مهما أخبرهم بإنزال العذاب على الكفار فعل ذلك لا محالة.
والخلاصة: أنه يقول لهم: أنتم تعلمون أن وعيد الله للأمم السالفة قد وقع ولا محالة، فاحترسوا وكونوا على حذر من وعيده لكم، فإنه نافذ لا محالة، لا رادَّ لحكمه، ولا ناقض لأمره، فلا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله،
٤٨ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾؛ أي: لا يغفر الإشراك والكفر به، سواء كان إشراك الربوبية، أو إشراك الألوهية أي: لا يغفر الإشراك لمن
اتصف به، ومات عليه بلا توبة ولا إيمان، وفي الآية كلام مستأنف مسوق لتقرير ما قبله من الوعيد، وتأكيد وجوب الامتثال بالأمر بالإيمان ببيان استحالة المغفرة بدونه.
واعلم (١): أن الشرك باللهِ ضربان:
١ - شرك في الألوهية، وهو الشعور بسلطة وراء الأسباب والسنن الكونية لغير الله تعالى.
٢ - شرك في الربوبية، وهو الأخذ بشيء من أحكام الدين بالتحليل والتحريم عن بعض البشر دون الوحي، وهذا ما أشار إليه الكتاب الكريم بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾، وقد فسر النبي - ﷺ - اتخاذهم أربابًا، بطاعتهم واتباعهم في أحكام الحلال والحرام.
وقد سرى الشرك في الألوهية والربوبية إلى بعض المسلمين منذ قرون كثيرة، وفي الآية إيماء إلى تسمية أهل الكتاب بالمشركين، وكأنه يقول لهم: لا يغرنكم انتماؤكم إلى الكتب والأنبياء، وقد هدمتم أساس الدين بالشرك الذي لا يغفره الله تعالى بحال.
والحكمة في عدم مغفرة الشرك أن الدين إنما شرع لتزكية النفوس، وتطهير الأرواح، وترقية العقول، والشرك ينافي كل هذا؛ لأنه منتهى ما تهبط إليه العقول، ومنه تتولد سائر الرذائل، التي تفسد الأفراد والجماعات.
وبالتوحيد يعتق المرء من رق العبودية لأحد من البشر، أو لشيء من الأشياء السماوية أو الأرضية، ويكون حرًّا كريمًا، لا يخضع إلا لمن خضعت لسننه الكائنات، بما أقامه من ربط الأسباب بالمسببات.
والخلاصة: أن أرواح الموحدين تكون راقية، لا تهبط بها الذنوب إلى
(١) المراغي.
الحضيض الذي تهوي إليه أرواح المشركين، إذ مهما عمل المشرك من الطيبات.. فإن روحه تبقى مظلمة بالعبودية والخضوع لغير الله، ومهما أذنب الموحدون.. فإن ذنوبهم لا تحيط بأرواحهم، إذ خيرهم يغلب شرهم، ولا يبعد بهم الأمد وهم في غفلة عن ربهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾، فهم يسرعون إلى التوبة، ويتبعون السيئة بالحسنة، حتى يذهب أثرها من النفس، وذلك هو غفرانها.
﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: ويغفر سبحانه وتعالى ما دون ذلك الإشراك المذكور في القبح من المعاصي صغيرة كانت أو كبيرة، عملية كانت أو قولية، تفضلًا منه وإحسانًا ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ المغفرة له من عباده الذين أذنبوا ذنبًا دون الشرك، ومشيئة الله سبحانه وتعالى تكون على وفق حكمته، وعلى مقتضى سنته في خليقته، وقد جرت سنته بأن لا يغفر الذنوب التي لا يتوب صاحبها ولا يتبعها بالحسنات، التي تزيل آثارها من نفس فاعلها.
وقصارى ذلك: أن الشرك لإفساده للنفوس يترتب عليه العقاب حتمًا في الدنيا والآخرة، وما عداه لا يصل إلى درجته في إفساد النفوس، فمغفرته ممكنة تتعلق بها المشيئة الإلهية، فمنه ما يكون تأثيره السيء في النفوس قويًّا، ومنه ما يكون ضعيفًا، يغفر بالتأثير بصالح العمل.
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: ومن يجعل لغير الله شركة مع الله سبحانه وتعالى، قيوم السموات والأرض، سواء أكانت الشركة بالإيجاد، أو بالتحليل والتحريم، ﴿فَقَدِ افْتَرَى﴾ واختلق وفعل ﴿إِثْمًا عَظِيمًا﴾؛ أي: إثما كبيرًا عظيم الضرر غير مغفور إن مات عليه، تُستصغر في جنب عظمته جميع الذنوب والآثام، فهو جدير بأن لا يغفر، وما دونه قد يمحى بالغفران.
٤٩ - والاستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: ألم تنظر إليهم يا محمَّد، أو أيها المخاطب استفهام تعجيب؛ أي: إيقاع المخاطب وحمله على التعجب من حالهم المنافية لما هم عليه من الكفر والطغيان، والمراد بهم اليهود والنصارى، الذي يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه؛ أي: انظر واعجب يا محمَّد، أو أيها المخاطب من حال اليهود والنصارى، الذين يمدحون أنفسهم؛ أي:
تعجب من ادعائهم أنهم أزكياء بررة عند الله تعالى، مع ما هم عليه من الكفر وعظيم الذنب، أو من تكفير ذنوبهم، مع استحالة أن يغفر للكافر شيء من كفره أو معاصيه، وفيه تحذير من إعجاب المرء بنفسه وعمله، ويدخل في الآية كل من زكى نفسه، ووصفها بزيادة العمل والطاعة والتقوى، قال الشوكاني: واختلف (١) المفسرون في المعنى الذي زكوا به أنفسهم، فقال الحسن وقتادة: هو قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، وقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، وقال الضحاك: هو قولهم: لا ذنوب لنا، ونحن كالأطفال، وقيل: هو قولهم: إن أباءهم يشفعون لهم، وقيل: ثناء بعضهم على بعض، ومعنى التزكية: التطهير والتنزيه، فلا يبعد صدقها على جميع هذه التفاسير وعلى غيرها، واللفظ يتناول كل من زكى نفسه بحق أو بباطل من اليهود وغيرهم.
واعلم (٢): أن تزكية النفس تارة تكون بالعمل الذي يجعلها زاكية طاهرة كثيرة الخير والبركة، بتنمية فضائلها وكمالاتها، ولا يكون ذلك إلا بابتعادها عن الشرور والآثام، التي تعوقها عن الخير، وهذه التزكية محمودة وهي التي عناها الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾.
وتارة تكون بالقول بادعاء الكمال والزكاة، وقد اتفق العقلاء على استهجان تزكية المرء نفسه بالقول ولو حقًّا، ومصدر هذه التزكية الجهل والغرور، ومن آثار هذه السيئة الاستكبار عن قبول الحق، والانتفاع بالنصح، وقد رد الله سبحانه وتعالى عليهم دعواهم الزكاة والطهارة بقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ إضراب عن محذوف تقديره: لا عبرة بتزكيتهم أنفسهم، بأن يقولوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وبأنهم لا يعذبون في النار؛ لأنهم شعب الله المختار، وبتفاخرهم بنسبهم ودينهم، ﴿بَلِ اللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى ﴿يُزَكِّي﴾ ويطهر من الذنوب والرذائل من يشاء تطهيره من عباده، من أيِّ شعب كان، ومن أيِّ قبيلة كانت، فيهديهم إلى صحيح
(١) فتح القدير.
(٢) المراغي.
العقائد، وفاضل الآداب، وصالح الأعمال، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ معطوف على محذوف، تقديره: فهؤلاء الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم ادعاءً، ولا يظلمون وينقصون شيئًا من الجزاء على أعمالهم السيئة؛ أي: لا يظلمون في ذلك العقاب فتيلًا؛ أي: أدنى ظلم وأصغره، وهو الخيط الذي في شق النواة، يضرب به المثل في القلة والحقارة، والفتيل في الأصل: الشيء المفتول، وسمي ما في شق النواة بذلك لكونه على هيأته، وقيل: الفتيل: ما تفتله بين أصابعك من وسخ وغيره، ويضرب به المثل في الشيء الحقير الذي لا قيمة له، وقد ضربت العرب المثل في القلة بأربعة أشياء اجتمعت في النواة وهي: الفتيل المذكور، والنقير وهو: النقرة التي في ظهر النواة، والقطمير وهو: القشر الرقيق فوقها، وهذه الثلاثة مذكورة في القرآن، والرابع: اليعروف وهو: ما بين النواة والقمع الذي يكون في رأس الثمرة كالعلاقة بينهما. اهـ. "سمين" فخذلانهم في الدنيا بالعبودية لغيرهم، وفي الآخرة بالعذاب والحرمان، من النعيم المقيم والثواب الجسيم، وما كان ذلك بظلم من الله سبحانه وتعالى لهم، بل كان بنقصان درجات أعمالهم وعجزها عن الصعود بأرواحهم إلى مستوى الرفعة والكرامة، لتزكيتهم إياها بالقول الباطل دون الفعل، فلم تصل بهم نفوسهم إلى مراتب الفوز والفلاح.
وقيل: الضمير (١) في ﴿يظلمون﴾ راجع إلى ﴿من﴾ في: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ باعتبار معناها، والتقدير: يثاب المزكون ولا ينقص من ثوابهم شيء أصلًا، ولكن لا يساعده مقام الوعيد.
وفي الآية موضعان من العبرة (٢):
الأول: أن الله يجزى عامل الخير بعمله ولو كان مشركًا؛ لأن لعمله أثرًا في نفسه يكون مناط الجزاء، فيخفف عذابه عن عذاب غيره، كما ورد في الأحاديث إن بعض المشركين يخفف عنهم العذاب بعمل لهم، فحاتم الطائي
(١) الجمل.
(٢) المراغي.
بكرمه، وأبو طالب بكفالته النبي - ﷺ - ونصره إياه، وأبو لهب لعتقه جاريته ثويبة حين بشرته بمولد النبي - ﷺ -.
الثاني: أن يحذر المسلمون الغررو بدينهم، كما كان أهل الكتاب في عصر التنزيل وما قبله، وأن يبتعدوا عن تزكية أنفسهم بالقول، واحتقار من عداهم من المشركين، وأن يعلموا أن الله لا يحابي في نظم الخليقة أحدًا، لا مسلمًا ولا يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ألا ترى أن خاتم النبيين قد شج رأسه، وكسرت سنه، وردي في حفرة، من جراء تقصير عسكره فيما يجب من اتباع أمر القائد، وعدم مخالفته، وأن يهتدوا بكتاب الله وبسنته في الأمم، وأن يتركوا وساوس الدجالين المخرفين، الذين يصرفونهم عن الاهتداء بهدي كتابهم، ويشغلونهم بما لم ينزل الله به عليهم سلطانًا، فإنه ما زال ملكهم وما ذهب عزهم.. إلا بتركهم لهدي دينهم، واتباعهم لأولئك الدجالين المخرفين، الذين جعلوا ما ليس من الدين دينًا لهم من العقائد الزائغة والمذاهب الفاسدة والطرائق المخترعة، كما هو كثير في بعض شعوب المسلمين، الذين أذلهم الاستئمار، وشتتهم الكفار؛ لتهاونهم في دينهم، وتساهلهم في عبادة ربهم.
وقرأ الجمهور (١): ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بفتح الراء، وقرأ السلمي بسكونها إجراء للوصل مجرى الوقف، وقيل: هي لغة قوم لا يكتفون بالجزم بحذف لام الفعل، بل يسكنون بعده عين الفعل، وقرأ الجمهور: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾ بالياء، وقرأت طائفة: ﴿ولا تظلمون﴾ بتاء الخطاب.
٥٠ - ثم أكد التعجيب من حالهم الذي فهم من الآية السابقة، فقال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾؛ أي: انظر يا محمَّد، أو أيها المخاطب، متعجبًا إلى حال هؤلاء اليهود، كيف يختلقون على الله الكذب، وينسبونه إليه في قولهم: نحن بررة أزكياء عند الله، ونحن أبناء الله وأحباؤه، وإن الله سبحانه يعاملهم معاملة خاصة بهم، لا كما يعامل سائر عباده، ﴿وَكَفَى بِهِ﴾؛ أي: وكفى هذا الافتراء والكذب
(١) البحر المحيط.
عليه سبحانه وتعالى من جهة كونه: ﴿إِثْمًا مُبِينًا﴾؛ أي: ذنبًا ظاهرًا، يستحقون به العقوبة الشديدة، والعذاب الأليم الدائم.
أي: إن تزكية النفس والغرور بالدين والجنس مما يبطىء النفس عن نافع العمل، الذي يثاب عليه الناس، وكفى به إثمًا ظاهرًا؛ لأنه لا أثر له من حق، ولا سمة عليه من صواب، فالله لا يعامل شعبًا معاملة خاصة تغاير سننه التي وضعها في الخليقة، وما مصدر هذه الدعوى إلا الغرور والجهل، وكفى بذلك شرًّا مستطيرًا، ويدخل في مفهوم هذه الآية ما وقع في بعض بلدان المسلمين، لبعض أولاد العلماء والصالحين، الذين يتساهلون في دينهم، ويستخدمون الناس، فلا يصلّون الصلوات الخمس، ويفعلون المحرّمات، ويقولون للعوام: نحن سادة أبناء سادة، وأولياء أبناء أولياء، تطوى لنا الأرض، ونصلي في مكة، ويختلطون مع الأجانب، ويذكرون أذكارًا شيطانية، ويخبرون عن المغيبات، ويذبحون أموال الناس للجن، ويأخذونها منهم غصبًا، فما هؤلاء إلا طواغيت ومردة، فهم أشد ضررًا على المسلمين من اليهود والنصارى، فيا لها مصيبة ابتلي بها المسلمون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
٥١ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ هذا تعجيب من حالهم، بعد التعجيب الأول، وأجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في اليهود، وسبب نزولها كما مر (١): أن كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وجماعة معهما، جاؤوا مكة يحالفون قريشًا على محاربة رسول الله - ﷺ -، فقالوا: أنتم أهل كتاب، وأنتم أقرب إلى محمَّد منكم إلينا، فلا نأمن مكركم فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ففعلوا، وقال أبو سفيان: أنحن أهدى سبيلًا أم محمَّد، فقال كعب: ماذا يقول محمَّد؟ قالوا: يأمرنا بعبادة الله وحده وينهى عن الشرك، قال: وما دينكم؟ قالوا: نحن ولاة البيت، نسقي الحاج، ونقري الضيف، ونفك العاني، وذكروا أفعالهم، فقال: أنتم أهدى سبيلًا، قاله ابن عباس.
(١) البحر المحيط.
أي: ألم تنظر يا محمَّد - أو أيها المخاطب - متعجبًا إلى حال هؤلاء اليهود، الذين أعطوا حظًّا قليلًا من علم "التوراة"، يؤمنون ويسجدون للجبت، والأصنام والطاغوت والشيطان، الجبت: اسم للأصنام، والطاغوت: شياطين الأصنام، ولكل صنم شيطان يعبر فيها ويكلم الناس، فيغترُّون بذلك، وقيل الجبت: الكاهن، والطاغوت: الساحر، وقيل غير ذلك.
والخلاصة: ألم تنظر إلى حال هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، كيف حرموا هدايته، وهداية العقل والفطرة، وآمنوا بالدجل والخرافات، وصدقوا بالأصنام والأوثان، ونصروا أهلها من المشركين على المؤمنين المصدقين بنبوة أنبيائهم، والمعترفين بحقية كتبهم، ﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: يقول هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب؛ أي: اليهود، ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله وبمحمد - ﷺ -؛ أي: في حق الذين كفروا وشأنهم، يعني كفار مكة ﴿هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: كفار مكة أبو سفيان وأصحابه؛ أي: أنتم يا هؤلاء ﴿أَهْدَى﴾؛ أي: أصوب دينًا وأقوم طريقًا ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بمحمد - ﷺ -؛ أي: أنتم أهدى من محمَّد وأصحابه، وذكرهم بلفظ الإيمان ليس من قبل القائلين بل من جهة الله تعالى، تعريفًا لهم بالوصف الجميل، وتخطئة لمن رجح عليهم المتصفين بأقبح القبائح.
أي: يقولون: إن المشركين أرشد طريقة في الدين من المؤمنين، الذين اتبعوا محمدًا - ﷺ -،
٥٢ - ثم بين عاقبة أمرهم وشديد نكالهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ القائلون: إن عبادة الأوثان أفضل من عبادة الله تعالى، هم ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ تعالى؛ أي: طردهم الله تعالى، وأبعدهم عن رحمته، ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى؛ أي: ومن يطرده الله تعالى، ويبعده عن رحمته، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾؛ أي: لن تجد له أيها المخاطب ناصرًا ينصره ويدفع عنه العذاب في الدنيا والآخرة، فهو تأكيد لما قبله.
والخلاصة: أولئك القائلون هم (١) الذين اقتضت سنن الله في خلقه أن
(١) المراغي.
يكونوا بعيدين عن رحمته، مطرودين من فضله وجوده، ومن يبعده الله تعالى من رحمته فلن ينصره أحد من دونه، إذ لا سبيل لأحد إلى تغيير سننه تعالى في خليقته، وهو قد جعل الخذلان نصيب من يؤمنون بالجبت والطاغوت؛ إذ هم قد جاوزوا سنن الفطرة، واتبعوا الخرافات والأوهام؛ لأنه إنما ينصر المؤمنين باجتنابهم ذلك، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
٥٣ - ثم انتقل من توبيخهم على الإيمان بالجبت والطاغوت، وتفضيلهم المشركين على المؤمنين، إلى توبيخهم على البخل والأثرة، وطمعهم في أن يعود إليهم الملك في آخر الزمان، وأنه سيخرج منهم من يجدد ملكهم ودولتهم، ويدعو إلى دينهم، فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾ وخصت هذه الأشياء الحقيرة المذكورة بقوله: فتيلًا في قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، وهنا بقوله: ﴿نقيرًا﴾ لوفاق النظير من الفواصل، ذكره أبو حيان. و ﴿أم﴾ في قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ بمعنى بل التي للاضراب الإبطالي، وهمزة الإنكار؛ لأن الكلام إنكار على اليهود، وإبطال لقولهم: نحن أولى بالملك والنبوة، فكيف نتبع العرب، وتكذيب لهم في زعمهم أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان، فيخرج منهم من يجدد ملكهم ودولتهم، و ﴿إذًا﴾ في قوله: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ﴾ حرف جواب وجزاء لشرط مقدر، ورُفع الفعل بعدها، وإن كان مرجوحًا عند النحاة، لأن القراءة سنة متبعة، والفاء: للسببية الجزائية لذلك الشرط المحذوف. وقرىء - شاذًا على الأرجح -: بحذف النون، فقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾؛ أي: بل ألهم نصيب من الملك، يعني ليس لليهود ملك، ولو كان لهم ملك.. إذًا لم يؤتوا أحدًا شيئًا لشدة حرصهم وبخلهم؛ أي: إنهم لا حظ لهم من الملك، إذ هم فقدوه بظلمهم وطغيانهم، وإيمانهم بالجبت والطاغوت.
والمعنى (١): ليس لهم من الملك شيء البتة، ولو كان لليهود نصيب منه، فيتسبب عن ذلك أنهم لا يعطون واحدًا من الناس قدر ما يملأ النقير، وهو النقرة
(١) مراح.
التي على ظهر النواة، التي تنبت منها النخلة، وهذا بيان لعدم استحقاقهم له، بل لاستحقاهم الحرمان منه؛ بسبب أنهم من البخل والدناءة بحيث لو أوتوا شيئًا من ذلك.. لما أعطوا الناس من أقل القليل، ومن حق من أوتي الملك أن يؤثر الغير بشيء منه، فالله تعالى وصفهم في هذه الآية بالبخل، ووصفهم بالجهل في الآية المتقدمة، ووصفهم بالحسد في الآية الآتية، وهذه الخصال كلها مذمومة، فكيف يدعون الملك وهي حاصلة فيهم.
والخلاصة (١): أن اليهود ذوو أثرة وشح، يشق عليهم أن ينتفع بهم غير اليهودي، فإذا صار لهم ملك.. حرصوا على منع الناس أدنى النفع وأحقره، ومن كانت هذه حاله حرص أشد الحرص على أن لا يظهر نبي من العرب، يكون لأصحابه ملك يخضع لهم فيه بنو إسرائيل، ولا تزال هذه حالهم إلى اليوم، فإن تم لهم ما يسعون إليه من إعادة ملكهم إلى بيت المقدس وما حوله.. فإنهم يطردون المسلمين والنصارى من تلك الأرض المقدسة، ولا يعطونهم منها نقيرًا، ولكن هل يعود الملك كما يريدون، ليس في الآية ما يثبت ذلك، ولا ما ينفيه، وإنما الذي فيها بيان طباعهم فيه لو حصل.
وقرأ عبد الله بن مسعود وابن عباس ﴿فإذًا لا يؤتوا﴾ بحذف النون على
إعمال إذًا.
٥٤ - ثم انتقل من توبيخهم بالبخل إلى توبيخهم بالحسد، فقال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وأم هنا بمعنى همزة الإنكار، وبل التي للإضراب الانتقالي (٢)؛ لأنه انتقل من توبيخهم بما سبق إلى توبيخهم بالحسد الذي هو شر الرذائل وأقبحها؛ أي: بل أتريد اليهود أن يحسدوا الناس؛ أي: محمدًا - ﷺ - وأصحابه على ما آتاهم الله تعالى؛ أي: على العطاء الذي أعطاهم إياه من النبوة والكتاب، وازدياد العز والنصر يومًا فيومًا، وكثرة النساء له - ﷺ -، وكانت له يومئذ تسع نسوة، فقالت اليهود: لو كان محمد نبيًّا.. لشغله أمر النبوة
(١) المراغي.
(٢) الجمل.
عن الاهتمام بأمر النساء، حالة كون ذلك العطاء ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ وإحسانه سبحانه وتعالى، وقوله: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ تعليل للإنكار المفهوم من الاستفهام المضمن للهمزة المقدرة؛ أي لا ينبغي لهم الحسد لمحمد وأصحابه، فإن حسدهم المذكور في غاية القبح والبطلان؛ لأنا قد آتينا وأعطينا من قبل محمَّد - ﷺ - آل إبراهيم، الذين هم أنبياء أسلافهم، وأبناء أعمام لمحمد - ﷺ -، ﴿الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾؛ أي: النبوة؛ أي: أعطينا بعض آل إبراهيم الكتاب والنبوة، كموسى وعيسى وداود عليهم السلام، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: وأعطينا بعضهم الآخر ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ لا يقادر قدره مع النبوة، كداود وسليمان ويوسف عليهم السلام، فكان لداود مئة امرأة مهرية، ولسليمان سبع مئة سرية، وثلاث مئة امرأة مهرية، وهؤلاء الثلاثة كانوا في بني إسرائيل، ولم يشغلهم أمر النبوة عن أمر الملك والنساء، فهم يعلمون بما آتيناهم، فلم يحسدوهم، وليس ما آتينا محمدًا وأصحابه ببدع حتى يحسدوهم على ذلك، فلأي شيء يخصصون محمدًا - ﷺ - بالحسد، دون غيره ممن أنعم الله عليهم من آل إبراهيم؟
والخلاصة: أنهم إن يحسدوه على ما أوتي.. فقد أخطؤوا؛ إذ ليس هذا ببدع منا؛ لأنا قد آتينا مثل هذا من قبل لآل إبراهيم، والعرب منهم فإنهم من ذرية إسماعيل ولده، فلم لم تعجبوا مما أوتي آل إبراهيم، وتعجبون مما أوتي محمد - ﷺ -؟ ولم لا يكون مستبعدًا في حق هؤلاء، وكان مستبعدًا في حق محمَّد - ﷺ -؟ وقوله: ﴿مُلْكًا﴾ قال الرازي: الملك إما ظاهرًا وباطنًا وهو: ملك الأنبياء، وإما ظاهرًا فقط وهو: ملك السلاطين، وإما باطنًا فقط وهو: ملك العلماء، والثلاثة كلها موجودة في بني إسرائيل. وفي الآية (١) رمز إلى أنه سيكون للمسلمين ملك عظيم يتبع النبوة والحكمة، وقد ظهرت تباشيره عند نزول الآية بالمدينة، فقد قويت شوكتهم وأخذ أمرهم يعظم رويدًا رويدًا.
والحاصل: أن اليهود إما مغرورون مخدوعون، يظنون أن فضل الله لا
(١) المراغي.
يعدوهم ورحمته تضيق بغيرهم، وإما حاسبون أن ملك الكون في أيديهم، فهم لا يعطون أحدًا منه ولو حقيرًا كالنقير، وإما حاسدون للعرب على ما أعطاهم الله من الكتاب والحكمة والملك، الذي ظهرت مبادؤه ومقدماته،
٥٥ - ﴿فَمِنْهُمْ﴾؛ أي: فمن جنس هؤلاء الحاسدين وآبائهم ﴿مَنْ آمَن