0:00
0:00

تفسير سورة النساء، وهي مدنية كلها

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله : ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ [ يعني آدم ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ يعني حواء ] قال قتادة :خلقها من ضلع من أضلاعه القصيراء. وقال [ مجاهد :من جبه الأيسر.
يحيى : ] عن الحسن بن دينار، عن الحسن البصري، قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ " إن المرأة خلقت من ضلع، وإنك إن ترد إقامة ] الضلع تكسرها فدارها تعش بها " ١.
﴿ وبث منهما ﴾ أي [ خلق ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون ] به والأرحام ﴾ أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها ؛ هذا تفسير من قرأها بالنصب، ومن قرأها بالجر٢، أراد الذي تسألون به والأرحام، وهو قول الرجل :نشدتك بالله وبالرحم ﴿ إن الله كان عليكم رقيبا ﴾ حفيظا.
١ إسناده ضعيف، لأنه مرسل، والحديث صحيح، أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/١٧٤) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه..
٢ هي قراءة حمزة: انظر: السبعة (٢٢٦)..
﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ يعني إذا بلغوا ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ قال الحسن ﴿ الخبيث ﴾ :أكل أموال اليتامى ظلما، و﴿ بالطيب ﴾ :الذي رزقكم الله، يقول :لا تذروا الطيب، وتأكلوا الخبيث ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ يعني مع أموالكم ﴿ إنه كان حوبا كبيرا ﴾ أي ذنبا. قال محمد :وفيه لغة أخرى :حوبا بفتح الحاء، وقد قرئ بها١.
١ هي قراءة الحسن انظر: الدر المصون (٢/٢٩٨)..
﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا ﴾ أي تعدلوا ﴿ في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم ﴾ يعني ما حل لكم من النساء، قال قتادة :يقول كما خفتم الجور في اليتامى، وأهمكم ذلك، فكذلك فخافوه في جميع النساء، وكان الرجل في الجاهلية يتزوج العشر فما دون ذلك، فأحل الله له أربعا، فقال : ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ﴾ يقول : ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا ﴾ في أربع فانكح ثلاثا ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا ﴾ في ثلاث فانكح اثنتين، فإن خفتم ألا تعدلوا } في اثنتين فانكح واحدة، أو ما ملكت يمينك، يطأ بملك يمينه كما يشاء ﴿ ذلك أدنى ألا تعولوا ﴾ أي أجدر ألا تميلوا.
﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ﴾ قال قتادة يعني فريضة. قال محمد :اختلف القول في ﴿ نحلة ﴾ فقيل :المعنى نحلة من الله، عز وجل، للنساء إذ جعل على الرجل الصداق، ولم يجعل على المرأة شيئا، يقال :نحلت الرجل إذا وهبت له هبة، ونحلت المرأة، وقال بعضهم معنى ﴿ نحلة ﴾ :ديانة، كما تقول :فلان ينتحل كذا، أي يدين به و ﴿ صدقاتهن ﴾ جمع صدقة، يقال :هو صداق المرأة، وصدقة المرأة.
﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه ﴾ يعني الصداق ﴿ نفسا ﴾ [ يعني نفسها ] ﴿ فكلوه هنيئا مريئا ﴾ قال قتادة :يعني ما طابت به نفسها في غير كره، فقد أحل الله لها أن تأكله. قال محمد :يقال :هنأني الطعام ومرأني بغير ألف، فإذا أفردوا مرأني، قالوا :أمرأني بالألف.
﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ قال الكلبي :يعني النساء والأولاد، إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة، أو ابنه سفيه مفسد، فلا ينبغي له أن يسلط أيهما على ماله.
قال محمد :والسفه في اللغة أصله :الجهل١.
﴿ التي جعل الله لكم قياما ﴾ لمعايشكم وصلاحكم، وتقرأ " قواما " ٢. قال محمد :يقال :هذا قوام أمرك وقيامه، أي ما يقوم به أمرك، ومن قرأ " قيما " فهو راجع إلى هذا، أي جعلها الله قيم الأشياء، فبها تقوم.
﴿ وارزقوهم فيها ﴾ يعني من الأموال ﴿ واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا ﴾ يعني العدة الحسنة.
١ انظر: القاموس المحيط للفيروزأبادى (٤/٢٨٠)، مادة: (سفه)..
٢ هي قراءة السبعة عدا نافعا، وابن عامر. انظر: السبعة (٢٢٦)..
﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ أي اختبروا عقولهم ودينهم ﴿ حتى إذا بلغوا النكاح ﴾ يعني الحلم ﴿ فإن آنستم منهم رشدا ﴾ صلاحا في دينهم ﴿ فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ﴾ أي مبادرة أن يكبروا فيأخذوها منكم ﴿ ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ﴾ تفسير قتادة، قال :كان الرجل يلي مال اليتيم يكون له الحائط من النخل فيقوم على [ صلاحه وسقيه، فيصيب من تمره، وتكون له الماشية، فيقوم على ] صلاحها، ويلي علاجها ومؤنتها، فيصيب من جزازها وعوارضها ورسلها [ يعني بالعوارض :الخرفان، والرسل :السمن واللبن ] فأما رقاب المال فليس له أن يستهلكه.
يحيى :عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، [ عن أبي الخير ] أنه سأل ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار عن قول الله، عز وجل : ﴿ ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ﴾ فقالوا :فينا والله أنزلت، كان الرجل يلي مال اليتيم له النخل، فيقوم له عليها، فإذا طابت الثمرة، كانت يده مع أيديهم مثل ما كانوا مستأجرين به غيره في القيام عليها.
يحيى :عن نصر بن طريف، عن عمرو بن دينار، عن الحسن العرني، أن رجلا، قال :يا رسول الله، إن في حجري يتيما أفأضربه ؟ قال :" اضربه مما كنت ضاربا منه ولدك " قال :أفآكل من ماله ؟ قال :" بالمعروف غير متأثل من ماله مالا، ولا واق مالك بماله١ ".
قوله : ﴿ وكفى بالله حسيبا ﴾ أي حفيظا.
١ أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/١٤٨) ابن أبي شيبة في مصنفه (٦/٢٦٣، ح٢) الطبري في تفسيره (٤/٦٠٢، ح ٨٦٥٠ – ٨٦٥١) ووقع فيه عن عمرو بن دينار، عن الحسن البصري..
﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ الآية، هذا حين بين الله فرائض المواريث، نزلت آية المواريث قبل هذه الآية، وهي بعدها في التأليف، وكان أهل الجاهلية لا يعطون النساء من الميراث، ولا الصغير شيئا، وإنما كانوا يعطون من يحترف وينفع ويدفع، فجعل الله لهم من ذلك ﴿ مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ﴾.
﴿ وإذا حضر القسمة أولوا القربى ﴾ الآية، يعني قسمة المواريث، تفسير الحسن :إن كانوا يقتسمون مالا أو متاعا أعطوا منه، وإن كانوا يقتسمون دورا أو رقيقا قيل لهم :ارجعوا رحمكم الله، فهذا قول معروف، وكان الحسن، يقول :ليست بمنسوخة١. وقال سعيد بن المسيب :هي منسوخة نسختها آية المواريث٢.
يحيى :وهو قول العامة أنها منسوخة.
١ أخرجه الطبري في تفسيره (٣/٦٠٦، ح ٨٦٦٩ – ٨٦٧٠)..
٢ أخرجه الطبري في تفسيره (٣/٦٠٦، ح ٨٦٧٦ – ٨٦٧٨)..
﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ﴾ تفسير قتادة، قال :يقول :من حضر ميتا فليأمره بالعدل والإحسان، ولينهه عن الحيف والجور في وصيته، وليخش على عياله من كان خائفا على عيال من حضره الموت.
﴿. . . إنما يأكلون في بطونهم نارا ﴾ أي إنما يأكلون به نارا.
﴿. . . فإن كن نساء فوق اثنتين ﴾ يعني أكثر من اثنتين ﴿ فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ قال محمد : [ أعطيت الابنتان الثلثين ] بدليل لا يفرض مسمى لهما، والدليل قوله : ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ﴾ [ النساء :١٧٦ ] فقد صار للأخت النصف، كما أن للابنة النصف ﴿ فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ﴾ فأعطيت البنتان الثلثين، كما أعطيت الأختان، وأعطى جملة الأخوات الثلثين، قياسا على ما ذكر الله في جملة البنات ﴿ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ﴾ ذكر أو ولد ابن ذكر [ أو أنثى ] وإن ترك ابنتين أو أكثر وأبويه فكذلك أيضا، وإن ترك ابنته وأبويه، فللابنة النصف وللأم ثلث ما بقي وما بقي فلأب، وليس للأم مع الولد الواحد أو أكثر. ذكرا كان أو أنثى إلا السدس ﴿ فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث ﴾ هذا إذا لم يكن له وارث غيرهما في قول زيد والعامة ﴿ فإن كان له إخوة فلأمه السدس ﴾ إذا كان له أخوان فأكثر حجبوا الأم عن الثلث، وكان لها السدس ولا يحجبها الأخ الواحد عن الثلث، ولا الأخوان إذا كانا أخويه لأبيه أو أخويه لأمه، أو بعضهم من الأب وبعضهم من الأم فهؤلاء ذكورا كانوا أو إناثا أو بعضهم ذكور وبعضهم إناث يحجبون الأم عن الثلث، فلا تأخذ إلا السدس ﴿ من بعد وصية يوصي بها أو دين ﴾ فيها تقديم، يقول :من بعد دين يكون عليه أو وصية يوصي بها ﴿ آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ﴾ تفسير مجاهد :لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا في الدنيا ﴿ فريضة من الله ﴾ قال السدي :يعني قسمة المواريث لأهلها الذين ذكرهم الله في هذه الآية.
قال محمد : ﴿ فريضة ﴾ منصوب على التوكيد والحال، أي ما ذكرنا لهؤلاء الورثة مفروضا فريضة مؤكدة، لقوله : ﴿ يوصيكم الله ﴾.
﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد ﴾ أو ولد ولد، وولد البنات لا يرثون شيئا، ولا يحجبون وارثا ﴿ فإن كان لهن ولد ﴾ ذكر أو أنثى ﴿ فلكم الربع مما تركن ﴾ ﴿ ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد ﴾ أو ولد ولد، ولا يرث ولد
البنات شيئا ولا يحجبون ﴿ فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم ﴾ فإن ترك رجل امرأتين أو ثلاثا أو أربعا، فالربع بينهن سواء، إذا لم يكن له ولد، فإن كان له ولد أو ولد ولد، ذكر أو أنثى، فالثمن بينهن سواء.
﴿ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ﴾ وذكرهم كأنثاهم فيه سواء، قال قتادة :والكلالة :الذي لا ولد له ولا والد ولا جد١ ﴿ غير مضار ﴾ في الميراث أهله، يقول :لا يقر بحق ليس عليه، ولا يوصي بأكثر من الثلث مضارة لهم. قال محمد : ﴿ غير ﴾ منصوب على الحال، المعنى :يوصي بها غير مضار ﴿ وصية من الله ﴾ تلك القسمة.
١ أخرجه الطبري في تفسيره (٣/٦٢٧، ح ٨٧٦٢)..
﴿ تلك حدود الله ﴾ أي سنته وأمره في قسمة المواريث ﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ في قسمة المواريث، كما أمره الله ﴿ يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ الآية.
﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ في قسمة المواريث ﴿ ويتعد حدوده ﴾ الآية، وذلك أن المنافقين كانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان الصغار، كانوا يظهرون
الإسلام وهم على ما كانوا عليه في الشرك، وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء.
﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ يعني الزنا، الآية.
قال يحيى :وقيل :هذه الآية نزلت بعد الآية التي بعدها في التأليف ﴿ والذان يأتيانها منكم ﴾ يعني الفاحشة ﴿ فآذوهما ﴾ بالألسنة ﴿ فإن تابا وأصلحا ﴾ الآية، ثم نزلت هذه الآية ﴿ فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ﴾ يعني مخرجا من الحبس، في تفسير السدي، ثم نزل في سورة النور : ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ [ النور :٢ ].
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٥: ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ يعني الزنا، الآية.
قال يحيى :وقيل :هذه الآية نزلت بعد الآية التي بعدها في التأليف ﴿ والذان يأتيانها منكم ﴾ يعني الفاحشة ﴿ فآذوهما ﴾ بالألسنة ﴿ فإن تابا وأصلحا ﴾ الآية، ثم نزلت هذه الآية ﴿ فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ﴾ يعني مخرجا من الحبس، في تفسير السدي، ثم نزل في سورة النور : ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ [ النور :٢ ].

﴿ إنما التوبة على الله ﴾ يعني التجاوز من الله ﴿ للذين يعملون السوء بجهالة ﴾ قال قتادة :كل ذنب أتاه عبد فهو بجهالة ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ يعني ما دون الموت، يقال :ما لم يغرغر ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ قال الحسن :نزلت هذه الآية في المؤمنين.
ثم ذكر الكفار، فقال : ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات ﴾ يعني الشرك بالله ﴿ حتى إذا حضر أحدهم الموت ﴾ عند معاينة ملك الموت قبل أن يخرج من الدنيا ﴿ قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما ﴾.
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ﴾ كان الرجل في الجاهلية يموت عن امرأته، فيلقي وليه عليها ثوبا، فإن أحب أن يتزوجها تزوجها، وإلا تركها حتى تموت، فيرثها، إلا أن تذهب إلى أهلها من قبل أن يلقي عليها ثوبا، فتكون أحق بنفسها ﴿ ولا تعضلوهن ﴾ تحبسوهن ﴿ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ يعني الصداق ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ نهي الرجل إذا لم يكن له بامرأته حاجة أن يضرها فيحبسها لتفتدي منه ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ تفسير بعضهم :إلا أن تكون هي الناشزة فتختلع منه، الفاحشة المبينة :عصيانها ونشوزها.
﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾ أي اصحبوهن بالمعروف ﴿ فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ﴾ يكره الرجل المرأة فيمسكها وهو لها كاره، فعسى الله أن يرزقه منها ولدا، ثم يعطفه الله عليها، أو يطلقها، فيتزوجها غيره، فيجعل الله للذي تزوجها فيه خيرا كثيرا.
﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ﴾ يعني طلاق امرأة، ونكاح أخرى ﴿ وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا ﴾ أي ظلما ﴿ وإثما مبينا ﴾ بينا. يقول له :لا يحل له أن يأخذ مما أعطاها شيئا، إلا أن تنشز، فتفتدي منه.
قال محمد : ﴿ بهتانا ﴾ مصدر موضوع موضع الحال، المعنى :أتأخذونه مباهتين وآثمين، والبهتان :الباطل الذي يتحير من بطلانه.
﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ يعني المجامعة ﴿ وأخذن منكم ميثاقا غليظا ﴾ هو قوله : ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ [ البقرة :٢٢٩ ] في تفسير قتادة :قال قتادة :وقد كانت في عقد المسلمين عند نكاحهم :الله عليك لتمسكن
بمعروف، أو لتسرحن بإحسان.
﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ﴾ يعني ما قد مضى قبل التحريم ﴿ إنه كان فاحشة ومقتا ﴾ بغضا من الله ﴿ وساء سبيلا ﴾ أي بئس المسلك.
قوله : ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ والجدات كلهن مثل الأم، وأم أبي الأم مثل الأم ﴿ وبناتكم ﴾ وبنات الابن، وبنات الابنة، وأسفل من ذلك فهي كالابنة ﴿ وأخواتكم ﴾ إن كانت لأبيه وأمه، أو لأبيه، أو لأمه فهي أخت ﴿ وعماتكم ﴾ فإن كانت عمته، [ أو عمة أبيه ]، أو عمة أمه، وما فوق ذلك فهي عمه ﴿ وخالاتكم ﴾ فإن كانت خالة أبيه، أو خالة أمه، أو خالة فوق ذلك، فهي خالته ﴿ وبنات الأخ ﴾ فإن كانت ابنة أخيه، أو ابنة أخيه لأبيه وأمه، أو لأبيه، أو لأمه، أو ابنة أخيه، وما أسفل من ذلك، فهي بنت أخ
﴿ وبنات الأخت ﴾ فإن كانت ابنة أخته، أو ابنة ابن أخته، [ أو ابنة ابنته أخته ] وأسفل من ذلك، فهي ابنة أخت.
﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ﴾ يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، فلا تحل له أمه من الرضاعة، ولا ما فوقها من الأمهات، ولا أخته من الرضاعة، ولا عمته من الرضاعة، ولا عمة أبيه من الرضاعة، ولا عمة أمه من الرضاعة، ولا ما فوق ذلك، ولا خالة من الرضاعة، ولا خالة أبيه، ولا خالة أمه، ولا ما فوق ذلك، ولا ابنة أخيه من الرضاعة، ولا ابنة ابن أخيه من الرضاعة، ولا ابنة ابنة أخيه من الرضاعة، ولا ما سفل من ذلك، ولا ابنة أخته من الرضاعة، ولا ابنة ابن أخته، ولا ابنة ابنة أخته من الرضاعة، ولا ما أسفل من ذلك. وإذا أرضعت المرأة غلاما لم يتزوج ذلك الغلام شيئا من بناتها، لا ما قد ولد [ معه ولا قبل ] ذلك ولا بعده، ويتزوج إخوته من أولادها إن شاءوا، وكذلك إذا أرضعت جارية لم يتزوج تلك الجارية أحد من أولادها لا ما ولد قبل رضاعها، ولا ما بعده، يتزوج إخوتها من أولادها إن شاءوا.
﴿ وأمهات نسائكم ﴾ لا تحل للرجل أم امرأته، ولا أمهاتها ﴿ وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ﴾ فإذا تزوج الرجل المرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، أو ماتت ولم يدخل بها، تزوج ابنتها إن شاء، وإن كان قد دخل بها لم يتزوج ابنتها، ولا ابنة ابنتها، ولا ما أسفل من ذلك
﴿ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ﴾ فلا تحل له امرأة ابنه، ولا امرأة ابن ابنه، ولا امرأة ابن ابنة ابنه، ولا أسفل من ذلك، وإنما قال الله : ﴿ الذين من أصلابكم ﴾ لأن الرجل كان يتبنى الرجل في الجاهلية، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم تبنى زيدا، فأحل الله له نكاح نساء الذين تبنوا، وقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم امرأة زيد بعد ما طلقها ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ﴾ ما مضى قبل التحريم، فإن كانت أختها لأبيها وأمها، [ أو أختها لأمها، أو من الرضاعة ] فهي أخت، وجميع النسب والرضاع في الإماء بمنزلة الحرائر.
﴿ والمحصنات من النساء ﴾ المحصنات ها هنا :اللاتي لهن الأزواج ؛ يقول : ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ﴾ إلى هذه الآية، ثم قال : ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ أي وحرم عليكم المحصنات من النساء ﴿ إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ يعني من السبايا، فإذا سبيت المرأة من أهل الشرك، ولها زوج، ثم وقعت في سهم رجل، فإن كانت من أهل الكتاب، وكانت حاملا لم يطأها، حتى تضع، وإن كانت ليست بحامل، لم يقربها، حتى تحيض، وإن لم يكن لها زوج فكذلك أيضا، وإن كانت من غير أهل الكتاب لم يطأها حتى تتكلم بالإسلام فإذا قالت :لا إله إلا الله، استبرأها بحيضة، إلا أن تكون حاملا، فيكف عنها، حتى تضع.
يحيى :عن المعلى، عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري، قال :أصبنا يوم أوطاس سبايا نعرف أنسابهن وأزواجهن، فامتنعنا منهن، فنزلت هذه الآية : ﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ من السبايا١.
﴿ كتاب الله عليكم ﴾ يعني حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم إلى هذا الموضع، ثم قال : ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ يعني بتحريم ما قد ذكر. قال محمد : ﴿ كتاب الله ﴾ منصوب على معنى كتاب عليكم كتابا.
﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ يعني ما بعد ذلكم من النساء ﴿ أن تبتغوا بأموالكم ﴾ تتزوجوا بأموالكم، لا يتزوج فوق أربع ﴿ محصنين غير مسافحين ﴾ قال مجاهد :يعني ناكحين غير زانين ﴿ فما استمتعتم به منهن ﴾ قال مجاهد :يعني النكاح ﴿ فأتوهن ﴾ فأعطوهن ﴿ أجورهن ﴾ قال :صدقاتهن ﴿ فريضة ﴾ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في المتعة يوم فتح مكة إلى أجل، على ألا يرثوا ولا يورثوا، ثم نهى عنها بعد ثلاثة أيام٢ فصارت منسوخة نسختها الميراث والعدة ﴿ ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ﴾ قال الحسن :لا بأس على الرجل أن تضع له المرأة من صداقها الذي فرض لها، كقوله : ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ﴾.
١ أخرجه مسلم (٢/١٠٧٩ – ١٠٨٠، ح ١٤٥٦ / ٣٣ – ٣٤) الترمذي (٣/٤٣٨، ح ١١٣٢) النسائي في الكبرى (٣/٣٠٨، ح ٥٤٩١) الطبري في تفسيره (٤١٤، ح ٨٩٧٠)..
٢ أخرجه مسلم (٢/١٠٢٣، ح ١٤٠٦)..
﴿ ومن لم يستطع منكم طولا ﴾ يعني غنى ﴿ أن ينكح المحصنات المؤمنات ﴾ يعني الحرائر المؤمنات ﴿ فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم ﴾ يعني إماءكم ﴿ المؤمنات ﴾ ولا يحل نكاح إماء أهل الكتاب ﴿ والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض ﴾ يعني المؤمنين، حرهم ومملوكهم، وذكرهم وأنثاهم، والله أعلم بإيمانكم ﴿ فانكحوهن بإذن أهلهن ﴾ أي ساداتهن ﴿ وآتوهن أجورهن بالمعروف ﴾ يعني ما تراضوا عليه من المهر ﴿ محصنات غير مسافحات ﴾ يعني ناكحات غير زانيات ﴿ ولا متخذات أخدان ﴾ المسافحة :المجاهرة بالزنا، وذات الخدن :التي كان لها خليل في السر ﴿ فإذا أحصن ﴾ قال قتادة :يعني أحصنتهن البعولة ﴿ فإن أتين بفاحشة ﴾ يعني الزنا ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات ﴾ يعني الحرائر ﴿ من العذاب ﴾ يعني من الجلد، تجلد خمسين جلدة ليس عليها رجم، وإن كان لها زوج ﴿ ذلك لمن خشي العنت منكم ﴾ قال قتادة :إنما أمر الله نكاح الإماء المؤمنات لمن خشي العنت على نفسه، والعنت :الضيق، أي لا يجد ما يستعف به، ولا يصبر فيزني ﴿ وأن تصبروا خير لكم ﴾ يعني عن نكاح الإماء.
﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ حلاله وحرامه ﴿ ويهديكم سنن الذين من قبلكم ﴾ يعني شرائع من كان قبلكم من المؤمنين فيما حرم عليكم من الأمهات والبنات والأخوات، إلى آخر الآية ﴿ ويتوب عليكم ﴾ أي يتجاوز عما كان من نكاحكم إياهن قبل التحريم.
﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ﴾ هي مثل الأولى قبلها ﴿ ويريد الذين يتبعون الشهوات ﴾ يعني اليهود في استحلالهم نكاح بنات الخ﴿ أن تميلوا ﴾ يعني أن تأثموا.
﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ في نكاح الإماء، ولم يكن أحل نكاحهن لمن كان قبلكم ﴿ وخلق الإنسان ضعيفا ﴾ أي لا يصبر عن النساء.
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ يعني بالظلم ﴿ إلا أن تكون تجارة ﴾ يعني تجارة حلالا ليس فيها ربا ﴿ عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم ﴾.
يحيى :عن إبراهيم بن محمد، [ عن ] أبي بكر [ بن ] عبد الرحمن، [ عن ] أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أن النبي عليه السلام بعث رجلا في سرية فأصابه كلم، فأصابته عليه جنابة، فصلى ولم يغتسل، فعاب عليه ذلك أصحابه، فلما قدموا على النبي عليه السلام ذكروا ذلك له، فأرسل إليه، فجاءه فأخبره، فأنزل الله، عز وجل : ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ﴾١.
١ عزاه الحافظ الهيثمي للطبراني في الكبير، وقال: فيه أبو بكر بن عبد الرحمن الأنصاري، لم أجد من ذكره، وبقية رجاله ثقات. انظر: مجمع الزوائد (١/٢٦٣) قلت: أبو بكر بن عبد الرحمن الأنصاري ذكره البخاري في الكنى (ص ١٢)..
قوله : ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ﴾ يعني الجنة، قال قتادة :إنما وعد الله المغفرة من اجتنب الكبائر.
يحيى :عن أبي أمية، عن يحيى بن أبي كثير، قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الكبائر تسع :الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله [ إلا بالحق ]، وعقوق الوالدين المسلمين، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، والسحر، والفرار من الزحف، وشهادة الزور " ١.
يحيى :عن الحسن البصري، قال :كان الفرار من الزحف من الكبائر يوم بدر.
يحيى :عن نصر بن طريف، عن قتادة، عن الحسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت عنده الكبائر، فقال :" فأين تجعلون اليمين الغموس ؟ " ٢.
يحيى :عن الحسن بن دينار، عن الحسن، قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما تقولون في الزنا والسرقة وشرب الخمر ؟ " قالوا :الله ورسوله أعلم، قال :" هن فواحش، وفيهن عقوبة " ٣.
١ إسناده معضل، وروى موصولا، أخرجه أبو داود (ر٣/ ٣٩٨ – ٣٩٨، ح ٣٨٦٧) النسائي (٧/١٠٣، ح ٤٠٢٣) الطبراني في الكبير (١٧/٤٧ – ٤٨، ح ١٠١) الحاكم في المستدرك (١/٥٩) وقال: قد احتجا برواة هذا الحديث غير عبد الحميد بن سنان، فأما عمير بن قتادة فإنه صحابي، وابنه عبيد الله متفق على إخراجه والاحتجاج به، قال الحافظ الذهبي: عبد الحميد بن سنان مجهول، ووثقه ابن حبان..
٢ لم أقف عليه..
٣ إسناده ضعيف مرسل، وروى متصلا، أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٣٠) والطبراني في الكبير (١٨/١٤٠، ح ٢٩٣) البيهقي في الكبرى، (٨/٢٠٩) وقال: تفرد به عمر بن سعيد الدمشقي، وهو منكر الحديث، وإنما يعرف من حديث النعمان بن مرة مرسلا..
قوله : ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ الآية، تفسير مجاهد :نزلت في النساء يقلن :يا ليتنا كنا [ رجالا فنغزو، ونبلغ مبلغ ] الرجال.
﴿ ولكل جعلنا موالي ﴾ يعني العصبة.
يحيى :عن نصر بن طريف، عن هشام بن حجيرة، عن طاوس، عن ابن عباس، قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ألحقوا المال بالفرائض، فما أبقت
الفرائض، فأول رحم ذكر " ١.
﴿ والذين عقدت٢ أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ تفسير قتادة :قال :كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية، فيقول :دمي دمك، وترثني وأرثك، تطلب بي وأطلب بك، فجعل له السدس من جميع المال، ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم، ثم نسخ ذلك بعد في الأنفال، فقال : ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ﴾ [ الأنفال :٧٥ ] فصارت المواريث لذوي الأرحام.
١ أخرجه البخاري (١٢/١٢، ح ٦٧٣٢) ومسلم (٣/١٢٣٣ – ١٢٣٤، ح ١٦١٥)..
٢ قرأ الكوفيون (عقدت) وقرأ الباقون (عاقدت) انظر: السبعة (٢٣٣)..
﴿ الرجال قوامون على النساء ﴾ أي مسلطون على أدب النساء، والأخذ على أيديهن. قال قتادة :ذكر لنا أن رجلا لطم امرأته على عهد نبي الله، فأتت المرأة نبي الله، فأراد نبي الله أن يقصها منه فأنزل الله :الرجال قوامون على النساء١ } ﴿ بما فضل الله بعضهم على بعض ﴾ جعل شهادة امرأتين شهادة رجل واحد، وفضلوا في الميراث ﴿ وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ يعني الصدقات ﴿ فالصالحات ﴾ يعني المحسنات إلى أزواجهن ﴿ قانتات ﴾ أي مطيعات لأزواجهن ﴿ حافظات للغيب ﴾ لغيب أزواجهن في فروجهن ﴿ بما حفظ الله ﴾ أي بحفظ الله إياهن ﴿ واللاتي تخافون نشوزهن ﴾ عصيانهن، يعني تنشز على زوجها، فلا تدعه أن يغشاها ﴿ فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ﴾ قال قتادة :ابدأ فعظها بالقول، فإن عصت فاهجرها، فإن عصت فاضربها ضربا غير شائن ﴿ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ﴾ تفسير الكلبي :يقول :فإن أطعنكم في الجماع، فلا تبغوا عليهن سبيلا، يقول :لا تكلفوهن الحب، فإنما جعلت الموعظة لهن والضرب في المضجع ليس على الحب، ولكن على حاجته إليها.
١ أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/١٥٧) وابن أبي حاتم (٣/٩٤٠، ح٥٢٤٦)..
﴿ وإن خفتم ﴾ علمتم ﴿ شقاق بينهما ﴾ قال الحسن :يقول :إن نشزت حتى تشاق زوجها ﴿ فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ﴾ إذا نشزت، ورفع ذلك إلى الإمام، بعث الإمام حكما من أهل المرأة، وحكما من أهل الرجل يصلحان بينهما، ويجمعان ولا يفرقان، وينظران من أين يأتي الدرء، فإن اصطلحا فهو أمر الله وإن أبيا ذلك وأبت المرأة إلا نشوزا وقفها الإمام على النشوز، فإن افتدت من زوجها، فقد حل له أن يخلعها ﴿ إن يريدا إصلاحا ﴾ قال مجاهد :يعني الحكمين ﴿ يوفق الله بينهما ﴾.
﴿ واعبدوا الله ﴾ يعني واحفظوا الله ﴿ ولا تشركوا به شيئا ﴾ أي لا تعدلوا به غير ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ ﴿ والجار ذي القربى ﴾ الذي له قرابة ﴿ والجار الجنب ﴾ الأجنبي الذي ليست له قرابة ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ يعني الرفيق في السفر، في تفسير ابن جبير، وقال غيره :يعني المرأة. قال محمد :وقيل في الجار الجنب، إنه الغريب، والجنابة في اللغة : [ البعد ]، يقال رجل جنب : [ غريب ].
يحيى :عن المعلى بن هلال، عن محرر بن عبد الله، عن عطاء الخراساني، قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الجيران ثلاثة :جار له حق، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق :فالجار المسلم ذو الرحم، فله حق الإسلام، وحق الرحم، وحق الجوار، وأما الذي له حقان :فالجار المسلم، له حق الإسلام، وحق الجوار، وأما الذي له حق واحد :فالجار المشرك، له حق الجوار " ١.
قوله : ﴿ وابن السبيل ﴾ يعني الضيف.
يحيى :عن عثمان، عن سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي، قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه، جائزته يوم وليلة، والضيافة :ثلاثة أيام، وما سوى ذلك فهو صدقة " ٢.
قوله : ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾.
يحيى :عن عثمان، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن سفينة مولى أم سلمة، عن أم سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان آخر قوله عند موته :" الصلاة وما ملكت أيمانكم " حتى جعل [ يلجلجها ] في صدره، وما يفيص به لسانه " ٣.
يحيى :عن أبي الأشهب، عن الحسن، قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" المملوك أخوك، فإن عجز فجد معه، من رضي مملوكه فليمسكه، ومن كرهه فليبعه،
ولا تعذبوا خلق الله ".
قال محمد :قوله : ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ﴾ المعنى :أوصاكم الله بعبادته، وأوصاكم بالوالدين إحسانا، وكذلك جميع ما ذكر الله في هذه الآية، المعنى :أحسنوا إلى هؤلاء كلهم. قوله : ﴿ إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ﴾ قال محمد :المختال :يعني التياه الجهول.
١ إسناده ضعيف، لأنه مرسل، أخرجه البزار (٢/٣٨٠، ح ١٨٩٦) كشف الأستار، وأبو نعيم في الحلية (٥/٢٠٧)..
٢ أخرجه البخاري (١٠/٣٦٠، ح ٦٠١٩) ومسلم (٣/١٣٥٢ – ١٣٥٣، ح ٤٨)..
٣ أخرجه النسائي في الكبرى (٤/٢٥٩، ح ٧١٠٠) ابن ماجه (١/١٥٩، ح ١٦٢٥) الإمام أحمد في مسنده (٦/٣١١، ٣٢١) أبو يعلى في مسنده (١٢/٤١٤، ح ٦٩٧٩) البيهقي في دلائل النبوة (٧/٢٠٥)..
﴿ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ﴾ قال الحسن :هم اليهود منعوا حقوق الله في أموالهم، وكتموا محمدا، وهم يعلمون أنه رسول الله.
﴿ والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴾ قال بعضهم :هم المنافقون ﴿ ومن يكن الشيطان له قرينا ﴾ [ صاحبا ] ﴿ فساء قرينا ﴾ فبئس القرين. قال محمد : ﴿ فساء قرينا ﴾ منصوب على التفسير.
﴿ وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ﴾ يعني الزكاة الواجبة ﴿ وكان الله بهم عليما ﴾ أي عليما بأنهم مشركون. قال محمد :قوله : ﴿ وماذا عليهم ﴾ المعنى :أي شيء عليهم.
﴿ إن الله لا يظلم ﴾ لا ينقص ﴿ مثقال ذرة ﴾ أي وزن ذرة. قال محمد :يقال :هذا على مثقال هذا، أي على وزنه ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه ﴾ ويعط من عنده. قال محمد :من قرأ ﴿ حسنة ﴾ بالرفع، فالمعنى :وإن تحدث حسنة.
﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ﴾ يعني يوم القيامة يشهد على قومه أنه قد بلغهم. قال محمد :المعنى فكيف تكون حالهم ؟ وهذا من الاختصار١ ﴿ وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ﴾.
١ انظر: الدر المصون (٢/٣٦٥)..
﴿ يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول ﴾ أي جحدوه ﴿ لو تسوى بهم الأرض ﴾ قال قتادة :يعني لو ساخوا فيها
﴿ ولا يكتمون الله حديثا ﴾ تفسير ابن عباس :يعني بهذا جوارحهم.
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ قد مضى تفسيره في سورة البقرة في تفسير ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر ﴾ [ البقرة :٢١٩ ].
قوله : ﴿ ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ﴾ تفسير ابن عباس :هو المسافر إن لم يجد الماء تيمم وصلى ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ قال محمد : ﴿ الغائط ﴾ الحدث، وأصل ﴿ الغائط ﴾ المكان المطمئن من الأرض، فكانوا إذا أرادوا قضاء الحاجة، أتوا غائطا من الأرض، ففعلوا ذلك فيه، فكنى عن الحدث بالغائط. وقوله : ﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ فيه إضمار لا تستطيعون [ قرب ] الماء من العلة، ذكره إسماعيل بن إسحاق ﴿ أو لامستم النساء ﴾ الملامسة في قول علي وابن عباس والحسن :الجماع، وكان ابن مسعود يقول :هو المس باليد، ويرى منه الوضوء ﴿ فتيمموا صعيدا طيبا ﴾ أي تعمدوا ترابا نظيفا ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ﴾.
يحيى :عن المعلى، عن أبي إسحاق الهمداني، عن ناجية بن كعب، عن عمار بن ياسر، قال :أجنبت وأنا في الإبل فتمعكت في الرمل، كما تتمعك الدابة، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخل الرمل في رأسي ولحيتي فأخبرته، فقال :" إنما كان يكفيك التيمم "، ثم ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه جميعا التراب، ثم نفضهما، ثم مسح بوجهه وكفيه مرة واحدة، ثم قال :" كان يكفيك أن تضع هكذا " ١ وبه يأخذ يحيى.
يحيى :عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال :الجريح والمجدور، والمقروح، إذا خشي على نفسه، تيمم. ٢
١ أخرجه النسائي في الكبرى (١/١٣٦، ح ٣٠٩) الإمام أحمد في مسنده (٤/٦٢٣) عبد الرزاق (١/٢٣٨، ح ٩١٤) الطيالسي في مسنده (ح ٦٤٠) الحميدى في مسنده (ح ١٤٤)..
٢ أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/٩٦٠، ح ٥٣٦٢) والدارقطني في سننه (١/١٧٨، ح ١٠ – ١١) ابن أبي شيبة في مصنفه (١/١٢٤، برقم ١) البيهقي في الكبرى (١/١٢٤) الحاكم في المستدرك (١/١٦٥)..
﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ﴾ يعني اليهود ﴿ يشترون الضلالة ﴾ أي يختارون ﴿ ويريدون أن تضلوا السبيل ﴾ يعني طريق الهدى.
﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ قال الحسن :حرفوا كلام الله، وهو الذي وضعوا من قبل أنفسهم من الكتاب، ثم ادعوا أنه من كتاب الله ﴿ ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع ﴾ تفسير الحسن :غير مسمع منا ما تحب. قال محمد :قيل في قوله : ﴿ غير مسمع ﴾ كانوا يقولونه سرا في أنفسهم ﴿ وراعنا ليا بألسنتهم ﴾ قد مضى تفسير ﴿ وراعنا ﴾ في سورة البقرة. قال محمد ﴿ ليا ﴾ أصله :لويا، ولكن الواو أدغمت في الياء، ومعناه :التحريف، أي يحرفون [ راعنا إلى ما ] في قلوبهم من السب والطعن على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وطعنا في الدين ﴾ في الإسلام ﴿ ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا ﴾ حتى نتفهم ﴿ لكان خيرا لهم وأقوم ﴾ لأمرهم ﴿ ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ﴾ قال قتادة :قل من آمن من اليهود.
﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها ﴾ قال قتادة :يعني من قبل أقفائها ﴿ أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ﴾ مسخ أصحاب السبت قردة ﴿ وكان أمر الله مفعولا ﴾ أي إذا أراد الله أمرا فإنما يقول له :كن فيكون.
﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ أي يعدل به غيره ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾. يحيى :عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال :سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الموجبتين :فقال :" من مات [ لا ] يشرك بالله شيئا
دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار " ١.
١ أخرجه مسلم (١/٩٤، ح ٩٣)..
﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ﴾ تفسير قتادة :هم اليهود زكوا أنفسهم بأمر لم يبلغوه، قالوا :نحن أبناء الله وأحباؤه١ ﴿ بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون ﴾ ينقصون ﴿ فتيلا ﴾ الفتيل :ما كان في بطن النواة من لحائها.
١ أخرجه الطبري في تفسيره (٤/١٢٩، ح ٩٧٣٨)..
﴿ انظر كيف يفترون على الله الكذب ﴾ أي يختلقونه ﴿ وكفى به إثما مبينا ﴾ بينا.
﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ قال مجاهد " الجبت " :الكاهن، ﴿ والطاغوت ﴾ :الشيطان ﴿ ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ﴾ قال الكلبي :هم قوم من اليهود أتوا مكة فسألتهم قريش وأناس من غطفان، فقالت قريش :نحن نعمر هذا المسجد، ونحجب هذا البيت، ونسقي الحاج، أفنحن أمثل أم محمد وأصحابه ؟ فقالت اليهود :بل أنتم أمثل، فقال عيينة بن حصن وأصحابه الذين معه :أما قريش فقد عدوا ما فيهم ففضلوا على محمد وأصحابه، فناشدوهم أنحن أهدى أم محمد وأصحابه ؟ فقالوا لا والله، بل أنتم أهدى. فقال الله : ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ الآية.
قال محمد :يقول :أولئك الذين باعدهم الله من رحمته، واللعنة أصلها :المباعدة.
﴿ أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ﴾ النقير :النقرة تكون في ظهر النواة. قال محمد :المعنى أنهم لو أعطوا الملك، ما أعطوا الناس منه النقير، والنقير ها هنا تمثيل.
﴿ أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ﴾ قال الكلبي :الناس في هذه الآية :النبي صلى الله عليه وسلم، قالت اليهود :انظروا إلى هذا الذي [ لا يشبع ] من الطعام، [ ولا ] والله ما له هم إلا النساء حسدوه لكثرة نسائه وعابوه بذلك، فقالوا :لو كان نبيا ما رغب في كثرة النساء، فأكذبهم الله، فقال : ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ﴾ يعني النبوة ﴿ وآتيناهم ملكا عظيما ﴾ فسليمان بن داود من آل إبراهيم } وقد كان عند سليمان ألف امرأة، وعند داود مائة امرأة، فكيف يحسدونك يا محمد على تسع نسوة.
﴿ فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه ﴾ قال مجاهد :يعني اليهود منهم من آمن بما أنزل على محمد، ومنهم من صد عنه، يعني جحد به ﴿ وكفى بجهنم سعيرا ﴾ لمن صد عنه.
﴿. . . كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ﴾.
قال يحيى :بلغنا أنها تأكل كل شيء حتى تنتهي إلى الفؤاد، فيصيح الفؤاد فلا يريد الله أن تأكل أفئدتهم، فإذا لم تجد شيئا تتعلق به منهم، خبت، أي سكنت، ثم يعادون خلقا جديدا، فتأكلهم كلما أعيد خلقهم.
وقوله : ﴿ وندخلهم ظلا ظليلا ﴾ قال الحسن :يعني دائما.
﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ الآية. لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، دعا عثمان بن طلحة، فقال :أرنا المفتاح، فلما أتاه به قال عباس :يا رسول الله، اجمعه لي مع السقاية، فكف عثمان يده، مخافة أن يدفعه إلى العباس، فقال رسول الله :" يا عثمان، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فأرنا المفتاح " فقال :هاك في أمانة الله، فأخذه رسول الله، ففتح باب الكعبة، ثم دخل فأفسد ما كان في البيت من التماثيل، وأخرج مقام إبراهيم فوضعه، حيث وضعه، ثم طاف بالكعبة مرة أو مرتين، ونزل عليه جبريل يأمره برد المفتاح إلى أهله، فدعا عثمان، فقال :" هاك المفتاح، إن الله يقول :وأدوا الأمانات إلى أهلها " وقرأ الآية كلها١.
١ عزاه الحافظ السيوطي لابن مردويه في تفسيره. انظر: الدر المنثور (٢/١٩٣)..
﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ﴾ قال الكلبي :هم أمراء السرايا ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ قال قتادة :يعني إلى كتاب الله وسنة رسوله ﴿ ذلك خير وأحسن تأويلا ﴾ يعني عاقبة في الآخرة.
﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ﴾ إلى قوله : ﴿ يصدون عنك صدودا ﴾ قال الكلبي :إن رجلا من المنافقين كان بينه وبين رجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي :انطلق بنا إلى محمد نختصم إليه، وقال المنافق :بل إلى كعب ابن الأشرف، وهو الطاغوت ها هنا، قال الكلبي :فأبى المنافق أن يخاصمه إلى النبي، وأبى اليهودي إلا أن يخاصمه إلى النبي، فاختصما إلى النبي، فقضى لليهودي، فلما خرجا من عنده، قال المنافق :انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب أخاصمك إليه، فأقبل معه اليهودي، فدخلا على عمر، فقال له اليهودي :يا عمر، إني اختصمت أنا وهذا الرجل إلى محمد، فقضى لي عليه، فلم يرض هذا بقضائه، وزعم أنه يخاصمني إليك، فقال عمر للمنافق :أكذلك ؟ قال :نعم، فقال :رويدكما حتى أخرج إليكما، فدخل البيت فاشتمل على السيف، ثم خرج إلى المنافق فضربه حتى برد.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٠: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ﴾ إلى قوله : ﴿ يصدون عنك صدودا ﴾ قال الكلبي :إن رجلا من المنافقين كان بينه وبين رجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي :انطلق بنا إلى محمد نختصم إليه، وقال المنافق :بل إلى كعب ابن الأشرف، وهو الطاغوت ها هنا، قال الكلبي :فأبى المنافق أن يخاصمه إلى النبي، وأبى اليهودي إلا أن يخاصمه إلى النبي، فاختصما إلى النبي، فقضى لليهودي، فلما خرجا من عنده، قال المنافق :انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب أخاصمك إليه، فأقبل معه اليهودي، فدخلا على عمر، فقال له اليهودي :يا عمر، إني اختصمت أنا وهذا الرجل إلى محمد، فقضى لي عليه، فلم يرض هذا بقضائه، وزعم أنه يخاصمني إليك، فقال عمر للمنافق :أكذلك ؟ قال :نعم، فقال :رويدكما حتى أخرج إليكما، فدخل البيت فاشتمل على السيف، ثم خرج إلى المنافق فضربه حتى برد.
﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة ﴾ قال الحسن :وهذا كلام منقطع عما قبله وعما بعده، يقول :إذا أصابتهم، يعني أن يظهروا ما في قلوبهم، فيقتلهم رسول الله، وفيه إضمار، والإضمار الذي فيه يقول :إذا أصابتهم مصيبة، لم ينجهم منها ولم يغثهم، ثم رجع إلى الكلام الأول، إلى قوله : ﴿ يصدون عنك صدودا ﴾.
﴿ ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ﴾ أي إن أردنا إلا الخير.
قال الله : ﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ﴾ من الشرك والنفاق ﴿ فأعرض عنهم ﴾ فلا تقتلهم ما جعلوا يظهرون الإيمان ﴿ وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ﴾ يقول لهم :إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلتكم.
﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ﴾ قال مجاهد :واجب للرسل أن يطاعوا، ولا يطيعهم أحد إلا بإذن الله.
﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴾ أي اختلفوا فيه ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ﴾ قال مجاهد :يعني شكا.
﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ﴾ قال الكلبي :كان رجال من المؤمنين ورجال من اليهود [ جلوسا ] فقالت اليهود :لقد استتابنا الله من أمر فتبنا إليه منه، وما كان ليفعله أحد غيرنا [ قتلنا ] أنفسنا في طاعة الله حتى رضي عنا، فقال ثابت بن قيس بن شماس :إن الله يعلم لو أمرنا محمد أن نقتل أنفسنا لقتلت نفسي، فأنزل الله : ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ﴾ قال محمد :من قرأ ﴿ إلا قليل ﴾ فالمعنى ما فعله إلا قليل.
﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم ﴾ في العاقبة ﴿ وأشد تثبيتا ﴾ في العصمة والمنعة من الشيطان.
﴿ وإذا لآتيناهم من لدنا ﴾ من عندنا ﴿ أجرا عظيما ﴾ يعني الجنة.
﴿وَمَنْ يُطِعِ الله وَالرَّسُول﴾ الْآيَة.
تَفْسِير قَتَادَة: ذكر لنا أَن رجَالًا قَالُوا: هَذَا نَبِي الله نرَاهُ فِي الدُّنْيَا، فَأَما فِي الْآخِرَة فيرفع بفضله فَلَا نرَاهُ؛ فَأنْزل الله هَذِهِ الْآيَة. [آيَة ٧١ - ٧٤]
﴿ ومن يطع الله والرسول ﴾ الآية، تفسير قتادة :ذكر لنا أن رجالا قالوا :هذا نبي الله نراه في الدنيا، فأما في الآخرة فيرفع بفضله فلا نراه، فأنزل الله هذه الآية١.
١ أخرجه الطبري في تفسيره (٤/١٦٧، ح ٩٩٣١)..
﴿ فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ﴾ " الثبات " :السرايا، " والجميع " :الزحف.
قال محمد :الثبات :الجماعات المفترقة، واحدها :ثبة.
﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ عن الغزو والجهاد، في تفسير الحسن. قال محمد : ﴿ ليبطئن ﴾ معناه :يتأخر، يقال :أبطأ الرجل، إذا تأخر وبطؤ إذا ثقل ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ أي نكبة ﴿ قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ﴾ حاضرا.
﴿ ولئن أصابكم فضل من الله ﴾ يعني الغنيمة ﴿ ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ﴾ أي أصبت من الغنيمة، وهؤلاء المنافقون. وقوله : ﴿ كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ﴾ فيما يظهر. قال محمد : ﴿ فأفوز ﴾ منصوب، على جواب التمني بالفاء.
﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ أي يبيعون.
﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين ﴾ قال الحسن :يعني وعن المستضعفين من أهل مكة من المسلمين ﴿ الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ﴾ وهم مشركو أهل مكة. قال محمد : ﴿ الظالم أهلها ﴾ نعت للقرية ﴿ واجعل لنا من لدنك ﴾ من عندك ﴿ وليا ﴾.
﴿ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ﴾ أي في طاعة الله ﴿ والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ﴾ الشيطان ﴿ فقاتلوا أولياء الشيطان ﴾ وهم المشركون ﴿ إن كيد الشيطان كان ضعيفا ﴾ أخبرهم أنهم يظهرون عليهم، في تفسير الحسن.
﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ﴾ الآية، قال الكلبي :كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة، وكانوا يلقون من المشركين أذى كثيرا، فقالوا :يا نبي الله، ألا تأذن لنا في قتال [ هؤلاء القوم ] فإنهم قد آذونا ؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كفوا أيديكم عنهم، فإني لم أؤمر بقتالهم " فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم و [ سار ] إلى بدر عرفوا أنه القتال كرهوا، أو بعضهم.
قال الله : ﴿ فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا ﴾ هلا ﴿ أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ إلى الموت. قال الله للنبي : ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ أي إنكم على كل حال ميتون والقتال خير لكم.
ثم أخبرهم ليعزيهم ويصبرهم، فقال : ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ﴾ قال قتادة :يعني في قصور محصنة. قال الحسن :ثم ذكر المنافقين خاصة فقال : ﴿ وإن تصبهم حسنة ﴾ النصر والغنيمة ﴿ يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة ﴾ نكبة من العدو ﴿ يقولوا هذه من عندك ﴾ أي إنما أصابنا هذا عقوبة مذ خرجت فينا، يتشاءمون به ﴿ قل كل من عند الله ﴾ النصر على الأعداء والنكبة ﴿ فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ﴾.
﴿ ما أصابك من حسنة ﴾
[ فظهرت بها على المشركين ] ﴿ فمن الله وما أصابك من سيئة ﴾ من نكبة نكبوا بها يوم أحد ﴿ فمن نفسك ﴾ أي بذنوبهم، وكانت عقوبة من الله بمعصيتهم رسول الله، حيث اتبعوا المدبرين.
﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى ﴾ كفر ﴿ فما أرسلناك عليهم حفيظا ﴾ تحفظ عليهم أعمالهم، حتى تجزيهم بها.
﴿ ويقولون طاعة ﴾ يعني به المنافقين، يقولون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال محمد :وارتفعت ﴿ طاعة ﴾ بمعنى أمرنا طاعة ﴿ فإذا برزوا ﴾ خرجوا ﴿ من عندك بيت طائفة منهم ﴾ قال قتادة :يعني غيرت طائفة منهم١ ﴿ غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون ﴾ أي يغيرون. قال محمد :قيل :المعنى قالوا وقدروا ليلا غير [ ما أتوك ] نهارا، والعرب تقول لكل ما فكر فيه، أو خيض بليل :قد بيت، ومن هذا قول الشاعر :
أتوني فلم أرض ما بيتوا وكانوا أتوني لأمر نكر٢
قوله : ﴿ فأعرض عنهم ﴾ لا تقتلهم، ولا تحكم عليهم أحكام المشركين ما كانوا إذا لقوك أعطوك الطاعة، ولم يظهروا الشرك ﴿ وتوكل على الله ﴾ فإنه سيكفيكهم ﴿ وكفى بالله وكيلا ﴾ لمن توكل عليه.
١ أخرجه الطبري في تفسيره (٤/١٨١، ح ٩٩٨٦)..
٢ البيت للأسود بن يعفر. انظر: لسان العرب (٦/٤٥٣٩) مادة: (نكر)..
﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ يقول :لو تدبروه، لم ينافقوا ولآمنوا ﴿ ولو كان ﴾ هذا القرآن ﴿ من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ﴾ تفسير قتادة :قول الله لا يختلف هو حق ليس فيه باطل، وإن قول الناس يختلف.
﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ﴾ قال قتادة : ﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن ﴾ أي من أن إخوانهم آمنون ظاهرون ﴿ أو الخوف ﴾ يعني القتل والهزيمة ﴿ أذاعوا به ﴾، أي أفشوه ﴿ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ﴾ إلى العلم منهم ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ الذين يفحصون عنه، ويهمهم ذلك، يقول :إذا كانوا أعلم بموضع الشكر في النصر والأمن، وأعلم بالمكيدة في الحرب ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ﴾ فضل الله الإسلام، ورحمته القرآن.
قال يحيى :قوله : ﴿ لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ﴾ فيه تقديم وتأخير، يقول لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان [ إلا قليلا ].
قال محمد :قيل :إن هذه الآية نزلت في جماعة من المنافقين، وضعفة من المسلمين، كانوا إذا أعلم النبي عليه السلام أنه ظاهر على قوم، أو إذا تجمع قوم يخاف من جمع مثلهم، أذاع ذلك المنافقون، ليحذر من يحبون أن يحذر من الكفار، وليقوى قلب من يحبون أن يقوى قلبه، وكان ضعفة المسلمين يشيعون ذلك معهم من غير علم منهم بالضرر في ذلك، فقال الله : ﴿ ولو ردوه إلى الرسول ﴾ الآية.
﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض ﴾ أي أخبرهم بحسن ثواب الله في الآخرة للشهداء ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ﴾ وعسى من الله واجبة ﴿ والله أشد بأسا ﴾ عذابا ﴿ وأشد تنكيلا ﴾ عقوبة.
﴿ من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ﴾ أي حظ ﴿ ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها ﴾ أي إثم. قال الحسن : [ والشفاعة الحسنة ما يجوز ] في الدين أن يشفع فيه، [ والشفاعة السيئة ما يحرم في الدين أن يشفع فيه ﴿ وكان الله على كل شيء مقيتا ﴾ أي مقتدرا، في تفسير الكلبي.
قال محمد :وأنشد بعضهم :
وذي ضغن كففت النفس عنه وكنت على مساءته مقيتا١
١ ذكره ابن منظور. انظر: لسان العرب (٥/٣٧٦٩)..
قوله : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ التحية :السلام، ومعنى : ﴿ بأحسن منها ﴾ إذا قال الرجل :السلام عليكم، رد عليه السلام عليكم ورحمة الله، وإذا قال :السلام عليكم ورحمة الله رد عليه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ومعنى ﴿ أو ردوها ﴾ أي ردوا عليه مثل ما يسلم، وهذا إذا سلم عليك المسلم ﴿ إن الله كان على كل شيء حسيبا ﴾ قال محمد :يعني محاسبا في قول بعضهم.
﴿ الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ﴾ لا شك فيه ﴿ ومن أصدق من الله حديثا ﴾ أي لا أحد أصدق منه.
﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ قال محمد : ﴿ فئتين ﴾ نصب على الحال، المعنى :أي شيء لكم في الاختلاف في أمرهم ؟ ﴿ والله أركسهم بما كسبوا ﴾ هم قوم من المنافقين كانوا بالمدينة، فخرجوا منها إلى مكة، ثم خرجوا من مكة إلى اليمامة تجارا فارتدوا عن الإسلام وأظهروا ما في قلوبهم من الشرك، فلقيهم المسلمون، فكانوا فيهم ﴿ فئتين ﴾ أي فرقتين، فقال بعضهم :قد حلت دماؤهم، هم مشركون مرتدون، وقال بعضهم :لم تحل دماؤهم، هم قوم عرضت لهم فتنة، فقال الله : ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ وليس يعني أنهم في تلك الحال التي أظهروا فيها الشرك منافقون، ولكنه نسبهم إلى [ خبثهم ] الذي كانوا عليه مما في قلوبهم من النفاق، يقول :قال بعضكم كذا، وقال بعضكم كذا ؛ [ هلا ] كنتم فيهم فئة [ واحدة ] ولم تختلفوا في قتلهم ؟.
ثم قال : ﴿ والله أركسهم بما كسبوا ﴾ أي ردهم إلى الشرك بما كان في قلوبهم من الشك والنفاق ﴿ أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ﴾.
﴿ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ﴾ أي في الكفر شرعا سواء ﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء ﴾ أي لا توالوهم ﴿ حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾ فيرجعوا إلى الدار التي خرجوا منها، يعني المدينة ﴿ فإن تولوا ﴾ وأبوا الهجرة ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ﴾.
ثم استثنى قوما نهى عن قتالهم، فقال : ﴿ إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ قال محمد :يعني إلا من اتصل بقوم بينكم وبينهم ميثاق، ومعنى " اتصل " انتسب.
قال يحيى :وهؤلاء بنو مدلج كان بينهم وبين قريش عهد، وكان بين رسول الله وقريش عهد، فحرم الله من بني مدلج ما حرم من قريش، وهذا منسوخ نسخته الآية ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة :٥ ] ﴿ أو جاءوكم حصرت صدورهم ﴾ أي كارهة صدورهم ﴿ أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ﴾ الآية، قال محمد :وتقرأ " حصرة صدروهم " أي ضاقت، الحصر في اللغة :الضيق.
قوله : ﴿ فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ﴾ يعني حجة ؛ وهذا منسوخ أيضا، نسخته آية القتال.
﴿ ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ﴾ تفسير مجاهد، قال : [ هم ] أناس من أهل مكة ؛ كانوا يأتون النبي يسلمون عليه رياء، ثم يرجعون إلى قريش يرتكسون في الأوثان يبتغون بركتها أن يأمنوا ها هنا وها هنا، فأمروا ل بقتالهم ؛ إن لم يعتزلوا ويصلحوا١.
١ أخرجه الطبري في تفسيره (٤/٢٠٣، ح ١٠٠٨٤)..
﴿ وما كان لمؤمن ﴾ يعني :لا ينبغي لمؤمن ﴿ أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ﴾ أي إلا أن يكون لا يتعمد لقتله ﴿ ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ﴾ يعني أهل القتيل ﴿ إلا أن يصدقوا ﴾ يعني إلا أن يصدق أهل القتيل، فيتجاوزوا عن الدية ﴿ فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ﴾ قال الحسن :كان الرجل يسلم وقومه حرب، فيقتله رجل من المسلمين خطأ ففيه تحرير رقبة مؤمنة [ ولا دية ] لقومه ﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ﴾ ما كان من عهد بين المسلمين وبين المشركين، أو أهل الذمة ؛ فقتل رجل منهم، ففيه الدية لأوليائه، وعتق رقبة مؤمنة ﴿ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله ﴾ تجاوزا من الله، قال محمد : ﴿ توبة من الله ﴾ القراءة بالفتح، المعنى فعل الله ذلك توبة منه.
﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا ﴾ الآية.
قال يحيى :بلغني أن عمر بن الخطاب، قال لما أنزل الله الموجبات التي أوجب عليها النار، لمن عمل بها، ومن يقتل مؤمنا متعمدا [ أو أشباه ] ذلك كنا نبث عليه الشهادة حتى نزلت هذه الآية ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ [ النساء :١١٦ ] فكففنا عن الشهادة.
يحيى :عن عاصم بن حكيم، [ عن خالد بن أبي كريمة، عن عبد الله بن ميسور، عن محمد بن الحنفية ]، عن علي، قال : [ قال الله عز وجل : ] ١ " لا تنزلوا العارفين المحدثين الجنة ولا النار، حتى يكون الله هو الذي يقضي فيهم يوم القيامة " ٢.
١ ما بين المعقوفتين زيادة من موضع التخريج..
٢ أورده الحافظ الديلمي في الفردوس (٣/١٧٤، ح ٤٤٦٧) عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، موقوفا..
﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله ﴾ الآية، تفسير قتادة :هذا في شأن مرداس رجل من غطفان ؛ ذكر لنا أن نبي الله بعث جيشا عليهم غالب الليثي إلى أهل فدك، وفيها ناس من غطفان، وكان مرداس منهم ففر أصحابه، وقال لهم مرداس :إني مؤمن وإني غير متابعكم، فصبحته الخيل غدوة، فلما لقوه سلم عليهم، فدعاه أصحاب نبي الله ؛ فقتلوه، وأخذوا ما كان معه من متاع، فأنزل الله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ﴾ لأن تحية المؤمنين السلام، بها يتعارفون، ويلقى بعضهم بعضا١ ﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة ﴾ يعطيكموها ﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ أي ضلالا ﴿ فمن الله عليكم ﴾ بالإسلام. قال محمد :ومن قرأ ﴿ لمن ألقى إليكم السلام ﴾ فالمعنى :استسلم لكم.
١ أخرجه الطبري في تفسيره (٤/٢٢٥، ح ١٠٢٢٥)..
﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ﴾.
يحيى :عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن البراء بن عازب قال :لما نزلت هذه الآية ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين ﴾ ولم يذكر الضرر ﴿ والمجاهدون في سبيل الله ﴾ جاء ابن أم مكتوم إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم فقال أنا كما ترى وكان أعمى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ادعوا لي زيدا وليأت باللوح أو الكتف "، فأنزل الله : ﴿ غير أولي الضرر ﴾١.
قال محمد :القراءة ﴿ غير ﴾ بالفتح، على معنى الاستثناء٢.
﴿ فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى ﴾ يعني الجنة، وهذه نزلت بعدما صار الجهاد تطوعا. قال ﴿ وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ﴾.
١ أخرجه الطبري (٦/٥٣، ح ٢٨٣١) مسلم (٣/١٥٠٨، ح ١٨٩٨)..
٢ انظر: الدر المصون (٢/٤١٧)..
﴿ درجات منه ومغفرة ورحمة ﴾ الآية، قال محمد : ﴿ درجات ﴾ نصب على البدل، من قوله : ﴿ أجرا عظيما ﴾.
يحيى : [ عن عبد الرحمن بن يزيد، عن مكحول ] قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن في الجنة لمائة درجة، بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ولولا أن أشق على أمتي، ولا أجد ما أحملهم عليه، ولا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا بعدي، ما قعدت خلاف سرية تغزوا ولوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل " ١.
١ أخرجه البخاري (٦/٢٠، ح ٢٧٩٧) مسلم (٣/١٤٩٥ – ١٤٩٧، ح ١٨٧٦)..
﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم ﴾ قالت لهم الملائكة، فيم كنتم ؟ ﴿ قالوا كنا مستضعفين في الأرض ﴾ يعني مقهورين في أرض مكة ﴿ قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ أي إليها، تفسير قتادة، قال :هؤلاء قوم كانوا بمكة تكلموا بالإسلام، فلما خرج أبو جهل وأصحابه خرجوا معه، فقتلوا يوم بدر، واعتذروا [ بالأعذار ]، فأبى الله أن يقبل ذلك منهم.
ثم عذر الله الذين بمكة واستثناهم، فقال : ﴿ إلا المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان لا يستطيعون حيلة ﴾ أي لا قوة لهم فيخرجون من مكة إلى المدينة ﴿ ولا يهتدون سبيلا ﴾ لا يعرفون طريقا إلى المدينة.
﴿ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ﴾ و ﴿ عسى ﴾ من الله واجبة.
﴿ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ﴾ أي مهاجرا فيهاجر إليه، قال محمد :المراغم والمهاجر واحد ؛ يقال :راغمت وهاجرت، وأصله أن الرجل إذا أسلم خرج عن قومه مراغما لهم، أي مغاضبا مقاطعا. ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ﴾ الآية.
يحيى :عن قرة بن خالد، عن الضحاك بن مزاحم، قال :سمع رجل من بني كنانة، أن بني كنانة قد ضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم يوم بدر وقد أدنف للموت، فقال :أخرجوني إلى النبي، فوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فانتهى إلى عقبة سماها فتوفي بها، فأنزل الله فيه هذه الآية.
﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم ﴾ أن يقتلكم ﴿ الذين كفروا ﴾ هذا قصر صلاة الخوف.
﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴾ قال مجاهد :إن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا بعسفان، والمشركون بضجنان١ فتواقفوا فصلى النبي عليه السلام بأصحابه الظهر أربعا، ركوعهم وسجودهم وقيامهم معا، فهم بهم المشركون أن [ يغيروا ] على أمتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله ﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴾ الآية٢.
قوله : ﴿ ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم ﴾ أي يضعون أسلحتهم وهم [ يحذرون ].
قال محمد :ذكر يحيى سنة صلاة الخوف، ونقل فيها اختلافا، فاختصرت ذلك، إذ له موضعه من كتب الفقه.
١ جبل قرب مكة. انظر معجم البلدان (٣/٥١٤)..
٢ أخرجه الطبري في تفسيره (٤/٢٥٧، ح ١٠٣٧٩)..
﴿ فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله ﴾ يعني باللسان ﴿ قياما وقعودا وعلى جنوبكم ﴾ تفسير قتادة :افترض الله ذكره عند القتال ﴿ فإذا اطمأننتم ﴾ يعني في أمصاركم ﴿ فأقيموا الصلاة ﴾ يقول :فأتموا الصلاة ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ﴾ أي مفروضا.
﴿ ولا تهنوا في ابتغاء القوم ﴾ أي لا تضعفوا في طلبهم ﴿ إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ﴾ يعني وجع الجراح ﴿ وترجون من الله ما لا يرجون ﴾ أي من ثوابه ما لا يرجو المشركون يرغبهم بذلك في الجهاد.
﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ﴾ في الوحي ﴿ ولا تكن للخائنين خصيما ﴾ تفسير الحسن :أن رجلا من الأنصار سرق درعا فاتهم عليها حتى فشت القالة، انه سرق الدرع، فانطلق فاستودعها رجلا من اليهود، ثم أتى قومه، فقال :ألم تروا إلى هؤلاء الذين اتهموني على الدرع، فوالله ما زلت أطلب وأبحث حتى وجدتها عند فلان اليهودي، فأتوا اليهودي فوجدوا عنده الدرع، فقال :والله ما سرقتها، إنما استودعنيها، ثم قال الأنصاري لقومه :انطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم " فقولوا له، فليخرج فليعذرني، فتسقط عني القالة، فأتى قومه رسول الله، فقالوا :يا رسول ا الله، اخرج فاعذر فلانا، حتى تسقط عنه القالة، فأراد رسول الله أن يفعل، فأنزل الله :{ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا
تكن للخائنين خصيما } أي أن الأنصاري هو سرقها، فلا تعذرنه.
﴿ واستغفر الله ﴾ مما كنت هممت به أن تعذره.
﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب ﴾ أي إن الأنصاري [ سرقها أي ] خانها، والأنصاري :طعمة بن أبيرق وكان منافقا.
﴿ يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله ﴾ [ أي يستحيون من الناس، ولا يستحيون من الله ] ﴿ وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول ﴾ يعني ما قال الأنصاري :إن اليهودي سرقها.
ثم أقبل على قوم الأنصاري، فقال :
﴿ ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا ﴾ أي حفيظا لأعمالهم، في تفسير الحسن.
[ قال الحسن ] :ثم استتابه الله، فقال : ﴿ ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ﴾ إلى قوله : ﴿ عليما حكيما ﴾.
﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا ﴾ أي [ ما رمي به ] اليهودي وهو منها بريء ﴿ فقد احتمل بهتانا ﴾ كذبا ﴿ وإثما مبينا ﴾ بينا.
قال الحسن :ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم :
﴿ ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك ﴾ فيما أرادوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعذر عن صاحبهم ﴿ وما يضلون إلا أنفسهم ﴾ أي حين جاءوا إليك لتعذره ﴿ وما يضرونك ﴾ ينقصونك ﴿ من شيء ﴾. قال محمد :قيل إن المعنى في قوله : ﴿ أن يضلوك ﴾ أي أن يخطئوك في حكمك، وما يضلون إلا أنفسهم، لأنهم يعملون عمل الضالين، والله يعصم نبيه من متابعتهم.
﴿ لا خير في كثير من نجواهم ﴾ يعني قوم الأنصاري ﴿ إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ﴾ قال الحسن :فلما أنزل الله في الأنصاري ما أنزل استحيا أن يقيم بين ظهراني المسلمين، فلحق بالمشركين ؛ فأنزل الله :
﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ أي يفارق ﴿ من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾ يعني غير دين المؤمنين ﴿ نوله ما تولى ﴾
قال الحسن :ثم استتابه الله، فقال : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ الآية، فلما نزلت هذه الآية رجع إلى المسلمين.
﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثا ﴾ قال الحسن :يعني إلا أمواتا.
قال يحيى :كقوله : ﴿ أموت غير أحياء ﴾ [ النحل :٢١ ] يعني أصنامهم. قال محمد :وقيل المعنى :إلا ما سموه بأسماء الإناث ؛ مثل اللات والعزى ومناة.
﴿ وإن يدعون إلا شيطانا مريدا ﴾ قال الحسن :أي إن تلك الأوثان لم تدعهم إلى عبادتها، إنما دعاهم إلى عبادتها الشيطان. قال محمد " المريد " :العاتي ؛ يقال :مريد ومارد.
وقوله تعالى : ﴿ لعنه الله وقال ﴾ يعني إبليس ﴿ لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ﴾. قال محمد المعنى :أفترضه لنفسي.
﴿ ولأضلنهم ﴾ لأغوينهم ﴿ ولأمنينهم ﴾ أي بأنهم لا عذاب عليهم ﴿ ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ﴾ هي البحيرة ؛ كانوا يقطعون أطراف آذانها ويحرمونها ﴿ ولأمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ قال ابن عباس :هو الخصاء. وقال الحسن :هو ما تشم النساء في أيديها ووجوهها ؛ كان نساء أهل الجاهلية يفعلن ذلك.
﴿. . . ولا يجدون عنها محيصا ﴾ ملجأ.
﴿ وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا ﴾ أي لا أحد.
﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾ قال الحسن :قالت اليهود للمؤمنين :كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم، [ وكتابنا القاضي على ما قبله من الكتب ] ونحن أهدى منكم، قال المؤمنون :كذبتم، إنا صدقنا بكتابكم ونبيكم، وكذبتم بكتابنا ونبينا، وكتابنا القاضي على ما قبله من [ الكتب ]. قال محمد المعنى : ﴿ ليس ﴾ ثواب الله عز وجل ﴿ بأمانيكم ﴾ ولا أماني أهل الكتاب.
﴿ من يعمل سوءا يجز به ﴾
يحيى :عن المعلى بن هلال، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي بكر ابن زهير، أن أبا بكر الصديق، قال :يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " أية آية " قال :قول الله : ﴿ من يعمل سوءا يجز به ﴾ فكل سوء عملناه نجزى به يا رسول الله ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" غفر الله لك يا أبا بكر، أليس تمرض ؟ أليس تحزن ؟ أليس تنصب ؟ أليس تصيبك اللأواء، يعني الأوجاع والأمراض ؟ " قال :بلى، قال :" فهو مما تجزون به " ١.
١ أخرجه مسلم (٤/١٩٩٣، ح ٢٥٧٤) الإمام أحمد في مسنده (١/١١) الحاكم في المستدرك (٣/٧٤ – ٧٥) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، البيهقي في الكبرى (٣/٣٧٣)..
﴿ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله ﴾ أي أخلص ﴿ وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا ﴾ أي لا أحد أحسن دينا منه. قال الكلبي :لما قالت اليهود للمؤمنين :كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، وقال لهم المؤمنون ما قالوا ؛ فأنزل الله : ﴿ ليس بأمانيكم ﴾ إلى قوله : ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلا ﴾ ففضل الله المؤمنين على اليهود.
قال محمد :تفسير بعضهم :الخليل هو من باب الخلة والمحبة التي لا خلل فيها.
﴿ ويستفتونك في النساء ﴾ قال الكلبي :سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ما لهن ] من الميراث، فأنزل الله الربع والثمن ﴿ قل الله يفتيكم فيهن ﴾ إلى قوله : ﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ أي عن أن تنكحوهن.
يحيى :عن سفيان، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، عن علي ابن أبي طالب، أنه قال في قوله : ﴿ وما يتلى عليكم في الكتاب ﴾ الآية، قال :تكون المرأة عند الرجل بنت عمه يتيمة في حجره، ولها مال فلا يتزوجها لدمامتها، ولكن يحبسها حتى يرثها، فنزلت هذه الآية، فنهوا عن ذلك.
وقوله : ﴿ لا تؤتونهن ما كتب لهن ﴾ يعني ميراثهن. وقوله : ﴿ والمستضعفين من الولدان ﴾ يقول :يفتيكم فيهن، وفي المستضعفين من الولدان ألا تأكلوا [ من ] أموالهم. قال قتادة :وكانوا لا يورثون الصغير، وإنما كانوا يورثون من يحترف، وينفع ويدفع. ﴿ وأن تقوموا لليتامى بالقسط ﴾ وهو تبع للكلام الأول، قل الله يفتيكم فيهن، وفي يتامى النساء، وفي المستضعفين من الولدان، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط.
﴿ وإن امرأة خافت ﴾ يعني علمت ﴿ من بعلها ﴾ يعني زوجها ﴿ نشوزا ﴾ يعني بغضا ﴿ أو إعراضا فلا جناح ﴾ لا حرج ﴿ عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير ﴾ الآية، قال بعضهم :هي المرأة تكون عند الرجل فتكبر فلا تلد فيريد أن يتزوج عليها أشب منها، ويؤثرها على الكبيرة، فيقول لها، إن رضيت أن أوثرها عليك وإلا طلقتك، أو يعطيها من ماله على أن ترضى أن يؤثر عليها الشابة.
وقوله : ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ أي شحت بنصيبها من زوجها للأخرى، فلم ترض ﴿ وإن تحسنوا ﴾ [ الفعل ] ﴿ وتتقوا ﴾ الميل والجور فيهن ﴿ فإن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾.
﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ في الحب ﴿ ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ﴾ قال الحسن :فتأتي واحدة، وتدع الأخرى ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾
قال الحسن :لا أيم، ولا ذات بعل ﴿ وإن تصلحوا ﴾ الفعل في أمرهن ﴿ وتتقوا ﴾ الميل والجور فيهن ﴿ فإن الله كان غفورا رحيما ﴾.
قوله :
﴿ وكان الله واسعا حكيما ﴾ أي واسعا لهما في الرزق حكيما في أمره.
قوله : ﴿ وكفى بالله وكيلا ﴾ لمن توكل عليه.
﴿ إن يشأ يذهبكم أيها الناس ﴾ [ أي يذهبكم } بعذاب الاستئصال ﴿ ويأت بآخرين ﴾ [ بقوم ] يطيعونه.
﴿ من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ﴾ يعني ثواب الآخرة لمن أراد الآخرة. هو كقوله : ﴿ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ﴾ إلى قوله : ﴿ كان سعيهم مشكورا ﴾[ الإسراء :١٨ – ١٩ ].
﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ﴾ إلى قوله : ﴿ فالله أولى بهما ﴾ يقول :اشهدوا على أنفسكم وعلى أبنائكم [ وعلى آبائكم ] وأمهاتكم وقراباتكم ؛ أغنياء كانوا أو فقراء ﴿ إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ﴾ أي أولى بغناه وفقره منكم. قال قتادة :يقول :لا يمنعنك غنى غني، ولا فقر فقير أن تشهد عليه بما تعلم.
﴿ فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ﴾ [ فتدعوا ] الشهادة ﴿ وإن تلووا ﴾ ألسنتكم فتحرفوا الشهادة ﴿ أو تعرضوا ﴾ فلا تشهدوا بها ﴿ فإن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾.
﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله ﴾ قال الكلبي :خاطب بهذا من آمن من أهل الكتاب ؛ وذلك أنهم قالوا عند إسلامهم :أنؤمن بكتاب محمد، ونكفر بما سواه ؟ فقال الله : ﴿ آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله ﴾ الآية.
﴿ إن الذين آمنوا ثم كفروا ﴾ الآية، هم أهل الكتابين، في تفسير قتادة، قال :آمنت اليهود بالتوراة، ثم كفرت بها، يعني ما حرفوا منها، وآمنت النصارى بالإنجيل ثم كفرت به، يعني ما حرفوا منه ﴿ ثم ازدادوا ﴾ كلهم ﴿ كفرا ﴾ بالقرآن ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ قال الحسن :يعني من مات منهم على كفره ﴿ ولا ليهديهم سبيلا ﴾ أي سبيل هدى، يعني الأحياء، وأراد بهذا عامتهم، وقد تسلم الخاصة منهم.
﴿ الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ﴾ كانوا يتولون اليهود، وقد أظهروا الإيمان ﴿ أيبتغون عندهم العزة ﴾ أي أيريدون بهم العزة ؟.
﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾ يعني ما أنزل في سورة الأنعام ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ﴾ [ الأنعام :٦٨ ] الآية.
﴿ الذين يتربصون بكم ﴾ هم المنافقون، كانوا يتربصون برسول الله وبالمؤمنين ﴿ فإن كان لكم فتح من الله ﴾ نصر وغنيمة ﴿ قالوا ألم نكن معكم ﴾ ﴿ وإن كان للكافرين نصيب ﴾ نكبة على المؤمنين ﴿ قالوا ﴾ للكافرين ﴿ ألم نستحوذ عليكم ﴾ أي ندين بدينكم ﴿ ونمنعكم من المؤمنين ﴾ يعنون من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم أي كنا لكم عيونا نأتيكم بأخبارهم، ونعينكم عليهم، وكان ذلك في السر، قال الله : ﴿ فالله يحكم بينكم يوم القيامة ﴾ فيجعل المؤمنين في الجنة، ويجعل الكافرين في النار ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ﴾ أي حجة في الآخرة.
﴿ إن المنافقين يخادعون الله ﴾ بقولهم : ﴿ إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ﴾ [ البقرة :١٤ ] وهو خداعهم. قال محمد :يجازيهم جزاء الخداع.
﴿ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ﴾ عنها ﴿ يراءون الناس ﴾ يظهرون ما
ليس في قلوبهم ﴿ ولا يذكرون الله إلا قليلا ﴾ قال الحسن :إنما قل ؛ لأنه كان لغير الله.
﴿ مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ﴾ قال قتادة :ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا بمشركين مصرحين ﴿ ومن يضلل الله ﴾ عن الهدى ﴿ فلن تجد له سبيلا ﴾ يعني سبيل هدى.
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ﴾ يقول :لا تفعلوا كفعل المنافقين ؛ اتخذوا المشركين أولياء من دون المؤمنين ﴿ أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ﴾ قال ابن عباس :حجة بينة.
﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ وهو الباب السابع الأسفل.
﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ أي أن الله غني لا يعذب شاكرا ولا مؤمنا.
﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ﴾ قال قتادة :عذر الله المظلوم أن يدعو. وقال مجاهد :هو الضيف ينزل فيحول رحله، فيقول :فعل الله به، لم ينزلني.
﴿ إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء ﴾ الآية، هو كقوله : ﴿ إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ﴾ [ آل عمران :٢٩ ].
﴿ إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ﴾ قال قتادة :هم اليهود والنصارى ؛ آمنت اليهود بالتوراة وبموسى، وكفروا بالإنجيل وعيسى، وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى، وكفروا بالقرآن ومحمد، على جميعهم السلام ﴿ ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ﴾ قال السدي :يعني دينا. قال الله : ﴿ أولئك هم الكافرون حقا ﴾ الآية.
﴿ والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم ﴾ هو كقوله : ﴿ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ﴾ [ البقرة :١٣٦ ] الآية.
﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء ﴾ أي خاصة عليهم ﴿ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ﴾ أي عيانا ﴿ وآتينا موسى سلطانا مبينا ﴾ حجة [ بينة ].
﴿ ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم ﴾ الآية، فقد مضى تفسيره في سورة البقرة.
﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ أي فبنقضهم ميثاقهم، و[ ما ] صلة.
﴿ وقولهم قلوبنا غلف ﴾ قد مضى تفسيره. قال الله : ﴿ بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ﴾ قال قتادة :قل من آمن من اليهود.
﴿ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ﴾ هو ما قذفوا به مريم.
﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ﴾ [ مسح ] بالبركة ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ﴾ قال قتادة :ذكر لنا أن عيسى قال لأصحابه :أيكم يقذف عليه شبهي، فإنه مقتول ؟ قال رجل من أصحابه :أنا يا رسول الله، فقتل ذلك الرجل، ومنع الله نبيه ﴿ ورفعه إليه ﴾ ﴿ وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم ﴾ كان بعضهم يقول :هم النصارى، اختلفوا فيه فصاروا ثلاث فرق. قال الله ﴿ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا ﴾ [ أي ما قتلوا ظنهم يقينا ].
﴿ وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ﴾ قال قتادة :يعني قبل موت عيسى إذا نزل. وقال السدي :يقول لا يموت منهم أحد حتى يؤمن بعيسى، أنه عبد الله ورسوله، فلا ينفعه ذلك عند معاينة ملك الموت.
﴿ ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ﴾ أي يشهد عليهم، أنه قد بلغ رسالة ربه، وأقر بالعبودية على نفسه.
﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا ﴾ قال مجاهد :صدوا أنفسهم وغيرهم.
﴿ لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة ﴾ قال قتادة :استثنى الله منهم من كان يؤمن بالله وما أنزل عليهم، وما أنزل على نبي الله. قال محمد :اختلف القول في إعراب ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ فقال بعضهم المعنى :يؤمنون بما أنزل إليك، وبالمقيمين الصلاة، أي ويؤمنون بالنبيين المقيمين الصلاة. وقال بعضهم المعنى :واذكر المقيمين الصلاة، وهم المؤتون الزكاة.
﴿ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم ﴾ أي وكما أوحينا إلى إبراهيم ﴿ وإسماعيل ﴾ إلى قوله : ﴿ والأسباط ﴾ والأسباط :يوسف وإخوته ﴿ وآتينا داود زبورا ﴾ يعني كتابا، وكان داود بين موسى وعيسى، وليس في الزبور حلال ولا حرام، وإنما هو تحميد وتمجيد وتعظيم لله.
﴿ ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ﴾ قال محمد المعنى :وأرسلنا رسلا قد قصصناهم عليك ﴿ ورسلا لم نقصصهم عليك ﴾.
قال يحيى :قال بعضهم :قيل يا رسول الله، كم المرسلون ؟ قال :" ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا جماء الغفير، قيل :أكان آدم نبيا مكلما أو غير مكلم ؟ قال :بل كان نبيا مكلما " ١.
قال محمد :يقال :جاء القوم جما غفيرا، أو جماء الغفير، إضافة، أي كلهم بلفهم ولفيفهم.
﴿ وكلم الله موسى تكليما ﴾ أي كلاما من غير وحي.
١ أخرجه الغمام أحمد في مسنده (٥/١٧٨ – ١٧٩) الطيالسي (ح ٤٧٨) البزار في مسنده (٩/٤٢٦ – ٤٢٧، ح ٤٠٣٤) البيهقي في شعب الإيمان (١/٣٧٧ – ٣٧٨، ح ١٢٩) الحاكم في المستدرك (٢/٥٩٧) أبو نعيم في الحلية (١/١٦٨) البيهقي في الكبرى (٩/٤) وفي شعب الإيمان (١/٣٧٩ – ٣٨١، ح ١٣١) الطبراني في الكبير (٨/١١٨ – ١١٩، ح ٧٥٤٥) وفي الأوسط (ح ٤٠٣)..
﴿ مبشرين ومنذرين ﴾ يعني مبشرين بالجنة، ومنذرين بالنار.
﴿ لكن الله يشهد بما أنزل إليك ﴾ يعني القرآن ﴿ أنزله بعلمه والملائكة يشهدون ﴾ أنه أنزله إليك ﴿ وكفى بالله شهيدا ﴾ قال محمد المعنى :وكفى الله شهيدا، والباء مؤكدة١.
١ انظر: الدر المصون (٢/٤٦٧)..
﴿ إن الذين كفروا وظلموا ﴾ أي أنفسهم ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ يعني إذا ماتوا على كفرهم ﴿ ولا ليهديهم طريقا ﴾ أي طريق هدى يعني العامة من أحيائهم.
﴿ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ﴾ الغلو :تعدي الحق.
قوله : ﴿ وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ﴾ أي أنه كان من غير بشر ﴿ فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة ﴾ الآية، أي آلهتنا ثلاثة ﴿ انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد ﴾ قال محمد :اختلف القول في قوله : ﴿ خيرا لكم ﴾ والاختيار أنه محمول على معناه، كأنه قال :انتهوا وائتوا خيرا لكم، وكذلك قوله : ﴿ فآمنوا خيرا لكم ﴾ هو على مثل هذا المعنى.
﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ﴾ أي لن يحتشم ﴿ ولا الملائكة المقربون ﴾ أن يكونوا عبادا لله.
﴿ يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم ﴾ قال مجاهد :يعني حجة ﴿ وأنزلنا إليكم نورا مبينا ﴾ بينا، يعني القرآن.
﴿ ويهديهم إليه ﴾ [ أي في الدنيا ] ﴿ صراطا مستقيما ﴾.
﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ قال قتادة :الكلالة الذي لا ولد له ولا والد ولا جد.
قوله : ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا ﴾ لئلا تضلوا ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ قال محمد :ذكر يحيى في هذه السورة مسائل من الفرائض، فاختصرت كثيرا منها، إذ للفرائض بأسرها مواضعها من كتب الفقه، ولا توفيق إلا بالله [ وهو حسبي ونعم الوكيل ].
السورة التالية
Icon