0:00
0:00

سورة النساء
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)
قد تقدّم الكلام في الفرق بين (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، و (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا).
وأنه ذكر مع النّاس (الربُّ) ومع الذين آمنوا (اللهُ)، فيا أيها الّناس خطاب عام، ويا أيها الذين آمنوا أخصّ منه، ويا عبادي أخصُّ منهما، وحيث يقصد خاصَّ الخاصِّ قال:
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) و (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) وإن كان الخطاب له
ولغيره نحو (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ).
وقد تقدّم البهلام في أن أدنى منازل التقوى اجتناب الكفر.
وأعلاها أن لا تراعي من الدنيا والآخرة سوى الله.
وقوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) ذكر عامة المفسرين أنه عنى بالنفس
آدم، وزوجها: حواء.
وذكر بعضهم أنه عنى بالنفس الروح المذكورة في قوله - ﷺ -: "إن الله خلق الأوواح قبل الأجسام بكذا سنة".
وعنى بزوجها البدن.
وقيل: عنى به التركيب، وإلى
نحوه أشار بقوله: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ).
وقوله: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ)، ولا يصحُّ معنى ذلك في النبات إلاّ على
معنى التركيب، ونبّه بذكر الزوجين والأزواج في الأشياء على
أنها لا تنفك من ترتيب ما، وأن الواحد في الحقيقة ليس إلا هو
تعالى، قال: وعلى هذا نبّه بقوله: (وَاَلشَفعِ وَاَلوَترِ)، وقال
معنى الشفع: الخلق، والوتر: الخالق.
وهذا القول في الآية
وإن كان متجهًا، فأهل الأثر على"ما تقدم.
إن قيل: على أي وجه خلق زوجها منها أخذ جزءًا فجعل زوجها؟
قيل: قال بعضهم: الشيئان قد يُقال لأحدهما:
هو من الآخر. إذا كان من عنصره وأصله.
كقولك: هذا القميص من قميصك.
وقد يقال ذلك إذا كانا مشتركَين في صفة، نحو (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ).
وقال بعضهم: أخذ جزءًا من آدم، وجعل منه حواء.
وعلى ذلك رُوِيَ: "خُلِقَتْ حواء من ضلع من أضلاع "،
وقال بعضهم: نبّه بقوله: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) أن المرأة بعض من الرجل.
تنبيهًا على نقصانها وكماله، وآنجه نبّه - ﷺ - بقوله ذلك أنها مخلوقة خلقة مُعْوَجة، لا ينتفع بها إلا كذلك، فلا يهمنّك تنقيتها، وعلى
ذلك قال - ﷺ -: "إن المرأة خُلقت من ضلع، وإنك إن أردت أن تقيمها كسرتها، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها ".
وبهذا النظر قيل: أَخسُّ صفات الرجل الشحُّ والجبنُ، وهما أشرف
صفات المرأة.
إن قيل: ما وجه عطف الأرحام على الله، والتقوى في الحقيقة
من الله ومن عذابه، لا من الرحِم، وقد كان الوجه أن يُقال:
اتقوا الله في الأرحام أو للأرحام؟
قيل: أجيب عن ذلك بأوجه:
الأول: أنه لما كان يقال: اتق الله، أي اتق عقوبة عصيانه.
واتق ذنبك، أي عقوبة ذنبك، قال ههنا: (اتَّقُوا اللَّهَ)، أي اتقوا
عقوبته على طريق الجملة.
ثم قال: والأرحام. أي عقوبته في قطع الأرحام.
وخصّها بالذكر تعظيمًا لأمرها، وكأنه قيل: اتقوا
عقوبات الله عامة، وعقوبته في قطع الأرحام خاصة، وذلك
لتعظيمه أمر الرحم.
والوجه الثاني: أن تقديره: اتقوا الله في الرَّحِم، لكن حُذِف
الجارّ، وأُقيم حرف العطف مقامه، كقولهم: يدك والسكين.
أي احفظ يدك من السكين.
والوجه الثالث: أن تقديره: اتقوا الله وقوا الأرحام.
فأحدهما متقى، والآخر موقى، نحو قولهم: أعور عينك والحجر.
أي: قِ عينك، واتق الحجر.
إن قيل: ما وجه إعادة التقوى وعطف أحدهما على الآخر؟
قيل: إنه أمر في الأول بالتقوى أمرًا عامًا، ولهذا قال: (رَبَّكُمُ)
تنبيهًا على أفضاله، وإحالتهم على ما لا يمكن لأحد إنكاره.
ولما قصد الحث على الحافظة على الرَّحِم قذم ذكر الموجد باللفظ الذي
فيه التنبيه على القدرة التامة.
إن قيل: ما وجه ذكر (تَسَاءَلُونَ بِهِ)؟
قيل: زيادة في الترغيب في تقواه، وتنبيهًا على كون تعظيمه
منغرسًا في قلوبنا، حتى إنا إليه نفزع إذا سألنا، ونبّه أنا كما نقول:
أسألك بالله. نقول: أسألك بالرحم، وتقدير الكلام: اتقوا الله
الذي تسألون به، والأرحام التي تسألون بها، لكن نبّه بوصف
الأول على وصف الثاني، وللقصد إلى هذا المعنى قرأ من قرأ:
" الأرحامِ " بالخفض.
إن قيل: ما فائدة قوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ)؟
قيل: تنبيهًا على وجوب مواصلة بعضنا بعضًا، لكوننا من ذات واحدة، وأنا
كبنيان يشدُّ بعضه بعضًا، وأمّا بخفض قوله: (وَالْأَرْحَامَ) فقد
قيل: فيه ضعف من حيث الإِعراب، ومن حيث المعنى (١)؛
أمّا من حيث الإِعراب فلأن ضمير المجرور لمّا كان على حرف واحد قائم
مقام التنوين، والتنوين لا يصحُّ أن يعطف عليه، كذلك الضمير
المجرور، وأيضًا فلأنّ كلَّ ما يُعطف عليه يصحّ أن يُعطف هو.
ولمّا كان ضمير المجرور لم يصحَّ أن يعطف عليه، وبيان ذلك أنّ
للمرفوع والمنصوب ضميرًا منفصلًا، نحو: هو وهما وإيّا. فيصح
أن يُقال: رأيتك وزيدًا، أو رأيت زيدًا وإياك، وأتيتني وزيد.
وأتاني زيد وأنت، ولم يكن للمجرور ضمير منفصل يقع موقع
المتصل فيُعطف به، فلم يجز لذلك أن يُعطف عليه أيضًا.
(١) القراءة بالجر متواترة، ومن ثم فلا يسوغ الاعتراض عليها.
وأمّا من حيث المعنى: فإن إعادة الأمر بالتقوى فلاقتران
ذكرها بصفة تحثُّ سامعها على استعمال التقوى، كقولك: اتقِ
الله الذي تخافه، واتقِ الله الذي بيده الخير.
فهذه الصفات هي التي تُحَسِّنُ التكرير.
فإذا نصبت الأرحام ففيه هذا المعنى.
وإذا جررته لم يكن في ضمنه من التحذير ما فيه إذا نصبتَه.
وإنما قال: (وَخَلَقَ مِنْهَا) ردًّا إلى لفظ النفس، وكلُّ اسم جنس، لفظه
مخالف لمعناه أي، التذكير والتأنيث، فلك اعتبار اللفظ طورًا
والمعنى طورًا، نحو: حمامة ونفس، وإذا كان عَلمًا نحو:
طلحة. أو صفة نحو: علَّامة ونسَّابة، فليس إلا اعتبار المعنى
دون اللفظ.
والرَّقيب. قال مجاهد: هو الحفيظ، وقال ابن زيد: عليم).
وكلاهما صحيح، فحافظ الشيء يقتضي أن يكون عالمًا
به ليمكنه أن يحفظه، وبيَّن بقوله: (كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) أنه قبل
أن خلقكم وأوجدكم كان مراعيًا لكم، تنبيهًا أنه لا يخفى عليه
أمركم في كل حال.
قوله تعالى: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)
الخبيث والطيِّب: عبارتان عن الحرام والحلال، أي تدفعوا
إليهم شيئًا هو طيِّب لكم، وتأخذوا من مالهم ما هو خبيث لكم.
طلبًا للربح. هذا قول الضّحّاك والسُّدِّي.
وقيل: لا تتبدلوا الهزيل بالسمين.
وقيل: الطيِّب مقدار ما أبُيح تناوله من مال
اليتيم، والخبيث ما لم يُبح منه، وهو المشار إليه بقوله: (وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا).
وكل هذه الأقوال إشارات إلى ما يقتضيه عموم الخبيث والطيب.
والحَوب: الإِثم لكونه مزجورًا عنه، من قولهم: حاب حَوْبًا
وحُوبًا وحِيَابة، والأصل فيه حَوْب لزجر الإِبل، وتحوّب
نحو تأثم، وإيتاء اليتامى أموالهم، قيل: دفعها إليهم بعد
البلوغ، وسمّاهم حينئذ يتامى استصحابًا للحالة المتقدمة،
ويكون ذلك كقوله: (حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) وقيل: هو إنفاقها عليهم، ودفعها شيئًا
بمعد شيء على قدر الحاجة.
والضمير في قوله: (إِنَّهُ) قيل: للأكل. وقيل: للتبدُّل.
وقيل: للأموال، لكن اعتُبر المعنى
لمّا كان المال والأموال في هذا الموضع سواء، كقول الشاعر:
........................، فإن الحوادث أودى بها
لمّا كان معنى الحوادث والحدثان واحدًا.
قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)
العَولُ: الخروج عن حد الاستقامة، والعول في الفريضة خروج
عن حدِّ السهام المسماة، والعويل: الصياح الخارج عن حد الاستقامة
في الكلام، وذلك نحو الألفاظ التي يتحرّاها المصاب.
وعوَّلت عليه مِلتُ نحوه بالاعتماد، والِمعْول على بناء الآلة، كأنه آلة العول.
والآية تُؤوِلَتْ على وجهين:
أحدهما: قيل: إن الرجل قبل الإِسلام إذا مات كان وليُّه يسير في أيتامه سيرة غير قاصدة، ويأكل أمو الهم إسرافًا وبدارًا، وكانوا يسيرون في يتامى النساء
خاصة بأقبح سيرة، فإنها متى كانت اليتيمة ذات مال وجمال
تزوّجوا بها بأقلّ من مهرها، ثم لم يحُسنوا إليها، وإن كان أحدهم
لا يرغب فيها عَضَلها عن النكاح، طمعًا في مالها، فلما جاء
الإِسلام نُهوا عن ذلك بهذه الآية.
وقوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ) أي إن خفتم أن لا تستعملوا العدالة -
أي إذا تزوّجتم بهن فتزوجوا من غيرهن. وإلى هذا ذهب ابن
عباس وعائشة.
والثاني: أنهم يتحرجون في أموال اليتامى، لمّا
عظَّم الله تعالى من أمرهم في نحو قوله: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ) الآية.
ولم يكونوا يتحرّجون من التزوُّج بعدد من النساء، فقال
تعالى إن تحرَّجتم عن تناول مال اليتيم خشية أن لا تُقسطوا.
فتحرجوا النساء أن لا تعدلوا بينهن، وانكحوا مقدار ما يمكنكم
الوفاء بحقوقهن.
وقيل: معناه إن خفتم أن لا تُقسطوا في حفظ أموال اليتامى.
وأن تجوروا في الإِنفاق على نسائكم.
فانكحوا عددًا مخصوصًا لا يحوجكم إلى أن تقسطوا.
إن قيل: فما معنى ذكر هذه الأعداد إن كان الأمر على ما وصفت؟
وهلّا قيل: فانكحوا ماطاب لكم من النساء سواهن؟
قيل: يجوز للحكيم إذا سئل عن حكم أن يجيب عنه، ويقرن إليه ما
علم أنّ بالسائل حاجة إليه. فلمّا سُئل عن ذلك، وكان فيهم من لا
يُبالي أن يتزوّج بالعدد الكثير من النساء، بيّن العدد الذي لا يجوز أن
يتعداه الإِنسان في وقت واحد، ولذلك أحيلوا على هذه الآية لما
استفتوا في يتامى النساء، فقال تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) الآية.
وقد اختُلف في العدد الذي يجوز أن ينتهى إليه في النكاح.
فمذهب عامة الفقهاء أنه لا يجوز مجاوزة الأربع، ومذهب بعض
الشيعة أنه يجوز بلا عدد كالسراري.
وقال: الآية ليست بتوقيفٍ، بل هي إباحة: كقولك: تناول ما أحببت واحدًا واثنين وثلاثة، وأنّ تخصيص بعض مقتضى العموم على طريق
التبيين لا يقتضي الاقتصار عليه، وذهب بعضهم ممن لا يعرف
شرط الكلام إلى أن المباح منهن تسع، وقال: الواو تقتضي
الجمع، فصار كقولك: اثنين وثلاثًا وأربعًا، وذلك تسع.
وأكد ذلك بأن النبي - ﷺ - مات عن تسغ نسوة.
قال: وغير منكر أن
يذكر عدد واحد بلفظين، كما قال: (ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ).
وهذا فاسد، أما أولاً: فإن العدول عن ذكر الشيء بلفظة
واحدة إلى لفظين، إما أن يكون لغرض نحو (ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ)، لمّا خالف بين حكميهما أورده بلفظين.
أو يكون ذلك للعيّ والاستدراك عن نسيان، وكلام الله تعالى منزَّه
عن ذلك، ومنهم من ردَّ إلى واحدة، لتأويلٍ انتزعه من
الآيتين: إحداهما هذه، والأخرى قوله: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ) الآية. قال: فبيَّن أنكم لا تستطيعون
تحري العدالة في النساء، وقال ههنا: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً).
فكأنه قال: انكحوا واحدة إن لم تستطيعوا أن تعدلوا.
فقد ثبت أن لا تستطيعوا، فإذًا، فانحكوا واحدة، وهذا القائل
خفي عليه الفرق بين العدلين، فإن العدل في تلك الآية تركُ ميل
القلب، وذلك مرفوع عن الإِنسان، لقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).
وقوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) عنى به العدل الذي
هو حق القسم والنفقة، ولهذا قال: (فَإِنْ خِفْتُمْ) فإن الخوف
يُقال فيما فيه رجاء ما، ولهذا لا يُقال: خفت أن لا أقدر
على بلوغ السماء أو نسف الجبل.
وهذه الأقوال المتقدّمة يُبطلها ما رُوي أنه لمّا نزلت هذه الآية
كانت تحت قيس بن الحارث ثمان نسوة، فقال له - ﷺ -: "خل سبيل أربع ".
وكذا قال لابن مسعود الثقفي، وكان قد أسلم وتحته تسع
نسوة، واستدلَّ أهل الظاهر بالآية على وجوب النكاح.
واستدل بها بعض الفقهاء على أنه غير واجب، وبيان هذا أن
ما في قوله: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ) إمّا أن يكون عبارة عن
المنكوحة، أو عن الزمان، أو العدد. فلا يصح الأول.
لأن (ما) لا يُعبَّر به عن أعيان العقلاء مجردًا، ولا عن العدد، لأنه محال أن يعني نكاح العدد، وإن عنى المعدود فالكلام راجع إلى أن يكون عبارة
عن العقلاء، فيجب أن يكون عبارة عن الزمان، فكأنه قال: اعقدوا
وقت ما يطيب لكم، والمخالف يوجبه طاب لنا أو لم يطب.
فإن قيل: معناه ما تاقت أنفسكم إليه، قيل: إن عنى ما تاقت
نفسه إلى العقد فليس ذلك مذهبًا لأحد، وإن عنى المخالف: ما
تاقت نفسه إلى الجماع، فلم يجر للجماع ذكر.
وقد تقدَّم الكلام في العول، فقول من قال:
ذلك أدنى أن لا تجاوزوا ما فرض الله.
وقول من قال: أن لا تميلوا، يرجعان إلى أصل واحد.
وقول الشافعي معناه: أن لا يكثر عيالكم.
وقد ذهب إلى هذا التأويل
زيد بن أسلم، وأجازه الأصمعي، وابن الأعرابي.
ومنه قيل: فلان يعول عشرة، وقال ابن داود: غلط
الشافعي، لأن صاحب الإِماء في العيال كصاحب الأزواج.
وابن داود لم يتصوّر ما قاله الشافعي، وذاك أنه لم يُرِد إلا ما أراد
غيره من حقيقة المعنى، وإنما تحرّى اشتقاق اللفظ، ولم يُرِد بالعيال
الأولاد، وإنمّا أراد النساء، فقد يُسمَّى كل من تسمونه العيال، وإن
لم يكن أولادًا، وأراد تعالى إن خفتم أن يكثر نساؤكم، فتحتاجوا
إلى تفقدهن بأمور تقصرون عنها، ولا يكون في مراعاتها إقساط.
وهذا راجع إلى ما ذهب إليه الآخرون.
قوله تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)
فالنحلة: العطية التي لا يُطلب بها عوض، وأصله عندي من النحل.
فكأنَّ نحلتهُ: أعطيته عطية النحل، وذلك ما قصده الحكماء من
وصف النحل في أنه لا يضر بشيء، وينفع أعظم نفع، وكأنه إلى
ذلك أشار بقوله: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) الآية،
والنِّحلة أخصّ من الهبة، إذ كل هِبة نِحلة، وليس كل نِحلة هِبة.
وسُمّي الصداق بها من حيث لا يجب في مقابلته أكثر من تمتُّع دون
عوض مالي. وقول قتادة وابن زيد: النّحلة: الفريضة.
فنظر منهم إلى حكم الآية، لا إلى موضوع اللفظ والاشتقاق.
واقتضت إيجاب إيتائهن الصداق.
ثم حكمه وقدره قبل الدخول وبعده، وقبل التسمية وبعدها.
فمأخوذ من غير الآية.
ودلّ بقوله تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ) أن لا يتحرّج الإِنسان من قبول
هبتها عن طيب نفس منها بها، ودلَّت الآية على أنه يجوز لها أن
تهب صداقها إذا كانت بالغة، خلافًا لما قال مالك: إن ذلك إلى وليّها.
وللأوزاعي حيث قال: لا يجوز لها حتى تلد.
أو يحول عليها الحول في بيت زوجها.
ولليث بن سعد حيث قال: لا يجوز عتق ذات الزوج ولا هبتها.
إلا في اليسير من غير إذن زوجها.
وذُكِرَ عن شريح أن رجلًا أتى بيّنة أن امرأته
أبرأته من صداقها عن طيب نفس، وأنكرت المرأة ذلك.
فقال شريح: هل رأيتم المال وقد دفع إليها؟ فقالوا: لا.
فقال: لو طابت نفسها لم ترجع فيه، فلم يجُزه.
إن قيل: لِمَ قال: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا) فأفرد
وقال في الأخرى: (بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا) فجمع؟
قيل: التمييز على ثلاثة أضرب:
الأول: أن يدلَّ ما قبله على عدد فلا يجُمع، نحو: عشرون درهماً.
والثاني: أن يشتبه، فلابد من جمع إذا أريد الجمع نحو قولهم: أفره القوم عبيدًا.
والثالث: أن يستوي الواحد والجمع لكونه معلومًا منها المعنى على حد، نحو
قولهم: فلان أحسن القوم عينًا، لأنه يعلم أن القوم لم يشتركوا
في عين واحدة، والآية على هذا فلا يحتاج فيها إلى الجمع.
والضمير في (مِنْهُ) راجع إلى مصدر (فَأْتُوهُنَّ).
قوله تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)
السُّفَهَاء قيل: النساء،
وقيل: الصبيان، ومنهم من اعتبر ذلك في كل من لم يكن حصيفا
في تدبير المال، ومنهم من اعتبر ذلك مع الحصافة في الدين.
وكُلّ واحد أشار إلى بعض من يتناوله الاسم على سبيل المثال.
فمعلوم أنه لا يصحُّ صرفها إلى النساء مفردات، لقوله: (وَارْزُقُوهُمْ)
والنهي عن إيتائهن المال على سبيل تفويض تدبير الأموال إليهن.
وقيل: على سبيل تمليكهن على وجه التمكين، لا على نهي الإِعطاء
بقدر ما يحتاجون إليه.
وقال ابن جبير: معناه لا تعطوهم أموالهم.
وإضافته إلى المخاطبين على اعتبار الجنس، نحو قوله: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)، ونظر بعضهم نظرًا آخر، فقال: عنى
بالسفهاء الوارثين، الذين يُعلم من حالهم أن يتسفهوا في استعمال
ما تناله أيديهم، فنهى عن جميع المال الذي يرثه السفهاء، ونبّه
بقوله: (الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) على الغرض الذي فصَّله الحكماء
من فائدة المال الموصل به إلى السعادة الحقيقة، بل قد أبانه النبي
- ﷺ - بأوجز لفظ، فقال:
"من طلب الدنيا استعفافًا عن المسألة، وسعيًا على أهله.
وتعطُّفًا على جاره، بعثه الله ووجهه كالقمر ليلة البدر.
ومن طلبها حلالًا، مكاثرًا، مفاخرًا، مرائيًا، لقي الله وهو
عليه غضبان ".
والقيام يكون مصدرًا واسمًا، والقوام لا يكون إلا اسمًا.
إن قيل: لِمَ قال: (فِيهَا) ولم يقل: منها. مع كون ذلك أظهر؟
قيل: قد ذكر بعضهم أن فيه تنبيهًا على ما قاله - ﷺ -: "ابتغوا في أموال اليتامى، لا تاكلها الزكاة".
وأن المستحب أن يكون الإِنفاق عليها من فضلاتها المكتسبة.
والقول المعروف متضمن للأمر بتأديبهم وإرشادهم ووعدهم الجميل، الذي ذكره ابن جريج، وقال: هو أن يُقال له: إن رشدت مكنَّاك من مالك،
وفيه المنع عن قهرهم، وإليه ذهب مجاهد استدلالاً بقوله تعالى:
(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ)
قوله تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)
الإِيناس فيما رُئي مرّة بعد أخرى فأُنس به.
وقد فسّره ابن عباس بالمعرفة.
والخليل فسره بالإِحساس. والرشد،
قال الحسن وقتادة: وهو الصلاح في الدين والإِصلاح للمال.
وقال مجاهد: هو الإِصلاح للمال فقط، وأمر تعالى بدفع المال إلى اليتامى
بعد البلوغ وإيناس الرشد منهم، وبعد الابتلاء، وجعل ذلك كلّه
شرطا في تسليم المال إليه، ومعلوم من الآية أن من دُفع إليه المال، ثم
فُقد منه الرشد أن يُعاد الحَجْرُ عليه، لأن الغرض بذلك حفظ
ماله، فلا فرق بين أن يكون المعنى الموجب للحَجْرِ ابتداء أو انتهاء.
والآية تقتضي أن كلَّ من حصل في يده مال لغيره لزمه حفظه له
كمال المفقود، ومال الفقراء في بيت المال، واللُقطة في يد الملتقط.
والابتلاء المراد في الآية، قيل: هو حال الصغر بأن يُدفع إليه
قليل من المال، فيرُى حفظه له وتصرفه فيه.
وقيل: هو بأن يجُرَّب في أمورِ أُخر.
وقيل: هو أن يختبر بعد البلوغ، وسفاهم يتامى
استصحابًا للحالة المتقدّمة، وقوله: (وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا)
أي متجاوزين حد القصد المباح لكم، ومبادرة أن يكبروا، فيمنعوا
أموالهم).
وقوله: (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ).
قيل: لا يتناول منه شيئًا.
(وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) من مال نفسه لا من مال اليتيم، لئلا يحتاج إلى مدِّ اليد إلى ماله.
وقيل: فليأكل بالمعروف من مال اليتيم.
وقيل: ذلك منسوخ بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) الآية، وقال الأصمُّ: فليأكل من مال اليتيم قرضًا.
وإليه ذهب عمر، فقال: إني في مال الله كوالي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف،
فإذا أيسرت قضيت. وقيل: يتناول الفقير
الأقل من قدر حاجته، أو قدر أُجرةِ مثله.
وقيل: ليس لوالي اليتيم أن يتناول ذلك، وإن تولى إصلاحه إلا بأمر من له الأمر، وإليه ينصرف ما رُوي أن رجلَا أتى النبي - ﷺ - فقال: إن في حجري يتيمًا أفآكل من ماله؟
قال: "نعم، ما لم تقِ مالك بماله، أو تتخذ منه ذخرًا"،
وإلى نحوه صُرف قوله: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).
والأمر بالإِشهاد عليهم عند دفع أموالهم إليهم على سبيل الإِيجاب.
وقوله: (وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا)، تنبيه منه تعالى أنه رقيب عليهم.
يعلم أسرارهم، وأنه يحاسبهم على ما يكون منهم، فليس للولي أن يخون، ولا لليتيم أن يدعي ما ليس له.
قوله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)
المفروض: المقطوع بإيجابه، والفرض الحزُّ في شِية
القوس، والفُرْضَة مقطع الماء، إمّا اعتبارًا بقطع الماء أو قطع
الخصومة فيه.
وبعض الفقهاء فرّق بين الفرض والواجب، فجعل الفرض أخصّ.
وقال: إنه يقتضي فارضا، والواجب لا يقتضيه.
قال: ولذلك يُقال: ثواب المطيعين واجب على الله.
ولا يقال: فرض عليه، ورُوي أن العرب كانوا يورثون الذكور
دون الإِناث، وقيل: كانوا لا يورّثون إلا من طعن من الرُّمَّاح
دون المستضعفين من الولدان، قيل: إن أوس بن ثابت مات
وخلَّف بنات وابني عم، فعمدا إلى المال وأخذاه.
فجاءت امرأة أوس ببناته إلى النبي - ﷺ - وأعلمته ذلك، فأخبرها أن لا شيء لها ولا لهن. فأنزل الله تعالى الآية، فبعث النبي - ﷺ - إلى ابني عم أوس، فأمرهما أن لا يُخرجا من المال شيئًا، ثم نزلت آية الميراث، فقسّم المال عليهم، فاستدل بهذه الآية أصحاب الإِمام
أبي حنيفة على توريث ذوي الأرحام.
وقالوا: الأخوال والخالات وأولاد البنات من الأقربين.
وتعلَّق بذلك أيضًا من ورَّث الإِخوة مع الجد، وكذلك من ورّث العامل والمماليك.
وقوله: (نَصِيبًا مَفْرُوضًا) يقتضي خلاف من ورّث ذوي الأرحام.
إذ ليس لأحد منهم نصيب مفروض.
فإن قيل: لِمَ أُعيد ذكر النصيب؟
قيل: لما أراد أن يبين كون نصيبهم مفروضا أعاد الموصوف معه.
ليستبين أن المفروض هو النصيب لا غير.
قوله تعالى: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)
أراد بالقسمة المقسوم، ولذلك: (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) ردّ إلى المعنى.
واختُلِفَ في الآية على أقوال: الأول: أنه عنى من ليس بوارث
من أولي القربى، وذلك على الاستحباب، فإما أن يُعطوا،
أو يُقال لهم قول معروف، وقيل: يجُمع لهم بين الأمرين.
والثاني: قال مجاهد: هو واجب، لكن يُعطون على قدر ما تطيب
به نفس الورثة، إذ كانوا وارثين.
قال الحسن والنخعي: أدركنا الناس وهم يُقسّمون على الأقارب واليتامى والمساكين من الورِق والفِضة، فإذا صاروا إلى الأرضين والرقيق ونحوها، قالوا لهم قولاً معروفاً، أي قالوا لهم: بُورِك فيكم.
الثالث: أن أولي القربى ضربان: وارث يُعطى، وغير وارث.
فيُقال له قول معروف.
الرابع: يُعطى الحاضر البالغ، ويتُحرَّى في أمر
الغائب والصغير قولٌ معروف أي مصلحة.
الخامس. قال زيد من أسلم: هذا شيء أمِرَ به الموصي في الوقت
الذي يوصي، واستدلّ في ذلك بقوله بهد هذه الآية: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً) الآية.
السادس: أنّ ذلك كان في الورثة واجبًا، فنسخته آية الميراث.
والصحيح أنه ليس بمنسوخ، وعلى ذلك قوله تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ)، ثم قال: (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا).
قوله تعالى: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)
أصل السداد: إزالة الاختلال، يقال: سددت الخرقَ. إذا ردمته.
والسهمَ إذا قومته، والفقرَ إذا أزلته، والسّداد ما يسدُّ به، والسداد
يُقال في معنى الفاعل، وفي معنى المفعول، ورجل سديد متردد
بين المعنيين، فإنه مسدد من قبل متبوعه، ومسدِّد لتابعه، وفي
الآية أقوال: الأول: أنه نهي للحاضرين عند الموصي أن يأمروه
بما لا يجوز الوصية به.
والثاني: أنه نهي لهم أن يأمروه بترك الوصية.
الثالث: ما قد رُوِي عن ابن عباس أن ذلك وارد في
الحث على حفظ مال اليتيم، وأن عليهم أن يعملوا فيه بمثل ما
يحبون في ذريّتهم بعد موتهم.
الرابع: أنه نهي للموصي أن يوصي بما لا يجوز.
وكُلُّ هذه الأقوال يصح أن تكون مرادة بالآية، لأنه واجب أن لا يوصي بأكثر من الثلث، وواجب على من يحضره أن يحثَّه على ذلك، وأن لا يُوصي بأكثر من الثلث، وأن لا يخلّ بالوصية.
إن قيل: لِمَ قال: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا)، ثم قال:
(فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ)؟ وهل بين الخشية والتقوى فرق؟
قيل: الخشية الاحتراز من الشيء بمقتضى العلم.
ولذلك وصف به العلماء في قوله تعالى:
(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ).
والتقوى جعل العبد نفسه في وقاية مما يخشاه، ولذلك قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) إلى قوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
فالخشية مبدأ التقوى، والتقوى غاية الخشية.
فأمر الله تعالى بمراعاة المبدأ والنهاية، إذ لا ينفع الأول دون الثاني.
ولا يحصل الثاني من
دون الأول، ثم أمر تعالى مع ذلك بتحرِّي القول السديد، وذلك
متناول لكل قول مأمور به، وقول من قال: هو تلقين المحتضر
الشهادة، وقول من قال: هو ترك الرفث في تولي القسمة.
وقول من قال: هو الصدق في الشهادة - داخل في عموم الآية.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)
الصّلا: النار، وصلي فلان بها وصليته: أدنيته منها.
وصليت اللحم: شويته.
فقوله: (وَسَيَصْلَوْنَ) من صِليَ، ويُصْلَون من أَصلَيتُ.
نحو (فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا)، والسعير: المسعور.
واستعرت النار والحرب تشبيهًا بذلك، وهذه الآية مؤكَدة لما قبلها من
الأمو بالخشية والتقوى، ووعيد لمن تعدّى، وذكر الأكل لكونه
أكثر ما يرُاد له المال.
وقيل: إنه لما نزلت هذه الآية تحرَّج الناس من طعام اليتيم
حتى أنزل الله تعْالى: (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ)، وليس هذا ناسخًا للأول، كما ظنّه قوم، لأنه ليس في قوله: (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ) إباحة لأكل مال اليتيم ظلمًا، فتكون هذه ناسخة لها، في
قوله: (يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) وجهان:
أحدهما: أن ذلك تشبيه، إذ كان ذلك مؤدياً إليه.
كقول النبي - ﷺ -:
"يتهافتون في النار تهافت الجراد".
وكقول الشاعر:
إذا صُبَّ ما في الوَطْب فاعلم بأنه... دم الشيخ فاشرب من دم الشيخ أو دعا
فسمّى اللبن دما لكونه بدلاً منه.
والثاني ما رُوي أن النار تجُعل في بطنه يوم القيامة.
والقولان صحيحان وسيان، فإنه من
كان حاله في الآخرة هذه، هو الذي حاله في الدنيا ما قاله الأولون.
قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)
الوصية: تُقال فيما كان حتمًا، نحو قوله
تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) ثم قال:
(ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ).
وقال ابن عباس: كان المال للولد في الجاهلية.
والوصية للوالدين والأقربين، فنسخه هذه الآية.
واستُدِلَّ بما رُوِيَ أنه لمّا نزلت هذه الآية قال - ﷺ -:
"إن الله قد أعطى كُلَّ ذي حق حقَّه، فلا وصية لوارث ".
وقال غيره: الآية غير ناسخة، بل هي تفسير لقوله: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ).
واختُلِفَ: هل يدخل ولد الابن في
إطلاق الولد؟ فمنهم من قال: يدخل فيه، لقولهم: أولاد آدم.
ولأن جميع ما علق بالولد من الأحكام فابن الابن داخل فيه، نحو
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ)، ثم قال: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ).
وقوله: (أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ) ولا خلاف أن حكم ولد
الابن إذا لم يكن ولد صلب حكمه، وقد استثني من ظاهر
قوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)
الكافر والمملوك والقاتل وأهل ملَّتين، إلا عند معاذ.
فإنه يُورِّث المسلم من الكافر.
وقوله: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) فإنَّ الله جعل للبنات إذا
كُنَّ فوق اثنتين الثلثين، وللواحدة النصف، ولم يذكر فرض
البنتين، قال ابن عباس: حكمهما حكم الواحدة.
وقال سائر الفقهاء: حكمهما حكم ما فوقهما.
ثم اختُلِفَ من أيِّ وجه صار حكم الاثنتين حكم ما فوقهما؟
فقال بعضهم: إن ذلك أُجْرِيَ مجرى الثلاث بالقياس، لأنه به أشبه.
وقال بعضهم: بل اللفظ اقتضى ذلك، وهو الصحيح.
وبيان ذلك أنه قال: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ).
ولا فرق بين أن يقال ذلك أو يقال: للأثثيين مثل حظ الذكر.
وقد ثبت أن حظ الذكر إذا كان مع أنثى الثلثان.
فاقتضى ذلك أن فرض الأنثيين الثلثان، فصار ذلك
مدلولاً عليه بفحوى الكلام دون الصريح، وفرض الواحدة
وما زاد على البنتين فبالصريح، قال: ويقوي ذلك أن القسمة
العددية ضربان: مركب ومفرد، وقد ذكر حكم المركب بقوله:
(فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً)، وحكم المفرد بقوله: (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ)، والاثنان بدءُ المركب من الأعداد، فيجب أن يكون حكمه ملحقًا به.
ويدلُّ على ذلك ما قاله في آخر السورة قوله:
(وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ)، ثم قال: (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ)، فجعل حظ البنتين الثلثين، ولم يبيّن حكم ما زاد عليهما.
وبيّن في فرض البنات حكم ما فوق الابنتين، ليعلم من نطق
كل واحد من الاثنين حكم المسكوت عنه في الأخرى.
فإن قيل: متى جعل حكم الاثنتين حكم الثلاث فصاعدًا
سقط فائدة قوله: (فَوْقَ اثْنَتَيْنِ)؟
قيل: مثل هذا راجع إلى المخالف، لأنه يقال له: متى جعلت حكم الاثنتين حكم الواحدة سقط فائدة قوله: (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ)؟
وجوابه في ذلك جوابنا عما سأل، على أن ذكر ذلك على التنزيل الذي نزلناه ْلابد من ذكره، لأنه بيّن حكم الاثنتين بقوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)، ثم بيّن حكم ما فوق الاثنتين، ثم حكم الواحدة.
ومن قال: تقدير الكلام: فإن كن نساء اثنتين، وإن قوله (فَوْقَ)
زائد كقوله: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ)، لأنه أراد فاضربوا
الأعناق، فغير موافق في ادعاء الزيادة في الموضعين، وغير موافقٍ
في تأويل الابنتين، وبهلام الله تعالى منزه عن ذكر لفظ خلوةً عن
قصد معنى صحيح، إذكان ذلك لغوًا، تعالى الله عنه.
إن قيل: لِمَ ذكر فرض البنت إذا انفردت، ولم يذكر الابن
على الانفراد؟
قيل: لأن العرب كانوا يورّثون البنين دون البنات، فاحتيج إلى تبيين ذلك، دون ما بقوا على ما كانوا عليه.
وقوله: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) ظاهره يقتضي أن يكون
للأب السدس مع الولد: ذكرًا كان أو أنثى، كما أن فرض الأم
كذلك، لأنه لا خلاف متى كان الولد بنتا لا يستحق أكثر من
النصف، لقوله: (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) فيُعطى
الأبوان السدسين بحكم النص، وبقي سدس يناوله الأب بما
نبّه عليه بقوله: (وَوَرِثَهُ ؤأَبَوَاهُ فَلِأُئِهِ اَلثلمشأ)، لمّا جمع نصيبهما.
ثم أفرد نصيب الأم على أن الباقي للأب.
وقوله: (وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) فالإِخوة ههنا
متناولة للإِخوة والأخوات، لكن غلب التذكير، وبين تعالى ميراث
الأم عند وجود الإِخوة، والظاهر يقتضي أن الأم تستحق السدس
إذا كانت للميت ثلاثة إخوة فصاعدًا.
وأما إذا كان أخوان فالظاهر لا يقتضي ذلك.
وقال ابن عباس: إن الآية لا تتناول ذلك، فلم
تحجب الأم عن الثلث بدون الثلاثة، ولا بالأخوات
منفردات، وخالفه سائر الصحابة، وحجبوها باثنين من
الإِخوة والأخوات، كما حجبوها بأكثر من ذلك.
وقالوا: المراد بالأخوة حصول من له الإِخوة دون العدد.
ودون الذكورية والأنوثية.
ولا خلاف أن الواحد لا يحجب الأم.
وقوله: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)
قال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام:
الوصيّة مقدّمة في اللفظ مؤخّرة في المعنى.
فإن مراعاة الذين قبل مراعاة الوصية، وإنما قيل (أَوْ دَيْنٍ)
ولم يقُل أو، دين، ليقتضيهما مجموعين ومفردين.
وقوله: (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ)، قيل: القصد بذلك أن المنفعة بهما
متفاوتة، فإن المنفعة بالآباء في الصغر، وبالأبناء في الكِبَر.
وقيل: معناه تحرَّوا ما أُمرتم، ولا تعتبروا نفع الولد والوالد، فإن
ذلك يختلف عند اعتبار الآحاد.
وقيل: معناه لا يدري أحدكم أهو أقرب وفاة، فينتفع ولده بماله.
أم الولد أقرب وفاة فينتفع
الوالدان بماله، وإلى هذا المعنى أشار الشاعر:
ما عِلمُ ذي ولد أيثكله... أم الولدُ اليتيم؟
وهذا الذكر في الآية كالاستطراد، والقصد به يجب أن يتحرَّى
في ماله الوجه الذي جُعل له المال، فلا يمنع ذا حق من حقّه، شفقة
على ورثته، ولا يضعه في غير حقه "تفاديًا من انتقال ماله إلى ورثته.
بل يجب أن يتحرى القصد في ذلك، فليس يدري عواقب الأمور.
وجملة ذلك أن في الآية حثّا على تفويض الأمر إلى الله، والرضا
بحكمه، وقوله: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) اسم موضوع موضع
المصدر، نحو قوله: (كِتَابًا مُؤَجَّلًا)، و (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ).
ومعناه قسمة مقدرة، وقيل: معناه حتمًا
لازمًا، وكلا المعنيين يقتضيه لفظ الفريضة.
قوله تعالى: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)
الكلالة: اسم لمن عدا الولد والوالد.
وقال ابن عباس: اسم لمن عدا الولد وورث الإخوة مع الأب، وإليه كان
يذهب ابن عمر ثم رجع عنه، ويدل أن الأب ليس بكلالة
قول الشاعر:
وإن أبا المرء أحمى له... ومولى الكلالة لا يغضب
ورُوي أن النبي - ﷺ - سُئل عن ذلك، فقال:
"من مات وليس له ولد ولا والد فورثته كلالة".
وقال بعضهم: الكلالة من لا ولد له ولا والد.
فجعله اسم الميت، وكلا القولين صحيح،
فإن الكلالة مصدر، وهو اسم للمعنى الذي يجمعهما.
فسُمّي به الوارث تارة والموروث تارة، وتسميتها بذلك إما
لأنَّ النسب قد لحق به من طرفيه، أو لأنه كلَّ عن اللحوق
به، وذلك أن الانتساب ضربان:
أحدهما: بالعمق كنسبة الأب والابن.
والثاني: بالعرض كنسبة الأخ والعم.
وقال قطرب: الكلالة لمن عدا الأبوين والأخ
وليس بشيء، وقال بعضهم: هو اسم لكل وارث.
لقول الشاعر:
... وللكلالة ما يُسيم
ولم يقصد الشاعر ما ظنّه هذا القائل، فإنه إنما خص الكلالة
ليزهد الإِنسان في جمع المال، لأن تخليف المال لهم أشد من
تركه الأولاد، وإذا قُرئِ يورِث فكلالة مفعول، وإذا قُرئِ
يورَث فحال للميت.
فرض الله تعالى للزوج النصف إذا لم يكن للميتة ولد، دخل بها
أو لم يدخل، وجعل له الربُعَ إذا كان لها ولد، سواء كان منه أو من
غيره، وفرض الربُعَ للزوجات إذا لم يكن للميت ولد، والثمُنَ إذا
كان له ولد، وأجمعوا أن ولد الابن يقوم مقام ولد الصلب في حجب
الزوجين، إلاّ حكاية عن بعض المتقدمين، وأجمعوا أن للزوجة
الواحدة إذا انفردت ما للزوجات إذا اجتمعن، وذهبت طائفة إلى
أن من لا يرث من مملوك وقاتل يحَجب الزوجين والأم، لأن اسم
الولد يتناولهم، كما يحجب الإِخوة الأم مع الولد، وإن لم يرثوا،
وقوله: (وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ)، جعل لواحدهم السدس.
وأشرك بين جماعتهم في الثلت، ولم يُفضِّل ذكرهم على
أنثاهم، وعنى بذلك ولد الأم بدليل قوله في إخوة الأب
والأم، (وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)
ورُوِيَ أن سعد بن مالك قرأ: وله أخ أو أخت من أم.
قال بعضهم: لعله فسَّر الإِخوة بذلك، فظنَّ السامع أنه
قرأه في القرآن، كما روي عن عمر: فامضوا إلى ذكر الله على
معنى التفسير للسعي، فظنَّ أنه قرآن.
وقوله: (فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ) فذلك لتغليب المذكَّر.
وقُرىء يوصِي بها، فإذا قُرِئ يوصَى بالفتح فصفة الوصية، وإذا قُرئ بكسر الصاد احتمل أن تكون صفة للوصية وأن تكون حالاً للموصي
وقرأ الحسن: غير مضار وصيةٍ بالإِضافة.
والباقون بالتنوين، ونصب وصية على المصدر أو على المفعول به.
والإِضرار أن يُقرَّ بمالٍ لأجنبي، ردّا
للميراث، أو يبيع ماله أو شيئا منه محابيا فيه، أو يهب، أو يُعتق.
أو يوصي لوارثه قصدًا للإِضرار بغيره.
قوله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)
بيّن بذكر الحدّ أن ذلك يؤدي بالإِنسان إلى العصيان.
ونبّه بقوله: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) على وجوب مراعاة ما بيّنه تعالى في الكتاب من أحكام المواريث، وما بيّنه - ﷺ - من نحو قوله: " لا وصية لوارث "، وقوله: "لك الثلث والثلث... ".
قال ابن عباس: الضرار
في الوصية من الكبائر، ثم قرأ (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ).
وقد روي ذلك عن النبي - ﷺ -
وقال - ﷺ -:
"إن أحدكم يعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة، فإذا أوصي حاف في وصيته، فيُختم له بسوء عمله ".
ووصف الفوز بالعظيم اعتبارًا بفوز الدنيا
الموصوف بقوله تعالى: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) والقليل والصغير
في وصفها متقاربان.
قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)
كما وصف في مراعاة الحدود ثواب مراعيها وصف في
تضييعها عقاب متعديها، وأطلق القول فيهما ليكون عامًّا في
ذلك وفي غيره من الحدود التي بيّنها، وذكر في العذاب الهوان.
كما ذكر في غيره الخزي لما عُرِف من عادة كثير من الناس أن
تقل مبالاتهم بالشدائد ما لم يضامَّها، الهوان حتى قالوا: المَنيَّة
ولا الدنيَّة، والنار ولا العار.
فبيّن أنه يجُمع لهم الأمران.
قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)
فائدة الإِضافة في قوله: (مِنْ نِسَائِكُمْ) تنبيه على الحرائر.
وقيل: تنبيه على المحصنات دون الأبكار.
وقيل: على المزوجات أبكارًا كن أو ثيِّبات.
قال ابن عباس في هذه الآية، وفي قوله: (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ) إن الزانيين كانا يُؤذيان بالتعيير والتعزير، والمرأة كانت تُحبس في البيت إلى أن أنزل الله قوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) الآية.
وقيل: المراد بالآيتين البكران.
وقوله: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا):
"البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثّيب بالثّيب جلد مائة
والرجم "، وهذا مما استدلّ به من ادّعى جواز نسخ القرآن
بالسنة، ومن أنكر ذلك فله من ذلك أجوبة:
أحدها: أن هذا كان حكمًا مقيدًا بوقت، لقوله: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا)، وتقديره: أمسكوهن إلى أن يتبين لكم حكمهن، فصار ذلك
بالكتاب معلومًا، وإنما حظ السنة فيه بيان قدر الزمان، الذي
وقَّته الكتاب مجملًا.
والثاني: أن الأذى كان في الأبكار اللاتي لم يتزوجن.
والحبس في التزوجات منهن قبل الدخول، بدلالة
قوله: (مِنْ نِسَائِكُمْ)، ثم نُسِخَ حكم الحبس والأذى في
الأبكار بآية الجلد، وأما الرجم فقد أُخذ حكمه عن السنة.
ولهذا قال عليّ عليه السلام حيث جلد محصنًا ورجمه، فسُئل عن
ذلك؟ فقال: "أجلده بكتاب الله، وأرجمه بسنة رسوله - ﷺ -، فدلَّ أنه لم يفهم من سنة النبي نسخ الآية.
والثالث: أن حُكم النسخ وقع بقرآن، قد رُفع تلاوته، وبقي حكمه.
وهو ما رُوي عن عمر رضي الله عنه: كان مما يقرأ في القرآن: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله، والله عزيز حكيم.
فهذه أقوال عامة المفسرين، وأما ابن بحر فإنه قال: المراد بقوله:
(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ)، وبقوله:
(وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ) ما يتعاطى الرجال بعضهم من بعض.
والنساء بعضهن مع بعض، وبقوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) ما يتعاطى الرجل
مع المرأة، قال: ولا نسخ في ذلك، قال: ويدل على ذلك أن
(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ) متضمنة للإِناث فقط، (وَاللَّذَانِ) يتضمن
المذكرين، قال: ولا يصحُّ أن يقال: إن الذكر والمؤنث إذا اجتمعا
غلب المذكر، لأن ذلك إنما يكون حيث تقدم لهما ذكر، نحو
قوله: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ)
قال: وقد روي عنه - ﷺ -:
"مباشرة الرجل الرجل زنى، ومباشرة المرأة المرأة زنى".
وهذا الذي قاله وإن ساعده اللفظ فعدول عن سنن السلف.
قوله تعالى: (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)
قد ذُكر تفسيرها في الآية المتقدمة.
وقال مجاهد: هما الرجلان
الزانيان، يعني المتعاطيين اللواطة، يُعبَّر عنها بالفاحشة.
وقد رُوِي عن النبي - ﷺ - أن "اللواطة الزنى الصغير "، وظاهر قوله: (فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا) يقتضي أن التوبة
تُسقط الحبس والأذى عن الزانيين، وقد قيل: الإِعراض عنهما
هو ترك التثريب المذكور في قوله - ﷺ -:
"إذا زنت أمة أحدكم.. " الخبر إلى قوله: "فليبعها ولو بضفير، ولا يُثرِّب عليها".
قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)
تعني أن قبول التوبة قد أخذ الله على نفسه تفضُّلًا لمن تاب
من قريب إذا بدر منه سوء، وقوله: (بِجَهَالَةٍ) فيه أقوال:
الأول: يأتيه سهوًا من غير قصد إلى الفاحشة.
الثاني: عن جهل بكونه ذنبًا.
الثالث: أن يعلمه لكن لا يعلم كونه كبيرة، ولا قدر
عقوبته.
الرابع: أن يعلمه ويعلم عقوبته، لكن يتبع شهوته،
ومرتكب الذنب وإن كان يعلم كونه ذنبا يقال له جاهل، ومن
هذا الوجه قال مجاهد: الجهالة: العمد، وقول من قال: الجهالة:
المعصية فعلى هذا، لأن كل معصية جهالة، وإن لم يكن كل
جهالة معصية، وقوله: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) أي قبل
الموت، بدلالة قوله - ﷺ -:
"إن الله يغفر لعبده ما لم يقع الحجاب ".
قيل: يا رسول الله: وما وقوع الحجاب؟ قال:
"موت النفس مشركة".
وروي: "من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه ".
وسُمِّي مرةً قليلًا لقوله: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) والقريب والقليل
في نحو ذلك يتقاربان.
وقال بعضهم: نبّه بقوله: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) على لطيفة، وهي أن الإِنسان إذا ارتكب ذنباً صدأ قلبه، فإن أقلع زال صدأه.
وإن استمرَ رِين على قلبه، وإن لم ينزع طُبعَ عليه وأُقفل.
ثم يتعذر عليه الرجوع، وعلى ذلك نبَّه بقوله في قصة
المنافقين) (إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ)
فإذا كان كذلك فحق لمن بدرت منه بادرة أن يتداركها قبل أن
تصير الشهوة مستولية عليه، فتأبى الطباع على الناقل.
وقوله تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)
أعتدنا. قيل: أصله: أعددنا، فأبدل من إحدى الدالين تاء.
وقيل: هو أفعلنا من العتاد أي العدة.
وهو ادخار الشيء قبل الحاجة إليه.
والله تعالى غني عن الإِعداد.
وإنما القصد أنه لا يعجزه عذابهم حيث شاء.
والسيئات ههنا عبارة عن الشرك والكبائر.
وحضور الموت: معاينة مَلَكِ الموت.
بيّن تعالى أن التوبة تفوت إذا أُخِّرت إلى ذلك، ولذلك لم ينفع
إيمان من آمن عند رؤية العذاب، حيث قال تعالى: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)، وقال: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ) الآية، وقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا) الآية.
وجعل الناس قسمين: مقصرين في العمل غير تاركين للإِيمان.
وهم الذين عناهم الله بقوله: (لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ)
وتاركين للعمل والإِيمان وهم المعنيون بقوله: (وَهُمْ كُفَّارٌ).
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)
العضل: التضييق عليها بالمنع من التزويج، وعضلت
الدجاجة بيضها، والمرأة بحملها، والبقعة بأهلها، وداء عضال
منه، ومعنى قوله: (أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا) ما روي أن الرجل إذا
مات في الجاهلية يرث امرأتَه ورثتهُ: أخًا كان أو ابنًا من غيرها، فإن
شاء تزوجها بالصداق الأول، وإن شاء زوّجها وأخذ مهرها،
وقوله: (كَرها)، وقرئ: (كُرها). قال الفرّاء: ما أكره عليه
الإِنسان فكَره وما كان من قبيل نفسه فكُره.
وقوله: (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) قيل: هو نصب معطوف على قوله: (أَن تَرِثُواْ).
وذكر أن في قراءة عبد الله (ولا أن تعضلوهن)،
وقيل: هو جزم على النهي.
قال ابن عباس وقتادة: المنهي عن العضل الزوج إذا لم يحتج إلى المرأة، فيمسكها رغبة في مالها.
وقيل: بل الوارث المانع لها من التزوُّج على سُنَّة الجاهلية.
وقيل: بل الولي، وكل هؤلاء منهيون في الشرع عن العضل.
فيصحُّ أن يكون خطاباً لجماعتهم.
والفاحشة المذكورة ههنا.
قال الحسن: هي الزنا، وللزوج أخذ الفدية إذا اطلع منها على ذلك،
وقال ابن عباس: هي نشوزها، وقد تقدَّم الكلام في الخُلع وجواز
أخذ الفدية عن البضع.
وقال الزبيري: الاستمناء من العضل، وكان للزوج منعها على ما أمر به تعالى في قوله: (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ)، وذلك قبل نزول الحد.
وقوله: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي حسب ما يعرفه العقل
والشرع، وقيل: هو النصفة والنفقة والإِجمال في القول.
وفي قوله: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا) الآية.
أي ربّ شيء تكرهه، ويكون في ذلك خير، تنبيهًا على أمرين:
أحدهما: أن لا يجب للإِنسان أن يتبع الهوى، بل يفعل ما يقتضيه
العقل والشرع.
والثاني: التنبيه على كراهية الطلاق المدلول عليه بقوله - ﷺ -: "أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق ".
ورُوي عنه - ﷺ -:
"تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الله لا يحب الذواقين والذواقات ".
وقال بعضهم: ذلك تنبيه أنه ربما كانت الكراهية
تعرُض لمصلحة، قال: وذلك حث على مفارقتها حيث عدم
موافقتها، وإن كانت النفس تكره ذلك، وعلى هذا نبّه بقوله
تعالى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ).
قوله تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)
البهتان: الكذب الذي يبهت سامعه لفظاعته.
ويُستعمل في الفعل استعمال الصدق والكذب.
ولذلك قال ابن عباس: بهتانا: ظلما كبيرًا.
(وَإِثْمًا مُبِينًا): ذنباً ظاهرًا، بيّن أنه لا يجوز لكم
الرجوع فيما أعطيتموهن طلقتموهن أو أمسكتموهن، وخصَّ
حال الاستبدال ليدخل فيه الحالة الأخرى، وذلك توكيد لقوله:
(وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) وقد استثنى من ذلك المطلقات قبل الدخول
بهن، لقوله: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) واستثنى منه أيضًا حال الافتداء المذكور في قوله: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) الآية منسوخة بقوله: (إِلَّا أَنْ يَخَافَا)، والصحيح أنها ليست منسوخة، وقد تقدم ذلك في سورة البقرة،
وروي أن رجلًا كان عليه لامرأته من صداقها ألف دينار، فوضعتها له.
فطلقها وتزوج غيرها، فارتفعا إلى عبد الملك فقال: رد عليها.
فقال:
أليس الله يقول: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ).
فقال: اقرأ الآية الأخرى: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ) الآية.
قوله تعالى: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)
يقال: أفضى إلى فلان أي وصل إلى فضاء منه أي سعة غير محظورة.
فمن الفقهاء من جعل ذلك عبارة عن الخلوة حصل معها المسيس أو بم يحصل، ومنهم من جَعَلَهُ
كناية عن المسيس، وإليه ذهب ابن عباس ومجاهد والسدي.
ونبه أن المهر بإزاء ذلك المعنى، وقد نلتموه منهن فلا حق لكم إذًا
عليهن، والميثاق الغليظ: قيل هو ما قاله - ﷺ -: "أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ".
وقال مجاهد: الميثاق كلمة النكاح.
وقال الحسن: هو قول: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)
وقيل: قول الذين يزفونها، وكل ذلك يصح إرادته بالميثاق.
قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)
اختلفوا في النكاح ههنا، فحمله أصحاب أبي حنيفة على الجماع.
وقال: هو حقيقة فيه، فَحَرَّموا كل امرأة باضعها الأب حلالا أو
حراما على الابن.
وحمله الشافعي على العقد، وقال: هو حقيقة فيه.
ولم يحرم من النساء على الابن إلا ما تزوج بها أبوه دون
من زنى بها، والصحيح أنه للعقد، لأن أسماء الجماع والفرج
والغائط في لسانهم كنايات، وذلك أنهم لما عنوا بإخفاء هذه
الأشياء أخفوا أيضاً أسماءها، فعدلوا عن التصريح إلى الكنايات.
حتى إنهم متى عُرف فيما بينهم كناية في شيء من ذلك عدلوا إلى
كناية أخرى، ومن تتبع كلامهم عرف ما قلته، فكيف يستعيرون
لفظ الجماع لما هو أحسن عندهم منه، ثم لا خلاف أن العقدية
مراد، ولا خلاف أيضا أن الوطء بملك اليمين يجري مجرى العقد
في العقد بها، وقوله: (مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) قيل: هو في موضع
المفعول، فوضع ما الذي هو للجنس موضع من الذي هو
للنوع، وقيل: معناه لا تنكحوا كنكاح آبائكم، فما في موضع
المصدر، وقوله: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ).
قال: بعضهم: معناه بعدما قد سلف كقولك: لا تبع من متاعي إلا ما قد بعت.
وقول الشاعر:
هجاؤك إلا أنّ ما كان قد مضى... عليَّ كأثوابِ الحَرَامِ المُهيْمِ
وقيل: هو بمعنى لكن على الاستئناف، كأنه قيل: لكن ما قد
سلف أنه كان فاحشة ومقتا.
وقال بعضهم: تقديره ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم، إنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلًا، إلا مَا قَد سَلَفَ أي ما قد سلف ليس بفاحشة، وهذا لا يصح من أجل اللفظ، فإن ما يتصل بما بعد (أن) لا يقدم عليه، لا تقول:
عمرًا إن زيدًا يضرب، وتعنى أن زيدا يضرب عمرًا.
وتحقيق هذا الاستثناء أن قوله: (وَلَا تنكحُوا) دل على أنه محرم، وتعاطي
المحرم يقتضي العقوبة، فكأنه قيل: تستحقون العقوبة بنكاح ما
نكح آباؤكم إلا ما قد سلف، فإن، ذلك متجافى عن عقوبته عنكم.
ولا يجوز أن يكون معناه متجافى عن الإِقرار عليه، فإنه مجمع
أن لا يُقَارّ عليه أحد إلا حكاية عمن لا يعتد به.
وقوله: (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً)، قيل: معناه نكاحهن بعد النهي فاحشة.
وكان زائدة، وقيل: عنى أنه كان فاحشة.
من قبل تنبيهًا أن ذلك لم يكن من الأشياء التي ورد بها الشرع.
ثم نسخ، كذا كثير من الأحكام، بل كان ذلك من المستشنع
الممقوت، ولذلك كان يسمى ولد الرجل من امرأة أبيه المقتي.
وقوله: (إِنَّهُ) أي إن ذلك النكاح، ودل عليه بذكر الفعل،
كما دل على السفه بلفظ السفيه في قول الشاعر:
إذا نهي السفيه جرى إليه........................
قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)
قال ابن عباس: حرم الله أربع عشرة امرأة:
سبعًا من جهة النسب، وسبعًا من جهة السبب،
فالمحرمات من جهة النسب: الأمهات والبنات والأخوات
والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، ومن جهة
النسبب: أمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة.
وأمهات نسائكم، وربائبكم اللاتي في حجوركم، وحلائل
، أبنائكم الذين من أصلابكم، وأن تجمعوا بين الأختين، وقد
قال قبل: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ).
فقوله: (أُمَّهَاتُكُمْ) تناولهن والجدات وإن علون، وكذا البنات:
تناولهن وبنات الأولاد وإن سفلن، وكذلك الأخوات يتناول
التي للأب والتي للأم والتي لهما، وكذلك بنات الأخ وبنات
الأخت: يتناول بناتهما على ذلك الحد بناتهما وإن سفلن، وخص
تحريم العمات والخالات دون أولادهن، وجاز أن تكون بنات
الأخ وبنات الأخت مفردين، لأن الأخ والأخت يتناول كل واحد
منهما، وكان لفظ الواحد ههنا أخص لإِضافة الجمع إليهما،
وإنما قال: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) تنبيهاً على تأكيد
تحريم الرضاع أنها تجري مجرى النسب، ولأن في ذكر
(وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي) تنبيهًا أن ليس كل رضاع يحرم، إشارة
إلى ما روي من قوله - ﷺ -:
"لا تحرم الإِملاجة والإِملاجتان "
وقوله: (مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) لا خلاف أنه صفة
لربائبكم، وأنه لا يحرم التزوج بهن إلا بالدخول بأمهاتهن.
واختلف هل يرجع إلى قوله: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) مع كونه
شرطاً في الربائب؟، فروي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام
أنه يرجع إليهما، وأن من طلق امرأته قبل الدخول بها فله أن
يتزوج بأمها، وقال عمر وابنه وابن مسعود: ليس يرجع إلا إلى
الربائب، وذكروا أن أم المرأة تحرم بنفس العقد، وأكد ذلك
بما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إلى النبي
- ﷺ - قال:
"أيما رجل نكح امرأة فدخل بها أو لم يدخل بها فلا يحل له نكاح أمها".
وحكي عن زيد أنه فصل بين أن يطلقها قبل الدخول أو تموت عنه.
ولم يحرم بالطلاق وحرم بالموت.
وأجرى الموت مجرى الدخول، كما جعل الفقهاء في استقرار المهر،
وذهب عامة الفقهاء إلى أن لا فرق بين تحريم ربيبتك في حجرك
كانت أو لم تكن إلا ما حكى إسماعيل بن إسحاق: أن
امرأتي توفيت فلقيت عليّا عليه السلام فقال: ألها بنت؟ فقلت:
نعم، وهي بالطائف، فقال: أكانت في حجرك؟ فقلت: لا.
فقال: انكحها، فقلت: فأين قوله: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ)
فقال: إنما ذلك إذا كان في حجرك، وما قاله
فهو ظاهر الآية.
واختلف في قوله: (اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) هل يقتضي الزنا؟
فمنهم من قال: يتناوله وعليه تأول (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) ومن قال: لا يتناوله، وقد تقدم ذلك.
وقوله: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) إنما خص ذلك
ليخرج منه المتبنى، فذلك في معنى قوله: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) الآية.
والحلائل ههنا كالأزواج، ثّمَّ.
وفي قوله: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ)
تنبيه أنه لا يصح العقد عليهما معًا في الإِسلام.
ومتى فعل فعقدهما باطل، ومتى عقد على إحداهما فعقد الثانية باطل،
وعند أبي حنيفة: لا يجوز التزويج بإحدى الأختين إذا كانت الأخرى منه في عدة، ولا يجوز وطؤهما بملك اليمين عند عامة الفقهاء، ومتى وطئت
إحداهما لا يجوز وطء الأخرى إلا بإخراج الأولى من ملكه.
وقال أمير المؤمنين: أحلتهما آية وحرمتهما آية، أي عموم
قوله: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) يقتضي تحليلهما، وعموم قوله:
(وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) يقتضي تحريمهما.
قال: وأما أنا فأحرم ذلك، وروي عن ابن عباس أنه أجاز ذلك.
وقوله: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَف) يراد به ما يراد بقوله (مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ).
قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)
أصل الإِحصان والحُصن من الحِصن، ومنه درع حصينه
لكونه حصنًا للبدن، وكذلك فرس حصان، وبهذا النظم قال
الشاعر:
... أن الحصون الخيل لا مدر القرى
والحصان في الجملة المحصنة أي الممنوعة، إما بعفتها أو
بزوجها أو بمانع من شرفها أو حريتها، ولما كان الحِصْن في
أكثر المواضع يصح أن يكون من جهة الإِنسان نفسه، وأن يكون
من جهة غيره صح أن يقال محصَن ومحصِن، وهذا الموضع لما كان
المقصود به التزويج قُرئ (المحصَنات) لا غير، إذ كان سبب
إحصانها الزوج، والسفاح الزنا، وسمي بذلك لكون ذلك الماء
مضيعًا، إذ وضع في غير الموضع الذي يجب أن يوضع فيه.
وقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) منهم من أجرى على العموم.
وقال: حدوث الملك في الأمة يفرِّق بين الأمة وزوجها.
ورُوِي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود، ورُوِي في ذلك أن
النبي - ﷺ - قال: "بيع الأمة طلاقها".
ومنهم من خص ذلك في المشركات.
وجعل قوله: (إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) استثناء منها.
وقال: كل امرأة سُبِيت فقد حلَّت لسابيها، واستدلَّ في
ذلك بما روى أبو سعيد الخدري أن النبي - ﷺ -
بعث جيشًا إلى أوطاس فأصابوا سبايا لها أزواج من المشركين، فتحرّجوا من
غشيانهن، فأنزل الله (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)
وظاهر ذلك يقتضي أن الزوجين إذا سبيا معاً أو مفترقين
أن النكاح يبطل، كما قال مالك.
بخلاف ما قال أبو حنيفة حيث قال:
إذا سُبِيَا معًا لا يبطل النكاح.
وظاهر الآية يقتضي أنه يصح وَطْؤُها على كلِّ حال.
وإنما علم وجوب استبرائها بالسنة.
وقال طاوس:
وابن المسيب: القصد بالآية نهي عن الزنا.
والمحصنات محرّمة على كل واحد منكم إلا امرأته المعقود عليها
بالنكاح أو ملك اليمين، فهذا معنى (إلا ما ملكت أيمانكم).
ويكون هذا أمرًا إنما مدح به في قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ).
وقوله: (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ)
قيل: هو مصدر مؤكد من غير لفظ الأول.
وقيل: هو إغراء وحثٌّ والعامل فيه فعل مضمر.
وقال الكوفيون: هو إغراء
والعامل فيه عليكم، كأنه قيل: عليكم كتاب الله، وعلى ذلك
حملوا قوله:
يا أيها الماتح دلوي دونكا... إني رأيت الناس يحمدونكا
وقوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)
قال السدي: ما وراء المذكورات،
وقال عطاء: ما وراء ذات المحارم، قيل: والصحيح أن المراد
ما وراء كل ما حرّم الله كتاباً وسنة.
واختُلف هل في قوله: (مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) نسخ؟
فقال بعضهم: نسخ منه بعضه بقوله - ﷺ -:
" لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا الصغرى على
الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى".
وقال بعضهم: لا نسخ
فيه، وإنما ذلك تخصيص للآية، وقيل: ولأنه لما حرم الجمع
بين الأختين للنسب الذي بينهما نبّه على تحريم ذلك، لأن إحداهما
لو كانت ذكرًا لم تحل له الأخرى من قبل النسب.
ولا ينتقض ذلك بأن يجمع الرجل بين المرأة وبين ابنة زوجها الأول، وإن كانت إحداهما لو كانت ذكرًا لم تحل له الأخرى، لأن ذلك التحريم ليس من جهة النسب.
وقوله: (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ) يقتضي أن لابد من المهر
سُمِّي أو لم يسم في العقد.
واستدلّ أصحاب أبي حنيفة في أن لا يصح أن يجعل مهرًا
إلا ما وقع عليه اسم المال، وعلى ذلك
قوله: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً).
وقوله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ)
كناية عن الدخول، وأصله الانتفاع به.
وقوله: (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أي مهورهن.
ورُوي عن ابن عباس أنه حمل ذلك على متعة النساء.
ورُوي عنه أنه قال: نزل "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى"،
وقال قتادة: كذلك هو في قراءة أبيّ.
وحمل ذلك عامة الصحابة على النكاح.
وقد ورد في تحريم المتعة أخبار كثيرة، ذكرها الفقهاء في كتبهم.
ونبّه بقوله: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ)
أن لا جناح في وضعه بعد التسمية وإعطائه إياها والزيادة فيه.
قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)
الطول: سعة في العطية، وهو أخصُّ من النيل.
فإن النيل يقال في القليل والكثير.
والطَول لا يقال إلا فيما يزيد على غيره كالطول في أنه يقال اعتبارًا بغيره.
وقال ابن عباس وعامة الصحابة: هو
الغنى، وذلك أن يجد من المال ما يجعله صداق حرة.
وإليه ذهب الثوري، والشافعي.
وقوّى ذلك بما رواه جابر عن النبي - ﷺ -:
"من وجد ما يتزوج به حرّة فلا ينكح أمة".
ومال أبو حنيفة: هو أن يكون تحته حرة.
وقال بعض الصحابة: هو أن يجد في قلبه غنى عنها بأن لا يهواها.
وحُكي عن مالك:
لا بأس أن يتزوج الحُرَّةَ على الأمة، والأمة على الحُرَّةِ.
وأصل العنت: الشِّدَّة نحو العَنَد، لكن العِناتَ أبلغُ من العِنَادِ.
لأنه هو المؤدي إلى الهلاك.
وقال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ) ومنه قيل: أَكَمَةُ عَنُوتٌ.
وقد فسر بالزنا تفسير عموم بخصوص
إذ هو المقصود منه، وهو المؤدي إلى هلاك الآخرة.
ولما بيّن الله تعالى المحرَّمات، وأحل ما وراء ذلك
بشروط ذكرها عقب ذلك بمن لا يستطيع مهر الحرائر ونفقتهن.
فأباح لهم تزوج الأمة، إذ هي أخف مهرًا ونفقة.
وشرط في جواز التزوُّج بها شرطين:
عدم الطَوْل، وخوف العنت.
وفصل بين بعض هذا الحكم وبعضه بفصلين:
أحدهما: قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ).
والثاني: حكم الأمة كيف ينبغي أن تكون صفتها حتى يجوز التزوج بها؟
ومثل هذا الاعتراض يسمى في البلاغة الالتفات.
وقوله: (أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) فمنهم من جعل الإِيمان شرطًا.
وقال: يجوز للرجل أن يتزوج بالأمة، وإن وجد طول الذمية الحرة.
وقوي بقوله: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ).
ومنهم من قال: ذكر المؤمنات على طريق الفضل،
ولا يجوز التزوج بالأمة مع طول الذمية، قال: لأن العلة التي
لأجلها منع من التزوج بالأمة تعرض الولد للاسترقاق، وذلك
معدوم في الكتابيات الحرائر، فيجب أن يكون التزوج بها أولى
من الأمة.
وقوله: (فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)
قال الأصم: أجمعوا أنه أريد به التزوج، وشرط الإِيمان في الأمة.
وقال الحسن ومجاهد والثوري وأبو حنيفة: هو على الاستحباب، فأجازوا
التزوج بالأمة الكتابية.
وقال مالك والشافعي والأوزاعي: لا يجوز نكاح الأمة الكتابية المؤمنة.
لأن ما أبيح بشرط فلا يجوز ذلك على غير ذلك الشرط، سيما إذا كان الشرط بيانا لحكم.
وقوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ) تنبيه على أن الاعتبار بالمواصلات
في الأحكام الدنيوية بظاهر الإِيمان لا بحقائقه، فإن الله يتولى السرائر،
وقوله: (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) تنبيه على أمور منها:
معنى ما قال تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا)
ومنها ما دلَّ عليه النبي - ﷺ - بقوله:
"مولى القوم ".
ومنها أنهم كانوا يعيرّون بالهجنة، فأراد أن يزيل هذا الاعتقاد عنهم،
وقوله: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ)، أي أربابهن، وذلك يقتضي
أن لا يصح تزوج الأمة إلا بإذن أهلها، ويقوي ذلك قوله
- ﷺ -:
"إذا تزوج العبد بغير إذن، سيده فهو عاهر".
وقال عطاء: إذنه على الاستحباب لا على الوجوب.
وقوله تعالى: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)
قيل: تقديره بإذن أهلهن، لكن حذف، كقوله (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ)
وقال بعضهم: أجورهن: نفقاتهن والأول هو الوجه، لأن
النفقة تتعلّق بالتمكين لا بالعقد.
وقال مالك: تستحق الأمة المهر.
واستدل بهذه الآية على أن الرقيق يملك.
وقوله: (بِالْمَعْرُوفِ) هو أي على ما عرف من حكم الشرع.
وقيل: على سبيل الهبة، فإن المعروف يعبَّر به عن العطية.
وذلك كقوله (نِحْلَةً).
وقوله: (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ) أمر بأن يكون
وطؤها لازمًا، ولا على سبيل المخادنة، واشتر اط الأمرين أن
قومًا كانوا يبيحون اتخاذ الجارية خدنًا،
وقرأ الحسن: "مُحْصِنَاتٍ"، وقال: معناها عفائف.
ولم يُجوِّز نكاح الأمة الزانية التي أُقيم عليها الحد.
وقوله: (فَإِذَا أُحْصِنَّ) أي زوّجن.
وقُرئ: "أَحصَن"، أي تزوَّجن، وقيل: أسلمن.
والأول أصح، وعلى التفسير الثاني
يقتضي أن الأمة إذا زنت - وإن لم تكن مزوّجة - تحدُّ
بحكم الآية، وأن الكتابية لا تحد وإن كانت مزوّجة.
وقوله: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ)
قد تقدّم أنه يتعلق بما قبله.
وقوله: (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ)
إبانة أن الاختيار ترك نكاح الأمة رأسًا.
لئلا يكون ولده رقيقا لغيره.
وبين بقوله: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
وأحكام القرآن لابن العربي (١ ٤ ٥ ٤)، والمحرر الوجيؤ (٤ ٨٦).
والجامع لأحكام القرآن (٥ ١٤٣).
أي أسلمن وهو قول ابن مسعود والشعبي والزهري والسدي والجمهور
كما ذكر ابن عطية. انظر: جامع البيان (٨ ٩٩ ا - ا ٢٠)، وأحكام
القرآن للجصاص (٢ ٦٨ ١)، والنكت والعيون (١ ٤٧٣)، وأحكام
القرآن لابن العربي (١ ٤ ٠ ٤)، والمحرر الوجيؤ (٤ ٨٦)، والجامع
لأحكام القرآن (٥ ١٤٣).
انظر: أحكام القرآن للجصاص (٢ ١٦٨، ٦٩ ١)، وأحكام القرآن
لابن العربي (١ ٤٠٥، ٥٠٥)، والمحرر الوجيؤ (٤ ٨٦)، والجامع
لأحكام القرآن (٥ ٤٣ ١، ٤٤ ١)، وتفسير غر ائب القرآن (٢ ٣٩٧).
انظر: اْقوال العلماء في تفسير العنت في: معاني القرآن للزجاج (٢ ٤٢).
وأحكام القرآن لابن العربي (١ ٤٠٧).
انظر: جامع البيان (٨ ٢٠٧، ٢٠٨)، ومعاني القرآن للزجاج (٢ ٤٢).
وأحكام القرآن للجصاص (٢ ١٧٥)، وأحكام القرآن لابن العربي
(١ ٧ ٥ ٤)، ومعالم التنزيل (٢ ٩٨ ١)، والمحرر الوجيؤ (٤ ٨٨!.
والجامع لأحكام القرآن (٥ ١٤٧).
١١٩١
أن هذا وإن كان مكروها فقد غفر لكم، ورحمكم في إباحته.
فالأول هو تبين العادة، والثاني وهو قوله: (تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ)
حث على مكرمة، كقوله - ﷺ -:
"إياكم وخضراء الدمن ".
وكثيرًا ما يجمع تعالى بين الحكم المراد وبين الفضل ليكون قد
أدّب عباده بالأمر.
قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)
السنن: جمع السنة أي الطريقة المستقيمة.
وأصلها من سن الماء، وعنه استُعير من سن السيف
لما كان يشبه عند صقله بالماء.
واستُعير منه سن الفرس، كما يقال: صقل الفرس.
واللام في قوله: (لِيُبَيِّنَ)
فيه قولان؟ قال الفرَّاء: أردت أن يكون كذا
وأردت ليكون، (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ).
وأمرت أن أعدل.
قال: ويُعَدَّى هذان الفعلان باللام تارة.
لكونهما طالبين للفعل المستقبل.
وقال بعضهم: بل الفعل محذوف، واللام للعلة على تقدير:
يريد الله ما يريد لأن يبين.
وقوله: (سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)
منهم من خص وقال: أراد أن يحرم علينا ما حرم عليهن
بالنسب والرضاع والمصاهرة.
وقيل: عنى ول ما ذكره في قوله: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ)
ومنهم من أخذه أعم من ذلك، فقال: إن الله تعالى شرع لكل
أمة عبادة ومكارم، ولم يختلف حكم أصولها، وإن اختلفت
فروعها، وعلى ذلك قال: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ).
فبين أنه يريد أن تكون هذه الأمة جارية مجرى هؤلاء في ذلك.
وقيل: عنى أنه يبين لكم طريق من قبلكم إلى الجنة.
وهو المسئول في قوله تعالى: (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ).
وبين أنه أراد به ذلك لعلمه وحكمته.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)
الميل وإن كان عامًا في الميل إلى الخير والشر.
فالمقصود به ههنا الجور عن قصد السبيل.
ولما كان جميع عبادة الله بالقول المجمل ضربين،
صقل العقل، وقمع الشهوة، وكلُّ أمر ونهي فذريعة إليهما.
صار اتباع الشهوة سبب كل مذمة، فلذلك عبر بمتبع الشهوات عن
الفاسق والكافر، وعلى هذا قوله: (أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ).
فإن قيل: فليس اتباع الشهوات مذمومًا في كل حال.
بل منها ما هو محمود؟
قيل: قد قال بعض المتكلمين وبعض المفسرين:
عنى بذلك بعض الشهوات.
وقال بعضهم: عنى من يتبع الشهوات كلها.
والصحيح أن اتباع الشهوة في
كل حال مذموم، لأن ذلك هو الائتمار لها من حيث ما دعت.
وما سوّغ من تعاطي ذلك، فليس جواز تعاطيه من حيث دعت
الشهوة إليه، بل من حيث سوغ العقل أو الشرع، فذلك هو
اتباع لهما، ويؤكد ذلك قوله: (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)
وقوله: (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ)
وقيل: عبد الشهوة أذلُّ من عبد الرق.
إن قيل: كيف أدخل اللام في قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ)
ولم يدخله في قوله: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ)؟
وكيف أعاد ذكر إرادته التوبة؟ ولمَ قال: (وَاللَّهُ يُرِيدُ)
فقدم ذكر المخبر عنه، ثم قال: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ)
فأخر المخبر عنه؟
قيل: أما إدخال اللام في الأول فلأنه عنى أنه يريد ما يريد
لأجل التوبة عليهم، وأراد بقوله (أن يتوب) أنه كما أراد ما هو
سبب التوبة عليهم، فقد أراد التوبة عليهم، إذ قد يصح إرادة
سبب الفعل دون الفعل نفسه، ففي هذا ظهور فائدة اللام وحسن
إعادته، واقتضى إعادته أيضا ذكر قوله: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ)
ليبين أن إرادة الله لكم مضادة لما يريدونه.
وأما تأخير المخبر عنه في قوله: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ) فيجوز أنه
جعل الواو للحال لا العطف، تنبيهاً أنه يريد التوبة عليكم
في حال ما يريدون أن تميلوا، فخالف بين الإِخبارين ليبين أن
الثاني ليس على العطف.
وتخصيص الميل العظيم هو أن الإِنسان قد يترك تحري الخيرات
من الإِيمان والأعمال الصالحة، إما لعارض شغل وإما لكسل.
وإما لضلالة، وهو أن يسبق إلى اعتقاد باطل فينشأ عليه.
وإما لفسق وهو أن يكون مع الاعتقاد يستلذ تعاطي الشر.
ومن تركه للشغل فهو أسهل معالجة ممن يتركه لكسل.
ومن تركه للكسل
فهو أسهل ممن تركه للضلال، وكذا ما بعده، وكأنه قال:
إنهم أرادوا أن يجوروا جورًا عظيمًا، ليكونوا أبعد من الرشاد.
والإِشارة بالمعنى إلى نحو قوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً)، وعلى ذلك قوله: (وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ)
فإن قيل: فهلا خصَّ الميل ليزيل الإِشكال، إذ الميل تارة إلى الحق
وتارة إلى الباطل؟
قيل: لما كانت العدالة وسطا وكان أطرافها كلها جوزا.
ولذلك سميت وسطا، وسواء، وعدلاً، وصراطًا مستقيمًا.
نبّه بإطلاق لفظ الميل: أن الكفار يريدون منكم الميل
عن العدالة على أي وجه كان، إفراطا كان أو تفريطًا.
وكل ذلك ضلال، ولهذا وصَّى الله تعالى بقوله: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ).
قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)
قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ) في موضع الحال، كأنه قال:
والله يريد أن يتوب عليكم، مريدًا أن يخفف عنكم.
وفي الآية أقوال: الأول: قول من خصصها وحملها على ما تقدم.
وقال: عنى أنه أباح نكاح الأمة تخفيفا عنكم.
فالإِنسان ضعيف في تَحَيُّرهِ عن "إمساك نفسه عن مشتهاه.
الثاني: أنه خفف عنكم تكلف النظر، وأزال الحيرة فيما بين لكم
مما يجوز من النكاح.
الثالث: أنه قصد به ما قال - ﷺ -:
"جئتكم بالحنيفية السمحة".
وما ذكره في قوله تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ).
والرابع: أنه تبين لكم مقصودكم وما دعيتم
إليه من الثواب العظيم لتعرفوه، فيخف عليكم الصبر في تحريه.
فالإِنسان لا يمكنه الصبر فيما لا يعرف ثمرة الصبر فيه، ولهذا
قال: (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا).
الخامس: يريد الله أن يخفف عنكم بما يحُمّلكم من التعب.
فإن كل تعب يفضي إلى راحة عظيمة، فذلك في الحقيقة راحة.
ولهذا قيل للرجل يتحمل تعبًا عظيمًا في عبادة: ألا تريح نفسك؟
فقال: راحتها أريد.
السادس: إنه لم يعن بالتخفيف ما يستخفه الطبع وتميل إليه
النفس، وإنما عنى ما يخف به تحمل ما يبلغنا إلى ثوابه، وعلى نحو
هذه الآية قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)
وقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).
ووصف الإِنسان بأنه خلق ضعيفًا إنما هو باعتباره بالملأ الأعلى نحو:
(أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ) أو باعتباره بنفسه دون ما يقويه من
فيض الله ومعونته، أو اعتبارًا بكثرة حاجاته، وافتقار بعضهم إلى
بعض، أو اعتبارًا بمبدئه ومنتهاه، كما قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً)
فأما إذا اعتُبر بعقله، وما أعطاه الله من القوة التي يتمكّن بها
من خلافة الله في أرضه، ويتبلّغ بها في الآخرة إلى
جواره تعالى - فهو أقوى ما في هذا العالم.
ولهذا قال تعالى: (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا).
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)
روي أنه لما نزلت هذه الآية امتنع بعضهم من أن يأكل عند غيره.
حتى نزل قوله:
(وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) إلى آخر الآية.
ولم يكن نسخًا لكن تبيينا.
وقوله: (بِالْبَاطِلِ) إشارة إلى الوجوه التي حظر تناول المال منها ووضعه فيها، واستثنى التجارة تنبيهًا على إباحة الكسب إذا كان من وجهه.
فمن نظر نظرًا فقهيًّا قال: ظاهرها يقتضي أن لا يجوز تناول الغير منها، كالصلاة والزكاة والميراث وغير ذلك.
وقال بعضهمْ: لم يعن بالتجارة المبايعة فقط.
بل عنى كل معاملة مباحة من قرض وفرض، كما قال - ﷺ -:
"لا يحل مال امرى مسلم إلا بطيب نفس منه "،
ومنهم من عنى بذلك المنع من وضع المال وإنفاقه في غير الوجه المباح.
وقال: عنى بالتجارة الوجهة المباحة التي يحلُّ صرف المال إليها.
وأما من نظر نظرًا أدق من ذلك، فإنه جعل أكل المال بالباطل تناوله
من حيث لا يسوغه العقل، ولا يجوّزه الشرع، من استنزال الناس
عما في أيديهم بالخدع، ومساعدتهم على الباطل طمعًا في نفع.
وجعل من ذلك أيضاً وضعه حيث لا يجوز، وإنفاقه رياء كما قال
تعالى: (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ)، وجعل هذه التجارة هي التجارة المذكورة بقوله تعالى:
(هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) الآية.
وفي قوله: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)
الآية.
وشرط فيها التراضي، تنبيهًا أنه يحمد ذلك متى أنفق
الإِنسان في سبيل الله عن طيب نفس على الوجه الذي ينبغي وبمقدار
ما ينبغي، حسب ما بيّنه الله تعالى، ودل على رضاه في صرفه إليه.
وقوله: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) نظر إليه نظرات مختلفة.
ففسر بحسبها، الأول: لا يقتل بعضكم بعضًا.
قال: والنهي لا يصح إلا على هذا.
فإن الإِنسان مضطر إلى أن لا يقتل نفسه ما لم تعرض له شبهة
كشبهة أهل الهند في قتلهم أنفسهم.
قال: واستعار لفظ الخطاب في قوله (أَنْفُسَكُمْ) تنبيهًا أنه يجب أن
تكون نفس كل واحد منكم عند صاحبه كنفسه، قال: وعلى
ذلك نبّه بقوله: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ).
قال: وعلى هذا قال: (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ).
الثاني: من حمل الخطاب على ذلك لكن خصّص، وقال: لا يأكل
بعضكم مال بعض، الذي به قوامه، فيكون فيه قتله.
الثالث: لا يقتل بعضكم بعضا فيقتص منه فيكون كمن قتل نفسه.
الرابع: لا تقتلوا أنفسكم بضجر وغضب.
الخامس: لا تركبوا ما يؤدي بكم إلى القتل.
فتكونوا قد قتلتم أنفسكم.
وهذا كالرابع إلا أن مأخذه أعم منه.
السادس: قول من نظر نظرًا أشرف فقال:
لا تفعلوا ما يؤدي بكم إلى هلاك الأبد، فتكونوا قد قتلتم أنفسكم.
وذلك بتصريف النفس في غير ما خُلِقَتْ له، وبيَّن للناس من
العلم والعمل الصالح المدلول عليه بقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)
ولذلك سمى من صرف نفسه في غير ذلك خاسرًا.
حيث قال: (إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) الآية.
قال: وقتل النفس في الحقيقة ترفيهها في الدنيا.
وباعتبار الدنيا والآخرة أُمِر الإِنسان تارة بقتل نفسه أي
قمعها وتذليلها، ونهي تارة عن قتلها، ومثل هذه الآية قوله
تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ)
ويجري مجراها في احتمال النظرين قوله: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ).
قوله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)
العدوان تجاوز العدالة بإفراط، وذلك أن العدل هو الوسط الذي تجاوزه الإِفراط والقصور عنه جميعا، فمن حاد عنه قيل: جار، ومن بالغ في
الجور قيل: طغى، ومن تخطاه بإفراط قيل: تعدى، وقيل لجميع
ذلك: الظلم، فالظلم أعم الأسماء.
إن قيل: كيف جمع بين الظلم والعدوان، وقدم العدوان مع كونه أخصَّ من الظلم، وحكم العام والخاص إذا اجتمعا أن يقدم العام على الخاص.
نحو قوله: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ)؟
قيل: في ذلك جوابان:
الأول: أن يكون العدوان إشارة إلى الظلم الذي يتجاوزه الإِنسان إلى غيره، وعنى بالظلم ظلم النفس المعني في قوله: (ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ)
وهو الإِثم المذكور في قوله تعالى: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)
فبيّن أن من جمع بين الأمرين فقد ظلم نفسه، وظلم غيره، فهو مستوجب للنار، على هذا يكون العني بالظلم غير المعني بالعدوان.
الثاني: أنه قدم العدوان الذي هو أخص من الظلم تنبيهًا أن من ارتكب صغيرة ولم يقمع نفسه عنها جرَّته إلى ما هو أعظم منها، فنبه أن حق
الإِنسان أن يحفظ نفسه عن الصغيرة خشية أن يقع فيما هو أعظم
منها، ومعنى الآية أن من يفعل ما نهُي عنه من قتل النفس وأكل
المال بالباطل وسائر ما تقدم النهي عنه فسوف يجعله صلا كما
قال: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ).
ونبّه بقوله (وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا)
أنه لا يتعذر عليه عقابهم.
قوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)
من المفسرين - وهو أكثرهم - من حمل السيئات على الصغائر.
وقال: معنى الآية: إن تجتنبوا كبائر الذنوب نُكفّر عنكم صغائرها.
ثم اختلفوا على أي وجه اعتبار الصغيرة والكبيرة.
وذاك أن الصغير والكبير من الأسماء المتضايفة التي
لا يعرف أحدهما إلا باعتبار الآخر،
وقال بعضهم: في الذنوب كبيرة لا أكبر منها كالشرك، وصغيرة
لا أصغر منها كحديث النفس أو همّه بسيئة ونحو ذلك.
وبينهما وسائط كل واحد بالإِضافة إلى ما فوقه صغير، وبالإِضافة إلى
ما دونه كبير، وقال: ومعنى الآية أن من عنَّ له أمران فيهما
مأثم، واضطر إلى ارتكاب أحدهما فارتكب أصغرهما وترك أكبرهما:
كمن أكره على أنْ يقتل مسلمًا، أو يشرب قدح خمر فارتكب
أصغرهما كُفِّر عنه ما ارتكبه.
وقال بعضهم: الذنوب كلها ضربان:
ضرب: كبيرة كالشرك، وقتل النفس بغير حق، والزنا.
وضرب: صغيرة، وهؤلاء اختلفوا فمنهم من قال: الصغيرة
غير معلومة، وهي كل ما عُلِّق به وعيد في
الآخرة، أو جُعِل له عقوبة في الدنيا، وبعضها غير معلوم.
قالوا: والصغائر كلها يجب أن تكون غير معلومة، وإلا كان
إغراءً بالمعصية، وذلك أن الله تعالى وعد أن يغفر بتجنُّب الكبائرِ
الصغائرَ، فلو بيّنا جميعًا لكان المكلَّف لا يبالي بارتكاب الصغائر
مع تجنب الكبائر، فكان يؤدي ذلك إلى مفسدة، ومنهم من
قال: يجب أن يكونا معلومين، وإلا لم يصح أن تكون الكبيرة
معلومة من حيث ما هي كبيرة لما تقدم أن ذلك من الأسماء
المتضايفة، التي لا يُعرف أحدهما إلا بالآخر، قال: فالكبائر هي
محارم الله التي علم كونها محجورة، والصغائر ما هو متشكك فيه
المعني بقوله: "دع مما يريبك إلى ما لا يريبك ".
وعليه) دل النبي - ﷺ - بقوله:
"الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبين ذلك أمور مشتبهات.
وسأضرب لكم مثلًا: إن الله حمى حمىً، وإن حمى الله محارمه.
ومن رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه ".
فمرتكب الكبائر
جار مجرىً داخل الحمى، ومرتكب الصغائر جار مجرىً حوله.
والإِنسان منهي عن الدنو منه، ومن لا يعرف ذلك فهو مُعَرَّض
الوقوع فيه، ثم كما قد بين تعالى في كتابه أن يغتفر الصغائر بشرط
اجتناب الكبائر، فقد بين - ﷺ - أن الصغيرة إنما تكون صغيرة ما لم يكن عليها إصرار. فقال:
"لا صغيرة مع إصرار".
وقال: "إن المحرمات تجتمع على الرجل فتهلكه".
وإذا كانت الصغيرة منهيّا عنها محذرًا منها فلا ضير بتعريفها.
بل يجب تعريفها، فالإِنسان بتجنُّب الكبيرة يصير مطيعا غير فاسق.
وبتجنُّب الصغيرة وهي المتشكك فيها يصير ورعًا، ولذلك قيل لبعض الصحابة: ما أشد الورع؟
فقال: ما أيسر الورع، إذا شككت في شيء فدعه،
وقال بعض الصوفية: اعتبار الصغيرة والكبيرة بمرتكب الذنب.
فقد يكون الذنب من زيد صغيرًا ومن عمرو كبيرًا، وذلك بحسب
مراتبهم في المعارف والأحوال، فالأولياء الذين بلغوا المنازل
قد يستعظم منهم ما لا يستعظم ممن لم يترشح لمنزلتهم، وذلك
معروف في السياسة الدنيوية، قال: ولهذا عاتب الله تعالى نبيه
في كثير من خطراته التي قد تجاوز بها عن غيره.
وقال بعض المفسرين: معنى الآية: إن تجتنبوا هذه الكبائر التي
نهيتم عنها في الآيات المتقدمة كفَّرنا عنكم ما قد أسأتم فيه من
قبل، والمدخل الكريم: ما وعد به من الثواب العظيم، وأشار
به إلى جميع منازله على اختلاف مراتبها، ونبه أن كل مدخل
لا يخرج عن كونه كريمًا أي مكرمًا.
قوله تعالى: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)
التمني: تشهي الإِنسان أن يُمنى له شيء، أي يُقدر، وذلك مذموم.
فإن تمنيّه إن كان لشيء قَدَرُهُ أن لا يُبلَغ إلا بالطلب
فيجب أن يطلبه لا أن يتشهّاه، وإن كان لشيء يأتيه بغير طلب
فتشهيه محال، وإن كان الشيء لم يُقدَّر ففي تشهيه معارضة حكمة
الله فيما قدر، ولذلك قيل: من تمنى فقد أساء الظن بالله.
ولكون ذلك غير مغن، قال الشاعر:
... إنَّ لَيْتًا وإنَّ لواً عناء
وقال:
... وما يغني عن الحدثان ليتُ
وهو مع ذلك ذريعة إلى التحاسد والبخل والظلم.
وقد رُوِيَ في الآية أن أم سلمة قالت: ليتنا كنا رجالاً فنجاهد،
فأنزل الله تعالى ذلك، وقوله: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ)
قيل: إنها قالت: ليتنا لم يجعل ثوابنا في الآخرة على نصف ثواب الرجل.
كما جعل نصيبنا من الميراث، فأنزل الله تعالى تنبيهًا على أن
لا اعتبار في مجازاة الأعمال بالذكورية والأنوثية.
وقيل: هو تبيين لفضل الرجال كقوله: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ).
وقيل: هو تبيين أن الحسد لا يُغني، وأن الله لا يغير لحسد حاسد.
وقيل: هو حث على طلب منزلة الحسود بالعمل الصالح دون الحسد والتمني، كما قال - ﷺ -:
"ليس الإِيمان بالتمني ولا بالتحلي "
وقال محمد بن بحر: معناه ليس كل ما للميت واجبًا للورثة.
بل له نصيب يوصي به.
قال: وذلك نحو ما ذكر الله تعالى في قوله:
(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ).
وبين بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) أنه أعلم
بما يستحق كل إنسان، كقوله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ).
قوله تعالى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)
المولى من الولاء، وهو تتابع الشيء من غير حائل.
وجعل المولى لمن تولى حفظ الشيء، وتُعورف في المعتِق، والمعتَق.
وابن العم، والحليف، وولي الأمر، والعصبة،
قال ابن عباس: هم الورثة ههنا، وقال مجاهد وقتادة: العصبة
لقول النبي - ﷺ -:
"من مات وترك مالًا فماله للموالي العصبة، ومن ترك كلًّا فأنا وليه ".
بيّن أن لكل مال تركه الوالدان والأقربون موالي يرثونه.
وقوله: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) قيل: عنى به
عقد الحلف، وكانت العرب تتوارث به، ثم نُسِخَ بقوله:
(وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ)
وذلك عن ابن عباس والحسن وسعيد وقتادة.
وقال أصحاب أبي حنيفة: الآية تقتضي أن المعاقدة يُستحقُّ بها الإرث.
قالوا: ويقوِّي ذلك قوله: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ).
فجعلِ ذوي الأرحام أولى من المعاقد، فدل ذلك أن المعاقد فيه حقّا.
قالوا: وروى تميم الداري أنه قال: يا رسول الله:
ما السنّة في الرجل يسلم على يد مسلم؟
فقال: "هو أولى بمحياه ومماته ".
وقيل: عنى الذين عقدت أيمانهم في الجاهلية، فجعل تعالى
لهم نصيبًا كنصيب الأخ من الأم، وسقط حكمهم بموتهم.
وقيل: جعل لهم النصيب من النصرة دون الإِرث.
وقد روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وعطاء. قالوا:
وحكم الأول قديم بقوله: (وَالْأَقْرَبُونَ).
واستؤنف قوله: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ)
قال ابن الحسن: عنى بالذين عاقدت أيمانكم: الأزواج لقوله تعالى:
(وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ)
قال: وصار المذكور في هذه الآية جملة ما فصَّله في آيات المواريث.
فصار هذه الآية كقوله - ﷺ -: "إن الله أعطى كل ذي حق حقَّه "،
قال: والأيمان جمع اليمين التي هي الجارحة.
وسُمي الحلف بها اعتبارًا بالصفقة في المبالغة.
قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)
القنوت: القيام على وجه الطاعة، ويُستعمل في كل واحد منهما.
والنشوز: بغض المرأة للزوج، وأصله من النشز.
فكأنها هي المرتفعة بنفسها أو طرفها عن التزام ما يلزمها للزوج.
وبهذا النظر قال الشاعر:
إذا جَلسَت عند الإِمام كأنها... ترى رفقةً من ساعة تستحيلها
بيّن تعالى أن السياسة للرجل دون المرأة، وأن لكلِّ واحد
من الرجل والمرأة فضيلتين: إحداهما: تسخير من الله تعالى.
والأخرى من كسبه، فإحدى فضيلتي الرجل: ما خصّه به من علوه على
المرأة، والثانية: بإنفاق المال، وإحدى فضيلتي المرأة: قيامها بما يلزمها
من طاعة الأزواج، وحفظ غيبهم، وتحصين ما سلّموه إليهن.
والثانية: إسبال الله ستر رحمته عليها وحفظها بوصية الزوج بها، وتسخيره
للقيام بمراعاتها.
وقرأ أبو جعفر المدني: "بما حفظ اللهَ" بالنصب،
أي فعل ذلك بهن بحفظهن الله، وجعل بما بمنزلة المصدر.
وقوله: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ) قال بعض أهل اللغة: أي تعلمون.
وأنشد:
فلا تدفنني في الفلاة فإنني... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
وأرى قائل هذا تصور الظَن بصورة العلم، فأطلق عليه اسمه.
فأكثر الخوف مضمّن بالظن.
وقوله: (فَعِظُوهُنَّ) تنبيه على أنها تُوعظ أولاً، ثم تُهجر، ثم تُضرب.
وهذا مقتضى حكمة السياسة، وعليه بني قول الشاعر:
أناة فإن لم تغن عَقَّبَ بعدها... وعيد فإن أتغن أغنت عزائمه
وقوله: (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) كالتصريح في الكناية عن الجماع.
وقول من قال: هجر الكلام فليس بشيء،
وقد قال - ﷺ -:
"لا تهجروا النساء إلا في بيوتهن، ولا تهجروهن إلا في المضاجع.
فإن أبين فاضربوهن ضربًا غير مبرح ".
وقوله: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ) تنبيه على أن الذي يلزم هو بذل الطاعة في
الظاهر.
فأما المحبة بالقلب فليس من فعلها فتؤخذ به.
ونبّه بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) على أن الله تعالى مع هذه
الحالة يقتصر من عباده في كثير من عبادتهم على الظاهر،
وقيل: نبه أن لا يظن أحد الزوجين إن كلفه إلا الحق، فإنه يتعالى ويكبر
عن الظلم.
قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)
الشقاق: التعادي، ومنه قيل: شقّ فلان العصى، إذا تباعد في الخروج
عن الطاعة، ومنه المشقة، وشقّ على فلان كذا.
والتوفيق كالمساواة، ومنه توفيق الله تعالى، فإنه موافقة قضائه فعل العبد
فيما يقصده، ويقال الاتفاق في كل متطابقين على بعض الوجوه،
ولما بيّن تعالى من حال نشوزها ما يمكن للزوج إصلاحه، بين
ههنا ما يشتبه الحال فيه، واحتيج إلى ناظر فيما بينهما.
وأكثر العلماء على أن المأمور ببعث الحكمين الإِمام أو صاحبه.
وإليه ذهب مالك، والأصم، وجعلوا للحاكم الطلاق والخلع
كالوكيل، وإليه ذهب ابن عباس.
ومن الفقهاء من لم يجوِّز لهما الخلع والطلاق.
فإن ظاهر الآية لم يقتضهما، ولا فرق
بين أن يكون الحكمان من أقاربهما، أو من قبلهما.
وقال ابن عباس: إرادتهما الإِصلاح أن يخلو كل واحد
من الحكمين بأحد الزوجين، فيتعرف حاله في السِّرِّ ليبني الأمر عليه.
وفي الآية دلالة على أن كُلّ أمرٍ وقع فيه تنازُع يجوز فيه التحكيم.
وبهذه الآية استدل في أمر الحكمين.
ونبَّه بقوله: (إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) أن من أصلح نيته في أمر يتحرّاه أصلح الله مبتغاه، كما رُوِيَ في الخبر أن "من أصلح سريرته أصلح الله علانيته ".
وقيل: إذا فسدت النيّة وقعت البلية.
قوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)
الجار اعتبارًا بكونه من ناحية دارك، من قولهم: جار
عن الطريق، ثم جُعِلَ أصلًا في بابه، فقيل: استجرت فلانًا
وآجرته. إذا رعيته مراعاة الجار.
والجنب أصله في الجارحة، ثم قيل في المكان اعتبارًا به.
فقيل: جنبته إذا أخذته في ناحية
الجنب، واجتنب عنه إذا تركه وتباعد عنه.
والأجنبي: الغريب، والجنابة: الاعتزال والتباعُد.
ومنه قيل للحالة المقتضية لترك الصلاة: جنابة.
والجار ذي القربى والجار الجنب: قيل: عنى به قرب الرحم وبعده.
وقيل: عنى به قرب المسافة
وبعدها، والصاحب بالجنب: قيل: جار البيت، دانيا كان نسبه
أو نائيا.
وقيل: هو الرفيق في السفر، وقيل: هو المنقطع إليك
رجاء خيرك، وقيل: المرأة.
(وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)
قيل: وقد أمر بالإِحسان إليهم، وأن لا يكلَّفوا ما لا يطيقون،
إن قيل: لم قدم الأمر بالإِيمان على النهي عن الشرك.
ومعلوم أن تجنُّب الشرك مقدَّم على حقيقة الإِتيان با لإِيمان؟
قيل: إن الشرك يقال على ضربين:
أحدهما: الشرك الأكبر، وهو إثبات صانع غير الله.
والثاني: الرياء، وإياه
عنى النبي - ﷺ - فيما روى شداد بن أوس أن النبي - ﷺ - قال:
"أمران أتخوَّفهما على أمتي من بعدي: الشرك، والشهوة الخفية.
ألا إنهم لا يعبدون شمسًا ولا قمرًا، ولكنهم يراءون ".
فقلت: أشرك ذلك؟ قال: " نعم "، وإياه عنى تعالى بقوله: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا) الآية.
إن قيل: لِمَ ذكر ههنا تسعة أصناف وأمر بالتوفُّر عليهم.
وذكر في سورة البقرة: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ)
وقال بعده: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ)؟
قيل: إن المذكور أولاً في سورة البقرة ما أمر به بني إسرائيل.
وأما قوله: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) فهو أمر بإيتاء المال الذي
يقتضيه البر، لأنه قال: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ)، وهذه الآية
حتّ على فعل الإِحسان كلّه، نصرة كان أو صلة.
وقيل: إن قوله: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) عنى المال كله على سبيل التبرُّع.
وذلك إذا طلب الإِنسان غاية البر، ولهذا قال الشعبي: ما
بَقَّى قول الله: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى) على
أحد شيئا من المال، ولإِرادة إخراج المال كلّه على التبرُّع خصَّ
الزكاة بعده بالذكر، فقال: (وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ).
وأراد بهذه الآية ما يحصل للإِنسان به تمام العبادة.
وفعل الإِحسان. وذلك لعبادة الله المتعرية عن الرياء، ومراعاة هؤلاء بالإِحسان.
فإن قيل: لم قدم الجار على ابن السبيل وله حق واجب في المال؟
قيل: ابن السبيل الذي له حقٌّ في المال هو الفقير، ولم يقصده بهذه
الآية، وإنما المقصود تفقُّد المذكورين على سبيل التبرُّع، وحقُّ
الجار أوكد من حقِّ الغُرباء. ألا ترى أن النبي - ﷺ -
قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه يورثه "؟
إن قيل: كيف قال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا)؟
قيل: المختال هو الذي يظن أن له بماله كرمًا، من قولهم: خِلْتُ، وكأنما
إلى معناه أشار تعالى بقوله: (الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣).
والفخور: من يتبجح بالقُنْيَات الزائلة، فبيَّن تعالى أن من أمسك ماله، وصرفه عن الوجوه المذكورة فذلك لظنه أن له بماله خيلاء وفخرًا فيضنّ به، ويُبيِّن أن هذين سبب البخل ما روي:
"أهلك الناس شيئان: حبّ الفخر، وخوف الفقر ".
ولهذا عقبه بقوله تعالى: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) الآية.
فجعل تفسير الاحتيال والفخر البخل بالمال، والإِنفاق على وجه الرياء.
قوله تعالى: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)
البخل: أعظم المعايب، لقوله - ﷺ -:
"أي داء أدوى من البخل؟ "
وأعظم منه حثُّ الغير عليه، وكأن الشاعر بهذه الآية ألمَّ في قوله:
وإن امرأً ضَمنَّت يداه على امرئ... بنيل يد من غيره لبخيل
وقالوا: فلان يمنع دَرَّه ودرَّ غيره، والحرُّ يعطي والعبد يألم
قلبه، ولم يرُد تعالى بالبخل البخل بالمال فقط، بل بجميع ما منه
نفع الغير، من نصرة وعلم، ودخل في عموم الأمر بالبخل: من
ترك شكر من أحسن إليه، أو أخل بقضاء دين فيصير سببًا لمنع
الإِسداء إلى الغير، ولهذا قيل: لعن الله قاطعي المعروف.
وقال بعضهم: معناه يبخلون ويتأمرون على الناس، ويأمرونهم
بشكرهم مع بخلهم، فيكون قوله (بِالْبُخْلِ) في موضع الحال.
وإلى هذا أشار الشاعر بقوله:
جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما... تيه الملوك وأفعال المماليك
وقوله: (وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.
يدخل فيه من يستحقر ما آتاه الله من نعمته مالاً كان أو عافية، ومن
خُوِّل علمًا ولم يفده مقتبسه منه، ومن ينسى كثير ما أنعم الله
عليه ويتذكر قليل ما يناله من نائبة، كقوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) قيل في تفسيره: ينسى النعم وي) كر
المحن، ونبه بقوله: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ) أن من
فعل ذلك فهوكافر للنعمة، ومن كفر نعمة الله فقد أعدَّ له عذابَا.
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)
ذم في هذه الآية السّرف، كما ذمّ في الأولى البخل.
فمن السرف أن يتشبَّع الإِنسان بإنفاقه، فلا ينفقه على ما يجب.
وكما يجب فصار الإتيان كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)
وليس يعني بقوله: (وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) جحود ذلك باللسان فقط، بل عنى معه ترك ما تقتضيه هذه المعرفة، تنبيهَا أن المنفق رياء لو كان له حقيقة إيمان
لتذكر في تناول ما يتناوله، ولأدّاه ذلك إلى أن يتفكّر أين يضعه،
فإن قيل: فأيّ تعلُق لقوله: (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا)
قيل: هذا الكلام فيه إيجاز، كأته قيل: الذين ينفقون أموالهم
رياء الناس زين لهم الشيطان الذين هم قرناؤهم (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا) كقوله تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)، وعلى ذلك قوله: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)
ولم يعن بالشيطان إبليس فقط، بل عناه والهوى.
وكل ما دعاه إلى باطل، وصرفه عن حق.
وقوله: (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ) في قوله: (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ) استدعاء
لطيف إلى تحرّي الإِيمان والإِنفاق على ما يجب، لأن لفظه استخبار
يستدعي جوابًا، ولا يمكن جواب المستخبر عنه المشتبه إلا بعد
التفكُّر فيه، والتفكُّر فيما ذكره تعالى يؤدّي إلى أن ليس على
متحري ذلك ضير، بل له كل خير.
إن قيل: لِمَ قدّم الإِنفاق في الآية الأولى وأخَّره ههنا؟ قيل: لما
قصد في الأولى إلى ذمهم بالإِنفاق رياء لكونهم غير مؤمنين، قدّم
ذكره، وجعل قوله: (وَلَا يُؤمِنُونَ) في مو ضع الحال تنبيهًا أن
ذلك منهم لكونهم غير مؤمنين، ولما حثّهم في هذه الآية على ما يجب
أن يتحروه ابتدأ بذكر الإِيمان، تنبيهًا أن إنفاقهم غير معتد به إلا
بعد الإِيمان بهما.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)
عنى بالظلم
ههنا بخس الحق ومثقال: مفعال: من الثقل، وضرب تعالى
الذَّرَّ مثلًا للشيء الصغير، تقريبًا على المخاطب.
واستُعمل لفظ المثقال تنبيهًا أن ذلك يعظم جزاؤه وإن صَغُر قدره.
وفي قراءة ابن مسعود: مثقال نملة. وإذا قرئ (حَسَنَةً) بالنصب فتقديره: إن
تكن الذرة حسنة، وردّ الضمير إلى المضاف إليه دون المضاف.
وإذا رفع فمعناه: إن تقع حسنة، ولا تحتاج كان ههنا إلى
خبر، ويضاعِف ويُضَعِّفُ يتقاربان.
وقال القتيبي: يُضاعِف للمرة ويُضِعِّف للتكثير، وقد قال
تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)، وقال: (أَضْعَافًا كَثِيرَةً)
و (أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً).
وفائدة قوله: (مِنْ لَدُنْهُ) أن كلَّ ما أريد تعظيمه ينسب إلى
الله، فيقال: (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، و (مِنْ لَدُنْهُ)، و (له).
و (بيت الله)، و (نَاقَةُ اللَّهِ)، وعلى هذا قوله تعالى:
(فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا)، ووصْفُ الأجر بالعظيم اعتبار
بالأجور الدنيوية.
تقديره: كيف حالهم في ذلك الوقت استعظامًا لأمرهم؟!
وقوله: (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) فيه أقوال:
أحدها: أنه أشار إلى أُمته، ويكون قوله: (مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) عامًّا.
وخصّ النبي - ﷺ - وأمته بالذكر تعظيمًا لهم.
والثاني: ما قاله ابن عباس: إن هذه الأمة تشهد للأنبياء، والنبي
- ﷺ - يشهد لأمته تزكيةً لهم.
واستدلَّ بقوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدً).
والثالث: إن قوله: (عَلَى هَؤُلَاءِ)
إشارة إلى الأنبياء الذين هم الشهداء على أممهم.
إن قيل: كيف يصح أن يكون النبي - ﷺ - شاهدًا للأنبياء الذين قبله وهو لم يحضرهم؟ وأي فائدة لشهادته وشهادتهم؟
قيل: إن الأنبياء لم يختلفوا في أصول ما دعوا إليه.
بل كلُهم لسان واحد في الدعاء إلى التوحيد.
وأصول الاعتقادات والعبادات، وسائر جمل الشريعة.
وعلى ذلك نبَّه بقوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) الآية.
وكل واحد منهم معتقد لما اعتقده الآخر، ومبلِّغ ذلك مثل ما بلَّغه الآخر.
ثم شريعة النبي - ﷺ - جامعة لأصول شرائع من تقدّمه، ولذلك قيل له: خاتم الأنبياء، وعليه نبّه - ﷺ - بقوله: "مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى بيتًا، وترك موضع لبنة منه، فكنت موضع اللبنة"،
وبهذا المعنى ألم بعض المُحدثين فقال:
نُسِقوا لنا نَسْقَ الحساب مقدّمًا... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرًا
وأما فائدة إقامتها عليهم فتبكيت للعاصين، وتشنيع عليهم.
وتزكية للمؤمنين، على ما ذكر في قوله: (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ).
وقوله: (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)
منهم من جعل الصفتين لفريق واحد، أي الذين جمعوا بين الكفر ومخالفة
الأمر، ومنهم من جعلهما وصفين لفريقين، أي الذين كفروا
وعصوا الرسول؛ فالأول للكفار، والثاني لأهل الكبائر،
وقوله: (لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) أي تمنوا أن لم يُبعثوا من القبور.
وقيل: أن جعلوا ترابًا كالبهائم، وقيل: أن لم يخلقوا رأسًا.
ونحوه قوله تعالى: (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا)،
وقوله: (لَوْ تُسَّوَّى) بتشديد السين على إدغام التاء في السين.
وتُسَوّى بالتخفيف على حذف إحدى التاءين.
وقوله: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) قيل: فيه أقوال:
أحدها: ما رُوِيَ عن ابن عباس وقد سُئِلَ عن هذه الآية.
وقوله: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) فقال:
إن المشركين يوم القيامة لما رأوا أن لا يدخل الجنة إلا من كان مسلمًا.
قال بعضهم لبعض: تعالوا نجحد، نقول: ما كنا مشركين.
فلما قالوا ذلك ختم الله على ألسنتهم، وتكلّمت جوارحهم، فشهدت
عليهم، فودّوا لو ساخت بهم الأرض ولا يكتمون الله.
والثاني: ما قاله الحسن: إن الآخرة مواقف، وفي بعضها يظهرون.
ورُوِيَ عنه أن في بعضها لا يتكمون.
والثالث: أنهم لا يكتمون الله حديثًا، لنطق جوارحهم بذنوبهم.
فعلى هذا لا يكون قوله: (وَلَا يَكْتُمُونَ) داخلًا في التمنِّي.
بل هو استئنافُ كلام.
والرابع: أنه لم يقصد بقوله: (وَلَا يَكْتُمُونَ) أنهم لا يقصدون كتمانه.
بل عنى أنه لا يتكتم، وذلك كقولك لمن كتم عنك شيئًا
فاطلعت عليه: لِمَ تكتم أسرارك عني.
والخامس: أن ذلك داخل في التمني، ولكن إشارة إلى حالهم في الدنيا وجحودهم، فإن كفرهم جحود لما ركَّز الله تعالى في فطرتهم.
ونقضٌ لما أخذ عليهم من الميثاق المدلول عليه بقوله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ).
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)
السُّكر: هو من السَّكْر، أي سُدّ مجرى الماء، وذلك لسد البخار
الصاعد من المعدة قوة الفهم، وسكرت الريح:
أي سكنت، تشبيهًا بسكون الماء إذا سُدّ مجراه، وكذلك سكرت
أبصارنا: أي سُدّ مجراها، والسكر قد يقال لما يعرض من الهوى
والشباب والغنى.
قال الشاعر:
سكران سكر هوى وسكر شراب.
ويقال: سُكارى وسكرى.
والغائط: المنهبط من الأرض فكنى به عن الحدث؛ كالنجو
في كونه للمرتفع من الأرض.
والعذرة للفناء، والحشُّ للبستان، والكنيف للحظيرة.
والصَّعيد كالصعود، لكن الصعيد يقال لوجه الأرض.
والصعود للعقبة، ولما كان الصعيد يقال لوجه الأرض وللساطع منه.
اختلف الفقهاء لاختلاف نظرهم في أنه هل يجب أن يعلق باليد
شيء من التراب أم لا؟
فجوز الكوفيون أن لا يعلق باليد شيء من الأرض.
لكون الصعيد اسمًا لوجه الأرض.
ولم يجوِّز الحجازيون ذلك اعتبارًا بالصعود.
ولقوله: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ)
وكذلك اختلفوا في أنه هل يجوز التيمم بما يخرج من الأرض
سوى التراب كالخل والزرنيخ؟
فجوز ذلك بعضهم ومنع منه آخرون.
فمن جوّزه قال: لأن الصعيد اسم لما تصاعد من الأرض.
والتيمُّم والتأمُّم: " التعمُّد، وفي قراءة عبد الله "فتأمَّموا".
و (عابري سبيل): قال علي وابن عباس: هم المسافرون.
قالوا: ويجوز لهم التيمم عند الجنابة.
والصلاة عندهما اسم الفعل.
وقال الحسن وسعيد: عابر السبيل: المجتاز.
والصلاة يريد به موضعها، كقوله: (لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ).
والمريض الذي جُوّز له التيمّم: الجريح والقريح دون المحموم والمصدّع. والملامسة: الجماع، عن علي وعن ابن عباس.
وقيل: اللمس
باليد وما دون الجماع؛ عن ابن مسعود، وابن عمر.
وقُرِئ: "لمستم"، والأول في الجماع أكثر.
وقوله: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) ليس بنهي للسكران عن قربان الصلاة، كما تصوره بعض الناس فأطال فيه الكلام.
وقال: كيف يصح نهي من لا يعقل ما يقول، وإنما ذلك نهي المؤمنين عن السكر المانع
من الصلاة، كقوله تعالى: (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
وقيل: إن ذلك نهي عن الشرب، وكان هذا تعريضًا بالتحريم.
فلما أنزل الله ذلك تحرَّج قوم فتركوها، وشربه قوم في غير
أوقات الصلوات إلى أن ورد تصريح التحريم.
وقال بعض أهل الورع: ليس النهي عن تعاطي الخمر.
بل ذلك عنه، وعن مقتضى سكر الهوى.
وسكر الاشتغال بالدنيا، وأمر بأن يجمع الإِنسان
نفسه ويفرِّغ للعبادة همّه، قال: وليست الجنابة للحالة المعروفة
فقط، بل هي عبارة عن نجاسة النفس بالذنوب، وحثٌّ على
تجنُّبها وتطهير النفس منها بقوله: (لِيُطَهِّرَكُمْ).
فإن قيل: فما وجه تعلق هذه الآية بما قبلها.
والإِتيان بحكم التيمُّم عقب ما تقدم؟
قيل: لما أمر فيما تقدّم بالعبادة بقوله: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) وأعظم العبادة الصلاة، ولا تصحّ بغير طهارة بين عقيبها حكم ما يُطَهِّر، وحكم ما ينوب منابه إذا فُقِدَ.
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤)
رَأَيت: يُعدّى بإلى تنبيهًا على معنى النظر والاعتبار.
وذلك في رؤية القلب دون الحاسة.
واشتراء الضلالة بالهدى:
استبدالها به بغد حصوله، والرغبة في الضلالة بعد التمكّن من
الهدى، وقد أعاد تعالى هذا المعنى في مواضع تحذيرًا منهم.
وتخويفًا من الاغترار بهم، وعلى ذلك قوله من قبل: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا).
ونحوه قوله: (وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)
وقوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥)
ظاهره كالبعيد من الأول، وكذلك قوله: (كَفَى بِاللَّهِ) وذلك
لتحرِّي الاختصار فيه، وتقدير الكلام: يريدون أن تضلوا السبيل.
وإذا أرادوا ذلك فهم أعداؤكم، والله أعلم منكم بعداوتهم لكم.
وهو تعالى وليكم ونصيركم، فإذن الواجبُ عليكم أن تتركوا
موالاتهم، واستنصارهم، وتَسْتكْفوا بولاية الله ونصرته، وكفى
به وليا ونصيرًا.
قوله تعالى: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)
الليّ: أصله الفَتْلُ فاستعير لصرف الإِنسان عما يريده، وصرف الكلام من
وجه إلى وجه استعارة الجدل في الجدال، ومنه ليّ الغريم، ولواء الجيش
لكونه في الأصل خيطًا ملويا.
واللِّوى: الملوئ من الرمل؛ لا يصنعه البشر.
وقوله: (بِأَلْسِنَتِهِمْ) أي جارحتهم أوكلامهم، وكلا هما في
الحقيقة واحد (وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) أي يطعنون بِأَلْسِنَتِهِمْ في الدين،
وقوله (غَيْرَ مُسْمَعٍ) يقال على وجهين:
أحدهما: دعاء على الإِنسان بالصمم.
والثاني: دعاء له، فقد تُعورِف قوله: أسمعته؛ في السب.
ورُوِيَ أن أهل الكتاب كانوا يقولون ذلك.
يرون أنهم يعظمون النبيَّ، وأنهم يدعون له، لأن قولهم (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) يقتضي ظاهره: أنا قْد عصينا من أمرتنا بعصيانه.
واسمع غير مشتوم؛ وحافظنا، وهم يقصدون بقولهم
(وَعَصَيْنَا) أنا عصيناك، واسمع لا سمعت، وراعنا أي
رَاعنًا، وذلك شتم فيما بينهم، فذكر تعالى أن ذلك ليّ
وطعن في الدين بألسنتهم، أي لُغتهم، ولو عدلوا عن هذه
الألفاظ إلى ما أُمِرُوا به لكان أنفع لهم، ولكن لما كفروا لعنهم
الله، أي منعهم التوفيق وشرح الصدر، وقد تقدّم معنى
اللعنة وتفسير قوله: (فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا).
وقوله: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا) فيه قولان:
الأول: أنه متعلّق بما تقدَّم، كأنه قال:
ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من الذين هادوا فيكم.
فتكون (مِن) للجنس أو للتبيين، وتكون للوقف على قوله:
(مِنَ الَّذِينَ هَادُوا).
والثاني: أن تكون استئنافًا على تقدير:
من الذين هادوا فريق، كقوله: (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ).
واستقبح المبرّد هذا الوجه لحذف الموصول وترك الصلة.
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)
الطمس والطلس والدرس يتقارب، ولكن الطمس زوال
الأعلام المماثلة، قال: وبلدة طامسة أعلامها، والطلس زوال
الصورة، ومنه قيل: درهم مطلس، إذا لم يكن عليه نقش، والدرس
قد يقال في الأثر الخفي.
وطمس الوجوه منهم من أخذه
محسوسًا ثم اختلفوا؛ فمنهم من قال: عنى ذلك في الدنيا، وهو
أن ينبت الشعر على وجوههم فتصير صورتهم كصورة القردة
والخنازير، وتكون وجوههم إلى أقفائهم، ومنهم من قال:
عنى ذلك في الآخرة، وعلى ذلك قوله: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ)، لأن وجوههم التي فيها العيون إلى ظهورهم.
ومنهم من أخذه معقولا، ثم اختلفوا: كيف يكون ذلك؟
فمنهم من قال: عنى أنا نردهم عن الهداية إلى الضلالة لما ارتكبوه من المعاصي،
نحو قوله: (وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ) الآية.
والثاني: أن تكون الوجوه الأعيان والرؤساء.
والمعنى قيل: أن يجعل الرؤساء منكم أذنابًا.
وعلى ذلك قوله تعالى: (إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) الآية.
وقيل: إن ذلك في الآخرة، وهو أن قومًا من الكفار كانوا
يسخرون في الدنيا من المؤمنين، فيعرضون على الجنة ثم يُردّون على
أعقابهم فيدخلون النار.
وقوله: (أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ) إشارة إلى ما تقدّم ذكره في قوله: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ) في سورة البقرة.
(وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا)
أي نافذًا في حكم المفروغ منه.
وقيل: هو إشارة إلى ما قال - ﷺ -:
"أول ما خلق الله القلم، فقال له: اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة".
وقيل: الأمر ههنا إشارة إلى الإِبداع، وهو اختراع الشيء من غير أصل.
لا في زمان ولا في مكان، ولا بآلة، وذلك يعبر عنه بالأمر.
وعلى ذلك قوله: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ).
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)
معنى أن يشرك به: أن يديم الإِنسان الشرك، فلا خلاف أن من لم يُدم
ذلك بل أقلع عنه بالتوبة على الوجه الذي يجب يُغفر له.
لكن اختُلِف في قوله (لِمَنْ يَشَاءُ) لكونه مجملًا.
فقال بعضهم: عنى به غير المشركين، فكأنه قيل:
يغفر ما دون ذلك لغير المشركين، ففيه توعُّد أن المشرك
مأخوذ بكل ذنب مع الشرك بخلاف المؤمنين، الذين قال لهم: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ).
ومنهم من قال: عنى به التائب بدلالة قوله تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).
وقول من قال: (لِمَنْ يَشَاءُ) يقتضي ذلك، أن فيما دون الكفر
ما يُغفر، وهو الصغائر، وفيه ما لا يغفر وهو الكبائر، وإلا لم
يكن لقوله: (لِمَنْ يَشَاءُ) فائدة، فليس بصحيح لأن قوله:
(مَا دُونَ ذَلِكَ) عام للذنوب صغائرها وكبائرها، والمغفور له هو
الذي جعله خاصَّا منهما، فيقتضي أن ما دون الشرك كله يُغفر.
لكن يُغفر لبعض دون بعض، واشتراط (لِمَنْ يَشَاءُ) لئلا يقرر
أن ذلك عامٌّ للمشرك وغير المشرك، فصار قوله: (لِمَنْ يَشَاءُ)
عبارة عن غير المشركين.
وقولهم: إن الكبائر دون الشرك لو صح غفرانها لم يثبت فيها اللعن
ولا الحد على وجه النكال ليس بشيء.
فليس في ذكر اللعن ما يقتضي أن لا يُغفر لصاحبه.
وأما النكال في الدنيا فتعلُقهم به جهل أو تجاهل، لأن موضوع النكال
ليكون قمعًا للمنكَّل به عن معاودته وقمع غيره عن أن يحذو
حذوه، وليس ذلك من عقوبة الآخرة في شيء، بل قد قيل هو
مُسقطٌ لعقوبة الآخرة، لقوله - ﷺ -:
"الحدود كفّارات لأهلها "،
ألا ترى أنه قد يُحدّ التائب مع أن العقوبة في الآخرة قد سقطت
عنه بالتوبة؟!
وما رواه جابر أنا كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى نزل قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) الآية. دلالة على فساد قولهم، وما قالوه بأن هذا من أخبار الآحاد فلا يقبل فيما هو من باب التدين والعلم، فإن أخبار
الآحاد تُردّ فيما تعافه العقول الصحيحة، وقد علم أن العفو
من باب الإِحسان الذي حثنا عليه العقل والشرع، وبتحريه يصير
العبد من الصديقين والشهداء والصالحين.
والافتراء: يقال في القول والفعل كالصدق والكذب.
بل الافتراء وإن تُعوُرِف في القول فهو بالفعل أولى.
وكذا الاختلاق، لأنهما من فريت الأديم وخلقته.
ومعنى الإِثم العظيم هو الذي إذا اعتبر بالآثام كان
أكثرها عقوبة.
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)
التزكية ضربان: أحدهما: بالفعل، وهو أن يتحرى الإِنسان ما فيه تطهير بدنه، وذلك يصحّ أن ينسب إلى العبد تارة نحو قوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) وإلى من يؤمر بفعله، نحو قوله: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا).
والثاني: بالقول، وذلك بالإِخبار عنه بذلك، ومدحه به.
ومحظور على الإِنسان أن يفعل ذلك بنفسه، لا بالشرع فقط.
بل بمقتضى العقل، من غير داعٍ إلى ذلك، ولمّا قالت اليهود
والنصارى (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)، (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) ذمّهم الله تعالى بذلك، وذمّ من
يفعل فعلهم، وحظر أن يمدح الإِنسان نفسه، بل أن يزكي غيره
إلا على وجه مخصوص، فالتزكية في الحقيقة هي الإِخبار
عما ينطوي عليه الإِنسان، ولا يعرف ذلك إلا الله تعالى.
ولهذا قال: (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ)
ونبّه بقوله: (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) أن تزكيته ليست لضرب من الميل.
فهو منزه عن كبير الظلم وصغيره.
والفتيل: هو الخيط الذي في شق النواة.
وقيل: هو ما فتل من الوسخ بين الأصبعين.
تشبيهًا بالفتيلة هيئة وصغر قدر،
قوله تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)
ذكر ذلك تعظيمًا لزعمهم (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)
ونبّه بقوله: (وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا) أنه لايخفى كونه مأثمًا.
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)
الجبت والطاغوت: في الأصل اسمان لصنمين، ثم صارا يستعملان
في كُل باطل، ولذلك قيل: ما عُبِدَ من دون الله فهو طاغوت،
ولذلك فُسِّر مرة بالصنم، ومرة بالشيطان، ومرة بالسحر، ومرة بكل
معظّم من دون الله، وإنما ذكرهم بإيتاء نصيب من الكتاب تقبيحًا
لفعلهم، فمن جحد الحق مع معرفته به فهو أقبح فعلًا وأعظم مأثمًا.
وعنى بالذين كفروا مشركي العرب، حيث زعموا أنهم أهدى
سبيلًا من المسلمين، ومعنى قوله: (لِلَّذِينَ) أي لأجلهم وفيهم،
ولهذا قال: هؤلاء ولم يقل: أنتم، وباقي الآية مفهوم.
قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)
النقير: النقطة في ظهر النواة، وقيل: حبة فيها، وقيل:
ما نُقِرَ بالأصبع من الحصى، وكيفما كان فذلك كالفتيل
والقطمير فيما يضرب به المثل في الشيء الحقير، و (إذن) متى
تقدّمه حرف عطف فقد يُترك إعماله، نحو قوله:
(وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا).
وعطف بالجملة على ما قبله بأم على تقدير كلام قبله.
كأنه قيل: أهم أولى بالنبوة أم لهم نصيب من الملك.
فيلزم الناس طاعتهم؟
وقيل: أم بدل على معنى بل.
وكذلك قيل في قوله تعالى: (الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ)، ونبَّه على بخلهم مع تمكُّنهم من المال.
قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)
الحسد: غم يلحق الإِنسان بسبب خير ناله مستحقه،
قال ابن عباس: عنى بالناس ههنا النبيَّ - ﷺ -
وقال قتادة: عنى به العرب، وقيل: عنى به المسلمين.
والفضل: ما خصّ به - ﷺ - من النبوة.
وإنما ذكر الناس - وإن قصد به مخصوصًا -
لأنهم إذا كرهوا ما آُنزل على النبي - ﷺ -
فقد حسدوا الناس بما
أولاهم كمال الإِنسانية، وفيه تنبيه أنهم خارجون عن جملتهم.
ونبّه أنه كما آتاهم الفضل فقد آتى آل إبراهيم ما ذكره.
وأنه لو كان ما آتى محمدًا يقتضي أن يحسد عليه فما آتى
آل إبراهيم أولى بذلك، فيكون الكتاب والحكمة راجعًا
إلى ما أوتي موسى وعيسى عليهما السلام وغيرهما.
ويجوز أن يكون الكتاب والحكمة إشارة إلى ما أوتي النبي
- ﷺ -، ويكون فيه تنبيه.
وما أنعم الله عليه هو إنعام عليهم إذ كان معرضاً لانتفاعهم به.
والملك العظيم قيل: ملك سليمان، والأصحّ أنه عامٌّ.
وأنه لم يعن به تملُك الغير، بل هو عام في ذلك.
وفيما اقتضى تملُك الإِنسان على نفسه
وقمعه لحرصه وسائر شهواته، فذلك هو أعظم الملكين.
وقوله: (فَمِنهُم) قال مجاهد: أي من أهل الكتاب من آمن بمحمد
- ﷺ -.
وقيل: منهم من آمن بإبراهيم من أمته، كما أنكم في أمر
محمد كذلك تنبيهًا أنه ليس في صدّ بعضهم عن محمد توهين
لأمره، كما لم يكن في صدّ بعضهم عن إبراهيم توهين لأمره.
وفي قوله: (وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا) تنبيه أنهم وإن لم تلحقهم
العقوبة معجّلة فقدكفاهم ما أُعِدَّ لهم من سعير جهنم.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)
إصلاؤهم بالنار: جعلهم صَلىً لها، كقوله:
(وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ).
وقوله: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) فيه قولان؟
أحدهما: أنه يُعاد ذلك الجلد بعينه على صورة أخرى.
كقولك: بدّلت الخاتم قرطا، إذا خالفت بين الصورتين.
الثاثي: أنه يُخلَق لهم جلود إذا نضجت لهم جلود، فالعذاب والألم يصل إلى ما تحت الجلود من الروح وغيرها بوساطة الجلود كوصول النار إليه بوساطة سرابيل القطران المذكور في قوله: (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ)، وتبيين ذلك أن الجلد واللحم متى تعريا
عن الروح لم يلحقهما ألم، فعُلِمَ أن المقصود بالألم ما فيه الروح
دون الجلود والأغشية، ولكون البدن للروح كالثياب للبدن.
يعبّر بالثياب عن البدن كقوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ)
وقول الشاعر:
ثياب بني عوف طهارى نقية...............
وقو له تعالى: (لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) استعارة متناهية في وصول
الألم إلى الباطن، وعلى ذلك استُعير لهم الطعام في قوله: (وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا) ذُكِرَ مع الذوق المس في قوله: (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) تنبيهًا أن ذلك استعارة، ونبَّه بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا)
أن لا سبيل إلى الامتناع عليه والفرار من عذابه.
وبقوله: (حَكِيمًا) أن ذلك تقتضيه الحكمة.
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)
قد تقدّم الكلام في ذكر الإِيمان والأعمال الصالحة، ومعنى الجنات
التي تجري من تحتها الأنهار، وذكر الخلود فيها أبدًا، والأزواج
المطهّرة، فأما قوله: (ظِلًّا ظَلِيلًا) فإشارة إلى النعمة، والنعمة
الدائمة، كما يقال: أنا في ظلك، وكما رُوي في الخبر: "سبعة
يظلهم الله في ظلِّ عرشه يوم لا ظل إلا ظله "، والظليل إشارة
إلى تمام وجود معنى الظلّية فيه، كقولهم: شمس شمامس.
وليل ألْيَل.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)
قال ابن جريج: نزل ذلك في عثمان بن طلحة رضي الله عنه
لما أخذ منه رسول الله - ﷺ - مفتاح الكعبة.
فأمره الله أن يردَّه
إليه، وقال: زيد ومكحول: نزل في ولاة الأمر.
قال ابن عباس: في كل مؤتمن على شيء، وهو أصحّ. فإنه عام،
وقد عظَّم الله أمر الأمانة، وبين أنه من خصائص الإِنسان، حيث قال
تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ)
وقال - ﷺ -:
"ثلاث يؤدين إلى البَّر والفاجر: الأمانة، والعهد، وصلة الرحم ".
وتأدية الأمانة استحفاظ المستودع ووضعه حيث ما أمر بوضعه فيه.
وليس ذلك في ردّ الوديعة فقط، بل في جميع ما خصّ الله تعالى به الإِنسان من ماله ونفسه، فكلُّ ذلك أمانة من الله عليه بحفظه حيث ما يجب حفظه، ويضعه حيث ما يجب وضعه، ولذلك قال تعالى:
(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ).
ولهذا قال - ﷺ -:
"كلُكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته ".
وقد دخل في عمومه: النهي عن كتمان العلم عن أهله.
وحفظه عن غير أهله، ولهذا قيل: لا تضع الحكمة في غير أهلها
فتظلمها، ولا تمنعها أهلها فتظلمهم، وقد حثَّ الله تعالى على
حفظ جميع العدالات بهذه، وبيانه أن العدالة في شيئين:
أحدهما: في حكم يختص به الإِنسان في نفسه، أو فيما بينه وبين
غيره، وقد تناول ذلك قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)، والثاني: في حكم يتولاّه ألإِنسان بين اثنين، وذلك
قد تناوله في قوله: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ).
ثم قال: (إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ) تنبيهًا أن من سمع وعظه، واستعمله فقد فاز فوزا عظيمًا، ونبّه بذكر السمع على حكم الأول على علمه بما يحدِّث الإِنسان به نفسه، وبالبصر على حكم مشاهدته لما يتعاطاه.
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)
قيل: أولو الأمر الأمراء على عهد رسول الله - ﷺ -.
ولذلك قال: (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ).
وقيل: الأمراء في زمانه وبعده، ورده إليهما إنما هو إلى حكمهما.
وحمل الشيعة ذلك
على الأئمة من أهل البيت.
وقال أبو هريرة: أولو الأمر أمراء السرايا.
وقد رُوِي أن النبي - ﷺ - قال:
"من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله ".
وقال ابن عباس: هم أهل الفقه والدين، وأهل طاعة الله الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
وكل هذه الأقوال صحيح، ومراد بالآية، ووجه ذلك
أن أولي الأمر الذين يرتدع بهم الناس أربعة:
الأول: الأنبياء، وحكمهم على ظواهر الخاصة والعامة وبواطنهم.
والثاني: الولاة، وحكمهم على ظاهر الخاصة والعامة دون باطنهم.
والثالث: الحكماء، وحكمهم على بواطن الخاصة.
والرابع: الوعاظ، وحكمهم على بواطن العامة، وعلى ذلك
قوله: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ).
وقوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ)
قيل: هو خطاب للكافة.
وقيل: بل لأولي الأمر منهم إذا وقع تنازع فيما بينهم في حكم،
وقوله: (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)
أي راجعوه بالسؤال في زمانه، وإلى كتاب الله وسنة نبيه بعده.
وقال الأصمُّ: معناه ما لا تعلمونه فقولوا: الله ورسوله أعلم.
وهذا إن أراد به فيما لا سبيل لبشر إلى معرفته.
أو فيما لا يبلغ إلى مرتبته فصحيح.
وإن أراد أنه يقتصر على ذلك مع وجود سبيل إليه.
أو احتياجه إليه فرضى بأخسِّ منزلة.
وقد تعلّق بذلك مثبتوه أيضًا، وقالوا: جعل الله
أحكامه ثلاثة أقسام: مثبتًا بالكتاب، ومثبتًا بالسنة، وعليهما
دل قوله: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)، ومثبتًا بالاجتهاد
والاستنباط، وهو ما يرد إلى الكتاب وسنة نبيه، قال:
فالرد إليهما هو البناء علي حكمهما، وهذا هو القياس الشرعي، والرد
على هذا محمول على فائدة غير مستفادة من قوله: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ).
قوله: (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) أي من شرط الإِيمان أن لا يتخطَى
مرسوم الله تعالى ومرسوم نبيه - ﷺ -، فمن
ترك ذلك فقد ترك الإِيمان.
وقوله: (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)
قال مجاهد: أحسن جزاء وعاقبة.
وقال قتادة والسُّدّي: عاقبة.
وقال الزجاج: أحسن من تأويلكم من غير رد إلى كتاب الله والسنة.
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)
قد تقدّم أن الزعم مطية الكذب. والطاغوت مبنيّ من
طغى، كالجالوت من جال، وقيل: كل ما عُبد من دون الله
فهو طاغوت، وقيل: هو اسم لكل ما شغل عن الله من نحو
الهوى ونحوه، وعليه نبه بقوله - ﷺ -:
"الهوى إله معبود"، ثم تلا: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ).
ورُوِيَ أن. ذلك نزل في رجل من المنافقين دعاه يهودي في خصومة إلى حكم
النبي - ﷺ -، فقال المنافق: بل نتحاكم إلى الكاهن، وقيل: بل قال إلى الصنم، وهو أنهم كانوا يحضرونه ويضربون بالقداح، فمن خرج قدحه حكم له، ونبّه بقوله: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا)
بعد قوله: (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ)
أن إرادتهم بهذا الفعل مقرونة بإرادة الشيطان أن يضلهم ضلالاً
بعيدًا، وأن بفعلهم ذلك يجد الشنيطان إلى ضلالهم سبيلًا، وهذا
تنبيه أنه لولا اتباعهم الشهوات وإخلالهم بالعبادات لما وجد
الشيطان إليهم سبيلًا، كما قال: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ)
الآية. والضلال البعيد هو الذي يصعب الرجوع عنه.
وهو المشار إليه بقوله تعالى: (أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ).
قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)
الصد: كالسد: إلا أن السد بحائل محسوس.
والصد بحائل في النفس من إرادة أو كراهة، ونحو ذلك من الحوايل.
والآية من تمام القصة الأولى، ومن الأشياء التي
دعوا إليها فصدّوا عنها آيات القتال، كقوله تعالى: (فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ).
والتأكيد بالمصدر كقوله: (يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا)
(وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) هو أن الفعل له حقيقة
ما وتجوُّزٌ به كاستعماله في بعض ما وُضِعَ له أو في غير ما وُضِعَ
له، وإذا أريد أن يبين أنه مستعمل على وجهه وحقيقته ضُمَّ إليه
مصدره. هذا فائدته.
قوله تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)
رُوِي أن ذلك المنافق مع اليهودي لما تحاكما إلى النبي - ﷺ - فحكم لليهودي قال المنافق: لا أرضى بذلك.
ثم "تحاكما إلى أبي بكر فكان كمثل، ثم تحاكما إلى عمر.
فقال المنافق: كان من الأمر كذا، فقال له عمر: قفا لأخرج إليك.
فدخل وأخذ السيف فخرج وقتله،
فشكوا إلى النبي - ﷺ - فلما سأله؟
قال عمر: قتلته لأنه ردَّ حكمك، فقال - ﷺ -:
"أنت الفاروق ".
ثم جاء أصحابه إلى النبي - ﷺ - يحلفون
كذبًا إن أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا.
إن قيل: ما المسئول عنه بقوله: كيف؟
وما الذي يتعلق به إذا؟ وعلى ماذا عطف قوله: (ثُمَّ جَاءُوكَ)؟
وأيّ مصيبة أريدت بذلك: التي نالتهم في الدنيا
بقتل صاحبهم أم شيء منتظر؟
قيل: أما المسئول عنه فمحذوف كما حُذِفَ في قوله: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ)، وبقوله: (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ)
وتقديره: كيف حالهم ومقالهم؟
وأما إذا فإنه يتعلق بذلك المضمر.
وأما قوله: (ثُمَّ جَاءُوكَ) فمعطوف على قوله: (أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ)،
وتقديره: كيف حالهم إذا أصابتهم مصيبة بما قدّمت أيديهم
بارتكابهم وبمجيئهم من بعد إليك حالفين كذبًا: إننا ما أردنا إلا
إحسانًا وتوفيقًا، وأما المراد بالصيبة المذكورة فما ينالهم في الآخرة
من العذاب والحسرة والندامة، فيقول: إن تألَّموا من هذه فكيف
تألمُهم إذا أصابتهم مصيبة في الآخرة، وقد تقدَّم أن الإِحسان
هو الفضل الموفي على العدالة، والتوفيق: موافقة أمر الله
والرضا بقضائه، وهما غاية ما يراد من الإِنسان، فنبه أنهم
يدّعودن هاتين الحالتين كذبًا.
قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)
القول البليغ: إذا، اعتُبر بنفسه، فهو ما يجمع أوصافا ثلاثة:
أن يكون صوابًا في موضع لغته، وطبقًا للمعنى المقصود به.
لا زائدًا عليه ولا ناقصًا عنه، وصدقًا في نفسه.
وإذا اعتبر بالمقول له والقائل فهو الذي يقصد به قائله الحق.
ويجد من المقول له قبولاً، ويكون وروده في
الموضع الذي يجدر أن يورد فيه، فكل قول اجتمع فيه هذه
الأوصاف فهو البليغ من كل وجه، وقول العرب: أحمقُ بُلْغٌ
وبَلْغٌ، إذا بلغ مع حماقته حاجته، وقد يقال ذلك للمتناهى في
حماقته، وقول من قال: القول البليغ هو أن يقال لهم:
إن، أظهرتم ما في أنفسكم قتلناكم.
وقول من قال: خوِّفهم بمكاره تنزل بهم في الدنيا والآخرة.
فإشارة إلى بعض مقتضنى الآية، ونبه بقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)
على أمرين: أحدهما: نهي الناس أن يُخفوا في أنفسهم غير الحق.
والثاني: أن يقتصر من كل واحد في أحكام الدنيا على ما يظهره.
وترك الفحص عما يضمره، وفي قوله تعالى:
(فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) الآية، قولان:
أحدهما: أنه أمر أن يقابل جماعتهم بهذه المعاملة الثلاث، من الإِعراض عنهم، والتجافي عن ذمهم، وقول المعروف لهم.
والقول الثاني: أن كل واحد من الأحكام الثلاثة إلى فرقة على حدة، فالإِعراض عمن يظهر الإِسلام، لقوله - ﷺ -:
" أمرت أن أقاقل الناس... " الخبر.
والوعظ للأوساط. والقول البليغ للخواص. وهؤلاء الفرق
الثلاث هم المذكورون بقوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١).
إلى آخر القصة.
قوله عز وجل: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)
استغفار الإِنسان وتوبته يمكن أن يقال: هما في الحقيقة واحد، لكن
اختلافهما بحسب اعتبارهما بغيرهما؟
فالاستغفار يقال إذا استُعمل في الفزع إلى الله تعالى، وطلب الغفران منه. والتوبة ْتقال إذا اعتُبر بترك العبد ما لا يجوز فعله وفعل ما يجب.
ولا يكون الإِنسان طالباً في الحقيقة لغفران الله إلا بإتيان
الواجبات، وترك المحظورات، ولا يكون تائبًا إلا إذا حصل
على هذه الحالة، ويمكن أن يقال: الاستغفار مبدأ التوبة.
والتوبة تمام الاستغفار، ولهذا قال تعالى:
(وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ).
وأما استغفار الرسول - ﷺ - لهم فهو
الدعاء لهم، وهو ضرب من الشفاعة في الدنيا، وعلى ذلك
حثَّ تعالى بقوله: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)
والقصد بالآية لما قتل عمر ذلك المنافق، وكان ظاهره الإِسلام
ووقع شبهة على من لم يتصوَّر حاله، بيَّن تعالى جواز قتله
بألطف حجة، دل عليه بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ)، وبيانه أن خصوصية الرسول عليه الصلاة والسلام طاعته فيما يحكم به، تنبيهًا أن من لم يطعة لم يؤمن به، وهذا المقتول لم يطعه.
فإذًا لم يؤمن به، ومن لم يؤمن برسوله من غير مانع فمستحقّ للقتل.
فإذًا هذا المنافق
مستحق للقتل.
إن قيل: لِمَ قال (جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ)
ولم يقل: فاستغفرت؟
قيل: تنبيهًا على مقتضى فضيلة الرسالة، وأن بفضيلتها يستحق قبول شفاعته وموقع استغفاره.
قوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)
المشاجرة: المنازعة، وأصله من اختلاط الأشجار.
وشَجَر بيته رفعه بالشجر، والشِّجار اسم ما يرفع به من الشجر.
ومصدر شَاجَره أي نازعه، والتشاجُر يكون بالأبدان بالحرب
وباللسان في القول.
والحرج: الضيق، وأصله الحرجة الملتفة
من الأشجار، وسأل عمر رضي الله عنه أعرابيًّا عن الحرج.
فقال: هو أن يلتف الشجر ويناشب فلا يصل إليه شيء.
قال: فكذلك قلب الكافر محظور عليه الإِيمان، ممتنع امتناع هذه
الحرجة.
وقوله: (لَا) في أول الكلام هو ردّ لزعمهم: أنا آمنا.
فقال: لا، أي ما آمنوا، ولفظة: لا، قد ينفى به الفعل
الماضي إذا لم يذكر معه الفعل، كقوله: أخرجتَ؟ فتقول: لا.
ويجوز أن يكون نفيًا للثاني، لكن حذف معه الفعل اكتفاء
بما ذكر من بعده، وعلى الوجهين قول الشاعر:
لا وأبيك أبنت العامري... لا يدعي القوم أني أفِرُّ
والآية من تمام القصة المتقدّمة، وقول من قال: نزل في حاطب
ابن أبي بلتعة حيث اختصم مع الزبير بن العوام في سبب
الماء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فحكم للزبير.
فسخط حاطب، فإنه يجوز أن شأن نزوله هذه الحال، ويجوز
أن يكون قد نزل فيهما، وبيَّن تعالى أن التوقُّف في إلزام حكمك
فيما وقع بينهم من المشاجرة هو مخرج لهم عن الإِيمان، وإنما
يكون حصول الإِيمان الحقيقي بعد أن لا يروا ضيق صدر في جميع
ما تحكم به، (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا): أي يسلمون ظواهرهم
وبواطنهم، والتسليم منّا هو الإِسلام المأمور به في قوله:
(اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)،
وهو المسئول في قوله: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا).
قوله عز وجل: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)
نبّه تعالى على عقيدتهم ووهن إيمانهم.
وأن المؤمن في الحقيقة من يسلِّم تسليمًا كما تقدّم ذكره.
وبين أن هؤلاء لم يؤمنوا، بعد، بحيث لو أوجب عليهم قتل
أنفسهم أو الإِخلال بدورهم لكان أكثرهم ممتنعين، ثم أخبر أنهم
لو قبلوا الموعظة لكان ذلك خيرًا لهم وأشدّ تثبيتًا، أي أشد
لتحصيل عملهم ونفي جهلهم، وقيل: أثبت لأعمالهم واجتناء
ثمرة فعالهم، وأن يكونوا بخلاف من قيل فيهم:
(وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)
ورُوِيَ أن نفرًا من أصحاب النبي - ﷺ - لما نزلت هذه الآية قالوا: لو أن ربنا تعالى فعل لفعلنا، فالحمد لله الذي عافانا فعرف رسول الله - ﷺ - أن ذلك منهم حقٌّ فقال:
"والذي نفس محمد بيده للإيمان أثبت في قلوب المؤمنين من الجبال الرواسي "، ورُوِيَ أنه أشار إلى عبد الله بن رواحة، وقال: "إنه من القليل ".
ورُوِيَ أنه
قال: "إن ثابت بن قيس من القليل الذي استثنى الله تعالى".
قوله عز وجل: (وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)
بيّن أنهم لو قبلوا الموعظة لجمع لهم بين خير الدنيا والآخرة، وذلك هو المعني بقوله: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى)
والصراط المستقيم الذي وعدهم هو الذي حرضَ على سؤاله في قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ).
وإنما قال: (مِنْ لَدُنَّا) لأنه تعالى لا يكاد ينسب إلى نفسه من النعم إلا ما
كان أجلَّها قدرًا وأعظمها خطرًا، نحو: وروحنا.
قوله عز وجل: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)
أصل الرفق: التفكُّر في الأمر والتثبُّت، ويضاده الخرق.
وقيل ذلك للمعاونة، ومنه الِمرفق والمَرفق، والرفقة
للجماعة المعاونة في السفر، والرفيق كالصديق، ويقالان للواحد والجمع.
والفرق بين الرسول والنبيّ أن الرسول أخصّ.
فكل رسول نبي وليس كل نبيّ رسولاً.
فإنّ الرسول يختص بمن جعله واسطة بينه وبين عباده
لتبيين أحكامٍ بوحيٍ مسموع عن مَلَكٍ.
والنبيّ قد يقال لمن يجدد علىْ الناس شريعة من تقدمّه
وإن كان يوحى إليه بإلهام أو منام.
وأخصّ من الرسول أولو العزم من الرسل.
وقد تقدّم ذكر ذلك،
وقد قسّم الله تعالى المؤمنين في هذه الآية أربعة أقسام.
وجعل لهم أربعة منازل، بعضها دون بعض، وحثّ كافة الناس
أن لا يتأخروا عن منزل واحد منهم:
الأوّل: هم الأنبياء: الذين تمدهم قوة إلهية.
ومثلهم كمن يرى الشيء عيانًا من قريب.
ولذلك قال تعالى في صفة نبينا عليه الصلاة والسلام:
(أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى).
والثاني: الصديقون: وهم الذين يتاخمون الأنبياء في المعرفة.
ومثلهم كمن يرى الشيء عيانًا من بعيد.
وإياه عنى أمير المؤمنين حيث قيل: هل رأيت الله؟ فقال:
ما كنت لأعبد شيئًا لم أره، ثم قال: لم تره العيون بشواهد العيان.
ولكن رأته القلوب بحقائق الإِيمان.
والثالث: الشهداء: وهم الذين يعرفون الشيء بالبراهين، ومثلهم كمن يرى الشيء في المرآة من مكان قريب، كحال حارثة، حيث قال: كأني
أرى عرش ربي. وإياه قصد النبي - ﷺ -، حيث قال: "اعبد الله كأنك تراه ".
والرابع: الصالحون: وهم الذين يعلمون الشيء بإقناعات وتقليدات للراسخين في العلم، ومثلهم كمن يرى
الشيء من بعيد في مرآة، وإياه قصد النبي - ﷺ - بقوله: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".
أي كن من الشهداء بما تكتسبه من العلم والعمل الصالح.
فإن لم تكن منهم فكن من الصالحين.
وتقدير الآية على وجهين:
أحدهما: من أطاع الله ورسوله منكم ألحقه الله بالذين يقدمهم ممن أنعم عليهم من الفرق الأربع في المنزلة والثواب.
النبي بالنبي والصديق بالصديق، والشّهيد بالشّهيد والصّالح بالصالح،.
والثاني: أن قوله: (مِنَ النَّبِيِّينَ) يتعلق بقوله: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ)، وقوله: (الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) إشارة إلى الملأ الأعلى، ثم قال: (وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) ويبين ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في
حين الموت: "اللهم ألحقني بالرفيق الأعلى"، وهذا
ظاهر، وهذه الآية كأنها مردودة إلى ما تقدّم من قوله: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) فلما تمّم القصة بيّن ما لمطيعهم من الثواب
بهذه الآية، ورُوِي أن رجلًا من الأنصار جاء إلى النبي - ﷺ - كئيبًا، فقال: يا رسول الله نحن نغدو عليك ونروح ننظر في وجهك
ونجالسك، وغدًا ترفع إلى النبيين فلا نصل إليك. فسكت النبي
- ﷺ - فجاءه جبريل عليه السلام بهذه الآية.
قوله عز وجل: (ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا).
لما كانت نعم الله تعالى ضربين: دنيويًّا ولا يصل إلينا من الله إلا
بواسطة، أو وسائط كالمال والجاه وغير ذلك. وأخرويًّا يصل
إلينا - لا بواسطة، بين الله تعالى أن ذلك الفضل الذي ذكره بقوله:
(أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) هو من الله علِي الإِطلاق، فنُسبَ إلى نفسه
تفخيمًا لأمره، كما قال: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ).
وقوله: (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا) ونحو ذلك، فخبر الابتداء على
هذا هو (مِنَ اللَّهِ)، ويجوز أن يكون مبتدأ، و (الْفَضْلُ)
خبره، كقولك: ذاك هو الرجل،، وهذا هو المال، تنبيهًا على
كماله، فإن الشيء إذا عظم أمره يوصف باسم جنسه، كقوله:
(وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ).
ويكون قوله: (مِنَ اللَّهِ) في موضع الحال، أو خبر ابتداء مضمر، ثم قال:
(وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) تنبيهًا أنه هو أعرف بمقادير الفضل، وقد حكم
بأن الفضل المعتد به هو ذاك.
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)
حذركم: قيل: معناه أسلحتكم، وقيل: معناه احذروا.
والثبة للجماعة المنفردة، قال الشاعر:
وقد أعْدو على ثبةٍ كرام.
ومنه ثبت على فلان إذا ذكرت متفرق محاسنه، وتصغر ثُبة
على ثُبَيَّة، وتجمع على ثُبات وثُبين، وأما ثُبة الحوض فوسطه
الذي يثوب إليه الماء.
وأصل النفر: الانزعاج، وذلك على ضربين:
انزعاج عن الشيء، وانزعاج إليه، وعلى ذلك
الفزع: فزع عن الشيء، وفزع إليه.
قال: إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم.
والنفر: للجماعة الذين ينفرون إلى حرب، والمنافرة في
الحكم أصله أن يتحاكم اثنان - أيهما أفضل نفرًا.
قال ابن عباس: هذه الآية نسخها قوله تعالى ة (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ)
وإنما عنى بذلك التخصيص والتنبيه أن ليس يلزم النفر جماعتهم، ونحو
ذلك قوله: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) الآية، أنها في الحرب
وفي الحقيقة فيها وفي المبادرة إلى جميع ثواب الله.
وقوله: (خُذُوا حِذْرَكُمْ) نحو (وَاتَّقُوا اللَّهَ).
وقوله: (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ)، (فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ).
ونحو قوله: (فَانْفِرُوا)، (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).
وفي قوله: (ثبُاتٍ) أو (جَمِيعًا) تنبيه أنه لا يجب أن يعتبر طالب الحق كثرة مصاحبيه وقلتهمِ، نحو قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ).
قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)
البطء والريث والأناة والثبات واللبث تتقارب،، ولكن الثبات يقتضي الزوال، ويقالان متعديين عن بطء تقول يبطئن أي يثبط غيره.
وقيل: يكثر هو التثبيط في نفسه.
بيّن تعالى أن قوما بعد فيكم ومنكم أي يتأخرون عن الحرب أو
يؤخرون غيرهم، فإن أصابكم جهد وبلاء من الدنيا يُسرّون
بتأخرهم عنكم، ويريدون أن ذلك نعمة نالتهم، تنبيهًا أنهم لا
يعدون النعمة إلا من أعراض الدنيا،
(وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ)
أي غنيمة وظفر يتحسرون على تأخرهم عنكم
ويحسدونكم على الفضل الذي أوتيتم.
وفي قوله: (كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) أقوال:
الأول: أن يكون حكاية عنهم، أي ليقولن لمن يثبطكم:
كأن لم تكن بينكم وبين محمد مودة، حيث لم يستعينوا
بكم، ثم يقولون: (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ) فيكون القول الأول
منهم إثارة للشر.
والقول الثاني منهم إظهارًا للحسد.
والثاني: أن ذلك اعتراض متعلق بالجملة الأولى، وتقديره
يقولون: قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدًا، كأن لم تكن
بينكم وبينهم مودة، فأخّر ذلك، وذلك مستقبح في العربية،
فإنه لا يفصل بين بعض الجملة التي دخل في إثباتها، وتقديره:
يقول: يا ليتني كنت معهم فأفوزَ فوزَا عظيمَا كأن لم تكن، أي
قولهم ذلك قول من ليس بينكم وبينهم مواصلة دينية.
وذلك تنبيه على ضعف عقيدتهم، وسوء نيتهم.
وقيل في قوله: (قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ) مِنَّة منه على قومه من المنافقين.
إذ يثبطهم عن الخروج، وإنه قد ظهر ثمرة نصيحته في قوله: (يَا لَيْتَنِي)
إيهام للذين قالوا لهم: إن ذلك كان بإيثار الرسول لمن أخرجهم
من دونه، وفي الآيتين تنبيه أن عامة الناس لا يعدّون إلا أعراض
الدنيا، فيفرحون بما ينالهم منها، ولا من المحن إلا مصائبها.
فيتألمون بما يصيبهم منها، وذلك قوله: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ) الآية.
قوله تعالى: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)
الذين يشرون: أي يبيعون وهو المعني بقوله: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)
وقوله: (الَّذِينَ) هو فاعل (يُقتِل)، والمفعول محدْوف.
وقيل قوله: (فَلْيُقَاتِلْ) أمر لمن يُبَطّئ وهم الذين يشرون.
ومعناه يشترون، فحثوا على ترك ما حكي عنهم في الآية المتقدمة.
وأن يجاهدوا في سبيل الله،
فإن قيل: لِمَ لَمْ يقتصر على قوله: (وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) بل عقبه
بقوله: (فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ)؟
قيل: تنبيهًا أن من تحرّى القتال سواء قَتل أو قُتل، غَلب أوغُلب فقد وقع أجره على الله، وتقدير الكلام: يقتل أو يُقتل أو يغِلب، لئلا يتوهم السامع أن التزام الغلبة والبَراح من المعركة في كل حال سائغ.
ألا ترى أنه قد عظم التولي عن القتال بقوله: (فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ) الآية، ومنهم من جعل المقاتلة في سبيله
مجاهدة للنفس، نحو ما رُوِيَ عنه عليه الصلاة والسلام:
"جاهدوا أهواءكم ".
وجعل سبيل الله هو المذكور في قوله:
(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ).
والأجر العظيم ثواب الآخرة، ووصفه بالعظيم اعتبارا بعرض الدنيا.
كما وصف الثمن بالقليل.
قوله عز وجل: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)
قال ابن عباس: القرية الظالم أهلها: مكة.
وقال: كنت من الولدان، وإني كنت من المستضعفين فيها.
فإن قيل: ما الفرق بين المولى والنصير؟
قيل: المولى هو الذي يتولى حفظ الشيء في كل حال.
والنصير هو الذي. ينصره إذا حزبه أمر، فكان الولي
هو النصير في كل حال، والنصير هو المولى حال دون حال.
ومن هذا الوجه قال بعض المفسرين: أريد بالولي النبي وبالنصير
الملائكة، وقال بعضهم: جعل الله وليَّهم النبي - ﷺ -
ونصيرهم التابع الذي ولَّاه عليهم، ونبه بعطف المستضعفين
على أن الحماية عليهم هو المقاتلة في سبيل الله، وأنّ
نصرتهم نصرته تعالى، وعطف قوله: (الْمُسْتَضْعَفِينَ) على
الله تعالى تعظيمًا، كما قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ)، فعطف (وَالْأَرْحَامَ) على لفظ (اللَّه) تعظيمًا لأمره.
قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)
المقاتل في سبيل الله يتناول المحارب بالسيف والمدافع عن الدين بالقول، والمنازع لهوى النفس ولوساوس الشيطان،
وقد تقدّم أن الطاغوت عام في كل ما شغل عن الله.
والمراد به وبالشيطان واحد، ونبّه أن من قاتل في سبيل الله فهو وليّه.
ومن قاتل في سبيل الطاغوت فهو ولي الشيطان.
ونبه بقوله (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)
على ضعف أوليائه، ووصف كيده بالضعف إذ لا بطش له.
وإنما سلطانه بيّن باطل، ولضعفه في الحقيقة قال تعالى حاكيا عنه:
(وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) الآية.
قال بعض المفسرين: وصف كيد الشيطان بالضعف عند مقاتلة
الإِنسان في سبيل الله، فكأنه قيل: إن كيد الشيطان كان ضعيفًا على
من يقاتل في سبيل الله، وقال بعضهم: وصف كيد الشيطان
بالضعف لضعف نصرة أوليائه بالإضافة إلى نصرة الله المؤمنين.
وقال بعضهم: الذين يقاتلون في سبيل الطاغوت هم الذين
ينكرون ما تدعو إليه الحُجَج.
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)
رُوِيَ أن قومًا استأذنوا النبي - ﷺ -
في قتال المشركين قبل أن فرض عليهم القتال، فلم ياذن الرسول عليه الصلاة والسلام، فلما فرض ذلك عليهم وهم بالمدينة
صعُب على قوم منهم ذلك،
فقالوا: (لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ)
أي: هلَّا؟ وهذا يجوز أن يكون قد تفوَّهوا به، ويجوز أنهم اعتقدوه:
وقالوه في أنفسهم، فحكى الله تعالى عنهم تنبيهًا أنهم لما استصعبوا
ذلك دلّ على استصعابهم أنهم غير واثقين بأحوالهم ولا مقدمين
لما يعتقدونه من حسن أعمالهم، ومن نحو هذا التمنِّي
حذّر في قوله: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ).
قال الحسن: هذا من صفة المؤمنين وما طُبعَ
عليه البشر من المخافة لا على إظهار العصيان وكراهة الحق.
وقال غيره: بل هو من صفة المنافقين، الحُرَّاص على البقاء في
الدنيا، وبيّن أنهم يخشون القتل منهم كخشية الموت من الله.
وفيه تنبيه على جبنهم، وأنهم يخشون جيشهم الذين هم أمثالهم.
وذلك نهاية الخوف، وعلى هذا دلّ الشاعر في ذمّ قومٍ وجبنهم
حيث قال:
القوم أمثالكم لهم شعرء... في الرأس لا يُنشرون إن قتلوا
قوله تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)
البروج: بيوت في قصور، وبها شُبِّه بروج السماء، وسُميت بها.
والمُشيَّدة المبنيّة بالشِّيد والمزينة بها، ومن قال المشيدة المطولة فنظر منه
إلى صفتها لا إلى حقيقة لفظها.
وفقهت كذا أي علمته بالتفكُّر، ومنه سمّي الفقه.
وقد حمل البروج في الآية على
القصور، فيكون معناه كقول الأسود بن يعفر:
ولو كنت في غُمران يحرسُ بَابَه... أَرَاجيلُ أُحْبوشٌ وَأسْوَدُ ألِفُ
إذًا لأتتني حيث كنت منيتي... يَخُبُّ به حَادٍ لإِثري قَائف
وحمل على بروج السماء، فيكون كقول زهير:
ومن هاب أسباب المنية يلقها... ولو نال أسباب السماءبسلَّم
فعلى هذا وصف البروج بالمشيّدة على طريق التشبيه، ولاعتبار
ذلك فُسِّرتْ بالمطوّلة، والقصد بذلك إلى نحو ما قيل: والموت
ختم في رقاب العباد، وإلى نحو معناه قصد بقوله: (قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ).
وقوله: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا).
أي لا يفهمون ما يوعظون به.
وقيل: عنى بالحديث الحادثة من صروف الزمان.
والمعنى ما لهم لا يتدبرون ما يحدث حالاً فحالاً من صروف الزمن.
كقوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ).
وقوله: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) الآية.
قد طعن في ذلك قوم من الملحدة، وزعموا أن الآيتين متناقضتان.
قالوا: ويدل على تناقضهما على وهم مُوردها ونسيانه في الوقت
ما قد سبق من كلامه، وإلا فأي ذي مسكة من العقل يقول:
(كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، ثم يقول منكرًا على ما قال ذلك (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) فيثبت ما قد نفاه.
وينقض ما قد بناه، هذا من طعن الملحدة، فأما أهل الشرع
فقد تعلق بالآية الأولى الفرقة التي لقبها المعتزلة بالجبر.
فقالوا: إن قوله: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) عام يدل على أن الأفعال
الظاهرة من العباد هي من الله، وتأولوا قوله تعالى: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) يقتضي أن لا ينسب فعل السيئة إلى الله تعالى
بوجهٍ، وجعلوا الحسنة والسيئة في الآية الأولى بمعنى
الخصْب والجدب والفقر والغنى، فأما طعْن الملاحدة فظاهر
الوهن، وذلك أن الحسنة والسيئة من الألفاظ المشتركة:
كالحيوان الذي يقع على الإِنسان والفرس والحمار، أو من
الأسماء المختلفة كالعين، ولو أن قائلًا قال: الحيوان متكلم.
والحيوان غير متكلم، وأراد بالأول الإِنسان، وبالثاني الفرس
والحمار - لم يكن مناقضًا، وكذا إذا قيل: العين في الوجه.
والعين ليست في الوجه، وأراد بالأولى الجارحة، وبالثانية عين
الميزان أو السحاب، فكذلك الآية إذا أريد بالحسنة والسيئة في
الآية الثانية غير الذي أريد بهما في الآية الأولى، وفي هذا
قناعة لإِبطال هزيل هذا المعترض، ثم إذا تُؤمِّل مورد الكلام.
وسبب نزول الآية بأن ألا تعلّق لأحد الفريقين بالآية على وجه
يثلج صدرًا أو يزيل شكًّا، وسبب نزول ذلك أن قومًا أسلموا
ذريعة إلى غنى ينالونه، وخصب يجدونه، وظفر يحصِّلونه، فكان
إذا ناب أحدهم نائبة أو فاته محبوب، أو ناله مكروه أضاف سَيئُه
إلى النبي عليه الصلاة والسلام متطيرًا به، فقال تعالى: (تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) أي خصب وسعة (يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ)
أي جدب وفقر، لقالوا بك ونسبوها إليك.
الحسنةِ والسيئة هاهنا هما المذكورتان في قوله: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ)، وفي قوله: (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ).
ونحو هذه الآية قوله في قصة موسى عليه الصلاة والسلام: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ)،
وفي قوله في صالح: (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ).
إن قيل: ما الفرق بين قولك: هذا من عند الله، وهذا من الله.
حتى قال في الأول: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ).
وقال في الثاني: (فَمِنَ اللَّهِ)؟
قيل: قد قال بعضهم: إن قوله هذا من عند الله أعم.
فإنه قد يقال: فيما كان برضاه وبسخطه وفيما يحصل.
وقد أمر به ونهى عنه، ولا يقال: هو من الله إلا ما كان
برضاه وبأمره، وبهذا النظر قال عمر: إن أصبت فمن الله، وإن
أخطأت فمن الشيطان، ثم ذكر تعالى ما يصيب الإِنسان من
ثواب وعقاب ومحابّ ومكاره، مما في سببه صنع بشر، فقال:
(مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ).
وعنى بالنفس المذكورة هاهنا المذكورة في قوله: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ).
ومقتضى الآية كقوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ).
وكقوله: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)، وعلى هذا فسَّر ابن عباس فقال: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ): يوم بدر (فَمِنَ اللَّهِ)، (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ): يوم حنين (فَمِنْ نَفْسِكَ).
إن قيل: كيف سمَّى العقاب سيئة، ومعلوم أنه في الحقيقة ليس بسيئة؟
قيل: إن ذلك كقوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)
وقد تقدم مثل ذلك.
إن قيل: إذا كان معنى الآية الثانية على
ما ذكرت في أنه أريد به الثواب والعقاب فهلّا قال: ما أصابك
من حسنة وسيئة فمن نفسك، إذا كان مقتضى ثوابه وعقابه فعل
العبد؟
قيل: إنما نسب الله تعالى الحسنة إلى نفسه في الثواب.
تنبيهًا أنه سبب الخيرات، ولولاه لما حصل بوجه، فإنه يكسبه
للعبد بإرادة من الله وأمر وحثّ وتوفيقٍ، وأما السيئة وإن كانت
بإرادة من الله عند قوم فليست بأمر منه ولا حث ولا توفيق، ومع
ذلك أدّب بذكر ذلك عباده، ليراعوا فيما ينالهم نعمته عليهم.
وينسبوا الحسنات إليه، ويعلموا أنه سبب كل خيرات، وأنه لولاه
لما حصل منها شيء، وعلى هذا قوله عليه الصلاة والسلام:
"ما أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله ".
قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا".
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: "لا تخش إلا ذنبك، ولا ترج إلا ربّك "، إن قيل: ما الفرق بين الحسن
والحسنة والحسنى، والسيئ والسيئة والسوءى؟
قيل: الحسن والحسنة يقالان في الأعيان والأحداث.
ولكن الحسنة إذا استعملت اسمًا فمتعارف في الأحداث دون الأعيان.
والحسنى لا تقال إلا في الأحداث، ومتى قيل: رجل سيِّئ
فإنما يعني به المسيء.
إن قيل: كيف قوبل الحسنة بالسيئة، وحقُّها أن تقابل بما يقتضي
معنى المسرة كما قال: مساءة ومسّرة، وساءه وسّره، ولا يقال في مقابلة ساء شيء من لفظ حسن؟
قيل: الحسن لفظ عام كما تقدم، والحسنة والحسنى المقابل بهما السيئة والسُّوءى مخصوصان في الأفعال ولما كان كل
فعل حسن يسّر صاحبه، وكلّ فعل قبيح يسوء صاحبه، صار
القبح والسوء في الأفعال متلازمين فيصح أن يُقال: الحسنة بالسيئة.
إن قيل: من المخاطب في قوله: (مَا أَصَابَكَ)؟
قيل: قال بعضهم: هو خطاب للنبي - ﷺ -.
ومعناه للقوم الذين يبكتهم.
وفي هذا النوع من الخطاب ضرب من التعريض، ولأجل قصد
التعريض في نحوه. قيل: إياك أعني واسمعي يا جارة.
ويدلّ على كونه خطابًا له قوله من بعده: (وَأَرْسَلْنَاكَ).
وقيل: هو خطاب لكل إنسان، وذلك نحو قول القائل:
أيها الإِنسان وكلكم ذلك الإنسان.
وقال ابن بحر: هو خطاب للفريق المذكور في قوله:
(إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ)
قال: ولما كان لفظ الفريق والحي والجند مفردًا صحَّ أن يخاطب
ويخبر عنه بلفظ الواحدة تارة وبلفظ الجمع تارة، كلفظ كل ونحوه
من الألفاظ، وعلى هذا قول الشاعر:
تفرق أهلانا بُثَيْن فمنهم... فريق أقام واستقلَّ فريق
وكل هذا كلام في مقتضى حكم اللفظ، فأما من حيث المعنى
فالناس خاصهم وعامهم مراد بقوله: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)
إن قيل: ما وجه قوله: (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا) بعد ذلك الكلام؟
قيل: لما كان قوله: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ)
إنذازا لهم، نبه بذلك أنه قد أزاح عللهم به، وأنهم متى عصوا فلا
حجة لهم، إشارة إلى قوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).
وقوله: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) أي يشهد تعالى ما يفعله
ويفعلونه، ويشهد يوم القيامة، وكفى به مشاهدًا وشاهدًا.
قوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)
نبّه بذلك على حجة ظاهرة في وجوب طاعة نبيه.
وبيانه أنه إذا كان طاعة الله واجبة، وطاعته لا تتم إلا بطاعته.
لأن عامة أوامره لا سبيل إلى الوقوف عليها إلا من جهته.
وما لا يتم الواجب إلا به فواجب كوجوبه، اقتضى
ذلك أن من أطاع رسول الله فقد أطاعه، فنبّه بذلك على مقابله.
وهو أن من عصى رسوله فقد عصى الله، وكالأمر بطاعة الله
ورسوله الأمر بالإِيمان بهما في نحو قوله:
(يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)، فكذلك الأمر باستجابته في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ).
ثم قال: (فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) حثَّا على إبلاع ما ندب
إليه من المأمور به في قوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) وتنبيهًا أن ليس يعود عليك مضرة ما يفعلونه في أنفسهم.
المدلول عليه بقوله: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).
وقوله: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ).
قوله عز وجل: (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)
المعني بقوله: (وَيَقُولُونَ)
الذين يخشون الناس، وقد تقدّم أِن ذلك قيل من صفة المنافقين.
وقيل من صفة الناس كافة.
والتبييت: كل فعل أو قول دُبِّر بالليل.
ولأجله قيل: دع الرأي تَبِتْ، قال الشاعر:
أتوني فلم أرض ما بيّتوا... وكانوا أتوني بأمر نُكُرْ
وقيل: اشتقاقه من بيت الشعر، أو البيت المبني، وهو الذي
سوى من القول أو الفعل تسوية بيت شَعرٍ أو بيت شِعرٍ.
ونحو قوله: (بَيَّتَ طَائِفَةٌ) قوله: (إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ).
قال الكلبي: التبييت في لغة طيّ: التبديلُ.
ومعنى الآية أنهم يبذلون من أنفسهم الطاعة قولاً.
فإذا خرجوا من عنده عليه الصلاة والسلام دبروا أن
يفعلوا خلاف ما قالوا، (والله يكتب ما يُبتتون)، أي يعلمه
ويحفظه) فيجازيهم به،
والكتابة هاهنا كالاستنساخ في قوله: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، ونسب ذلك إلى نفسه هنا، وإلى ملائكته في قوله: (بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ)، وفي قوله: (إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ).
وقد تقدَّم أنه تعالى قد ينسب فعل أوليائه إلى نفسه تنبيهًا على ارتضائه، وكونه آمراً نحو قوله: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ).
وقوله: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا).
وقوله: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ)، ثم أمره بالتوكل عليه، وقد تقدم أن من التوكل ملازمة أوامره والانتهاء عن نواهيه، وأن لا يرْجى ولا يخاف سواه، ونحو
قوله: (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)، قوله: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ).
قوله عز وجل: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)
التدبير: النظر في دُبُر الأمور وتأملها، وقد يقال ذلك في تأمل الشيء بعد حصوله ومعرفة خيره من شره، وصلاحه من فساده، كقولك: تدبرت ما فعل فلان فوجدته سديدًا، وأصل التدبر من الدَّبر، ومنه الدّبور.
والدَّبر: المال الكثير الذي يخلفه الإِنسان ويجعله عدة: إما لنفسه
في مستأنف عمره، أو لعقبه.
إن قيل: كيف قال: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)، وما من كلام لعل فيه من الاختلاف ما في القرآن، فما من آية إلا وقد اختلف فيها الناس؟
قيل: لم يعن بالاختلاف ما يرجع إلى أحوال المختلفين، لاختلاف تصورهم لمعناه، أو اختلاف نظرتهم، ولا الاختلاف الذي يرجع إلى تباين الألفاظ والمعنى والإِيجاز والبسط، وإنما قصد إلى معنى التناقض، وهو إثبات ما نفى أو نفي ما أثبت، نحو أن يقال: زيد خارج، زيد ليس بخارج.
والمخبر عنه والخبر والزمان والمكان فيهما واحد.
ادعت الملحدة - لعنهم الله - فيه التناقض، من نحو قوله: (لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)، وقوله: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ).
فذلك خبران قد اختلفا، إما في الزمان أو في المكان أو في
المخبر عنه، أو في الخبر، وهذا ظاهر.
وقيل: معنى قوله: (لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)
أنّ للإِنسان هاديين: الشرع والعقل.
كالأصل للشرع، فبيّن تعالى أن الذي أتاكم به من
الشرع لو كان من عند غير الله لكان مقتضى العقل يخالفه، فلمّا
لم يوجد بينه وبين العقل منافاة عُلم أنه من عند الله،
فإن قيل: فقد ورد في الشرع أشياء يقتضي العقل خلافها؟
قيل: كلا، فإن جميع ما ورد به الشرع لا ينفك من وجهين.
إما شيء يحكم به العقل لكونه حسنًا، مثل استعمال إله في الجملة.
وعبادة الرّب، أو يكون غير مهتد إلى معرفته لا أنه يستقبحه، فيُبين
- الشرع حسنه، وذلك كأعداد الصلوات وهيئاتها وأركانها، في
كونها عبادة على وجه دون وجه، وإما أن يأتي الشرع بشيء قد
قضى العقل بكونه قبيحًا فليس ذلك بموجود، وبعض الناس
تصور أشياء ينفر الطبع منها لعادات جارية، أو اعتقادات فاسدة.
ولم يفرِّقوا بينه وبين حكم العقل، فظنوا أن العقل حكم بضد
الشرع، كذبح البهائم.
إن قيل: ما وجه تعلُق هذه الآية بما تقدّم؟
قيل، : لمّا ذكر فيما تقدّم أحوال الذين يتحاكمون إلى الطاغوت، ويتركون
كتاب الله ورسوله، ويقاتلون في سبيل الطاغوت، وذكر الذين
يخشون الناس ومقالهم فيما نالهم من حسنة أو سيئة.
ومخالفتهم في الطاعة، وكان كل ذلك منهم - لقلة تأمّلهم كتاب
الله، وتقديرهم أن ما أمروا به في ثاني الحال من القتال مناقض لما
أمر به قبل، من كفّ اليد وغير ذلك، بما يختلف لاختلاف
الأحوال، نبههم تعالى في هذه الآية أن كل ذلك لقلة تدبرهم،
وأنهم لو تدبّروا لعلموا أن ذلك حق نزل عليهم من الله، كما
قال: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ).
قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣).
الاستنباط: استخراج الشيء من أصله، كاستنباط الماء من
البئر، والجوهر من المعدن، وذلك كالإِثارة في إخراج التراب.
واستعير للحديث، قال الشاعر:
... يكفيك أثرى القول واستنباطي
قال الفرّاء: يقال نبطه، قال: ومنه النبط لاستنباطهم
الأرض عمارتها، والذين يستنبطونه منهم، قيل: هم أولو
الأمر الذين لهم معرفة استنباطه، فيكون ذلك حثا على ترك
من لا يعلم لمن يعلم ليستنبط هو بمعرفته، فإذا عرف عرفهم
ما يجب تعريفه، وقيل: عنى بالذين يستنبطونه الذين يبينونه.
ويكون ذلك نهيًا لهم عن الاستنباط بالتخمين والنظر، وحثًّا
على رده إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، وقد تقدم الكلام
آنفًا في أولي الأمر منهم، وقيل: سبب ذلك أن قومًا كانوا إذا
سمعوا من أفعال المؤمنين أو الكافرين ما فيه أمن أو خوف بادروا
إلى إشاعته، قبل أن يتحققوا معناه.
قال الفرّاء في سرايا النبي عليه الصلاة والسلام: وأنه كان إذا
نفذ سرية بحث المنافقون عنها، فأشاعوا حديثها.
قال الحسن: قد كان يفعل ذلك ضعفاء المسلمين، ويقولون
أقوالاً تخمينًا، فنهوا عن ذلك، والآية تقتضي أن لا يقدم
الإِنسان على ما لا يتحقق جواز الإِقدام عليه، ولا يقول إلا عن
بصيرة، وعلى ذلك قوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)
الآية، وقوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا)، اختلف في قوله: (إِلَّا قَلِيلًا) عمّا استثنى، وذلك لاختلاف تصوُّرهم لمعنى الفضل، فالأول عن الحسن
وقتادة تقديره:، يستنبطونه منهم إلا قليلًا.
الرابع: لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا منكم.
الخامس: لاتبعتم الشيطان إلا اتباعًا قليلًا.
إن قيل: كيف القول الرابع والخامس، وقد علمنا أنه لولا
فضله لاتبع الشيطان، بل ماكانوا يوحدّون، فضلًا عن
أن يضلوا، فإنا لو تصوَّرنا فضله مرتفعًا لارتفع وجود الناس.
بل وجود العالم؟
قيل: إذا جرى الفضل على العموم فهو كما يقول، ومنِ أجله تحاشى من امتنع من أن يكون ذلك استثناء من قوله (لَاتَّبَعْتُمُ) فأما إذا جعلت فضله خاصا في هذا الموضع
فمعناه صحيح، وبيان ذلك أن فضل الله وإن كان لا تُحصى
تفصيلاته، فالذي به هدانا إلى البلوغ إلى ثوابه فضلان: فضل
العقل وفضل الشرع، وعنى هاهنا بالفضل الشرع دون العقل.
وبيّن أنه لولا ما أنعم به على الناس من رسوله وكتابه لما اهتدى
من خلائقه بالعقل المجرد إلا قليلٌ من الناس، والقليل الذين لم
يكونوا يتّبعون الشيطان لولا فضل الله، هم الحكماء
والأولياء، الذين تتلو منزلتهم منزلة الأنبياء عليهم السلام.
وهذا ظاهر.
قوله عز وجل: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)
التنكيل: مصدر نكلت به، والنكال العقوبة التي تنكل المعاقب
وغير المعاقب عن إتيان مثله، وأصله من النكل، وهو ضرب من
القيد، ومنه نكل عن الشيء.
إن قيل: كيف قال: (لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) وقد بعث النبي - ﷺ - ليكلّف الناس؟
قيل: لم يعنِ التكليف الاستدعاء الذي رشح له، ألا ترى أنه قال (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) الآية تقتضي أن على الإنسان أن لا يني في نصرة الحق وإن تفرد، يعد أن لا يني في فعله.
وروي أن أبا بكر رضي الله عنه قال: "لو خالفتني يميني جاهدتها بشمالي" وتلا هذه الآية.
وقال بعض الحكماء: من
طلب رفيقًا في سلوك طريق الحق فلقِلة يقينه، وسوء معرفته.
فالمحقق للسعادة والعارف بالطريق إليها لا يفرح على رفيق ولا
يبالي بطولِ طريق، فمن خطب الحسناء لم يغلها مهر.
والفاء في قوله: (فَقَاتِلْ) قال الزجاج: هو جواب لقوله: (وَمَن
يُقتل)، ووجه ذلك أنه محمول على المعنى كأنه قال: إن
أردت الفوز بذلك فقاتل، وقال بعضهم: هو متصل بقوله:
(وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).
وقوله: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا)
أي كن راجيا في دفع أذاهم،
وقول المفسرين: عسى من الله واجب، أي الكريم إذا رُجِي
حقّق، وقوله: (وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا)
تنبيه أنك لا تحتاج أن تقصر عن قتالهم، فالله معك، وهو أشد بأسًا
من عداك، فلا يجب أن يَنكادك من تاخر عنك.
قوله عز وجل: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)
الشفاعة: من الشفع أي ضم الشيء إلى غيره.
وضد قولهم شفعه: أفرده، ولهذا قال الشاعر:
ومن يفرد الإِخوان فيما ينوبهم... تصبه الليالي مرة وهو مفرد
والشفعة متعارفة في ضم ملك بِيعَ إلى ملكك، والشفاعة في
انضمام إنسان إلى آخر فيما يطلبه، والشفاعة المذكورة.
في نحو قوله: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) هي في الآخرة معروفة
وأما في الدنيا فبأن يهدي الإِنسان غيره، فمن هدى غيره إلى
طريق خير فقد شفع له.
وأصل الكِفل الكَفل، فجعل اسمًا لمركبٍ من خِرَقٍ
وكساءٍ يوضع على الكِفْل، وقد يسمَّى ما يُكْسى العضو
باسمه، كقولهم: يد القميص وبدنُه، ورجل السراويل، والساقُ
والساعدُ لما يُلْبِسُ هذين العضوين، ثم استعير الكفل تارة
إن نبا ركوبه تشبيها بذلك المركب. قال الشاعر:
غير مِيلٍ ولاعواوين في الهَيـ... جا ولا عُزَّل ولا أكْفَالِ
ثم سُمي الفاجر في أي أمر كان كفلا، ولما كان ذلك الكفل
يجعل على قدر الكفل تصور فيه المماثلة، فقيل للمثل في العدد كفل.
فإن قيل: فلم فرق بينهما فقال في الحسنة: (نَصِيبٌ)، وفي السيئة (كِفلٌ)؟
قيل: يجوز أنه لما كان النصيب يقال فيما
يقل ويكثر، والكفل لا يقال إلا في المثل جاء في السيئة بلفظ
الكفل تنبيهًا على معنى المماثلة، وإشارة إلى ما قال: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا).
وقد قيل: الكفل المذكور هاهنا أكثر ما يقال في الشيء الرديء، فنبّه بلفظه على ذلك تنبيهًا على قوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا).
فإن قيل: فقد قال (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ)، وليس ذلك بمذموم؟
قيل: إنه عنى بالكفلين هاهنا أي له كفيلان من رحمته يتكفلان به من العذاب،
فيضَارع اللفظان، والمعنيان مختلفان، ولما حث الله تعالى في الآية
المتقدمة على تكلُّف ما أمر وتحريض المؤمنين، ورجاء الظفر
بالكفار، بين هاهنا أن من أعان غيره في فعل حسن فله نصيب في
ثوابه، وإن أعانه في فعل سيئ فله كفل منه، وذلك عبارة عمّا
بينه النبي - ﷺ - بقوله:
"من سنَّ سُنَّةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها" الخبر.
وقال بعضهم: القصد بذلك أن من يدعو لغيره دعاءً حسنًا
فله فيه نصيب، ومن فعل بخلاف ذلك فكذلك.
قال: والسبب في هذا أن اليهود والمنافقين كانوا إذا دخلوا
على النبي - ﷺ - يقولون: السام عليكم، يوهمون أنهم يقولون:
السلام عليكم، فأنزل الله ذلك، واستدل قائل هذا بقوله تعالى
بعد ذلك: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا).
وقوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا)
قال السدي: المقيت: المقتدر، وأنشد الكسائي فيه:
..................... وكنت على مساءته مقيتا
وقال ابن عباس: الحفيظ، وقوّاه الرجّاج.
وقال مجاهد: الشهيد، ورُوِيَ عنه: الحسيب،
وقال الضحاك: الرازق.
وقال غيرهم: المجازي، وحقيقته الذي يجعل للإِنسان قوتًا.
وفي الحديث: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت "
- ويقيت - كأن الله تعالى يجعل لكل إنسان قوتا من
الجزاء بقدر فعله، ويجعل له في الدنيا والآخرة قدر ما يستوجبه.
وما قالوه فصحيح من حيث المقصد، لأن ما قدّره الله
تعالى للعبد فقد حفظه وشهده.
ورُوِيَ أن رجلًا سأل عبد الله بن رواحة عن المقيت؟
فقال: يقيت كل إنسان بقدر علمه.
كأنه إشارة إلى ما قال عليه الصلاة والسلام:
"إن الله يحاسب عباده بقدر عقولهم ".
قوله عز وجل: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)
التحية: من قولهم حيَّا الله فلانًا، أي جعل له حياة، وذلك
إخبار، ثم يُجعل دعاء، ثم يقال: وحيَّا فلان فلانًا إذا قال له
ذلك، وحكم به، كما يقال: أضللت فلانًا وأرشدته إذا
حكمت له بذلك، وأصل التحية من الحياة، ثم يقال لكل دعاء
تحية، لكون جميعه غير خارج عن كونه حياة، أو سبب حياة.
إما دنيوية وإما أخروية.
إن قيل: علي أي وجه
جعل قولهم: السلام تحية الملتقين؟
قيل: السلام والسِّلم واحد، بدلالة قوله: (فَقَالُوْا سَلَامًا قَالَ سِلْم) (١)
ولما كان الملتقيان من الأجانب قد حذر أحدهما الآخر استعملوا هذه
اللفظة تنبيهًا من المخاطب، أي بذلت لك ذلك وطلبته منك.
ونبه المجيب إذا قال: وعليك السلام. على نحو ذلك، ثم صار
ذلك مستعملًا في الأجانب والأقارب والأعادي والأحباب، تنبيهًا
أني أسأل الله ذلك لك، وأكثر المفسرين حملوا الآية على التحية
المجردة، فقالوا معناه: من حيّاكم بتحية فحيوا بأحسن منها أو
ردّوها أي قابلوه بمثلها، قالوا: ورد ذلك أنه متى قال قائل:
السلام عليكم، فإنه يقول: وعليكم السلام، أو يقول:
وعليكم، فهذا هو ردُّه، ويدلّ أنه إذا قال: وعليكم. فقد رد، أن
رجلًا دخل على عمر فقال: السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته، فقال عمر: وعليكم، فظن الرجل أنه لم يسمع عمر.
(١) هي قراءة حمزة والكسائي.
فأعاد عليه، فأعاد عمر مثل ما قال، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين
ألا ترد عليَّ كما أقول؟
قال: أو لم أفعل؟ وأما أحسن منها فأن يقول له أكثر من ذلك ما لم يستوف المسلِّم ألفاظ التحية، وذلك أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: السلام عليكم فقال النبي - ﷺ -:
"عليكم السلام ورحمة الله ".
ثم أتى آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال - ﷺ -: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ".
فجاء ثالث فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فقال - ﷺ -: "وعليكم ".
فقيل له في ذلك، فقال: "إن الأول والثاني أتيا من التحية شيئًا فرددت عليهما بأحسن مما سلَّما، والثالث حيّاني بالتحية كلِّها فرددت عليه مثلها".
ومن المفسرين من قال له: إن من حيّاكم ببعض التحية
فحيوا بها تامَّة، ومن حياكم بالتحية تامة فردّوا مثلها، ومنهم
من قال: بل خُير كلهم بين الأمرين، وقال قتادة: بأحسن منها
للمسلمين، وبمثلها أهل الكتاب، وهو أن يقال: وعليكم.
وقال ابن عباس: من سلَّم عليك من خلق الله فاردد عليه، وإن
كان مجوسيا.
ومن المفسرين من حمل ذلك على الهدايا واللطف،
وقال: حقّ من تولى شيئًا أن يولِّي مثله وأحسن منه.
ومنهم من قال: السلام هاهنا السِّلْم، وهو أصله، قال: وهذا أمر منه
أن من بذل لكم السلم من الكفار بأن يروم الدخول في الشرع.
فابذلوا له، كقوله: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا).
قال: وأمر بأن يرد على باذِلها مثلها أو أكثر منها.
قال: ومثله أن يبذل له الأمان مما خافه، وأكثر منه أن يبين أن له ما لهم، وعليه ما عليهم من النصرة والموالاة، وذلك مما قد بيّنه في قوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).
قال: وذلك هو الذي بسطه من بعد في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا).
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) أي يحاسبكم
على كل شيء قلَّ أو كثر، فلا تتغافلوا عن صغيرة وكبيرة.
وقول عطاء: حفيظًا، وقول ابن جبير: شهيدًا فإشارة إلى
هذا المعنى، وقيل: (حَسِيبًا) أي كافيًا، من قولهم:
أحسبني هذا الشيء - أي كفاني - حتى قلت حسبي.
ومن قال ذلك جعله من باب: الداعي السميع. أي المسمع،
وفيه (عَطَاءً حِسَابًا) أي كافيًا، والمعنى أن الله يعطي كل
شيء من المعرفة والحفظ والرزق ما يكفيه إذ هو حافظه.
قوله تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)
سمّى يوم القيامة لقوله: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
وقوله: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا).
إن قيل: ما وجه هذه بعد تلك الآية؟
قيل: لمّا أمر المسلمين أن يقبلوا من بذل لهم السلام.
بيّن لهم بهذه الآية أن ذلك حكم للظاهر.
فأما السرائر فإن الله يتولاها يوم القيامة.
تنبيهًا أن الله لا يحب المنافق أن يغتر بهذا.
بل يتحقق أن الله له بالمرصاد.
إن قيل: كيف قاله: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا)
وما كان صدقًا من الحديث لا يتضارب، فيكون من بعض
قائليه أكثر صدقا من قائل آخر؟
قيل: إن الصدق من صفة القائل لا من القول.
والقائلون إذا اعتبروا بأقوالهم فمنهم من يكون
صدقه في أحاديثه أكثر، فكأنه قيل إذا اعتبر الصادقون في أقوالهم
فليس فيهم أكثر صدقًا من الله، فإنه لا يقع في خبره كذب بوجه.
قوله عز وجل: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)
الرَّكسُ والنَّكْسُ: الرَّذلُ، والركس أبلغ، لأن النكس ما جعل
أسفله أعلاه، والركس أصله ما جعل رجيعا بعد أن كان
طعاما فهو كالرجس، وقد وصف أعمالهم به، كما قال تعالى:
(إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ).
ويقال: ركسه وأركسه، وأركس أبلغ، كما أنَّ أسقاه أبلغ من قولهم سقاه.
إن قيل: كيف قال: (فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) فنفى نفيًا مطلقًا، وقد أثبت للكفار سبيلا؟ فقال: (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ).
وقال: (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا)؟
قيل: اسم الجنس إذا أطلق فليس يتناول إلا الصحيح.
ولهذا يقال: لا صلاة إلا بكذا.
وقالوا: فلان ليس برجل. لما كان أخلاق الرجل تتناول للكامل.
فلذلك لا يعد قائل ذلك كاذبًا.
واختلُف في سبب نزول هذه الآية على
أوجه: الأول: قال زيد: هي في الذين تخلَّفوا يوم أحد.
وقالوا: (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ).
الثاني: قال الحسن ومجاهد: هي في قوم قدموا المدينة وأظهروا الإِسلام.
ثم رجعوا إلى مكة فأظهروا الشرك.
الثالث: قال ابن عباس وقتادة: في
قوم أسلموا بمكة، ثم أعانوا المشركين على المسلمين.
الرابع، قال السدي: في قوم بالمدينة أرادوا الخروج منها.
الخامس: قال ابن زيد: في قوم من أهل الإِفك، وما بعده نزل أنه
في شأن الهجرة، وجملة الأمر أن الناس كانوا اختلفوا في فئة
من المنافقين فئتين، أمَّنهم بعضهم ووالاهم بعضهم، فقال
تعالى: ما لكم قد صرتم فئتين مختلفتين فيهم، وقد خذلهم
الله، فبيّن أن لا سبيل لهم بعد أن أضلهم الله، كقوله
تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ).
وقوله: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ)،
قال الحسن: معناه: أتريدون أن تجعلوا لأهل الضلال ما جعله الله
لأهل الهدى.
وقيل: أتريدودن أن تسموهم مهتدين، وقد سمّاهم الله ضالين.
وقيل: أتريدون أن تهدوهم كرهًا وقد جعلهم الله بما اكتسبوه حالاً فحالاً ضالين، وذلك إشارة إلى نحو قوله: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
وقوله: (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ)، وقوله: (وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)
فقد تقدّم أن الله تعالى لما أجرى العادة أن من
تحرى الخير حالاً فحالاً ازداد هداية بسبب ذلك نفسه، إذ كان
فاعل أسباب الشيء قد يقال إنه فاعل للشيء، فإنه هو
أولى بأن يُسمّى فاعلًا، وقد تقدّم الكلام في الهداية والضلال
بما فيه الكفاية.
وانتصاب قوله: (فِئَتَيْنِ) على
الحال عند البصريين، وعلى تقدير (كانوا) عند الكوفيين.
وعلى هذا القولين قولهم: مالك خارجًا؟.
قوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)
الهجرة: ترك الشيء والإعراض عنه مكانًا أو خليطًا، وسُمِّي
القبيح من الكلام هُجْرًا لكونه مقتضيًا لهجره، والرفث
هَاجِرَةً لكونه حاملًا على أن يهجره، وسُمّي المهاجر لتركه
وطنه، وصار اسم مدح في الإِسلام، وسُمّي من رفض فضولات
شهواته مهاجرًا، عنى تعالى أن الذين تقدّم ذكرهم ممن بقوا
بمكة وادعوا الإِسلام أنهم كفار، ويريدون لكم الكفر الذي هم
عليه، ومن أراد لكم الكفر فمحال موالاتهم، فلا تتخذوهم
أولياء حتى يسلموا، ويحققوا إسلامهم بالهجرة، ثم قال:
(فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي إن كشفوا الغطاء فقط صاروا مرتدين، (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)، ولا تكونن بينكم وبيتهم موالاة ونصر بوجه.
إن قيل: فما قائدة قوله: (وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) بعد أن قال: (فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ)؟
قيل: قد قال بعضهم ذلك على التوكيد، والصحيح أن الذين دخلوا في
الإِسلام من الأعراب فرقتان، فرقة هاجروا وفرقة أقاموا.
وبيّن الله تعالى أن من أقام ولم يهاجر فلا ولاء له، إلا أن يستنصروكم
على قومهم فتنصرونهم، وذلك في قوله: (مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) فمنع تعالى عن موالاتهم بقوله:
(فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ) كما منع بتلك الآية، ولم يمنعهم من
نصرتهم، ثم بيّن أنهم إن تولوا، أي ارتدوا عما أظهروه من
الإِسلام، وكشفوا الغطاء بالكفر، فلا يجوز أن توالوهم، ولا أن
تنصروهم بوجه.
قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)
الحصر: حبس في ضيق، وعبّر عن البخل والجبن لانحصار النفس.
وكذلك عبر عنهما بضيق الصدر وعن ضدهما بسعة الصدر.
وبالبر المشتق عن البر أي السعة، والحصور الممنوع
عن الجماع بحبس شهوته، وعن الشراب بحبس ماله لبخله.
وفي اتصال هذه الآية بما قبلها وحكمتها صعوبة، ووجه ذلك
أنه لما أمر تعالى الناس فيما تقدم بالهجرة، ونهى عن موالاة من
تأخر، استثنى بهذه الآية من يحصل له إحدى حالتين؛ إما أن
يصلوا إلى قوم بينهم وبين النبي - ﷺ -
عهد لتعذر لحوقهم به، فيقيموا إلى وقت الإِمكان به؛ وإما أن يهاجروا ويأتوا النبي - ﷺ - والمسلمين
فتحصر صدورهم أن يقاتلوا المسلمين لعلمهم بكونهم على الحق.
وأن يقاتلوا قومهم لكونهم غير آمنين على مالهم وذويهم، فهذا
معنى قوله: (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ).
وقوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ) إظهار من الله تعالى لنعمته
على المسلمين وأنه لو لم يهدهم لكانوا في جملة المتسلطين عليكم.
ثم بيّن أنهم إذ قد اعتزلوا وأظهروا الإِسلام فاتركوهم؛ فهذا
على ما ذكر هذا القائل هم الذين أسلموا ولم يستحكم إيمانهم،
ولم يبلغوا الحدَّ الذي لا يحرجون في نصرة الدين إلى أهلٍ.
وقال قتادة - وقد رُوِيَ عن ابن عباس: - أن قوله:
(إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ) هو في قوم من الكفار
اعتزلوا المسلمين يوم فتح مكة فلم يكونوا من الكافرين.
ولا مع المسلمين، قال: وهذا معنى (أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ)
قال: ثم نسخ ذلك بآية القتال، والقول الأول أظهر وأحسن.
وقوله: (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) في موضع الحال عند الفرّاء.
قال: وتقديره قد حصرت صدورهم، وتقوَّى ذلك بقراءة الحسن
(أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَةً صُدُورُهُمْ)، وقال بعضهم:
هو خبر بعد خبر، كأنه قيل: أو حصرت صدورهم.
وقال الجرجاني في كتاب النظم: تقديره: وإن (جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) فحذف إن.
قال: والفعل الماضي يقع في الشرط موقع المستقبل.
وفيما ادعاه إضمار إن عُهدة، فما أرى أهل اللغة يطابقونه عليه.
وقال المبرد: هو دعاء عليهم، وردّ
ذلك أبو علي الفسوي، وقال: قد أُمرنا أن نقول:
"اللهم أوقع بين الكفار العداوة والبغضاء".
فلا يجوز أن يُحمل على الدعاء، فيكون في قوله: (أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ)
نفي ما اقتضاه دعاء المسلمين عليهم.
وهذا القول من المبرد، ومن الرادِّ عليه مبني على أن الآية في الكفار على ما تقدّم من القول الثاني فيه.
ولقائل أن يقول: كما يجوز أن يُدعى عليهم بإيقاع العداوة.
يجوز أن يدعى عليهم بأن يجعلهم الله حيث لا يقاتلون أعداءهم
ولا قومهم، ويكون ذلك سؤالاً لموتهم، ويدلك على جواز
ذلك أنه لو جمع بين المقاتلين لم يمتنع، فكأن يقال: أوقع بينهم
العداوة والبغضاء، وأوهن كيدهم، واجعلهم بحيث لا يقاتلون
المسلمين ولا بعضهم بعضا، على أن قوله (قَوْمَهُمْ) قد يُعبّر به
عمن ليس منهم، بل هم من معاديهم كقولك: فلان صاحبك
وهم قومك، أي المناصبون لك.
قوله تعالى: (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)
الركس والرجسُ يتقاربان، لكن الرجس الحس.
وقيل: ركسه وركزه بمعنى؛ إلا أن الركس يقال في مكروه.
وقيل: الفتنة هاهنا الكفر، وقيل: الاختبار، والسلطان: الحجة
والبطش، وقد تقدّم حقيقته.
والآية قيل: نزلت في نعيم بن مسعود، وكان ينقل حديث النبي - ﷺ - إلى كفار مكة.
وقال ابن عباس: نزلت في قبيلتي أسد وغطفان)،
وقال قتادة: في حيٍّ من تهامة، وجملة الأمر أنه لمّا ذكر فيما تقدم من له
عذر بأحد الأمرين اللذين ذكرهما، ذكر هاهنا فرقة لا عذر لهم
كانوا يظهرون الإِسلام ثم يرجعون إلى عبادة اِلأصنام، كمن
ذكرهم في قوله: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ)، فذكر (فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ)، ويطلبوا
بدخولهم الإِسلام، ويكُفوا أيديهم عنكم، فقد أُبيح لكم
قتلهم، وقد جعل الله لكم عليهم حجة بما بينه.
وقوله: (كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ) أي إذا ردوا إلى الكفر عادوا إليه فتنجّسوا به.
وقيل: إذا رُدّوا إلى الاختبار أي الإِسلام وجدوا يركسون
فيها، ويكون قوله: (أُرْكِسُوا) وجدوا كقولهم: أُحمدُوا
وأُذِمُّوأ، وقيل: الفتنة الاختبار إنما أريد به ما قصد بقوله:
(الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ).
ومعناه أنه إذا نالتهم محنة ارتدوا، كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ) الآية.
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)
إن قيل: هل يجوز أن يقتل المؤمن خطأ حتى قال:
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً)؟
قيل: إن قولك يجوز أو لا يجوز. إنما يقال في الأفعال الاختيارية المقصودة، فأما الخطأ فلا يقال فيه ذلك.
وقولك: ما كان لك أن تفعل كذا، وقولك: ما كنت لتفعل كذا متقاربان، وهما تعليلان بمعنى، وإن كان أكثر ما يقال للأول لما كان الإِحجام عنه من قبل نفسه، ويدلّ على أنه قد يقال: ما كان لك أن تفعل كذا - لمِا ذكرنا - قوله: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ)، لأن معناه: ما كان لله ليتخذ ولدا
في أنه لا نهي، وعلى هذا قوله: (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا).
فقوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا) أي ما كان المؤمن ليقتل مؤمنا إلا خطأ، وهذا ظاهر، وهذا المعنى أراد من قال معناه: ما ينبغي للمؤمن أن يقتل مؤمنًا متعمدًا، ولكن يقع ذلك منه خطأ.
وكذا من قال: ليس في حكم الله أن يقتل المؤمن مؤمنا إلا خطأ.
وقال الأصم: معناه ليس القتل لمؤمنٍ بمتروك لا يقتص له إلا
أن يكون قتله خطأ، وهذا يرجع إلى الأول.
وقول بعض النحويين: إن هذا استثناء خارج فليس على التقدير الذي
ذكرناه، كذلك، بل هو واجب، وذكر على بن موسى القمّي
أن معنى ذلك: ليس للمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا أن يراه في دار
الحرب، فيظنه كافرا فيقتله خطأ، فيكون الخطأ راجعًا إلى القاتل
في كونه غير عالٍم بحال المقتول، وأما من قال: معنى (إِلَّا خَطَأً) ولا خطأ، واستدلاله بقول الشاعر:
وكلّ أخ مفارقه أخوه... لعَمْرُ أبيك إلا الفَرْقَدانِ
أي: ولا الفرقدان، فذلك تشبيه فيه ما أرى أن محققي
النحويين يوافقونه.
وقيل: الخطأ في الأصل على وجوه، منها:
أن يقع بلا قصد من القاتل إلى القتل، ولا إلى الإِتيان به بوجه.
كمن سقط من يده شيء فأصاب نفسه فقتله، ومنها أن يقصد
ْإصابة الشيء غير المقتول، فاتفق إصابته فقتله، كمن يرمي صيدًا
فأصاب إنسانًا فقتله، أو يقصده ولكن لا بسلاح يقتل مثله، أو
يقصده بسلاح لكن لا يريد قتله، أو يقصده بسلاح ويريد قتله
لكن لا يعلمه محظور القتل، كمن يرمي مسلمًا في صف المشركين.
أو يقصده بسلاح ويريد قتله لا في دار الحرب، لكن القاصد غير
مكلف كالصبي والمجنون، وكل ذلك يقال له: قتل الخطأ، لكن
لذلك تعارف في الشرع هو المُراعى، وقد وبيّن ذلك في كتب الفقه.
والرقبة المؤمنة: أن يكون مولودًا في دار الإِسلام صغيرًا كان أو
كبيرًا، أو سباه من دار الحرب مسلم قبل البلوغ، أو أسلم بعد
البلوغ، وهذا الإِيمان هو الإِسلام، دون كمال الإِيمان المتقدّم
ذكره في غير هذا الموضع.
قال الحسن: ما في القرآن مؤمنة فلا يجزئ إلا من صام وصلى وحسن إسلامه، وما عدا ذلك فيجزئ فيه الصغير والكبير.
وقال إبراهيم: لا يجزئ في ذلك إلا البالغ.
وقدر الدية مختلف فيه والمفزع فيه إلى السنة.
وظاهر الآية يقتضي شيئًا مقدرًا.
والتتابع في صيام الشهرين مشروط، والظاهر
أن ما لا يمكن الاحتراز منه لا يبطل التتابع كالحيض والمرض
الطارئ والإِغماء، وأما مصادفة الأيام التي حُظر فيها الصوم
كيوم العيد، وأيام التشريق، والإِفطار في السفر، أو الشهر الذي
يستحق صومه بالشرع كشهر رمضان، فإن ذلك يقطع التتابع.
ويوجب الاستئناف، وحكي عن مسروق أن (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ) عنى من لم يجد الدية والرقبة، وسائر أهل العلم بخلافه.
فالدية حق الآدميين، والكفارة حق
الله، فلا تنوب إحداهما عن الأخرى.
وقال الأصمّ: ظاهر الكتاب يدل على أن الدية تلزم القاتل.
لأنه قال: (فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) فعطفها على الكفارة.
ومعناه: عليه ذلك.
وإنما بيّن النبي - ﷺ - أن دية الخطأ تتحمل العاقلة عن
القاتل على سبيل المواساة، لا أنه نسخ الكتاب بالسنة.
وقوله: (إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) أي: يعفوا عن الدية، فجعل العفو
عنها صدقة منهم، تنبيهًا على فضيلة العفو وحثا عليه، وأنه جار
مجرى الصدقة في استحقاق الثواب الآجل به دون طلب العوض
العاجل، وهذا حكم من قُتل في دار الإِسلام خطأ.
وقوله:
(فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) أي من أهل
الحرب في الدار والمعركة، وفي فقد التمييز لا في معنى القرابة.
ولا فرق بين أن يكون مسلمًا دخل دار الحرب، أو أسلم هناك ولم
يهاجر.
وقيل: قد دخل في ذلك من أسلم في دار الإِسلام من
المشركين ولم يعلم القاتل به.
وخبر الحارث يدلّ على ذلك، لأنه قتل بالمدينة وقد كان أسلم.
وقيل: إنما أسقط الدية فيه إذا كان أولياؤه كفارًا وهو مؤمن.
فإن ديته راجعة إلى المؤمنين
فلا معنى لإِلزامهم.
وقوله: (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ)
أي كان المقتول خطأ من قوم كذلك.
واختلفوا هل الإِيمان شرط فيه؟
فقال الحسن ومالك: هو شرط، تقديره: إن كان المقتول خطأ مؤمنًا.
قال مالك: ولا كفارة في قتل الذمي.
ومنهم من قال: الآية واردة فيمن
كان بينه وبين النبي - ﷺ - عهد فْاسلم.
ثم قتله مسلم من غير حرب، قالوا: وكان هذا في زمن الرسول
- ﷺ -، فأما بعد فقد أمروا بقتالهم.
ومنهم من قال: عنى بالميثاق الذمة إما بالعهد أو الاستئمان.
والظاهر أن كل قَتْل في عهد جائز بين المسلمين ففيه الدية والكفارة.
وتعلق هذه الآية بما قبلها هو أنه لما ذكر فيما قبلها حُكم من أسلم فمنعه عذر من مقابلة أعداء المسلمين، وحُكم من لم يسلم، وإنما يريد أن يَسْلَمَ على
الفريقين، فأمر في الأولى بالتجافي وفي الثانية بقتلهم، بيّن هاهنا
خطر قتل المؤمنين، وجعلهم صنفين: مقتولاً خطأ، ومقتولاً
عمدًا. فبيّن حكم الخطأ وجعل المقتولين ثلاثة أصناف على ما
فسرناه، ثم بيّن حكم قتل العمد، فقال تعالى:
(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)
العمد: فعل الشيء عن إرادة واختيار، ويضاده الخطأ.
وصفة قتل العمد أن يقصده بحديدة أو حجر يقتل غالبًا، أو توبع
عليه بخنق أو بسوط فتوالى عليه حتى يموت.
والآية قيل نزلت في رجل فقده الكفار، وذاك أنه خرج في سرية
فنزلوا ماء، فخرج من أصحابه عليه السلام رجل فحمل عليه فقتله.
وقيل: هي في رجل رآه أخوه مقتولاً في بني النجار،
فشكا إلى النبي - ﷺ - فأمر أن تُدفع إليه الدية فدفعت
إليه، ثم حَمَل على مسلم فقتله فهرب إلى مكة، ولا خلاف بين
عامة المسلمين أن التائب يخرج من هذا الحكم، وقد روي عن
النبي - ﷺ - أن رجلًا جاء فقال: هل للقاتل توبة؟
فقال: "نعم ".
ثم جاءه آخر فسأله عن ذلك، فقال: "لا توبة له "، فراجعه بعض
أصحابه في ذلك، فقال: "إن الأول كان قد قتل فكرهت أن
أؤيسه من رحمة الله، فيتملّكه الشيطان فيهلكه، وأما الثاني فرأيته
عازمًا على قتل رجل اعتمادًا على أن يتوب من بعد، فكرهت أن
يمني عزيمته ".
وأهل الوعيد يجرون الآية على العموم، ويخصصون به قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).
ومخالفوهم يخصصون قوله: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) بقوله:
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) الآية، ويجرون تلك على العموم.
والمفزع لمن يريد تحقيق ذلك إلى غير الآيتين، والله أعلم.
وقد تقدّم أن القصد بغضبه تعالى إلى إنزال عقابه.
دون تغيّر حال يعتري ذاته تعالى الله عن التغيّرات.
ولعنته في الدنيا: إبعاده من لَعَنَهُ عن الصفات النفيسة التي
يتخصص به أولياؤه، وفي الآخرة عقابه وتبعيده عن ثوابه.
قوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)
قرئت: (تثبتوا) و (تبينوا)، وقيل: التبيُّن أبلغ؛ لأنه قل ما يكون إلا بعد التثبُّت، وقد يكون التثبُّت
ولا تبين، وقد قُوبل بالعجلة في قولهم: التبيُّن من الله، والعجلة
من الشيطان فتبينوا، وقُرِئ (السَّلَم) و (السلام).
والسلام قيل: التحية، وقيل: الاستسلام.
والسَّلَم والسِّلْم: الصلح.
وقيل: هو بمعنى الإِسلام، ويقال للصلح: السلم، فلا يكون مرادًا هاهنا، لأن المسلم مخيّر إذا طلب الكافر منه السلم بين أن يبذله له، وبين أن يمنعه، ورُوِيَ أنه خرج مقداد في سريته فمر برجل في غُنَيِمات، فقال: إني مسلم.
فلم يلتفت إلى قوله، فقتله وأخذ غنيماته، فلما رجع إلى النبي - ﷺ - أنكره، فقال: "هلَّا شققت عن قلبه ".
والآية تدل على أن المجتهد في مسائل الاجتهاد معذور، ولولا ذلك لما قارَّه النبي - ﷺ -.
وقرأ أبو جعفر: (لست مَأْمنًا) أي مبذولاً له الأمان.
قوله عز وجل: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)
الدرجة معروفة، ومنها أدرجت الكتاب: طويته طيًّا
يشبه الإِدراج، و (غير) يوصف به النكرة، وما فيه الألف
واللام إذا دلّ على الجنس، وقد يُستثنى
به، فإذا قُرِئ منصوبًا فعلى الاستثناء أو على الحال، وإذا
جُرّ فصفة للمؤمنين، وإذا رُفع فصفة للقاعدين.
والضرر: اسم عام لكل ما يضر بالإِنسان في بدنه ونفسه.
وعلى سبيل الكفاية عبّر عن الأعمى بالضرير.
فإن قيل: كيف يصحُّ حمله على الأمراض "النفسية.
وقد قال في ذم الكفار: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)؟
قيل: إن الذي عذرهم الله تعالى فيه هو ما لم يكن الإِنسان نفسه سببه.
وما ذموا به فهو المرض، أي الجهل الذي يكون هو سبب استجلابه من ترك إصغائه إلى
الحق، وإهمال نفسه من العادات الجميلة.
ولذلك قال ابن عباس أولي الضرر: هم أهل العذر، فعمَّم.
وقد ذكر عامة ما أجمله هاهنا في قوله: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ) الآية.
إن قيل: لم كرر الفضل وأوجب في الأول درجة، وفي الثاني درجات.
وقيدها بقوله: (منهُ)، وجعل معها المغفرة والرحمة؟
قيل: في ذلك أجوبة: الأول:
أنه عنى بالدرجة ما يؤتيه في الدنيا من الغنيمة، ومن السرور بالظفر وجميل الذكر، وبالثاني ما يخولهم في الآخرة، ونبه بإفراد الأول، وجمع الثاتي أن ثواب الدنيا في جنب ثواب الآخرة يسير.
والثاني: أن المجاهدين في ثواب الدنيا يتساوون فيما يتناولونه، كمن يأخذ سلب مقتوله، وكتساوي نصيب كل واحد من الفرسان، ونصيب كل واحد من الرجالة، وهم في الآخرة يتفاوتون بحسب إيمانهم، فلهم درجات
حسب استحقاقه، ومنهم من يكون له الغفران، ومنهم من تكون له
الرحمة فقط، وكأن الرحمة أدنى المنازل، والمغفرة فوق الرحمة، ثم بعده
الدرجات على الطبقات، وعلى هذا نبه بقو له: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ).
ومنازل الآخرة تتفاوت، وقد نبّه على ذلك بنحو قوله:
(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ) إلى قوله: (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ). والثالث: أن الجهاد جهادان: صغير وكبير.
فالصغير مجاهدة الكفار، والكبير مجاهدة النفس، وعلى ذلك دلّ
قوله عليه الصلاة والسلام: "رجعنا من جهاد الأصغر إلى جهاد
الأكبر ".
وبقوله: "جهادك هواك".
وإنما كان مجاهدة النفس أعظم، لأن من جاهد
نفسه فقد جاهد الدنيا، ومن غلب الدنيا هان عليه مجاهدة العدى.
فخص بمجاهدة النفس بالدرجات تعظيمًا لها.
والرابع: أن الأول عنى به الجهاد بالمال، والثاني الجهاد بالنفس.
إن قيل: لِمَ ذكر مع الدرجات المغفرة والرحمة معًا؟ وما الفرق بينهما؟
قيل: إن المغفرة تُقال اعتبارًا بإزالة الذنوب، والرحمة تقال اعتبارًا بإيجاب التوبة، وإدخال الجنة،
والدرجات هي: المنازل الرفيعة بعد إدخال الجنة.
وقيل: إن الرحمة هي: أن يتوب عليه أمن، الذنب وإن كان بعد تبكيت
وعقاب، والمغفرة هي: أن يستر ذنوبه فلا تبكيت به.
والدرجات: هو أن يجعل لكل واحد درجة بقدر ما يليق به.
وهي المعبرة عنها بالغرفات، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
"إن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض.
أعدّ الله أعلاها للمجاهدين في سبيله "، فقال رجل: ما الدرجة؟
فقال عليه الصلاة والسلام: "أما إنها ليست بعتبة".
(١) تمام الحديث: أما إنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام.
(النسائي. ٦/ ٢٧) كتاب الجهاد، باب ثواب من رمى بسهم في سبيل الله.
إن قيل: كيف قال: (وكلًّا وعد الله الحسنى) والكفار من جملة الكل؟
قيل: إن كلًّا هاهنا لم تتناول إلا من تقدّم ذكره من المؤمنين والمجاهدين
والقاعدين.
قوله: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)
(تَوَفَّاهُمُ) قيل: هو ماض، وقيل: تقديره تتوفاهم الملائكة.
وذلك في وصف قوم أظهروا الإِسلام ولم يهاجروا.
بل كثروا سواد المشركين يوم بدر فقتلوا،
فادعوا لما سألهم الملائكة الذين توفُوهم أنهم كانوا مستضعفين.
فكذبهم الله، وقيل: هم الذين نهى عن موالاتهم بقوله:
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا)
إن قيل: كيف لم يعذرهم لما اعتذروا بالاستضعاف وقد قال
من قبل: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ)؟
قيل: لأنهم كذبوا في دعواهم، والذين عذرهم هم الذين سلبهم الله القوى والقدرة، أو لم يعطهم ذلك كالصبي.
وقال بعض المحققين: ظلم النفس في الحقيقة هو التقصير في تهذيبها وسياستها المذكورة في قوله: (وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) وذلك أن كل إنسان
سائسُ نفسِه، فمتى لم يوف حق السياسة
فقد ظلمها ظلم الوالي رعيته، قال: وخاطب بذلك من أعطاه
القوة ومكّنه أن يبلغ الدرجات الرفيعة، فرضي لنفسه بأخس
منزلة، وكذبهم فيما ادعوه من استضعافهم تنبيهًا أن من أمكنه
استفادة ما به يقدر فهو في حكم القادر فلا يعذر، ثم استثنى
الأصناف الثلاثة فقال: (فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ)
فذكر لفظ عسى لئلا يركنوا كل الركون، وليكونوا ممن قال
فيهم: (وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ).
وقوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا)
أَخَّر ذكر الغفران إذ هو أبلغ، وقد تقدّم أن
الوصفين إذا اجتمعا يقدمّ الأعم ويؤخر الأخص، تنبيه
على أن مثل هذه الصفة ليست على وجه المطابقة، واعتبارًا
لحصول المعفو عنه والمغفور له، بل ذلك له على وجه أشرف من
ذلك، والله أعلم.
قوله عز وجل: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)
المُرَاغَم: المتحَرَّكُ إما من الرغام أي التراب.
وقيل: هو من رغم أنفه إذا غضب.
والمراد به قريب من قول الشاعر:
إذا كنت في دار يهينك أهلها... ولم تك ممنوعًا بها فتحول
وقيل: نزل ذلك في رجل من بني ضمرة كان مريضًا.
فقال: أخرجوني، فأشرف في الطريق، وقيل: إنه أخذ يمينه
بشماله وقال: قد بايعتك يارسول الله، فبين تعالى أن
المهاجر وإن لم يبلغ المقصد فله بذلك ثواب، وكذا من نوى
خيرًا وعاقه عائق عن إتمامه.
قوله عز وجل: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)
الضرب في الأرض من قولهم: ضرب العرق ضربًا.
إذا أسرع التحرك، والفتنة: المحنة وذلك يشتبه.
لذلك استعمل في القتل والإِحراق، ولأجل عمومها قال:
(وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)، لأن الفتنة قد تكون قتلًا، وما هو أعظم من
القتل)، وأهل الحجاز يقولون: فتنته، وأهل نجد يقولون:
افتنته ففتن فتونًا.
قال أبو عبيدة يقال: قصرت الصلاة
وقَصَّرتها وأقيصرتها.
والعدو يقال للوا حد وللجمع، كقوله: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي)
واشترط في القصر السفر والخوف.
وقيل: إنه لما سأل عمر رضي الله عنه النبي - ﷺ -:
ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ قال:
"صدقة تصدق الله عليكم بها، فاقبلوا صدقته ".
والقصر: قيل: عنى به الهيئات وأن صلاة المسافر ركعتان
تامتان، وذلك عن عمر وعائشة، وقيل: عنى قصر الركعات
عمَّا عليه في الحضر، قال ابن عباس وجابر: إن صلاة الحضر
أربع، والسفر ركعتان، والخوف ركعة، والضرب في الأرض
بعضهم يجعله على التعارف، ويعتبره بما يسمى سفرًا.
ولا خلاف أن الخارج إلى قرية بظاهر البلد لا يجوز له القصر.
وبعضهم قيده بمسيرة ثلاثة أيام بناء على تحديد مسح المسافر
وتحريم سفر المرأة بغير ذي محرم، وبعضهم حده بثمانية وأربعين ميلًا، اعتبارًا بسفر النبي عليه الصلاة والسلام.
وظاهر الآية يقتضي أن لا فرق بين الحج والجهاد وغيره من
الأسفار، ولا بين المطيع والعاصي.
قوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)
قد علَّمنا تعالى كيف نصلِّي صلاة الخوف، فظاهر الآية يقتضي
ما قال ابن عباس: إن الإِمام يلي بكل فرقة صلاة تامة، وهم
يصلُون صلاتهم) في سائر الأوقات.
وقيل: كانت الرخصة في
ذلك للنبي - ﷺ - فقط لفضل الجماعة معه.
ومذهب عامة الفقهاء على خلاف ذلك، وكيفية صلاة الخوف، والخلاف فيها مبينة في كتب الفقه.
وقال من يذهب إلى وجوب الجماعة: إن في شرع صلاة الخوف تنبيهًا على وجوب الجماعة،
وقيل: في صلاة الخوف تنبيه على أن العمل القليل لا يبطل الصلاة.
وأن تأخير أداء الصلاة عن وقتها لا يجوز، وأن إقامة الصلاة
كانت إلى النبي - ﷺ - مادام فيهم.
ونبَّه تعالى بقوله: (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) بما لأجله أمر بتناول الأسلحة للتحرُّز، وأن في حال المرض والمطر يجوز وضع الأسلحة.
قوله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)
قيل: إن قوله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ)، وارد في صلاة المريض.
والآية تقتضي غير ذلك، لأنه قال: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ).
اللهم إلا أن يقول قائل ذلك: هو مثل قوله: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) أي إذا أردت قراءة القرآن.
وقيل: هو حثٌّ على ذكر الله تسبيحًا وتعظيمًا، كقوله: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ.
وقوله: (مَوْقُوتًا) أي مؤدىً في أوقاته،
وقيل: منجمًا في أوقاته، قال ابن عباس في هذه الآية وفي
قوله: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)
إن الآيتين متضمّنتمان لأوقات الصلاة مجملة، وأن السنة شرحتها.
قوله تعالى: (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)
لمّا كان بناء الكلام على فرض الجهاد، وكان ذكر الصلاة
كالاعتراض عاد إلى ما كان في ذكره، فقال: (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ) والوهن: ضعف مع فتور)، وعاتبهم، فكأنه قال:
إذا تساويتم في الألم وزدتم عليهم في أن حصل لكم من الرجاء ما
لم يحصل لهم، وعرفتم كون الله عليمًا بما يفعلونه حكيمًا فيما
أمركم به فأمْرُكم إذًا أعلى، فيجب أن تكون قلوبكم أقوى.
والآية يقاربها قول الشاعر وإن كان هي أبلغ:
قاتلي القوم يا خُزاع ولا يَدْ... خُلْكُم من قتالهم فشلُ
القوم أمثالكم لهم شعر في الْـ... رأس لا ينشرون إن قتلوا
قوله تعالي: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)
قيل: نزل ذلك في أنصاري سرق درعًا لعمه، فاتهُم بها فَرُئِي
في دار يهودي فأوهم القوم أن اليهودي سرقها، فأعان قوم من
المسلمين هذا الأنصاري، فاعتمد النبي - ﷺ - قولهم، فأطلعه الله على الأمر، وعاتبه، وأمر بالاستغفار مما همّ به.
قال ابن بحر: يجوز أن تكون هذه الآية راجعة إلى قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا)
فبيّن أنهم مع إظهارهم الإِيمان بما أنزل على الأنبياء يصدّون عمّا
يُدعون إليه من حكم الكتاب.
قال: ومعنى (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) راجع إلى قوله: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا)، فنهى عن حسن الظن بأمثالهم، ونهى في هذه الآية عن الدفع عنهم.
قوله تعالى: (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)
أعاد النهي عن الذب عنهم بقوله: (وَلَا تُجَادِلْ)
والمجادلة: المقاتلة، من قولهم: جدلت الخيل، وقيل: المنازعة من الإِلقاء
على الجدالة والجدال المطلق مذموم، ولهذا لم يطلقه للنبي - ﷺ - حتى قيّده، قال: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).
والاختيان: افتعال من الخيانة، واختيانهم أنفسهم
جعلهم إياها خائنة بما يفعلونه، كقولك: ظلم نفسه.
إن قيل: لم خصَّ لفظ الخوَّان بنفي المحبة عنه، وهو لا يحب الخائن أيضا؟
وقيل: تخصيصه هاهنا تعريض بهم، وتعظيم لفعلهم.
وتنبيه أن من يتحرى خيانة ولا يستمر عليها فهو مُعرّض أن يقلع
فيحبه، ومتى استمر عليها صار مطبوعًا على قلبه، لا يقلع
فتُرجى له المحبة، فإذًا الخائن قد يكون محبوبًا على وجه.
والخوان لا يكون محبوباً بوجه.
وقوله تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ)
أي الخونة أبدًا يسترون على أنفسهم خيانتهم، لكون قبحها مركوزًا في
نفوسهم، ونبّه أنهم إن ستروها على الناس فليست تستتر على الله.
وأنهم لنقصهم وجهلهم بالله يراعون الناس أكثر
من مراعاتهم لعظمة الله، وإلى نحو هذا أشار النبي
عليه الصلاة والسلام بقوله:
"استحيوا من الله كما تستحيون من أحدكم ".
وهذا قريب من قوله: (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) الآية.
وقوله: (وَهُوَ مَعَهُمْ) نحو (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ).
قال ابن مسعود: من صلى صلاة عند الناس لا يُصلّي مثلها إذا خلى فقد استهان بالله. ثم تلا هذه الآية.
قوله عز وجل: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)
خاطب الذَّابِّين عن هذا الخائن، ونبه أنكم وإن اعتقدتم
الذَّبَّ عنه في الدنيا وستر خيانته، فالشأن في يوم القيامة عند من
لا تخفى عليه خافية، وحيث لا ينفع إلا من أتى الله بقلب سليم.
ومن فسّر الوكيل بالكفيل فتفسير عام بخاص، فإن الكفيل
وكيل ما، وليس كل وكيل كفيلًا.
قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)
عامل السوء وظالم النفس وإن كانا يعودان إلى معنى واحد،
فذكرهما اعتبارًا بحالتين، وقيل: عمل السوء إشارة إلى فعل
الصغائر، وظلم النفس إلى الكبائر.
وقوله: (ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ) راجع إليه دون الأول.
فكأنه قيل: من فعل صغيرة أو استغفر من كبيرة يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا. وقيل: عمل الإِساءة ما يُفعل بالغير، وظلم النفس ما يختصُ به الإِنسان من ذنب لا يتعداه.
وقد تقدم الكلام في السوء والسيئات، ومقابلتهما بالحسنات.
قوله عز وجل: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)
الأصل في الاكتساب ما يجرّ به نفع، فاستعاره لما يجلب ضرًّا.
تنبيهاً أن صاحبه يقدر فيما تحراه أنه يكسب خيرًا وهو يكسب
شرًّا، ونحوه معنى قوله: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا).
وقوله: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا.
ونبَّه بقوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) على نحو
قوله: (يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ).
قوله تعالى: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)
عنى بالخطيئة ما لا يكون عن عمد، وبالإثم ما كان عن
عمد، ونبّه أن من رمى بأحدهما بريئًا فهو في استحقاق العقاب
سواء، وإن كان في ارتكاب أحدهما بخلاف الآخر.
وبيَّن أنه يحصل له بذلك معاقبة مرتكب البهتان، ومعاقبة مرتكب الإِثم.
وذلك تعظيم لنسبة الإِنسان ما ارتكبه إلى غيره عمدًا كان أو خطأ.
قال ابن بحر: إن ذلك يرجع إلى المنافقين الذين حكى
(وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ)، فقال تعالى في رده (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا).
وقال تعالى في آل عمر ان: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ)، فبين بالآيتين أن الذي أصابهم عقوبة لما كان منهم، وأنه عفا عنهم، وبين هاهنا أن من
أضاف ما أصابه من سوء في متوجهاته إلى النبي فقد أتى ببهتان وإثم.
قوله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)
كان همّهم أن يضلوه بشهادتهم للأنصاري أنه برئ مما قرن
به، ومسألتهم إياه أن يقوم بعذره، وقد تقدَّم الكلام في
الفرق بين الكلام والحكمة.
وذكر ابن بحر وجهين:
أحدهما: لولا فضل الله بما أنزله من الكتاب والحكمة لهّم
الكافرون بإضلاله وإدخاله معهم في عبادة الأصنام، لكن لما هداه
صاروا لا يضلونه، بل يضلون أنفسهم.
والثاني: أن الإِضلال عبارة عن الإِهلاك، كقول الشاعر:
فآب مضلوه بخمر جلبه... وغودر بالحولان حزم وقائل
أي لولا أن الله حرسك لهمَّ طائفة بإهلاكك، وما يهلكون بما
يفعلون إلا أنفسهم بما يكسبون لها من العذاب الدائم.
إن قيل: قد كانوا همُّوا بذلك فكيف قال: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ)؟
قيل: في ذلك جوابان:
أحدها: أن القوم كانوا مسلمين، ولم يهموا بإضلال النبي - ﷺ -، فقد كان عندهم على الصواب.
والثاني: أن القصد إلى نفي تأثير ما همُّوا به كقولك: فلان شتمك، وأهانك، لولا أني تداركت، تنبيهًا أن أثر فعله لم يظهر.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الجزء الرابع
الكتاب: تفسير الراغب الأصفهاني
(من الآية ١١٤ من سورة النساء - وحتى آخر سورة المائدة)
تحقيق ودراسة: د. هند بنت محمد بن زاهد سردار
الناشر: كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
الطبعة الأولى: ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
عدد الأجزاء: ٢
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قوله تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)
يقال: لكل ما يستحسنه العقل ويعترف به معروف، ولكل ما يستقبحه وينكره منكر، ووجه ذلك أنَّ الله ركز في العقول معرفة الخير والشر وإليها أشار بقوله: (صِبْغَةَ اللَّهِ) و (فِطرَتَ اللَّهِ) وعلى ذلك البر: ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، واطمئنانها إليه لمعرفتها به.
والنجوى: تقال للحديث الذي تفرد به اثنان فصاعداً أو للقوم المتنلجين،
قوله تعالى: (وَإِذْ هُمْ نَجْوَى) وأصل ذلك من النَّجْوه، والنَّجَاةُ:
أي الخلاص منها لكون الملتجي إليها ناجياً عن السبيل ويقال: هو في مضية
وتلفة من النوب، ولما كان المتناجيان كثيراً ما ينتبذان في نجوة، قيل انتجيا
والنجا السرعة كقولهم: ارتفع في المسير ونجوت الجلد، لقولهم: رفعت عنه
الجلد، وإذا جعل النجوى للقوم فمَنْ مجرور على البدل أومنصوب على
الاستثناء، وإن جعلتها للحديث فتقديره: لا نجوى من أمر بصدقة، ولما كان
التناجى مكروهاً في الأصل حتى قال: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ) صار ذلك من الأفعال التي تقبح ما لم يقصد به وجه محمود
كالمكر والخديعة، فبيّن تعالى أن النجوى لا تحسنُ ما لم تخص بها هذه الوجوه
المستثناه.
فإن قيل: فهاهنا أفعال أخر تَحْسن فلم خص هذه الثلاثة؟
قيل هذه الثلاثة متضمنة للأفعال الحسنة كلها وذلك أنه نبه بالصدقة على الأفعال الواجبة وخص الصدقة لكونها أكثر نفعا في إيصال الخير إلى الغير، ونبه بالمعروف على النوافل التي هى الإحسان والتفضل وبالإصلاح بين الناس على سياستهم
وما يؤدي إلى نظم كلهم وإيقاع الألفة بينهم، ذلك أفضل الأفعال لقول النبي - ﷺ -: " ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة، قيل بلى يا رسول الله، قال: صلاح ذات البين ".
فإن قيل: فلم خص مَن أمر بهذه الأشياء دون من تولاها بنفسه وتوليها أبلغ من الأمر بها؟
قيل: في ضمن ذلك توليها، وذاك أنه إذا كان الآمر بالمعروف يستحق الحمد فمتوليه معلوم أنه مستحق لذلك، فكأنه قيل إن من تولي ذلك وآمن به، ونبه بقوله:
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) أن أفعال الخير يستحق بها
الأجر العظيم إذا قصد بها وجه الله، لا أن يفعل رياء وسمعة واستجلاب منفعة أو محمدة من الناس، ووصف الأجر بالعظيم تنببهًا على حقارة ما يفوت في جنبه من أعراض الدنيا.
قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)
الشق: القطع طولا ومنه استعير
الاشتقاق، وشق العصا وشق عليه الأمر كقولهم مشقة الأمر، وشق كرددت
عصاه، ومشاقة الرسول أن يصير في شق غير شقة كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) أي يصيرون في حد غير حده، وذلك
أشبه بالاعتقاد والديانة، وأصل الصلا الملازمة، ومنه الصلاة للدعاء ومن أجله قول النبي - ﷺ -: (ايصلوا يا ذا الجلال والإكرام) أي الزموا مراعاة ذلك،
والصلا: ملازمة قرب النار للاصطلاء بها فجعل عبارة عن ملازمتها للعذاب
، والصلوان العرقان المكتنفان لجانبي الوركين، يجوز أنه اعتبر فيهما الاصطلاء
كتسمية اليد والرجل المصطلى، والآية قيل: نزلت في سارق الدرع حيث
أظهر النبي - ﷺ - حاله فأنكر وكذب، وقيل: في طعمة بن الأبيرق لما عبد الأوثان، ولما ذكر قيل: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ)
ذكر هنا من عمل ذلك ولم يستغفر، وعظم تعالى من يشاقق
الرسول بعد ما تبين الحق له، وعلى هذا قال بعض الحكماء: صغائر الأولياء
أعظم من كبائر العامة، وذاك أنه لا يعذر العالم فيما يرتكبه كما يعذر الجاهل.
فإن قيل ولم كان العالم أكبر جرماً؟
قيل: لأن من لا يعرف الحق يستحق العقوبة بترك المعرفة، لأن العمل لا يلزمه حتى يعرفه أو يعرف من يصدقه، والعالم يستحق بترك معرفته وترك استعماله، فإذن هو أعظم جرما.
وقصد تعالى بقوله: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ) أن من لم يتبين له
الهدى فقد جعل الله له نورًا يهديه، ومن صار معاندًا قطع عنه التوفيق وتركه
هو وهواه، وانقطاع التوفيق هو المعنيُ باللعن والطرد وإليه أشار الشاعر
بقوله: -
إذاَ لمْ يَكُنْ عَونٌ مِنَ الله للفتَى فَأكْثَرُ ماَ يَجني عَلَيْه اجْتهَادَهُ
وبين بقوله: (وَسَاءَتْ مَصِيرًا) عظم حالها في العقاب، واستدل
بالآية على ثبوت الإجماع، وقيل: إن الله عظّم وعيد من يتبع غيرسبيل
المؤمنين " ولا حجة في ذلك لأن المراد بقوله (الْمُؤْمِنِينَ) الإيمان لا ذويه،
فكل موصوف بوصف علق به حكم نحو أن يقال: اسلك سبيل الصائمين والمصلين، يعني بذلك الحث على الاقتداء بهم في الصلاة والصيام، لا في فعل
آخر، فكما إذا قيل سبيل المؤمنين يعني به سبيلهم في الإيمان لا غير.
قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)
إن قيل: لِم لَمْ يشترط فيه التوبة؟
قيل: إن المشرك إنما يلزمه الاسم ما دام يلزمه الوصف، فإذا زال
وصفه زال اسم الشرك عنه، فإذا كان كذلك، فالمشرك ما دام مشركا لا يغفر له، ومن تاب زال عنه اسم الشرك، فإذا التائب الذي يغفر له ليس هو المشرك، بل هو المؤمن في الحقيقة، ومن أطلق عليه اسم المشرك فعلى اعتبار الماضي، وقوله: (أَن يُشرَكَ بِهِ) موضعه النصب، كأنه قال: لا يغفر الشرك، وقيل: لا يغفر من أجل أن يشرك به، أي لا يغفر من أجل الشرك شيئا من
الذنوب تنبيهًا، أن الذنوب قد تغتفر مع انتفاء الشرك، كما قال: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)، وقوله: (ضَلَالًا بَعِيدًا)
فقد تقدم أن الحق والصواب والعدالة وغيرها من وجوه البر تجري مجرى
النقطة من الدائرة ومجرى المقرطس من المريء، وأن ما عداه كله باطل
وضلالٌ، لكن منه ما هو قريب ومنه ما هو بعيد، كما أن العدول عن المقرطس قد يكون قريبا، وقد يكون بعيداً، كذلك العدول عن الحق يكون قريباً وبعيداً، ولهذا قيل: سمى الله ذنوب الأنبياء، وفجور الكفار حميعاًالضلال، وإن كان بينهما بونٌ بعيدٌ، ولما كان كذلك وكان أفظع الضلال الشرك بالله، نبه بقوله: (ضَلَالًا بَعِيدًا) أن الشرك إذا اعتبر بسائر الضلالات، فهو أكبرهن وأعظمهن، فإن متحريه قد يضل عن الطريق المستقيم ضلالا يصعب رجوعه إليه، فإن مرتكب الذنب الصغير يجري مجرى الضال عن الطريق القريب يرجى عوده إليه، ومن قال إن هذه الآية مجمله، فإنه يجب أن يبني على قوله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) وإن بناء هذه على تلك يقتضي أن
يغفر ما دونها من الصغائر، فهذا تشبيه منه وترك للظاهر، فإنه تعالى بيَّن أنه
لا يغفر الشرك، وأنه يغفر ما دون الشرك لكن منهم المغفور له، وعلق بمشيئته فظاهره يقتضي أن الشرك لا يغفر لا محاله، لكن الشبهة في أعيان المغفور لهم الا في الذنب المغفور وهذا ظاهر.
قوله تعالى: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠).
من المفسرين، من اعتبر التأنيث ها هنا في اللفظ دون المعنى، وقال: لما كان اسم معبوداتهم مؤنثة نحو اللات، والعزى ونحو الملائكة، سماها مؤنثاً تسميتهم الأذنين والخصيتين والأنثيين، حتى قال الشاعر:
............... ضَرَبْناهُ تَحت الأنثيْين على الكَرْدِ
أي وتحت الأذنين.
وقال آخر:
ومَا ذَكَرٌ فإنْ تَسْمَنُ فأُنثى شديدٌ الأذَم لَيْسَ له بذي ضُرُوسُ
وعني بذلك القُراد لأنه ما دام صغيراً يقال له القراد، وذلك لفظ مذكر،
وإذا كبر يقال له يقاريد، وذلك لفظ مؤنث، فجعله مؤنثاً مذكر، ومنهم من اعتبر التأنيث من حيث المعنى وقال: الموجودات بإضافة بعضها إلى بعض ثلاثة أضرب: فاعل غير منفعل وذلك هو الباري تعالى فقط، ومنفعل غير فاعل وذلك هو للجمادات، ومنفعل من وجه فاعل من وجه هو الإنسان، فإنه بالإضافة إلى الله منفعل وبالإضافة إلى مصنوعاته فاعل، وعلى هذا الوجه
مذاهب العرب في التأنيث والتذكير فقالوا: الواحدي ذكر واحدة أنثى،
قال: وقد علم أن أكثر ما عبده العرب من الأصنام كانت أشياء منفعلة غير
فاعلة، فبكتهم الله تعالى أنهم مع كونهم فاعلين من وجه يعبدون ما ليس هو إلا منفعلاً من كل وجه، وعلى هذا نبه إبراهيم بقوله: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)
وقول السلف: يقتضي الأمرين فقد اتفق: أبو مالك والسدي
وابن زيد (الإناث اللات والعزى) وقال: ابن عباس والحسن
وقتادة: هي الأموات، وهذا القول يقتضي أنهم اعتبروا التأنيث في المعنى
وقال الضحاك: هي الملائكة لزعمهم أنها بنات الله، وقرأ ابن عباس (إلا
أُنُثَا) أي وثناً، وهى جمع الوثن، والمارد، والمريد الذي لا يعلق بشيء من
الفضائل، و (صَرحٌ ممَرَّدٌ). أي مملس لا يعلق به شيء لملاسته، وشجرة مرداء اعتبارًا بتعريها عن الورق، وغلام أمرد لتعريه عن الشعر، تعرى
الشجر عن الورق.
إن قيل: كيف قال: - (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا) ثم قال: (وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا) فاقتضى نفي ما أثبت؟
قيل: ليس في ذلك نفيٌ فإن دعاء هم للأوثان دعاؤهم للشيطان،
وكل باطل قال له تارة الشيطان، وتارة الهوى، وتارة الصنم، لما كانت هذه
الأشياء متلازمة ومتشاركة في أنها تدعو إلى باطل، ولما كان عبادة الشيطان في نفوسهم قطعية، تبين لهم أن ما تدعونه وتزعمونه أنكم تقصدون به عبادة الله، وتقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) وتقصدون
به الشيطان، ثم قال: (لَعَنَهُ اللَّهُ) التفاتاً، وصرف الكلام إلى وصف
الشيطان، وقوله: (لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ) وذلك إما حكاية عما
أورده نطقاً، أو عما أتاه فعلا، ً فيكون نحو:
امتلأ الحوض وقال قطني................
ومعنى قوله: (مَفْرُوضًا) معلوما مقسوما، وقيل: مقطوعا
منهم، وهم الذين سباهم الشيطان، ووصفهم بقوله: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) والبتك: القطع على سبيل التفريق، وبتك الآذان؟
قيل:
هو الذي كانوا يفعلونه بالبحيرة، روي ذلك عن السدي، وقتادة، وعكرمة: وقيل: فيه إشارة إلى كل ما جعله الله كاملا بفطرته، فجعله
الإنسان ناقصا بسوء تدبره، وذاك أن الإنسان بالقوة مخلوق خلقة كاملة، قد رشحه الله أن يزكي نفسه ومن دساها فقد خسسها، وتغيير خلق الله هو أن كل ما أوجده الله لفضيلة فاستعان الإنسان به في رذيلة فقد غير خلقه، وقد دخل في عمومه جعل الله للإنسان من شهوة للجماع، ليكون سببا للتناسل على وجه غصوص فاستعان به في السفاح واللواط، وذلك تغيير خلق الله تعالى، وكذا المخنث إذا نتف لحيته وتقنع تشبهًا بالنساء، والفتاة إذا ترجلت متشبة بالفتيان، ودخل في عمومه أيضا كل ما حلله الله تعالى فحرموه، أو حرمه فحللوه، وعلى ذلك قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)
وإلى هذه الجملة أشار المفسرون، وقد روى عن الحمن أنه قال: هو تغيير أحكام الله، ومن قال مرة: هو الوشم إشارة إلى
ضرب التغيرات ليتبين به الغرض.
وكذا من قال بالخصاء، قول: (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)
لفظه خبر ومعناه نهي، وقوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ) فموالاة الإنسان غيره تكون على وجهين:
أحدهما: أن يقصد موالاته، والثاني: أن لا يقصد موالاته، لكن يقع منه ما
يرجع إلى صاحبه نفع فهو مواليه فعلا وإن لم يكن مواليه قصدا، وعلى هذا
المعاداة فقد يعادي الإنسان غيره قصدا، وقد يقصد موالاته لكن يقع منه ما
يرجع إليه ضرره فهو معاد له فعلا، وإن لم يكن معاد له قصدا، وعلى هذا
(إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ)
فاتخاذ الإنسان الشيطان مولى هو على الوجه الثاني، فإن الإنسان لا يقصد بفعله موالاة الشيطان.
فإن قيل: كيف قال: (مِنْ دُونِ اللَّهِ) واتخاذ الشيطان
وليا مع الله مذموم، كاتخاذه من دون الله؟
قيل: لم يقصد بالآية هذا المقصد، وإنما أريد من ترك تحري موالاة، وفعل ما أدى به إلى موالاة الشيطان، فخسرانه ظاهر لا يتكتم على ذي بصيرة، وقوله: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ) تحذير، وهذا الوعد من الشيطان تارة بالإرادات الودية، والخواطر الفاسدة، حسب ما ذُكر في كتاب الذريعة إلى مكارم الشريعة، وتارة بلسان أولياء الشيطان، وسبب إمكان وصول ذلك إليه كون القوة المفكرة عمياء من تدبر نور الله، وقد تقدم الكلام في حقيقة الأمنية، وأما سبب الحسد، والنميمة، والظلم، وسائر الرذائل، والغرور: إظهار ما تعذر، من ظاهره فيه نفع، وأصله: الأثر الظاهر من الشيء لشيء غره حسنه مخالفة باطنه، ومن هذه سمى الدنيا
غرورا، فبين أن الشيطان لا يعدهم إلا الدنيا وزخارفها، وقد قال تعالى:
(وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ)
قوله تعالى: (أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)
المحيص: المَعْدِلُ عَلى سبيل الهرب، بيّن أن هؤلاء صاروا في أسر الشيطان، وكما لم يتفكروا من مولاته في الدنيا، لم يتفكروا من مصاحبته في مقره في
الآخرة، كما قال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ).
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)
قد تقدم الكلام في نحوه، فبين أنه قد وعد بذلك في غير موضع من كتاب، بل في غير كتاب، وإذا كان هذا وعده، والوعد ضرب من القيل، وقد ثبت أنه أصدق قيلاً، فإذًا هو أصدق وعدا، ونحوه (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا)
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ).
وقوله تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)
قد تقدم الكلام في حقَيقة الأمنية، ولما كان
أكثر ذلك قولا صادرا عن تخمين، لا عن تحقيق، جعل عما تخمن، قال الضحاك: كما أخذ كل فرقة تقول قولاً لا على مقتضى العلم.
كما قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ) الآية.
(وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) وقوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ) وخاطبهم مستجهلا لهم، كما روى:
" ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل). وقوله تعالى: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)
قال الحسن وابن زيد: هو في الكفار لأنهم مؤاخذون بصغائرهم وكبائرهم،
وقيل: هي الكبائر، وقيل: هو عام في جميع الناس، فإن من حصل منه سيء
جوزي به إما في الدنيا وإما في الآخرة، وقد روي أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر رضي الله عنه: (فمن ينجوا مع هذا يا رسول الله؟
فقال عليه الصلاة والسلام: أما تحزن أما تمرض، أما يصيبك
اللأواء، قال: بلى يا رسول الله، قال: هو ذاك "
وقد روي: " أن الأمراض تمحيص "
وكما أنه نبه أن شيئا من السيئات لا يبقى غير مجازى
به أيضا، وذكر الذكر والأنثى على التوكيد، وقيل: نبه بذكرهما، على سبيل المثل للسايس، والمسوس فيسمى المسوس أنثى، كما سماها الله تعالى زوجا، في قوله: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ)، ونبه بقوله:
(وَلَا يُظلَمُونَ نَقِيرًا)، أنهم كانوا جوزوا بالشر فإنهم يجازون
بالخير، فإنهم إن لم يجازوا بذلك فقد ظلموا ظلما عظيما، والله تعالى متره عن صغير الظلم فكيف عن كبيره.
إن قيل: لم أطلق في الأول فقال: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)، وقيد في الثاني فقال: (مُؤمِنٌ)؟
قيل: تنبيها أن عمل السوء يضر على كل حال، وأن يجزى للصالحات لا اعتداد به إلا مضامة الإيمان.
قوله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)
الدين، والملة، والإسلام واحد من وجه، لكن يقال باعتبارات مختلفة، فإن
الدين: هو الانقياد للحق وذلك معتبر بالعبد، والملة: القود إلى الحق من أمللت عليه الكتاب، وذلك معتبر بالله تعالى، وعلى نحوه قالوا: (فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)، وقال ابن بحر: هو أن يعدوَ الذئب على
شيء ضربا من العدو، فجعله اسما معتبرا أيضا بالعبد كالدين، وكأنه من نحو
قوله: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ)، وقوله قال:
(وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)، والأول هو الوجه، والإسلام: يقال للإسلام
الحق والدخول في السلم والسلامة من جهة الله تعالى، والحنيفى؟
قيل: هو
المستقيم الطريقه، ومنه الأحنف: للمايل الرجل على سبيل التفاؤل، وقيل
حنف أي: مال، وسمى إبراهيم حنيفا من حيث مال عما عليه جمهور قومه
من المذاهب الباطلة، ولهذا قال تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا)، ونبه بقوله (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أن عدوله عنهم
لم يكن على وجه مذموم، وإسلام الوجه لله الإخلاص للعبادة، كما قال
تعالى: (وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ) والذي مدح به إبراهيم عليه الصلاة
والسلام هاهنا هو الذي حكى عنه، في قوله عنه: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وهذا هو الإخلاص الذي هو أعظم مرتبة الإيمان
، كالمذكور في قوله عليه الصلاة والسلام (الإيمان بضع وسبعون درجة)،
ومتحروا هذه المترلة هم المستثنون في قوله: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦).
بين تعالى في هذه الآية أن تمام حسن الانقياد لله
الإخلاص له مع الإحسان، أي تعاطي مكارم الشريعة فضلا عن الأحكام التي
هي العدالة، وقيل: معنى (وَهُوَ مُحْسِنٌ) أي: حسن أن يسلم وجهه لله
، منبها على فضيلة العلم، ونبه بلفظ الاستحسان في قوله: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا) أن ذلك غاية ما يبلغه قوة البشر، ثم قال: - (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) أي إذا فعل هذا فقد اتبعه، وتخصيصه أن كلا من الأمم
ادعى على ملة إبراهيم، فبين أنه بهذا يصير على ملته، وقيل معنى:
(وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) أي: إذا فعل ذلك فقد قام مقام إبراهيم
واستحق ما استحقه، (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) أي: إنما
اصطفاه لما كان فيه لا لحاجة إليه فلله ما في السموات وما في الأرض،
تنبيها على أنه غني عن عباده ومالك محيط بكل شيء، والواو في قوله: (وَلِلَّهِ) واو الحال، وإن كان كثيرًا تصوره أنه كلام مستأنف.
إن قيل: كيف أعاد ذكر إبراهيم ولم يقل واتخذه؟
قيل: لما كان ذلك كلاما مستأنفا، كان إعادة
ذكره أفحم، وأَدَلُ على موضع المدح، قال أبو القاسم البلخي: الخليل
من الخُلَّة أي الفقر لا من الخلة، قال ومن قاسه بالحبيب فقد أخطأ، لأن الله
تعالى يجوز أن يحب عبده فالمحبة منه هي الثناء، ولا يجوز أن يخاله ما ليس بجنسه
، وهذا منه تشبيه لحقيقة موضوع المحبة لا يصح عليه كما لا يصح عليه الخلة
، فإن الخلة من تملك الود نفسه وخالطه، كقولهم: تمازح روحنا، ولهذا قال:
قَدْ تَخَلَلْتُ مَسْلَكَ الروح منّي وبذا سُمِّيَ الخَليلُ خليلا
والمحبة: البلوغ بالود إلى حبة القلب، من قولهم: حبيته أي أصبت حبة
قلبه، نحو فأدته ورأسته، ومنكر أن يقال: حبيتُ الله، أو حبني الله، فإذا جاز في أبلغ اللفظ الاستعارة ففيما دونه أولى على معنى الثناء، كما ذكر أبو على أو علي معنى الاصطفاء، كما ذكر غيره.
قوله عز وجل: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)
قوله: (وَمَا يُتْلَى)؟
قيل: هو استئناف، على تقدير: ما يتلى عليكم بين لكم، وقيل: هو معطوف على الله أي: يفتيكم الله، ويفتيكم
ما يتلى عليكم، وقد تقدم في صدر الكتاب، أن فعلا واحدا يصح أن ينسب إلى فاعلين باعتبارات مختلفة.
فالإشارة بذلك إلى قوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى)، وإلى - قوله: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ)
وذلك أنه بين بالآيتين حكم المستفئ فيه، بسبب نزول الآية
أن عيينة بن حصن أتى النبي - ﷺ - فقال:
(أخبرنا أنك تعطي الصبي المال وتعطي الابنة النصف والأخت النصف وإنما كنا نورث من يشهد القتال ويحوز الغنيمة، فقال عليه الصلاة والسلام: كذلك)، فأنزل الله تعالى الآية.
قوله: (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ)؟
قيل: تقدير: في أن تنكحوهن،
وقيل: عن أن تنكحوهن، قال أبو عبيدة: كلا التقديرين يصح
لأنك تقول: رغبت أن أصحبك، في معنيين، وكانوا يرغبون في الحسان من
اليتامى فيتزوجوهن، وعن القباح فيعضلوهن ماكتب الله لهن؟
قيل: المهر، وقيل: الإرث، الذي لها ومن أجله يرغبون فيها أو يعضلونها، استدل من الآية
على أنه يجوز التزوج اليتيمة الصغيرة، وأنه يجوز أن يزوجها غير الأب والجد.
ولا دلالة في الآية، لأنه قال: (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) وذلك بلا
استقبال، ولم يذكر في الآية من نزوجها، ومن يزوجها، ولا قصد الآية إلى ذلك فبين حكمه فيها.
قوله تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)
النشوز: أصله من النًّشْزِ، وهو كالطموح، وأكثر ما يستعمل في بغض المرأة الرجل، والأظهر هاهنا أنه بغض الرجل للمرأة، ويحتمل أنها إن خافت أن ينشز عليها البعل، لإعادة غيرها عليها، فأباح تعالى أن يتصالحا على ترك بعض حقها، قال ابن عباس: هي أنها تكون قد طعنت في السن يرى الزوج استبدال غيرها بها، فتقول أرضي منك بغير نفقة، أو بغير قسمة،
وقيل: نزلت في سودة، وكانت قد وهبت
يومها لعائشة.
فإن قيل: لم قال: (أَوْ إِعْرَاضًا) والنشوز منطًوً عًلًى ذلك؟
قيل: الإعراض أعم، فبين أن لا فرق من أن يكون النشوز، أو ما دون
النشوز، ثم قال (وَالصّلحُ خَير)؟
قيل: خير من النشوز، وقيل: خير من
الفرقة، والأجود أن يكون ذلك عاما فيهما، وفي غيرهما، فإن الناس مدعوون إلى التآلف، والتحاب، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام:
" لا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا "،
وكل موضع يمكن فيه الصلح أحرى بالصلاح على ما يقتضيه العقل والشرع، فالصلح خير، فصار ذلك اعتراضا عاماً، تنبيهاً أن هذا الموضع منه فهو اذُن خير، وكذا قوله
(وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) اعتراضا، تنبيها على ما في ذات الإنسان، والشح أبلغ من البخل إذ هو غريزة.
فإن قيل: فلم ذم إذا الإنسان عليه؟
قيل: ذم الإنسان إنما هو باتباعه بأكثر مما يجب، كما يذم باتباع الشهوة ووجوده في الإنسان محمود لوجود الشهوة، واتباعه هو المكروه،
ولهذا قال عليه الصلاة والسلام (ثلاث مهلكات شح مطاع)
فذم طاعة الشح لا ذاته ثم حرض على الإحسان والتقوى وضمن أنه يجازي بها، بقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).
قوله تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)
نبه تعالى على قصور الإنسان عن تحري العدالة بين نسائه، وأن يحرص على
تحريها سيما في الحب، ونهى عن كل الميل عن واحدة فتكون معلقة لا زوجا
مطلقة ولا ذات بعل، لا بعضه، نبه الله تعالى على صعوبة تحري الحق، وأن
الإنسان إذا لم يستطع العدل بينه وبين امرأته مع أن حقها معلوم، فكيف يستطيع أن يعدل بينه وبين رب العزة ونعمه لا تحصى، وحقوقه لا تستقصى، كما قال تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (استقيموا ولن تحصوا)،
ثم قال: (وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا) أي: إن تحريتم الصلاح، واستجملتم التقوى بقدر وسعكم، فهو ما كان منكم.
فإن قيل: إذا كان الله لا يكلف إلا الوسع، وقد حكم أنكم لا تستطيعون
أن تعدلوا، فلا ذنب فيما لا يستطاع، فكيف يغفر ذلك والغفران لا يكون إلا لذنب؟
قيل: الإنسان وإن كان لا يستطيع أن يعدل بين نسائه، فإنه يمكنه أن
يحترز من ذلك بأن لا يتزوج بعدة منهن، وكل ما دخل فيما لا يستطيعه فهو
مأخوذ بدخوله فيه، كمن شرب فسكر، ثم جنى جناية، فإنه مأخوذ بجنايته، لما كان هو سبب سكره، وروى أن النبي - ﷺ - كان يقول (اللهم إني أعدل فيما أعدل واستغفرك فيما لا أملك)،
وكان يطوف بين نسائه ليقسم بينهن، ثم استأذهن أن تمرضه عائشة.
قوله تعالى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)
هوكقوله: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) وقولهم: إن لم يكن
وفاق فطلاق، كما أن لهما أن يصالحا بالوفاق، وبين أنه وإن خلقهم، خلقهم يضطر كل واحد منهما إلى صاحبه، فقد أغنى كل واحد منهما عن الآخر يبدل له آخر، فهذا معنى الغنى، وفيه أيضا إشارة إلى الغنى المالي،
وقد روي عن الحسن بن علي أنه كان طلق زوجته، فقيل: له في ذلك، فقال: إني رأيت الله تعالى علق على الأمرين غنى، فقال تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ) الآية، وقال: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ)
والواسع: عام في الغنى، والقدرة، والعلم، وعقبه بالحكم، منبها أن السعة ما لم يكن معها الحكمة، والعلم، كان إلى الفساد أقرب منها إلى الصلاح.
قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)
لما قال (يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ)، نبه على قدرته على ذلك بقوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، وسلاه عما يفوته من أغراض الدنيا، بالاعتماد عليه تعالى، وأكد ما قدمه من الأمر بالإصلاح بقوله تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) تنبهًا أنه لم يزل يوصي بفعل الخير، وبين أن ذلك لرحمته لا لحاجته فهو غني وقوله تعالى: (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)،
راجع إلى قوله: (يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا) أي: توكلت بكفايتكم، وكفى به وكيلا، وأعاد قوله: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) ثلاث مرات لثلاثة معانٍ:
الأول: تسلية للإنسان عما فاته، والثاني: أن وصيته لرحمته لا لحاجته وأنهم إن كفروا به لا يضروه شيئاً، والثالث: دلالة على كونه غنيًا.
قوله عز وجل: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)
أي: هو غني عن خلقه، ومع غناه قادر على
إفناء قوم والإتيان بآخرين، كما قال: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ)
وكما قال: (وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ)
قال: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩)،
ويقال لما نزلت الآية ضرب يده عليه الصلاة والسلام على ظهر سلمان
وقال: (فمن قوم هذا).
وقوله: (يُذْهِبْكُمْ) على هذا ليس يشير إلى الأعيان فقط، بل إلى الأنواع الذين هم العرب والعجم.
قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)
لما بيَّن أن
له ما في السموات وما في الأرض.
بين أنه يعطي منهما ما يشاء من يشاء فثواب
الدنيا يرجع إلى ملك الآخرة، وهو الغنيمة وغيرها، من الأغراض الدنيوية
وثواب الآخرة يرجع إلى ملك السموات وهو الثواب الأخروي، ونبه أن كليهما منه كقوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ) الآية، وكقوله: (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) الآية،
وبين بقوله: (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) أنه عارف بالأغراض، والمقاصد، فهو يجازي كلا بحسب مقصده فالأعمال بالنيات،
ونبه أيضا أنه يؤتي كل واحد من أغراض الدنيا ما يراه أصلح له، كما قال: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ)
وفي قوله: (فَضْلُ اللَّهِ) ثواب الدنيا والآخرة تبكيت
للإنسان حيث اقتصر على أدق السؤالين، مع كون المسؤول مالكا له ولا أشرف منه، وحث على أن يطلب منه ما هو أعلى، وأفضل من مطلوبه، وأن من طلب خسيسا مع أنه يمكنه أن يطلب نفيسا فهو دنيء الهمة. قوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)
أمر تعالى كل إنسان مراعاة العدالة،
ونبه بلفظ (قوامين) على أن ذلك لا يكفي مرة ومرتين،
بل يجب أن يكون على الدوام، فالأمور الدينية لا اعتبار لها ما لم تكن على الدوام، ومن عدل مرة ومرتين لا يكون في الحقيقة عادلاً وبين أن العدالة التامة أن يكون حكم الإنسان على نفسه، وذويه، كحكمه على الأجانب، وإلى ذلك أشار النبي - ﷺ - بقوله: (أن تريد لأخيك ما تريد لنفسك)، ونبه على أنه لا يجب أن ينتفع من إيجاب
الحقوق محاباة لفقر من عليه الحق، أو ميلا لغئ غني فالله أرأف بعباده، وقوله:
(وَلَو عَلَى أَنفُسِكُم) حث على إقامة الشهادة على نفسه بالإقرار، وعلى
دونه، ونحوه قوله: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ونص بعض الناس أن ذلك شهادة لهم، وقال: في صدر الإسلام كانت تقبل شهادة الإنسان لأبيه، ثم نسخ، وليست الآية تقضي إلا إقامة الشهادة عليهم لا لهم وذلك مقبول بكل حال، ونهي عن إلزام الحق والتزامه اتباعاً للهو ى، وتقدير: (أَنْ تَعْدِلُوا) كراهية أن تعدلو، وقيل:
لا تتبعوا الهوى لتعدلوا، أي: لتكونوا في اتباعكم عدولا، تنبيها أن اتباع الهوى وتحري العدالة متنافيان لا يجتمعان،
قوله -: (وَإِنْ تَلْوُوا) إشارة إلى التكبر عن قول الحق، نحو قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ) الآية، وإنما قال بهما وأنت تقول رأيت زيدا أو عمرا فأكرمته، ولا تقول فأكرمتهما، فإن الإكرام يتعلق بأحدهما، والآية تتعلق بالناس كلهم غنيهم وفقيرهم، وجعلهم شهداء لله تعظيما لمراعاة العدالة وأنه بالحفظ لها يصير من شهداء الله، وانتصابها على الحال لقوله:
(قَوَّامِينَ) أو صفة لها أو يكون قوامين حالا، وشهداء خبر كان، ومن
قرأ (تلوه) فمن ولي يلي، كأنه قال: (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) ومن قرأ (تلووا) فقد قيل: جعله من الَلي، أي: المطل، وفي ذلك مخاطبة لمن عليه الحق في ترك المطل، وللحاكم إذا تقدم
إليه الخصمان أن لا يدفع الطالب عنه حقه، والشاهدان لا يمتنع بالشهادة لهم
قوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)
قيل: معناه يا أيها الذين آمنوا بمحمد أديموا الإيمان، وقيل: معناه يا أيها الذين آمنوا بالأنبياء، قبل محمد آمنوا بمحمد،
وقال الزجاج: خاطب بذلك المنافقين الذين أظهروا الإيمان، وتقديره: على
ما قال أن الإيمان ضربان: ضرب: هو يحكم به في الظاهر، وهو الإتيان
بالشهادتين والتزام أحكام الشريعة، وهو الذي يُحصِّن دم الإنسان وماله إلا بحقه، وضرب: هو التخصص بحقائقه التي اقتضاها، قوله:
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا)،
وقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)، وقد
بينت في مكارم الشريعة أن الإيمان كما قال عليه الصلاة والسلام: (اثنان
وسجون درجة)، وبينت القانون الذي اقتضى ذلك، وأن تلك المراتب بعضها على بعض، فالإنسان إلى أن يصل في آخر درجة منها مأمور بالترقي إلى ما فوق منزلته، فالآية خطاب يتوجه على كافة المؤمنين أن يترقوا في تلك الدرجات، وقد ذكر تعالى في هذه الآية ما هو الإيمان الاعتقادي، وذلك الخمسة، وذلك هو الإيمان بالله وبالملائكة والكتاب والرسول واليوم الآخر، وهي المذكورات في خبر جبريل عليه الصلاة والسلام (حيث أتى النبي عليه الصلاة والسلام في صورة أعرابي فقال له: ما الإيمان؟) وذكر أن الكفر بهذا هو الضلال البعيد، فنبه أن
الانسلاخ من الهداية والضلال الذي قلما يرجي عود صاحبه، وقد ذكرت كيفية الضلال عن - الطريق في مكارم الشريعة.
قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)
قال قتادة: يعني أهل الكتابيين اليهود، آمنوا بموسى ثم كفروا بمن عداه، والنصارى آمنوا بعيسى وكفروا بمن عداه، ثم ازدادوا كلهم كفرا بمحمد، وقيل: آمنوا. بموسى ثم كفروا به لأنهم لم يؤمنوا
بعده بعده فهم في حكم من لم يؤمن، وقال مجاهد: هو في المنافقين المذكورين
في قوله: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)
وقيل: هي في الذين قال فيهم: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)،
ولم يرد أنهم آمنوا مرتين وكفروا مرتين وإنما ذلك إشارة إلى أحوال كثيرة، كقولك: فلان فعل ثم امتنع إلى هذا كان دأبه،
وقيل: كما أن الإنسان يندرج إلى غاية الفضائل ثلاث درجات، وهو أن
يحصل في أولها، ثم في أوسطها، ثم في منتهاها، كذلك يتضلع في الرذائل ثلاث درجات، ولذلك جعل الله له ثلاث عقوبات الرَّين والغشاوة والطبع، ومن
ترك الإيمان مرة بعد مرة، ثم ازداد تماديا في الغي، فقد صار من الذين وصفهم بقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)، ثم قال: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، فبين تعالى أن من انتهى في الغي إلى هذا المنزل فقد صار بحيث لا يتوب، وإذا لم يتب لم يغفر له ولا ليهديه إذ هو لا يهتدي لكونه مطبوعا على قلبه لما ارتكبه،
وقال بعض الفقهاء: إن المرتد تقبل توبته سار
بالكفر أولم يُسر، لأنه جعلهم مؤمنين بعد دخولهم في الكفر.
قوله تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)
العِّزةُ: حالة مانعة للإنسان من أن يغلب، وهو من قولهم أرض عزاز أي صلبة، وتعزز اللحم اشتد
وعزَّ كأنه حصل في عزاز يصعب الوصول إليه، كقولهم: تظلف كأنه حصل
في ظلف من الأرض، وعزز المطر الأرض صلبها، وشاة عزوز قل درُّها،
والبشارة: الخبر الذي ظهر أثره في بشر الوجه، وأكثر ما يستعمل في
السرور، ويجوز أن يكون في مثل هذا الموضع رد إلى أصله، كالطرب الذي هو خفة من الفرح والترح في الأصل ثم كثر في الفرح، فرد الشاعر إلى أصله في قوله:
ويجوز أنه استعمل للبشارة، في ضده على سبيل التهكم،
نحو قول الشاعر:
.................. تحية بينهم ضربٌ وجِيعُ
ووصف المنافقين بأنهم موالون الكفار كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ) الآية، ثم قال: (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ) تنبيها أن لا عزة لهم وإنما العزة لله ولرسوله والمؤمنين، فقد ذكر من منه العزة ومن جُعل له العزة في الأولى، ذكر من منه العزة فقط دون من جعلت له، ونفى ذلك عن الكفار تنبيها أنه وإن حصل لهم حوله
تسميتها الجهلة عزا فليس ذلك في الحقيقة بعز إذا اعتبرت الحقايق.
قوله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)
منع تعالى المؤمنين من مجالسة من قصده العناد والهزؤ، وليس
له قصد إلى حماع الصدق ولا نية رجاء أن يسخر بلى حق، فأما من رجي أن
يقلع عن رأيه فجائز مجالسته بل واجب، ولهذا قال الحسن: إنا كنا إذا
رأينا باطلا تركناه حتى لا يسرع ذلك في ديننا،
وقول ابن عباس: لمن يجوز أن يقعد معهم بوجه حتى نزل قوله تعالى:
(وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) نسخ ذلك، فليس يقصد حقيقة النسخ، وإنما يعني أن الآية كانت تحمل على العموم، فعلم بهذه الآية تخصيصها وأنه يجوز مجالستهم إذا رجي منهم رشدا، ولا يجوز فيما يؤدي بهم إلى فساد
ولهذا قال تعالى: (فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)
ونبه بقوله: (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) على أًن الاستماع إلى الباطل مكروه، كما أن التفوه به مكروه، وبهذا ألم الشاعر فقال:
وأراني طَرباً في إثرهم طَرَبَ الوَالِهِ أو المُخْتَبَل
سَمعُكَ صُنْ عَنْ سَمَاع القُبْح كَصون اللسان عن اللَّفظِ بهِ
والسامع للذم شريك له والمطعم للمأكول كالآكل. ونحو الآية قوله
تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) وبين أن المنافق الذي يظهر بلسانه الإيمان
دون قلبه، والكافر الذي يصرح بالكفر هما سيّان في استحقاق النار، فإن
الاعتبار بإخلاص النية كما قال عليه الصلاة والسلام: (ولكل امرئ ما نوى).
قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)
الاستحواذ: الاستيلاء، وأصله من استحوذ البعير على الأتان، إذا استولى على حاذيها أي جانبي ظهرها، ويقال: استحاذ، وهو القياس، وقد جعل تعالى ما للمؤمنين فتحا، وما للكافرين نصيبا، تنبيها أن الذي حصل للكافرين هو من الدُّولة من أهل الدنيا، وذمهم لأنهم يراوون الفريقين، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (شر الناس ذو الوجهين يلقى هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه)،
ومن هذا قيل: إن ذا الوجهين خليق أن لا يكون عند الله وجها،
وقوله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا)
فإن أمير المؤمنين جعله معتبرا بقوله تعالى: (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وقيل: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) في القيامة
وقال غيره: لن يجعل الله له سبيلا في الفتح، الذي جعله للمؤمنين لا في
النصيب الذي قد يجعله للكافرين من الأغراض الدنيوية،
وقال السدي: السبيل الحجة لم يجعل ذلك للكافرين،
وحمل الفقهاء: ذلك على الحكم،
فقالت الشافعية: الإسلام يعلوا ولا يعلى، قالو: أمر يقتضى ذلك
أن لا يملك الكافر عبدا مسلما ولا يصح شراءه، واقتضى أن لا يقتل مؤمن بكافر، واستدلت الحنفية على من ارتد انقطعت العصمة بينه وبين امرأته، قبل انقضاء العدة فلا يكون له إليها سبيل.
قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)
قد تقدم في مخادعة الله، وبين أنه متشبعون بنقل الخبر، وأن كسلهم يدل على تشبعهم، والذكر ههنا الأولى أن يراد به ما يكون باللسان، دون ما يكون بالقلب، ونفي ذلك عنهم يقتضي أن
ذلك ليس عن نية وطوية صحيحة، والرياء كالنفاق لأنه أعم.
قوله عز وجل: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)
التذبذب: الاضطراب،
قال النابغة:
تَرى كُل مُلْكٍ دُونها يَتَذَبْذَبُ
وصفهم بأنه مندفعون من الجانبين لا موجة لهم، ثم بين الإرشاد ولا رشد
لهم كما قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠).
وقد تقدم الكلام في الإضلال.
قوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)
نهى عن اتخاذ الكافرين أًولياء من دون المؤمنين، وذلك أن يستعان بهم استعانة المرؤوس بالرئيس، والمنتصر بالناصر لاستعانة المستخدم بالحاكم، وعلى ذلك قوله: (لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) وبين أنكم إن فعلتم ذلك جعلتم على أنفسكم سلطانا للعقاب، وجعل الحجة سلطانا نحو: (أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا)، (لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ)،
قال بعضهم يصح أن يقال لا سلطان لله على المؤمنين المخلصين،.
بمعنى أنه لا يعذبهم.
قوله عز وجل: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)
الدركات والطبقات يقال في العقاب كالدرجات في الثواب، ونبه بهذه الآية على نهاية رداءة المنافقين، وأنه منتهى الكافر لأنه يساويه في اعتقاده، ويزيد عليه في كذبه، لأنه يدعي ما ليس له والمنافق مرائي، وبين أنه تعالى لا ينصرهم ولا يجدون من ينصرهم عليه كقوله: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) واستثى ممن يجعلون في النار للتائبين.
جعل من تمام التوبة إصلاح العمل، والاعتصام بالله
وإخلاص الدين، وهذه الشرائط الثلاث من تمام التوبة، كما أن الأعمال
الصالحة من تمام الإيمان، ومن لم يأت بذلك فإنه يقال له تاب على المجاز،
وحذف الياء في الخط في قوله (يُؤْتِ اللَّهُ) اتباع اللفظ لالتقاء الساكنين
كقوله: (وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ) وكقوله: (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ).
وحذفها من قوله: (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ) للتخفيف، وقوله: (يَسْرِ) لكونه رأس الآية.
قوله عز وجل: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)
أي تعالى الله عن عذابكم فلا يعذبكم إذا عرفتم ووفيتم حقها،
إن قيل: لم أخر الإيمان عن الشكر؟
قيل: لأنه عني به معرفة النعمة التي يتوصل به إلى معرفة النعم،
ومعرفة المنعم هي الإيمان، فإذا الشكر على هذا الوجه مقدم على الإيمان، لأنه أرفع منه وهو لا ينفك عن الإيمان، والإيمان قد ينفك عنه، ووصفه نفسه بالشكر تنبيها أنه يقابلهم بما يكون منهم، فقد تقدم أن الشكر قد يكون من المولى للعبد بمعنى مقابلته بما يكون من خدمته،
ونبه بقوله: (عَلِيمًا) أنه لا يخفى عليه ما يتحراه العبد.
قوله تعالى: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)
قوله: (مَنْ ظُلِمَ) رفع على تقدير: لا يرضى أن يجهر بالسوء من القول إلا المظلوم، أو على تقدير: أن يسوء في المقال إلا المظلوم، وسمَّى المجاهرة بالسوء سوءا تنبيها أنه لو لم يكن ذلك على سبيل المقابلة لكان سوءاً لفظه خبر ومعناه للإباحة، كأنه قال: لا يجهر بذلك إلا المظلوم، وذلك كقوله:
(وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)
وقوله - ﷺ - (اذكروا الفاسق بما فيه)
رخصه لمن أذي بغير أن يذكَر فعله لا رخصة في اغتياب الناس من غير حاجة إلى ذكرهم، ومثل قوله: (إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) تقديره: لكن من ظلم فإنه له أن يذكر ظالمه بأن يدعو عليه، أو يغتابه. بما فعل على سبيل الشكاية،
قال مجاهد: قد دخل في ذلك من ضاف
رجلا فلم يؤد حق الضيافة.
قوله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)
جميع ما يفعله الإنسان مع غيره من الإحسان، إما إحسان يبديه أو إحسان يخفيه، أو يخاف عليه لسوء يجنيه قد ذكره تعالى وبيّن أنه يجازي به، ونبه بقوله: (عَفُوًّا قَدِيرًا) على مجازاة المتعافي بالعفو عنه وقدرته عليه.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)
الإيمان بالله لا يتم إلا بتصديقه، مقاله ومقال رسوله
والرسل كلهم يجرون مجرى واحد، فمن كفر ببعضهم كالكافر بكلهم، من
حيث أنه لم يتحرَّ الحق، فالحق من حيث ما هو حق لا منافاة بينه،
إن قيل لم أعاد ذكر الرسل ولم يقل بين الله وبينهم فيكون أوجز؟
قيل: لما عنى أنهم يفرقون بين الله ورسله وبعض رسله، وعنى بقوله: (يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) كل رسله لأن كل من كفر ببعضهم كفر بكلهم،
فلو لم يعد ذكرهم لاقتضي أن يكون معناه يفرقون بين الله وبين جماعة الرسل، فإن المضمر لا يفيد إلا ما يفيد مظهره، فأعاد ذكرهم لما كان الأول عاماً والثاني خاصًّا.
وقوله عز وجل: (وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) أي
يتحرون لطلب رئاستهم سبيلا ليس بحق،
وقوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا) إن آمنوا ببعض الأنبياء، وهذا الكلام
مبنيّ عَلى قياس، كأنه قيل: كل من فرق بين الأنبياء فهو كافر حقا أعتدنا له
عذابا مهينا، وهؤلاء قد كفروا ببعض الأنبياء فإذاً أعتدنا لهم عذابا مهينا.
قوله عز وجل: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)
كما بين في الآية الأولى حكم من فرق بين بعض الأنبياء وبعضهم، بّين حكم
من خالفه: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦).
وَذكر أجرهم، كما ذكر في الأولى عقاب من فرق
بينهم، ونبه بذكر الغفران على غفران ذنوبهم وبالرحمة على مجازاتهم بالإحسان.
قوله عز وجل: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)
نبه تعالى على ما كان من تحكيمهم واقتراحهم على
ما ينافي السياسة الإلهية، وبيّن أن ذلك ليس بأول جهالاتهم وجناياتهم، فقد
اقترحوا على موسى ماهو أبعد وأشنع مما سألوك، ولأنهم سألوا إدراك الباري
بالحاسة في الدنيا، فرجها الصاعقة لما ارتكبوه من الظلم في طلب ذلك، وثانيا: أنهم عبدوا العجل بعد إتيانهم الحق وعبادتهم للعجل بعد إتيان الحق أشنع وأفظع، مع أنه في كل حال أشنع،
وقوله: (وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا) يجوز أن يكون ذكر منه ثالثة ويجوز أن يكون اعتراضا وتوكيدا لما قبله، وأنهم مع
ما أوتي نبيهم من المعجزات يرتكبون ما يرتكبون، ورفع الطور؟
قيل: كان
على سبيل تخويفهم، وقيل إظهاره المعجزة، وثالثا من كان بمخالفتهم فيما
أمروا من دخول باب من أبواب بيت المقدس، وأن يقولوا حُط عنا ذنوبنا،
وقال بعض الناس: معنى ذلك خذوا الحق من حيث ما يجب أخذه، ولا يطلبوه من غير وجهه، قال: وهذا استعارة، نحو قول الشاعر:
أتيت المروة من بابها.
ومعنى (سُجَّدًا) أي متواضعين لقبول الحق، ورابعا ما كان من تعديهم
في السبت، فأعاد ذكر الميثاق تنبيها أنه أخذ عليهم ذلك مرة بعد أخرى.
قوله عز وجل: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)
ما في قوله: (فَبِمَا) زائدة مؤكدة
ومعنى توكيدها أنها تقتضي تكثير معنى الفعل الذي يدخل عليه، كما أن التشديد وزيادة الحروف في مفعيل ومفعال وفعال يقتضي ذلك،
وقيل: بل (ما) ها هنا اسم نكرة اقتضى حالا مجملة،
وقوله (نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ) وما بعدهما بدل منه، كأنه قيل: فبشيء ما لعنوا، ثم فصَّل ذلك الشيء وخص ما كان منهم في هاتين الآيتين سبعة أشياء تقضي الميثاق المذكور في قوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)
وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير الحق، وقولهم قلوبنا غلف، وكفرهم المطلق، وقولهم على مريم البهتان، وادعائهم قتل عيسى وقولهم قلوبنا غلف،
أي ادعوا أن قلوبهم أوعية العلوم، فكذبهم الله، بقوله تعالى: (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ) وقيل: معناه قلوبهم محجوبة عن العلم، كقوله:
(وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ)
وأثبت لهم ها هنا إيمانا قليلا، اعتبارا بظاهر أقوالهم حيث قالوا نؤمن ببعض ونفى عنهم في الأول الإيمان اعتبارا بالحقائق، وأن ذلك المقدار غير معتد به، ووجه ذلك أن من فعل بعض ما أمر به فإنه يصح أن يقال: لم يفعل ما أمر به اعتبارا بالفعل كله، ويصح أن يقال: قد فعل بعض ما أمره اعتبارًا بما ظهر منه، اعتد به أو لم يعتد،
وقوله: (وَكُفْرِهِمْ) فإنه أعاد ذلك تنبيها أنهم كفروا بالمسيح وبمحمد عليهما الصلاة والسلام،
وقيل: لارتدادهم مرة بعد أخرى،
والبهتان: الكذب الذي يبهت منه سامعه فظاعة وشناعة،
والباء في قوله: (فَبِمَا) قيل: هو متعلق بقوله: (حَرَّمنَا) وقوله: (فَبِظُلمٍ) بدل
منه وأدخل الباء فيه لما تباعدا بينهما، وقيل: هو متعلق بمضمر، كأنه قيل:
سبب هذه الأشياء: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ)
والمعنى ارتكابهم - لهذه القبائح أفضى بهم إلى هذا الاقتراح.
قوله تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)
إن قيل: كيف حكى عنهم أنهم قالوا قتلنا رسول الله
ولم يقروا بكونه رسولا؟
قيل: هو أن يكون ذلك من جملة الحكاية وذكروه على سبيل التهكم زعما منهم أنه لو كان رسولا لما قدرنا على قتله، ويجوز أن يكون ذلك من قول الله تشريفا له لا حكاية عنهم، كأنه قال أعني رسول الله ونفى قتله وذكر أن ذلك شُبِّه لهم،
واختلفوا في حال عيسى، فقيل: ألقي شبه على رجل فقدر أنه هو فصلب، قالوا: فهذا معنى قوله تعالى: (شُبِّهَ لَهُم) فاعترض على ذلك،
وقيل: ثبت أنهم يدعون صحة ذلك ويقولون أن هذا جائز في الأمور الإلهية، وأن منه النبوة، كيف يصح أن يفعل ذلك فيرى الناس بعيونهم صورة رجل وهو يصلب، ثم يذمهم، حيث قالوا إنه صلب، وهل يلعن الإنسان مع ذلك أن يرى امرأة يقدرها أنها امرأته، فيدنوا منها ثم يعاقبه الله بذلك؟
قيل: إن ذلك شيء يفعله الله فتنة بعد فتنة الحكمة تتعلق به فليس يجب للإنسان أن يظن ذلك في كل وقت، وإنما ذمهم تعالى
بتبجحهم بقتل الأنبياء إلا أن الأمر شبه لهم،
وقال بعضهم: إذا رأى واحداً أو اثنان أو إنسانا من بعيد، وفيه مماثل من عيسى فلما فقدوه من ظنوه إياه، فصار هذا الخبر ماض فيما بينهم فإنه يستند إلى من يصح عليه الخطأ والكذب، وبين
أن المختلفين فيه يقولون عن تخمين واتباع ظن،
إن قيل: كيف جعل اتباع الظن مستثى من العلم وليس بداخل فيه؟
قيل: حقيقة في كل اعتقاد ظنا كان أو وهما أو تخيلا أو حسا، ألا ترى أن النابغة في صفة الطير:
جَوانِحَ قَدْ أيْقنَّ أنَّ قَبيلهُ ما الْتَقى الجَمْعَان أوَّلُ غَالِب
فاستعمل في الظنون اليقين وهو أشرف العلم، وقد يقول لمن يدعي العلم
وهو لا يعلمه، علمك ظن، فعلى هذين يصح أن يستعمل العلم في الاعتقاد
وإن لم يكن معه سكون النفس، فلما ادعى القوم أنهم علموا قالوا مالهم به من علم فأدخل عليه من، تنبيها على استغراق جنس المعارف التي يحصل منها
الاعتقادات، ثم قال: (إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) فذكر أضعف وجه يحصل به
الاعتقاد، ولهذا قال تعالى: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) فجعل اتباع الظن سبب للخرص أي الكذب.
قوله: (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا) أي ما قتلوا ذلك لاعتقاد من قولهم قتلت كذا علما
أي بحقيقته، كأنه قيل: ما تحققوا معرفة ذلك؟
قيل: أراد به القتل الحقيقي وإنما قال يقينا لأنه يقال فلان فعل كذا ظنا إذا توهم أنه فعله، وفعله يقينا إذا تحقق أنه قد فعله،
وقوله تعالى: (بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِليهِ) قيل: معناه رقى بشخصه كما هو إلى السماء، وإليه ذهب - جماعة من أصحاب الحديث،
وقيل معناه: مع ذلك أنه شرف مكانه من بين الأنام كقوله: (وَرَفَعنَاهُ
مَكَانًا عَلِيًّا) وكقول الشاعر:
بلغنا السما حسابنا... لولا السما لحر بالسملة
وقول لآخر:
لَنا بَيْتٌ على عُنُق الثريّا..........
وذكر قول (إليه) تنبيها على تعظيم المرفوع، لا إلى إشارة إلى حد محدود،
تنبيها على أنه حصل له به أعلى الشرف، وإلى نحوه أشار (إِلَى رَبِّكَ
المُنتَهَى) (وَإِلَيهِ المَصِيرُ) ومثل هذا يشار إليه ولا يمكن
الكشف عن حقائقه باللفظ، وإنما يدركه الإنسان بحسب ما جعله له من نوره.
قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)
قيل: ما أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن بعيسى عليه السلام قبل موت عيسى إذا نزل من السماء، يكون أهل الكتاب خاصا لمن كان في زمان نزوله، وقيل: بل ذلك عام.
والضمير في قوله: (قَبلَ مَوتِهِ) راجع إلى (أحد) المضمر في قوله:
(قَبْلَ مَوْتِهِ) راجع إلى أحد المضمر في قوله: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)
ويعني به وقت المعاينة حيث تصير العلوم بالآخرة ضرورية ويرتفع التكليف.
فإن قيل: فأي تشريف لعيسى إذا قلتم إن الحقائق كلها تظهر في تلك الحلل؟
قيل: تشريفه أنه جعله من جملة الحقايق التي من أُجِلَّ في الدنيا بمعرفتها لم يعتمد لعمله كمعرفة الله، ومعرفة الملائكة، والقيامة، وإلى نحو هذه المعرفة أشار تعالى بقوله: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)
وعلى هذا حكى عن فرعون (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ).
وقوله: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) أي شاهدا
أنه بلغهم رسالة ربهم كقوله: (فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ) وهو الذي قال:
(وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ) فهو يشهد على نفسه
بالعبودية، وعليهم بسماع الرسالة.
فإن قيل: فأي تعلق بقوله: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) بما تقدمه؟
قيل: نبه بما تقدم أنهم اعترفوا بصدقه في الدنيا، قبل خروجهم منها يعقبه هذا، تنبيها أنه يلزمهم شهادته عليهم يوم القيامة.
قوله تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)
ظلمهم عام في جميع ما ارتكبوه مما لا يجوز، وتخصيص الأشياء الثلاثة المذكورة بعده تعظيما لها.
واعلم أن تحريم الله على ثلاثة أضرب: الأول: تحريمه الخبائث وكل ما ليس له هذا بوجه والبدن تعافه كالذباب، والخنافس، والأشياء المخلوقة من فضول البدن
وهذا الجنس يحرم عقلا وشرعا.
الثاني: ما يعلم ضره أكثر من نفعه وقد يظن بعض الناس فيه نفعا كثيرا، فهو متردٍ من التحريم والتخيل في العقل، وضرب نافع في الأحوال الدنيوية جداً، إلا أن نفعه ليس بضروري، والعقل لا يقتضي
بتحريمه، والشرع قد حرمه في حال دون حال، تهذيبا للنفوس عبادة، ودفعا لسلطان شهوتهم كتحريم الشحم على بني إسرائيل، وهو ما قال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا) الآية، فنبه تعالى أنهم لما أسرفوا
وصاروا يظلمون، ويصدون عن سبيل الله، حرم عليهم بعض الأطعمة، ليكون في ذلك عقوبة لهم من وجه وتهذيب يقمع شهوتهم من وجه، فقلة الطعم سبب لتوهين الشهوة، ولتوهينها أمر تعالى في كل شرع بصوم، ليكون ذلك سببا لمنعها عما تدعو إليه، فلا تكون كالبهائم التي تأكل ما تشتهي، وإلى نحو هذا أشار قوله عليه الصلاة والسلام: (صوموا تصحوا)، فإن في الصوم صحة
للبدن، وصحة النفس،
وقوله: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ) لما نبهً بما تقدم
أنهم كفروا، ذكر ما أعد للكافرين ليكون فيه إشارة إلى أنهم يستحقون
ذلك العذاب، أنهم من جملتهم.
قوله تعالى: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)
الراسخ في العلم: هو الذي لا يعترضه شبهة لتمكنه في معرفته
وتحققه بها، وكونه من الذين قال فيهم: (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا) فنبه أن الراسخين في العلم يعرفون معنى النبوة ويعتبرونه، فحيث ما وجدوه يتبعوه، فالحق لا ينافي بعضه بعضا.
إن قيل: ما وجه لكن ها هنا؟ وهو لإبطال الشيء وإثبات آخر، فما الذي أبطل ها هنا؟
قيل: لكن وإن كان كما قلت، فتارة تجيء بعد نفي، ما جاءني زيد
ولكن عمرو، وتارة تجيء بعد إيجاب، والإبطال فيه مقدر، نحو جاءني زيد لكن أخوه أحسن إلي، والتقدير: أخوه لم يجئني لكن أحسن إلي، فأغنى عن الإبطال بذكر الإيجاب، ولما اقتص عن اليهود ما كان منهم، وألزمهم المذمة، بيّن أن الراسخين لم يذهبوا مذهبهم، لكن يؤمنون بكل ذلك ويستحقون به الثواب، بخلاف هو لا الذين يستحقون العقاب،
وقوله: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ)
قيل: هو عطف على قوله: (بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) أي: وبالمقيمين الذين
يقيمون الصلاة.
وقيل: الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين وهذا إذا جعله
عطفا لم يجوزه سيبويه لعطف الظاهر على المضمر المجرور، وإن جعلته على
تقدير من وحذفه لدلالة ما قبله عليه جوزه لتجويز قوله: ما كل بيضاء شحمة، وسوداء تمرة، على تقدير: ولا كل سوداء تمرة.
وحكى أن عائشة قالت:
إني لأجد في كتاب الله لحنا من جهة الكاتب وسيقيمه العرب بألسنتها وقرأت (وَالمُقِيمِين) (١).
ولسيبويه باب في كتابه يذكر فيه أن كل وصف يجيء على
المدح والذم، يصح فيه الاستئناف مرفوعا ومنصوبا، ويجوز منه إتباع الموصوف
(١) لا يصح ولا يثبت.
على هذا يحمل قول الشاعر:
وقد ذكر تعالى عامة الإيمان الاعتقادي، فإن جماعة ذلك هي المذكورة في
قوله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) الآية
ولم يذكر الملائكة ها هنا في ضمن الإيمانَ (وَمَا أُنْزِلَ) إيماناً بالملائكة الذين
نزلوا به وإنما قدم الإيمان بالنبي - ﷺ - على الإيمان بالله ها هنا لأن القصد من الآية إليه، والمذكور بعده على سبيل التبع، وذكر من الإيمان العملي إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأنهما ركنا العبادة، وعلى هذا يخصهما في عامة الآيات من بين العبادات.
قوله عز وجل: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)
ذكر تعالى في هذه الآية اثني عشر نبيا بأسمائهم وأجمل ذكر باقيهم، وذكر بعض أولي العزم وبعضا من غيرهم، وذكر بعضهم على الترتيب، وذلك أنه أراد أن
يبين أنه أوحى إليه كما أوحى إليهم، وخصه بما خص كل واحد منهم به
تفضيلا له وتشريفا، وأنه جرى معهم مجرى، فذلك من الحساب المبني بجملته
عن تفصيل ما تقدم، فذكر نوحا الذي هو أول أولي العزم من الرسل والنبيين
ومن بعده مجملا، ثم فضل النبيين فذكر إبراهيم الذي كان أول النبيين من أولي العزم بعد نوح، وذكر معه من جرى منه مجرى أبعاضه في كونهم تابعين له، وهم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، ثم ذكر الطرف الآخر من أولي العزم وهو عيسى ثم الأواسط أيوب ويونس وهارون، ثم ذكر من أوتي الكتاب مجملا وهو داوود، فإن الزبور وهو اسم الكتاب، إذ كتبه كتابة غير مفصلة، وأفرد ذكر موسى من حيث إنه خص بالتكلم، وكل هذه الفضائل كان للنبي - ﷺ -.
قوله تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)
نبه أن بعثة الأنبياء إلى الناس مما لا يستغنون عنه، لقصوركلهم عن إدراك جزئيات مصالحهم، وفضول أكثرهم عن كلياتهم وجزئياتها، وبعث الأنبياء مبشرين ومنذرين ليكون قد أزاح عللهم، لذا قال تعالى: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ).
قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا).
قال: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥).
قال: (وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا).
قوله عز وجل: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)
اتصل ذلك بما قبله اتصال إثَبات الحق بعد إنكار من أنكره، ومعنى شهادة الله: إقامة البينة الدالة على ثبوته، وعلى هذا قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) الآية، أي: أقام البينة الواضحة على وحدانيته، وأعظم الشهادة ما يقتضي علم المشهود عنده، فالشهادة من الناس قد لا توقع العلم، وشهادة الله إقامة البراهين المثلجة للصدور موقعة للعلم مزيلة للشك، فمن أعظم شهادته إتيانه لمعجزاته كالقرآن الذي هو كما قال: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨).
وقوله: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) قيل: بعلمه بك، وأنك
مستحق للنبوة، كما قال: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ).
وقيل: أنزله بالعلم الذي يحتاجون إليه، أي هو. متضمن للعلم، وذكر شهادة الملائكة تنبيها أن العقول الصحيحة تعرف صحة نبوتك، وأنكم لو استعملتم العقول لاطلعتم على ذلك، لإطلاعهم ووقوفهم عليه، لمشاركتكم إياهم، ولأنهم أتوكم بما لا سبيل إلى معرفته إلا من جهة الملأ الأعلى، فهذا معنى شهادة الملائكة.
ثم قال: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) أي بما أقام من الأدلة على صحة نبوتك
عن الاستشهاد بغيره.
قوله عزَّ وجلَّ: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧)
الضلال أعم من الكفر، فكل كفر ضلال، وليس كل ضلال كفرا، والناس في الضلال ضربان: ضال غير مضل، وضال مضل، وهو أعظمها جرماً وأكبرها عقابا، والمضل بالإضافة إلى غيره قد ضل ضلالا بعيدا، وهو الذي كفر وضل عن سبيل الله.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)
قيل: عنى الله بالجمع بين الكفر الذي هو أعظم الظالمين وبين ظلم العباد. وقيل: تقديره: إن الذين كفروا وظلموا الذين ظلموا،
نحو قول الشاعر:
النَّازلُون بكُلِّ مُعتَرك وَالطيِّبون مَعَاقِدَ الأُزُر
ومنْ يَهْجوا رَسُولَ الله منكم ويَمْدَحَه ويَنْصُره سَواءُ
أي ومن يمدحه بحذف (من).
وقوله: (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ) أي
لا يوافقهم لغير ذلك إذ لا يستحقون بل لا يقبلون.
وقوله: (وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) أي لا يصعب عليه تعذيبهم، ولا يستعظمه، فالحكمة تقتضي ذلك.
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)
(الباءَ) في قوله: (بِالحَقِّ) للتعدية، كقوله: (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣).
(خَيْرًا) نحو (انتَهُواْ خَيْرًا لَّكم) وتقديره: آمنوا وائتوا خيرا لكم.
فدل بلفظ الإيمان على إتيان الخير.
قال الكسائي: تقديره يكن الإيمان
خيرا لكم، وأجاز الكسائي مثله في الخير، وقال: سمعت اتقوا من خيرا لكم.
وأنشد: -
فَوَاعِديْهِ سَرْحَتيْ مالِكِ أَوالرُبَا بَينَهُما أَسْهَلاً
وقوله: (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي
نفع إيمانكم عائد عليكم وأما هو فغني عنكم، ونبه بقوله: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) على غناه، ولم يعن الموضوع منهما فقط، بل يعني مع
ذلك ما ركب منه السماء والأرض، كقوله لفلان: ما في هذا الثوب أي غزله ونسجه فمنه، تنبيه أن له السماوات والأرض كما أن له ما فيهما اهـ.
قوله عزَّ وجلَّ: (
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)
الغلو: الخروج عن القصد، ومفارقة العدل، من قولهم: غلا السعر،
وغلت القدر.
خاطب بذلك النصارى فيما يدعونه من الافتراء على الله وعيسى، وقد تقدم الكلام في منافاة الربوبية للولد، وسماه كلمة الله كقوله: (ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ).
قيل: بشارة الله، وقيل: لأنه مدى كلمة الله وسماه روحا لقوله: (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا)
وقيل: لأنه كان يحي الناس إحياء الروح،
وقيل: لأنه سبب للحياة الأخروية، كما أن الروح سبب
للحياة الدنيوية.
وقيل: انتهوا خيرا لكم.
قيل: فيه الوجهان المقدمان، وقيل: انتهوا انتهاءاً خيرا لكم، بقوله:
(لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)
على غناه عن الأولاد، وبقوله: (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) أنه القائم
بحفظ الأشياء، والولد يحتاج إليه، ليكون وكيلا لأبيه، وهو تعالى مستغن
لأنه هو الحافظ لكل شيء.
قوله عز وجل: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)
الاستنكاف: الأنفة من قوله نكفت الدم أي نحيته بالإصبع حتى قيل للدم
نكف، وقيل: بحر منكوف لا ينزح.
قيل: هو من النكف أي نحيته قطيف بالعنق، وقيل: من النكفين، وهما لحمتان متدليتان من العنق، واستعمالها
في التكبر كالصعر ميل العنق والعزم بالأنف، وعلى ذلك قال الشاعر:
إن الكَريمَ مَنْ بَلَغَتْ قُواهُ وإن اللئيمَ دَائِمَ الطرْف أَقْوَدُ
والعبودية وإن كانت متضمنة بالمذلة إذا اعتبرت لغير الله، فإنها مقر الشرف
إذا اعتبرت به تعالى، فلهذا الاستنكاف منها.
والاستكبار: طلب التكبر لغير استحقاق، التكبر قد يكون باستحقاق، وذلك إذا كان طلبا لعزة النفس والتلطف عن الأغراض الدنيوية.
نبه تعالى أن لا استنكاف لأحد في عبادته وأن
المستنكف عنها لا ينجو منه، بل يفتقر إليه فيجازي به.
والضمير في قوله تعالى: (فَسَيَحشرُهُم) راجع إلى كل من تقدم فلهذا فصل من بعد.
واستدل بعض المتكلمين بالآية على تفضيل الملائكة على الأنبياء، وقال: مثل
هذا الكلام إذا ذكر على طريق التحمد مؤخرا الأشرف فالأشرف، فيقال:
لا يستنكف الحاجب من خدمة فلان ولا الوزير ولا الأمير، ولا يقال على
عكس ذلك، فاعترض على ذلك بأشياء أحدهما: أنه قد يذكر في مثل هذا
الموضع في مرتبة واحدة، فيقال: الرشيد لا يستنكف من ذلك ولا المأمون
أيضا، فقد خص الله تعالى عيسى من دون غيره من الأنبياء، فلا دلالة أنه
أفضل من كلهم، وأيضا فقد قال: (وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)
ولا دلالة أن غير القربين أفضل من الأنبياء، فأجاب هذا المجيب أن المسلمين
اختلفوا على وجهين: فمن قائل قال: الأنبياء أفضل، وقائل قال: الملائكة
أفضل ولم يقل أنهما سواء وكذا قالوا: لا فرق بين عيسى وغيره، في كونهم
فوق الملائكة، أو دونهم، وكذا لم يفرقوا بين المقربين، وغير المقربين في هذا المعنى.
وهذا الجواب كما ترى، وقد اعترض على ذلك أيضا فقيل: إنما ذكرت من
قولك لن يستنكف الحاجب من خدمتي، ولا الوزير، إنما يكون في اسمين مفردين كما مثلت به، فأما إذا ذكرت مفردا أو جملة فليس يقتضي ما ذكرت، كقولك: لن يسنكف الحاجب أن يخدمني، ولا الصغير، والكبير من أصحاب
الأمير، قال: فهنا لا يقتضي أن يكون الصغير، والكبير أفضل من الحاجب،
فأجاب عن ذلك بجوابين:
أحدهما: أن هذا الموضع قصد به التكثير، لا التكبير
والآية قصد بها التكبير، والثاني: أن ما ذكرت إنما يكون في جملة يدخل
المعطوف عليه في عمومه كقوله: والصغير، وليس عيسى مما يدخل في جملة
الملائكة، واعترض على ذلك تنبيها بقوله: (وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً) واستدل على تفضيل الملائكة هنا
بقوله: (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) فاثبتوا فلولا أنهم فوقهما لما اغتر بذلك،
وكذا أيضا استدل بقوله: (وَلَاَ أَقُولُ لَكم إِنِّى مَلَكُ) فتبين
أنه لا يدعي لنفسه مرتبة ولا يليق به فهذا هو دلالته من حيث الظاهر.
قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣)
الفرق بين الاستنكاف والاستكبار، الاستنكاف نكف في قوله
أنفة وليس في الاستكبار نحو ذلك، والولاية تقتضي إخلاص المودة والنصرة
معونة كان معها الولاية أو لم تكن، وقوله: (وَيَزِيدُهُم مِّن فَضلِهِ)
إشارة إلى ما قال - ﷺ -: (ما لا عين رأت ولا أذن سمعت).
إنما ذكر من دون الله تنبيها أن كل ولاية ونصرة فمنه مبدؤها حتى ولو تصورناه مرتفعا لما صح ذلك بوجهه تعالى الله علوا كبيرا.
قوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)
عنى بالبرهان الآيات القاهرة المبنية عن المعجزات، وبالنور القرآن لأنه به يعرف الطريق إلى الله.
خاطب بذلك الكافة، وبين أنه أزاح عللهم بالعقل والشرع
كما قال: (نُورٌ عَلَى نُورٍ) من أن من عرف ذلك واعتصم به دخل في
رحمته التي يستحقها التائبون (فَضْلِهِ) أي إحسانه الزائد على ما استحقه وأنه
يهديه إلى الصراط المستقيم الذي هو الطاعة في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة.
قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)
الاستفتاء: طلب الفتيا للحكم.
وقد تقدم معنى الكلالة، وقوله: (وَلَهُ أُخْتٌ) أي أخت من أبيه
وأمه أو من أبيه وقد ذكر الحكم في أول السورة،
وقوله: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) أي لترجعوا إلى كتابه إذا جهلتم فتعلموا منه، وتقديره: يبين لكم ضلالكم الذي من جانبكم أن تتحروه إذا تركتم، ومن تبين له الضلال تبين له الحق، فإن معرفة أحدهما متضمن بمعرفة الآخر ولا دونه، وقد قال تعالى: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ)
هو الزجر عن القبائح والإنسان إذا ترك عن المزاجر والنواهي، ولم يأخذ بمقتضى العقل، صار بالطبع
بهيمة، ولذلك قال للكفار: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢).
قال: هذا أبلغ من قولكم يبين الله لكم أن لا تضلوا
لأن في معرفة الشر معرفة الخير، وليس في معرفة الخير المعرفتان جميعا.
وقال الكسائي: تقديره لئلا يضلوا فحذف (لا)،
وقال البصريون: تقديره: حذر أن تضلوا.
السورة التالية
Icon