0:00
0:00

سُورَةُ النِّسَاءِ
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ... (١)﴾
قال ابن مالك: لفظ أصله (أي) نائبة مناب الإضافة إليها، وقال الأخفش: أي موصولة بمعنى الذي، (النَّاسُ) خبر مبتدأ محذوف مضمر عائد على الموصول، وهذه الآية تدل على أن المراد بالنَّاس بني آدم.
ابن عرفة: والخلق هو الإنشاء على صورة مختلفة فمادة الخلق تشعر بالاختلاف، قال الفخر: والآية حجة للقائلين بالطبعية، فرده ابن عرفة بما قلنا: مع الاختلاف مع خلقهم في نفس واحدة، قال تعالى: (وَاخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ)، ومن إما للغاية أعني للابتداء، أو الانتهاء إن قلنا: إن المراد بالخلق نفس الإخراج من الظلمات إلى النور والإيجاد عن عدم، وأما لابتداء الغاية فقط، إن قلنا: إن الخلق مخترع مطلق الاختراع، والإنشاء مع إغفال تبدل الأغراض، وإنها لَا تبقى زمانين.
قوله تعالى: (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً).
الكثرة مستفادة من لفظ (بَثَّ) ومن قوله (كَثِيرًا)، فإن قلت: لم وصف الرجال بالكثرة دون النساء، فالجواب من وجهين: بأن النساء في الوجود أكثر من الرجال، فحذف النعت للعلم به مع دلالة الأول عليه ووصف الرجال بالكثرة فيؤذن بكثرة النساء من باب أحرى، وإمَّا بأن الآية خرجت مخرج الوعظ والتذكير بالنعمة والعرب من شأنهم حب كثرة الرجال والعصبة وكراهية كثرة النساء فذكروا بما يحبون، فإن قلت: هلا قيل: وبث منهما ذكورا وإناثا فيعم اللفظ الصغار والكبار من النوعين، قلت: الآية في معرض التكليف بالتقوى فذكروا بالمكلفين من النوعين.
قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ).
قال ابن عرفة: ليس هذا تكراراً فالأمر الأول: بالتقوى معقب بالتذكير بنعمة الإخراج من العدم إلى الوجود، والثاني: معقب بالتذكير بنعم متتابعة دائمة في مدة الحياة، وهي نعمة قضاء النَّاس حوائج بعضهم بسبب سؤاله إياه بالله ففيه تعظيم لله عز وجل، ومن هو بهذه المنزلة جدير بأن يتقى، والرحم ذكر الفقهاء مراعاتها في الإنفاق وأما مراعاتها في حال الصحة والمؤاثرة والريادة فعندي أنه مفترق فيها مجيء ذي
الرحم من غير ذي المحرم قسمان: فمن يعتق على الإنسان أشد حرمة ممن لَا يعتق عليه، وأما غير المحرم فهو كالأجنبي.
قيل لابن عرفة: والرحم المحرم ينبغي أن يكون من جهة الأم؛ لأن الرحم إنما هو بالأم، فالعم للأب فليس من ذوي الأرحام إذا لَا يجمع بينهما الأم، وإنما يجمعان في الأب.
قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ... (٢)﴾
ابن عرفة: منهم من يجعله من إقامة السبب مقام المسبب، أي: واحفظوا أموال اليتامى عليهم لتعطوها لهم إذا كبروا، فحفظها عليهم في حال الصغر سبب في إعطائها لهم إذا رشدوا فوقع الإيتاء، وهو المسبب موقع سببه وهو الحفظ، ابن عرفة: وتقدم لنا أن هذه الإضافة إضافة استحقاق، لَا إضافة ملك، ومعناه إلى أن يستحقوها إما بالاحتياج إلى الإنفاق، وإمَّا بالرشد، ولو كانت إضافة ملك للزم تخصيصها بالرشاد، ويكون (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُم) إذا رشدوا لَا مطلقا.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى... (٣)﴾
علقها بأن دون إذا مع أن هذا كان عندهم واقعا محققا، فأجاب ابن عرفة بأنه إذا ثبت الجواب مع الخوف المشكوك في وقوعه فأحرى أن يثبت مع المحقق أبو عبيد: (خِفْتُم) بمعنى أيقنتم، ابن عطية: لَا يكون بمعنى اليقين بوجه، وإنَّمَا هو من أفعال التوقع؛ لأنه قد يميل فيه الظن إلى أحد الجهتين، ابن عرفة: الخوف يكون من أمر متيقن ومن أمر مظنون، ومن أمر مشكوك فيه فالنَّاس مختلفون إذا رأى حائطا مائلا جلس بإزائه، ولا يخاف ولما يخاف يهرب مسرعا، وآخر يمر من بعيد، وآخر يهرب من ذلك الطريق، واحتج أهل الظاهر بهذه الآية فبعضهم أخذ منها نكاح تسع زوجات، وبعضهم أخذ ثمانية عشر؛ لأن معناها اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة فعدد المكرر، وبعضهم عد الأربعة مرتين فجوز نكاح ثمانية والإجماع على خلاف ذلك، ومثل هذا لَا يعد خلافا.
قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلُّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ).
ابن عرفة: احتجوا بها على عدم وجوب النكاح؛ لأنه خير بينه وبين التسري أي فانكحوا واحدة، أو تسروا ما ملكت أيمانكم والتسري غير واجب فيكون النكاح غير واجب، وأجيب بأن سياق الآية في النكاح فإن المعنى فانكحوا واحدة، أو انكحوا ما ملكت أيمانكم فيكون مجيزا بين نكاح الحرة، وبين نكاح الأمة، وهو أخف من نكاح
الحرة إلا أن في هذا تفكيك الضمائر؛ لأن الضمير في قوله تعالى: (فَانْكِحُوا) عائد على الأزواج، والضمير في قوله تعالى: (مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم) عائد على المالكين واحد منها، ابن العربي: جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ، بقوله تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النسَاءِ) بعد قوله تعالى: (أَلا تُقْسِطوا فِي الْيَتَامَى) ولا يتم بعد بلوغ، ورده بعض الطلبة بحديث: "البكر تستأمر والثيب تعرب عن نفسها" قال: لأن البكر إما ذات أب أو وصي أو مهملة، فالأوليان لَا إذن لهما فلم يبق إلا اليتيمة المهملة، وقال في المدونة: الصغيرة لَا إذن لها، ولا إذن إلا للبالغة فيتعين أنها البالغة، قال: فهو عام مخصوص بهذا، فالمراد باليتيمة البالغة.
قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً... (٤)﴾
ابن عرفة: ظاهر الأمر الوجوب، ونقل كلام المفسرين، ثم قال: وعندي أنا في هذا أنه إنما قال: (نِحْلَةً) ليبيته على الحالة التي نظر فيها عدم إتيانهن الصداق، وهي إذا ماتت الزوجة قبل البناء عقب عقد النكاح وكانت فقيرة، فإن الزوج يؤدي الصداق مجردة نحلة لَا من عوض، وكذلك إذا مات الزوج فإن الزوجة تأخذ الصداق من تركته نحلة من غير عوض، فإذا أمروا بدفعه حالة كونه نحلة فأحرى أن يلزمه دفعه إذا كان عن عوض، قلت: أو هو إشارة إلى أحد القولين فما إذا تطوع الزوج بعد العقد، وقبل البناء بزيادة الصداق ألحقها به، وجعل حالها كحاله؛ لأن النحلة هي العطية لَا لعوض، وهذا كذلك لجعلهم إياها كالهبة، لأن المعطي ما ذكرها قال: يقضى على الزوج بها فإن لم تقبضها حتى مات أو طلقها قبل البناء فلها عليه نصف الزيادة إن طلق، ولا شيء لها إن مات؛ لأنها عطية لم يقتض، قاله مالك رحمه الله في المدونة، قال عبد الوهاب، وقال الأبهري، وغيره من أصحابنا: القياس أن يجب لها بالموت؛ لأنها إن كانت كالمهر وجبت بالموت، وإن كانت كالهبة ينبغي أن لا تجب لها نصفهم في الحياة بالطلاق قبل البناء، ابن عرفة فإن قلت: هذا شأن العطية لا تشرك بالطلاق والصداق لَا يبطل بالموت، قلت: الصواب أنها عطية وإنَّمَا تشركت بالطلاق ولأن الزوج ما ألزم نفسه هذه العطية إلا على حكم الصداق ومن حكمة التشطير، فإن قلت: إلزامه نفسه على الوجه المذكور يوجب أن لَا يبطل بالموت والفلس، قلت: لَا تسلم؛ لأن التزامه نفسه إخراج مال عن غير عوض على وجه مخصوص لَا يخرجه عن حكم العطية، وأيضا فقد في هذا الباب حق الورثة بالموت وحق بالفلس.
قوله تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ).
حكى ابن عرفة عن الزمخشري في قصة القاضي شريح، ثم قال: وجهه أنها رجعت بالقرب، وأما إن رجعت بالبعد فلا يصح لها الرجوع لكن يمكن توجه اجتهاده من الآية وهو أنه قال: (فَكُلُوهُ)، ولم يقل: فخذوه والأكل متأخر عن الجوز فدل على أنه إذا أجازه الزوج، وبقي بيده مدة حتى سماه طيبة نفوسهن، ويستمرون عليه فحينئذ يطيب للأزواج أن يأكلوه، قال: وحكم عبد الملك واستدلاله بما قاله عنه لا يتم له ولو استدل عبد الملك بن مروان على حكمه بما استدل به القاضي شريح لكان أصوب له، قال: ونظيرهما في مذهبنا إذا ادعت الزوج أنها كانت في ترك الصداق مكرهة بحكم شرعي لطرز القول الشاذ.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا... (٥)﴾
قال الزمخشري: وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالًا يحاسبني عليه خير من أن أحتاج إلى النَّاس.
ابن عرفة: وعن سفيان وكانت له إضافة يقلها، فقال: لولاها لعدل في بني العباس، ابن عرفة: ودخلت على القاضي أبي عبد الله بن عبد السلام عام اثنتين وأربعين وسبعمائة، والتي من سطوره كان تركها والدي بالشعير، فقلت: بعتها، فقال: وما فعلت بثمنها، فقال له: أردت أن أشتري ربعا أسلكه فلم أجد، قال: وكذلك أنا لي مدة نحرس في شراء ربع لولدي أبي القاسم فلم أجده إلا بثمن كثير، ثم قال لي: ينبغي للإنسان أن يكتب الرباع ليخلفها لأولاده فيها فإن سيدي الفقيه أبا عبد الله محمد بن شعيب شيخ سيدي أبي عبد الله الزواري، والتونسي الكل لم يخلف لولده شيئا، فكان يمشي على طلبة أبيه فلم يجد منهم من يرحمه بشيء، فانتهى أمره إلى أن رجع بوابا في باب الحديد فجاءته أمه؛ لأنها كانت من بني الفتوح في ذلك تعيش حتى مات، وكان الفقيه يحيى أبو بكر ابن العربي يقول لنا: إنه كان في ابتداء أمره ما يأكل حتى يرى الحائط يرقص والإنسان إذا اقتصر في [سقط] بقوم به ويبة من شعير، [سقط] في الشهر والصالحون الذين أدركوا المعودون منهم من يدرك صلاحه بالضرورة والمتزوجون ما يدرك صلاحهم، إلا بالنظر والمخالطة، قال: الزوج لَا يعين على الصلاح.
قوله تعالى: (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ).
ابن عرفة: انظر هل فيها حجة لمسألة القاضي ابن زرب بأن النفقة تعم العولة والكسوة؟
قوله تعالى: (وَقولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا).
ابن عرفة: يحتمل عندي أن يريد بالمعروف في الشرع وإن كان عند المحجور منكرا، أو هو أن الوصي يحض محجوره على الاقتصار في حالة والإقتار على نفسه في النفقة والكسوة، وعدم التبذير وسمعت وصيا يقول لمحجوره: كنت أنا محجورا فأعطاني رجل درهما فبقي عندي سنة حتى اشتريت به ويبة من قمح وحاولها حتى صارت أقفزة ويحتمل أن يزيد بالمعروف المحبوب وبالغير معروف المكروه فمن يحب إنسانا ينبغي أن يذكره بعرفه، ويكره آخر فلا يعرفه حتى يكرر ذكره عليه فالإنسان يعرفها يجيب بأول وهلة ويكره ما يكره، قلت: إشارة إلى أخذ شيء بالسياسة واللين دون الشدة والغلظة.
قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى... (٦)﴾
ابن عرفة: اختلف المذهب في البكر بعد البلوغ وقبل التعيين هل للوصي عليها أن يرشدها ويشهد له أم لَا؟ وهو الصحيح والآية حجة للجواز وسبب الخلاف أن البكارة مظنة لجهلها بمصالح نفسها فإن وجد بعض الأبكار عارف بمصالح نفسه فلا يضر؛ لأن الحكمة قد تبتغى وتبقى المظنة، وكذلك وجه قول أبي حنيفة في أنها إذا بلغت خمسا وعشرين سنة ترشد، وإن كانت سفيهة؛ لأن بلوغ ذلك عنده بمظنة الرشد فلا يضر بخلقه في البعض، ورده ابن عرفة: بأن التعليل بالمظنة حالة وجود النص من القرائن لَا يصح لاشتراط الرشد منها، وهل يصح أن يدفع للمحجور مالا يختبر به حاله أم لَا؟ ظاهر كتاب الوصايا والْمِدْيَانِ من المدونة جواز ذلك، وقيل: لَا يجوز وإنما نختبر بغير شيء، وقال القرطبي: هنا إن كان ذكرا اختبر بنفقة المنزل فيعطاه يشتري اللحم والبقل والخبز، وإن كانت أنثى اختيرت بالغزل، ونقله ابن عبد السلام في شرح ابن الحاجب، واختلف في الرشد هل من شرطه العدالة أم لَا؟، وهو الصحيح فقد يكون الرشيد في ماله فاسقا في دينه، وأما السفيه ففي تبذيره ماله لَا في إفساد دينه، وحكى القاضي ابن حيدرة أن القاضي ابن عبد السلام نقل عن بعضهم أنه رأى في المشرق شيخا عليه حلة كبيرة يقرئ أنواع العلوم وهو مشهور بالصلاح والدين لكنه سفية محجور عليه، فسئل عن موجب ذلك، فقيل له: إذا رأى الحلاوة يموت عليها حتى يشتريها.
قيل لابن عرفة: على القول بأن الرشد مشروط بالعدالة يلزم الدور؛ لأن العدالة في الرشد بكونه مرضيا في أحواله لَا عدالة الشهادة، قاله عياض في الشهادات من التنبيهات.
قوله تعالى: (وَلَا تَأكُلُوهَا إِسرَافًا وَبِدَارًا).
ابن عرفة: الظاهر أنه حال؛ لأن الإسراف هو أن يأكلها وهو غني عنها، أو يكون فقيرا فيأكلها بغير المعروف، وحكى ابن العربي أن الآية منسوخة بقوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) فقال ابن عرفة: إنما يحتاج لهذا لو لم يقل (ظُلْمًا)، وأما مع ذكره فلا تناقض فيمن أكل بالمعروف ولم يأكل ظلما.
قوله تعالى: (فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ).
ابن عرفة: الفاء للتشبيه؛ لأن حفظهم للمال سبب في دفعهم إياه للأيتام، وهل المراد إذا أردتم الدفع فيكون الإشهاد بالمعاينة حين الدفع فإذا دفعتم بالفعل فيكون الإشهاد بعد ذلك.
قوله تعالى: (وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا).
إما وعيد للأيتام إذا أخذوا المال من الأوصياء وجحدوه ولم يعترفوا به.
قوله تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ... (٧)﴾
إما ترق فيكون تأكيدا، أو تدلي فيكون تأسيسا؛ لأنهم إذا أمروا بالإعطاء من القليل فأحرى الكثير، ومنهم من قال: إن القليل ربما تسمح النفس به وبالإعطاء منه بخلاف الكثير.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ... (٨)﴾
عبر بـ إذا دون إن إما إشارة إلى ترجيح الأمر بإرزاقهم منه وتأكيده، وإمَّا لأن حضورهم أمر غالب أكثري وإلا لمجرد وصف القرابة واليتم والمسكنة موجب للأمر بإرزاقهم سواء حضروا أو غابوا فهو مفهوم خرج مخرج الغالب أو العطف تدلٍّ لوجهين: أحدهما شرعي وهو حديث الصدقة على الأقارب صدقة وصلة اليتيم ضعيف لَا قدرة له بخلاف المسكين، والثاني أن القرابة وصف ثابت خيري غير مكتسب، وكذلك اليتيم، وأما المسكين فقد يكون تسوء في إتلاف ماله فلا فتسمح النفس بالصدقة عليه، والآية حجة على أبي حنيفة القائل بتوريث ذوي الأرحام كلهم؛ لأنهم لو كان لهم حظ في الإرث لما أمر الله تعالى برزقهم من المال، وهذا هو الجمع
بينها وبين التي قبلها وهي قوله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) لأن ذلك يقتضي ميراث الجميع، وهذه تقتضي عدمه فالجمع بينهما بأن تلك فيمن فيه مع القرابة سبب آخر موجب للإرث وهذه فيمن ليس فيه ذلك السبب.
قوله تعالى: (فَارْزُقُوهُم مِنْهُ).
ولم يقل: فأعطوهم منه تهييجا على كمال الإعطاء وإشعارا بأن ذلك من الرزق الحاجي الذي به قوام الأنفس، وأيضا فهو إشارة تقليل ذلك ويسارته بخلاف ما لو قال: فأعطوهم،
وقال الزمخشري: إن هذا مندوب أو واجب، وهو إن كان واجبا فهو إما منسوخ أو غير منسوخ، وقال ابن عطية: وهو مندوب أو واجب وعلى كلامهم فهو إما منسوخ أو غير منسوخ يتحلل، ابن عطية: ابن عرفة: تقدمنا أنه إذا كان الجواب مثبتا يؤتى بـ إذا وإن كان منفيا يؤتى بـ لو، والخوف على الذرية الضعاف أمر ثابت محقق فهلا أتى بـ إذا، قال: وعادتهم يجيبون بأنه روعي في هذا سبب الشرط، وسبب الشرط هذا المراد نفيه لينتفي كون الذرية ضعافا،
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾
نقل ابن عرفة كلام المفسرين، ثم قال: ومن عادتهم يقولون من قواعد علم البيان أنه إذا كان مضمون الجملة مشكوك فيه يؤتى بإن تأكيدا للمعنى المراد وتثبيتا له وتحقيقا وإن كان محققا، والشك في اختصاص المخبر عنه يؤتى بإنما المقتضية للحصر كقولك في الأول الذي يأتيك: إنه لص، وفي الثاني الذي يأتيك فإنه سارق، بل مشكوك فيه بأنا إذا علمناه بهذا الخبر وإنما المحقق عندنا عقوبتهم فقط لَا عقوبتهم بأكل النار فكان الأصل أن يؤتى فيه بإن، فيقال: إنهم يأكلون في بطونهم نارا، قال: والجواب أنه روعي فيه كون أكلهم من حيث هو معلوم لعلمنا أنهم يأكلون شيئا بالإطلاق ويجيء بإنما لتقيد حصر أكلهم في النار، قلت: وأجاب بعضهم بأنه إن لم يرد بأكلهم النار حقيقة بل مطلق تذميمهم على ذلك، وأنهم مجازون عليه فهو معلوم؛ لأنا نعلم نصا أن أكل المال ظلما موجب العقوبة مطلقا وإن أريد أنهم يعذبون بأكل النار حقيقة فهو غير معلوم لنا لكنه نزل منزلة المعلوم تحقيقا له حتى صار كالمشاهد الذي لَا يخالف أحد فيه فيكفي في الإخبار عن وقوعه أو في شيء من غير تأكيد فلم يبق إلا الحصر فأدخلت إنما دليلا عليه.
قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ... (١١)﴾
ولم يقل: أبنائكم لصدق الابن على ابن التبني، والولد أيضا والولد لَا يصدق إلا على ولد الصلب وورث ولد الولد بالإجماع لَا بالقياس.
قوله تعالى: (لِلذكَرِ مِثْلُ حَظِ الأُنْثَيَينِ).
الزمخشري فإن قلت: هلا قال للأنثيين مثل حظ الذكر أو الأنثى مثل حظ نصيب؟، قلت: بدأ لبيان الذكر لفضله كما ضوعف حقه لذلك، ولأن قوله (حَظِ الأُنْثَيَينِ) قصد إلى بيان فضل الذكر، وقوله: للأنثيين مثل حظ الذكر قصد إلى بيان نقص الأنثى وما كان قصد إلى بيان فضل الشيء كان أدل على فضله من القصد إلى بيان نقص غيره عنه، ولأنهم كانوا يورثون الذكر دون الإناث وهو السبب لورود الآية، فقيل: كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث فلا يتمادى في حظهن حتى يحرمن، قال ابن عرفة فإن قلت: هلا قيل: للذكر مثل حظ الأنثى مع ما حصل مركوزا في نفوسهم أنهم لَا يورثون مع الذكور لأوهم أنه يرث جميع المال دونهم أو النصف، وفي الحديث: "إن للابنتين الثلثين" هل هو معارض لبعض عموم الآية؟ فيكون مخصصا لها أو معارض لها فيكون ناسخا لها، والظاهر معارض لمفهوم الآية لكن في الآية مفهومين متعارضين فقوله: (فَوقَ اثنَتَينِ) مفهومه أن الابنتين كالواحدة قوله: (وإن كَانَتْ وَاحِدَةً) مفهومه أن الزائد عليها له الثلثين فيعمل هذا المفهوم؛ لأن الحديث يعضده.
قوله تعالى: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ).
ابن عرفة: اتفقوا على أن الأم يحجبها ثلاثة من الإخوة فصاعدا واختلفوا في الاثنين، فقال ابن عباس: إنها ترث معهما الثلث، وخالفه سائر الصحابة حسبما قاله عثمان مع الآخرين، فقال ابن عباس بقوله واتخذه مذهبا ثم إن ذلك القائل رجع عن مذهبه إلى مذهب الجماعة فانعقد الإجماع بعد مخالفة ابن عباس لَا قبله، قيل: أو يقال: انعقد الإجماع حين مخالفته هو لَا قبله، ولذلك بعد خلافه خلافا، قال: الظاهر الأول.
قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ).
قال أبو حيان: إنما قال من السدس وسلمه له المنتصر.
ورده ابن عرفة: بأن يلزم عليه أن يكون أحدهما: السدس وهو مقيد بهذه الحالة وهي حالة الوصية والدين فإن لم يوصِ لم يكن لها السدس.
قوله تعالى: (لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) إشارة إلى أن الوارث إذا اشتمل الوصية والدين وأداه عن الميت، فإنه أعظم له أجرا وأكثر له نفعا من أخذه ذلك لنفسه؛ لأن الأول: نفع أخروي أن فيه ثواب التوفية بالحق الواجب، والثاني: يقع دنيوي وأي إما موصولة أو استفهامية وكان بعضهم يختار أنها موصولة إذا كانت من الله تعالى لاستحالة الاستفهام في حقه.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا).
إما كان للدوام أي كان ولم يزل، وإمَّا أنها على بابها؛ لاقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي؛ لأن الخطاب بهذه الأحكام حصل [للمكلفين*] العلم بأن الله تعالى بين الخطاب موصوف بالعلم والحكمة، فقيل له: كما علمتم اتصافه؛ لأن بهما كذلك فاعلموا بأنه كان أيضا موصوفا بهما فيما مضى وانقطع.
قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ... (١٢)﴾
ابن عرفة: [الأزواج مخصوص بالكتابيات، [وإلا فإنه لَا يرث المسلم الكافر*] والأمة يرثها سيدها لَا زوجها، أو لَا يخصص بالنكاح الفاسد؛ لأنا إن قلنا: إن فيه الميراث فهو نكاح وزواج صحيح، وإلا فليس بنكاح، وليست له زوجة، قال: وقوله مخصوص بالأحرار، قال ابن عرفة: عادة الطلبة يوردون هنا سؤالا وهو أن هذه الجملة الشرطية قدم عليها جزاؤها في اللفظ وإن كان المعنى مؤخرا عنها، والجملة التي بعدها أخر عنها جزاؤها، فما السر في ذلك؟ وأجيب: بأن الجزاء في الأولى كالمقتضي، والشرط كالمانع، والمانع متأخر على المقتضي، فالحكم اقتضى أن للأزواج من زوجاتهم النصف والولد كالمانع، فقال ابن عرفة: إنما عادتهم يجيبون بأن حكم الأول شرط بوصف عدمي، وهو عدم الولد والأصل في الأشياء العدم، فالجزاء فيها ثابت بالأصالة من غير شرط فيه، والجزاء في الثانية مترتب على أمر وجودي، والمترتب على الوجود [متأخر*] عنه في الوجود فلذلك أخر عنه في اللفظ.
قوله تعالى: (فَإِن كَانَ لَهُن وَلَدٌ).
يتناول ولد الزنا وولد الرشدة، وقيل لابن عرفة: ما أفاد قوله: (مِمَّا تَرَكَ) مع أنه مستفاد من الأول، فقال: أعيد؛ لأن هذه جملة أخرى فالأصل ذكره.
قوله تعالى: (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ).
الولد الرشدة؛ لأن ولد الزنا لَا يلحق بأبيه بوجه وإنما يلحق بأمه.
قوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ رَجُل يُورَثُ كَلالَةً أَو امْرَأَةٌ).
فإن قلت: هلا قال: وإن كان أحد يورث كلالة ليدخل الصغير والكبير والذكر والأنثى، فالجواب: أنه قصد التنبيه على الصورة الغريبة النادرة وهي عادة المتأخرين في التمثيل بالصورة الغريبة لتدل على غيرها من باب أحرى بخلاف المتقدمين فإنهم يمثلون بالصور الجلية الواضحة ويتركون الخفية، قال: وذلك أن وجود الولد للرجل والمرأة أكثري وأمر غالب، وعدمه أمر نادر بخلاف فقدان الوالد للصبي فإنه ليس بنادر بل هو كثير، وأجاب السهيلي بقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ) والوصي لَا يصح منه ذلك.
ورده ابن عرفة: بصحة الوصية من الصبي المميز حسبا، قال في الوصايا الأول من المدونة، ويجوز وصية الصبي ابن سبع سنين فأقلهما يقارنهما إذا أصاب وجه الوصية، وبأنه كان يؤتي أولا باللفظ العام، ثم يقول: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ)، (أَوْ دَيْنٍ) ليتناول بعض صور ذلك العام وهو من تصح عنه الوصية والدين، وذكر ابن عطية هذه الفريضة الحمارية وأنها زوج وأم وإخوة، لأم وإخوة شقائق، وكذا في رسالة ابن أبي زيد، وقال الفراء، وابن الحاجب: إنها إما أم أو جدة، وتكلم أبو حيان هنا في العطف، وهل يشترك في الإعراب والمعنى أم لَا؟ كما قال ابن بشير في التيمم من أن الأصوليين اختلفوا في العطف، ابن عرفة: والتشريك شك إنما فهم من السياق فدل على أن ثم وصف مقدر، والمفضل هو الميت، أي: وإن كان الميت رجلا يورث كلالة.
قوله تعالى: (فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثلُثِ)
احتجوا بها أن الشركة تقتضي التساوي، ووقع في المدونة في السلم الثالث وفي القراض، قال في السلم: وإن ابتاع رجلان عبدا فسألهما رجل أن يشركاه ففعلا، فالعبد بينهم إتلافا فظاهره أنها تقتضي التسوية، وقال في القراض: وإن أقرضه ولم يسم ماله من الربح وتصادقا على ذلك أو على أن له شركاء في المال إن لم يسمه كان على قراض مثله إن عمل، فظاهره أنه لَا يقتضي التسوية بأن لفظ اشتركا يقتضي التسوية، ولفظ أشرك بمعنى النصيب فهو للنصف وغيره، ابن عرفة وأجيب: بأن القرينة في الآية عينت أن المراد المساوي وهو قوله: (فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ).
قوله تعالى: (غَيْرَ مُضَارٍّ).
قال ابن عطية: المضارة إنما هي في أكثر من الثلث، وأما الثلث فالمشهور من مذهب مالك رحمه الله إن ضارر فيه تنقل الوصية، وقيل: إنها ترد، وإن كانت في الثلث، فقال ابن عرفة: ليس كذلك بل الأمر على العكس سواء فالمشهور
أنه إن قصد الضرر ترد الوصية؛ لأن في كتاب الوصايا من المدونة ما نصه، وإذا أوصى بثلثه لوارث، وقال: فإن لم يجزه باقي الورثة فهو في السبيل لم يجز ذلك! وهو من باب الضرر وكذا لو أوصى لوارث بعبد، وقال: إن لم يجيزوا فهو حر فإنها تبطل ويورث، ولو قال عبدي حر وفي سبيل الله، أو قال: داري وفرسي في السبيل إلا أن يشاء ورثتي أن ينفذوا ذلك لابني، فذلك صحيح على إوصائه فحاصله التفريق بين تقديمه الورثة أو الأجنبي فإن قدم الوارث في لفظه كان قرينة في إرادة الضرر فتبطل الوصية كلها.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ).
أي (عَلِيمٌ) بمن يوفي بما أمر به (حَلِيمٌ) عمن خالف وعصى فلا يعاجل بالعقوبة.
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ... (١٣)﴾
قال ابن عرفة: الظاهر أن (تِلْكَ) مبتدأ، و (حُدُودُ) خبر لوجهين:
أحدهما: أن الحدود أضيفت إلى اسم الله تعالى تعظيما له في الجزاء المستفاد من الجملة.
الثاني: أن حدود أعم من المبتدأ، قال: وفي لفظ الحدود إشارة إلى أن تأكيد الأمر يتوقى الشبهات كلها، وأن المكلف ينبغي له الأخذ بالاحتياط، وأن يحمل أوامر الشرع كلها على الوجوب ونواهيه على التحريم، قال: وفيها سؤال وهو لم خصص الحدود بالله دون رسوله مع أنها أيضا حدود رسوله؟ ثم قال: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسولَهُ) فأسند الطاعة لهما، قال: والجواب أن الرسول هو مبلغ عن الله تعالى إذ لا معرفة لهما إلى حدود الله إلا من جهة رسله فكونها من جهة الرسول معلوم لنا بالمشاهدة والعيان فالإعلام بذلك من باب تحصيل الحاصل وإضافتها إليه يستلزم إضافتها إلى رسوله، بخلاف الطاعة فإنها قد تفهم مفردة في حق الله تعالى دون رسوله، فقرنت طاعة الرسول بطاعة الله تعالى تشريفا له كما جعلت طاعة الرسول طاعة الله عز وجل، قال تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ).
قوله تعالى: (يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ).
إن قلت: هلا قيل: ومن يطع الله ورسوله ولم يتعد حدوده كما قال تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ) قلت: اكتفاء بقوله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ
اللَّهِ) وتحقيقا لمذهب أهل السنة في أن من أطاع في شيء وعصى في شيء يطلع من الجنة.
قال الزمخشري: وقرئ (يدخل) بياء الغيبة وهو التفات.
ورده ابن عرفة بأن الالتفات إنما هو قراءة التكلم، ثم أجاب بأن هذا اللفظ واقع موقع ضمير المتكلم، فإنه قال: نلك حدودنا ومن يطيعنا حسبما قال السكاكي: إن مثل الالتفات، ورده عليه الآخرون وهي مسألة خلاف وجاء هذا على أحد القولين عند البيانيين.
قوله تعالى: (وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
قال ابن عرفة: عندي فيه حذف التقابل: (يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) وله نعيم مقيم، (وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وفي تسمية (يُدْخِلُهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا) إن قلت: ما أفاد قوله: (وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ) قلت: الجواب أن الفضائل على ما نقل عليها في كتاب النكاح من الإكمال على المازري في حديث: "ولم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم" يطلق على مخالفة الواجب والمندوب، ولا يلزم من ثبوت الأعم [ثبوت*] الأخص فأتى بالأخص ليكون نصا في أن هذا الوعيد إنما هو أن ارتكب الأمرين، وإن قلنا: إن العصيان خاص بالمخالفة في الواجب والمحرم فيكون القصد بقوله: (وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ) رفع لجواز المتوهم فالحاصل أن العطف تأسيس لَا تأكيد، واحتج بعضهم بها لأهل السنة من ناحية أن الثواب لمن اتصف بمطلق الطاعة والوعيد مرتب على مخالف في الأمرين، وأجيب: بأن الوعيد أيضا بمن اتصف بمطلق العصيان، ورده شيخنا بأن هذا الوعيد إنما هو لمن تعدَّى حدود الله وهو الكافر، وأما العاصي فلم يتعد الحدود، وإنما تعدى بعض الحدود، قيل لابن عرفة: أو يكون العصيان راجعا لمخالفة الأوامر، وتعدي الحدود لمخالفة النواهي [... ] قوله تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى).
قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ... (١٥)﴾
قال ابن العربي: لَا تدخل فيه الأمة كما لم يدخل العبد كما في قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُم) الآية إذا لم يكن العبد من رجالنا لم تكن الأمة من نسائنا، فرده ابن عرفة: بأن منصب الشهادة شريف والعبودية
نقص يمنع منه، والفاحشة لحساستها بالزنا هو الذي يطلب الشهادة عليه، وأما من لم يرم به فالستر في حقه أولى، ويستكشف الشهود في الزنا؛ لأن المقصود منها الستر يسألون على أي حال، وفي أي موضع وفي أي زمان، وكذلك القطع في السرقة؛ لأن أكثر النَّاس لَا يفرقون بين السرقة والاختلاس والخديعة والتعدي والغصب والنهب والخيانة والغيلة والحرابة؛ لأن أحكامهما مختلفة، وقال أبو عمران: في النظائر شهود السرقة لَا يستكشفون ابن عرفة وهو غلط، وكذلك اشتراط إيجادهم في زمن الأداء كشهود الزنا وهو غلط أيضا، ابن عرفة وقوله تعالى: (فَإِنْ شَهِدُوا) إنما عبر بدون إذا؛ لأن المقصود عدم شهادتهم، وقوله تعالى: (حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) عقبه لأن المتوفى أعم قال الله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا).
قوله تعالى: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا).
أو بمعنى إلا أن ولا يصلح أن يكون بمعنى إلى إلا إذا قلنا: أن ما بعد إلى داخل فيما قبلها، وقد قالوا في:
[وكنتُ إذا غَمَزْتُ قَناةَ قَوْمٍ... كَسَرْتُ كُعُوبَها أَوْ تَسْتَقِيمَا*]
قال ابن عطية: أما [البكر فلا خلاف أنه يجلد*] واختلفوا في نفيه وتغريبه، فقال الخلفاء الأربعة، ومالك والشافعي رحمهم الله: أنه لَا يُنفَى، وقال جماعة: يُنفَى، وقيل: نفيه حجة، ولا تُنفى المرأة ولا العبد هذا مذهب مالك وجماعة.
ابن عرفة: وهذا غلط؛ لأن في كتاب الرجم من التهذيب ما نصه ولا نفي على النساء ولا العبيد ولا تغريب ولا ينفي الرجل الحد إلا في الزنا، وفي حرابة فينفيان جميعا في الموضع الذي لَا ينفيان إليه بسجن الزاني فيه والمحارب حتى تعرف توبته، فإن قلت: لم قال (مِنْ نِسَائِكُمْ)، قلنا: المراد بإخراج الذمية لقول مالك في كتاب الرجم في المدونة وإن زنا مسلم بذمية حد، وردت هي إلى الأصل في دينها فإن شاءوا رجمها فلم أمنعهم، فإن قلت لم قال: (فَاسْتَشهِدُوا) فأمر بطلب الشهادة مع أنه موضع يقصد فيه الستر شرعا، قلنا: المراد به الحاكم فهو إذا أخبر بأنهما زنيا؛ بحيث هل يشهدهما أحد أم لَا؛ لأنه يأمر الشهود بالبحث عنهم ابتداء فإن لم يجد من يشهد عليهما كان من أخبره بذلك قادحا فنحده.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحَا... (١٦)﴾
إما عطف تفسيري مثل: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ)، أو المراد به ما زاد على التوبة، وهو إن يستديم على ذلك ويتزايد حاله في الصلاح شيئا فشيئا، ليكون ذلك دليلا على صدق توبته.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا).
إن قلت: لم أخر الرحمة وهي سبب في التوبة، قلنا: لأن المقصود عموم رحمته بالتوبة وغيرها فمن لم يتب من الفاحشة وهو مؤمن فإنه عندنا في المشيئة ولا بد له من الجنة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ... (١٧)﴾
ابن عرفة: منهم من شرط في الندم العزم أن لَا يعود إلى الذنب، ومنهم من لا يشترط ذلك، وقوله تعالى: (عَلَى اللَّهِ) بمعنى إن إمكان القلوب غير القبول فنحن نقطع بإمكان قبول توبة التائب شرعا ويبقى قبولها بالفعل مستفاد من قوله تعالى: (فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيهِم) فيكون تأسيسا ونظيره أن يقول: من دخل داري اليوم فأعطيه درهما، وزيد عظيم فأعطه درهما.
قوله تعالى: (بِجَهَالَةٍ).
قال ابن عطية: ليس المراد به جهلهم بأن ذلك معصية؛ لأن المتعمد أيضا يصح توبته إجماعا، ابن عرفة.
وقال الفخر: المعصية لَا يصح صدورها من العالم؛ لأن الداعي لقضايا اقتضى ترجيحا، فإن كان المكلف حينئذ عالما بأنها معصية وإن تركها أرجح من فعلها ثم تعمد لقضايا فهو جهل التقدمية المرجوح على الراجح، فلا بد أن يكون ذلك بدل اقتضى عنده ترجيح المرجوح، وترجيح المرجوح جهل، ابن عرفة: وفيه بحث بأنه يلزم عليه اجتماع النقيضين؛ لأن علمه اقتضى أن الترك راجح، والداعي اقتضى أن الفعل راجح فيجتمع النقيضان، قال: وهذا كلام موجب إشكالا في فهم كلام أهل السنة في قولهم: إن الأمر غير ملزوم للإرادة وإن الأمر قد يأمر بما لا يريد خلافا للمعتزلة، فإن قلت: لم أفرد السوء وجمع السيئات، قلت: لقوله تعالى: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) فهم ينفون أن يذنبوا ذنبا واحدا يتوبوا منه بخلاف الآخرين، فإنهم يتربصون حتى يكفر ذنوبهم ويتكرر ويعاينون مقامات الموت وحينئذ يتوبوا معه.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا... (١٩)﴾
ابن عرفة: هذا نفي لأحد أقسام الشريعة وهو المباح وإذا انتفى، انتفى أن يكون واجبا لهم أو مندوبا من باب أحرى، ويبقى الحرام والمكروه، هل هو حرام لهم أم لا مكروه؟ لكن إن فسرنا المباح بالمأذون في فعله فنقول إنه لإثبات المكروه بوجه؛ لأنه غير مأذون في فعله، وإن فسرناه بالذي لَا يترتب على فعله ثم احتمل أن يكون هذا حراما أو مكروها، فإن قلت: ما أفاد قوله: لكم؟، قلنا: أفاد التهييج على المنع من ذلك بأداة الخطاب أي لكم أيها المسلمون الملتزمون لأحكام الشريعة المحمدية.
قوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).
ابن عرفة: إن أريد بالمعروف المباح، فالأمر للوجوب وإن أريد الزائد على ذلك فالأمر للندب.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ... (٢٠)﴾
ابن عرفة: الفعل الواقع شرطا تارة يأتي غير مصرح فيه بالإرادة مثل: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) مع أن المراد إذا أردت أن تقرأ القرآن وإذا أردتم القيام للصلاة، وتارة يأتي مصرحا فيه بالإرادة هكذا الآية فما السر في ذلك؟، ثم قال عادتهم يجيبون بأنه إذا كان فعل الشرط مرادا وقوعه شرعا أمر به في صورة الواقع حتى كأنه أراده وفعله، فإن كان أمر أو عدمه فيؤتى به مسندا إلى إرادة المكلف واستبدال الزوج مكروه مراد عدمه شرطا لحديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق". ولذلك عبر في قوله تعالى: (فَإذَا قَرَأْتَ) و (إِذَا قُمْتُمْ) بـ إذا وفي هذه بإن، فإن قلت: ما أفاد قوله: (مَكَانَ زَوْجٍ) والمعنى مفهوم يغني عنه، قلنا: ذكر ليعاد عليه الضمير في قوله تعالى: (إِحْدَاهُن قِنْطَارًا).
قوله تعالى: (فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا).
ابن عرفة: الأخذ يكون بأحد ثلاثة أمور إما بأن يضايقها ويضاررها ويستكرهها حتى ترد عليه ما أخذت منه، وهو السبب في نزول الآية، وإما بأن يطلب ذلك منها برفق ولين فترد عليه طائعة، وإما بأن تطوع هي له بذلك من غير سؤال ولا طلب، فنهوا الأزواج عن أخذ ذلك مطلقا، وإن كان طوعا على سبيل المبالغة وإلا فمعلوم أنه
إن كان لضرر منها والنشز بسببها فخالعته بشيء، فإنه يجوز له أخذه؛ لأنه معاوضة، ولذلك تقدم لنا إذا خالعته بطعام فاختلفوا هل يجوز بيعه قبل قبضه على قولين.
قوله تعالى: (أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا).
ابن عرفة: الظاهر أن الواو بمعنى أو [للتفصيل*]، فالبهتان راجع إلى كذبه عليها ورميه [فقط*] بالزنا حتى ترد عليه ما أخذت منه، والإثم للبنين يرجع إلى تضييقه عليها بغير ذلك، فمن النَّاس من يكذب على زوجته ومنهم من يضيق عليها، ويهين عشرتها حتى يسترجع منها ما كان دفع إليها.
قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ... (٢١)﴾
ابن عرفة: انظر ما أحسن هذا الترتيب فهو يفهم على أسلوب طريقة أهل الفقه؛ لأن المجتهد إذا الحكم في المسألة لم يتم له إلا بأحد أمرين:
أولهما: أن يأتي بالدليل المقتضي للثبوت.
الثاني: انتفاء المانع منه فلما حكم بعدم الأخذ منه عقبه ببيان أنكم ليس لكم دليل موجب لجواز أخذ ذلك بل هو مجرد بهتان، وإن سلمنا أن لكم في أخذ ذلك مستندا أو دليلا فهناك مانع يمنع الأخذ، وهو إفضاء بعضكم إلى بعض، وتقرر العهد بينكم بالمواثيق.
قيل لابن عرفة: الحكم عام في الدخول بها وضرها، فقال: جرى على غالب الأمور؛ لأن الغالب في وقوع الشر إنما يكون بعد الدخول، وكونه قبله نادرا، قال ابن عطية: ويؤخذ من الآية جواز المغالات في المهور، وذكر قضية عمر.
ورده ابن عرفة: بحديث خرجه عبد الحق عن عائشة رضي الله عنها وكرم وجه أبيها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يمن المرأة تيسير أمرها وقلة صداقها"، وقلت أنا ومن شؤم المرأة عسر أمرها وكثرة صداقها.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ... (٢٢)﴾
قال ابن عرفة: الأب يطلق حقيقة على الوالد، وعلى الجد مجازا، ففيه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، لكن الجمع وهو أخف من المفرد، وإذا أريد بالنكاح العقد فيدخل فيه ملك اليمين باللزوم، ولأن المراد ما دخل في حكم النساء وصح له وطؤه، قال ابن عرفة: النكاح المجمع على صحته ينشر الحرمة بلا خلاف، وضده المجمع على فساده كنكاح الأخت والبنت لَا مثل حرمة لَا خلاف والمختلف فيه حكى اللخمي
فيه الخلاف، قيل له: بل حكى اللخمي الخلاف في المتفق على فساده وهو في المدونة إنها في الجمع بين الأم وابنتها في العقد فقط، ثم يصح قبل الدخول فإنه يباح له نكاح الابنة، وقيل: ليس له ذلك لأجل شبهة العقد قال: ويحتمل بهذا الزنا ويكون قوله تعالى: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) مستثنى من بعض صور ذلك، وهو صورة الزنا.
قال ابن عطية: أو يكون المراد ما عثر عليه في الجاهلية فأقره في الإسلام، فرده ابن عرفة: بأن لَا يصح أن يكون المعنى إلا الدوام (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) وإنما المراد إنشاء العقد إلا أن يجعل الدوام كالإنشاء وهو بعيد.
قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا).
ابن عرفة: الظاهر أن المعطوفات تأسيس فالمراد بالفاحشة ما عظم منعه شرعا، والمقت هو المنقوص اعترض بقدر عيب الشهوة فتنزه من فعلها، وقوله تعالى: (وَسَاءَ سَبِيلاً) إما باعتبار عاقبة أمره في الدار الآخرة، وإما بمعنى أن الولد الناشئ عنه يقال لهَ: ولد المقت فيكون العطف في هذا كله تأسيسا.
قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ... (٢٣)﴾
ابن عرفة: قالوا: النهي يرد في القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدها: بلفظ التحريم لهذه الآية ومثل: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) وهو أشدها وعليه أن لَا يقال: لَا يحل لك أن تفعل كذا ودونه أن يقال: لا تفعل كذا؛ دونه بفعل التحريم والكراهة، وقال تعالى في الأول: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا) فذكر التعليل بالفاحشة مع علته فرأيت الثلاث، وهو قوله: (لَا تَنْكِحُوا) ولم يذكره هنا وهو النهي الصريح الذي هو أقواها وهو: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ)، والمناسب كان يقرن التعليل بالفاحشة ونتيجتها مع مخاطب بالنهي الشديد المتأكد ليقع المناسبة بين الحكم وعلته.
قال ابن عرفة وأجيب بوجهين:
الأول: أن لفظ التحريم نص في إفادة المعنى المراد منه فيغني عن تعليله بذلك بخلاف لفظ (لَا تَنكِحُوا) فإنه لما كان محتملا افتقر إلى اقترانه بتعليل يعني أن المراد فيه التحريم.
الثاني: أن النفوس مجبولة على الامتناع في الأمهات والنساء وما ذكر معهن فأغنى ذلك عن ذكر علته، قال البيانيون: والأصل تقديم المرفوع على المجرور وما تقدم
المجرور إلا تمكنه إما للاهتمام أو غير ذلك، وهنا إنما قدم المجرور لكثرة المرفوعات وتكررها فلو أخر عنها لبعد من العامل واختل المعنى.
قوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ).
ذهب داود إلى أن الربيبة التي ليست في الحجر حلال مثل أن يتزوج رجل امرأة ولها بنت عند أمها فطلق المرأة واحتج بمفهوم الصفة، وأجيب: بأنه مفهوم خرج مخرج الغالب، ورده الشيخ عز الدين بأنه أحرى في [الحجر*]؛ لأنه يلزمكم أن لَا تكون الصفة فائدة، فلا بد للإتيان بالوصف من فائدة، وما هو إلا تحريم ما ذكر، وتحليل ما سواه، وأجاب ابن عرفة: بأنه لما كان كونها في غير محرم نادرا جعل مانعا كالعدم، وذكر هذا الوصف يجري مجرى التعليل أي (حُرِّمَتْ عَلَيْكُم)، لكونها ربيبة في حجوركم، قلت: فيكون من التعليل بالمظنة وتخلف الحكمة عنها في بعض الصور لَا يظن.
قوله تعالى: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ).
ولم يقل: الجمع بين الأختين ليفيد مواجهتهم بهذا الخطاب، فيكون أبلغ في التعبير عما نهوا عنه.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).
إما غفورا لما قد سلف منكم أو ما سيصدر منكم من المخالفة في ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ... (٢٤)﴾
اتفقوا الجميع على فتح الصاد ومن الكتابي في غير هذه الآية بكسر الصاد وهاهنا بالفتح، قال ابن عرفة: وجهه أن المحصنات هنا ليس إلا من قبيل المنع، لأن النكاح هنا المراد به الوطء ليس إلا، والنساء منفعلات فغيرهن أحصنهن، وفي غير هذه الآية حديث "هن أحصن لأنفسهن إما بالظاهر وإمَّا بالإسلام أو بالحرية".
قوله تعالى: (إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ).
إن قلت: هلا قيل إلا ما ملكتم فهي الحقيقة وهي أخص، وأما هذا المجاز من إطلاق الكل على الجزء، فالجواب: أن المراد بهذا الشيء المأخوذ في الجهاد والغرور وإنما هو بالأيدي.
قوله تعالى: (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ).
مصدر إما مؤكد للجملة إن اعتبر (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ) مع معنى (كِتَابَ) مثل قام قياما أو وقوفا، أو مؤكد لنفسه مثل: قام زيد حقا، ومؤكد لفعل من لفظه لو كتب كتاب الله عليكم.
قوله تعالى: (وَأُحِلُّ لَكُمْ).
دليل على أن الأشياء على الحظر، ودليل على إبطال مفهوم اللقب؛ لأنه كان يكتفي من هذا بذكر المحرمات، قيل: وقرئ (وَأُحِل) على البناء للمفعول وحذف الفاعل عند النحويين للعلم به، وعند البيانيين تعظيما له، أي لم يذكر مع المفعول لشرفه وضخامة المفعول وجسامته؛ لأن المحل هنا هو الوطء ومقدماته، وأما العلم به فهو قدر مشترك في كل ما يحذف منه الفعل.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ... (٢٥)﴾
ابن عرفة: الظاهر أن من جملة لَا يشترط لوجهين: إما للمادة أو لأنه أغلب، إنما قيل: (مِنْكُمْ) ليفيد أن الخطاب للأحرار لَا للعبيد، وأجاب ابن عطية بأن المراد منكم أيها المؤمنون، ابن عطية، قال أشهب في المدونة: جائز للعبد المسلم أن يتزوج أمة كتابية فبغضه ابن عرفة بأن ابن يونس واللخمي إنما نقلا عنه جواز التمادي على ذلك بعد الوقوع؛ لأنه أجازه ابتداء فكان حقه أن يحكمه كذلك، أو يقول لَا فرق بين التمادي عليه وبين جوازه ابتداء.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم) على أن وصفه المؤمنات، في قوله تعالى: (الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) معتبر.
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ... (٢٦)﴾
قال ابن عرفة: اختلف الأصوليون هل يرد في القرآن ما لَا يفهم أم لَا؟ وقال بعض شراح المحصول قلت: أظنهم يبينون أن المعنى القديم الأزلي يستحيل فيه، وإنما الخلاف في الألفاظ.
قوله تعالى: (وَيَهْدِيَكُمْ).
الهداية تطلق على معنى أعم ومعنى أخص، فالأعم هو التمكن من أسباب السعادة، والأخص هو خلق القدرة على فعل أسباب السعادة، فإن أريد بها هذا المعنى الأعم لزم التكرار؛ لأنه مستفاد من قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) وإن أريد الأخص لزم الحلف في الخير؛ لأن الكفار غير مهديين، وكذلك عصاة المسلمين، قال: والجواب أنا نختار بها المعنى الأعم لكي يكون البيان الأول أعم من الهداية،
كما تبين النقد طريق الجامع وتنبيها للصحيح، فالأول: بينت له ولم يمكن منها، والثاني: بينت له ويمكن عنها والمعنى ليبين لكم ويمكنكم سلوك طريق من مضى من الأمم، وإذا مكنوا منها فتارة يهتدوا، وتارة لَا يهتدوا، ابن عرفة: وهذا ترتيب مني؛ لأنه يبين أولا طريق الرشاد ومكن من سلوكها وخلق القدرة على سلوكها بعض النَّاس، وتاب فمن عصى ولم يسلكها والله أعلم بالبينات.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ... (٢٧)﴾
ابن عطية: هذا تكرار للتأكيد، فرده أبو حيان: بأن معمول الإرادة هو التكاليف، أي يريد الله تكاليفهم ليبين لكم وليبين معمول التوبة، وقال المختصر في هذا نظر ابن عرفة: أراد أن التوبة معلقة بالفعل راجعة إليه، والتقدير يريد الله تكليفهم ليبين لكم وليتوب عليكم فكأنما معمول له.
قال ابن عرفة: والرد عندي على ابن عطية من وجهين:
أحدهما: أن البيانيين فرقوا بين قولك: زيد يقوم، ويقوم زيد، فقولك: (يُرِيدُ اللَّهُ) أعم (وَاللَّهُ يُرِيدُ) أخص فهو تأسيس.
الثاني: أن الأول تضمن مشروعية التوبة، والثاني: إخبار بقبولها، قيل لابن عرفة: مذهبنا أنها غير واجبة، فقال: عقلا، وأما شرعا فقبولها واجب.
قوله تعالى: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ).
ابن عرفة: منهم النفس فإنها تحب من صاحبها أن يفعل جميع شهواتها ومستلذاتها، ويقال: يميل بفتح الياء.
قيل لابن عرفة: نص البصري في شرح قول الشقراطيسي
فانقضَّ منكسر الأرجاء ذا ميل
أن الميل بالفتح إنما هو في المحسوسات قال: يكون هذا مثل، قول الزمخشري: في قوله تعالى: (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجَا وَلَا أَمْتا) أنه تنزيل المعنوي في منزلة الحسي، مثاله في الميل والعوج.
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ... (٢٨)﴾
إشارة إلى أن جميع التكاليف حقيقة، فينبغي أن تؤخذ بالقبول والامتثال، أي دليل يريد الله تكليفكم ليبين لكم، وإشارة إلى أن إباحة نكاح الأمة مع عدم الطول وخوف
العبث رخصة وتخفيف من الله تعالى على عباده ولا إثم فيه كما ورد " [إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه*] ".
قيل لابن عرفة: فيؤخذ منه لَا يجوز نسخ حكم قرئ في حقيقة الحكم بأن نقلا منه وإنما يحتج بالخفيف، فقال ذلك لَا تقل هو خفيف بالنسبة في غيره من الأحكام لا بالنسبة الموالي.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا... (٢٩)﴾
ابن عرفة: فيه إيماء لكون الكافرين غير مخاطبين بفروع الشريعة.
قوله تعالى: (لَا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ).
ابن عرفة: عبر بالأكل لوجهين: إما لأنه عام في بني آدم والبهائم بخلاف اللباس، وإما لأنه أهم على النفوس من اللباس والحاجة إليه أشد، فإذا جوع الإنسان نفسه فإنه لَا يتشوق إلى التلذذ باللباس.
قوله تعالى: (أَموَالَكُمْ).
إن أريد مال الإنسان نفسه فإن النهي يتناول الأموال المقيدة فيها بالدنيا، وإن أريد نهيه عن أكل مال غيره فيكون مطلقا لكن قوله يفيد الثاني.
قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً).
أي لَا تأكلوا بسبب من الأسباب إلا بسبب التجارة، قيل له: والكون داخل في الأول فهو متصل فقال: الباطل ليس له كون كما أن الذوات ليست بكون.
قال ابن عرفة: وقدم أولا النهي عن النكاح الفاسد ثم بقي بالنهي عن أكل المال بالباطل فإن راعينا المفسدة، فمفسدة التزويج أشد من مفسدة المال؛ لأن حفظ الأنساب آكد من حفظ الأموال، وإن راعينا الحاجة فالحاجة إلى المال أسهل من الحاجة إلى النكاح بدليل أن الإنسان يجب عليه الإنفاق على ابنه بالطعام والشراب ولا يجب عليه تزويجه.
قوله تعالى: (عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم).
قال ابن العربي: مفهومه منع أكل المال الحاصل بالهبة والصدقة، فرده ابن عرفة بأن الآية اقتضت أن التراضي عنه في جواز أكل المال الحاصل فائدة فيه فأحرى عليه في جواز أكل ما حصل بالمعروف؛ لأن النكاح والهبة محض معروف، قال ابن
العربي: فظاهر الآية منع بيع الخيار؛ لأن التراضي في التجارة إنما يحصل بعد التروي والنظر عن غير عين.
قوله تعالى: (وَلَا تَقتُلُوا أَنفُسَكُم).
قيل لابن عرفة: فمن يقتل نفسه في حد من حدود الله كما أراد بقتل نفسه فقال: هو مأمور؛ لأنه مأمور بستر نفسه وبالتوبة، وقد قال مالك في المدونة فيمن قتل أخاه، وأتى رجل فقتل القاتل قال: أنه يقتل به [لافتئاته*] على الإمام فكذلك إذا قتل القاتل نفسه عليه إثمان، إثم المقتول، وإثم نفسه، ونقل له عن عز الدين غير هذا فاذكره.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا... (٣٠)﴾
قال: العدوان إما القصد وإما العمد، فيكون عطف (وَظُلْمًا) تأسيس، وإما أن يقول: العدوان تعدي الحدود، والظلم وضع الشيء في غير محله، فيكون العطف تأكيدًا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ... (٣١)﴾
قال ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق حكم التكاليف وكان العبد في مظنة عدم الوفاء لمشقتها، فقد تعرض القنوط عقب ذلك ببيان غفرانه تعالى عن كل شيء من ذلك، قال ابن عرفة: والكبائر عرفها الشيخ عز الدين بأنها كلها كوعد الشارع عليها بعقاب بنص في الكتاب والسنة، قال: فإن سألني عمن لَا نص فيه فنقيسه بأدنى الذنوب المتوعد عليها، فإن ساواه في المفسدة جعلناه بالكبائر، وإن قصر عنه حكمنا بأنه صغيرة، ابن عرفة: وفائدة الاجتناب يؤذن بأن التارك للمعصية يعطيه أو لعدم قدرته عليها، إما لذاته أو لمانع من إكراه ونحوه أن ذلك لَا يوجب تكفير الصغيرة لا اجتناب الكبائر خوفا من الله تعالى وامتثالا لنهيه لحديث: "إنما تركتها من أجلي" ولولا ذلك لقال: إن تتركوا كبائر، قال ابن عرفة: وعادتهم يعارضون الآية كما روي في الصحيح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: "من صلى صلاة أحسن وضوءها وركوعها وخشوعها فإنها تكفر صغائره ما اجتنبت الكبائر"، ووجه المعارضة، أن يقال: إذا كانت هذه الصلاة بهذه الصفة مكفرة للصغائر لم يبق ما يكفر باجتناب الكبائر، قال: وكانوا يجيبون: بأن التكفير مقبول بالتشكيك ويضربون لذلك مثلا برجلين اجتمعوا على قتل رجل ورفعا إلى ولي الأمر الذي عفى عن أحدهما بأول وهلة، وبقي مدة طويلة ثم عفى عن الآخر فقد حصل العفو عنهما معا، لكن لَا على التساوي في الزمان بل على التفاوت ولذلك هذا يكفر الصلاة الموصوفة بهذه الصفة
اجتناب الصغائر بالموازنة ويكفرها اجتناب الكبائر بأول وهلة من غير موازنة.
قوله تعالى: (مُدْخَلًا كَرِيمًا).
فما تحقق السؤال المتقدم في أن اجتناب الكبائر موجب لكمال المغفرة للصغائر وإن لم تكن معها تلك الصلاة الموصوفة بتلك الصفة.
قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ... (٣٣)﴾
فتدخل الجمادات.
قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ... (٣٤)﴾
ابن عرفة: الظاهر أنه حكم فهو خبر في معنى الأمر مقرون بعلته فالفاء للتسبب، ولو كان خبر حقيقة للزم الخلف عليه في الخبر؛ لأن بعض النَّاس على العكس يكون النساء قوامات عليهم.
قوله تعالى: (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ).
يؤخذ منهم أن المشركين في أمر تقدم الأفضل منهما عند التغاير، ففيه تقدم الأفضل في الأمر وفي الخلافة.
قيل لابن عرفة: هذا معلوم من خارج لَا جماعة له هنا بل العقل يهدي إليه، فقال: هذا هو مذهب المعتزلة، وإنما علم تقديم الأفضل من جهة الشرع.
قوله تعالى: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ).
إما أن المعنى تعلمون نشوزهن وتحققونه، أو تخافون نشوزهن فنشزوا، وإما مجرد الخوف فليس بموجب لهجرانهن وضربهن إلا بعد وقوع ذلك.
قوله تعالى: (فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا).
أي من ضرب وهجران ونحوه.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا... (٣٥)﴾
قال: إن المراد وإن علمتم وتحققتم ذلك، أو معنى وإن خفتم شقاق بينهما فشاقا [... ] على ذلك فحينئذ يحث [... ] وعبر بأن في (وَإِنْ خِفْتُمْ) لكراهة المشاقة
ومرجوحيتها، وعبر بأن في (إِنَّ يُرِيدَا إِصْلَاحًا) إشارة إلى أن الإصلاح ليس براجح مطلقا، بل قد يكون الفراق راجحا في بعض الأحوال، وإضافة الشقاق إما على معنى في مثل: يا سارق الليلة يجعل كان الليلة نفسها مسروقة مبالغة في السرقة.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا).
ابن عرفة: فائدة الوصف بـ خبير بعد عليم إشارة إلى علمه بخفيات الأمور خشية أن يظن أحد أنه إذا ضمر شيئا في باطنه وفعله مستخفيا مستترا أنه لَا يعلم به.
قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا... (٣٦)﴾
قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: العبادة متأخرة عن التوحيد، والتوحيد من لوازمه نفي الشرك، والمقدم على المقدم مقدم فهلا قدم النهي عن الشرك على الأمر بالعبادة بل مقارن لها؛ لأنه أحد صورها فليس بمقدم ولا متأخر، فرده ابن عرفة بوجهين:
الأول: بأن نفي الشرك أحد صور العبادة لَا متقدم عليها.
الثاني: أن العبادة مفتقرة إلى النية، لأنها عمل وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" والتوحيد لَا يفتقر إلى نية، قال الفخر في المحصول إذ لو افتقر إلى النية للزم التسلسل.
قوله تعالى: (وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا).
قال ابن عرفة: (شَيْئًا) إما مصدر أو مفعول والظاهر أنه مصدر لتجانس قوله تعالى: (إِحْسَانًا) لأنه مصدر، قال ابن العربي: ويؤخذ من الآية منع سفر بنية الحج والتجارة معا، والوضوء للعبادة والنشاط والنظافة معا؛ لأنه تشريك.
قوله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).
قال ابن عرفة: الإحسان لفظ أعم فينتج المناط فيه، أنه إن أريد به الأمر الخارجي الضروري فهو واجب وإن أريد ما زاد عليه فمندوب، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) فهو زائد على العدل، قيل لابن عرفة: إذا دعته والدته إلى أمر ودعاه أبوه إلى نقيضه فلمن يطيع؟ قال: يرجح بين المفسدتين من
الأحسن لهما فيتركب أخف الضررين، فالذي يكون له عصيانه أشد ضررا عليه من عصيانه للآخر يتركه وإن استوى الضرر إن أطاع الأم والمراد بالوالدين الأب وإن علا، والأم فما فوقها كما قالوا في قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) أنه يتناول الأب وإن علا.
قوله تعالى: (مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا).
قال ابن عرفة: المختال هو المتكبر بالفعل، والفخور المتكبر بالقول أو بالفعل.
قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ... (٤١)﴾
قال: ويجاب بأنه على حذف الصفة تقديره (مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ) مرسَل إليهم بشهيد إلا أنه إن أريد أمة مرسلا إليهم فهو المطلوب، وإن أريد أمة بالإطلاق أعم من المرسَل إليهم، وغيرهم فيستلزم عليه الخلف في الخبر؛ لأن غير المرسَل إليهم ليس منهم شهيد.
قوله تعالى: (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا).
ابن عرفة: هو عندي على حذف المعطوف، أي هؤلاء ولهم شهيدا.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ... (٤٢)﴾... قال الفخر: العطف تأسيس إن قلنا: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة فيعاقبون على كفرهم، ثم على عصيانهم.
قوله تعالى: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا).
إما مستأنف أو داخل تحت التمني، فالمعنى أنهم كتموا الحديث، فقالوا: والله ما كنا مشركين فلما عوقبوا بالعذاب الأليم ودوا أنهم صدقوا وأقروا بذنبهم وإن يحادوا بدلا من ذلك؛ لأن تسوى بهم الأرض.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى... (٤٣)﴾
ولم يقل: لَا تصلوا؛ لأن النهي عن القرب أشد من النهي عن الصلاة، قال ابن العربي، وقال الشافعي: لَا تقربوا مواضع الصلاة فرد عليه الشامي بأن أهل اللغة ذكروا أن تقربوا بفتح الراء في الأفعال وبضمها في المواضع فيقال: لَا تقرب البيت ولا تقرب الصلاة، ورده ابن عرفة: بأن الفتح في الجميع والشافعي رضي الله عنه أعلم باللغة، كذا قال ابن التلمساني رحمه الله في المسألة السابعة من باب الأوامر.
قوله تعالى: (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ).
ولم يقل: حتى تعلموا ما تتكلمون؛ لأن القول يطلق على اللفظ المركب والمفرد فيتناول المفردات كلها، ابن عرفة: وأخذوا منهم جواز تكليف ما لَا يطاق؛ لأن السكران مكلف حالة السكر، وهو الشرب فنهي عن شرب الخمر إذا أراد الصلاة.
الثاني: الفرق بين ابتداء التكليف وبين استمرار التكليف فإنما ذلك في النهي الابتدائي هو الذي يشترط فيه الإطاقة، وأما النهي المتمادي المستمر فلا يشترط الإطاقة إلا في ابتدائه لَا في استمراره، وقد مثله ابن التلمساني بنهر من على جبل عن الانحدار منه فهو قبل الشروع في الانحدار منهي عن ذلك؛ لأنه قادر عليه وعلى صده، فإذا حصل منحدرا وتوسط الجبل لم يستطع أن يحبس نفسه ولا أن يمنعه من النزول بوجه مع أن النهي عن ذلك مستمر عليه ومتماد.
قال ابن عرفة: وتقدم مضارعة هذه الآية وقضية حمزة لما قال الأصوليون: من حفظ للكليات الخمس وآكدها حفظ العقول والآية تقتضي أن السكر عندهم إنما هو السكر، والفرق بين السكر أن الطافح الغائب العقل وبين من معه بقية من عقله.
قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ).
ابن عرفة: هو عندي على حذف الموصوف أي وإن كنتم جنبا من مَنيٍّ أو على سفر، ويكون قوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُم مِنَ الْغَائِطِ) معطوف على الموصوف المقدر، أي وإن كنتم ذوي جنابة أو ذوي غائط أو ملامسة مرضى أو على سفر ولم تجدوا ماء فتيمموا ولا يكون فيه تقديم ولا تأخير، كما قال ابن يونس: بل فيها حذف المعطوف عليه الموصوف وأقيمت صفة مقامه وهي صفة الثاني فالتقدير: وإن كنتم جنبا (مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) فالأول بيان لحالة حدته، قال ابن عرفة: وفقدان الماء إما حسي حقيقة، وإما معنوي مجازا فيجده ولا يجد من يناوله إياه، أو يجده ويمنعه منه خوف لصوص، أو فيجده في البئر ويخاف فوات الوقت إن استعمله.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ... (٤٤)﴾
إما الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو لكل أحد على حدته.
قوله تعالى: (يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ).
إما حال من (الَّذِينَ) فهي محصلة، أو من الضمير في (أُوتُوا) فهي مقدرة.
قوله تعالى: (وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ).
قال ابن عرفة: السبيل يجوز عندي أن يكون حالا في (تَضِلُّوا) حالة كونهم في السبيل، وهو سبيل الحق وهذا أشد أن (تَضِلُّوا) حالة كونهم مستقرين في طريق قويم ويصح أن يكون طرفا، وقرئ (تضلون) بالتاء وبالياء، فعلى قراءتها بالياء يكون تأسيسا؛ لأنهم كفروا بضلالهم [وبإرادتهم إضلال غيرهم*]، وعلى قراءة [الياء*] فيكون تأكيدا بمعنى إرادتهم الدوام على ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥)﴾
قال ابن عرفة: كلام أبي حيَّان في أن الفاعل ضمير عائد على مصدر (وَكَفَى) الاكتفاء بالله وأنه [... ]، ثم قال ابن عرفة: هذا غير صحيح؛ لأنا نقول: كفى القتال بالسيف والرمح وإن جعلته متعلقا بكفى يكون زيد مكتفيا وهو غير صحيح هنا؛ لأنه يكون الله تعالى مكتفيا وليس كذلك، قال أبو حيان: وهذا يحتاج إلى تأويل.
ابن عرفة: إن أراد كفى أنها تدخل على الفاعل بقول: كفى بالله ولا تدخل على المفعول بوجه.
قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ... (٤٦)﴾
وفي العقود (مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) والفرق أنا إذا فسرنا التحريف والتأويلات الباطلة فالمعنى هذا أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص، وليس فيها بيان أنهم يحرفون تلك اللفظة من الكتاب، ومعنى ما في العقود أنهم كانوا يذكرون التأويلات الفاسدة وكانوا يحرفون اللفظ من الكتاب، فقوله: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ) إشارة إلى التأويل الباطل، و (مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) إشارة إلى إخراجه من الكتب ابن عرفة: فإن قلت: يؤخذ منه منع نقل الحديث بالمعنى، فالجواب: أن هؤلاء إنما ذموا على قصدهم التخويف بدليل قوله تعالى: (عَنْ مَوَاضِعِهِ).
قوله تعالى: (لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ).
باعتبار المعنى يا قوم باعتبار اللفظ.
قوله تعالى: (وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ).
قال ابن عرفة: يؤخذ منه منع الدعاء على الإنسان بسوء الخاتمة بخلاف قوله تعالى: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ
الْأَلِيمَ) فإن تلك ظاهرها جواز الدعاء بذلك، وتقدم الجواب بقوله تعالى: (فَلا يُؤْمِنُوا) فإن أريد ربنا اطمس عليهم طمسا متصلا بالموت لَا يعقبه إيمان إلا عند المعاينة في محل لَا ينفعهم فيه الإيمان يؤخذ منها ذلة، وإن أريد (رَبَّنَا اطمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِم) فلا يؤمنوا إلى حين الموت قبل معاينة مقدماتها، أي حين يعاينوا رؤية العذاب فلا دليل فيها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ... (٤٨)﴾
ابن عرفة: وهذا احتراس؛ لأنه لما قال: (وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا) أوهم أن لهم في ذلك كسبا وقدرة فاحترز بذلك بقوله: (وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ).
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).
قال ابن عطية: النَّاس على أربعة أقسام: قسم تائب مات على توبته فهو عند أهل السنة وجمهور فقهاء الأمة لاحق بالمؤمن المحسن إلا أن قانون المتكلمين أنه في المشيئة، قال ابن عرفة: في مثل هذا قالوا: كان الفقيه محمد أبو عبد الله البرجيني يقول: رقد ابن عطية هنا وهذا الموضع جدير بأن يقال فيه ذلك، إذ لم يقل أحد من المتكلمين أنه في المشيئة بل كلهم أجمعوا على أنه في الجنة إذا أتى بالتوبة مستوفاة الشروط من رد المظالم إلى أهلها، وغير ذلك من شروطها، وإنَّمَا الخلاف في توبته عند أهل السنة هل هي قطعية أو ظنية، وأجمعوا على أنه في الجنة.
قيل لابن عرفة: وظاهر عموم الآية أن مرتكب الكبيرة في المشيئة فيعم قاتل العمد وغيره، قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) نص في الخلود، ولكن أجمعوا أهل السنة أنه غير مخلد وينفي الكلام في دخوله النار ابتداء فظاهر هذه الآية أنه معروض على العفو عنه، ونص تلك الآية على أنه غير معروض العفو؛ لأن تلك خاصة، وهذه عامة والخاص يقدم على العام.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ... (٤٩)﴾
ابن عرفة: الاستفهام على سبيل التعجب من مدلوله وهو تزكيتهم أنفسهم فإن قلت: ظاهر منع قبول الخبر الذي يقتضي تفضيل الخبر فعادتهم يجيبون بأن ذلك مشروط بالعدالة فالعدالة تقتضي قبول خبره، والتفضيل إنما هو من غيره وهو المنقول عنه ذلك الخبر، فإن قلت: الإضراب هنا بل من غير المضرب عنه؛ لأن مذهب أهل السنة أن تزكيتهم لأنفسهم خلق الله تعالى، فالله تعالى هو الذي يزكيهم فكيف بهم
الإضراب على مذهبنا، قال: فالجواب أنه كان يمشي أما تصويره وخلقه كانت التزكية بفعل الله وإرادته وكل ما كان العمل الصالح ملزما للتزكية وكان بخلق الله وإرادته لزم أن تكون ملزومة، وهي التزكية بخلق الله وإرادته فالمضروب دعواهم التزكية، والمضروب به فعل ما يدل على التزكية ففرق بين التزكية بالدعوى الكاذبة، وبين التزكية بالأعمال الصالحة، فقيل لهم: إنما تحصل التزكية بالأعمال الصالحة التي هي بخلق الله تعالى لا بقولكم ودعواكم فالله يهدي من يشاء فيوفقه للعمل الصالح وعلى هذا يأتي قوله تعالى: (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) لَا ينقصون من ثواب عملهم شيئا ولا يزاد عليهم في إثم مخالفتهم بشيء، ومنهم من قال: المراد بالفتيل: الجوهر الفرد ليسلم من المفهوم أو ليس ثم ما هو أقل منه، ابن عرفة: ويجوز للإنسان أن يطلب من غيره ليعدله، وليس هو من تزكية نفسه.
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ... (٥٠)﴾... ابن عرفة: إن كان المعمول الجملة فالنظر معنوي بمعنى العلم؛ لأن الافتراء قول لَا يتعلق به النظر، وإن كان المراد: انظر إليهم كيف يفترون، فالنظر حسي بصري، ابن عرفة: معناه ينسبون إليه الكذب أو يقولون الكذب فهو مضمن معنى فعل آخر.
قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطاغُوتِ (٥١)﴾.. قال ابن عرفة: الظاهر أن الجبت الأصنام والطاغوت عبادتها.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾
المراد به الدوام؛ لأن الوسط مضارع وهو متكرر في المقدمتين فتقريرهم ملعونون، وكل ملعون لله لم تجد له نصيرا فهم لن تجد لهم نصيرا، والمراد يظنون أن لهم نصيرا، ولم يقل: ناصرا؛ لأن هذا موضع لَا ينفع فيه إلا النصير.
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ... (٥٣)﴾
(أَمْ) منقطعة، والهمزة قال الزمخشري: لإنكار أن يكون لهم نصيب من الملك، فأنكر ثم قال: فإذا لَا يؤتون أي لو كان لهم نصيب من الملك فإذا لَا يؤتون مقدار نظير لفظ محلهم، ويجوز أن تكون الهمزة لإنكار أنهم قد أوتوا نصيبا من الملك، وكانوا أصحاب أموال وسيأتي وأنتم لَا تؤتون أحدهم فما تملكون شيئا.
قال ابن عرفة: يظهر الفرق بين الوجهين على صعوبته، أنه في الأول تسلط الإنكار على الجملتين الأولى والثانية فأنكر عليهم أن لهم نصيب من الملك فأنكر عليهم محلهم.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ... (٥٤)﴾
ابن عرفة: هذا ترقٍّ في الذم؛ لأن الحسد أشد من البخل.
قوله تعالى: (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا).
إشارة إلى أن هذا الذي حسدوهم لم يتفرد به المحسودون بل أعطينا مثله لغيرهم من الأمم السابقة، فالحسد فيه أشد قبحا من حسد من اختص بشيء، والحكمة إما الشريعة، وإما فهم الكتاب، والملك وإما إخلافه كما في الحديث ثم يقود ملكا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا... (٥٦)﴾
تعجيل عليهم بكفرهم مع وجود الآيات الواضحة.
قوله تعالى: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ).
ابن عرفة: هذا تسلسل في الآثار وهو عند العلماء جائز باتفاق وبخلاف التسلسل في المتأثرات، وإنما عذبوا بتبديل الجلود، وفي الممكن إن كان تبقى جلودهم كذلك معذبة غير فانية تشبيها بحال الدنيا؛ لأن الانصهار في الدنيا إذا خرجت له دخله فهو يتألم منها ابتداء، ومهما نضجت يقل تألمه فإذا خرجت دخل آخر يزيد تألمه.
قال الزمخشري: فإن قلت: كيف عذبت الجلود الثانية التي بدلت بها الأولى وهي لم تعص ولم تخالف، فأجيب: بأن المعذب الأرواح الكائنة في الجلود وغيرها، الزمخشري: بأن العذاب للجملة الحساسة وهي التي عصت، وأجيب أيضا بأن هذه الجلود مخلوقة من ذلك [الجلد*] [الأول الذي نضج*].
قال ابن عرفة: وهذا السؤال إنما يتأكد على مذهبه في أن ذلك أمر عقلي مع قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، وهي بقول إنه شرعي فرد السؤال عندنا شرعا، وعنده عقلا وعبر بالذوق تشديدا عليهم وإشارة إلى أن هذا وإن عظم فسينالهم ما هو أعظم منه، بحيث يكون هذا بالنسبة إليه كالذوق الذي هو مبادئ الأمر.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا).
ابن عرفة: في اقتران العزة بالحكمة دليل على منع الخلق من القدرة على إدراك معرفة الله تعالى في جميع الأشياء أنهم لَا يستطيعون تاكيد ذلك بوجه.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ... (٥٧)﴾
قال ابن عرفة: فيها سؤالان وهما لم قال: (إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوفَ نُصلِيهِم) فأكده بإنَّ، ولم يؤكد هذا وقرن فعل (نُصلِيهِم) بـ سوف وقرن فعل يدخلهم بالسين؟.
قال: والجواب عن الأول؛ لأن الخطاب بالآيتين المجموع وإذا خوطب الجميع بشيء فإنما يراعى في الخطاب من تعلق به مدلوله منهم فهو أحق بالمراعاة دون غيره، ولما كان الكافرون منكرين ذلك أكد خطابهم وكان المؤمنون غير مفكرين لما تعلق به منهم لم يؤكد خطابهم.
والجواب عن الثاني: أما إن قلنا: إن السين وسوف مساويان فلا سؤال وإن قلنا: إن سوف أبلغ في التنفيس، فيجاب بحديث: "سبقت رحمتي غضبي"، فتأخير عذاب الكفار أكثر تراجعا من تأخير يعم المؤمنين، ولذلك قال في الكفار: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فتِحَت أبوَابُهَا) بغير واو؛ لأنهم يجدون جهنم مغلقة بالأبواب فيقفون على بابها ينتظرونها حتى تفتح لهم، وقال في المؤمنين: (حَتى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَت أَبوَابُهَا) لأنهم يجدونها مفتوحة الأبواب مهيئة لهم وعند وصولهم يدخلون.
قوله تعالى: (مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ).
[يحتمل أن يكون ابن عرفة: ومن المناسب في الآية أنهم في قسم الكفار على العذاب بالشيء اللازم لهم، وهو الظرف حتى علا] (جُلودهم) فدل على تعذيب ما علا ذلك، وهو نفوسهم من باب أحرى، وفي قسم المؤمنين كلي المحل العارض لهم غير الملازم وهو الجنة، فدل على تنعيم نفوسهم الملازمة لهم من باب أحرى.
قوله تعالى: (لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا).
ولم يقل: لهم أزواج فيها، فهل هو كقوله: مسموح لها منها عليها شواهد، فإِن قيل: إذا لم يكن في الجنة حر الشمس، فلم وصف بالظل الظليل، وأيضا يرى في الدنيا التي يدور الظل فيها ولا يصل إليها نور الشمس يكون هواؤها عليها فاسدا مؤذيا فما معنى وصفها بالظل الظليل؟ الجواب: أن بلاد العرب في غاية الحرارة والظل
عندهم من أسباب الراحة، فكان الظل كناية عن المبالغة العظيمة في الراحة وهذا مما يميل إليه الخاطر مع أنه مرجوح، والظاهر أنه ليس منه؛ لأن هنا مجرورين فقط.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا... (٥٨)﴾.. قال ابن عرفة: يؤخذ منه أن من تعدى عليه أحد ثم ائتمنه على شيء فإنه لَا يجوز له أن يخونه، وفيه خلاف المشهور أنه يجب عليه أن يرد أمانته، وقيل: يجوز له أخذها، قلت: حكى ابن رشد في جامع بيانه: منع مالك من ذلك في المدونة وكرهه في رواية أشهب عنه، وأباحه ابن عبد الحكم، والرابع استحباب الأخذ وهو مذهب ابن الماجشون إن كان عليه دين، فإِن كان عليه لحر يأخذ الأقدر ما يجب له في المحاصة، وهو قول خامس في المسألة، ابن رشد وأظهرها إباحة الأخذ، ابن عرفة: واحتج المانعون بحديث: "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" على أن في صحة الحديث نظر، وأجيب بأنها ليست خيانة، وأجيب: عن هذه الآية بأن هذا ترد إليه الأمانة ليس من أهلها فللمؤتمن أن يجحدها وعورض بقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) ورد بأنه لَا يحل له جحدها وله أن يتعدى عليها ويأخذها من زيها جهارا أما اختلاسا على هذه الصفة فلا، وقال في كتاب الجهاد في الأسير: يؤتمن على حال أنه لَا يحل له أن يخون فيه، وإن ائتمن على نفسه، وقال سحنون: يجوز له أن يذهب، وقال: لَا يجوز له.
قوله تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ).
قال أبو حيان: هذا مثل قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتِ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهنَّ) فالعامل في المعطوف عليه من مفعول أو ظرف ومجرور.
ورده ابن عرفة بأن (خَلَقَ) هنا عامل في المجرور وفي (مِنَ الأَرْضِ) وهنا العامل في أن (تُؤَدُّوا) يأمركم وليس العامل في (إِذَا) أن الأمر ليس هو وقت الحكم، فقال: إنما المعتبر الأمر فما العامل في (إِذَا) إلا جوابها، قال: والثاني عامل قيل: ليس المراد حقيقته فإن الحكم بالعدل يتناول البهائم، فقال ابن عرفة: هذا مذهب مالك؛ لأنه لَا يجب علينا الحكم في البهائم، فإذا رأى القاضي رجلا جوع عبده وجوع حماره فإنه يحكم عليه بإطعام عبده ولا يحكم عليه بإطعام حماره، بل يبدأ به إلى ذلك ولا يجبره عليه، قال ابن رشد: وعكس أبو يوسف فقال: يجبره على إطعام دابته، ولا يجبره على إطعام عبده؛ لأنه ينطق ويناظر عن نفسه بخلاف الدابة.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا).
قال ابن عرفة: السمع والبصر صفتان متغايرتان لصفة العلم عندنا، قيل له: الصحيح عندنا المخالفة لَا التغاير، فقال: التغاير لفظي لَا معنوي.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ... (٥٩)﴾.. إن قلت: لم كرر الفعل، فالجواب: لو لم يكرر لأوهم أنه إنما يجب عليه طاعته فيما أتى به عن الله فصار ما أتى به مجملا غير مبين أنه عن الله، فلا يلزم طاعته فيه بدليل أن أول الأمر إنما تلزم طاعتهم فيما يحكمون به مستندين للكتاب والسنة، وأما إن خالفوا الكتاب والسنة فلا تلزم طاعتهم، ابن عرفة: واختلفوا هل الطاعة موافقة الأمر أو امتثال الأمر، وهل بينهما فرق أم لَا؟ قيل له: الفرق بينهما فيمن يفعل العبادة بلا نية، فإن قلنا: موافقة الأمر فهو مطيع وإلا فلا، فقال: لما يوافق الأمر بوجه؛ لأنه إتمام أمر بفعلها مع النية بدليل حديث: "إنما الأعمال بالنيات" وإنما الفرق بينهما في العاجز عن فعل الطاعة، فإن فسرناها بامتثال الأمر فهو غير مطيع، وإن فسرناها بالموافقة فهو مطيع لكونه لم يخالف الأمر بوجه فإن قلت: ما أفاد قوله: (مِنْكُمْ)، قلنا: أفاد الأحرار؛ لأن النفوس تكره أن يتآمر عليها من هو في قرابتها وقبيلها ومن هو في سنها بخلاف ما لو تآمر عليها من هو من غير قبيلها.
قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ).
عبر بـ إن دون إذا لكراهة الشيء والتنازع والخطاب بالتنازع لَا يصح أن يكون للمأمورين؛ لأنهم أمروا بطاعة الله ورسوله وأولي الأمر فلا يقع بينهم نزل إذا أطاعوا أولي الأمر، ولا يصح أن يكون للأمرين؛ لأن الخليفة لَا يتعدد وإنما يكون واحدا فقط إلا أنه يراد باعتبار ما وقع بينهم حسبما ذكروه في سبب نزول الآية وما جرى لعلي ومعاوية، أو يريد النزاع بين الجميع، إذا وقع النزاع بين المأمورين فإن كان أحدهما حاكما فيحكم، وإن لم يكن بينهما حاكم فليرفعا ذلك إلى حاكم.
قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾
قال ابن الخطيب: فيها حجة للمعتزلة القائلين: بأن العبد يخلق أفعاله ويستقل بها، ابن عرفة: وما يطمع إلا فيمن هو قريب من المعصية، وأما من هو مستبعد عصيانه فلا يتشوف إليه ولا يوسوسه كما لَا يتشوف أحد لأن يصنع كرسيا من زجاج.
قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ... (٦٢)﴾
ابن عرفة: الفاء للتسبيب، قال: وتقرير السببية عندي أن المنافقين طلب منهم الإيمان بالله ورسوله فيأتون إليه أعزة فلما كفروا سجل عليهم بأنهم ستنزل بهم بسبب
ذلك المصائب فيأتون إليه أذلة يحلفون ويعتذرون، وظاهر سبب الآية أن مجيئهم للحلف بعد المعصية فهو معطوف على إصابتهم، ابن عرفة: ويحتمل أن يكون قبلها ويكون معطوفا على قوله: (بمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِم) فتكون المصيبة بالمهم بسبب فعلهم السيئات المعبر عنها (بمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِم) وسبب كذبهم في قولهم: (إِنَّ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا).
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ... (٦٣)﴾
أفاد كمال الوعيد وأنهم مجازون على ذلك فيجازون على جميع ما في قلوبهم من الاعتقاد المناقض ومن عدم الاعتقاد.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ... (٦٤)﴾
قال ابن عرفة: الصواب أن معناه بأمر الله ويمتنع أن يفسر الإذن بالإرادة؛ لأنه يلزم عليه، أما الحلف في الخبر أو مذهب المعتزلة، لأن مذهبهم أن السعي غير مراد الله لأنه ما أراد إلا الطاعة، وأجيب: بأنه ليس المراد الطاعة بل معنى الآية ليطاع بإرادة فمن أراد طاعته أطاع الرسول، ومن أراد معصيته عصاه.
قوله تعالى: (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ).
فائدته أن في استغفار الله مع معصيتهم الرسول لَا ينفع.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا... (٦٥)﴾
فائدة العطف بثم أن الإنسان حالة الحكم لَا بد أن يجد في نفسه حرجا ما لكنه معفو عنه، وإنما الشدائد التمادي على ذلك، وأيضا فإن الحرج الجبلي معفو عنه، والمعتبر الحرج الذي يظهر أثره؛ لأن النفس تخرج من نفس الحكم تارة، وتخرج تارة من حكم فلان عليه مخرجه من نفس الحكم معفو عنه، وخرجه لأجل حكم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منهيا عنه؛ لأنه في مظنة التمادي عليه فلذلك عطفه بـ (ثم)
قوله تعالى: (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
كان ابن عبد اللام يقول في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) أنه يكفي أن يقول الإنسان: صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ لأنه المقصود الإخبار للغير حقيقة فهو إنشاء لَا إخبار فكان غيره يقول: لَا بد أن يزيد تسليما كما في الآية.
قوله تعالى: ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾
(أَن) نظرت إلى الجملة في نفسها وإنها جملية فهي بدل؛ لأن القتل أشد من الخروج من الديار، وإن نظرت إلى جوابها فهي ترق؛ لأن مفسدة العصيان بعدم امتثال الأمر بالخروج من الديار أشد من مفسدة العصيان بعدم امتثال الأمر بقتل النفس.
قال ابن عرفة: واوها للترديد لَا للتفصيل؛ لأن التي للتفصيل شرطها أن يتقدمها كلام مجمل تفصله مثل: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا) فنسب القوم الجميع ثم فصله بأن بعضهم قالوا: (كونُوا هُودًا) وهم اليهود والبعض وهم النصارى، قالوا: كونوا نصارى، وهنا كتب الجميع أحد الأمرين.
قوله تعالى: (مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ).
الضمير عائد على المذكور أي ما فعلوا المذكور، وهو المكتوب ولا يصح عوده على أحد الشيئين؛ لأنه إذا كان الثابت أحد الشيئين فلا يصح رفع ذلك الثبوت إلا بنفي الشيئين معا كما قالوا: إن الموجبة الجزئية تناقضها السالبة الكلية.
قوله تعالى: (مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ).
لا يصح إلا أن يكون (إِلا) بمعنى لَا غير؛ لأن الضمير لَا يوصف ولا يوصف به فهو مثل قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) فإن قلت: ما فائدته أيضا في قراءة رفع قليل، وفي قراءة نصبه، فما الفرق بينهما؟ في القراءة بحث فيها أبو حيان وأطال، والصواب أنها صفة لقوله (قَليل) فيحتاج إليها في قراءة الرفع، والمراد ما فعلموه إلا ناس قليلون موصوفون بكونهم منهم، إلا أن يجاب: بأن الفعل يكون قليلا في ذاته ويكون قليلا باعتبار فاعليه، فإما أن يكون الكل فعلوه من فعلا قليلا، أو فعله البعض واستوفوه ونسب القلة إليه لقلة فاعليه، قال أبو حيان: وقراءة النصب مخالفة لقراءة الرفع.
قال ابن عرفة: إن أراد أنها مخالفة فليس كذلك؛ لأن معنى النصب أنهم فعلوه فعلا قليلا، فهل المراد أنهم الكل فعلوه فعلا قليلا، وأن القليل منهم فعلوه الفعل بالعلة لقلة فاعليه فترجع إلى قراءة الرفع بالمعنى، وإن أريد بها مغايرة لها فمسلم وفي [... ]
قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧)﴾
قال ابن عرفة: قالوا: إذا جواب وجزاء، وحكوا إن الجواب لازم لها وقد يجاء معه بـ قد ولا، ومثلوا كونها جزاء فقط بقوله تعالى: (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ). لأن النعمة لَا تجازى بالضلال، ابن عرفة: ويحتمل أن يراد بالقتل القتل مجازا، أما الضلال قال: وقد تكون عندي جزاء فقط من غير جواب، ومثاله قوله تعالى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا).
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ... (٧١)﴾
ابن عرفة: كان بعضهم يقول: يؤخذ منها أنه ينبغي لكل من يريد أمرا أن يستحضر عواقبه وغوائله وما ينويه فيستعد لها قال: وإنما خذوا الحذر؛ لأن الحذر مختلف فكل واحد يأخذ حذرا يلائمه فهو بحسب الأمر المحذور منه [فلا يسافر*] مع جماعة قليلة والخطاب للمؤمنين من الصحابة بالمواجهة ولمن بعدهم، إما بقياس لَا فارق وإما بأنه خطاب للجميع، قال ابن العربي: وهذه الآية مخصوصة بقوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ)، فإن قلت: لم أعاد الفعل، وهلا قال: (انفِرُوا جَمِيعًا)، فالجواب: إن النفور مختلف بالجماعة المجتمعون الكثيرون يقل خوفهم، والجماعة المفترقون يعظم خوفهم والحرس هنا أشد، فلذلك أعاد الفعل قال: وتقدم الخلاف في المنافقين هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أم لَا؟ والتحقيق أنهم مخاطبون بالفروع، فالمخاطبون ظاهرا وباطنا وإلا فهم مخاطبون فقط.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ... (٧٢)﴾.. التوكيد بإن؛ لأن هذا الفعل مما اتصف بالإيمان مستبعدا لوقوع فهو غريب عند المخاطب، قوله تعالى: (لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ)، ابن عرفة: فعل القسم إذا وقع في الصلة فالعائد إن كان ضمير الله لم يجز، فإن قدرته لمن أقسم بالله ليبطئن صح ذلك وإن قدرته لمن أقسم بالله ليبطئن لم يصح؛ لأن جملة القسم خلت من الضمير العائد على الموصول.
قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ... (٧٣)﴾.. ابن عرفة: هذه عندي متصلة بالأولىِ وكذلك كان بعضهم يقول تقديره (فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا) (كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ)، قال: وإنما أخره؛ لأن الشيء قد يؤتى به في غير موضعه لكونه أغفل في موضعه، ثم استدرك في غير موضعه تعظيما له واعتناء بذكره حتى كأنه لم يغفل بوجه.
قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ... (٧٤)﴾
قال ابن عطية: الخطاب للمؤمنين (يَشرُونَ) هنا بمعنى يبيعون، وقال الزمخشري: بمعنى يشترون ويبيعون والخطاب للمؤمنين والمنافقين، فالمؤمنون باعوا، والمنافقون اشتروا، ابن عرفة: يلزمه استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا، والصواب عندي أنا غير هذا، وهو أنهم أعربوا الذين يشترون فاعلا، وأنا أعربه مفعولا ويجعل هذا الكلام مرتبطا بما قبله ومن تمام قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) أي هذا المنافق الذي يفعل هذا الفعل فليقاتل في سبيل الكفار الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة.
قوله تعالى: (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).
قيل لابن عرفة: في لفظ التنفيس دليل فيمن يقول إن الشهيد لَا يدخل الجنة بنفس يوم موته بل حتى يوم القيامة، فقال ابن عرفة: التنفيس إنما هو في الأجر العظيم لَا في مطلق الأجر أي سنؤتيه يوم القيامة أجرا عظيما، قال الفخر: ومنها حجة المعتزلة القائلين: بأن العبد يخلق أفعاله، فقال ابن عرفة: هي حجة على الجبرية القائلين: بأن لا قدرة للعبد، ودليل لأهل السنة القائلين بالكسب، وذكر الطرفين القتل والغلب؛ لأن من قاتل ليقتل قتل، ومن قاتل ليأخذ المال أو ليغلب لم يقتل ولم يغلب.
قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ... (٧٥)﴾
إما معطوف على اسم الجلالة، أو على سبيل الله والتقدير في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين وفي أما للسبب، أو للنظر فيه مجازا.
قوله تعالى: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ).
ابن عرفة: هؤلاء المسلمون المدخلون لَا يحل لهم البقاء بأرض الكفار وهم داخلون في الآية لكن أمراء السوء أخرجوهم إلى البقاء تحت حكم الكافرين لما يخافون من ظلمهم فرأوا أن إقامتهم بأرض الكفر أحسن ليسلموا من الظلم.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ... (٧٦)﴾
ابن عرفة: هذا خبر في معنى الأمر وإن كان حقيقة لزم عليه أحد الأمرين إما الخلف في الخبر؛ لأن بعض المؤمنين يقاتل ليأخذ الغنيمة ويقاتل للحمية، وإظهار القوة والشجاعة والانتقام من عدوه، وإما مذهب المعتزلة وهو أن من قاتل ولم يخلص النية في قتاله لله يكون غير مؤمن، فالصواب أنه خير في معنى الأمر وهذه الآية احتراز؛
لأن قبلها (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ) فإنه لم يعين منهم، فيقولون المنافقون نحن هم.
قوله تعالى: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا).
ولم يقل: إن كيد أولياء الشيطان مع أنه جعلهم أولياءه والولي هو الناصر، فهم ينصرون النصير فما المناسب إلا سبب الضعف لَا الشيطان، ثم أجاب: إنه كقول هؤلاء أولياء هذا الملك بمعنى أنهم ينصرون طريقته ويحرمون حرمته فإذا ضعف سلطانه ضعف حرمتهم له.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ... (٧٧)﴾
الصواب عندي أن الضمير في (قَالُوا) عائد على الفريق الذين يخشون النَّاس كخشية الله قالوا هذه المقالة.
قوله تعالى: (إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ).
قال بعضهم: فيها حجة للمعتزلة القائلين: بأن المقتول له أجلان.
ورده ابن عرفة؛ لأنه لو كان كذلك لمات كل من حضر القتال؛ لأن بعضهم يموت وبعضهم يعيش.
قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ... (٧٩)﴾
قال ابن عرفة: إن كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالصواب أن الأولى موصولة، والثانية شرطية؛ لأن الشرط على سبيل الفرض والتقدير فلا تقتضي الوقوع بوجه، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم تصبه سيئة، ابن عطية: وهذه مناقضة لما قبلها، لأن قبلها (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، ثم قال هنا: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ)، ثم أجاب: بأن الأول على سبيل الخلق والاختراع فالله هو الفاعل [... ]، والثانية باعتبار قاعدة الكسب وجواب ثان بأن الأول بالنظر إلى الحقيقة، والثاني بالنظر الألي إلى الأمور العاديات، فإن قلت: لم قال في الأول (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، وقال هنا: (فَمِنَ اللَّهِ) ولم يقل: فمن عند الله، قلنا: لَا فالأول يشمل الخبر والنهي بأن اللفظ الأعم وهو عند، ولما كان الثاني خاصا بالحسنة نسبها إلى الله مباشرة.
قوله تعالى: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا).
أما المعنى وكفى بالله عليما بصحة رسالتك، أو المراد وكفى بالله شهيدا على من آمن بك ومن لم يؤمن بك.
قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ... (٨٠)﴾
فعكس صفتها.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ... (٨٢)﴾
الزمخشري: تدبير الأمر تأمله والنظر فيما يؤول إليه ثم استعمل في كل مؤول فمعنى تدبير القرآن أي تأمل معانيه ونظر ما فيه، ابن عرفة: ظاهره أنه قد ينظر في معانيه، وقد لَا ينظر وهو عندي لازم؛ لأن كل عاقل لَا يفعل أمرا حتى يتأمل عاقبته وهو العلة الغائية ولذلك قال الحكماء أول الفكرة آخر العمل.
قيل لابن عرفة: يؤخذ منه وجوب النظر وأن التقليد غير كاف، قال: والتقليد لا يكون إلا بنظر؛ لأن الإنسان لَا يحل له أن يقلد إلا من تحقق معرفته ولذلك لَا يحصل إلا بالنظر، ابن عرفة: ويؤخذ من الآية وجوب المطرد التي يتوصل بها إلى النظر والقرآن وتدبر معانيه وهي النحو وأصول الفقه واللغة فيجوز قراءتها في المسجد؛ لأنها من مواد القرآن التي به وبالتدبر به بخلاف كتاب إقليدس، لأنه لَا تعلق له بالقرآن بوجه.
قيل لابن عرفة: إن ابن الخطيب احتج بها على أنه لَا يرد في القرآن ما لَا يفهم أو لو كان فيه لما ذموا على عدم تدبيره، ابن عرفة: القرآن إما كل أو اسم جنس يصدق على القليل والكثير المراد يتدبرون فيه كله لَا في لفظة لفظة.
قوله تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ).
ابن عرفة: هذا شبة قياس الغير مركب من مقدمتين أحدهما منطوق بها، والأخرى مضمرة واضحة الدلالة، فلذلك حذفت والتقدير القرآن ليس من عند غير الله، وكل ما ليس من عند غير الله هو من عند الله بيان حقيقة الصغرى بما ذكر في الآية، وهو أنه (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ) فهو من عند الله مطلقا، ابن عرفة: ووجدوا من وجدان الضالة، وإنما قال: وجدوا، ولم يقل: لأدركوا إشارة إلى أنه من غير تأمل ولا تفكر، فكل متصف يدركه بأول وهلة بخلاف لفظ الإدراك فإنه يشعر بأن المعنى بما حصل بعد تأمل ونظر.
قال الزمخشري فإن قلت: كيف يجمع بين قوله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)، وبين قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ)، ابن عرفة: وأجيب عن الأول إما بأنها مواطن نفي موطن كانت ثعبانا وهو في آخر الأمر، ومرة كالجان وذلك في أول الأمر والمثابة موطن واحد فشبهها بالثعبان في عظم جرمها وبالجان في سرعة حركتها، وعن الثاني: إما بأنها آية مواطن، وإما بأن المراد لتسألهم سؤال تقريع.
قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ... (٨٤)﴾
قال ابن عرفة: الآية دالة على جواز تكليف ما لَا يطاق خلافا للمعتزلة إذ لو لم يكن جائزا عقلا لما احتيج إلى قوله تعالى: (لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) لأن التكليف بفعل الغير مما لَا يطاق؛ لأن الإنسان إنما يطيق فعل نفسه أما فعل غيره فلا يطيقه فلا يحتاج إلى نفي التكليف به شرعا لأنه منفي عقلا.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا).
هذه أفعل من يقتضي المشاركة بالفعل، فأما إن أريد الشدة المعلومة في أصول الدين فالشركة منتفية، وإن أريد الإشراك العادي المشاهد لنا فالشركة حاصلة تامة وتقدم البؤس من تقديم السبب على المسبب؛ لأنه إذا حصل البأس حصل النكال.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا... (٨٦)﴾.. قال أبو حيان: حملها أبو حنيفة على الهدية وهو أن الإنسان إما أن يرد الهدية بعينها، أو يرد ما هو أحسن منها، وإما رده مثلها سواء فإنه لم يردها بعينها، قال ابن العربي: وحكى القاضي عبد الوهاب أنه إذا علته جماعة فإن كان فيهم من يعرفه وجب عليه الرد لئلا يقع في نفوسهم منه عداوة، وإن لم يكن فيهم من يعرف فالرد سنة على الكفاية.
قيل لابن عرفة: وحكى أيضا القاضي عبد الوهاب في التلقين وفي المعونة عن المذهب، أنه إذا قال البادئ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أن المراد أن يختصر، ويقول: وعليك، وأنكره ابن عرفة وقال: ظاهر كلام ابن رشد، والباجي، وغيرهما أن يرد عليه مثل ما قال سواء من غير اختصار.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا).
دليل على أن الأمر للوجوب.
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ... (٨٨)﴾
ابن عطية: الآية توبيخ للمؤمنين، ابن عرفة: هذه عبارة ثقيلة، والصواب أنها عتاب للمؤمنين.
ابن عرفة: وأخذوا منها أصلين:
الأول: ترجيح الاتفاق على الاختلاف وإنما الخلاف شر، فإذا تعارض حمل الأقوال على الاتفاق أو على الاختلاف نحملها على الاتفاق، وأجيب: بأن تلك في العقليات والاعتقادات، وأما الأمور الشرعية فلا ينتج هذا فيها بوجه؛ لأن هذا أمر اعتقادي عقلي ديني.
الثاني: إذا تعارض الأصل والغالب فالغالب مقدم، والأصوليون يرجحون تقديم الأصل، وقد رجح مالك رحمه الله في مسائل منها قوله في الحمار [قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ إذَا دَجَنَ وَصَارَ يُعْمَلُ عَلَيْهِ كَمَا يُعْمَلُ عَلَى الْأَهْلِيِّ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ : إذَا صَارَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ فَلَا يُؤْكَلُ] الوحشي: إذا [إذَا دَجَنَ وَصَارَ*] (١) يحمل عليه أنه لَا يؤكل مراعاة للغالب، ولو راعى الأصل لجاز أكله وهنا كذلك؛ لأن من يقول بإيمان المنافقين راعى الأصل؛ لأنهم كانوا مؤمنين، ومن يقل بكفرهم راعى الغالب وهو ما ظهر من حالهم في عدم عزتهم وعدم قتالهم.
قوله تعالى: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ).
أي من الله ضلاله.
قوله تعالى: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا).
قال ابن عرفة: إن كانت وقتية أي ومن يضلل الله وقتا ما فهذا العموم يجب تخصيصه وإن كانت دائمة أي (وَمَنْ يُضلِلِ اللَّهُ) دائما فاللفظ باق على عمومه من غير تخصيص، فإن قلت: هلا قيل: فلا سبيل له فهو أعم وأبين، فالجواب أنها مسألة بحث فأسند إلى ما يناسب الوجدان المقتضي للبحث والتأمل.
قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا... (٨٩)﴾
قال ابن عرفة: إن كانت لو مصدرية فظاهر ذمهم على تمنيهم الكفر، وإن كانت شرطية فما تمنوه حق لازم فيه؛ لأنهم تمنوا الملازمة، والملازمة بحجة كقولك: وديته لو كفر زيد أن يدخل النار إلا أن يقال: إن التمني متسلط على فعل الشرط فقط وهو بعيد.
قوله تعالى: (فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ).
(١) تم جبر هذا السقط من (المدونة. ١/ ٥٤٢).
ولم يقل: فلا يتولوهم؛ لأن النهي إنما هو عن الركون إليهم والطمأنينة لَا عن أوائل الأمر، قال ابن عربي: وفي الآية دليل لمن يقول إن الزنديق لَا تقبل توبته فرده ابن عرفة: بوجهين:
الأول: قوله تعالى: (حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وما نص في توبتهم.
الثاني: أن الآية في المرتدين؛ لأن هؤلاء مرتدون، وأجيب عن الأول بأن هجرة هؤلاء كانت قبل القدرة عليهم فصاروا كالزنديق إذا تاب قبل أن يقدروا عليه فإنه تقبل توبته.
قوله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ... (٩١)﴾
أبو حيان: السين للاستمرار. ابن [عرفة*] يريد أن هذا واقع منهم فيما مضى، وذموا عليه، فهي لتحقيق الوقوع كما في قوله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ) قال: والصواب أن يجعلها على أصلها الحقيقي مستقبلة؛ لأن الوجدان لم يقع، وإنما الواقع كذبهم بهذه الصفة لَا العلم بكونهم على هذه الصفة فوجدانهم مستقبل عن آخرين فليس هم الأولون بوجه.
قوله تعالى: (وَيَكُفوا أَيدِيَهُمْ).
إن قلت: لَا فائدة فيه؛ لأن القائم بالسلم يستلزمه فهو أخص منه وثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم، قلت: إنما هو منفي، ونفي الأخص أعم من نفي الأعم فما يلزم من نفي إلقاء السلم نفي الكف.
قوله تعالى: (حَيْثُ ثَقِفتُمُوهُم).
قال ابن عرفة: عام مخصوص بمكة لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "وإنما أحلت لي ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبلي".
قوله تعالى: (سُلْطَانًا مُبِينًا).
إما حجة، وإما قوة وقوله: (مُبِينًا) أي بين في نفسه، أو مبين لغيره، وكذلك الدليل بين الدعوى.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً... (٩٢)﴾
قال أبو حيان: هذا نهي فرده في المختصر وقال: بل هو خبر حقيقة، وقال ابن عرفة: إن كان حكما فهو خبر في معنى النفي جاز على مذهب أهل السنة، وإن كان خبر حقيقة فهو مذهب المعتزلة؛ لأن المعتزلة يقولون: إن قاتل العمد كافر.
قال الزمخشري: ويجوز أن يكون خطأ مفعولا من أجله أي ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل ألا يلحقاه، وسكت عنه أبو حيان، وتعقبه ابن عرفة بأن ثبوته يؤدي إلى نفيه؛ لأن المفعول من أجله يستدعي القصد إليه، والقصد يصيره عمدا، قال ابن عرفة: ويؤخذ من الآية أنه إما أشكل علينا هل القتل خطأ أو عمدا يحمل على أنه عمد؛ لأنه إما يستثني الأقل من الأكثر، فدل على أن العمد أكثر، وقال مالك رحمه الله: إذا قال ولي الدم قتله عمدا، وقال القاتل بل خطأ، فالقول قول ولي الدم، وقال ابن رشد في الأسئلة: فيمن ضرب زوجته أو مثل بعبده أو أمته واختلفا فزعمت الزوجة، والأمة أنه عمد وزعم الزوج والسيد أنه خطأ أن فيه قولين، والصحيح أن القول قول الزوجة، فيطلق عليه والقول قول العبد والأمة فيعتقان عليه، وقال ابن الحاجب في كتاب الديات: إنه محمول على الخطأ.
قوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً).
التفسير بالماضي مناسب للسبب في نزول الآية فلذلك ينبغي أن يكون من موصوله بمعنى الذي.
قيل لابن عرفة: وظاهر الآية أن الجهل بالصفة يستلزم الجهل بالموصوف في علمه قالوا: إن المعتزلة يلزمهم الكفر بنفيهم الصفة وبه فسروا هنا الخطأ؛ لأنه بأحد وجهين: إما بأن ضرب طائرا فيصادف رجلا أو يقصد كافرا، فيصادف مسلما لم يقصده أو يقصد رجلا بعينة يظنه كافرا فإِذا هو مسلم، وقاله مالك في كتاب الغصب: فيمن غصب عبدا فادعى هلاكه فغرم قيمته ثم وجد العبد على غير تلك الصفة، فإن علم منه أنه جحده رد له، وإلا غرم ما زادت صفته في قيمته على ما كان وقع له.
قوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ).
مطلق يعم العمياء والسليمة لكن تقيد بقوله تعالى: (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) إما بالنص أو بالقياس، فإن قلت: كيف صح التكفير بهذا، فأجاب الزمخشري: أنه لما أعدم نفسا مؤمنة وجب عليه أقرب وجوه الأمثال لتعويضها وما هو إلا أن [نزيد*] في الأحرار نفسا مؤمنة، وأجاب ابن العربي: بأن هذا ردع لهم لئلا يقع في ذنب أعظم منه فجعلت هذه الكفارة زاجرة له وقامعة عن التمادي
لما هو أعظم، قال أبو حيان: (وَتَحرِيرُ) مبتدأ، وخبره مقدم عليه أي فعليه تحرير رقبة، فرده ابن عرفة: بأن الدية ليست عليه إنما هي على من قتله، قال فينبغي لمن قدر هذا أن يقف على قوله: فتحرير رقبة ودية مسلمة، قال: والصواب أن يقدره، فالجواب: تحرير رقبة ودية مسلمة، قيل لابن عرفة وأجيب: في التحرير تحرير رقبة فقط، لأن في إعطائهم إعانة عليها، وفي المعاقد الرقبة والدية، قيل لابن عرفة: إن كان بعض العامل لم يحكم عليه، فهل يؤدي نصيبه من الدية من غير حكم أم لَا؟ فقال: أما في بلد القاضي أو نائبه فلا يؤدي شيئا حتى يحكم عليه به، وأما في غيره فإذا تحقق القتل رد نصيبه تطوعا، قيل له: ما فائدة قوله تعالى: (تَوبَةً مِنَ اللَّهِ) مع أنه خطأ وقد ورد: "رفع عن أمتي خطؤها ونسيانها" وأجاب بما قالوا: في قوله في المدونة في تارك الإقامة: إنه يستغفر الله فيستغفر الله تعالى مع أنها سنة، فقالوا: العمل استغفاره لما يكون قد أخل به من بعض الواجب، فعوقب عنه فإن تارك الإقامة حرم ثوابها فاستغفاره لذنب سابق لَا نفس الإقامة وكذلك هذا، فإن قلت: لم قدم أولا تحرير الرقبة على الدية، ثم أخره هاهنا، فالجواب: أن الأول مؤمن له فائدة ودية مؤمنين، والثاني كافر من قوم كفار يتوهم فيه سقوط الدية فلو أخرت لأدى إلى إهمالها، وعدم الوفاء بها لما حصل في النفوس من حقارة الكافر، وأنه لَا حرمة له فقدمت إشعارا بالاهتمام بها، وأنها لَا بد منها وهو الجواب المتقدم في قوله: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) قال: أتى به فقدم الوصية في اللفظ مع أنها في الحكم الشرعي متأخرة عن الدين ثم أجاب بما سبق.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا... (٩٣)﴾
قال ابن عرفة: إن تاب فلا خلاف أنه غير مخلد في النار، وقال أهل السنة: يدخلها ويطول مكثه فيها، ثم يخرج منها بالشفاعة وحملوا الخلود على طول الإقامة واحتجوا بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) وأجيب: بأن ذلك عام وهذا خاص، والخاص مقدم على العام ورد بعضهم الأول بقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ) فلو كان الخلود عبارة عن مطلق المكث للزم الخلف في الخبر، وأجاب ابن عرفة: بأن القرينة هناك بينت المراد وجهنم مبتدأ وجزاؤه خبره، لأنه أعم وقصد الله عليه إما صفة فعل بمعنى تعذيبه إياه ومعاقبته له أو صفة معنى راجعة لإرادة تعذيبه، قال: ولعنه إما بالقتل أو بسبب القتل.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا... (٩٤)﴾

[... ]

قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ... (٩٥)﴾
ابن عرفة: هذا تخصيص لَا نسخ، ويؤخذ من قول عبد الله ابن أم مكتوم الآية مع نزول الآية بسبب ما قال، وإقراره على ذلك أن الجمع المحلى بالألف واللام يفيد العموم.
قيل لابن عرفة: في هذا تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأن الاستثناء لقوله تعالى: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) إنما نزل بعد الأول، فقال ابن عرفة: كان ذلك في مجلس واحد، وقال مالك رحمه الله في المحرم: إذا لبس المخيط، ثم لبس مخيطا آخر، ثم آخر في [وقت واحد*] إنما عليه فدية واحدة؛ بخلاف ما لو لبس الثاني بعد الأول بزمان في وقت آخر فإن عليه فديتين، وكذلك قال: إذ [دَبَّرَ عَبْدًا*] ثم عبدا ثم عبدا في مجلس واحد أنهم يحاصون في الثلث، ولو دبر الأول ثم دبر الثاني في موطن آخر لكان الأول مبتدأ على الثاني، وقال ابن عرفة: وقال الفخر في قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي أَصحَابُ النارِ وَأَصْحَابُ الْجَنةِ) إما حجة على أن المسلم لَا يقتل بالكافر، قال: احتج بها الشافعي ورده الفخر بأن التسوية أعم، والأعم لا إشعار له بالأخص، وأجاب سراج الدين الآمدي بأن نفي الأعم أخص من نفي الأخص، ابن عرفة: وكذلك نقول هنا: إن نفي المساواة بينهما لَا يقتضي التفضيل بل يحتمل التساوي، قال وقوله: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) واستثنى من الحكم أو من لازم الحكم ونظيره أن يقول: لَا يستوي الرجل الصالح والرجل الطالح، ويقول: قام القوم إلا زيدا، فهل معاه أنه لم يقم أو أنه مسكوت عنه لم يتعرض له بشيء فيحتمل القيام وعدمه فكذلك (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) إن كان مستثنى من القاعدين فهو يحتمل، وإن كان مستثنى من المعنى وهو الحكم بالمرجوحية والذم اقتضاء عدم ذمهم، وإنه لا مرجوحية فيهم، قال: وتقديم الأموال على الأنفس ترق؛ لأن حفظ النفوس آكد من حفظ الأموال والمجاهدة بها أشد من المجاهدة بالمال، ولأن المجاهدة بالنفوس عامة في الغني والفقير بخلاف الجهاد بالمال.
قوله تعالى: (وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ).
يريد القاعدين غير أولي الضرر، وقوله تعالى: (دَرَجَاتٍ) يريد على القاعدين غير أولي الضرر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ... (٩٧)﴾
قال ابن عطية: (تَوَفَّاهُمُ) يحتمل أن يكون ماضيا أو مستقبلا على معنى يتوفاهم بدليل قراءة يتوفاهم بالضم.
ابن عرفة: إن قلنا: أن يتوفاهم مستقبل فهو أخص، وإن كان يتوفاهم ماضيا يمتنع أن يكون ظالمي حالا؛ لأن إضافته محضة.
قوله تعالى: (مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ).
ابن عرفة: إن قلنا: قسم الكفار منهم فنقول: [مأواهم*] و (جَهَنَّمُ*) خبره ليفيد الحصر، وإن قلنا: قسم العصاة فيكون (جَهَنَّمُ) مبتدأ، و (مَأوَاهُم) خبره، وأورد الزمخشري سؤالا في الولدان كيف احتج إلى إخراجهم مع أنهم غير مخاطبين، ثم أجاب بأن المراد المراهقون منهم.
قيل لابن عرفة: هذا السؤال إنما يراد على مذهبه؛ لأنه يقول: إن تكليفهم ممتنع عقلا لفقدان العقل منهم والتمييز، ونحن نقول: إنما يقنع شرعا فنقول: هم مكلفون وإنما علمنا تكليفهم بهذه الآية وأنظارها ولولا هي لقلنا أنهم مكلفون، فقال ابن عرفة: أو يقول هذا التكليف من خطاب الوضع والأخبار فلآبائهم المكلفون بأن يهاجروا بأولادهم، فنقول: من هو مستضعف من الرجال أعظم ممن هاجر منهم وترك ولده إلا أن يكون ولدا مريضا فيكون من المستضعفين، فلا يكون على ولده كبير عيب، ولا ملالة في عدم هجرته ولذلك كره فذلك التزويج بدار الحرب، قيل: يترك ولده هنالك.
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً... (٩٨)﴾
قال ابن عرفة: الحيلة عندي معنوية السبيل حسي لأن الحيلة نكرة وتدبر نفس، والسبيل يرجع إلى الهروب والفرار بالفعل.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا... (١٠٠)﴾
مأخوذ من الرغام، وهو ورود الشيء خبرا من غير قصد ولا اختيار يستلزم ذلة وحقارة معناه، يجد في الأرض موضعا للجهاد وإذلال العدو.
قوله تعالى: (ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ).
فيه مطابقة. لأن لفظ يدركه يقتضي مجيء الموت فجاء مطابق.
قوله تعالى: (فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ).
لأنه أخر وقع من غير قصد ولا علم به بل أتى من غير شعور.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ... (١٠٢)﴾
ابن عطية: قال جمهور الأمة: الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم [وهو يتناول الأمراء بعده إلى يوم القيامة*]، وقال أبو يوسف، وإسماعيل بن عطية: الآية خاصة بالنبي صلى اله عليه وعلى آله وسلم بأن الاهتمام به لَا يعارضه شيء، ابن عرفة: فالمعنى عند أبي يوسف: وإذا كنت فيهم بذاتك وخصوصيتك، وعند الجمهور وإذا كتبت فيهم بشريعتك وسنتك، فقضاياه أنه ينتج مع صلاة الخوف في سفر المعصية، وظاهر حديث جابر العموم لقوله كما يفعل عسكر هؤلاء بأمرائهم فيفهم إن القضايا المعينة تعم، مع إنه لَا يعم هذا كله إلا على القول بأن الضمير جزؤه، وإما على القول بأنها كلية فمذهب الجمهور واضح ورده في الباب حديث عن سهل بن خيثمة اتفق عليه البخاري ومسلم، وحديث يزيد بن رومان انفرد به البخاري، وحديث جابر بن عبد اله انفرد به مسلم، والظاهر حديث سهل لاتفاق الصحابيين عليه، على ما قال ابن الصلاح من أن الأصح اتفق عليه الصحيحان مع أن ظاهر الآية لَا ينافيه.
قال ابن عرفة: وتقدمنا في الآية ثلاثة أسئلة:
الأول: لم قال: (كُنْتَ فِيهِم) مع أنه لو أسقط لاستقام المعنى، فكان يقول: وإذا أقمت الصلاة؟، قال: وعادتهم يجيبون بأن كان يقتضي الدوام ولاسيما أنها بلفظ المضارع والعموم في الأزمنة، يناسب العموم في الأشخاص فعموم اللفظ في الأزمنة قرينة في العموم بالأشخاص، فأفاد قوله هذه الرخصة التي في صلاة الخوف بجميع الأمة العموم.
السؤال الثاني: لم قال (فِيهِم)، ولم يقل: معهم؟، وأجيب: بأن مع تقتضي تبعية الأول لما بعدها، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم متبوع لَا تابع، قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ).
السؤال الثالث: ما فائدة الإتيان بلفظ (لَهُمُ)، ولو قيل: فأقمت الصلاة لاستقام المعنى؟ فالجواب: أنه إشارة إلى ما قال الفقهاء: من أن الأمام يلزمه نية الإمامة في أربعة مواضع الجمع، والجمعة، والخوف، والاستخلاف في لفظ لهم إشعار بأنه سواء إقامتها لهم.
قوله تعالى: (وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ).
إن قلت: لم أمر الطائفة الثانية بأخذ الحذر والأسلحة، وأمر الطائفة الأولى بأخذ الأسلحة فقط؛ لأن الطائفة الأولى تنصرف إلى الصلاة والعدو غافل عنها غير عالم بإشغالها عنه، فأمروا بأخذ السلاح فقط لكن يلتزمو الخشوع المأمور به في كل صلاة إذ لَا يصح تركه إلا لمعارض ولا معارض، والطائفة الثانية ما تصلي حتى يكون العدو عرف أنهم اشتغلوا عنه بالصلاة فأمروا بأخذ الحذر مع الأسلحة، ابن عرفة فإن قلت: الأمر بأخذ الحذر يستلزم الأمر بأخذ الأسلحة فهلا استغنى عنه به، فلم قال: (وَأَسْلِحَتَهُم)، فالجواب: إن جهاد العدو يستلزم ويستدعي أمرين كف أذاه لئلا يغلب وقتاله ليغلب فأمروا بأخذ الحذر على أنفسهم، فكف إذايته خوف أن يتغفلهم فيغلبهم، ثم بأن يشتغلوا به ويتسلحون له لكي يغلبوه فهما مقدمتان نتيجتهما واحدة وهي النصر على العدو بأن يتصدوا عليهم به وامتناعهم منه، فلا يغلبهم.
قال الزمخشري: في أخذ الحذر معنوي، وأخذ الأسلحة حسي فكيف صح إطلاق الأخذ عليهما معا واقترانهما فيه، ثم أجاب بأنه لازم له قال: جعل الحذر آلة يستعملها الغازي فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة وجعلا مأخوذين ونحوه، قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ)، وهذه الآية ليست من ذلك القبيل؛ لأن أخذ الحذر مجاز، وأخذ الأسلحة حقيقة فإنما هي على حذف مضاف، أي وليأخذوا حذرهم وليحملوا أسلحتهم مثل:
يا ليت زوجك قد غدا... مستقلدا سيفا ورمحا
أي: وحاملا رمحا، وأجاب ابن عرفة بأن استعماله في حقيقته ومجازه أمر ضروري لَا بد منه؛ لأن كل واحد مأمور في الجهاد بأخذ الحذر وحمل السلاح فمن ضرورياته الأمر أن يكف الأذى عن نفسه، وأن يقاتل فالمجاز لازم له وقصاراه أن ابن المنير يلزمه الإضمار ونحن يلزمنا المجاز فتعارض المجاز والإضمار، ومنها ثلاثة أقوال ثالثها قول رضاء الدين النيسابوري، والفخر في المحصول: إنهما سواء، وحكى ابن عطية: إن النقل اختلف عن أشهب في كيفية قضاء الركعة الثانية بكل خائفة، هل يقضيها الطائفتان في زمن واحد بعد سلام الإمام وهو نقل ابن عبد البر، وابن يونس عنه أو يقضيها بعضها الآخرة ثم ينصرف، ثم ثاني الأول فيقضيها؟ وهو نقل اللخمي عنه ابن عرفة: الأول مواطن لحديث الموطأ، والثاني لحديث جابر ويحتمل الجمع بينهما، بأن الأول إذا كان العدو في قبلتهم، والثاني إذا لم يكن في قبلتهم، ابن عرفة: وفي الأمر بأخذ الحذر إشعار بالعلة التي لأجلها شرعت صلاة الخوف، قيل له: قد
نص عليه في قوله تعالى: (إِنَّ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) فقال: إنما تلك في قصر الصلاة في السفر لَا في الخوف، وقد قالوا: إن بين الآيتين في النزول عام كامل.
قال الزمخشري: والضمير في أسلحتهم إما عائد على المصلين فيأخذوا ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر، وإما على غير المصلين فنقل عنه الطيبي عوده على المصلي فإن قلت: هلا قيل: لو تغفلون عن أسلحتكم وحذركم؛ لأنه هو الذي وقع الأمر به في الآية، قال: وتقدم الجواب بوجهين:
الأول: أن الغفلة عن أحد الأمرين تكفي في حصول المطلوب.
الثاني: أن هذا إشارة إلى جهلهم وبلادتهم في أنهم إنما يريدون الغفلة عن الأمر الحسي وهو السلاح المعنوي.
قوله تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى) فيه الإتيان في الجواب بالمطلوب وزيادة، مثل حديث "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"؛ لأن السبب الذي ذكروه عن عبد الرحمن بن عوف إنما هو في المرض فقط.
قوله تعالى: (وَخُذُوا حِذْرَكُم) احتراز؛ لأنه لما رفع عنهم الجناح في حمل السلاح حالة المطر والمرض قد يتوهم أنهم يترخصون ويتركون الحذر ولا ينشغلون به فأخبره من ذلك وأمرهم بأخذ الحذر، بل الأمر هنا آكد؛ لأن الحذر من العدو حالة عدم السلاح أشد منه حالة حمل السلاح.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا).
قال الزمخشري: إن كان يقال: (وَخُذُوا حِذْرَكُم) إن كان العدو حريصا على قتالكم، أو يقال: (وَخُذُوا حِذْرَكُم) فإن الله أعد لكم أجرا عظيما، ثم أجاب بأن ذلك إشارة إلى ما حصل في قلب العدو من الرعب والإهانة في الدنيا أي بحالة خوف ومهانة وإذلال، بحيث لَا يخافون منهم بوجه وهذا بناء على العذاب، ثم سوى ابن عرفة، ويحتمل أن يكون أخرويا مثل ما قال الزمخشري: ويكون من باب الاستدلال
باللازم على الملزوم إن الله يعذبهم في الآخرة العذاب العظيم، وتعذيبه إياهم دليل على حربهم وكمال مشاقتهم لكم فخذوا حذركم منهم.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ... (١٠٣)﴾
قال ابن عرفة: القضاء في لفظ الشرع، يراد به نفس فعل العبادة، أما إذا لو قضاء وأكثر ما يطلق على الأداء في السنة حملة الشريعة بجعله قسيما للأول والمراد هنا فعل العبادة.
قوله تعالى: (قِيَامًا وَقُعُودًا).
كقولهم: ضربته الظهر والبطن، ابن عرفة: وفي الآية دليل على أن الصلاة لا تجرى بمجرد القصد والنية فقط، وهي صلاة من لَا يقع منه إلا غفلة؛ لأن الآية اشتملت على أصل فلا يجزئ المكلف في الصلاة ويخرجه من عهدتها وهو من فعلها على خفية، ومذهب أبي حنيفة هنا كمذهب أصبغ في عدم الماء والصعيد أنه يقضي ولا يصلي وعطف هذه المذكورات يدل على أنها في معنى شيء واحد، ولو كانت متداخلة لجاءت غير معطوفة.
قوله تعالى: (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ).
الطمأنينة: سكون النفس من الألم سواء كان ألم مرض، أو ألم خوف من العدو وهذه حقيقتها اللغوية، قيل له: بأن الطمأنينة في العرف الأمن من العدو فإن جعلتها في اللغة عامة لزمك النقل والأصل عدمه، فقال: نقول إنها للقدر المشترك فاستعملت في العرف في أحد.
قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ).
كقولك: لَا أرى الموت يسبق الموت شيء.
قوله تعالى: (كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ).
دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، قيل له: إن أريد بقولك: (كِتَابَا مَوقُوتًا) أنه كتاب معروض فما قلته صحيح إن قلت: معناه مؤقتا محدودا فلا يسلم، ويقول: معنى مؤقته على غير وقت على الكافرين، فقال القائل: قائلان إما أنهم مخاطبون بها على ما هم عليه أو غير مخاطبين.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ... (١٠٤)﴾
الظاهر أن المصدر مضاف للمفعول فهو آكد للطلب، أي: [لا تضعفوا*] في طلبكم القوم، فإنهم يخافون منكم كما تخافون منهم مع زيادة أنكم ترجون ثواب الآخرة وهم لا يرجونه.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ... (١٠٧)﴾
ابن عرفة: المجادلة مقاولة مقترنة بدليل، والمخاصمة مقاولة غير مقرونة بدليل.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا).
قيل له: المناسب أن الله لَا يحب من كان خائنا آثما فإن نفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم و (خَوَّانًا أَثِيمًا) أخص من خائن، ثم فقال: نصوا على أن لَا يحب مثل قولهم يا حبذا زيد العام وهذه للذم العام، فنفي أخص المحبة بأخص الخيانة والإثم لَا يلزم منه ثبوتها الإثم بل هو أيضا محبوب لكنه مذموم ذما دون ذلك فليس هو مذموما عاما كالأول، قلت: نظيره في سورة البقرة في قوله تعالى: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ)، وفي قوله تعالى: (وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ).
قوله تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ... (١٠٨)﴾
قال ابن عرفة: هذا هل يتناول المباح أم لَا؟ قال: لَا يتناوله ويكون معنى الآية الذم أي يبيتون ما هو مذموم من القول.
قال الزمخشري: وأطلق القول على ما في النفوس فهو مجاز فتعقبه.
ابن عرفة: بأنه مصادم لمذهبه؛ لأنه ينكر الكلام النفسي فكيف يبينه ويجعله مجازا، قيل له: بل هو تحقيق لمذهبه؛ لأنه يسميه إرادة، فقال: تسميته فى الآية قولا مجازا.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ... (١١٠)﴾
ابن عطية: بمعنى واحد كرر للمبالغة، الزمخشري: (يَعْمَلْ سُوءًا) قبيحا متعديا سواء غيره أو يظلم نفسه بمعصية خاصة به لَا يتعداه، وقيل: يعمل سوءًا بذنب دون الشرك أو يظلم نفسه بالإشراك، ابن عرفة: ويحتمل أن يكون يعمل سوءًا متناول المعصية القاصرة والمتعدية ويظلم نفسه خاصة بالمعصية القاصرة، ويكون من عطف الخاص على العام، قيل له: الغالب في ذلك إنما يكون حيث يكون في الخاص، يريد إشارتها على العام والعام هنا هو الذي فيه الخصوصية؛ لأن المعصية المتعدية للغير
أشد من المعصية القاصرة، وأجاب ابن عرفة بأن العطف أفاد التسوية في الاستغفار بين جمع معصيته مع ما انفرد بالمعصية الخاصة به القاصرة عليه، وإن الله غفور رحيم لهما معا والعطف بـ ثم إما للتراخي حقيقة فإِن كانت التوبة من الذنب على الفور، قلنا: ذلك في الأمر بها لَا في الإخبار عنها، فأفاد الخبر أنها مقبولة ولو تراخت على فعل المعصية أو ليكون لبعد من له المعصية ممن له الاستغفار.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ... (١١١)﴾
الكسب هنا هو نفس فعل المعصية بالإخبار، والكسب عند أهل أصول الدين في تفسيره اضطراب، فإن قلت: هذا مصادم لحديث "من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة"، قلنا: عوقب الأول بإحداثه المعصية وإنما عوقب بفعله.
قوله تعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾
وصف الإثم بالمبين، ولم يصف به البهتان؛ لأن البهتان كله مبين بخلاف الإثم.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ... (١١٣)﴾
الفضل راجع لصفة الإرادة، والرحمة لصفة الفعل ويحتمل أن يكونا بمعنى واحد.
قوله تعالى: (لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ).
ابن عطية: هذا يدل على أن اللفظ عام في غير أهل النازلة، وإلا فأهل التعصب [لبني أبيرق قد وقع همم وثبت*] فالمعنى: ولولا عصمة الله لك لكان في النَّاس من يشتغل بإضلالك ويجعله همه كما يقول هؤلاء، ابن عرفة: وتقدم لنا فيها معنى آخر وهو أن المراد: لهمت طائفة بإضلالك الهم الصادق الرافع معلقة وهؤلاء إنما هموا هما غير صادق إذ لَا يتم لهم غرض، قلت: قال تعالى: (وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا) قال: والإضلال على قسمين: فالضلال في الظاهر كمن يأتي للقاضي ببينة يعلم إنها زور ويهدي له هدية فيقبل منهم شهادتهم ويحكم لهم، والإضلال في الباطن كمن يأتي ببينة هم في الظاهر ويزوروا كلاما ويفعل ما يريهم أنه على الحق فيحكم له القاضي بذلك ظانا أنه على الحق وهو على الباطل، فأما الأول فلا يدخل في هذه الآية وإنما المراد: ولولا عصمة الله لك لأضلك بعض النَّاس بتزويرهم الأمور وإتيانهم بها على صورة الحق فتحكم لهم بها وهي على الباطل لحديث: "إنما أمرت أن أحكم بالظاهر
والله متولي السرائر"، وحديث: "إذا أخطأ المجتهد فله أجر واحد وإن أصاب فله أجران".
قيل لابن عرفة: إن ابن المسيب حمله على الضلال في الظاهر، قال: لأن العصمة تأباه على سبيل الفرض مثل: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)، فقال ابن عرفة: الصواب تفسيره بما كان يكثر وقوعه منه؛ لأنه مستحيل عليه تعمد الإضلال، ابن عرفة: ووقع الامتنان عنا بنفس النعمة وبالتذكير بها اختصاصا له بذلك وتشريفا له.
قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ).
الكتاب: القرآن، والحكمة: فهمه والسنة.
قوله تعالى: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ).
هذا من أدل دليل على أفضلية العلم وبها احتج الغزالي رحمه الله على فضل العلم، وقال في سورة العلق: (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) فهذه أبلغ؛ لاقتضائها نفي الشيء ونفي الغالبية له، فقولك: لم يكن زيد يعلم كذا أبلغ من قول: لم يعلم زيد كذا، فأفاد هذا النهي اختصاصا بذلك، وأن علمه شيئا ليس من عادة البشر علمه.
قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ... (١١٤)﴾
ابن عرفة: انظر هل الخير عند الشر وهو ما فيه مصلحة فيتناول المباح، أو هو ما لم يتضمن فيتناول المباح والظاهر الأول والقضية إن كانت في طُعمة فليس فيها حصر والكثير، إما أن يكون أريد بها المجموع عكس ما أريد بالقليل في قوله: مررت بأرض قل ما تنبت البقل، أو ليس في (نَجْوَاهُم) خيرا لوجد، وإمَّا أن يكون على بابه فلا ينحصر قضية طعمه بل يعمها وغيرها وخص الصدقة بالذكر حديث: "والصدقة برهان" وخص الإصلاح لرجوعه إلى درء المفاسد؛ لأنه من باب تغيير المنكر فهو
آكد من جلب المصالح، وفي الآية عطف العام على الخاص، والخاص على العام، قال أبو حيان: في قوله: (بَينَ النَّاسِ) يصح أن يكون معمولا لإصلاح فيكون متعلقا به، أو يكون صفة لإصلاح فيتعلق بمحذوف.
قيل لابن عرفة: إنما يصح هذا لو كان المعنيان مختلفين، وأما مع اتفاق المعنى فالتعليق بالظاهر أولى، فلا يكون له موضع من الإعراب، فقال: بل معنى مختلف؛ لأنه إن كان معمولا يكون الإصلاح جزئيا، وإن كان صفة يكون الإصلاح كليا، ثم وصف جزئي، والكل سواء.
قوله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ).
أورد الزمخشري سؤالا قال: الأمر بالإصلاح قولي فكيف قال: ومن يعني ذلك والقول غير الفعل، ثم أجاب بأمرين: إما أن الدال على الخير كفاعله، وإما أن فعل ذلك يشق على النفوس من الأمر به فلذلك رتب عليه الأجر العظيم، قال بعضهم: الإصلاح بين النَّاس حسن عملا هذه الآية، وبقوله تعالى: (وَالصلْحُ خَيرٌ) وكل خير مأمور له لقوله تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) وخير عام ضرورة أنه اسم جنس مقرون بالألف واللام ينتج أن الإصلاح بين النَّاس مأمور به فهذا من تركيب المخصوص، ورد بمنع الصغرى وهي قوله: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) لأنها بمعنى أخير فلا يتحد الأوسط؛ لأن الأخير غير الخير، وأجيب بأن المغايرة بينهما لا تمنع صادقية الخير على الأخير فقد اندرج تحته كصادقية الأحسن على الحسن، فينتج أن الحسن مندوب إليه، وقال بعضهم: ضم قوله: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ) في قوله تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيرَ) مندوب لكون الصلح مندوب فضلا عن كونه جائزا، وقرره بأن قال: لو كان الصلح من لوازم الخير لكان مأموراً به والمقدم حق، فالتالي حق لبيان حقيقة المقدم.
قوله تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ).
فأوقف الخير على أحدهما، والصلح أحدهما فالخير موقوف عليه، ولا معنى لكونه؛ لأن ما له إلا هذا، والملازمة ظاهرة؛ لأن الخير مأمور به لقوله تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) فهو عام والأمر بالشيء أمر بما يتوقف عليه ذلك الشيء، وأجيب بمنع ملازمة الصلح للخير قوله تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) أحدهما قلت: لَا يلزم من كون أحدهما أن يكون لازما للخير جواز تحقيق الخير بدونه موقوفا على أحدهما وهو المعروف وصدقه.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ... إلى قوله (تَوَلَّى... (١١٥)﴾
احتج بها الشافعي على أن الإجماع حجة ودليل قاطع؛ لأنه قرن اتباع غير سبيل المؤمنين [بمشاقة*] الرسول وهي حرام فدل أن اتباع (غَيرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) حرام، أو لا يصح أن يقال: من زنا وأكل الحلوى فاجلدوه، قال ابن الحاجب: وأُجيب بأن الآية تحتمل متابعته، أو مناصرته والاقتداء به، والإيمان نصير دون الإنسان التمسك بالظاهر إنما يثبت بالإجماع بخلاف التمسك به في القياس، وقرره الأصبهاني بأن الآية ليست دليلا قاطعا في وجوبه متابعة الإجماع؛ لأن اتباع سبيل المؤمنين عام يتناول اتباعهم في متابعة الرسول واتباعها واتباعهم في نصرته والذب عنهم، واتباعهم في فرقة والذب عنه، واتباعهم بالاقتداء به، واتباعهم في الإيمان به، ودلالة العام على فرد من أفراده في المعنيين ليس بقطعي؛ لجواز تخصيصه وإخراج [تلك الفردية*]، وإذا لم يكن قطعيا وتمسك به في كون الإجماع حجة لزم الدور؛ لأن التمسك بالظاهر إنما يثبت بالإجماع، وأجاب الأصبهاني بأن الدور إنما يلزم أن لو لم يكن غير الإجماع دليلا على أن الظاهر حجة؛ لجواز نص قاطع أو استدلال قطعي على ذلك كقولنا: الظاهر مظنون، وكل مظنون يجب العمل به مطلقا؛ لأنه لو لم يعمل بواحد من النقيضين لزم دفعهما، فإن عمل بما لزم اجتماعهما، وإن عمل بالمرجوح لزم خلفه صريح العقل فبينهن الظن بالمدلول، وأورد الفخر في المعالم: على [إجماع*] الشافعي إيرادات، منها: القول بالموجب وهو دلالتها على تحريم اتباع المكلف غير سبيلهم، إما عند مشاقة الرسول لَا مطلقا، وإما بعد تبين الهداية فالوقوف على مسند إجماعهم، وإما اتباعه سبيلهم في الإيمان في فروعه، وإما مخالفة كل سبيله لَا بعضهم، وإما أن يراد سبيل المؤمنين إلى قيام الساعة فلا ينتج الإجماع في مسألة أبدا إذ لَا يعلم ما يقول فيها من يأتي بعد ما قال سلمان: الآية عامة لكنها مخصوصة بصلاح أجمعوا عليه إذ لَا يجب اتباعهم فيه، وأيضا سبيلهم طريقهم الفعلية [محمولة*] على القولية مجازا، وأيضا فلا يلزم من تحريم اتباع غير سبيل المؤمنين وجوب اتباع سبيلهم، أو فيهما واسطة وهو عدم اتباعهم، وإن سلمناه فمفهوم مخالفة من أضعف الدلالات وأيضا فلو دلت على وجوب اتباع سبيلهم عموما لدلت على اتباعهم في مسند علمهم لَا في نفس حكمهم، وأيضا فالمؤمنون عام يدخل فيهم الموجودون حين نزول الآية وإنفاقهم في زمن الرسول فليس بحجة وبعد موته لم يبق إلا بعض المؤمنين سلمنا، ولكن عادتهم اعتقاد قلبي يعم بعلمه، وأجاب ابن التلمساني عن هذه السؤالات بأجوبة طويلة انظرها في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) قال ابن عطية: إنها صفات كافر مات على كفره فهو مخلد في النار بإجماع، ومؤمن حسن لم
يذنب قط إلى أن مات يخلد في الجنة بإجماع، ومذنب مات تائب فأهل السنة وجمهور الفقهاء ألحقوه بالمؤمن، ومذنب مات قبل توبته، فقال أهل السنة: إنه في المشيئة، وقالت المرجئة: إنه في الجنة، وقالت المعتزلة: إن كان صاحب كبيرة أو صغيرة فهو مخلد في النار، قال أبو جعفر بن الزبير: قصد الأول بقوله تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦).. لأن حملها بين (الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) وهو كذب وافتراء، فقال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ) والافتراء من أخص صفاتهم مع الشرك، وعقب الثانية بقوله تعالى: (فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) لأن قبلها (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ) وقبلها: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)، ثم قال: (وَلَا تُجَادِل عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ) فتضمنت ذكر منافقي زمنه وما صدر عنهم من غير الكذب والافتراء فناسب تعقبها بالضلال البعيد.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا... (١١٧)﴾
لما تقدمها (وَمَنْ يُشرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ) توهم أن له في ذلك الضلال شبهة، فأفادت هذه الآية أنه لَا شبهة له يستند إليها نفي لدعواهم إناثا، ابن عرفة: وفي الآية سؤال وهو إن المحصور فيه ثانيا إن كان المحصور أولا ألزم التكرار عن قرب وإن كان غيره لزم، إما إبطال الحصر من أول إبطال أحدهما، وإلا باطل، وأجيب بوجوه:
الأول: أنا نختار أنه غيره، لكن الدعاء ثانية شفقة، والأول: راجح المسبب على الدعاء.
الثاني: أن الضمير في يدعون الأشخاص أمر غير الأولين.
الثالث: أن الأول باعتبار ظاهر حاله ومادتي أمرهم.
والرابع: باعتبار ظنه وما به وعاقبته.
قال ابن عرفة: هذا كله مجاز، وإنما عادتهم أن المحمول يمكن تعدده وانفراد الموضوع بقول: ما رأيت إلا عالما، وما رأيت إلا قريبا فيصح تعدده كقولك: زيد قرشي عالمي وكذلك هكذا يقول: يدعوهم إناث وشيطان ومريد، فالموضوع بمفرد والمحمول متعدد والمحصول فيه محمول لَا موضوع.
قوله تعالى: (شَيْطَانًا مَرِيدًا).
ابن عطية: قال الجمهور: هو إبليس عليه اللعنة، وهو الصواب وقالت فرقة: هو الشيطان بكل صنف.
قوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ... (١٢٠)﴾
ابن عرفة: أي يقول لهم تمنوا علي، فإن تمنوا عليه شيئا يعدهم به، فالوعد هو تطميعهم لهم بأمر فلا يردوا طلبوه أم لَا؟ وهو أعم من قوله (يُمَنِّيهِمْ)؛ لأن الثاني أمر ملائم منفي.
قوله تعالى: (وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) ولم يقل وما يعدهم ويمنيهم؛ لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ... (١٢١)﴾.. قال ابن عرفة: (مَأوَاهُم) مبتدأ و (جَهَنَّمُ) خبره؛ لأن المأوى منحصر في جهنم، أي لَا مأوى لهم إلا جهنم، فإن قلت: ما أفاد قوله (وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا) قلنا: فائدته أنه قد يتوهم أن يكون لهم في أثناء الإقامة فيها فتور عن العذاب وزمانه وأنهم يموتون فيها فيستريحون منه فنفي هذا التوهم بقوله (مَحِيصًا) فإن قلت: هلا قال: ولا محيص لهم عنها فهو أبلغ من نفي الوجدان، لأن نفي الشيء بالإطلاق أبلغ من نفي وجدانه، قلنا: إنما نفي الوجدان ليفيد أنهم يعذبون عذابا حسيا وعذابا معنويا بطلبهم المحيص وإشغالهم بذلك، ثم حرمانهم منه بعد تشوقهم إليه.
قوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا... (١٢٢)﴾.. أبو حيان: الأول مصدر مؤكد لنفسه، وهو الذي يفهم معناها قبله.
قال ابن عرفة: مثل له على ألف درهم عرفا؛ لأنه مفهوم من قوله على، والثاني: مؤكد لغيره أي حق ذلك حقا.
قوله تعالى: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) ابن عرفة: تقدم لنا في هذا التركيب أنه يقتضي نفي الأصدق ولا يقتضي نفي المساوي، وتقدم الجواب، قال: والقول أعم من الكلام، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص، قال أبو جعفر بن الزبير، وقال هنا: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) وقال قبله (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) فإنه لما تقدم هنا وعد المؤمنين بالنعيم المقيم والثواب الجزيل عقبه بقوله (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا) لم يكرر لفظ الوعد هروبا من الثقل، وأتى بما يناسب في اللفظ والمعنى وألحقه؛ لأن قيل: صدر ساكن الوسط كمال الوعد والحق كذلك، ولما تقدم قال: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُم إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ) وهذا اختبار وحديث عن البعث، قال (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا).
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ... (١٢٦)﴾
إما باعتبار الملك، أو باعتبار الخلق والاختراع، وقدم المجرور وهو خبر إما للحصر أو للتشريف، فإن كان باعتبار الملك فالحصر ظاهر، وإن كان باعتبار الخلق والاختراع فينكره المعتزلي.
فيل لابن عرفة: وهل يدخل فيه الظرف وهو (السَّمَاوَاتِ) فقال: يدخل في قوله (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا) وقال: هنا مبتدأ لما قيل بأحد وجهين: إما أنه لما تقدم فيها (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ) فقد يتوهم منه اختصاص خلته إبراهيم لأجل اختصاصهم إياه بالخلة، فأفاد أن جميع الخلق ملك له على جهة الاختراع، وقال ابن المنير: إن نسبته الخلة لإبراهيم قد يتوهم منها أنه غير مملوك لله عز وجل، فأفاد هذا أنه مملوك له.
الوجه الثاني: أنه راجع لقوله (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) فيقال: إذا يقال؛ لأن جميع الخلق ملك لله عز وجل.
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ... (١٢٧)﴾
هو القدر الزائد على العدل، وهو أن تفضلوا بالزيادة على حظهم واكتفوا بهذا عن أن يقول: وما تفعلوا من شيء، وهو النقصان من العدل فإن الله به عليم، أو علمه بالخير يستلزم علمه بالشر كله، قال ابن الحاجب: فإن نقيض الخفي خفي، ونقيض الجلي جلي؛ لأن العلم بأحد المعنيين يستلزم بالآخر.
قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا... (١٢٨)﴾
هو الارتفاع منها بتطليقها، والإعراض عما لها مع القيام معها، قلت: إنما ينفي الجناح عن الرجل؛ لأنه الناشز المعرض، قلنا: والمرأة يتوهم أن عليها الجناح في إهمالها نفسها وبقائها مع زوجها حالة إعراضه عنها؛ لأن فيها في ذلك معرة بين أقرانها وقرابتها، فقد يتوهم أن ذلك منكر شرعا لما كان منكرا عادة، فقال: لَا جناح فيه.
قوله تعالى: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ)
لأنه هو الذي في الأنفس كما يقول: كُسِيَ زيد جُبة وأعطي عشرون درهما.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾
دليل على وجوب اتصافه على صفتي الإرادة والقدرة، وجه مناسبتها لما قبلها أنه لما تقدمها (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) وتضمنت وكيل على الأشياء كلها، جاءت هذه كالدليل عقبها في أنه القادر على الإعدام والإيجاد.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ... (١٣٥)﴾
وقال في سورة العقود (قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ) فراعى هنا لفظ (قَوَّامِينَ) فناسب اقترانه لقوله (بِالْقِسْطِ) وراعى هناك اسم الجلالة فقدمه لشرعه، وأجاب الزبير بأن آية النساء قبلها الأمر بالعدل، قال تعالى (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ) فناسب تقديمه، وآية المائدة قبلها الأمر بالطهارة، ثم تذكير العبد بنعم الله عليه، ثم أمره بتقواه فناسب تقديم اسم الله.
قوله تعالى: (إِنَّ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا).
ابن عرفة: الظاهر أن الجواب محذوف، أي فهو مصدق أوامره إلى الله والله أولى به، فلا يقولوا هذا أغنى فلا يشهد، وهذا فقير فلا نشهد عليه بل أقيموا الشهادة لله بالقسط والعدل ولا تظلموا أحد.
قوله تعالى: (فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا).
قال أبو حيان: إما أن المعنى كراهية أن تعدلوا بين النساء فلا تطيعوا أنفسكم وأهواءكم كراهية العدل بين النساء، أو فلا تطيعوا أنفسكم إرادة أن لَا تعدلوا.
ابن عرفة: فما قالوا هم في عين التعليل، وما قاله أبو حيان تعليل النهي.
قال ابن عطية: احتج للحاكم أن يرشد الضعيف بما ينفعه ويشد عضده.
قال ابن عرفة: حكى لنا القاضي ابن عبد السلام عن القاضي أبي عبد الله محمد ابن الخباز، أنه تحاكم عنده رجلان طويل وقصير، فظهر من القصير نباهة وحذق، ومن الطويل فتور ومكنة، فقال له القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن إبراهيم المعروف بابن الخباز: ما اسمك؟ فقال له الطويل: اسمي فارس، فقال له: يا فارس ما لك يغلبك هذا الفويرس.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ... (١٣٦)﴾
قال ابن عرفة: إما أن يريد بالأمر الثاني: الإيمان العقلية والشرعية، والظاهر أن يواد لوازمه الشرعية كالصلاة والزكاة والحج؛ لأنه لَا يلزم من الأمر الأول الأمر بها، فإن قلت: هلا قيل: ورسله بلفظ الجمع أخص وأعم فائدة؟ [أجيب بجوابين*] إما بأن الرسل لما كانت [مقاصدهم*] واحدة، فكلهم يدعون [إلى*] الإيمان بالله وتوحيده وما يجب له وما يستحيل عليه كانوا كالرسول الواحد، وإما بأن الرسول أعم من الرسل؛ كما قال
الزمخشري: في قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) أنه أعم من العظام.
قال الزمخشري: فإن قلت: لم قال في الأول نزل، وفي الثاني أنزل؟ وأجاب بأن القرآن نزل منجما في عشرين سنة، وغيره من الكتب نزل دفعة واحدة.
ابن عرفة: وعادتهم يردون عليه بقوله تعالى: (لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً)، وأجيب: بأن نزل ظاهر في النزول معرفا وهو الغالب عليه، وقد يختلف فيطلق أحيانا على إنزال في مرة واحدة لكن ذلك قليل، ولا يقر في معناه الأصلي وإطلاقه عليه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا... (١٣٧)﴾
ابن عطية: قال قتادة، وأبو العالية في اليهود والنصارى: (آمَنُوا) اليهود بموسى والتوراة، ثم آمنوا النصارى بعيسى والإنجيل، (ثُمَّ كَفَرُوا) من النصارى بعيسى والإنجيل ثم كفروا، وضعفه ابن عطية، ووجه ابن عرفة بأحد وجهين:
إما بأن ابن عطية محمله على أشخاص اليهود والنصارى، ونحن نحمله على مجموع الفريقين باعتبار الكل لَا الكلية، والمجموع من حيث هو، وأن بعضهم آمن ثم كفر ببعض الآخر وهم النصارى آمنوا ثم كفروا، وإما أن يجري على مقتضى حديث "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" فهم ولدوا مؤمنين ثم كفروا.
قوله تعالى: (ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا).
الكفر يزيد وينقص باعتبار متعلقه وطرقه، ولذلك قال تعالى (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) [فجمع*] الظلمات وأفرد النور.
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ... (١٤٠)﴾
قيل لابن عرفة: هل يجوز التمثيل بآيات القرآن؟ أما في مقام الوعظ والتذكير فجائز مثل (وَقُولوا لِلنَّاسِ حُسنًا)، (وَاسْتَعِينُوا بِالصبْرِ)، (وَاستَغْفِرُوا رَبَّكُم) وأما في غيره فممنوع كقول بعضهم، وقد سئل عن شيء فعله لم يفعله (وَمَا فَعَلتُهُ عَن أَمْرِي).
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ... (١٤١)﴾
ابن عرفة: المفعول محذوف تقديره: أما (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ) الدوائر الراء زائدة، وأما الذين يتربصون به مستقبلات الأمور من خير أو شر وهو ظاهر سياق الآية، ولا يبعد أن يريد الجميع فيكون على نوعين فمن سمع منهم على المؤمنين خبرا يسوؤه فهو يتربص بهم دائرة السوء، ومن لم يسمع شيئا فإنه يتربص الأمر المستقبل على الإطلاق، وأسند الفتح إليه، ولم يسند إليه المصيبة مع أن الجميع من عند الله تسريفا للفتح واعتناء به.
قوله تعالى: (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ).
ألم تكن لنا قدرة على أن ننصر المؤمنين عليكم فلو قاتلناكم معهم لانتصروا واستولوا عليكم فالمعنى: ألم نستول عليكم بقدرتنا على قتالكم الموجب لانتصار المؤمنين عليكم.
قوله تعالى: (وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).
قال ابن عرفة: المناسب إليهم أن يقال: ونمنع المؤمنين منكم كما تقول: منعت الأسد من زيد، فلا تقل: منعت زيدا من الأسد.
قيل لابن عرفة: ولم قال: ونمنع المؤمنين؟ لاحتمال أن يكون المؤمنون غالبين أو مغلوبين، وهذه العبارة أخص وأصرح من المعنى من غير احتمال، فقال ابن عرفة: لنا معنى هذا، ونكفكم من القتال عن المؤمنين، فالصواب أن يقال: ونكف المؤمنين عنكم باحتمال أن يكون من السبب المتعاكس فمن امتنع منك امتنعت منه.
قوله تعالى: (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَينَكُم يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
أي باعتبار ظهور الحكم وبروز متعلقه، وإلا فالحكم قديم أزلي.
قوله تعالى: (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤمِنِينَ سَبِيلًا).
قوله تعالى: (لِلكَافِرِينَ) بأن الكافرين فاعل في المعنى، وشبه مفعول أعطى والفاعل هو المقدم في الرتبة مقدم في اللفظ، وهذا إذا كان باعتبار الفعل والوجود فيكون في الآخر فقط، وإلا فقد استولوا على المؤمنين في الدنيا في غزوة أحد وغيرها، وإن كان باعتبار الحكم الشرعي فهو في الدنيا والآخرة.
قيل لابن عرفة: قد قال أشهب: إن الكافر إذا ملك المؤمن عتق عليه، ويكون ولاؤه له، أفترى له عليه سبيل عند أشهب؟.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ... (١٤٢)﴾
قال ابن عرفة: التأكيد بأن إنما يصح إذا كان المخاطب منكرا وطرأت عليه مخايل الإنكار، والتأكيد هنا مصروف إلى ظنهم أن خداعهم مؤثر ونافع لهم، وقوله (يُخَادِعُونَ) على حذف مضاف تقديره: يخادعون رسل الله ويخادعون أولياء الله، فإن أريد فالتشريف من جهة واحدة وهو التعبير باسم الله عن اسم رسول الله، وإن أريد الثاني فالتشريف من جهتين، لأنه تشريف لأولياء الله والتشريف لأوليائه تشريف لرسوله من باب أحرى.
ابن عرفة: والمنافقون إن كانوا معلومين للمؤمنين كانت الآية تقبيحا لفعلهم وتحذيرا منه، وإن كانوا مجهولين فهي تقبيح لفعلهم فقط، ابن عطية: ومخادعتهم لأولياء الله فيظنونهم غير أولياء، أو لَا يقصد أحد من البشر مخادعة الله تعالى، فرده ابن عرفة: بما روى مسلم في صحيحه في كتاب ذكر المنافقين عن مجاهد عن ابن عمر عن ابن مسعود، قال " [اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ، أَوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتُرَوْنَ اللهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ وَقَالَ الْآخَرُ: يَسْمَعُ، إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ، إِنْ أَخْفَيْنَا وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ، إِذَا جَهَرْنَا، فَهُوَ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا"، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ *] الآية. قال ابن عرفة: وجرى بين شيخنا الفقيه أبي عبد الله محمد بن سليمان بن علي، وابن الصباغ في القضية اختلاف: هل المنافقون مخاطبون بفروع الشريعة أو لَا؟ ووقع بينهما في ذلك تنازع كثير منهم السلطان ابن الحسن، والتحقيق أن الخلاف في خطاب الكفار بالفروع إن كان باعتبار الباطن كما يقول الأصوليون من أنه راجع إلى تضعيف العذاب في الآخرة ففيه نظر، قلت: لَا نظر فيه لقوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ).
قوله تعالى: (يُرَاءُونَ النَّاسَ).
ابن عرفة: المرائي يظهر التجلد والاجتهاد في العبادة، فكيف يفهم أنه مراء وهو كسلان، ثم أجاب: بأنهم في ابتداء الصلاة كسالى، فإذا شرعوا فيها الاجتهاد والنشاط، قال ابن العربي: ومن صلى ليراه النَّاس فيقدمونه شاهدا فصلاته صحيحة.
ابن عرفة: فعل العبادة لله مستتبعا للرياء فهي صحيحة، وإن فعلها لمجرد الرياء فقط فهي باطلة.
قوله تعالى: ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ... (١٤٣)﴾
أي لَا مع المؤمنين ولا مع المنافقين بأن المراد لَا هم مع المؤمنين في الحقيقية ولا هم مع الكافرين في ظاهر الأمر، قال: والإشارة الأولى إما للمؤمنين، وإما للكافرين. والثانية كذلك، وتقدم لنا في الميعاد ترجيح كون الأولى للكافرين والثانية للمؤمنين ليكون ختم عليهم بمنتهى الإيمان، ولو كانت الأولى للكافرين لكانوا ممن ختم عليهم بعدم الكفر فيحتمل أن يكونوا آمنوا في آخر أمرهم.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا... (١٤٤)﴾
الخطاب للمؤمنين وهو من يعمل مطلق الإيمان، والكافرين أولياء إما مع المؤمنين أو دونهم فوقع النهي عن الثاني دون الأول، لأنه أشد فرتب عليهم الوعيد الأشد، أو يجاب بأن الجزء الذي اتخذوهم فيه أولياء لا يشاركون فيه المؤمنين، فكانوا اختصوهم به واتخذوهم فيه دونهم كما تقدم في قوله تعالى: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) مع أنهم لم يطلبوا الاستبدال بل يطلبون ذلك مع غيره، فتقدم الجواب بأنه عند الاستعمال ينقصون من أكلهم من الأول فكأنهم استبدلوا ذلك الجزء الذي نقصوه.
قوله تعالى: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا).
قال أبو حيان: السلطان هو الحجة، ويحتمل التذكير فالمعنى البرهان والثبات وهو مذكر، وإما لأن الحجة هي الدليل المستعمل الواقع في الوجود الخارجي، والبرهان هو الدليل الأعم من كونه استعمل أو لم يسعتمل به بل الاستعمال والتذكير فيه أولا؛ لأن لازم الأعم لازم الأخص.
قال ابن عرفة: وفي الآية اللف والنشر بقوله (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا) راجع لقوله (لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ)؟ وقوله (مُبِينًا) راجع لقوله (مِنْ دُونِ اللَّهِ) فمن اتخذتم أولياء
بالإطلاق ترتب لله عليه حجة مطلقا ومن اتخذهم من دون الله ترتب عليه حجة واضحة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ... (١٤٥)﴾
قال ابن عرفة: الألف واللام إما للعهد فلا يتناول منافقي الجنس، وإما للجنس فتتناولهم، والظاهر عدم تناول اللفظ لهم؛ لأن أولئك معصيتهم أشد لمشاقتهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم واستهزائهم به.
قوله تعالى: (وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا).
هو موضع لَا ينفع فيه النصير فلذلك لم يقل: ولم يكن لهم نصير، قال الفخر: في مفهومها حجة لأهل السنة بإثبات الشفاعة للعصاة.
قيل لابن عرفة: إنه مفهوم اللقب، فقال: بل مفهوم الصفة؛ لأن الضمير لهم عائد على المنافقين.
قال تعالى (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا... (١٤٦)
قال ابن عرفة: الحكم على المعنى المشتق من وصف إن كان باعتبار ذاته فالاستثناء منفصل، فإن كان باعتبار وصفه فهو منقطع.
قوله تعالى: (مَعَ الْمُؤْمِنِينَ).
الألف واللام للعهد، يريد المؤمنين إيمان أو أبناءهم، أو الصحابة أبا بكر وعمر الذين صمموا على الإيمان ودعوا إليه.
قوله تعالى: (وَسَوفَ يُؤتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ).
الألف واللام للجنس فيتناول أعلاهم ولو نالهم، وهو المعبر عنهم بكونهم معهم، قلت: وسألت الأستاذ القارئ أبا العباس أحمد بن مسعود البلنسي المعروف بابن الحاجة: كيف توقف على يؤت فقال (يُؤتِ) إلا البزي فإِنه يقف عليها بالياء.
قوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ... (١٤٧)﴾
قال الزمخشري: والشكر سبب في الإيمان.
قال ابن عرفة: هذا جار على مذهبه؛ لأنه يقول: شكر المؤمن واجب عقلا، والجواب عندنا أنه إنما قدم الشكر على الإيمان أنه يستلزم الإيمان بالفعل، ثم قال (وَآمَنْتُمْ) أي دمتم على الإيمان فشكرتم يستلزم تقدم إيمانهم ثم دوامهم عليه.
قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا).
إما منعما كما قال (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)، أو من باب المشاكلة مثل (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) عليما بمن آمن وشكر فيجازيه، ومن كفر فيعاقبه.
قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ... (١٤٨)﴾
قال ابن عرفة: المحبة في الشاهد ضد الكراهة، وهل هما على طرفي النقيض، أو لَا والظاهر أن بينهما واسطة فنفي المحبة يستلزم الكراهة، بل يبقى محتملا، وأما في الغالب فهما على طرفي النقيض، هذا باعتبار الدليل العقلي، وأما باعتبار الأمر الشرعي واللغوي فهو يقتضي ذم الجهر بالسوء من القول، والسوء إما الأمر المؤلم فقط، أو الأمر المؤلم المذموم، فإن كان الأول بالاستثناء فهو منفصل، وإن كان الثاني فهو منقطع؛ لأن انتصار المظلوم لنفسه مؤلم غير مذموم شرعا، ولا يدخل الغيبة في الآية؛ لأنها إن تحدث الإنسان بها مع النَّاس فهو خبر بالسوء، وإن تحدث بها مع نفسه فليست بغيبة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ... (١٤٩)﴾
ابن عرفة: هذا بدل؛ لأن إبداء الخير أعلى من إخفائه، وإخفاؤه أعلى من العفو عن السوء، فالإحسان في الظاهر لمن ظلمك أعلى، ثم الإحسان إليه، ثم العفو في السر عن الظلم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ... (١٥٠)﴾
عبر عنهم بلفظ المضارع، ثم قال (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) فعبر بلفظ الماضي؛ لأن الإيمان مأمور مطلوب به فجعل كالواقع المحقق، والكفر منهي محنه فجعل كأنه لم يقع.
قوله تعالى: (هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا).
أي كفرا محققا يقينا لَا شك فيه بخلاف من وحد الله وجحد بعض الصفات كالمعتزلة، فإن في كفرهم نظر، أو لذلك اختلف العلماء فيهم.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ... (١٥٢)﴾
فمن أطاع في شيء وعصى في شيء لَا يحيط، ثم عصيانه ثواب ما أطاع فيه.
قيل لابن عرفة: قال هنا (سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ) فعبر بسوف وهي أبلغ في التنفيس من السين، وقال حد هذا (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ)، ثم قال (أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا) فعبر بالسين، فأجيب بأن هذه فيمن حمل مطلق الإيمان بالله ورسوله أعم من أن يكون أطاع في الفروع أو عصى فناسب الإتيان بسوف المقتضي لكمال تراخي أجورهم، وهذا إشارة لمذهب أهل السنة القائلين بوجود إنفاذ الوعيد في طائفة من عصاة من المؤمنين وأنهم يعذبون قبل ذلك، والآية الأخرى فيمن حصل الإيمان وفروعه فناسب أنها خبر لما يقول على قرب الثواب الذي ينالهم في المستقبل.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ... (١٥٣)﴾
قال الزمخشري: روي أن كعب بن الأشرف [وفنحاص بن عازوراء*]، قالوا: يا رسول الله إن كنت صادقا فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى فنزلت الآية، وقرأ ابن عامر وابن كثير (تُنْزِلَ) بالسكون، والباقون (تُنَزِّلَ).
قال ابن عرفة: وقراءة التخفيف لَا تناسب السبب على ما تقدم للزمخشري في أنزل [ونزَّل*].
ابن عرفة: وتضمنت الآية أمرين:
أحدهما: الإخبار بنعت اليهود.
والثاني: كمال التسلية للنبي - ﷺ - بقصهّ موسى معهم.
قال ابن عطية: ولقد [حدثني أبي رضي الله عنه عن أبي عبد الله النحوي أنه كان يقول عند تدريس هذه المسألة: مثال العلم بالله حلق لحا المعتزلة*].
قال ابن عرفة: هذه خطابة وحاصله أن العلم بالله سبب في التشبيه، فكما أن علم الله حاصل مع اعتقاد نفي التشبيه والمماثل فكذلك الرؤية لَا يلزم منها التشبيه، وحاصله أنه دليل لَا يستقل نفسه بل باستحضار قواعد دقيقة وهو أن الرؤية لَا تستدعي الجهة والمكان خلافا للمعتزلة.
قال ابن عرفة: وقوله (فقالوا) ليس بمعطوف على (سألُوا)؛ لأنه بيان له والأصل في الجملة المبنية أن يؤتى بها غير معطوفة فهو معطوف على فعل مقدر تقديره أخبروا، فقالوا: أرنا الله جهرة.
قوله تعالى: (ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ)
ابن عطية: [لم يكن الذين صعقوا عند المضي للمناجاة ممن اتخذوا العجل*].
قال ابن عرفة: أراد أن الضمير عائد عليهم باعتبار النوع والصنف، أو باعتبار فعل هؤلاء، ورضي الآخرون بذلك.
قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ... (١٥٤)﴾
بنقض ميثاقهم.
قوله تعالى: (وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا)
أي لَا يقبل الحل شرعا.
قوله تعالى: ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ... (١٥٥)﴾
قال ابن عرفة: إن قلت: قتل الأنبياء أبدا لا يكون إلا بغير حق؟ فما الفائدة في هذا؟ قلت: المراد بأنهم لو سئلوا لقالوا: قتلهم بغير حق.
قوله تعالى: (فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا)
إن كان القليل راجع إلى الأشخاص فهو على بابه؛ لإمكان التجزئة والتبعيض فيهم وإن رجع إلى الإيمان فهو بمعنى العدم مثل: مررت بأرض قل ما تنبت البقل، لأن الإيمان لَا يتجزأ ويحتمل أن يرجع إلى للجميع.
قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ... (١٥٧)﴾
قال ابن عرفة: إنما لم يقل: وقتلهم المسيح؛ لأنه لم يقتل، وإن قتله إذما هو بقولهم ودعواهم لكل منهم شيء.
قوله تعالى: (رَسُولَ اللَّهِ)
قال الزمخشري: قالوه على وجه الاستهزاء، ويجوز أن يكون موضع الذكر الحسي مكان ذكرهم القبيح رفعا لعيسى عليه الصلاة والسلام، وقال ابن عطية: هو إخبار مّن الله تعالى.
قال ابن عرفة: فإِذا بنينا على أنه يجوز أن يكون من كلامهم فيؤخذ منه عندي أن الشاهد يحكم من حيث المحكوم عليه موصوفا بصفة أن شهادته بالحكم لا تستلزم شهادته بذلك، [... ] رجلا بالشريف أو بالفقيه، فإن كانت وقعت، فقال الفقيه أبو عبد الله محمد بن سلامة: إن ذلك يستلزم شهادة الشاهد بها، وقال القاضي ابن عبد
السلام: لَا يلزم أن يكون شاهدا بها، قال بعض الطلبة: ينبغي أن نفرق بين كون الوثيقة بخط الشاهد أو بخط غيره، فقال ابن عرفة: لَا فرق بينه وغيره.
قوله تعالى: (وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ).
قال ابن الخطيب: القول أنه شبه شخص واحد قتلوه سفسطة.
ورده ابن عرفة بورود المعجزات على يدي الأنبياء، ومن جملتها الفاشية تشبيه أحد الشخصين في الآخر حتى كما يصير كأنه هو، قال ابن الخطيب: وادعى اليهود بالنقل المتواتر أنه قتل، فقال ابن عرفة: إنما ادعوا تواتر قتل ذات شبيهة بعيسى لَا قتل عيسى محققا، وهذا أحسن من جواب ابن الحاجب عنه بأن أصل التواتر عندهم باطل، وذكره ابن عطية.
قال ابن عطية: وروي أن أولئك القاتلين لم يستحب عليهم أمر مع عيسى فصلبوا شخصا وأبعدوه عن النَّاس حتى تغير ولم تثبت له صفة ثم قربوا النَّاس منه.
قال ابن عرفة: هذه الآية ترد لقوله (وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) فدل على أن القاتلين شبه لهم لَا لغيرهم.
قوله تعالى: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ).
قال ابن عرفة: الشك مناقض الظن فلا يصح استثناؤه منه لَا منفصلا ولا متصلا، وأجيب: بأنه لما اختلف المؤمنون في الأمر شكوا ثم صاروا إلى الظن بأن بعضهم شك وبعضهم ظن، وإما بأنهم ظهرت لهم أمارات تفضي إلى الظن فلقصر إيمانهم لم يحصل لهم ظن، وإنَّمَا أنتجت لهم الشك، وإما أن يريد الشك اللغوي وهو مطلق التردد الأعم من التساوي والترجيح فلا ينافي الظن.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ... (١٥٩)﴾
ابن عرفة: تضمنت الآية عقوبتهم على كفرهم بوجهين:
الأول: تناقضهم في كفرهم به أولا ثم بما هم به حيث لَا ينفعهم الإيمان.
الثاني: تقديمهم على ذلك في الدار الآخرة.
الزمخشري: (لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) تشبيه صفة لموصوف محذوف تقديره: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ).
ابن عرفة: أي وإن فيهم أحد لَا يقول ليؤمنن به قبل موته؛ لأن جملة القسم لا يصح أن تقع وصفا لعدم احتمالها الصدق والكذب، وقال أبو حيان: قال المختصر
هذا لَا يصح، وقد ذكره سيبويه وأسند بقوله: إن أحدا لَا ينزل ذلك، وأجاب ابن عرفة بأن أحدا هنالك موصوف بالنفي، فكأنه منفي، وأما هنا فهما لفظان لفظة أحد ولفظة إلا أن إيجاب للنفي.
قيل لابن عرفة: وهذا من العلم الباقي على عمومه مثل (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، فقال ابن عرفة: بل هو مخصوص بالمجانين منهم وغير المكلفين.
قوله تعالى: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا).
ابن عرفة: يوم إما متعلق بـ (لَيُؤمِنَنَّ) لكونه أقرب له في اللفظ، أو معمولا لـ شهيدا لكونه أقرب له في المعنى؛ لأن التقدير: يكون شهيدا عليهم يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا... (١٦٠)﴾
التنكير إما للتقليل إن كانت الآية تخويفا وإنذارا، أو للتعظيم إن أريد التشنيع على أهل الكتاب والتقبيح لفعلهم.
قوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ... (١٦١)﴾
ابن عرفة: اختلف الأصوليون في قول الراوي نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كذا، هل يفيد التحريم أو الكراهة؟ وهذه الآية دالة على التحريم ووقعت هذه الآية في المدونة مغلوطا فيها، فقال في كتاب المأذون: وأكلهم الربا وهو الأخص من الأخذ، واحتج بها [الإِسْكَنْدَرَانِي*] في شرح التهذيب على أن المسلم إذا مات عنده اليهودي له مال، فإنه لَا يرث عنه لتعاملهم بالربا وهو محرم عليهم.
قيل لابن عرفة: أجراه بعضهم كذلك في النصراني ومذهبنا جوازه.
ابن عرفة: هو نص المدونة في كتاب الولاء.
قوله تعالى: (وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ).
إن قلت: هلا قيل هنا: وقد نهوا عنه كما قال في الربا؟ وأجيب: بأن أخذ الربا يكون برضى المأخوذ منه واختياره، وأكل المال بالباطل لَا يكون إلا غضبا أو نحوه من غير رضاه به، فمعلوم أنه منهي عنه؛ لأنه مما أجمعت الملل على تحريمه وتحريم الربا خفي فاحتيج إلى ذكر المنهي عنه.
قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ... (١٦٢)﴾
ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق تقبيح فعل اليهود عقبه باستدراك فعل بعضهم وإخراجه عنهم، وبالغ في منهم بأمرين:
أحدهما: لفظة الرسوخ في العلم يفيده إلا أن يريد المؤمنين من غيرهم محمد صلى الله عليه وسلم، وأجاب: بعض الطلبة بأنه عطف العام على الخاص.
ورده ابن عرفة: بأنه لو كان كذلك عن عطف الموصوفات مع أن الزمخشرى جعله من باب عطف الصفات.
قال ابن عرفة وإنما يجاب بأنه لَا يلزم من استلزام الأخص استلزام الأعم له.
قوله تعالى: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ).
ابن عرفة: كلام الزمخشري هنا أحسن من كلام ابن عطية فإنه أطيب في تخطيه قراءة (المقِيمِينَ) مع أن القراءة السبعية مجمعون عليها، وصوب قراءة (وَالْمُقِيمِونَ) مع شذوذها فوهم كلامه أن السمع غير متواتر.
قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).
إما تكرار، أو الأول في مؤمني اليهود، وهذا في المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإيمانهم باليوم الآخر يستلزم إيمان محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالوحي إلى من قبله مع أنه أشرف، والمشبه بالشيء لَا يقوى قوته، وأجاب ابن أبي حمزة عنهم؛ لأنه إنما يعلم من جهته، وأما العقل فيجوز خاصة ولا يوجبه بوجه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ... (١٦٣)﴾
الآية، ذكرها البخاري في أول كتابه، وأورد شارحه أو شراحه سؤالا، كيف شبه الوحي للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالوحي إلى من قبله مع أنه أشرف والمشبه بالشيء لَا يقوى قوته؟ وأجاب ابن أبي حمزة عنهم.
قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾
قال المازني في شرح البلقيني في أول كتاب الطهارة: الآية حجة على المعتزلة في قوله: إن الله لَا يكلم موسى مباشرة بل بواسطة، خلق له الكلام في السيرة. لأنه أكده بالمصدر، ورده ابن عبد السلام بأن التأكيد بالمصدر لإزالة الشك عن الحديث، لَا عن المحدث عنه فالكلام واقع حقيقة هل من الله أو غيره؟ نظر آخر وأجاب ابن عرفة بأن التأكيد بالمصدر وإن كان لإزالة الشك عن الحديث فلا بد فيه من مراعاة كونه واقعا من
فلان فهو لإزالة الشك عن حديث فلان، ولولا ذلك لما قال البيانيون في قول الشاعر [روح بن زنباع*]:
بَكَى الخزُّ من روحٍ وَأنكر جلدَه... وعجَّت عجيجًا من جذامَ المطارفِ
إنه من ترشيح المجاز؛ لأن المطارف جمع مطرف، وهو ثوب مرقع من خلق له وجذام قبيلة روح.
قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ... (١٦٥)﴾
تعليل شرعي لَا فعلي؛ لأن بعثته جائزة عقلا وواقعة شرعا لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) هذا هو مذهب أهل السنة.
قوله تعالى: (بَعْدَ الرُّسُلِ).
أعربه أبو حيان، والزمخشري إما نصبا للحجة أو حالا منها، وأبطله ابن عرفة: بأن الحجة ثابتة (بَعْدَ الرُّسُلِ)، وأما قبلهم أو معهم فليست ثابتة، فالصواب أنه متعلق بقوله (يَكُونَ) أي: (لِئَلَّا يَكُونَ) بعد الرسل للناس على الله حجة ثابتة مطلقا.
قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ... (١٦٦)﴾
ابن عرفة: يحتمل عندي أن يريد أنزله مع علمه، ويريد بالعلم المعلوم والمصدر مضاف للمفعول، والضمير عائد عليه، أي أنزله مصاحبا المعلومة أي تصاحب المعجزات والآيات الدالة على صحته وهدف نبوة الرسول، فهو إنزال القرآن وإنزال دليله وهو المعجزات معه.
قوله تعالى: (وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ).
احترازا؛ لأنه لما قال (لَكِنِ اللَّهُ يَشهَدُ)، ثم قال (وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ) توهم أن فيه تقوية لشهادتهم واعتقادات صحيحة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا... (١٦٨)﴾
دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
قوله تعالى: (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ).
نفي للقابلية على سبيل المبالغة، والمراد من مات منهم على الكفر لقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ).
قوله تعالى: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ... (١٦٩)﴾
من تأكيد الذم بما يشبه المدح، كقولهم:
هو الكلبُ إلاَّ أنَّ فيه ملالةً... وسوءَ مراعاةٍ وما ذاكَ في الكلبِ
وفيه دليل لأهل السنة في أن الله يخلق الخير والشر.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ... (١٧٠)﴾
قال ابن عطية: السورة مدنية فهو مما خوطب به جميع النَّاس بعد الهجرة، لأن الآية دعاء إلى الشرع، ولو كانت في أمر من أوامر الأحكام ونحوها لكانت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، فرده ابن عرفة؛ لأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، قال: والجواب أن متعلق الخطاب إن كان جليا واضحا فإنه يخاطب به العموم، وإن كان خفيا أو قريبا من الخفي خوطب به الخصوص، ونظيره أن الشيخ إذا قرر للطلبة مسألة جلية فيقررها للجميع، وإن كانت صعبة فيخص بها بعض الطلبة، وقد هنا للتوقع. لأنهم كانوا يتوقعون مجيء الرسل.
قوله تعالى: (بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ).
دليل على أن بعثه الرسل محض تفضل من الله تعالى وليست بواجبة كما تقول المعتزلة.
قوله تعالى: (وَإِنْ تَكفُرُوا).
أي تدوموا على الكفر، فإن كفرتم قبل ظهور المعجزات غير معتبر وإنما يعتبر بعدها.
قوله تعالى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ... (١٧١)﴾
يحتمل أن يريد به التعمق في الدين كمن يمتنع من أكل اللحم ويتقشف.
قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ).
قال بعضهم: يؤخذ أن ابن الملاعنة نسب إلى أمه.
قوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) الآية.
قال ابن عرفة: القرآن وكلام المفسرين اقتضى أنهم أرادوا تعدد الآلهة باعتبار الكمية المنفصلة وكلام الأصوليين على النصارى اقتضاء نفي الكمية المتصلة.
ابن عرفة: وكان الفقيه أبو سعيد الغبريني أخبرني أنه بحث مع النصارى في هذا وأنكر عليهم، فأخذوا طرف الإحرام وطووه على ثلاثة، ثم علوا فصار واحدا، فكذلك قالوا: هؤلاء الثلاثة في واحد، فإن قلت: لم قال (وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ) فمفهومه جواز قوله اثنان؟ فالجواب: أنه أوتي على سبيل دعواهم وهم ادعوا ثلاثة.
قوله تعالى: (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ).
ابن عرفة: الاستدلال بهذه الآية على نفي الولد أبلغ من استدلاله على نفيه بقوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) لأن هذه تضمنت نفي وجود الولد، ونفي القابلية أبلغ من نفي الوجود.
قوله تعالى: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ).
تضمنت الآية ثلاثة أمور دينية:
أحدها: إثبات الوحدانية، والثانية: نفي الولد، والثالثة: إثبات الصفات ما تضمنه قوله (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) فإنه يقتضي الحياة والقدرة والعلم والإرادة، فاقتضت الآية أيضا إثبات الكلام فإن هذا من القرآن وهو كلام الله، أما القدرة فخلقه السماوات والأرض وتخصيص أحدهما بصفة دون الأخرى دليل على الإرادة وكون فاعلها عالما.
قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ... (١٧٢)﴾
قال ابن عطية: الاستنكاف هو التمنع من الشيء [بأنفة*] واستحضار العلم والتنزه، ومثاله: أن يضع طعاما لرجلين فيمتنعان من أكله، أحدهما لكونه لم يقو على أكله أو هو صائم، والآخر لكونه رأى مثل ذلك الطعام لَا يليق به وأن أكله منه لَا يليق في حقه، وإنما يليق به ما هو أحسن منه وأسيغ، فالاستنكاف أخص من الاستكبار والامتناع، ونفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم، فيرد السؤال لما جاء هكذا، ويجاب بأنه على وفق دعواهم إلا أن ابن عطية ذكر السبب في ذلك أنهم ادعوا رفع عيسى عن العبودية، أي لن يستنكف عيسى أن يكون عبدا لله، فقال: إنه لبس أن يكون عبدا لله، قالوا: بلى فنزلت الآية، قاله الزمخشري: فجعلوا فتنة العبودية له سببا له فأنكر عليهم، وقيل له: إذا كان نبيكم على شرف منزلته وعلى قدره لَا يأتي أن يكون عبد الله فكيف تقيمون أنتم ذلك عليه.
قوله تعالى: (وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ).
قال ابن عطية، والزمخشري: وأخذوا منه أن الملائكة أفضل من سائر الأنبياء ومن عيسى.
قال الزمخشري: لأن علم البيان يقتضي أنك إذا قلت: لن يفعل هذا زيد ولا عمرو أن يكون عمرو أفضل من زيد.
قال ابن عرفة: وعادتهم يرددون عليه بأنه يلزم عليه أن يكون العطف تأكيدا مع التأسيس أولا؛ لأن نفي الصفة المرجوحة لَا يستلزم نفيها عن الفاصل بخلاف العكس، يقول: لَا يشرب الخمر صالح ولا طالح، قال ابن المنير: وهذا باعتبار الثواب في الدار الآخرة فقد تكون الملائكة في الدار الآخرة كما ورد أن إبراهيم ألقي في النار فلم يحترق، وروي أن جبريل حمل على جناحيه قوم لوط، فقال ابن عرفة، إنما التفضيل بينهم مطلقا في الدنيا والآخرة.
قوله تعالى: (وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ).
قال الذى يظهر أن الاستنكاف أخص من الاستكبار: فلا يلزم من حشر المستنكفين عن العبادة وتعذيبهم تعذيب المستكبرين، فلذلك كان العطف تأسيسا.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ... (١٧٤)﴾
ابن عطية: البرهان هو الحجة البينة الواضحة التي تعطي اليقين التام.
ابن عرفة: الدليل يطلق على الحجة المقيدة القطع، وعلى المقيدة الظن والبرهان الاصطلاح إنما هو الحجة القطعية المقيدة لليقين، وقد يطلق البرهان في اللغة على الدليل الأعم من إفادة القطع والظن والبرهان إنما يخاطب به الخواص الدليل خاطب به العوام وعليه قول الشاعر:
[أقلد وجدي فليبرهن مقلدي... فما أضيع البرهان عند المقلد*]
وكان يمشي لنا أن الصواب غير ما قال ابن عطية: وهو أن يراد هنا بالبرهان الدليل الأعم من إعادة الظن أو للقطع لقوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) هي خطاب للجميع فيتناول الخواص والعوام.
ابن عرفة: هذا إن أريد بالبرهان القرآن، ويكون عطف النور عليه من باب عطف الصفات، فهو برهان ونور مبين.
قيل لابن عرفة: يلزم التكرار فقال: لفظ المجيء يحتمل أن يكون خاص فوق أو عن يمين أو عن شمال أو من أمام، فأفاد قوله (أَنْزَلْنَا) كون محبة من فوق، قال: ويحتمل عندي أن يكون على حذف مضاف، أي: قد جاءكم ذو برهان من ربكم وهو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالنور المبين القرآن، فلا يكون تكرارا بوجه، قال: وقوله (نُورًا مُبِينًا) إشارة إلى أن منفعة القرآن متعدية لغيره وليست قاصرة عليه فهو نور في نفسه مبين لغيره، قال: وفي الآية اللف والنشر والالتفات بالانتقال من الغيبة إلى التكلم لقوله (وَأَنْزَلْنَا) بعد أن قال (مِنْ رَبِّكُمْ).
قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِهِ... (١٧٥)﴾.. الظاهر عود الضمير على القرآن لقوله فى حديث جابر في حجة الوداع "وقد تركت فيكم ما لَا تضلوا بعده إن اعتصمتم كتاب الله عز وجل".
قوله تعالى: (فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ).
قال ابن عرفة: الرحمة الجزاء على فعل الطاعة، والفضل والزيادة على ذلك، وقيل: الرحمة الإنقاذ من الشدائد والفضل والإنعام في غير شدة، وقيل: الرحمة: الثواب الدنيوي، والفضل: الثواب الأخروي، وقيل: غير هذا، والأولان هما الظاهران.
قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ... (١٧٦)﴾
قال ابن عرفة: الاستفتاء هو السؤال عما أنت جاهل به.
قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ).
فيحتمل الماضي والحال.
قوله تعالى: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ).
قال ابن عرفة: (امْرُؤٌ) فاعل بفعل مقدر دل عليه هلك، قالوا: أو يكون (هَلَكَ) صفة لـ (امْرُؤٌ) وهو دال على الفعل المقدر، فرد بأنه ما يفسر إلا ما يصح به العمل، وإذا جعلت صفة لـ (امْرُؤٌ) ما يصح له العمل فيه، وأجيب: بأن المفسر السابق كما قالوا في المضمر أنه يفسره السابق دلالة الحال، ورد بأنه إذا كان المضمر هلك فلا فائدة في ذكر (هَلَكَ) الذي هو صفة، وأجيب بأن النعت عندهم يكون تأكيدا حجة واحدة وعشرة كاملة، و (إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، قال
أبو حيان: فالألف واللام للعهد، والثاني للتعيين وهو يشير إلى أنها للعهد في جنس أو شخص معين.
قوله تعالى: (وَهُوَ يَرِثُهَا).
ابن عرفة: هو من باب: عندي درهم ونصفه، وفيه وجهان: أن الضمير عائد باعتبار لفظه دون معناه وهو المسمى بالاستخدام، أو أنه على حذف مضاف أي ونصف ونحوه.
قوله تعالى: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ).
وكذلك هذه الآية إما أن يراد ومثله يرثها، يعود الضمير على لفظ الأخ دون معناه؛ لأن من مات كيف يرث؟ قلت: وحاصل جواب العقباني أنه قال: القضايا الشرطية لَا يشترط في جوابها الإفادة، وإنما يشترط الإبداء بجوابها، والجواب: (فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ)، فإن قلنا: ما فائدة قوله (اثنَتَينِ) بعد قوله (فَإِن كَانَتَا)؟ فأجاب أبو حيان عن الفارسي: بأنه أفاد اثنين بالإطلاق أعم من كونهما صغيرتين أو كبيرتين.
ابن عرفة: وتقدم لنا الجواب عنه بالفرق بين ذكر المطلق لَا يفيد جواب الفارسي بعبارة أخرى فتأمله حاسر وبين ذكره مقيدا بالإطلاق فذكره لَا يقيد قابل بالتقييد بالصغير والكبير، والغني والفقير، ثم أخبر عن ذلك الضمير بلفظ التثنية المطلق لا تقيد بشيء فالمحكوم عليه أعني المخبر عنه مطلق قابل للتقييد، والمخبر به مطلق بعدم القبول للتقييد أي يقيد بالبقاء على الإطلاق، وفرق بين المطلق لَا يقيد وبين المطلق يقيد، قلت: ونحوه ذكره ابن التلمساني شارح المعالم الفقهية في المسألة الخامسة من الباب الأول.
قوله تعالى: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا).
قال أبو حيان: (أَن تَضِلُّوا) إما مفعول من أجله أي كراهة أن تضلوا، قال ابن العربي: وفيها إشكال وهو أنه يلزم عليه الخلف في الخبر لاقتضائها أن بيان ذلك حسب وقوع الإضلال، وقد نقل المفسرون أن عمر بن الخطاب جمع الصحابة رضوان الله عليهم، ثم أرادوا أن يقضى في الكلالة، فخرجت حبة فتفرقوا على غير شيء فقد وقع الضلال.
ورده ابن عرفة بإعراب (أن تضلوا) مفعولا به أي يبين لكم ضلالكم بين أعم وقوع الضلال منهم لعدم فهم الكلالة، وقد وقع ذلك وهو اختلافهم فيها، وأورد السهيلي أن الآية المتقدمة أول النساء وقع الإجماع فيها على أنها في الإخوة كلهم وهم لا يرثون إلا مع عدم الولد، واكتفى بها بلفظ الكلالة عن النص على نفي الولد، والوالد وهذه الآية اشترط فيها نفي الولد مع الأخت أيضا ترثه مع وجود البنت، فهلا كان الأمر بالعكس، ثم أجاب السهيلي بوجهين (١).
(١) انتهى الكلام في السورة ولم يذكر الوجهين.
السورة التالية
Icon