0:00
0:00

(٤) سورة النساء مدنيّة وآياتها ستّ وسبعون ومائة
[سورة النساء (٤) :آية ١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١)
اللغة:
(تَسائَلُونَ) فعل مضارع، وأصله تتساءلون، فحذفت احدى التاءين، أي يسأل بعضكم بعضا.
(الْأَرْحامَ) جمع رحم وهي القرابة.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) يا أيها: تقدم اعرابها كثيرا، والناس بدل من «أي» واتقوا ربكم فعل وفاعل ومفعول به (الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) الذي صفة ل «ربكم» وجملة خلقكم صلة
الموصول ومن نفس جار ومجرور متعلقان بخلقكم وواحدة صفة والجملة مستأنفة مسوقة لبحث بدء الخلق والتكوين (وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها) الواو حرف عطف وخلق فعل ماض ومنها جار ومجرور متعلقان بخلق وزوجها مفعول به (وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً) الواو عاطفة وبث فعل ماض ومنهما جار ومجرور متعلقان ببث ورجالا مفعول به وكثيرا صفة ونساء عطف على «رجالا» (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ) الواو عاطفة واتقوا الله فعل أمر والذي صفة وجملة تساءلون صلة وبه جار ومجرور متعلقان بتساءلون والأرحام عطف على الله وفي هذا العطف تنويه بمنزلة القرابة ووجوب البرّ بها ومراعاتها (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) الجملة تعليلية لا محل لها وإن واسمها، وجملة كان وما في حيزها خبر ان وكان فعل ماض ناقص وعليكم جار ومجرور متعلقان ب «رقيبا» واسم كان مستتر ورقيبا خبرها.
البلاغة:
في الآية الآنفة فن براعة الاستهلال فقد استهل السورة بالاشارة الى بدء الخلق والتكوين، وألمع الى دور المرأة المهم، وأوصى بصلة الرحم. وقد حفل الشعر العربي بذكر صلة الرحم ومنزلتها عند الله، وحسبنا أن نشير الى قصيدة معن بن أوس التي مطلعها:
وذي رحم قلمت أظفار ضغنه بحلمي وهو ليس له حلم
وهي قصيدة رائعة يكاد لا يخلو منها كتاب أدبي فليرجع إليها من يشاء.

[سورة النساء (٤) :آية ٢]

وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢)
اللغة:
(الْيَتامى) الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم، واليتم الانفراد.
ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة، وقيل: اليتيم في الأناسي من قبل الآباء، وفي البهائم من قبل الأمهات. واليتامى جمع الجمع، فقد جمع اليتيم على يتمى كأسرى، ثم جمع يتمى على يتامى كأسرى على أسارى. ويجوز أن يجمع على فعائل لجري اليتيم مجرى الأسماء نحو صاحب وفارس فيقال: يتائم ثم يتامى على القلب.
(الحوب) يضم الحاء وفتحها: الذنب العظيم، وهو مصدر حاب حوبا وحابا.
الإعراب:
(وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) الواو يصح أن تكون استئنافية، فتكون الجملة مستأنفة مسوقة للشروع في كيفية الاتقاء وطرقه، وقدم اليتامى لكمال العناية بأمرهم. ويصح أن تكون عاطفة على ما تقدم، فيكون السرد متلاحقا. وآتوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل واليتامى مفعول به أول وأموالهم مفعول به ثان (وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) عطف على ما تقدم ولا ناهية وتتبدلوا فعل مضارع مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل والخبيث مفعول به والباء حرف جر والطيب وهو المتروك مجرور بها وهما متعلقان
بتتبدلوا (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ) الواو عاطفة ولا ناهية ونأكلوا فعل مضارع مجزوم بلا وأموالهم مفعول به والى أموالكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي مضمومة الى أموالكم (إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً) ان واسمها، وجملة كان واسمها وخبرها خبر إن وجملة إن وما في حيزها تعليلية لا محل لها ولهذا كسرت همزة إن.
البلاغة:
في هذه الآية مواطن من البلاغة بالغة حدّ الإعجاز نلخصها فيما يلي:
١- المجاز المرسل في قوله تعالى: «وآتوا اليتامى أموالهم» لأن الله سبحانه لا يأمر بإعطاء اليتامى الصغار أموالهم، فهذا غير معقول بل الواقع أن الله يأمر بإعطاء الأموال من بلغوا سن الرشد، بعد أن كانوا يتامى: فكلمة اليتامى هنا مجاز مرسل، لأنها استعملت في الراشدين. والعلاقة اعتبار ما كانوا عليه.
٢- الاستعارة المكنية بأكل أموال اليتامى. فقد شبه أموالهم بطعام يؤكل، ثم استعار لها ما هو من أبرز خصائص الطعام وهو الأكل، وفي هذه الاستعارة سرّان من أدق الأسرار:
آ- إن طريق البلاغة النهي عن الأدنى تنبيها على الأعلى إذا كان المنهي عنه درجات، فكان مقتضى القانون المذكور أن ينهى عن أكل مال اليتيم من هو فقبر اليه حتى يلزم نهي الغني عنه عن طريق الأولى، فلا بد من سر يوضح فائدة تخصيص الأعلى بالنهي، في هذه الآية،
وذلك ما يفهم من كلمه «الى أموالكم»، والسر في ذلك أن أكل مال اليتيم مع الغنى عنه أقبح صور الأكل فخصص بالنهي تشنيعا على من يقع فيه.
ب- والسر الثاني في تخصيص الأكل لأن العرب كانت تتذمم بالإكثار من الأكل، وتعدّ من البطنة المساوية للبهيمية، فكأن آكل مال اليتيم- في حال استغنائه عنه وكثرة المال لدية- شر من أكله وهو مملق شديد الحاجة اليه، وإن اشتركا في أكل ما هو محرم، وكانا منتظمين في قرن واحد، ومعلوم أن المنهي عنه كلما كان أوغل في القبح وأفرط في الدمامة كانت النفس بطبيعة الحال أنفر عنه.
٣- الطباق بين الخبيث وهو الحرام من المال والطيب وهو الحلال المستساغ.
[سورة النساء (٤) :الآيات ٣ الى ٤]
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤)
اللغة:
(تُقْسِطُوا) مضارع أقسط الرباعي، ومعناه عدل، والثلاثي معناه جار.
(تَعُولُوا) من قولهم: عال الميزان إذا مال، وميزان فلان عائل، وعال الحاكم في حكمه إذا جار. وذكر أبو بكر بن العربي أن عال تأتي لسبعة معان:
الأول: عال أي مال.
والثاني: زاد، والثالث: جار، والرابع: افتقر. والخامس:
أثقل، والسادس: قام بمئونة العيال، ومنه قوله: وابدأ بمن تعول.
والسابع: عال: أي غلب، ومنه عيل صبري. وقد وردت عال لمعان غير السبعة غير التي ذكرها ابن العربي منها: عال: اشتد وتفاقم، حكاه الجوهري، وعال الرجل في الأرض إذا ضرب فيها، حكاه الهروي. وعال إذا أعجز، حكاه الأحمر. فهذه ثلاثة معان غير السبعة. والرابعة عال: أي كثر عياله. فجملة معاني عال أحد عشر معنى، وسيأتي مزيد من بحث هذه المادة في باب الفوائد.
(الصدقات) المهور، مفردها صدقة: بفتح الصاد وضم الدال.
والمهر له أسماء كثيرة أيضا، منها صدقة بفتحتين، وبفتح فسكون، وصداق: بكسر الصاد وفتحها.
(نِحْلَةً) مصدر نحله كذا أي أعطاه إياه هبة له عن طيب نفس.
(هَنِيئاً مَرِيئاً) صفتان من هنؤ الطعام أو الشراب إذا كان سائغا لا تنغيص فيه. وقيل: الهنيء ما يلذه الآكل، والمريء: ما يحمد عاقبته. وقيل لمدخل الطعام من الحلقوم الى فم المعدة: المريء لمروء الطعام فيه، أي انسياغه.
الإعراب:
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى) الواو استئنافية وإن شرطية وخفتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وأن حرف مصدري ونصب ولا نافية وتقسطوا فعل مضارع منصوب بأن والمصدر المؤوّل من أن وما في حيزها مفعول به وفي اليتامى جار ومجرور متعلقان بتقسطوا وسيأتي في باب الفوائد المراد بذلك (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) الفاء رابطة للجواب وأنكحوا فعل أمر والواو فاعل والجملة في محل جزم فعل الشرط وما اسم موصول في محل نصب مفعول به وجملة طاب لا محل لها لأنها صلة ولكم جار ومجرور متعلقان بطاب ومن النساء جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ضمير الفاعل ومثنى وثلاث ورباع أحوال. وأعربها أبو علي الفارسي بدلا من «ما» وسيأتي مزيد من القول فيها في باب الفوائد (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) الفاء استئنافية وإن شرطية وخفتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وأن لا تعدلوا: المصدر المؤول مفعول به، فواحدة الفاء رابطة لجواب الشرط وواحدة مفعول به لفعل محذوف أي: فالزموا واحدة، والجملة في محل جزم جواب الشرط (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) أو حرف عطف وهي للتخيير أي من الإماء اللواتي في حوزتكم، لما في ذلك من اليسر والسهولة. وما اسم موصول معطوف على «واحدة» وجملة ملكت أيمانكم لا محل لها (ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا) اسم الاشارة مبتدأ وأدنى خبره والجملة استئنافية وأن لا تعولوا: المصدر المؤول منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بأدنى، أي: أقرب من العدل وعدم الجور. وللفقهاء تعليلات طريفة في الجمع بين الإماء
والحرائر في السهولة واليسر، تجد منها شيئا في باب الفوائد (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً) الواو عاطفة وآتوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والنساء مفعول به وصدقاتهن مفعول به ثان ونحلة نصب على المصدر، لأن النحلة والإيتاء مترادفان بمعنى الإعطاء، فكأنه قيل: وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة، أي أعطوهن مهورهن عن طيبة نفس. ويجوز نصبها على الحال من المخاطبين بعد تأويلها بالمشتق، أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء، أو على الحال من «صدقاتهن» أي: منحولة معطاة عن طيبة نفس.
وقيل: نحلة من الله أي عطية من عنده وتفضلا منه عليهن. وقيل النحلة: الملة والدين. والمعنى: آتوهن مهورهن ديانة، فتعرب عندئذ مفعولا لأجله. وإنما أوردنا هذه الاوجه لأنها متعادلة الرجحان (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً) الفاء استئنافية وإن شرطية وطبن فعل ماض مبني على السكون ونون النسوة فاعل وهو في محل جزم فعل الشرط ولكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وعن شيء جار ومجرور متعلقان بطبن ومنه جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لشيء ونفسا تمييز (فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) الفاء رابطة لجواب الشرط وكلوه فعل أمر ومفعول به وهنيئا مريئا صفتان لمصدر محذوف أي: أكلا هنيئا مريئا، أو حال من الضمير أي: كلوه وهو هنيء ومريء.
البلاغة:
في هذه الآية فن التغليب، فقد قال: فانكحوا ما طاب لكم، ولم يقل «من» كما هو المتبادر في استعمال «من» للعاقل و «ما»
لغير العاقل تغليبا، لأن «ما» تأتي لصفات من يعقل، وقد وصفهن بالطيب، فصح استعمال «ما»، وهذا سر بديع تقيس عليه ما يرد منه، فتدبره والله يعصمك.
الفوائد:
١- يحدث التاريخ في تعليل نزول هذه الآية أنه كان الرجل يجد اليتيمة الموسومة بالجمال والمال ويكون وليها فيتزوجها ضنا بها عن غيره، فريما اجتمعت عنده عشر منهن، فيخاف لضعفهن وفقد من يغضب لهن أن يظلمهن حقوقهن ويفرط فيما يجب لهن، فقيل لهم:
إن خفتم أن لا تقسطوا- أي تعدلوا- في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم. فجاءت الآية محذرة من التورط، وأمرا بالاحتياط، وفي غيرهن مندوحة الى الأربع.
٢- (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) صفات معدولة عن أعداد مكررة، ولذلك منعت من الصرف، أي: اثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا. ومن طريف ما تمسك به بعض الذين ضلت عنهم أسرار العربية الشريفة من جواز التزوّج بتسعة: أنهم قالوا لأن اثنتين وثلاثة وأربعة جملتها تسعة، ولأن النبي ﷺ مات عن تسعة. وهذا كما ترى ناشىء عن جهل بأسرار العربية المبينة، لأنك إذا قلت: جاء القوم مثنى وثلاث ورباع، معناه أنهم جاءوا اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، فتنصب ذلك كله على الحال. والحال هي التي تبيّن هيئة الفاعل أو المفعول به. فأنت تريد أن تبين كيف كان مجيئهم، أي: لم يجيئوا جماعة ولا فرادى فالله سبحانه أبان ما أباحه من
النكاح وأما النبي ﷺ فإن ذلك من خواصه التي تفرد بها.
هذا وقد كثر كلام أهل العربية حول العدد المعدول هل هو من الواحد الى العشرة؟ أو هو ما نطق به القرآن الكريم فقط! قال قوم:
إنه ينتهي الى رباع، وقال آخرون: الى سداس، وقيل: الى عشار.
وقد جاء لأبي الطيب المتنبي قوله:
أحاد أم سداس في أحاد لييلتنا المنوطة بالتّناد؟
قالوا: إن أبا الطيب لحن في هذا البيت عدة لحنات، فقال:
أحاد وسداس، ولم يسمع في الفصيح إلا مثنى وثلاث ورباع، والخلاف في خماس وسداس الى عشار. ومنها أنه صغّر ليلة على «لييلة»، وإنما تصغر على «لييلية». ومنها أنه صغرها، والتصغير دليل القلة، فكأنها قصيرة، ثم قال: «المنوطة بالتناد» ولا شيء يكون أطول منها حينئذ، فناقض آخر كلامه أوله. ولنا أن ندافع عن أبي الطيب في زعمهم عليه التناقض، لأن التصغير يأتي في كلامهم أحيانا للتعظيم كقول لبيد:
وكل أناس سوف تدخل بينهم دويهة تصغّر منها الأنامل
فأبو الطيب قد صغّر الليل هنا للتعظيم، لأنه استطالها حتى جعلها منوطة بالتّناد. ومنه قول النبي ﷺ لعائشة:
يا «حميراء» ويحتمل أنها صغّرت لدقتها وخفائها. ومستعظم الأمور من مستصغر الشرر. وأما قوله: أحاد وسداس، فإنه استعمل الجزء وهو واحد وست مفردين أي أنه لم يردها «أحاد» مكررة ولا ستا
مكررة كما هو مدلول العدد المعدول، بل أراد الإفراد واستعمل فيه المعدول الدال على التكثير تجوّزا من اسم إطلاق الكل وهو أحاد وسداس في الجزء وهو واحدة واحدة وست ست. وهذا الاستعمال مجاز، والتجوّز ليس بلحن. هذا وقد ورد عشار في شعر الكميت ابن زيد وهو حجة:
فلم يستريثوك حتى رميت فوق الرجال خصالا عشارا
لماذا منعت من الصرف؟
أما المذاهب المنقولة في علة منع الصرف فهي أربعة:
١- قول سيبويه والخليل وأبي عمرو، وهو العدل والوصف.
٢- قول الفراء وهو أنها منعت للعدل والتعريف بنية الألف واللام، ومنع ظهور الألف واللام كونها في نية الاضافة.
٣- قول الزجاج وهو أنها معدولة عن اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، وأنه عدل عن التأنيث.
٤- ما نقله أبو الحسن عن بعض النحويين، وهو أن العلة المانعة من الصرف هي تكرار العدل فيه، لأنه عدل عن لفظ اثنين، وعدل عن معناه، وذلك أنه لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الأعداد غير المعدولة، تقول: جاءني اثنان وثلاثة، ولا يجوز: جاءني مثنى وثلاث، حتى يتقدم قبله جمع، لأن هذا الباب جعل بيانا لترتيب الفعل.
فاذا قال: جاءني القوم مثنى أفاد أن ترتيب مجبئهم وقع اثنين اثنين.
فأما الاعداد غير المعدولة فإنما الغرض منها الإخبار عن مقدار المعدود دون غيره. ولابن هشام فصل رائع في مغني اللبيب كتبه حول هذه الآية في الباب السادس من كتابه: «في التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين والصواب خلافها» فارجع اليه إن شئت.
(هَنِيئاً مَرِيئاً) يعربان وصفا للمصدر وحال.
فأما قول أبي الطيب المتنبي:
هنيئا لك العيد الذي أنت عيده وعيد لمن سمى وضّحى وعيّدا
فيتحتم إعرابهما حالا، لأنه ليس هناك ما يدل على المصدر الذي يصح أن يوصف بهما. والعيد فاعل هنيئا لأنها صفة مشبهة.
[سورة النساء (٤) :الآيات ٥ الى ٦]
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٥) وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦)
اللغة:
(السُّفَهاءَ) المبذّرون الذين ينفقون أموالهم فيما لا ينبغي إنفاقه، أو فيما لا طائل تحته.
(قِياماً) مصدر قام، أي تقومون بها وتنتعشون. ولو ضيّعتموها لضعتم، فكأنها قيامكم وانتعاشكم.
(آنَسْتُمْ) أبصرتم واستوضحتم.
الإعراب:
(وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً) كلام مستأنف مسوق لبيان بقية الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى. ولا ناهية وتؤتوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والسفهاء مفعول به وأموالكم مفعول به ثان والتي اسم موصول في محل نصب صفة لأموالكم وجملة جعل الله لكم صلة الموصول وقياما مفعول به ثان لجعل التي بمعنى صيّر والمفعول الاول محذوف والتقدير التي صيّرها لكم قياما، ولكم جار ومجرور متعلقان ب «قياما»، وإن كانت جعل بمعنى خلق فقياما حال من العائد المحذوف أي: جعلها في حال كونها قياما (وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً) وارزقوهم الواو حرف عطف وارزقوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به وفيها جار ومجرور متعلقان بارزقوهم واكسوهم عطف على ارزقوهم وقولوا عطف على وارزقوهم أيضا ولهم جار ومجرور متعلقان بقولوا وقولا مفعول مطلق ومعروفا صفة (وَابْتَلُوا الْيَتامى
حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ)
الواو عاطفة والكلام معطوف وفيه تعيين وقت تسليم أموال اليتامى إليهم واليتامى مفعول به للفعل ابتلوا وحتى حرف غاية وجر، جعل البلوغ وإيناس الرشد غاية للايتاء. وقيل:
حتى ابتدائية، ولكنها تفيد الغاية، وهي حتى التي تقع بعدها الجمل كقوله:
فما زالت القتلى تمجّ دماءها بدجلة حتى ماء دجلة أشكل
وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة بلغوا النكاح في محل جر بالإضافة (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً) الفاء رابطة لجواب الشرط وإن شرطية وآنستم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وجملة فإن آنستم لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومنهم جار ومجرور متعلقان بآنستم ورشدا مفعول به (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) الفاء رابطة وادفعوا فعل أمر والواو فاعل وإليهم جار ومجرور متعلقان بادفعوا وأموالهم مفعول به، والجملة في محل جزم جواب الشرط (وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا) الواو استئنافية ولا ناهية وتأكلوها فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والهاء مفعول وإسرافا وبدارا مصدران في موضع الحال أي مسرفين ومبادرين أو هما في موضع المفعول لأجله أي لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم، وأن يكبروا مصدر مؤول مفعول به للمصدر أو مفعول لأجله والمفعول به محذوف، ولا بد من تقدير مضاف عندئذ أي: مخافة أن يكبروا، والجملة مستأنفة. وإنما جعلنا الواو استئنافية وظاهر الكلام يوحي أنها معطوفة لأن المعنى يصبح ادفعوا ولا تأكلوها، وهذا فاسد لأن الشرط وجوابه مترتبان على بلوغ النكاح فيلزم منه ترتبه على ما ترتب عليه وذلك ممتنع (وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ) الواو استئنافية ومن اسم
شرط جازم مبتدأ وكان فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو وغنيا خبرها وجملة فعل الشرط وجوابه خبر للمبتدأ من فليستعفف الفاء رابطة لجواب الشرط واللام لام الأمر، ويستعفف مجزوم بها (وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) عطف على ما تقدم وقد سبق إعرابها وبالمعروف جار ومجرور متعلقان بيأكل والآية تقسيم لحال الوصي بين أن يكون غنيا وبين أن يكون فقيرا، فالغني يقتنع بما أفاء الله عليه والفقير يأكل بالمعروف محتاطا جهده حرصا على مال اليتيم وجملة فليأكل في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر من (فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) الفاء استئنافية وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة دفعتم إليهم أموالهم في محل جر بالإضافة والفاء رابطة لجواب الشرط وأشهدوا فعل أمر وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وعليهم جار ومجرور متعلقان بأشهدوا (وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً) الواو استئنافية وكفى فعل ماض وبالله الباء حرف جر زائد والله فاعل كفى مجرور لفظا بالباء وحسيبا تمييز.
البلاغة:
في هذه الآية نوع طريف من أنواع البيان يطلق عليه اسم «قوة اللفظ لقوة المعنى»، وذلك في قوله «فليستعفف» فإن «استعفّ» أبلغ من «عف» كأنه يطلب زيادة العفة من نفسه هضما لها وحملا على النزاهة التي يجب أن تكون رائد أبناء المجتمع. ومن المعلوم أن اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان، ثم نقل الى وزن آخر أكثر منه، فلا بد من أن يتضمن من المعنى أكثر مما تضمنه أولا،
لأن الألفاظ دالة على المعاني، فاذا زيد في الألفاظ أوجبت الزيادة زيادة في المعاني، وهذا النوع لا يستعمل إلا في المبالغة. فمن ذلك قولهم:
أعشب المكان، فاذا رأوا كثرة العشب قالوا: اعشوشب. ومنه:
قدر واقتدر، فمعنى اقتدر أقوى من معنى قدر، فلذلك قال تعالى:
«فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر». وقد تطلّع أبو نواس الى هذه النكتة فقال:
فعفوت عني عفو مقتدر... حلت له نقم فألغاها
أي: عفوت عني عفو متمكّن من القدرة لا يرده شيء عن إمضاء قدرته.
الفوائد:
(كَفى) فعل ماض على الأصح تزاد الباء في فاعله، كما في هذه الآية. وقد تزاد في المفعول به كقول أبي الطيب المتنبي:
كفى بجسمي نحولا أنني رجل... لولا مخاطبتي إياك لم ترني
وقلّ أن يجيء فاعل كفى مجردا من الباء كقول سحيم:
عميرة ودّع ان تجهّزت غاديا... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
ولا تزاد الباء في فاعل كفى أو مفعولها إذا كانت بمعنى أجزأ أو أغنى كقوله:
قليل منك يكفيني ولكن قليلك لا يقال له قليل
ولا كفى التي بمعنى وقى من الوقاية، كقوله تعالى: «وكفى الله المؤمنين القتال». هذا وقد انتقدوا على أبي الطيب زيادتها في فاعل كفى بمعنى أجزأ أو أغنى إذ قال:
كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ودهر لأن أمسيت من أهله أهل
وقد أفاض النقاد في شرح هذا البيت، فارجع إليه في ديوانه.
التشدد في أمر اليتيم:
وقد تشددت الشريعة الاسلامية في أمر اليتيم ومعاملته بما هو معروف، على أنها جعلت للوصي حقا لقيامه على أمواله، فعن النبي صلى الله عليه وسلم: أن رجلا قال له: إن في حجري يتيما أفآكل من ماله؟ قال: بالمعروف، غير متأثّل مالا ولا واق مالك بماله. فقال:
أفأضربه؟ قال: مما كنت ضاربا منه ولدك.
[سورة النساء (٤) :آية ٧]
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧)
الإعراب:
(لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ) كلام مستأنف
مسوق لتفنيد ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء والصغار.
وللرجال جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ونصيب مبتدأ مؤخر ومما جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لنصيب وجملة ترك الوالدان صلة الموصول والأقربون عطف على الوالدان (وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ) عطف على ما تقدم (مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) الجار والمجرور بدل من «مما» السابقة والجملة صلة الموصول ومنه جار ومجرور متعلقان بقل، أو كثر عطف على قلّ ونصيبا مفروضا يجوز أن يعرب مفعولا مطلقا لأنه واقع موقعه إذ التقدير عطاء، ويجوز أن يعرب حالا من فاعل «قلّ» أي:
مما تركه قليلا أو كثيرا. واختار الزمخشري نصبه على الاختصاص بفعل محذوف بمعنى أعني نصيبا، ولا داعي لذلك.
[سورة النساء (٤) :الآيات ٨ الى ٩]
وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٩)
الإعراب:
(وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ) الواو استئنافية وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة حضر القسمة في محل جر بالاضافة والقسمة مفعول به وأولو القربى فاعل
مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم واليتامى والمساكين عطف على أولو القربى (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً) الفاء رابطة لجواب إذا وارزقوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومنه جار ومجرور متعلقان بقولوا وقولا مفعول مطلق ومعروفا صفة (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً) الواو حرف عطف واللام لام الأمر ويخش فعل مضارع مجزوم باللام والذين اسم موصول فاعل ولو شرطية وتركوا فعل وفاعل ومن خلفهم جار ومجرور متعلقان بتركوا وذرية مفعول به وضعافا صفة (خافُوا عَلَيْهِمْ) الجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وعليهم جار ومجرور متعلقان بخافوا ومفعول خافوا محذوف تقديره الضياع والهيام، وسيأتي مزيد منه في باب البلاغة (فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ) الفاء تعليلية لأن التقوى مسببة عن الخوف الذي هو الخشية واللام لام الأمر ويتقوا فعل مضارع مجزوم باللام والواو فاعل والله مفعول به (وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً) الجملة عطف على فليتقوا وقولا مفعول مطلق وسديدا صفة.
البلاغة:
في الآية فن الإيجاز بالحذف، وهو هنا في حذف مفعول خافوا، لتذهب النفس في تقديره كل مذهب، ولتفتنّ في تصوير الخوف من المصير المحتوم الذي يئول اليه أمر الضعاف في هذه الحياة. ولك أن تقدره بمثل الضياع والهيام والتشرد في مسارب الحياة ومسالكها المتشعبة، من دون كافل يكفلهم، أو مدبّر يدبر شئونهم. وقد رمق الشاعر سماء هذا المعنى بقوله الممتع في الاعتذار عن الخوف والتخلف متعللا ببناته:
لقد زاد الحياة إليّ حبا بناتي إنهنّ من الضعاف
أحاذر أن يرين البؤس بعدي وأن يشربن رنقا غير صاف
وأن يعرين إن كسي الجواري فتنبو العين عن كرم عجاف
ولولاهن قد سوّيت مهري وفي الرحمن للضعفاء كاف
هذا ولحذف المفعول به من الكلام لطائف وتعاجيب، كقولنا:
فلان يحلّ ويعقد، ويبرم وينقض، ويضر وينفع. والأصل في ذلك على إثبات المعنى المقصود في النفس للشيء على الإطلاق.
الفوائد:
قول صاحب المغني ومناقشته:
اختلف في «لو» هذه اختلافا كثيرا. وسنورد قول صاحب المغني في إعراب هذه الآية، ثم نناقشه. ولا يخلو ذلك من متعة وفائدة. قال: «القسم الثاني من أقسام «لو» أن تكون حرف شرط في المستقبل إلا أنها لا تجزم، كقوله توبة بن الحمير في ليلى الأخيلية: وقوله تعالى: «وليخش الذين... » الآية. أي: وليخش الذين إن شارفوا وقاربوا أن يتركوا. وإنما أولنا الترك بمشارفة
الترك، لأن الخطاب للأوصياء، وإنما يتوجه إليهم قبل الترك، لأنهم بعده أموات» هذا ما قاله في المغني. والتأويل المذكور لا يتقيد بكون الخطاب للأوصياء بل هو جار، ولو قلنا: إنه للورثة أو للجالسين عند المريض أيضا، وحينئذ فذكر الأوصياء ليس للاحتراز بل هو اقتصار على أحد المعاني. وقد أشار صاحب الكشاف الى أنه لا بد من حمل «تركوا» على المشارفة لا لما ذكره صاحب المغني ولكن ليصحّ وقوع خافوا جزاء، وذلك لكون الخوف منتفيا بعد الموت، فلا يتأتى خوف بعد الترك. فإن قلت: ما معنى وقوع «لو تركوا» وجوابه صلة للذين؟ قلت: معناه: وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية، وذلك عند احتضارهم، خافوا عليهم الضياع بعدهم، لذهاب كافلهم وكاسبهم.
[سورة النساء (٤) :آية ١٠]
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠)
الإعراب:
(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً) كلام مستأنف مسوق للنهي عن ظلم اليتامى من الأولياء والأوصياء. وإن واسمها، وجملة يأكلون صلة الموصول وأموال اليتامى مفعول به وظلما حال مؤوّلة أي ظالمين. ولك أن تعربها مفعولا لأجله وشروط النصب متوفرة.
ولك أن تعربها مفعولا مطلقا لبيان نوع الأكل أي: أكل ظلم (إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) إنما كافة ومكفوفة لا عمل لها ويأكلون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون والواو
فاعل والجملة خبر إن الأولى وفي بطونهم جار ومجرور متعلقان بيأكلون أو بمحذوف حال، لأنه كان في الأصل صفة ل «نارا» ثم تقدمت. ونارا مفعول به وسيصلون عطف على يأكلون وسعيرا مفعول به.
البلاغة:
انطوت هذه الآية على تجسيد بديع يتجلى في فنّين من فنون البيان:
١- الإسهاب في قولهم «في بطونهم» فقد ذكر البطون، لأن الاكل لا يستقر إلا فيها، تجسيدا لبشاعة الجرم المقترف بأكل مال اليتيم، ومثله «قد بدت البغضاء من أفواههم» أي تشدقوا بها، وقالوها بملء أفواههم.
٢- المجاز المرسل في أكل النار، والعلاقة هي المسببية: فالنار لا تؤكل، وإنما يؤكل مسببها، والآيل إليها، وهو مال اليتيم.
٣- جاء «يأكلون» بالمضارع دون سين الاستقبال، وسيصلون بالسين، لأنه لما كان لفظ «نارا» مطلقا قيّد في قوله «سعيرا» إذ هو الجمر المتقد.
٤- التعريض: فقد عرض بذكر البطون لخستهم واتّضاع أمرهم، وهو أن أنفسهم والعرب تتذمم من ذلك، ألا ترى الحطيئة كيف اكتفى من هجائه بهذا القدر يلمع اليه، وذلك بقوله:
ولو أن ليلى الأخيلية سلّمت عليّ ودوني جندل وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا إليها صدى من جانب الأرض صائح
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
أي: المطعوم والمكسوّ.
[سورة النساء (٤) :آية ١١]
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١)
الإعراب:
(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) كلام مستأنف مسوق للشروع في تفصيل أحكام المواريث المجملة في قوله: للرجال نصيب. ويوصيكم فعل مضارع والكاف مفعوله المقدم والله فاعله المؤخر وفي أولادكم جار ومجرور متعلقان بيوصيكم (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) جملة مستأنفة مسوقة لتبيين الوصية. وللذكر جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ومثل صفة لمبتدأ محذوف مؤخر، أي: حظّ مثل
. فالجملة كالموضحة للأولى فهي في محل نصب مقول يوصيكم لأنه بمعنى القول وإيثار الذكر بهذه المزية لأنه القائم على الإعالة، ولأن الأنثى ستنصرف بحكم المهمة الموكولة إليها الى تدبير شئون البيت ورعاية الأبناء وكفالتهم فاستلزم ذلك توفير حظّه من الميراث (فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ) الفاء تفريعية والجملة بعدها لا محل لها لأنها بمثابة الاستئنافية والتعليلية وإن شرطية وكنّ فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والنون اسمها والنساء خبرها وفوق ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة لنساء أي زائدات على اثنتين، ويجوز أن يكون خبرا ثانيا لكان، فلهن الفاء رابطة لجواب الشرط ولهن جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وثلثا مبتدأ مؤخر وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى وما اسم موصول في محل جر بالإضافة وجملة ترك صلة الموصول وجملة فلهن ثلثا: في محل جزم جواب الشرط (وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) الواو عاطفة وإن شرطية وكانت فعل ماض ناقص والتاء تاء التأنيث الساكنة وهو في محل جزم فعل الشرط واسمها مستتر تقديره هي أي المولودة وواحدة خبر كانت والفاء رابطة للجواب ولها جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم والنصف مبتدأ مؤخر والجملة في محل جزم جواب الشرط (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ) الواو عاطفة منسوقة على ما تقدم للشروع في إرث الأصول، ولأبويه جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ولكل واحد جار ومجرور، يوحي ظاهر الكلام أنهما بدل بإعادة الجار، وهذا ما نص عليه أكثر المعربين وعلى رأسهم الزمخشري، ودعم هذه البدلية بقوله: «إنه لو قيل ولأبويه السدس لكان الظاهر اشتراكهما فيه، ولو قيل: ولأبويه السدسان، لأوهم قسمة السدسين عليهما على التسوية وعلى خلافها. فإن قلت:
فهلا قيل: ولكل واحد من أبويه السدس؟ وأي فائدة في ذكر الأبوين أولا ثم في الإبدال منهما؟ قلت: لأن في الإبدال والتفصيل بعد الإجمال تأكيد وتقوية كالذي تراه في الجمع بين المفسر والتفسير» هذا ما قاله الزمخشري ونقله بحروفه جميع المعربين والمفسرين، ولكن هناك نقدا لهذا الإعراب تراه في باب الفوائد. ومنهما جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لواحد والسدس مبتدأ مؤخر ومما جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وجملة ترك صلة الموصول وإن شرطية وكان له ولد: كان وخبرها المقدم واسمها المؤخر، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فلكل واحد وجملة الشرط مستأنفة (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ) الفاء استئنافية وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم ولكن فعل مضارع ناقص مجزوم وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وولد اسمها المؤخر وورثه عطف على لم يكن والهاء مفعول به وأبواه فاعل (فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) الفاء رابطة لجواب الشرط ولأمه جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم والثلث مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) عطف على ما تقدم (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ) اضطرب كلام المعربين والمفسرين في تعليق هذا الجار والمجرور، فقد علقهما الزمخشري بما تقدم من قسمة المواريث لا بما يليه وحده، يريد الزمخشري أن يقول: إنهما متعلقان بقوله:
يوصيكم الله، وما بعده. وفي هذا التعليق ارتباك ملحوظ، ولهذا عدل أبو حيان عنه الى تعليقهما بفعل محذوف، أي يستحقون ذلك من بعد وصية. وفيه تسامح عاجز وهروب من التعليق، نريد أن نتفاداهما في القرآن الكريم وعلقهما أبو البقاء بمحذوف حال من السدس، تقديره: مستحقا من بعد وصية، وهو أشدّ من الأولين
ارتباكا، فالأولى أن نعلقهما- كما أرى- بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أي قسمة هذه الأنصباء كائنة من بعد وصية. وجملة يوصي- بالبناء للمعلوم والمجهول- وقرىء بهما- صفة لوصية، وأو حرف عطف لإباحة الشيئين ودين عطف على وصية (آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً) الجملة معترضة بين قوله:
من بعد وصية، وقوله: فريضة من الله. وآباؤكم مبتدأ وأبناؤكم عطف على «آباؤكم». وجملة لا تدرون خبر، أيهم: اسم استفهام مبتدأ وأقرب خبره والجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي تدرون لأنها علقت بالاستفهام، ولكم جار ومجرور متعلقان بأقرب ونفعا تمييز. ويجوز أن تعرب أي- كما يقول سيبويه- موصولة مبنية على الضم وهي مفعول تدرون وأقرب خبر لمبتدأ محذوف تقديره:
هم أقرب، أما مفعول تدرون الثاني فهو محذوف، وكلا الوجهين سائغ ومقبول (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً) فريضة مفعول مطلق لفعل محذوف يفهم من الجملة السابقة من الوصية، هكذا أعربوه. وفيه أن الفريضة ليست مصدرا ولكنها فعيلة بمعنى مفعوله، فالأولى جعلها حالا مؤكدة، ومن الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لفريضة، وان واسمها، وجملة كان عليما حكيما خبرها، وجملة إن وما في حيزها تعليلية لا محل لها.
الفوائد:
قلنا: إن المعربين جميعا تضافروا على إعراب «لكل واحد» بدلا بإعادة الجار ويرد على هذا الإعراب نظر لا بد من مراعاته، وذلك أنه يكون على هذا التقدير من بدل الشيء من الشيء، وهما كعين واحدة،
ويكون أصل الكلام: والسدس لأبويه لكل واحد منهما. ومقتضى الاقتصار على المبدل منه التشريك بينهما في السدس، كما قال: «فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك» فاقتضى اشتراكهما فيه فيقتضي البدل لو قدر إهدار الأول افراد كل واحد منهما بالسدس وعدم التشريك، وهذا يناقض حقيقة هذا النوع من البدل لأنه يلزم في هذا النوع أن يكون مؤدى المبدل والبدل واحدا، وإنما فائدته التأكيد بمجموع الاسمين لا غير بلا زيادة معنى، فاذا تحقق ما بينهما من التباين تعذرت البدلية المذكورة، ولا يصح أن يكون من يدل التقسيم أيضا على هذا الإعراب، وإلا لزم زيادة معنى في البدل فالوجه إذن أن يقدر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: ولأبويه الثلث، ثم لما ذكر نصيبهما مجملا فصله بقوله: ولكل واحد منهما السدس، وساغ حذف المبتدأ لدلالة التفصيل عليه ضرورة، إذ يلزم من استحقاق كل واحد منهما للسدس استحقاقهما معا للثلث، والله أعلم. ولا يستقيم أيضا على هذا الوجه جعله من بدل التقسيم ألا تراك لو قلت: الدار كلها لثلاثة: لزيد ولعمر ولخالد، كان هذا بدلا وتقسيما صحيحا، لأنك لو حذفت المبدل منه فقلت: الدار لزيد ولعمر ولخالد، ولم تزد في البدل زيادة استقام، فلو قلت: الدار لثلاثة: لزيد ثلثها ولعمرو ثلثها ولخالد ثلثها، لم يستقم بدل تقسيم، إذ لو حذفت المبدل منه لصار الكلام: الدار لزيد ثلثها ولعمر ثلثها ولخالد ثلثها، فهذا كلام مستأنف لأنك زدت فيه معنى تمييز ما لكل واحد منهم، وذلك لا يعطيه المبدل، ولا سبيل في بدل الشيء من الشيء الى زيادة معنى.
ولهذا كان لا بد من إعراب لكل واحد خبرا لمبتدأ محذوف، كأنه قيل: ولأبويه الثلث، أي لكل منهما السدس. وهذا من الدقة بمكان.

[سورة النساء (٤) :آية ١٢]

وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)
اللغة:
(كَلالَةً) :مصدر كلّ فلان إذا لم يكن ولدا أو والدا. أي:
كلّ عن بلوغ القرابة المماسة. قال الطّر ماح يصف الثور:
يهزّ سلاحا لم يرثه كلالة يشكّ به منها غموض المغابن
وقد تكلم علماء الفقه والتفسير كثيرا عن الكلالة، وسيأتي مزيد من القول في هذه السورة عن هذه اللفظة.
الإعراب:
(وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ) الواو حرف عطف ولكم جار
ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ونصف مبتدأ مؤخر وما اسم موصول مضاف إليه وجملة ترك صلة الموصول وأزواجكم فاعل (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ) إن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم ويكن فعل مضارع مجزوم بلم وهو فعل الشرط أيضا ولهن خبر يكن المقدم وولد اسمها المؤخر وجملة الشرط في محل نصب على الحال وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله (فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ) الفاء عاطفة وإن شرطية، وكان وخبرها المقدم واسمها المؤخر والجملة معطوفة (فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ) الفاء رابطة ولكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم والربع مبتدأ مؤخر ومما جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وجملة تركن صلة الموصول والجملة المقترنة بالفاء جواب الشرط (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال ووصية مضاف اليه وجملة يوصين صفة لوصية وبها جار ومجرور متعلقان بيوصين وأو حرف عطف ودين عطف على وصية (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ) تقدم إعراب ذلك كله فعرّج عليه (وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً) الواو عاطفة وإن شرطية وكان يجوز فيها النقصان والتمام فاذا كانت ناقصة فرجل اسمها وجملة يورث بالبناء للمجهول خبرها وكلالة حال، وإن كانت تامة فرجل فاعل وجملة يورث صفة وكلالة حال، ويجوز اعراب كلالة مفعولا لأجله، ويكون معناها القرابة، أو نعت لمصدر محذوف إذا كان معناها الورثة، أي:
يورث وراثة كلالة. وأجاز بعضهم أن تكون مفعولا به ثانيا، ولا أراه مستساغا (أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ) أو حرف عطف وامرأة عطف على رجل وله الواو حالية وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وأخ مبتدأ مؤخر وأو حرف عطف وأخت عطف على أخ
(فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) الفاء رابطة ولكل جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وواحد مضاف اليه ومنهما جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لواحد والسدس مبتدأ مؤخر والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط (فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ) الفاء استئنافية وان شرطية وكانوا فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والواو اسم كان وأكثر خبرها ومن ذلك جار ومجرور متعلقان بأكثر والفاء رابطة وهم مبتدأ وشركاء خبر وفي الثلث جار ومجرور متعلقان بشركاء (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ) تقدم إعرابه فجدد به عهدا (غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ) غير مضار حال من ضمير يوصى ووصية مفعول مطلق موكد ليوصيكم ومن الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لوصية (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ وعليم حليم خبراه.
الفوائد:
١- مناقشة طريفة:
قال الشلوبين حكي لي أن نحويا سئل عن اعراب «كلالة» من قوله تعالى: (وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً) فقال: أخبروني:
ما الكلالة؟ فقالوا له: الورثة إذا لم يكن فيهم أب فما علا ولا ابن فما سفل. فقال: فهي إذن تمييز. وتوجيه قوله أن يكون الأصل:
وإن كان رجل يرثه كلالة، ثم حذف الفاعل وبني الفعل للمفعول، فارتفع الضمير واستتر، ثم جيء بكلالة تمييزا.
ردّ ابن هشام:
وقد رد ابن هشام على هذا النحوي بقوله: «ولقد أصاب هذا النحوي في سؤاله وأخطأ في جوابه، فان التمييز بالفاعل بعد حذفه نقض للغرض الذي حذف لأجله وتراجع عما بنيت الجملة عليه من طيّ ذكر الفاعل فيها، ولهذا لا يوجد في كلامهم مثل: ضرب أخوك رجلا، واستطرد ابن هشام كعادته الى أن قال: والصواب في الآية أن «كلالة» بتقدير مضاف، أي ذا كلالة، وهو إما حال من ضمير يورث ف «كان» ناقصة ويورث خبر أو تامة فيورث صفة. وإما خبر فيورث صفة. ومن فسر «كلالة» بالميت الذي لم يترك ولدا ولا والدا فهي أيضا حال أو خبر، ولكن لا تحتاج الى تقدير حذف مضاف. ومن فسرها بالقرابة فهي مفعول لأجله.
٢- عادة العرب إذا ردّدت بين اسمين بأو أن تعيد الضمير إليهما جميعا، تقول: من كان له أخ أو أخت فليصلهما، أو الى أحدهما أيهما شئت تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله وإن شئت فليصلها.
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٣ الى ١٤]
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤)
الإعراب:
(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) كلام مستأنف مسوق لبيان أن ما تقدم من تشريع هو من حدود الله لعباده ليعملوا بها ولا يتعدوها. وتلك مبتدأ وحدود الله خبر (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويطع الله ورسوله فعل الشرط ويدخله جواب الشرط والهاء مفعول به وجنات منصوب بنزع الخافض أو مفعول به ثان على السعة وجملة الشرط والجواب في محل رفع خبر.
(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) جملة تجري صفة لجنات ومن تحتها جار ومجرور متعلقان بتجري والأنهار فاعل وخالدين حال وفيها جار ومجرور متعلقان بخالدين (وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الواو حالية أو استئنافية وذلك مبتدأ والفوز خبر والعظيم صفة (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ) تقدم اعرابها فعرج عليه.
البلاغة:
١- في هذه الآية فنّ غريب يطلق عليه اسم «جمع المختلفة والمؤتلفة». وحدّه بأنه عبارة عن أن يريد المتكلم التسوية بين ممدوحين أو مذمومين أو اثنين أحدهما ممدوح والآخر مذموم، ثم يروم بعد ذلك ترجيح أحدهما على الآخر بما لا ينقص من الآخر، فيأتي لأجل ذلك الترجيح بمعان تخالف معاني التسوية، فقد جمع ضمير الخالدين في الجنة لأن كل من دخل الجنة كان خالدا فيها أبدا أو لتفاوت درجات الخالدين. أما أهل النار فبينهم الخالدون وغير
الخالدين من عصاة المؤمنين، فساغ الجمع هناك ولم يسغ هنا. لأن الخالدين في النار فرقة واحدة أما الخالدون في الجنان فهم طبقات بحسب تفاوت درجاتهم. وهذا من أسمى مراتب البيان. ومن أمثلته البديعة في الشعر قول الخنساء وقد أرادت مساواة أخيها صخر في الفضل بأبيها مع مراعاة حق الوالد، فقالت:
جارى أباه فأقبلا وهما يتعاوران ملاة الحضر
وهما وقد برزا كأنهما صقرآن قد حطا على وكر
حتى إذا نزت القلوب وقد لزت هناك العذر بالعذر
وعلا هتاف الناس أيهما... قال المجيب هناك: لا أدري
برقت صحيفة وجه والده ومضى على غلوائه يجري
أولى فأولى أن يساويه لولا جلال السنّ والكبر
فقد ساوت بينهما في الجرأة وخوض غمار الحرب والإسراع في العدو والسباق في البيت الأول والحضر بضم الحاء السباق والعدو، والملاة بضم الميم: الرّيطة وهي كل ثوب رقيق.
ثم ساوت في البيت الثاني بينهما في جعلهما بمثابة صقرين سريعين، وفي البيت الثالث أرادت أن تصف الحرب وكيف لز بعض عذر اللحم على بعضها الآخر، مما يدل على المساواة في العدو، وتساءل الناس في البيت الرابع أيهما الوالد وأيهما الولد لشدة تشابههما، ثم انتهت في البيت الخامس الى ترجيح الوالد ببريق صفحة وجهه، أي أنه خرج وجهه من الغبار دون وجه رسيله سبقا، وفي البيت السادس قالت إن الولد كان قادرا على مساواة الوالد لولا ما التزمه من الادب مع برّ أبيه ومعرفته بحقه، فغض من عنانه، وخفض من جناح فضله ليؤثر
أباه بالفضل على نفسه. ومثله لنصر الله بن أحمد البصري المعروف بالخبز أرزي، وكان أميا يخبز خبز الأرز بالبصرة، وينشد أشعار الغزل. فمن ذلك قوله:
رأيت الهلال ووجه الحبيب فكانا هلالين عند النظر
فلم أدر من حيرتي فيهما هلال السما من هلال البشر
ولولا التّورّد في الوجنتين وما لاح لي من خلال الشعر
لكنت أظن الهلال الحبيب وكنت أظن الحبيب القمر
فقد سوّى بينهما أولا ثم رجع ففضّل الحبيب على الهلال ٢- بين الإفراد والجمع:
ووثب أبو السعود العمادي مفتي القسطنطينية في تفسيره الى أوج الذكاء عندما قرر بإلهام موفق أن نكتة الافراد في قوله «خالدا» فيها الإيذان بأن الدخول في دار العقاب بصفة الانفراد أشد في استجلاب الوحشة، أما مجالس الجنة فهي بين الأخلاء والأحباء والاجتماع أدعى الى تبديد الوحشة.
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٥ الى ١٦]
وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (١٦)
الإعراب:
(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ) كلام مستأنف مسوق للشروع في أحكام الزانية. والواو استئنافية واللاتي اسم موصول وجملة يأتين الفاحشة صلة الموصول ومن نسائكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) الفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط، ولذلك جاز أن يخبر بالأمر عن المبتدأ بقوله: استشهدوا، ولك أن تجعل الخبر محذوفا أي: فيما يتلى عليكم حكم اللاتي. وعليهن جار ومجرور متعلقان باستشهدوا وأربعة مفعول به ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ) الفاء استئنافية وإن شرطية وشهدوا فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة وأمسكوهن فعل أمر والواو فاعل والهاء مفعول به وفي البيوت جار ومجرور متعلقان بأمسكوهن والجملة في محل جزم جواب الشرط (حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) حتى حرف غاية وجر ويتوفاهن فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى والهاء مفعول به والموت فاعل وأن المضمرة وما في حيزها مصدر مؤول في محل جر بحتى والجار والمجرور متعلقان بأمسكوهن وأو حرف عطف ويجعل فعل مضارع معطوف على «يتوفاهن» والله فاعل ولهن جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة ل «سبيلا» وتقدمت، وسبيلا مفعول به (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما) الواو حرف عطف
واللذان مبتدأ وأراد بهما الزاني والزانية، وجملة يأتيانها صلة والضمير يعود على الفاحشة ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال والفاء رابطة وآذوهما فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة خبر وقد تقدم نظيره. ومعنى الإيذاء السب والتوبيخ والضرب (فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما) فإن الفاء استئنافية وإن شرطية وتابا فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وأصلحا عطف على «تابا» والفاء رابطة وجملة أعرضوا عنهما في محل جزم جواب الشرط (إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً) إن واسمها وجملة كان واسمها المستتر وخبرها في محل جزم جواب الشرط، ورحيما خبر كان الثاني.
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٧ الى ١٨]
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٨)
اللغة:
(أَعْتَدْنا) أحضرنا وهيأنا، وهو عتيد أي حاضر مهيأ، وأصلها أعددنا، أبدلت الدال الأولى تاء.
الإعراب:
(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ) كلام مستأنف للشروع في بحث التوبة وشروطها، وإنما كافة ومكفوفة والتوبة مبتدأ وعلى الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وللذين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر وجملة يعملون صلة الموصول والسوء مفعول به وبجهالة جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي حالة كونهم جاهلين سفهاء (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) ثم حرف عطف للاشعار بأن التوبة جاءت متأخرة ولكنها قبلت على كل حال قبل وقت الاحتضار ومعاينة الموت، ويتوبون عطف على يعملون ومن قريب جار ومجرور متعلقان بيتوبون (فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) الفاء استئنافية وأولئك اسم اشارة مبتدأ وجملة يتوب الله عليهم خبر (وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) الواو استئنافية وكان واسمها وخبرها، وحكيما خبر ثان (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) الواو عاطفة وليس واسمها، وللذين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها وجملة يعملون السيئات صلة (حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) حتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة حضر أحدهم الموت في محل جر بالاضافة وأحدهم مفعول به مقدم والموت فاعل مؤخر ولم تجرّ «حتى» «إذا» لأن أدوات الشرط لا يعمل فيها ما قبلها ولكن الجملة الشرطية كلها في محل جر بحتى والجار والمجرور متعلقان بيعملون (قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) الجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وإن واسمها، وجملة تبت خبرها والآن ظرف متعلق بتبت والجملة في محل نصب مقول القول (وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) الواو عاطفة ولا نافية والذين عطف على الذين يعملون وجملة يموتون صلة والواو حالية وهم مبتدأ
وكفار خبر والجملة نصب على الحال (أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) الجملة مستأنفة ولك أن تجعلها مفسرة وعلى كل حال لا محل لها واسم الاشارة مبتدأ وجملة أعتدنا خبر ولهم جار ومجرور متعلقان بأعتدنا وعذابا مفعول به وأليما صفة.
الفوائد:
١- شغلت هذه الآية العلماء والمعربين والمفسرين وسنلخص لك بعض آرائهم في قوله «بجهالة» :
أ- إنها كل معصية يفعلها العبد بجهالة وإن كانت على سبيل العمد لأنه يدعو إليها الجهل، ويزينها للعبد.
ب- إن معنى «بجهالة» أنهم لا يعلمون كنه ما فيه من العقوبة كما يعلم الشيء ضرورة.
ح- إن معنى «بجهالة» أنهم يجهلون أنها ذنوب ومعاص فيفعلونها إما بتأويل خاطئ وإما بأن يفرطوا في الاستدلال على قبحها وضعف الرّماني هذا القول بأنه خلاف ما أجمع عليه المفسرون، ولأنه يوجب أن لا يكون لمن علم أنها ذنوب توبة.
٢- هذا ولا مندوحة لنا عن الإشارة الى الخلاف الذي شجر بين أهل السنة والاعتزال حول قوله: «على الله» فقد قال الزمخشري:
«يعني إنما القبول والغفران واجب على الله لهؤلاء» وهو يجري في ذلك على سنن المعتزلة. وقد فنّد أهل السنة هذا القول بأنه قياس الخالق على الحق، وأنه لإطلاق يتقيد عنه لسان العاقل، الى آخر تلك المناظرة الفريدة.
٣- وقال أبو حيّان: «وارتفاع التوبة على الابتداء والخبر هو «على الله» و «للذين» متعلق بما تعلق به «على الله» والتقدير:
إنما التوبة مستقرة على فضل الله وإحسانه للذين..
٤- وقال أبو البقاء: في هذا الوجه يكون «للذين يعملون السوء» حالا من الضمير في قوله «على الله» والعامل فيها الظرف والاستقرار، أي: ثابتة للذين، وأجاز أبو البقاء أن يكون الخبر «للذين» ويتعلق «على الله» بمحذوف ويكون حالا من محذوف أيضا والتقدير: إنما التوبة إذا كانت أو إذ كانت على الله للذين، وكان تامة وصاحب الحال ضمير الفاعل لكان. وإنما أوردنا هذه الأقوال للتدريب على ما راض علماؤنا أنفسهم على فهم كتاب الله تعالى، وما أوردناه كاف.
[سورة النساء (٤) :آية ١٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩)
اللغة:
(تَعْضُلُوهُنَّ) مضارع عضل على فلان أي ضيّق عليه أمره وحال بينه وبين ما يريد. والعضل الحبس والتضييق، وعضّلت المرأة بولدها إذا اختنقت رحمها به فخرج بعضه وبقي بعضه، فيكون استعمال ذلك مجازا. ومن رائع الشعر قول أوس:
ترى الأرض منا بالفضاء مريضة معضّلة منا بجمع عرمرم
وردّد النابغة هذا المعنى فقال يصف جيشا:
لجب يظلّ به الفضاء معضّلا يدع الإكام كأنهن صحاري
والمراد به هنا في الآية: لا تمنعوا أزواجكم عن نكاح غيركم بإمساكهنّ حتى ترثوا منهن وهنّ غير راضيات. وكان الرجل إذا تزوج امرأة، ولم تكن من حاجته، حبسها مع سوء العشرة والقهر، لتفتدي منه بمالها وتختلع، فقال تعالى: «ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن». هذا وقد تقدم الكلام عن وقوع العين والضاد فاء وعينا للكلمة، وما ترمز اليه حينئذ من معاني القوة والشدة.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها كثيرا (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً) كلام مستأنف مسوق لإنصاف المرأة مما كانت تسام به من ظلم وافتئات، ولا نافية ويحل فعل مضارع مرفوع ولكم جار ومجرور متعلقان بيحل وأن ترثوا النساء المصدر المؤوّل فاعل يحل والنساء مفعول به وكرها بضم الكاف وفتحها، وهما قراءتان، حال أي: كارهات (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ) الواو عاطفة ولا نافية وتعضلوهن عطف على ترثوا أي: ولا أن تعضلوهن ولتذهبوا اللام للتعليل وتذهبوا فعل مضارع منصوب بأن
مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بتعضلوهن وببعض جار ومجرور متعلقان بتذهبوا وما اسم موصول مضاف إليه وجملة آتيتموهن صلة الموصول (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) إن كان الاستثناء منقطعا كان المصدر المؤول واجب النصب على الاستثناء، وإن كان متصلا بما قبله كان الاستثناء من أعم الأحوال، فيعرب حالا. وأعربه أبو حيان مستثنى من أعم الظروف أو العلل، فهو منصوب عنده على الظرفية الزمانية، أو على أنه مفعول لأجله، كأنه قيل: ولا تعضلوهن في وقت من الأوقات إلا وقت أن يأتين، أو لا تعضلوهن لعلة من العلل إلا أن يأتين، وهما سائغان. ويأتين فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة في محل نصب بأن وبفاحشة جار ومجرور متعلقان بيأتين ومبينة بفتح الياء وكسرها قراءتان (وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) الواو عاطفة وعاشروهن فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والهاء مفعول به وبالمعروف جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي: محسنين ومجملين في القول والعمل (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) الفاء استئنافية وإن شرطية وكرهتموهن فعل ماض في محل جزم فعل الشرط فعسى الفاء رابطة وعسى هنا تامة وهي فعل جامد وأن وما بعدها فاعل، ويجعل فعل مضارع معطوف بالواو على تكرهوا منصوب مثله والواو فاعله وفيه جار ومجرور متعلقان بيجعل، فهو بمثابة المفعول الثاني ليجعل، وخيرا مفعولها الأول وكثيرا صفة.
[سورة النساء (٤) :الآيات ٢٠ الى ٢١]
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١)
اللغة:
(القنطار) تقدم القول فيه، والمراد به هنا المال العظيم، من قنطرت الشيء إذا رفعته، ومنه القنطرة: لأنها بناء مشيد، قال:
كقنطرة الرومي أقسم ربّها... لتكتنفن حتى تشاد بقرمد
(البهتان) أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو بريء منه، لأنه يبهت عند ذلك، أي: يتحير. ومن الأبيات التي استعمل فيها لفظ بهت، وعبرت تعبيرا نفسيا قوله:
وما هي إلا أن أراها فجاءة... فأبهت حتى ما أكاد أجيب
وجميع الأفعال التي فاؤها باء وعينها هاء تتعلق بشعور نفساني، وقد أحصينا الكثير منها فلم يشذ واحد منها على هذا التحديد العجيب، فمن ذلك بهج به وابتهج أي سره ذلك، وهو أمر يتعلق بصميم النفس قال النابغة:
كمضيئة صدفيّة غوّاصها... بهج متى يرها يهلّ ويسجد
وبهره غلبه، وبهرا دعاء عليه بالغلبة. قال عمر بن أبي ربيعة:
ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا... عدد الرّمل والحصى والتراب
وبهرج في كلامه أي خالطه بما يسوء النفس. والكلام في هذا يطول.
الإعراب:
(وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ) الواو استئنافية وإن شرطية وأردتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والتاء فاعل واستبدال زوج مفعول به ومكان زوج ظرف مكان متعلق باستبدال (وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً) الواو حالية وآتيتم فعل وفاعل والجملة نصب على الحال وإحداهن مفعول به أول وقنطارا مفعول به ثان فلا الفاء رابطة ولا ناهية وتأخذوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل ومنه جار ومجرور متعلقان بتأخذوا وشيئا مفعول به والجملة في محل جزم جواب الشرط (أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً) الهمزة للاستفهام والتوبيخ والإنكار والجملة استئنافية وتأخذونه فعل مضارع وفاعل ومفعول به وبهتانا حال أو مفعول لأجله وإثما عطف على بهتانا ومبينا صفة (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً) الواو حرف عطف وكيف اسم استفهام في محل نصب حال وتأخذونه فعل مضارع وفاعل ومفعول به والواو حالية وقد حرف تحقيق وأفضى بعضكم فعل وفاعل والى بعض جار ومجرور متعلقان بأفضى وأخذن عطف على أفضى والنون فاعل وميثاقا مفعول به وغليظا صفة.
البلاغة:
الكناية في الإفضاء الى الشيء لأنه عبارة عن المباشرة له والذي عنى الإفضاء في هذا الموضع هو الجماع عند الشافعي، وهو قول ابن عباس أو الخلوة وإن لم يجامع. كما هو اختيار أبي حنيفة والفراء.

[سورة النساء (٤) :الآيات ٢٢ الى ٢٣]

وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣)
اللغة:
(الربائب) جمع ربيبة وهي بنت الزوجة من غيره.
(الحجور) جمع حجر بفتح الحاء وكسرها مقدم الثوب، والمراد به هنا لازم الكون في الحجور وهو الكون في تربيتهم.
(الحلائل) جمع حليلة وهي الزوجة، قال الفرزدق:
وذات حليل أنكحتها رماحنا حلال لمن يبني بها لم تطلّق
الإعراب:
(وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) كلام مستأنف مسوق للشروع في بيان من يحرم نكاحها من النساء ومن لا يحرّم. والواو
استئنافية ولا ناهية وتنكحوا فعل مضارع مجزوم بلا وما اسم موصول مفعول به، وهي واقعة على النوع كالتي في قوله: «ما طاب لكم من من النساء» أي: ولا تنكحوا النوع الذي نكح آباؤكم، وقال قوم:
ما مصدرية والتقدير لا تنكحوا نكاح آبائكم، أي: مثل نكاح آبائكم الفاسد فهي مع مدخولها مفعول مطلق، ولا بأس بذلك ونكح آباؤكم فعل وفاعل ومن النساء جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا) إلا أداة استثناء وما مستثنى منقطع لأن الماضي لا يستثنى من المستقبل، ويجوز أن يكون متصلا. وسيرد مزيد عنه في باب البلاغة. وجملة قد سلف صلة وإن واسمها، وجملة كان فاحشة خبر إن وجملة إنه تعليلية لا محل لها، ومقتا عطف على فاحشة وساء فعل ماض لإنشاء الذم والفاعل مبهم مستتر يفسره التمييز وهو «سبيلا» والجملة إما مستأنفة وإما عطف على خبر كان محكية بقول مضمر (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ) حرم فعل ماض مبني للمجهول والتاء تاء التأنيث الساكنة وعليكم جار ومجرور متعلقان بحرمت وأمهاتكم نائب فاعل (وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ) عطف على أمهاتكم، فهي داخلة في نطاق التحريم (وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) عطف أيضا (وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ) عطف أيضا والجار والمجرور نصب على الحال من أخواتكم (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ) عطف أيضا وفي حجوركم متعلقان بمحذوف صلة ومن نسائكم متعلقان بمحذوف حال من ربائبكم (اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) اسم الموصول صفة لنسائكم وجملة دخلتم بهن صلة والباء للتعدية أي: دخلتم الخلوة بهن (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ) الفاء استئنافية ولم تكونوا فعل الشرط وجملة دخلتم بهن خبر كان
والفاء رابطة ولا نافية للجنس وجناح اسمها وعليكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها (وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) عطف على ما تقدم والذين صفة أبنائكم ومن أصلابكم الجار والمجرور صلة الموصول (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) المصدر الاول عطف أيضا، وبين ظرف متعلق بتجمعوا والأختين مضاف اليه وإلا أداة استثناء وما مستثنى منقطع أو متصل، وقد تقدم إعرابها (إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) إن واسمها، وكان واسمها، وخبراها والجملة خبر إن، وجملة إن الله استئنافية.
البلاغة:
١- في هذه الآية فن المبالغة بقوله: «إلا ما قد سلف» وذلك أن المنهيّ عنه وهو نكاح ما نكح الآباء من النساء أمر مستنكر عند أكثر الخلق، وقد بلغ حدا من البشاعة والاستهجان أنه كان ممقوتا قبل ورود الشرع به، جدير بأن يمتثل النهي عنه.
٢- الكناية في قوله: «دخلتم بهن» فهي كناية عن الجماع كما تقدم أو الخلوة.
٣- حسن النسق في ترتيب العطف، وهو ظاهر.
الفوائد:
١- (الأمهات) جمع أم فالهاء زائدة في الجمع فرقا بين العقلاء وغيرهم. يقال في العقلاء أمهات وفي غيرهم أمات. وقد يتقارضان.
٢- أخت وبنت أصلهما أخو وبنو حذفت واوهما وعوض عنها التاء.

[سورة النساء (٤) :آية ٢٤]

وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤)
اللغة:
(الْمُحْصَناتُ) اللواتي أحصنّ فزوجهنّ بالتزويج. وهي بفتح الصاد كما في قراءة الجمهور، ما عدا الكسائي الذي قرأها بالكسر.
فهي اسم مفعول على قراءة الجمهور. واسم فاعل في قراءة الكسائي في جميع القرآن، أما في هذه الآية فقد تبع فيها الكسائي الجمهور.
(مُسافِحِينَ) :جمع مسافح وهو الزّاني. من السفح أي صب المني. وكان الفاجر يقول للفاجرة: سافحيني وماذيني. من المذي.
الإعراب:
(وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) عطف على ما تقدم من المحرمات، ومن النساء: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وإلا:
أداة استثناء وما مستثنى متصل، وقيل: منقطع باعتبار أن المستثنى منه نكاح الزوجات، والمستثنى وطء المتزوجات، ففيه رائحة الانقطاع، ولا داعي لهذا التكلف. وجملة ملكت أيمانكم صلة الموصول أي:
اللواتي سبين ولهن أزواج في دار الكفر فهن حلال للغزاة، وإن كنّ محصنات. وعن أبي سعيد الخدري بعث رسول الله ﷺ جيشه يوم حنين الى أوطاس، فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين، فكرهوا غشيانهنّ، فأنزل الله هذه الآية. وقد افتن شعراؤنا بهذا المعنى فقال الفرزدق:
وذات حليل أنكحتها رماحنا حلال لمن يبني بها لم تطلق
(كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) كتاب مصدر مؤكد أي: كتب الله ذلك عليكم كتابا وفرضه فرضا. وعليكم جار ومجرور متعلقان بالمصدر، وسيأتي مزيد بسط لذلك في باب الفوائد (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) الواو عاطفة وأحلّ فعل ماض مبني للمجهول وقرىء بالبناء للمعلوم وهو معطوف على الفعل الذي نصب المصدر ولكم جار ومجرور متعلقان بأحل وما اسم موصول نائب فاعل أو مفعول به ووراء ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول واسم الاشارة مضاف إليه (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ) المصدر المؤول من أن وما في حيزها في محل نصب مفعول لأجله أي إرادة أن تبتغوا النساء والمفعول به محذوف للعلم به، ومحصنين حال أولى وغير مسافحين حال ثانية (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) الفاء استئنافية وما اسم موصول أو اسم شرط جازم وهي مبتدأ على كل حال واستمتعتم صلة إن كانت ما موصول وفعل الشرط إن كانت شرطية وبه جار ومجرور متعلقان باستمتعتم ومنهن جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال فآتوهن: الفاء رابطة على كل حال، وآتوهن: الجملة خبر ما الموصولية أو في محل جزم جواب الشرط ويكون فعل الشرط وجوابه خبر ما الشرطية وأجورهن مفعول به ثان والمفعول الاول هو الهاء في آتوهن وفريضة
حال من أجورهن أو اسم مصدر مؤكد كما قال بعضهم ولا داعي لذلك (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) الواو عاطفة أو استئنافية ولا نافية للجنس وجناح اسمها المبني على الفتح وعليكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لا. وفيما جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وجملة تراضيتم لا محل لها صلة وبه جار ومجرور متعلقان بتراضيتم ومن بعد الفريضة جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً) الجملة تعليل لما ورد من أحكام وبقية الإعراب تقدمت نظائره.
البلاغة:
١- في قوله: «مسافحين» استعارة تصريحية لكثرة الزنا، تشبيها بصبّ الماء في الأنهار والعيون بتدفق وسرعة.
٢- وفي قوله: «فآتوهن أجورهن» استعارة تصريحية أيضا فقد استعار لفظ الأجور للمهر، والأجور جمع أجر، وهو ما يتقاضاه المرء على عمل.
الفوائد:
أعرب الكسائي: «كتاب الله عليكم» نصبا على الإغراء كأنه قال: عليكم كتاب الله، فقدم المفعول به على اسم الفعل وهو عليكم.
ثم قال: وذلك جائز، وقد ورد به السماع والقياس. فالسماع قول الراجز:
والمراد دونك دلوي أي خذه، وأما القياس فإن الظرف أي عليكم: ناب عن الفعل تقديره: الزموا كتاب الله، ولو ظهر الفعل جاز تقديم معموله، فكذلك معموله. والصواب ما ذهبنا إليه، ولكننا أشرنا إليه لقبس الذكاء المشرق منه، وتفنيده يضيق عنه المجال.
[سورة النساء (٤) :آية ٢٥]
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)
اللغة:
(الطول) بفتح الطاء: الفضل والزيادة والاستطاعة والنيل، يقال: طلته أي نلته، قال الفرزدق:
أيها المائح دلوي دونكا إني رأيت الناس يحمدونكا
إن الفرزدق صخرة عادية طالت فليس تنالها الأوعالا
أي طالت الأوعالا ف «الأوعالا» مفعول طالت. وأمر طائل أي يعتدّ به قال:
لقد زادني حبا لنفسي أنني بغيض إلى كل امرئ متطاول
ومنه الطّول في الجسم بضم الطاء، لأنه زيادة فيه والطول بكسر الطاء وفتح الواو هو حبل تشدّ به قوائم الدابة، قال طرفة:
لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى لكالطّول المرخى وثنياه في اليد
(الأخدان) الأخلّاء في السرّ، جمع خدن بكسر الخاء، وقال أبو زيد: الأخدان: الأصدقاء على الفاحشة، والواحد خدن وخدين.
(الْعَنَتَ) :المشقة في الأصل، وأصله الاول انكسار العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مشقة. والمراد به هنا الزنا.
الإعراب:
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ) كلام مستأنف مسوق لتتمة هذه الاحكام المشروعة، وقد كثرت الأعاريب وأحكام المفسرين والمعربين في هذه الآية، وسنختار ما هو أقرب الى المنطق منها. فمن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ولم يستطع في محل جزم فعل الشرط ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وطولا مفعول يستطع والمصدر المؤول من أن وينكح مفعول طولا لأنه مصدر والمعنى ومن لم يستطع زيادة في المال يبلغ بها نكاح الحرّة فلينكح أمة. ويجوز إعراب المصدر المؤول نصبا على نزع الخافض، أي: طولا الى أن ينكح المحصنات. وهذا أقرب ما نراه مستساغا
من الأعاريب التي تخبط بها النحاة والمعربون (فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) الفاء رابطة لجواب الشرط ومما جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول به محذوف لفعل محذوف، أي: فلينكح أمة ما ملكت أيمانكم وجملة ملكت أيمانكم لا محل لها لأنها صلة الموصول ومن فتياتكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المقدر في «ما ملكت» والعائد على ما وفعل الشرط وجوابه خبر من الموصولية، والمؤمنات صفة لفتيات (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ) الواو اعتراضية والله مبتدأ وأعلم خبر وبايمانكم جار ومجرور متعلقان بأعلم والجملة لا محل لها لأنها معترضة (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) بعضكم مبتدأ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر والجملة مستأنفة مسوقة للتسوية بينكم وبينهن في الدين، وهذا من أروع التعابير عن المساواة (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) الفاء الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط مقدر أي: إذا علمتم الوجهة المستقيمة الجديرة بالاتباع فانكحوهن والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وبإذن أهلهن جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) عطف على فانكحوهن وبالمعروف جار ومجرور متعلقان بآتوهن أجورهن ومعناه وبغير مطل وضرار. وآتى ينصب مفعولين وهما الهاء وأجورهن (مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ) محصنات حال من المفعول به في قوله: «فانكحوهن» و «غير مسافحات» حال ثانية ولا متخذات أخدان عطف على مسافحات (فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ) الفاء استئنافية وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وأحصن فعل ماض مبني للمجهول والنون نائب فاعل والجملة في محل جر بالإضافة فإن الفاء رابطة لجواب إذا، وإن شرطية وأتين فعل ماض مبني على السكون في
محل جزم فعل الشرط والنون فاعل وبفاحشة جار ومجرور متعلقان بأتين، فعليهن الفاء رابطة لجواب الشرط وعليهن جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ونصف مبتدأ مؤخر وما اسم موصول في محل جر بالإضافة وعلى المحصنات جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول ومن العذاب جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وجملة: فإن أتين لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة فعليهن نصف في محل جزم جواب الشرط الجازم وهو إن (ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) ذلك اسم اشارة مبتدأ ولمن جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر وجملة خشي لا محل لها لأنها صلة الموصول والعنت مفعول به ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال والجملة مستأنفة لا محل لها (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) الواو استئنافية وأن وما في حيزها مصدر مؤول مبتدأ وخير خبر للمصدر المؤول، ولكم جار ومجرور متعلقان بخير (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ وغفور خبر أول ورحيم خبر ثان.
الفوائد:
اخترنا في الإعراب ما رأيناه أدنى الى المنطق وأقرب الى الصواب، ولكننا لزيادة الفائدة نورد ما قاله بعض العلماء في اعراب هذه الآية، فقد أجازوا جعل «أن ينكح» بدلا من «طولا» بدل الشيء من الشيء، وهما لشيء واحد، لأن الطّول هو القدرة، والنكاح قدرة، وأجازوا أن يكون المصدر المؤول مفعول يستطع، وقالوا في نصب «طولا» إنه يجوز أن يكون مفعولا لأجله على حذف مضاف أي:
ومن لم يستطع منكم نكاح المحصنات لعدم الطول وأن يكون نصبا
على المصدرية، والعامل فيه الاستطاعة، والتقدير: ومن لم يستطع منكم استطاعة أن ينكح. فتدبّر والعصمة لله وحده.
[سورة النساء (٤) :الآيات ٢٦ الى ٢٨]
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨)
الإعراب:
(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) كلام مستأنف مسوق لتتمة بيان ما سبق من أحكام. ويريد الله فعل مضارع وفاعل وليبين: اللام زائدة ولكنها أعطيت حكم لام التعليل وقد أفادت زيادة اللام تأكيدا لإرادة التبيين، والمعنى: يريد الله أن يبين لكم ما هو خفيّ عنكم من مصالحكم، وأن يهديكم مناهج من كانوا قبلكم للاقتداء بما هو صالح منها لكم ومنسجم مع واقعكم. ويهديكم عطف على يبين والكاف مفعول به أول وسنن مفعول به ثان والذين مضاف اليه ومن قبلكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، ويجوز في «سنن» أن تكون منصوبة بنزع الخافض، وقد تقدم بحث هدى في الفاتحة (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) عطف على «يبين»، وعليكم جار ومجرور متعلقان بيتوب (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ
وعليم خبر أول وحكيم خبر ثان (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) الواو استئنافية والله مبتدأ وجملة يريد خبر وأن يتوب مصدر مؤول مفعول به وعليكم جار ومجرور متعلقان بيتوب (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ) عطف على يريد السابقة والذين فاعل وجملة يتبعون صلة الموصول والشهوات مفعول به وعلامة نصبه الكسرة لأنه جمع مؤنث سالم (أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً) أن وما بعدها مصدر مؤول مفعول يريد، وميلا مفعول مطلق وعظيما صفة (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) تأكيد لما سبق لبسط التقرير، والجملة مستأنفة تقدم اعرابها (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) الجملة مستأنفة بمثابة التعليل للتخفيف وخلق فعل ماض مبني للمجهول والإنسان نائب فاعل وضعيفا حال من الإنسان وهي حال مؤكدة، أي لا يقوى على مغالبة الشهوات ومدافعة النفس الأمّارة بالسوء.
الفوائد:
هذا تركيب شغل المعربين، وتضاربت فيه أقوال المفسرين، وقد أوردنا في باب الإعراب ما ارتأيناه وارتآه الزمخشري من قبل، وهو رأي الكوفيين. ولكن سيبويه والبصريين يرون أن مفعول يريد محذوف وتقديره يريد الله هذا، أي تحليل ما أحل وتحريم ما حرّم، وتشريع ما تقدم ذكره ليستقيم معنى التعليل. ولكننا نرى فيه تكلفا لا يتفق مع أسلوب القرآن السمح، وهناك قولان جديران بالتدوين:
١- قول الفراء:
أما الفرّاء فيرى أن اللام هنا هي لام كي التي تعاقب «أن» قال
العرب تعاقب بين لام كي و «أن» فتأتي باللام التي على معنى «كي» في موضع «أن» في: أردت وأمرت فتقول: أردت أن تفعل وأردت لتفعل، ومنه قوله تعالى: «يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم» «وأمرت لأعدل بينكم» «وأمرنا لنسلم لرب العالمين» ومنه قوله:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثّل لي ليلى بكل سبيل
٢- قول الزجاج:
وقد حكى الزجاج هذا القول وقال: لو كانت اللام بمعنى «أن» دخلت عليها لام أخرى كما تقول: جئت كي تكرمني، ثم تقول:
جئت لكي تكرمني، وأنشد:
أردت لكيما يعلم الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود
[سورة النساء (٤) :الآيات ٢٩ الى ٣٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠)
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ) كلام مستأنف مسوق للشروع في بيان بعض المحرمات المتعلقة بالأموال
والأنفس، وقد تقدم إعراب النداء كثيرا، ولا ناهية وتأكلوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل وأموالكم مفعول به وبينكم ظرف متعلق بتأكلوا وبالباطل: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال والمراد بالباطل هنا ما لم تبحه الشريعة. (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) إلا أداة استثناء والمصدر المؤول في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، لأن التجارة ليست من جنس الأموال المأكولة بالباطل، ولأن الاستثناء وقع على الكون، والكون معنى لا مادة، وخص التجارة لأن أسباب الرزق أكثرها متعلق بها. وتجارة خبر تكون واسمها مستتر تقديره:
إلا أن تكون التجارة تجارة، وعن تراض جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة، أي تجارة صادرة عن تراض، [والتراضي معروف في كتب الفقه وعند الشافعي تفرقهما عن مجلس العقد متراضيين]. ومنكم جار والمعاملات فهو عند أبي حنيفة رضا المتبايعين وقت الإيجاب والقبول ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لتجارة (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) عطف على ما تقدم، ولا ناهية وتقتلوا مضارع مجزوم بها وأنفسكم مفعول به (إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً) الجملة تعليل للمنع لا محل لها وإن واسمها، وجملة كان واسمها وخبرها خبر إن (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ ويفعل فعل الشرط وذلك اسم إشارة مفعول به، والإشارة لما تقدم من المنهيات، وقيل عن قتل الأنفس خاصة. وعدوانا وظلما مصدران في موضع نصب على الحال أو مفعول لأجله (فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً) الفاء رابطة لجواب الشرط وسوف حرف استقبال ونصليه فعل مضارع والهاء مفعول به أول ونارا مفعول به ثان والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من الشرطية (وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) الواو استئنافية وكان واسمها، ويسيرا خبرها وعلى الله متعلقان بيسير أو بمحذوف صفة له.

[سورة النساء (٤) :الآيات ٣١ الى ٣٢]

إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (٣١) وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢)
الإعراب:
(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ) كلام مستأنف مسوق للدعوة الى اجتناب الكبائر والتزام الطاعات. وإن شرطية وتجتنبوا فعل الشرط والواو فاعل وكبائر مفعول به وما اسم موصول مضاف اليه وجملة تنهون عنه لا محل لها لأنها صلة وتنهون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وعنه جار ومجرور متعلقان بتنهون (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) نكفر جواب الشرط وعنكم جار ومجرور متعلقان بنكفر وسيئاتكم مفعول به (وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً) وندخلكم عطف على نكفر والكاف مفعول به ومدخلا اسم مكان أو مصدر ميمي فهو مفعول به ثان على السعة أو مفعول مطلق وقيل ظرف مكان وليس ببعيد، وكريما صفة (وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ) كلام مستأنف مسوق للنهي عن التمني لأن فيه تعلق البال بالدنيا ونسيان الآخرة، والواو استئنافية ولا ناهية وتتمنوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل وما اسم موصول مفعول به وجملة فضل الله
صلة وبه جار ومجرور متعلقان بفضل وبعضكم مفعول به وعلى بعض متعلقان بفضل أيضا. وفي هذا النهي دعوة الى تجنب الحسد (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا) الجملة لا محل لها لأنها مستأنفة، ويجوز أن تكون مفسرة لما ساق النهي لأجله، وللرجال جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ونصيب مبتدأ مؤخر ومما جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لنصيب وجملة اكتسبوا صلة (وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) عطف على الجملة السابقة (وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) عطف على النهي. واسألوا فعل أمر مبني على حذف النون ولفظ الجلالة مفعول أول والثاني محذوف، ومن فضله متعلقان بمحذوف صفة للمفعول الثاني المحذوف، أي: شيئا من فضله (إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) إن واسمها، وجملة كان واسمها وخبرها خبر إن، والجملة تعليلية لا محل لها وبكل جار ومجرور متعلقان ب «عليما».
[سورة النساء (٤) :الآيات ٣٣ الى ٣٤]
وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣) الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤)
اللغة:
(النشوز) :أصل النشوز الارتفاع الى الشرور، ونشوز المرأة:
بغضها لزوجها وارتفاع نفسها عليه تكبّرا، ويقال: علوت نشزا من الأرض ونشزا بسكون الشين وفتحها. ونشز الشيء عن مكانه:
ارتفع، ونشزت إليّ النفس: جاشت من الفزع، وامرأة ناشز. ومن غريب أمر النون والشين أنهما لا تقعان فاء وعينا للكلمة إلّا دلتا على هذا المعنى أو ما يقاربه: ارتفاع عن الشيء ومباينة لأصله وعدم انسجام مع حقيقته، ومنه نشأ الإنسان أي ارتفع وظهر، وأنشأناهنّ إنشاء، ومن أين نشأت؟ والجواري المنشآت: السفن الماخرة عباب البحر، ونشب العظم في الحلق علق وارتفع عليه، وتراموا بالنّشاب ونشبت الحرب، ونشج الباكي نشجا وهو ارتفاع البكاء وتردّده في الصدر، وأنشد الشعر إنشادا حسنا لأن المنشد يرفع صوته، الى آخر ما اشتملت عليه هذه المادة وهذا من عجائب ما تميزت به لغتنا الشريفة.
الإعراب:
(وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ) الكلام مستأنف مسوق لتتمة أحكام الإرث وقد تكلم المعربون والمفسرون كثيرا عن هذه الآية، وأطالوا في القول وقلبوا الكلام على شتى وجوهه فلم يصل أحد منهم الى طائل يشفي الغليل، فهي من الكلام المعجز، وأقرب ما رأيناه فيها هو ما يلي: الواو استئنافية ولكل جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم والتنوين في كل عوض عن كلمة، أي:
لكل قوم. وجملة جعلنا صفة لقوم ومفعول جعلنا الأول محذوف أي
جعلناهم وموالي مفعول به ثان ومما جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة للمبتدأ المؤخر المحذوف أي نصيب وجملة ترك صلة الموصول والوالدان فاعل والأقربون عطف عليه. والمعنى ولكل من هؤلاء الذين جعلناهم موالي نصيب من التراث المتروك. وهذا أجود الاوجه من جهة المعنى، ولكنه كما رأيت يحتاج الى تقديرات كثيرة. ويليه في الجودة أن يكون «لكل» مفعولا مقدما لجعلنا وموالي مفعول به ثان والمضاف «لكل» هو المال أي: جعلنا لكل مال موالي، ومما ترك صفة، وفي هذا ما فيه. وسيأتي في باب الفوائد بعض ما قاله الأئمة (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) الواو استئنافية والذين اسم موصول مبتدأ وجملة عقدت أيمانكم صلة والفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط وجملة آتوهم خبر الذين والهاء مفعول به أول ونصيبهم مفعول به ثان. ويجوز أن تكون الواو عاطفة والذين مرفوع عطف على الوالدان والأقربون، ويجوز أن يكون الذين منصوبا على الاشتغال أي مفعول به لفعل محذوف نحو: زيدا فاضربه، ومنهم من أعربه معطوفا على موالي، واختاره أبو البقاء. وهناك أقوال كثيرة ضربنا عنها صفحا. ومفعول عقدت محذوف أي عقدتهم والنسبة مجازية كما سيأتي في باب البلاغة (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً) إن واسمها، وجملة كان خبر إن وعلى كل شيء متعلقان ب «شهيدا» وشهيدا خبر كان الناقصة (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) كلام مستأنف مسوق لبيان سبب زيادة استحقاق الرجال الزيادة في الميراث مما يرجع اليه في المظانّ المعروفة، والرجال مبتدأ وقوامون خبره وعلى النساء جار ومجرور متعلقان بقوامون أي يقومون بتدبير شئونهم وتحصيل معايشهم ليتاح للأم أن تنصرف الى شئون بيتها أو لتمارس الأعمال التي تنسجم مع طبيعتها، وكل امرئ
ميسّر لما خلق له، كما جاء في الحديث. وبما فضل متعلقان بقوامون أيضا والباء سببية جارة وما مصدرية أو موصولية، والجملة بعدها لا محل لها على التقديرين. والله فاعل وبعضهم مفعول وعلى بعض متعلقان بفضل (وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ) عطف على ما تقدم (فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ) الفاء استئنافية بمثابة التفريع على ما تقدم، والصالحات مبتدأ وقانتات خبر أول وحافظات خبر ثان وللغيب متعلقان بحافظات (بِما حَفِظَ اللَّهُ) الجار والمجرور متعلقان بحافظات وما مصدرية أي بسبب حفظ الله لهن إذ عصمهنّ ووفقهنّ لحفظ غيبة الأزواج، ويجوز جعل ما موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف أي بالذي حفظه الله لهن من مهور أزواجهن والنفقة عليهن والجملة بعد «ما» لا محل لها من الإعراب (وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ) الواو استئنافية واللاتي اسم موصول مبتدأ وجملة تخافون نشوزهن صلة ونشوزهن مفعول به (فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) الفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط وعظوهن فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة خبر الموصول واهجروهن عطف على عظوهن وفي المضاجع متعلقان باهجروهن واضربوهن عطف أيضا (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا) الفاء استئنافية وإن شرطية وأطعنكم فعل ماض والنون فاعل والكاف مفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتبغوا فعل مضارع مجزوم بلا وعليهن متعلقان بمحذوف حال، لأنه كان في الأصل صفة ل «سبيلا» وتقدم عليه وسبيلا مفعول به. ويحتمل أن تكون «تبغوا» من البغي أي الظلم، والمعنى: فلا تبغوا عليهن، فيتعلق «عليهن» بمحذوف حال، وانتصاب «سبيلا» على هذا هو على إسقاط الخافض (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً) إن واسمها وجملة كان عليا كبيرا خبرها.
البلاغة:
١- المجاز المرسل في قوله: «عقدت أيمانكم» سواء أريد بالإيمان اليد الجارحة أو القسم. والعلاقة هي السببية.
٢- الكناية في قوله «في المضاجع» فقد كنى بذلك عن الجماع.
وقد تقدم البحث مستوفى عن الكناية. وللعرب في الكناية عن الجماع تأثّما عن ذكره أساليب عديدة، كقوله تعالى: «هن لباس لكم وأنتم لباس لهن» ومن الشعر قول امرئ القيس:
وصرنا الى الحسنى ورقّ كلامنا ورضت فذلّت صعبة أي إذلال
فرياضة المرأة وإذلالها ورقة كلامها من البهر وفرط الشهوة كناية عن ذلك غاية في الجمال والتعفف. ومن طريف الكنايات المتعلقة بالمضاجع ما يروى عن عمرو بن العاص أنه زوّج ولده عبد الله، فمكثت المرأة عنده ثلاث ليال لم يدن منها وإنما كان ملتفتا الى صلاته، فدخل عليها عمرو بعد ثلاث فقال: كيف ترين بعلك؟ فقالت: نعم البعل إلا أنه لم يفتش لنا كنفا ولم يقرب لنا مضجعا. من الكناية التي يعزّ نظيرها.
نموذج بين الإحسان والاساءة:
ومما أسيء استعماله من الكناية عن الجماع قول المتنبي:
فقد أراد أن يكنّي عن النزاهة والعفة فوقع بما يعتبر شرا من الفجور، وهو قوله «عما في سراويلاتها». وقد أخذ الشريف الرضي هذا المعنى فأبرزه في أجمل صورة، وأعفّ لفظ وأشرفه حيث قال:
إني على شغفي بما في خمرها لأعفّ عمّا في سراويلاتها
أحن إلى ما تضمر الخمر والحلا وأصدف عما في ضمان المآزر
والشريف وقع في الخطأ:
على أن الشريف الرضي لم يسلم من الخطأ أيضا فقد نظم قصيدة يعزّي بها أبا سعد علي بن محمد بن أبي خلف عن وفاة أخيه وهو:
إن لم تكن نصلا فغمد نصال غالته أحداث الزمان بغول
وفي هذا من سوء الكناية مالا يخفى، فإن الوهم يسبق الى ما يقبح ذكره. والواقع أن الشريف الرضي أراد أن يرمق سماء الفرزدق في أبيات ثلاثة قالها وقد ماتت جارية له وهي حبلى وهي:
وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح عليه ولم أبعث إليه البواكيا
وفي جوفه من دارم ذو حفيظة لو أن المنايا أمهلته لياليا
ولكن رأيت الدهر يعثر بالفتى ولا يستطيع ردّ ما كان جائيا
وهذا حسن في معناه بديع في صياغته، فجاء الشريف، على سموّ ذوقه ورهافة حسه، وسقط هذه السقطة في أخذ كنايته.
الفوائد:
نرى من المفيد أن نورد وجوها، منها ما أورده أبو حيان في
تفسيره البحر، ومن هذه الوجوه أن يكون «لكل» متعلقا بجعلنا، والضمير في «ترك» عائد على «كل» المضاف لإنسان، والتقدير:
وجعل لكل إنسان إرثا مما ترك، فيتعلق «مما» بما في معنى «موالي» من معنى الفعل، أو بمضمر يفسره المعنى، والتقدير: يرثون مما ترك، وتكون الجملة قد تمت عند قوله: مما ترك، ويرتفع «الوالدان»، كأنه قيل: ومن الوارث؟ فقيل: هم الوالدان والأقربون، والكلام جملتان. ومن تلك الوجوه أن يكون التقدير: وجعلنا لكل إنسان موالي، أي ورّاثا، ثم أضمر فعل أي: يرث الموالي مما ترك الوالدان، فيكون الفاعل ل «ترك» «الوالدان» وكأنه لما أبهم في قوله: وجعلنا لكل إنسان موالي، بيد أن ذلك الإنسان الذي جعل له ورثة هو الوالدان والأقربون، فأولئك الوراث يرثون مما ترك والداهم وأقربوهم، ويكون الوالدان والأقربون موروثين، وعلى هذين الوجهين لا يكون في «جعلنا» مضمر محذوف، ويكون مفعول «جعلنا» لفظ «موالي»، والكلام جملتان. ولعل فك الطلاسم أسهل من هذه الوجوه المتداخلة، فالكلام معجز، والقواعد جاءت تابعة للغة. فهي مهما امتدت وتوسعت لا تعم ولا تشمل جميع تراكيبها.
رأي وجيه للشوكاني:
وبعد كتابة ما تقدم وقعت على رأي وجيه للشوكاني، فأحببت أن أختتم به البحث عن هذه الآية العجيبة، قال: «أي جعلنا لكل إنسان ورثة موالي يلون ميراثه، «لكل» مفعول ثان قدم على الفعل لتأكيد الشمول، وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها، أي ليتبع كل أحد ما قسم الله له من الميراث ولا يتمن ما فضل الله له غيره عليه.
ولكنها مبتسرة ظاهرة التلفيق، كأنما ضاق ذرعا بعد ما حام حول الحمى، ولم يقع فيه، وكلام الله أوسع من أن تحدّه الحدود، أو تكتنه مطاويه الأذهان فتأمل..
[سورة النساء (٤) :الآيات ٣٥ الى ٣٦]
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥) وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (٣٦)
اللغة:
(الشقاق) :الخلاف. وسمي الخلاف شقاقا لأن المخالف يفعل ما يشقّ على صاحبه، أو لأن كل واحد منهما قد صار في شق، أي جانب.
(الْجُنُبِ) بضمتين: البعيد الجوار والأجنبي ويستوي فيه المذكر وللمؤنث والمفرد والمثنى والجمع، قال:
(الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) بفتح الجيم وسكون النون هو الرفيق في أمر حسن كتعلم وتصرف وصناعة وسفر، فإنه صاحبك، وهو بجانبك دائما.
(ابْنِ السَّبِيلِ) :المسافر والمنقطع في سفره.
(المختال) :التّيّاه المتكبّر، وأصل ألفه ياء، ومنه الخيل لأنها تختال في مشيتها مرحا.
الإعراب:
(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما) كلام مستأنف مسوق لمخاطبة أولي الأمر بشأن الخلاف بين الزوجين. وإن شرطية وخفتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وشقاق مفعول به وبينهما مضاف إليه أضيف الشقاق الى الظرف على طريق الاتساع، وأصله: شقاقا بينهما، فأضيف على حدّ قوله: «بل مكر الليل والنهار» وأصله: بل مكر في الليل والنهار، أو على أن جعل البين شاقا، والليل والنهار ما كرين، على حدّ قولهم: نهارك صائر والضمير في بينهما للزوجين وإن لم يجر لهما ذكر لجري ذكر ما يدل عليهما وهو الرجال والنساء (فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها) الفاء رابطة لجواب الشرط وابعثوا فعل أمر وفاعل والجملة في محل جزم جواب الشرط وحكما مفعول به ومن أهله جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة، وحكما من أهلها عطف على ما تقدم (إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما) الجملة مستأنفة وإن شرطية ويريدا فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والألف فاعل وإصلاحا مفعول به ويوفق الله جواب الشرط والجملة لا محل لها وبينهما ظرف متعلق
بيوفق (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً) ان واسمها، وجملة كان واسمها وخبريها خبر إن والجملة تعليلية لا محل لها. (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) الواو استئنافية والكلام مستأنف مسوق لبيان حقوق الأبوين والأقارب والجيران وما الى ذلك. واعبدوا فعل أمر والواو فاعله والله مفعوله ولا تشركوا عطف على ما تقدم وبه متعلقان بتشركوا وشيئا مفعول به أي شيئا من الأشياء أو مفعول مطلق أي شيئا من الإشراك (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) الواو عاطفة وبالوالدين جار ومجرور متعلقان بفعل المصدر المحذوف وإحسانا مفعول مطلق أي أحسنوا بهما إحسانا (وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) كلها معطوفة وبالجنب متعلقان بمحذوف حال (وَابْنِ السَّبِيلِ) عطف أيضا (وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) ما اسم موصول معطوف على ما تقدم وجملة ملكت أيمانكم صلة الموصول (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً) إن واسمها، وجملة لا يحبّ خبرها ومن اسم موصول مفعول به وجملة كان صلة واسم كان مستتر ومختالا خبر كان الاول وفخورا خبرها الثاني.
الفوائد:
لم يأت في الشرع ما يفيد أن الجار هو الذي بينه وبين جاره مقدار معيّن، ولا ورد في لغة العرب ما يفيد ذلك، بل المراد بالجار في اللغة المجاور ويطلق على معان: منها الجار والمجرور والذي أجرته من أن يظلم، والمجير والمستجير والشريك في التجارة، وزوج المرأة وهي جارته، وفرج المرأة، وما قرب من المنازل، والاست. وروي أن رجلا جاء الى النبي ﷺ فقال: إني نزلت محلة قوم، وإن أقربهم إليّ جوارا أشدهم لي
أذى، فبعث النبي أبا بكر وعمر وعليّا يصيحون على أبواب المساجد:
ألا إن أربعين دارا جار، ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه.
وقرىء والجار ذا القربى نصبا على الاختصاص تنبيها على عظم حقه.
[سورة النساء (٤) :آية ٣٧]
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (٣٧)
اللغة:
(البخل) معروف. وفيه أربع لغات: فتح الباء والخاء، وضمهما، وفتح الباء وسكون الخاء، وضم الباء وسكون الخاء، وهي أشهرها، وبها قرأ جمهور الناس. وقرىء أيضا باللغات الثلاث الآنفة الذكر.
الإعراب:
(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) كلام مستأنف مسوق للنهي عن البخل وذمه. والذين مبتدأ خبره محذوف تقديره: جديرون بكل ذم وملامة. ولك أن تعربه خبرا لمبتدأ محذوف أي: هم الذين.
وقيل: هي بدل من «من كان» فتدخل في نطاق ما قبلها وقيل في محل نصب على الذم فهو مفعول به لفعل محذوف تقديره: أذم وجملة يبخلون صلة الموصول ويأمرون الناس عطف على يبخلون وبالبخل متعلقان بيأمرون. (وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) الواو عاطفة
ويكتمون عطف على يبخلون والواو فاعله وما مفعوله وجملة آتاهم الله صلة ومن فضله متعلقان بآتاهم (وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً) الواو استئنافية وأعتدنا فعل وفاعل وللكافرين. جار ومجرور متعلقان بأعتدنا وعذابا مفعول به ومهينا صفة.
البلاغة:
في قوله «للكافرين» وضع الظاهر موضع المضمر للتنويه بأن من كان هذا ديدنه فهو كافر بنعمة الله، ومن كان كافرا بنعمته تعالى فله عذاب يسمه بالميسم الذي يتسم به الكفار. وقد ألمع الى هذا الميسم شعراؤنا، فقال بشار بن برد:
لا يجتوينا مجاور أبدا ذو رحم أو مجاور جنب
وللبخيل على أمواله علل زرق العيون عليها أوجه سود
وللزمخشري نثر جميل في وصف البخل نقتبس منه الفقرات التالية: «ولقد رأينا ممن بلي بداء البخل من إذا طرق سمعه أن أحدا جاد على أحد شخص به وحل حبوته واضطرب ودارت عيناه في رأسه كأنما نهب رحله، وكسرت خزانته، ضجرا من ذلك، وحسرة على وجوده».
[سورة النساء (٤) :آية ٣٨]
وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٨)
اللغة:
(الرئاء) والرياء: الإنفاق للتباهي والتفاخر.
الإعراب:
(وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ) الواو عاطفة والذين عطف على الذين السابقة وجملة ينفقون صلة الموصول وأموالهم مفعول به ورئاء الناس حال مؤولة أي مرائين ويجوز أن يعرب مفعولا من أجله، أي: ليقال: ما أسخاهم! وهو أظهر من الحال، وقد توفرت فيه شروط النصب (وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) عطف على ما تقدم وسيأتي سر تكرير لا في باب البلاغة (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ ويكن فعل الشرط وله متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة ل «قرينا» وقرينا خبر يكن (فَساءَ قَرِيناً) الفاء رابطة لجواب الشرط، لأن ساء هنا فعل ماض جامد لإنشاء الذم والفاعل ضمير مستتر تقديره «هو» وقرينا تمييز مفسر للفاعل، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: «هو» العائد على: «الشيطان».
والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر «من».
البلاغة:
في تكرير «لا» النافية فن التكرير، وكذلك الباء للإشعار بأن كلّا منهما منتف على حدته. فاذا قلت: لا أكرم زيدا وعمرا، كان الكلام محتملا نفي الكرم عن المجموع، ولا يلزم منه نفي الكرم عن كل واحد منهما، واحتمل نفيه عنهما معا. فاذا قلت: «ولا عمرا» تعين نفي الكرم عنهما معا.

[سورة النساء (٤) :الآيات ٣٩ الى ٤٠]

وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠)
اللغة:
(المثقال) :ما يوزن به ثقيلا كان أو كثيرا. ومثقال الشيء وزنه أو ميزانه، والجمع مثاقيل. والمثقال عرفا يساوي درهما ونصف درهم، وربما زاد على ذلك أو نقص شيئا.
الإعراب:
(وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الواو استئنافية وماذا تقدم القول: إن لنا في إعرابها وجهين، أحدهما: أن تجعل «ما» استفهامية في محل رفع مبتدأ و «ذا» موصولية هنا خاصة خبر «ما»، وعندئذ يكون «عليهم» متعلقين بمحذوف صلة الموصول. وثانيهما:
أن تجعل ماذا كلها اسما للاستفهام مبتدأ وعليهم متعلقان بمحذوف خبر. والمراد بالاستفهام هنا التوبيخ والذّم والإنكار. ولو شرطية وآمنوا فعل الشرط والجواب محذوف والتقدير فماذا يضرهم ذلك؟
وهو تركيب متداول تقول للمنتقم: ما ضرّك لو عفوت؟ وللعاق:
ما يرزؤك لو كنت بارا بوالديك؟ وقد علم أنه لا مضرّة ولا مرزأة
في العفو والبر، ولكنه لمحض التوبيخ والذّم. ويجوز أن تكون «لو» مصدرية والمصدر المؤول من «لو» والفعل منصوب بنزع الخافض أي: وماذا عليهم في إيمانهم. وبالله متعلقان بآمنوا واليوم عطف على لفظ الجلالة والآخر صفة (وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ) عطف على آمنوا ومما متعلقان بأنفقوا وجملة رزقهم الله صلة الموصول (وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً) الواو استئنافية وكان واسمها وبهم جار ومجرور متعلقان بعليما وعليما خبر كان (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) كلام مستأنف مسوق ليكون توطئة لذكر الجزاء على الحسنات والسيئات. وان واسمها، وجملة لا يظلم خبرها ومثقال ذرة صفة لمصدر محذوف أي: ظلما مثقال ذرة.
وقيل: ضمن «يظلم» معنى فعل يتعدى لاثنين، فانتصب «مثقال» على أنه مفعول به ثان، والثاني محذوف، والتقدير: لا ينقص أو لا يبخس أحدا مثقال ذرة. والأول أسهل وأقل تكلفا (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها) الواو عاطفة وإن شرطية وتك فعل الشرط وعلامة جزمه السكون المقدر على النون المحذوفة من مضارع كان المجزوم للتخفيف، وقد تقدم بحثه. واسم تك يعود الى المثقال، وأنثه لأنه أضيف الى ذرة وقد تقدم بحثه. وحسنة خبر «تك» ويضاعفها جواب الشرط والهاء مفعول به (وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً) ويؤت عطف على يضاعفها ومن لدنه جار ومجرور متعلقان بيؤت أو بمحذوف حال لتقدمه على الموصوف وأجرا مفعول به وعظيما صفة.
[سورة النساء (٤) :الآيات ٤١ الى ٤٢]
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (٤٢)
الإعراب:
(فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) الفاء استئنافية وكيف اسم استفهام، وهي في مثل هذا التركيب تحتمل وجهين لا ثالث لهما، وهما أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف، أي: كيف حالهم؟ وثانيهما أن تكون حالا من محذوف، أي: كيف يصنعون؟ وإذا ظرف زمان متعلق بهذا المحذوف وجملة جئنا في محل جر بالإضافة ومن كل متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة لشهيد وتقدمت عليه، وبشهيد متعلقان بجئنا. وهناك وجه ثالث حكاه ابن عطية عن مكّيّ، وهو أن «كيف» معمولة لجئنا، (وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) الواو عاطفة وجئنا فعل وفاعل وهما عطف على جئنا الاولى ولك جار ومجرور متعلقان بجئنا وعلى هؤلاء متعلقان ب «شهيدا» وشهيدا حال (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) الظرف متعلق بيودّ وإذ ظرف مضاف الى الظرف والظرف والتنوين عوض جملة، والتقدير: يوم إذ جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يود الذين كفروا. وجملة يود مستأنفة وجملة كفروا صلة (وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) الواو عاطفة وعصوا الرسول عطف على كفروا ولو مصدرية بعد فعل الودادة مؤولة مع ما بعدها بمصدر مفعول به ليود، أي يتمنون تسوية الأرض بهم بحيث يدفنون فيها، والأرض نائب فاعل لتسوى (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً) عطف على «يود» ويجوز أن تكون للاستئناف ويكتمون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون والله منصوب بنزع الخافض وحديثا مفعول به، أي: لا يكتمون عن الله حديثا. وأجاز قوم أن يكون لفظ الجلالة مفعولا به ليكتمون، لأنه في رأيهم يتعدى لاثنين.
الفوائد:
التنوين اللاحق بالظروف المضافة مثل: يومئذ وحينئذ وعندئذ، يسمى نون التعويض، لأنه عوض عن جملة كما رأيت في باب الإعراب، فيلتقي ساكنان ذال «إذ» والتنوين، فتكسر الذال على أصل التقاء الساكنين، وليست هذه الكسرة كسرة إعراب، لأن «إذ» ملازمة للبناء، وليست الاضافة في «يومئذ» ونحوها من إضافة أحد المترادفين، بل من إضافة الأعمّ إلى الأخص، كشجر أراك.
[سورة النساء (٤) :آية ٤٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣)
اللغة:
(جُنُباً) معروف، ويستوي فيه المذكر والمؤنث، والمفرد والمثنى والجمع، لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب، وهذا هو المشهور في اللغة والفصيح، وبه جاء القرآن. وقد جمعوه جمع سلامة بالواو والنون رفعا وبالياء والنون نصبا وجرا، فقالوا: قوم جنبون، وجمع تكسير فقالوا: قوم أجناب، وأما تثنية فقالوا: جنبان.
(الْغائِطِ) :في الأصل البطن الواسع من الأرض المطمئن. وكان الرجل إذا أراد قضاء حاجة أتى غائطا من الأرض، فقيل لكل من أحدث:
تغوّط، استحياء من ذكر الحدث.
(الصعيد) :التراب: والتيمم بالصعيد أصله التعمد، يقال:
تيمّمتك وتأمّمتك وأممتك، ثم كثر استعمالهم لهذه الكلمة حتى صار التيمم مسح الوجه واليدين بالتراب. والأصل في ذلك كله وجه الأرض الخالية من النبات والغروس والبناء المستوية، ومنه قول ذي الرمّة:
كأنه بالضحى ترمي الصعيد به دبابة في عظام الرأس خرطوم
يعني ترمي به وجه الأرض.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم اعراب نظائرها (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) كلام مستأنف مسوق للنهي عن الصلاة في حال السكر، ولا ناهية وتقربوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والصلاة مفعول به وأنتم الواو للحال وأنتم مبتدأ وسكارى خبره (حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ) حتى حرف غاية وجر وتعلموا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى وما اسم موصول مفعول به، ويجوز أن تكون ما مصدرية والمصدر المؤول مفعول به. وأن وما بعدها في تأويل مصدر مجرور بحتى والجار والمجرور متعلقان بتقربوا (وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) عطف على قوله وأنتم سكارى، فانها جملة محلها النصب على الحال من فاعل تقربوا، كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة سكارى
ولا جنبا. وإلا أداة حصر عابري سبيل استثناء من عامة أحوال المخاطبين، فهو منصوب على الحالية، وجمع بين الحالين للدلالة على أن هناك حالين، كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة إلا ومعكم حال أخرى تعذرون فيها وهي السفر، وعبور السبيل عبارة عن السفر، و «حتى تغتسلوا» مثل: «حتى تعلموا» فهي متعلقة بفعل النهي (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ)
الواو عاطفة وإن شرطية وكنتم كان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها ومرضى خبرها وأو حرف عطف وعلى سفر الجار والمجرور في محل نصب عطفا على مرضى (أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ) أو حرف عطف وجاء معطوف على ما تقدم وأحد فاعل ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لأحد ومن الغائط متعلقان بجاء (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) عطف أيضا فالداخلون في حكم الشرط أربعة، وسيأتي مزيد من البيان حول هذه الاحكام في سورة المائدة، وهم المرضى والمسافرون والمحدثون وأهل الجنابة (فَلَمْ تَجِدُوا ماءً) الفاء عاطفة والجملة عطف على كنتم (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) الفاء رابطة لجواب الشرط وتيمموا فعل أمر والواو فاعل وصعيدا مفعول به وطيبا صفة وجملة فتيمموا في محل جزم جواب الشرط (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) الفاء عاطفة وامسحوا عطف على تيمموا وبوجوهكم متعلقان بامسحوا. حكى سيبويه: مسحت رأسه وبرأسه. وأيديكم عطف على وجوهكم. وقال بعض النحاة: الباء للتبعيض، وجعلوا منه قوله تعالى: «عينا يشرب بها عباد الله»، وقول عمر بن أبي ربيعة:
فلثمت فاها آخذا بقرونها شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
وقال آخرون: هي للاستعانة. وكل ذلك سائغ (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً) إن واسمها، وكان واسمها وخبراها خبر ان.
البلاغة:
١- الكناية بقوله: من الغائط، فقد كنّى عما يستهجن ذكره.
وبالملامسة عن الجماع، في أحد القولين. وسيرد هذا مفصلا في المائدة.
٢- الالتفات في قوله: «أو جاء أحد» فقد التفت من الخطاب الى الغيبة، لأنه كناية عما يستحيا من ذكره، فلم يخاطبهم به. وهذا من محاسن الكلام.
[سورة النساء (٤) :الآيات ٤٤ الى ٤٦]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (٤٦)
اللغة:
(هادُوا) :رجعوا، والمراد بهم أحبار اليهود.
(الكلم) :جمع كلمة، وتحريف الكلم بمعنى إحالته عن مواضعه وإزالته، لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلما غيره فقد أمالوه عن مواضعه التي وضعه الله فيها.
(راعِنا) :قيل: هي عربية، ومعناها انتظرنا وارقبنا، وقيل هي كلمة شبه عبرية أو سريانية كانوا يتسابّون بها، وهي: راعينا وفي هذا منتهى النذالة والخسة أن تسبّ غيرك بلسان لا يعرفه.
(لَيًّا) :فتلا بألسنتهم وصرفا للكلام عن نهجه الأصلي الى السب والشتم. وكان اليهود يقولون لأصحابهم: إنما نشتمه ولا يعرف، ولو كان نبيا لعرف ذلك. فأطلعه تعالى على ما يجمجمون به وما ينم على الخبث وسوء الطوية.
الإعراب:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ) كلام مستأنف مسوق لتحذير المؤمنين من موالاة اليهود. والهمزة للاستفهام ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم والرؤية هنا قلبية بمعنى العلم. وعدّي بإلى، بمعنى: ألم ينته علمك إليهم، أو بصرية بمعنى ألم تنظر إليهم فإنهم جديرون بأن تشاهدهم وتدرجهم في حيز الأمور المرئية، وجملة أوتوا صلة والواو نائب فاعل ونصيبا مفعول به ثان ومن الكتاب جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ل «نصيبا» (يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ) جملة يشترون مفعول به ل «تر» إن كانت قلبية، وحال إن كانت بصرية، والواو فاعل والضلالة مفعول به. ومعنى اشتراء الضلالة استبدالها بعد وضوح
الآيات المبينة. وقد تقدم القول في اشتراء الضلالة. ويريدون عطف على يشترون وأن وما في حيزها مصدر مؤول مفعول به ليريدون والسبيل مفعول تضلوا (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ) الواو حالية والله مبتدأ وأعلم خبر وبأعدائكم متعلقان بأعلم والجملة في محل نصب حال (وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً) تقدم القول في كفى وزيادة الباء في فاعلها أو مفعولها، وهنا زيدت في الفاعل، ووليا ونصيرا تمييزان أو حالان. (مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ) كلام مستأنف مسوق لإيراد صورة خسيسة عن اليهود أثناء محاورتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم. والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم لمبتدأ محذوف نابت عنه صفته، وهي جملة «يحرفون الكلم» والتقدير:
من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم. وقيل: من الذين هادوا خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: هم من الذين هادوا، وجملة يحرفون حال من ضمير هادوا. وقيل «من الذين» حال من «أعدائكم» مبينة له، وما بينهما اعتراض، والأول أرجح. وسيرد لابن هشام رأي واضح.
(عَنْ مَواضِعِهِ) متعلقان بيحرفون (وَيَقُولُونَ: سَمِعْنا وَعَصَيْنا) جملة يقولون عطف على يحرفون وجملة سمعنا مقول القول وجملة وعصينا عطف على جملة سمعنا (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) عطف على سمعنا منتظم في ضمن مقولهم: أي ويقولون ذلك أثناء مخاطبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وغير مسمع، حال من المخاطب. وهذه الكلمة من الكلام الموجه لما سيأتي في باب البلاغة (وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ) عطف على اسمع، وليا بألسنتهم نصب على الحال أو مفعول لأجله أو مفعول مطلق وطعنا عطف على «ليا» وفي الدين متعلقان بطعنا (وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا) الواو حالية أو استئنافية والجملة حالية أو مستأنفة ولو شرطية وأن وما بعدها فاعل لفعل
محذوف أي: لو ثبت قولهم، وجملة قالوا خبر أن وجملتا سمعنا وأطعنا من مقول قولهم (وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا) عطف على المقول منتظم في ضمنه. ومعنى انظرنا أي انظر إلينا، بدل راعنا المنطوية على الخسة كما تقدم في باب اللغة (لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ) اللام رابطة لجواب لو وكان فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو وخيرا خبرها ولهم متعلقان بخيرا وأقوم عطف على «خيرا» (وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) الواو حالية ولكن حرف استدراك مخفف مهمل ولعنهم الله فعل ومفعول به وفاعل والفاء عاطفة ولا نافية ويؤمنون فعل مضارع مرفوع وإلا أداة حصر وقليلا صفة مفعول مطلق أي: إلا إيمانا قليلا. ويجوز أن يكون: قليلا منهم، فيكون مستثنى من الواو في يؤمنون.
البلاغة:
اشتملت هذه الآية على فن فريد نسميه: الإبهام أو الكلام الموجه أو المحتمل للضدين، وهو الإتيان بكلام يحتمل معنيين متضادين بحيث لا يتميز أحدهما من الآخر، وهو قوله: «واسمع غير مسمع» فهو ذو وجهين:
١- وجه يحتمل الذم: أي استمع منا مدعوا عليك بلا سمعت، أي: أصابك الله بالصمم الموت. ولعله هو المراد هنا لما انطووا عليه من خسة.
٢- ووجه يحتمل المدح: أي اسمع غير مسمع مكروها. ومن هذا الكلام الذي هو أشبه بأخذة السحر لا يملك معها البليغ أن يأخذ
أو يدع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» فهو يشتمل على معنيين متضادين، أحدهما: أن المراد به المدح، أي:
إذا لم تفعل فعلا يستحيا منه فافعل ما شئت، لأنك آمن من مغبته.
والآخر أن المراد به الذم، أي: إذا لم يكن لك حياء يردعك عن فعل ما يستحيا منه فافعل ما شئت، لأنك بلغت أدنى دركات المهانة.
وهذان معنييان ضدان، أحدهما مدح والآخر ذم.
الكلام الموجه في شعر أبي الطيب المتنبي:
وهنا يحسن بنا أن ندرج فصلا من روائع أبي الطيب المتنبي في أماديحه لكافور، فقد كان يتعمّد هذا اللون من الكلام كقوله من قصيدة فيه، أولها:
عدوّك مذموم بكلّ لسان ولو كان من أعدائك القمران
ولله سرّ في علاك وإنما كلام العدا ضرب من الهذيان
ثم قال بعد ذلك:
فمالك تعنى بالأسنّة والقنا وجدّك طعّان بغير لسان؟
فإن هذا الكلام أشبه بالذم منه بالمدح، لأنه يقول: لم تبلغ ما بلغته بسعيك واهتمامك بل بحظّ وسعادة، وهذا لا فضل لك فيه، لأنه إذا كان حظه هو السبب في تقدمه فما قيمته؟ وما شأنه؟ وما أهون أمره!! وما أقل خطره!! ولأن السعادة قد تنال الخامل والجاهل ومن لا يستحقها. وقد كان أبو الطيب يجنح الى استعمال هذا الضرب من القول في قصائده الكافوريات.
وحكى أبو الفتح بن جنّي قال: قرأت على أبي الطيب ديوانه الى أن وصلت الى قصيدته التي أولها: أغالب فيك الشوق والشوق أغلب، فأتيت منها على هذا البيت وهو:
وما طربي لما رأيتك بدعة... لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب
فقلت له: يا أبا الطيب، ما زدت على أن جعلته أبا زنة! وهي كنية القرد، فضحك.
نماذج من الإبهام:
ومن طريف الإبهام ما يحكى من أن بعض الشعراء هنأ الحسن ابن سهل باتصال بنته بوران بالمأمون مع من هنأه من الشعراء، فأثاب الناس كلهم وحرمه. فكتب إليه: إن تماديت في حرماني عملت فيك بيتا لا يعلم أحد أمدحتك فيه أم هجوتك؟ فأحضره وقال له:
لا أعطيك أو تفعل. فقال:
بارك الله للحسن... ولبوران في الختن
يا إمام الهدى ظفر... ت ولكن ببنت من؟
فلم يعلم أراد بقوله: بنت من؟ في العظمة أم في الدناءة؟
فاستحسن الحسن منه ذلك وسأله هل ابتكرت ذلك؟ فقال: لا بل نقلته من شعر بشار بن برد، اتفق أنه فصل قباء عند خياط أعور اسمه زيد، فقال له الخياط: على سبيل العبث به: سآتيك به لا تدري أهو قباء أم جبة؟ فقال له بشار: إن فعلت ذلك لأنظمن فيك بيتا لا يعلم أحد ممن سمعه أدعوت لك أم دعوت عليك؟ فلما خاطه قال بشار:
خاط لي زيد قباء... ليت عينيه سواء
فما علم أحد أن العين الصحيحة تساوي العوراء أو العكس.
والحديث في الإبهام يطول، وسيرد المزيد منه في هذا الكتاب العجيب.
الفوائد:
أورد ابن هشام في المغني شاهدا على الاعتراض بأكثر من جملتين، قال بعد أن أورد الآيتين الآنفتين: إن قدّر «الذين هادوا» بيانا للذين أوتوا وتخصيصا لهم، إذا كان اللفظ عاما في اليهود. والمعترض به على هذا التقدير جملتان، وعلى التقدير الأول ثلاث جمل، وهي: والله أعلم. وكفى بالله، مرتين، وأما «يشترون» و «يريدون» فجملتا تفسير لمقدر، إذ المعنى: ألم تر الى قصة الذين أوتو، وإن علقت «من» ب «نصير» مثل ونصرناه من القوم، أو بخبر محذوف على أن «يحرفون» صفة لمبتدأ محذوف، أي قوم يحرفون، كقولهم: منا ظعن ومنا أقام، أي: منا فريق، فلا اعتراض البتة.
[سورة النساء (٤) :آية ٤٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (٤٧)
اللغة:
(نَطْمِسَ وُجُوهاً) :نمحو تخطيط معالمها وصورها.
(عَلى أَدْبارِها) أي نجعلها كالأفقاء، كاللوح المنصوب الباهت حتى لا تبين ولا تتضح لرائيها.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) تقدم إعرابه (آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ) كلام مستأنف مسوق للتحذير مما أعدّ لليهود بعد تحريفهم الكلم من مسخ وتشويه. وآمنوا فعل أمر مبني على حذف النون لأن مضارعه من الافعال الخمسة وبما متعلقان بآمنوا وجملة نزلنا صلة الموصول ومصدقا حال ولما متعلقان بمصدقا ومعكم ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول، أي: مصدقا للذي استقر معكم (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها) من قبل جار ومجرور متعلقان بآمنوا وأن نطمس مصدر مؤول في محل جر بالاضافة ووجوها مفعول به فنردها: الفاء حرف عطف ونردها عطف على نطمس منصوب مثله والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به وعلى أدبارها جار ومجرور متعلقان بمحذوف في موضع المفعول الثاني لنردها، وقيل بمحذوف حال. ولا أرى داعيا لذلك الإعراب (أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ) أو حرف عطف ونلعنهم عطف على «نطمس وجوها» أو «نردها» وذكر الضمير وجمعه جمع العقلاء لأنه أرجعه الى أصحاب الوجوه كما سيأتي في باب البلاغة. وكما لعنا متعلقان بمحذوف مفعول مطلق. وقد تقدمت له نظائر. وما مصدرية ونا ضمير متصل في محل رفع فاعل ل «لعن» والمصدر المؤول في محل نصب مفعول مطلق أو حال وأصحاب السبت مفعول (وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) الواو استئنافية أو حالية وكان واسمها وخبرها، والجملة لا محل لها أو في محل نصب حال.
البلاغة:
١- في هذه الآية مجاز مرسل بذكر الوجوه وإرادة أصحابها، والعلاقة الكلية.
٢- الإبهام في تنكير الوجوه، تلطفا بالمخاطبين، وتهويلّا للأمر العظيم الذي يثير الخوف، وقد اختلفوا في معنى التهديد وما المراد به في الآية، هل هو حقيقة فيجعل الوجه كالقفا، ويذهب الأنف والحاجب والعين والأذن، وتلك ظلمات بعضها فوق بعض، أم المراد سلبهم التوفيق وحرمانهم اللطف؟ ذهب الى الاول قوم، والى الآخر آخرون، وانظر المطولات.
[سورة النساء (٤) :الآيات ٤٨ الى ٥٠]
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (٥٠)
اللغة:
(يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ) :يصفونها بزكاة العمل والطاعة، وزيادة العبادة والإخلاص.
(فَتِيلًا) الفتيل: السّحاة في شقّ النّواة، وما فتلته بين أصابعك من الوسخ. يقال: ما أغنى عنك فتيلا أي: شيئا بقدر الفتيل. وقد ضربت العرب المثل في القلة بأربعة أشياء اجتمعت في النواة، وهي الفتيل والنقير وهو النقرة التي في ظهر النواة، والقطمير وهو القشر الرقيق فوقها، وهذه الثلاثة واردة في القرآن الكريم، والرابع هو اليعروف وهو ما بين النواة والقمع الذي يكون في رأس الثمرة كالعلاقة بينهما.
الإعراب:
(إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) كلام مستأنف مسوق لبيان ما تستحيل المغفرة بدونه. وإن واسمها، وجملة لا يغفر خبرها وأن وما في حيزها مصدر مؤول في محل نصب مفعول به ليغفر وبه متعلقان بيشرك. وذكر الفراء في كتابه معاني القرآن أنه منصوب بنزع الخافض الذي كان يخفضها لو كان ظاهرا، وعلى كل حال فالجار والمجرور متعلقان بيغفر (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) الواو عاطفة ويغفر معطوف على المنفي فهو مثبت، والأحسن أن تكون استئنافية ويغفر مستأنف مرفوع دفعا للالتباس، وما اسم موصول مفعول به ودون ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول وذلك مضاف إليه والاشارة للاشراك المفهوم من يشرك ولمن متعلقان بيغفر وجملة يشاء لا محل لها لأنها صلة الموصول (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ ويشرك فعل الشرط وبالله متعلقان بيشرك فقد الفاء رابطة للجواب وقد حرف تحقيق وافترى فعل ماض وإثما مفعول به وعظيما صفة والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب
الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ) كلام مستأنف مسوق للتعجب من ادعائهم أنهم أزكياء عند الله مع ما هم متلبسون به من الكفر، حيث قال اليهود: نحن أحباء الله. والهمزة للاستفهام التعجبي ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم والى الذين متعلقان بتر وجملة يزكون أنفسهم صلة الموصول (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ) بل حرف إضراب وعطف والله مبتدأ وجملة يزكي خبره ومن اسم موصول مفعول به وجملة يشاء صلة الموصول (وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) الواو عاطفة ولا نافية ويظلمون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وهو معطوف على محذوف تقديره: فهم يثابون ولا يظلمون، وفتيلا نائب مفعول مطلق أي ظلما بقدر الفتيل، فهو مثل مثقال ذرة. ويجوز أن يعرب مفعولا ثانيا على تضمين يظلمون معنى ينقصون. وقد تقدم هذا الإعراب في مثقال ذرة (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) الجملة مستأنفة وانظر فعل أمر وكيف اسم استفهام في محل نصب حال أو مفعول مطلق ولعل الثاني أرجح، ويفترون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وجملة الاستفهام في محل نصب مفعول انظر، لأن انظر متعلقة بالاستفهام، وعلى الله متعلقان بيفترون والكذب مفعول به أو مفعول مطلق لأنه مرادف العامل يفترون، فالكذب والافتراء من واد واحد (وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً) الواو استئنافية وكفى فعل وبه الباء حرف جر زائد والهاء مفعول كفى محلا والفاعل ضمير مستتر مفسر بنكرة وهو قوله إثما فإثما تمييز ومبينا صفة.

[سورة النساء (٤) :الآيات ٥١ الى ٥٤]

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤)
اللغة:
(الجبت) :الصنم، وكل ما عبد من دون الله.
(الطاغوت) :الساحر. وقد نسجت حولهما أساطير كثيرة تجدها في المطولات.
الإعراب:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ) كلام مستأنف مسوق للحديث عن كعب بن الأشرف وغيره من اليهود، عند ما قدموا مكة، وشاهدوا قتلى بدر، وحرضوا المشركين على الأخذ بثأرهم، ومحاربة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم اعراب نظائره قريبا. ونصيبا مفعول أوتوا الثاني ومن الكتاب متعلقان بمحذوف صفة لنصيبا (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) جملة يؤمنون حال من «الذين» أو من الواو في أوتوا وإذا كانت الرؤية قلبية فمحلها النصب على أنها
مفعول به ثان ل «تر» العلمية (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) الواو حرف عطف ويقولون عطف على يؤمنون وللذين متعلقان بيقولون وجملة كفروا صلة الموصول (هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا) الجملة في محل نصب مقول قولهم وهؤلاء اسم اشارة مبتدأ وأهدى خبره ومن الذين جار ومجرور متعلقان بأهدى وجملة آمنوا صلة الموصول وسبيلا تمييز (أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ) جملة مستأنفة لبيان حالهم وحقيقة أمرهم. وأولئك مبتدأ والذين خبر اسم الاشارة وجملة لعنهم صلة الموصول (وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً)
الواو استئنافية ومن شرطية مفعول به مقدم ليلعن ويلعن فعل الشرط مجزوم وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، وقد سها الجلال رحمه الله فقدر ضميرا منصوبا، وفاته أن لفظ القرآن لا يجوز التلاعب به. والله فاعل والفاء رابطة ولن حرف نفي ونصب واستقبال وتجد فعل مضارع منصوب بلن والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط وله جار ومجرور متعلقان بنصيرا، ونصيرا مفعول به لتجد. وفعل الشرط وجوابه خبر «من».
(أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ) أم عاطفة منقطعة بمعنى بل فهي عطف للإضراب والانتقال من ذمهم بتزكيتهم أنفسهم وغيرها الى ذمهم بشيء آخر، وهو ادعاؤهم بأن لهم نصيبا من الملك. ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ونصيب مبتدأ مؤخر ومن الملك جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لنصيب (فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً) الفاء الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط مقدر، أي: إذا جعل لهم نصيب من الملك فإذن. وإذن حرف جواب وجزاء وقد أهملت لوقوعها بعد حرف العطف على الأفصح كما سيأتي في باب الفوائد، ولا نافية
ويؤتون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل والناس مفعول به أول ونقيرا مفعول به ثان (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) أم حرف عطف وإضراب بمعنى بل، وهي للشروع في الصفة الثانية من قبائحهم، ويحسدون فعل مضارع مرفوع والناس مفعول به وعلى ما آتاهم جار ومجرور متعلقان بيحسدون وجملة آتاهم صلة والله فاعل ومن فضله متعلقان بآتاهم (فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) الفاء تعليلية، كأنها تعليل للانكار والاستقباح، وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وآل ابراهيم مفعول به أول والكتاب مفعول به ثان والحكمة عطف على الكتاب (وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) عطف على ما تقدم.
الفوائد:
(إذا) أحد الأحرف التي تنصب الفعل المضارع بأنفسها، وما عداها فبإضمار أن معها، وهي: أن لن إذن كي. أما إذن فحرف ناصب لاختصاصه ونقله الفعل الى الاستقبال، وهي حرف جواب وجزاء، ولها ثلاثة أحوال:
١- أن تدخل على الفعل في ابتداء الجواب فهذه يجب إعمالها نحو قولك: إذن أكرمك، في جواب: أنا أزورك.
٢- أن يكون ما قبلها واوا أو فاء، فيجوز إعمالها وإلغاؤها باعتبارين مختلفين، وذلك نحو قولك: زيد يقوم وإذن يذهب، فيجوز هاهنا الرفع والنصب باعتبارين مختلفين، وذلك أنك إن عطفت:
«وإذن يذهب» على «يقوم» الذي هو الخبر ألغيت «إذن» من العمل وصار بمنزلة الخبر، لأن ما عطف على شيء صار واقعا موقعه،
فكأنك قلت: «زيد إذن يذهب» فيكون قد اعتمد ما بعدها على ما قبلها لأنه خبر المبتدأ، وإن عطفته على الجملة الأولى كانت الواو كالمستأنفة وصار في ابتداء كلام فأعمل لذلك ونصب به.
٣- وأما الحالة الثالثة فأن تقع متوسطة، معتمدا ما بعدها على ما قبلها، أو كان الفعل فعل حال غير مستقبل، في جواب من قال:
«أنا أزورك أنا إذن أكرمك» فترفع هنا لأن الفعل بعدها معتمد على المبتدأ الذي هو «أنا». وكذلك لو قلت: «إن تكرمني إذن أكرمك» فتجزم لأن الفعل بعد «إذن» معتمد على حرف الشرط.
وهناك تفاصيل يرجع إليها في كتب النحو.
[سورة النساء (٤) :الآيات ٥٥ الى ٥٦]
فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦)
الإعراب:
(فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ) الفاء استئنافية للتفريع ومنهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ومن اسم موصول مبتدأ مؤخّر وجملة آمن صلة الموصول وبه جار ومجرور متعلقان بآمن (وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) عطف على ما تقدم (وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً) الواو استئنافية وكفى فعل ماض والباء حرف زائد وجهنم مجرور بالباء لفظا مرفوع محلا على
أنه فاعل كفى وسعيرا تمييز أو حال (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً) إن واسمها، وجملة كفروا صلة الموصول وبآياتنا متعلقان بكفروا وسوف حرف استقبال ونصليهم فعل مضارع والهاء مفعوله الأول ونارا مفعوله الثاني وجملة سوف نصليهم نارا خبر إن وجملة إن وما في حيزها مستأنفة (كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها) الجملة حال من الضمير المنصوب في «نصليهم» ولك أن تجعلها صفة ل «نارا» ولا بد من تقدير عائد محذوف، أي: كلما نضجت جلودهم فيها. وكلما ظرف زمان متضمن معنى الشرط متعلق ببدلناهم وجملة نضجت جلودهم في محل جر بالاضافة إذا اعتبرت ما زائدة وإن كانت موصولا حرفيا فلا محل لها وجملة بدلناهم لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم. وبدلناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وجلودا مفعول به ثان أو منصوب بنزع الخافض وغيرها صفة لجلودا (لِيَذُوقُوا الْعَذابَ)
اللام للتعليل والجر ويذوقوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل والعذاب مفعوله والجار والمجرور متعلقان ببدلناهم (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً) إن واسمها وجملة كان خبرها واسم كان ضمير مستتر تقديره هو، وعزيزا خبر كان الاول وحكيما خبرها الثاني.
البلاغة:
الاستعارة المكنية التخييلية في قوله «ليذوقوا العذاب» فقد حذف المشبه، واستعار شيئا من لوازمه وهو الذوق، والمراد بالذوق هنا ديمومته، مع ما يصحبه من الاستكراه والألم الذي لا يوصف، ولا مرية في أن استمرار ذوق العذاب مع بقاء الأبدان حية مصونة فيه
ما فيه من استبعاد لكل ما قد يخطر على البال من توهم زوال العذاب وألمه، ناهيك بما لحاسة الذوق من أثر في نفس المحترق بالنار.
[سورة النساء (٤) :آية ٥٧]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧)
اللغة:
(ظليل) :صفة لظل مشتقة منه لتأكيد مضمونه، كما يقال:
ليل أليل، ويوم أيوم، أي: دائما لا تنسخه الشمس، وسجسجا لا حرّ فيه ولا برد.
الإعراب:
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) الواو عاطفة والجملة معطوفة على الذين كفروا لتقرير حال هؤلاء وهؤلاء، كما سيأتي في البلاغة والذين اسم موصول مبتدأ وجملة آمنوا صلة الموصول (سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) جملة «سندخلهم» خبر الذين والهاء مفعول به أول وجنات مفعول به ثان على السعة، وقد تقدمت نظائره، أو منصوب بنزع الخافض وجملة تجري من تحتها الأنهار صفة لجنات وخالدين حال وفيها متعلقان بخالدين وأبدا ظرف متعلق بخالدين أيضا (لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ) الجار والمجرور متعلقان
بمحذوف خبر مقدم وفيها جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وأزواج مبتدأ مؤخر ومطهرة صفة، أي أن هذه الأزواج مطهرة من الاقذار المعروفة في الدنيا كالحيض وغيره. والجملة الاسمية صفة ثانية لجنات.
(وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) الجملة معطوفة، وظلا مفعول به ثان على السعة والمفعول الاول الهاء، وظليلا صفة.
البلاغة:
في عطف «الذين آمنوا» على «الذين كفروا» لف ونشر مشوّش، وقد سبقت الاشارة إليه مع ما في الكلام من مقابلة وتنظير.
[سورة النساء (٤) :آية ٥٨]
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨)
الإعراب:
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها) كلام مستأنف مسوق لتقرير الأمانات بعد أن تقدم إخلال اليهود بها ونقضهم إياها.
وإن واسمها، وجملة يأمركم خبرها وأن وما في حيزها مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض أي: بأن تؤدوا، والجار والمجرور متعلقان بيأمركم أو مفعول به ثان ليأمركم والأمانات مفعول به لتؤدوا وعلامة نصبه الكسرة لأنه جمع مؤنث سالم والى أهلها جار ومجرور متعلقان
بتؤدوا (وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بمحذوف، لأن ما بعد أن المصدرية لا يعمل فيما قبلها، والتقدير يأمركم، وجملة حكمتم في محل جر بالاضافة وبين الناس ظرف متعلق بحكمتم وأن تحكموا مصدر مؤول معطوف على أن تؤدوا، فيكون قد فصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف، وبالعدل متعلقان بتحكموا ولك أن تعلقها بمحذوف حال من فاعل تحكموا أن متلبسين بالعدل (إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ) الجملة مستأنفة مسوقة لتعليل الأمر. ونعما أصلها: نعم وما، ونعم فعل ماض جامد لإنشاء المدح وما نكرة تامة منصوبة على التمييز والفاعل مستتر مميز بنكرة أو «ما» موصولة فهي فاعل نعم وجملة يعظكم به صفة للمخصوص بالمدح وهو محذوف، والتقدير:
نعم الشيء شيئا يعظكم به، وحذف الموصوف على حد قوله: «من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه»، والمعنى: قوم يحرفون الكلم، وقد تقدم هذا قريبا، فجدد به عهدا. وبه متعلقان بيعظكم وجملة نعما خبر إن (إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً) إن واسمها، وجملة كان خبرها وسميعا خبر كان الاول وبصيرا خبره الثاني.
الفوائد:
الأمانة اسم شامل يشمل جميع الحقوق سواء أكانت لله أم للآدمي، وتفصيلاتها مدونة في المطولات. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدّ الأمانة الى من ائتمنك، ولا تخن من خانك.
وروى البغوي بسنده عن أنس قال: ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له».
٢- نعمّا: بكسر النون اتباعا لكسر العين.
[سورة النساء (٤) :آية ٥٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩)
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) كلام مستأنف مسوق لجميع الناس، للأمر بطاعة الولاة وقد تقدم إعراب النداء كثيرا. وأطيعوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به وأطيعوا الرسول عطف على: أطيعوا الله، وأولي الأمر عطف أيضا.
وأولي منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم ومنكم متعلقان بمحذوف حال (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) الفاء استئنافية وإن شرطية وتنازعتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفي شيء متعلقان بتنازعتم فردوه: الفاء رابطة لجواب الشرط وردوه فعل أمر وفاعل ومفعول به والى الله متعلقان بردوه والرسول عطف على الله والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) إن شرطية وكنتم كان الناقصة واسمها، والفعل الماضي في محل جزم فعل الشرط، وجملة تؤمنون في محل نصب خبر كنتم وبالله متعلقان بتؤمنون واليوم عطف على الله والآخر
صفة والجملة الشرطية مستأنفة وجواب الشرط محذوف أي فردوه (ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) الجملة مستأنفة واسم الاشارة مبتدأ وخير خبر وأحسن عطف على خير وتأويلا تمييز والاشارة للردّ.
الفوائد:
في هذه الآية إلماع الى الأدلة الفقهية الأربعة فقوله: «أطيعوا الله» إشارة الى الكتاب، وقوله: «وأطيعوا الرسول» اشارة الى السنة، وقوله: «وأولي الأمر» إشارة الى الإجماع، وقوله: «فإن تنازعتم» إشارة الى القياس.
[سورة النساء (٤) :آية ٦٠]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠)
الإعراب:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) كلام مستأنف مسوق لبيان مكان التعجب من حال هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم أنهم قد جمعوا بين الإيمان بما أنزل على رسول الله، وهو القرآن، وما أنزل على من قبله من الأنبياء، فجاءوا بما يناقض هذه
الدعوى، ويطيح بها من أساسها، وهو إرادتهم التحاكم الى الطاغوت، فجمعوا بين النقيضين، وألّفوا بين الضّدّين. والهمزة للاستفهام التعجبي. ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت والمخاطب هو رسول الله ﷺ والى الذين متعلقان بتر، وقد علق فععل الرؤية إن كانت قلبية وجملة يزعمون صلة الموصول وأنهم: أن واسمها، وجملة آمنوا خبرها وقد سدّت أن واسمها مسدّ مفعولي يزعمون وبما جار ومجرور متعلقان بآمنوا وأنزل فعل ماض مبني للمجهول والجملة صلة وإليك متعلقان بأنزل (وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) الواو عاطفة وما عطف على ما الأولى وجملة أنزل صلة ومن قبلك متعلقان بأنزل أو بمحذوف حال (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) جملة يريدون حالية وأن وما في حيزها مصدر مؤول مفعول به ليريدون والى الطاغوت متعلقان بيتحاكموا (وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) الواو حالية وقد حرف تحقيق وأمروا فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل وأن يكفروا مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض وبه متعلقان بيكفروا (وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً) الواو عاطفة ويريد الشيطان عطف على يريدون وأن يضلهم مصدر مؤول مفعول يريد وضلالا مفعول مطلق وبعيدا صفة.
[سورة النساء (٤) :الآيات ٦١ الى ٦٣]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣)
الإعراب:
(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ) كلام مستأنف مسوق لتكملة مادة التعجب من حالهم. والواو استئنافية وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وهو رأيت وجملة قيل في محل جر بالإضافة ولهم متعلقان بقيل وجملة تعالوا مقول القول والى ما أنزل الله متعلقان بتعالوا وجملة أنزل الله صلة الموصول والى الرسول عطف على قوله: الى ما أنزل الله (رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً) رأيت فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم والمنافقين مفعول به وجملة يصدون حالية إن كانت الرؤية بصرية أو مفعول به ثان إن كانت الرؤية قلبية وعنك متعلقان بيصدون وصدودا مفعول مطلق (فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) الفاء استئنافية وكيف اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال أي فكيف يصنعون؟ أو فكيف تراهم؟ ويجوز أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف أي: فكيف صنعهم أو حالهم؟ وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب المحذوف وجملة أصابتهم في محل جر بالاضافة ومصيبة فاعل وبما متعلقان بأصابتهم ويجوز في ما أن تكون مصدرية، أو موصولية وجملة قدمت أيديهم لا محل لها، وأيديهم فاعل (ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً) ثم جاءوك
عطف على أصابتهم ولا أرى مساغا لصنع بعضهم في عطفها على جملة يصدون كما يرى البيضاوي وجملة يحلفون بالله حالية وإن نافية وأردنا فعل وفاعل وإلا أداة حصر وإحسانا مفعول به وتوفيقا عطف على إحسانا (أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ) الجملة مستأنفة مسوقة لزيادة التنبيه على نفاقهم. وأولئك مبتدأ والذين خبر اسم الاشارة وجملة يعلم الله صلة الموصول وما اسم موصول مفعول به وفي قلوبهم متعلقان بمحذوف صلة الموصول (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً) الفاء الفصيحة وهي التي أفصحت عن شرط مقدر أي:
إذا كانت حالهم كذلك فأعرض عنهم ولا تقبل لهم عذرا، وأعرض فعل أمر وفاعله أنت وعنهم جار ومجرور متعلقان بأعرض والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط محذوف غير جازم وعظهم عطف على أعرض وقل لهم: عطف على أعرض ولهم متعلقان بقل، وفي أنفسهم في متعلق هذا الجار والمجرور ثلاثة أوجه متساوية في الصحة والجودة:
١- إنهما متعلقان ببليغا لأن أمره بتهديدهم بلغ صميم قلوبهم.
وسياق التهديد في قوله: فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم، «ثم جاءوك» يشهد له.
٢- أنهما متعلقان بقل، ومعناه: قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المنطوية على الشرّ قولا بليغا. ويلائمه من السياق قوله: «أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم» من دواخل الغي ونوازع الضلال.
٣- إنهما متعلقان بمحذوف حال أي حالة كون المقول سرا لا يتجاوز نفوسهم ولا يتعدّاها، وتشهد له سيرة النبي صلى الله عليه
وسلم، ويتلاءم مع حرص النبي على الستر والملاينة، رجاء أن يثوبوا الى الرشد ويخلدوا الى الصواب. وقولا مفعول مطلق بليغا صفة أو حال كونا خاليا بهم. والنصيحة في السر أنفع منها في العلانية.
[سورة النساء (٤) :آية ٦٤]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (٦٤)
الإعراب:
(وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ) الواو استئنافية وما نافية وأرسلنا فعل وفاعل ومن حرف جر زائد ورسول مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول أرسلنا (إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) إلا أداة حصر واللام للتعليل ويطاع فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور استثناء مفرغ من أعم العلل أي: وما أرسلنا من رسول لشيء من الأشياء إلا للطاعة، فهو مفعول لأجله ولكنه لم يستوف شروط النصب.
وبإذن الله يجوز في هذا الجار والمجرور أن يتعلق بمحذوف حال، وقيل:
بأرسلنا، وقيل بيطاع. والأوجه الثلاثة متساوية الرجحان (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ) الواو استئنافية ولو شرطية وأن واسمها وما في حيزها مصدر مؤوّل فاعل لفعل محذوف، أي لو ثبت مجيئهم وإذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بجاءوك وجملة ظلموا أنفسهم في محل جر بالإضافة وجملة جاءوك في محل رفع خبر أن (فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ
لَهُمُ الرَّسُولُ)
الفاء عاطفة وجملة استغفروا معطوفة على جاءوك ولفظ الجلالة مفعول به واستغفر لهم الرسول عطف على ما تقدم (لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) اللام واقعة في جواب لو ووجدوا الله فعل وفاعل ومفعول به أول والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وتوابا مفعول به ثان ورحيما صفة لتوابا أو بدل منه.
البلاغة:
في الآية التفات بقوله: «واستغفر لهم الرسول» وسياق الكلام يقتضي أن يقول: واستغفرت لهم، ولكنه عدل عن ذلك للتنويه بالرسول، وليدل عليه دلالة مؤثّرة في قلوبهم، ولاشتماله على ذكر صفة مناسبة، وهي الاستغفار لمن تعاظمت ذنوبهم وتعدّدت آثامهم.
[سورة النساء (٤) :آية ٦٥]
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥)
اللغة:
(شَجَرَ) اختلط مختلفا متداخلا متشابكا، ومنه سمي الشجر لتداخل أغصانه وتشابكها، قال طرفة بن العبد:
وهم الحكّام أرباب الهدى وسعاة الناس في الأمر الشّجر
أي المختلف المتشابك. ومنه: تشاجر الرماح أي اختلافها.
الإعراب:
(فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ) الفاء استئنافية ولا مزيدة لتأكيد القسم والواو حرف قسم وجر والجار والمجرور متعلقان بمحذوف تقديره أقسم، ولا يؤمنون: لا نافية ويؤمنون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وجملة لا يؤمنون لا محل لها لأنها جواب القسم (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ) حتى حرف غاية وجر ويحكموك فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى والواو فاعل والكاف مفعول به والجار والمجرور متعلقان بيؤمنون وفيما جار ومجرور متعلقان بيحكّموك وجملة شجر صلة الموصول وبينهم ظرف مكان متعلق بشجر (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ) ثم حرف عطف للتراخي ولا نافية ويجدوا عطف على يحكموك وفي أنفسهم جار ومجرور متعلقان بيجدوا فهو بمثابة المفعول الثاني وحرجا مفعول به أول ليجدوا ومما متعلقان بمحذوف صفة لحرجا وجملة قضيت صلة الموصول (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) عطف على يجدوا وتسليما مفعول مطلق.
البلاغة:
في هذه الآية مبالغات عديدة، بلغت أسمى مراتب البيان. والغاية منها زيادة الوعيد والتهديد مما ترتعد له الفرائص وترتجف منه الأفئدة. وسنلمع إليها بالتفصيل:
١- فقد أقسم سبحانه أولا بنفسه مؤكدا لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون. والإيمان رأس مال الصالحين من عباد الله حتى تحصل لهم غاية من أشرف الغايات وهي اللجوء الى رسول الله ﷺ وتحكيمه فيما نشب بينهم من خلاف.
٢- ثم لم يكتف سبحانه بذلك حتى قال: «ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت»، فضمّ الى التحكم أمرا آخر وهو عدم وجود أي حرج في صدورهم، فلا يكون مجرد التحكيم والإذعان كافيا بل لا بد أن يكون نابعا من صدورهم، صادرا عن رضا واطمئنان وطيب نفس. وهذا أجمل تصوير للعلاقة التي يجب أن تترسخ بين رسول الله ﷺ والمؤمنين وبين الرئيس والمرءوس، والثقة التي تتأصل في نفوس الشعب لقائدهم وولي أمرهم، ما دام موفقا، سائرا في جوار الاستقامة السليمة.
٣- ثم لم يكتف سبحانه، بهذا كله، بل ضمّ إليه قوله:
ويسلموا أي يذعنوا إذعانا تاما وينقادوا ظاهرا وباطنا لا انقيادا أعمى ولكنه انقياد الواثق المطمئن الى سلامة موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
٤- وضمّ الى «يسلموا» المصدر المؤكد فقال: «تسليما» وهكذا لا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم ولا يجد الحرج في صدره بما قضى عليه والتسليم لحكم الله وشرعه تسليما لا يخالطه رد ولا تشوبه شائبة، فسبحان قائل هذا الكلام! واستمع الى تتمة هذا الفصل في الآية التالية.
الفوائد:
ما ذكرناه في إعراب قوله تعالى: «فلا وربك» هو المختار في رأينا، ونرى تميما للفائدة أن نورد بعض ما قيل فيه، فاعلم أنه كثرت زيادة «لا» مع القسم في القرآن الكريم حيث يكون بالفعل مثل: «فلا
أقسم بمواقع النجوم» «لا أقسم بهذا البلد» «لا أقسم بيوم القيامة» وغيرها. والفائدة منها تأكيد تعظيم المقسم به، ومعلوم أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له فكأنه يقول: إن إعظامي لهذه الأشياء بالقسم كلا إعظام، يعني بذلك أنها بمثابة من التعظيم والفخمية تستأهل أكثر من ذلك، وتستوجب ما فوقه، ومن أمثلته في الشعر قوله:
فلا وأبيك ابنة العامر يّ لا يدعي القوم أني أفرّ
وسيأتي المزيد من بحثه في مواضعه القادمة من هذا الكتاب العجيب، وهناك أقوال للعلماء في هذا التركيب نثبتها لأنها لا تخلو من وجاهة منها:
١- أن «لا» رد لكلام تقديره: فلا يفعلون، أو: ليس الأمر كما يزعمون من أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ثم استأنف القسم بقوله:
وربك لا يؤمنون. فعلى هذا يكون الوقف على «لا» تاما، وقد ارتضاه الطبري، وناهيك به.
٢- والثاني أن «لا» الأولى قدمت على القسم اهتماما بالنفي، ثم كررت توكيدا.
٣- والثالث أن «لا» الثانية زائدة، والقسم معترض بين حرف النفي والمنفي، وكان التقدير فلا يؤمنون وربك فتكون الوجوه فيها أربعة.

[سورة النساء (٤) :الآيات ٦٦ الى ٦٨]

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨)
الإعراب:
(وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) كلام مستأنف مسوق لتوبيخ الذين يتقاعسون عن الاستجابة للرسول وطاعته. والواو استئنافية ولو شرطية وأن وما في حيزها فاعل لفعل محذوف أي لو ثبتت كتابتنا، وقد تقدمت له نظائر، وأن واسمها، وجملة كتبنا خبرها وعليهم متعلقان بكتبنا وأن مصدرية واقتلوا فعل أمر والواو فاعل والمصدر المؤوّل مفعول كتبنا، وقيل: أن مفسرة، لأن كتبنا فيه معنى القول دون حروفه. وأنفسكم مفعول به (أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ) عطف على اقتلوا أنفسكم، ومن دياركم متعلقان باخرجوا (ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) الجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم والضمير في «فعلوه» يعود الى أحد الأمرين أو للمكتوب عليهم، وإلا أداة حصر وقليل بدل من الواو في «فعلوه» لأنه استثناء من كلام تام غير موجب ومنهم متعلقان بمحذوف صفة لقليل، وقرىء بالنصب على الاستثناء منهم (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ) عطف على ما تقدم، وقد تقدم إعراب هذا التركيب قبل قليل. وما اسم موصول مفعول به وجملة يوعظون به صلة الموصول (لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً) اللام واقعة في جواب لو وكان واسمها المستتر، وخيرا خبرها. وأشد عطف على «خيرا» وتثبيتا تمييز (وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً)
الواو عاطفة وإذن حرف جواب وجزاء مهمل لأنه وقع بعد أحد العاطفين، وهما الواو والفاء، وهو جواب لسؤال مقدّر، كأنه قيل: وماذا يكون لهم بعد التثبيت؟ فقيل: وإذن لو ثبتوا ولآتيناهم واللام جواب لو المقدرة وآتيناهم فعل وفاعل ومفعول به ومن لدنا جار ومجرور متعلقان بآتيناهم وأجرا مفعول به وعظيما صفة (وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً) عطف أيضا وصراطا مفعول به ثان أو منصوب بنزع الخافض، وقد تقدمت الاشارة الى ذلك في الفاتحة، ومستقيما صفة.
الفوائد:
صورة من روائع البطولة العربية الاسلامية:
روى التاريخ أن الزبير بن العوّام وحاطب بن أبي بلتعة اختصما الى رسول الله ﷺ في شراج كانا يسقيان بها النخل، وهي مسيل الماء، فقال: اسق يا زبير ثم أرسل الماء الى جارك، فغضب حاطب وقال: لأن كان ابن عمتك؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع الى الجدر واستوف حقك ثم أرسله الى جارك. كان قد أشار على الزبير برأي فيه السعة له ولخصمه، فلما أحفظ رسول الله ﷺ استوعب للزبير حقه في صريح الحكم.
ثم خرجا فمرّا على المقداد فقال له: لمن كان القضاء؟ فقال الأنصاري: قضى لابن عمته، ولوى شدقه. فاستغل يهودي الموقف فقال: يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم! وايم الله لقد أذنبنا ذنبا مرة في حياة موسى فدعانا الى التوبة منه وقال:
اقتلوا أنفسكم، ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفا حتى رضي عنا. فقال ثابت وابن مسعود وعمار بن ياسر: لو أمرنا محمد أن نقتل نفوسنا لقتلناها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن من أمتي الإيمان أثبت في نفوسهم من الجبال الرواسي.
[سورة النساء (٤) :الآيات ٦٩ الى ٧٠]
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (٧٠)
الإعراب:
(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ) كلام مستأنف مسوق لبيان فضل طاعة الله ورسوله. ومن شرطية في محل رفع مبتدأ ويطع الله فعل الشرط والرسول عطف على الله (فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ) الفاء رابطة لجواب الشرط وأولئك مبتدأ ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر والذين اسم موصول مضاف اليه والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط وجملة أنعم الله عليهم صلة الموصول ومن النبيين جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وما بعده عطف على النبيّين (وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً) الواو عاطفة وحسن فعل ماض تضمن معنى المدح والتعجب وأولئك اسم اشارة فاعل ورفيقا تمييز أو حال على رأي الأخفش.
والرفيق يستوي فيه الواحد والجمع ومثله الصديق والخليط (ذلِكَ
الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً)
اسم الاشارة مبتدأ والفضل بدل منه ومن الله متعلقان بمحذوف خبر، ويجوز أن يكون الفضل هو الخبر ومن الله متعلقان بمحذوف حال وجملة الاشارة استئنافية وكفى فعل ماض والباء حرف جر زائد والله فاعل محلا مجرور لفظا وعليما تمييز أو حال، وقد تقدم إعرابه. وجملة كفى استئنافية.
[سورة النساء (٤) :الآيات ٧١ الى ٧٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (٧٢)
اللغة:
(الحذر) بكسر الحاء وسكون الذال أو بفتحتين: التّيقّظ والاحتراز من الأمر المخوف.
(ثُباتٍ) بضم الثاء: الجماعة من الفرسان، ويقال ثبوت أيضا، ووزنها في الأصل فعلة كحطمة، وإنما حذفت منها لامها وعوض عنها تاء التأنيث المربوطة. وهل هو واو أو ياء قولان، وفي كتب اللغة الثبات: جمع ثبة وهي الجماعة من الرجال فوق العشرة، وقيل:
فوق الاثنين. والسرية أقلها مائة وغايتها أربعمائة، ويليها المنسر من أربعمائة الى ثمانمائة، ويليه الجيش من ثمانمائة الى أربعة آلاف،
ويليه الجحفل وهو ما زاد على ذلك. قال زهير يصف جماعة كراما ويمدحهم:
وقد أغدو على ثبة كرام نشاوى واجدين لما نشاء
لهم راح وراووق ومسك تعلّ به جلودهم وماء
أمشي بين قتلى قد أصيبت نفوسهم ولم تقطر دماء
يجرّون البرود وقد تمشّت حميّا الكأس فيهم والغناء
(انفروا) أمر من النفر وهو الفزع، يقال: نفر إليه نفرا من باب ضرب وقعد. وقد قرأ الأعمش: انفروا بضم الفاء في الموضعين.
(يبطئن) بتشديد الطاء زيادة التثاقل والإبطاء والتخلّف عن الجهاد. يقال: بطّأ بالتشديد وأبطأ.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً) كلام مستأنف مسوق لتحذير عسكر الرسول ﷺ من المخاطر التي قد يستهدفون لها إذا لم يأخذوا حذرهم. وقد تقدم اعراب النداء، وخذوا فعل أمر مبني على حذف النون لأن مضارعه من الافعال الخمسة والواو فاعل وحذركم مفعول به والفاء عاطفة وانفروا عطف على خذوا أي: بادروهم قبل أن يبادروكم ولا تتخاذلوا فتلقوا بأيديكم الى التهلكة. وثبات حال وعلامة نصبه الكسرة لأنه جمع مؤنث سالم أو انفروا عطف على انفروا الاول وجميعا حال (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) الواو استئنافية والكلام مستأنف مسوق
لخطاب المبطئين والمنافقين الذين تثاقلوا وتخلفوا عن الجهاد. وإن حرف مشبه بالفعل ومنكم متعلقان بمحذوف خبر مقدم لمن اللام المزحلقة وفائدتها التأكيد ومن اسم موصول في محل نصب اسمها المؤخر وليبطئن اللام جواب قسم محذوف وتقدير الكلام: وإن منكم لمن أقسم ليبطئن، والقسم وجوابه صلة الموصول ويبطئن هنا يجوز أن يكون لازما ويجوز أن يكون متعديا والمفعول محذوف أي: ليبطئنّ غيره أي يثبّطه ويبعث في نفسه الجبن والهلع، وهؤلاء شر من الأعداء، وفي جعلهم منهم تعميم اقتضاه الظاهر، والواقع أنهم عدو لكم. ولاحظ أن صلة الموصول نفسها هي جواب القسم، وكلتاهما لا محل لها من الإعراب (فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ) الفاء استئنافية وإن شرطية وأصابتكم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط ومصيبة فاعل وجملة قال في محل جزم جواب الشرط وجملة قد أنعم الله علي في محل نصب مقول القول (إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بأنعم ولم حرف نفي وقلب وجزم وأكن فعل مضارع ناقص واسمها مستتر تقديره أنا ومعهم ظرف مكان متعلق بمحذوف حال وشهيدا خبر أكن.
البلاغة:
١- الطباق بين ثبات وجميعا. أي انهدوا للعدو وتصدوا له سرايا متعاقبه أو كواكب مجتمعة، فالتباطؤ ديدن المنافقين.
٢- المجاز المرسل في خذوا حذركم، والعلاقة هي السببية، لأن الحذر- وإن كان لا يمنع القدر- هو الآلة التي يقي بها الإنسان نفسه، ويعصم روحه.
٣- الخبر الإنكاري في قوله: «وإن منكم لمن ليبطئنّ».
فقد جاء التأكيد بإن وبلام التأكيد التي يسميها النحاة المزحلقة ونون التوكيد الثقيلة، وفي استعمال الفعل المضعّف، وزيادة الحروف زيادة في المعنى. وفي مجموع هذه المؤكدات تخويف رهيب لمن ثبّط نفسه أو ثبّط غيره. وقد نزلت هذه الآيات في المنافق عبد الله بن أبي الذي ثبط المؤمنين في غزوة أحد. وقد تشبث الشعراء بأهداب هذه المعاني فقال أبو تمام في مدح الثبات على الحرب والقتل في الجهاد يرثي محمد ابن حميد الطوسي من قصيدة فريدة: فأثبت في مستنقع الموت رجله... وقال لها: من تحت أخمصك الحشر
وقد كان فوت الموت سهلا فردّه إليه الحفاظ المرّ والخلق الوعر
ونفس تعاف العار حتى كأنما هو الكفر يوم الرّوع أو دونه الكفر
تردى ثياب الموت حمرا فما دجا لها الليل إلا وهي من سندس خضر
إلى آخر تلك القصيدة الرائعة.

[سورة النساء (٤) :الآيات ٧٣ الى ٧٤]

وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (٧٣) فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤)
الإعراب:
(وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ) الواو عاطفة على قوله: «فإن أصابتكم مصيبة» وإنما قدمت الشرطية الاولى لأن مضمونها أوفق لمقصدهم، ولأن أثر نفاقهم أكثر ظهورا، وأشد تأثيرا. واللام موطئة للقسم وإن شرطية وأصابكم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والكاف مفعول به وفضل فاعل ومن الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) اللام جواب القسم ويقولنّ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والجملة لا محل لها لأنها جواب القسم لتقدمه. وكأن مخففة من الثقيلة وسيأتي حكمها في باب الفوائد، واسمها ضمير الشأن وجملة لم تكن خبرها، وجملة كأن وما في حيزها اعتراضية بين القول ومقوله، واختار أبو البقاء أن تكون حالية، وتبع في ذلك قول الراغب الذي قال: «وذلك مستقبح، فانه لا يفصل بين بعض الجملة وبعض ما يتعلق بجملة أخرى» وهذا غريب جدا لأنه يطيح بأقوال النحاة جميعا، قال الرازي بصدده: «هو اعتراض في غاية الحسن لأن من أحب إنسانا فرح عند فرحه وحزن عند حزنه، فإذا قلب القضية فذلك إظهار للعداوة» وبينكم ظرف متعلق بمحذوف خبر تكن المقدم وبينهم عطف
عليه ومودة اسم تكن المؤخر (يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً) الجملة مقول القول «ليقولن» يا حرف نداء والمنادى محذوف، أو هي لمجرد التنبيه، والاول أولى. وليت حرف مشبه بالفعل والنون للوقاية والياء اسمها وجملة كنت خبر ليت وكان واسمها، ومعهم ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر كنت، فأفوز الفاء هي السببية وأفوز فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء وفوزا مفعول مطلق وعظيما صفة (فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ) الفاء هي الفصيحة أي إذا علمتم هذا كله فليقاتل، واللام لام الأمر ويقاتل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وفي سبيل الله متعلقان بيقاتل والذين اسم موصول فاعل يقاتل وجملة يشرون الحياة الدنيا صلة الموصول وبالآخرة متعلقان بيشرون والجملة لا محل لها من الإعراب لأنها جواب شرط غير جازم (وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويقاتل فعل الشرط وفي سبيل الله متعلقان بيقاتل (فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) الفاء عاطفة ويقتل بالبناء للمجهول معطوف على يقاتل ونائب الفاعل مستتر تقديره هو أو يغلب أو حرف عطف ويغلب بالبناء للفاعل معطوف أيضا والفاعل مستتر تقديره هو فسوف الفاء رابطة لجواب الشرط ونؤتيه فعل مضارع وفاعله مستتر والهاء مفعول به أول وأجرا مفعول به ثان وعظيما صفة.
والجملة في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من».
البلاغة:
شراء الحياة الدنيا بالآخرة استعارة مكنية، تقدمت الاشارة إليها بحروفها. وفعل شرى يحتمل الشراء والبيع، فلا يقال: كيف دخلت الباء على الآخرة.
الفوائد:
إذا خففت «كأن» المشبهة بالفعل بقي عملها ويكون اسمها ضمير الشأن محذوفا وجوبا وخبرها جملة، فان كانت الجملة المخبر بها موجبة ذات فعل متصرف فصلت عن كأن ب «قد»، كقولك:
لا يهولنك اصطلاء لظى الحرب فمحذورها كأن قد ألمّ. أو منفية فصلت ب «لم» كقوله:
كأن لم يكن بين الحجون الى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر
وذلك للفرق بينها وبين أن المصدرية الداخلة عليها كاف التشبيه وإن لم تكن الجملة كذلك فلا حاجة الى الفصل بشيء، وهذا هو المشهور في الاستعمال.
[سورة النساء (٤) :الآيات ٧٥ الى ٧٦]
وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦)
اللغة:
(الْقَرْيَةِ) بفتح القاف وكسرها: اسم جامع لمعان شتى، فهي الضيعة والمصر الجامع وجمع الناس والمدينة. والجمع قرى بضم القاف وقرئ بكسر القاف والراء، والنسبة إليها قروي وقرييّ.
وكل قرية ذكرت في القرآن فالظلم ينسب إليها بطريق المجاز، وستأتي أمثلتها في حينها. وأما هذه القرية في سورة النساء فينسب الظلم إلى أهلها على الحقيقة، لأن المراد بها مكة، فوقرت عن نسبة الظلم إليها تشريفا لها.
الإعراب:
(وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الواو استئنافية والكلام مستأنف مسوق للحث على الجهاد بطريق الاستفهام. وما اسم استفهام معناه الأمر والإنكار في محل رفع مبتدأ ولكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره وجملة لا تقاتلون في سبيل الله حالية (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ) عطف على الله، ولا بد من تقدير مضاف أي:
لا تقاتلون في سبيل تخليص المستضعفين. ومن الرجال متعلقان بمحذوف حال والولدان جمع وليد وهو الصبي الصغير، والنساء والولدان هم الذين حبسهم المشركون عن الهجرة، ومنهم ابن عباس قال: كنت أنا وأمي منهم (الَّذِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها) الذين اسم موصول صفة وجملة يقولون صلة الموصول وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء وأخرجنا فعل دعاء ونا ضمير متصل في محل نصب مفعول به والجملة في محل
نصب مقول القول، ومن هذه جار ومجرور متعلقان بأخرجنا والقرية بدل من اسم الاشارة والظالم نعت سببي وأهلها فاعل الظالم لأنه اسم فاعل (وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) عطف على أخرجنا ولنا في محل نصب مفعول اجعل ومن لدنك في محل نصب حال ووليا مفعول به ثان (وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً) عطف على ما تقدم (الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) كلام مستأنف مسوق للترغيب في القتال والذين: مبتدأ وجملة آمنوا صلة وجملة يقاتلون خبره وفي سبيل الله جار ومجرور متعلقان بيقاتلون (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) عطف على الجملة السابقة وقد تقدم إعرابها (فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ) الفاء الفصيحة وقاتلوا فعل أمر مبني على حذف النون لأن مضارعه من الافعال الخمسة والواو فاعل وأولياء الشيطان مفعول به (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً) إن واسمها، وجملة كان خبرها وضعيفا خبر كان وجملة ان وما بعدها تعليلية لا محل لها.
الفوائد:
النعت قسمان:
١- حقيقي: وهو ما يبين صفة من صفات متبوعه، ويجب أن يطابق متبوعه في الإعراب والإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث والتعريف والتنكير.
٢- سببي: وهو ما يبين صفة من صفات ما له تعلق بمتبوعه وارتباط به، كما في الآية. ويطابق منعوته في الإعراب والتعريف والتنكير فقط، ويراعى في تأنيثه وتذكيره ما بعده، ويلازم الإفراد دائما. ففي الآية طابق «الظالم» «القرية» في الجر والتعريف،
وروعي في التذكير ما بعده، وهو الأهل، وبقي مفردا، وإن كان معنى الأهل جمعا. ولو أنّث في غير القرآن، فقيل: الظالمة أهلها، لجاز لا لتأنيث الموصوف بل لأن الأهل يذكّر ويؤنث.
[سورة النساء (٤) :آية ٧٧]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧)
الإعراب:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ) كلام مستأنف مسوق لإثارة العجب في نفس الرسول ﷺ من إحجامهم عن القتال بعد إظهارهم الرغبة فيه ومباشرتهم فيه فعلا، كما ينبيء عنه الأمر بكف الايدي بعد بسطها عليهم.
والهمزة للاستفهام التعجبيّ ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم والى الذين متعلقان ب «تر» وجملة قيل صلة الموصول ولهم متعلقان بقيل وجملة كفوا مقول القول وأيديكم مفعول كفوا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة عطف على جملة كفوا، أي لا تقاتلوا
الكفار ما داموا بمكة (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ) الفاء عاطفة ولما حرف وجود لوجود كما قال سيبويه، أو ظرف بمعنى حين متضمن معنى الشرط كما قال أبو علي الفارسي. وجملة كتب عليهم القتال لا محل لها من الإعراب لوقوعها بعد موصول حرفي أو في محل جر بالاضافة (إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ) إذا حرف على الأصح يسيها النحاة الفجائية خلافا لمن زعم أنها ظرف مكان أو زمان، لا يليها إلا الفعل ولا تقع في الابتداء، ولا تكون الجملة الاسمية بعدها إلا حالا، وتختص بالجملة الاسمية أو منسوخة بإنّ، نحو: خرجت فاذا إن المطر نازل، وسيأتي بحث مسهب شيق عنها في باب الفوائد لم نسبق اليه. وفريق مبتدأ ساغ الابتداء به مع أنه نكرة لأنه وصف بقوله «منهم» وجملة يخشون الناس خبر فريق والناس مفعول به وكخشية الله الكاف اسم بمعنى مثل في محل نصب حال أو هي حرف جر وهي مع مجرورها في محل نصب على الحالية أو المفعولية المطلقة وجملة فريق منهم إلخ في محل نصب على الحال والجملة الفجائية لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم (أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) أو حرف عطف وأشد خشية عطف على كخشية الله فهي حال أو مفعول مطلق وخشية تمييز، واختار بعض المعربين أن تعرب حالا من قوله «خشية» لأنها صفة لنكرة وتقدمت عليها فانتصيت وهو محض تكلّف لا داعي له، وسيأتي بحث طريف عن ذلك في باب الفوائد، نلفت اليه الأنظار لنفاسته (وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ) الواو استئنافية أو عاطفة وقالوا فعل وفاعل والجملة استئنافية أو معطوفة على جملة يخشون وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء ولم اللام حرف جر وما اسم استفهام حذفت ألفها لوقوعها بعد حرف الجر والجار والمجرور متعلقان بكتبت والقتال مفعول به والجملة في محل نصب مقول القول
(لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ) لولا حرف تحضيض مثل هّلا وأخرتنا فعل وفاعل ومفعول به والجملة مندرجة في مقولهم (قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ) قل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت والجملة استئنافية ومتاع الدنيا مبتدأ وقليل خبر والجملة في محل نصب مقول القول (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى) الواو استئنافية أو حالية والآخرة مبتدأ وخير خبر والجملة مستأنفة أو حالية ولمن اتقى اللام حرف جر ومن اسم موصول مجرور باللام والجار والمجرور متعلقان بخير، واتقى فعل ماض وفاعله مستتر والجملة صلة الموصول (وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) الواو عاطفة ولا نافية وتظلمون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وفتيلا صفة لمفعول مطلق محذوف وقد نابت عنه.
الفوائد:
١- اختلفت آراء النحاة في «إذا الفجائية» فقال بعضهم هي ظرف مكان أو زمان. وتبعهم المعربون والمفسرون، فخاضوا في متاهات لانهاية لها، ولم ينتهوا إلى طائل. وقال بعضهم، وعلى رأسهم الأخفش:
هي حرف دائما، ويرجحه قولك: «إن خرجت فإذا إن المطر نازل»، بكسر همزة «إن» لأن «إن» بالكسر لا بعمل ما بعدها فيما قبلها، وأما بالفتح فيعمل ما بعدها فيما قبلها، إذ ليس لها الصدر. أما جعلها ظرفا للمكان أو الزمان فيقتضي الدخول في تعسفات لا طائل تحتها، وقد آثرنا في كتابنا أن لا نجزم برأي من عندنا إلا إذا رأينا من سبقنا ذهب اليه، نقول هذا لأن بعض المتنطعين تجنى علينا فادعى علينا الغلط. هذا وقد اشتهرت هذه المسألة في النحو وحدثت مناقشة طريفة بسببها بين سيبويه والكسائي، تجدها كاملة في مغني اللبيب، وفات
هؤلاء المتناقشين وقوع ما بعدها مبتدأ وخبرا مرفوعين في القرآن كما فعل ابن يعيش وغيره من النحاة، فارجع الى بحث إذا الفجائية في المغني والمطولات تسمع العجب العجاب.
٢- مر نظير هذه الآية في الإعراب قوله تعالى: «فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا». ومن طريف الأبحاث المتعلقة في الاسم الواقع بعد اسم التفضيل يصح فيه النصب والجر تقول: «زيد أكرم أبا» بالنصب، فيكون «زيد» من الأبناء وأنت تفضل أباه، وتقول: «زيد أكرم أب» بالجر فيكون زيد من الآباء وأنت تفضله.
وتقول: «زيد أفضل إخوته» وهو وهم لأن أفعل التفضيل لا يضاف إلا لما هو داخل فيه، وزيد غير داخل في إخوته، إذ لو سئلت عنه لعددتهم دونه فيكون المثال بمثابة: زيد أفضل النساء، وهذا باطل والصواب أن يقال: أفضل الإخوة، أو: أفضل بني أبيه.
[سورة النساء (٤) :آية ٧٨]
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨)
اللغة:
(بُرُوجٍ) :البروج في كلام العرب الحصون والقلاع.
(مُشَيَّدَةٍ) :اختلف أهل العربية في معنى المشيدة فقال بعض أهل البصرة منهم: المشيّدة الطويلة، قال: وأما المشيد بالتخفيف فانه المزين، قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن. وقال آخرون منهم نحو ذلك القول، غير أنه قال: المشيد بالتخفيف المعمول بالشيد، والشيد الجصّ. وقال بعض أهل الكوفة: المشيد والمشيّد أصلهما واحد، غير أن ما شدد منه فإنما يشدد لنفسه، والفعل منه في جمع، مثل قولهم:
هذه ثياب مصبغّة وغنم مذبّحة، فشدد لأنها جمع، يفرق فيها الفعل، ومثله قصور مشيدة، لأن القصور كثيرة، تردّد فيها التشييد، ولذلك قيل: بروج مشيدة، ومنه قوله تعالى «وغلقت الأبواب».
الإعراب:
(أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ) كلام مستأنف مسوق لخطاب اليهود والمنافقين، وبيان أنّ الدنيا حقيرة لا ديمومة لها. وأينما اسم شرط جازم في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر تكونوا المقدم إذا كانت ناقصة أو بجواب الشرط إذا كانت تامة وتكونوا فعل الشرط والواو فاعل أو اسم تكونوا ويدرككم الموت جواب الشرط (وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) الواو حالية ولو شرطية وكان واسمها، وفي بروج متعلقان بمحذوف خبر كنتم ومشيدة صفة لبروج وجملة جواب الشرط محذوفة دل عليها ما قبلها (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) الواو استئنافية وإن شرطية وتصبهم فعل الشرط والهاء مفعول به وحسنة فاعل ويقولوا جواب الشرط وهذه مبتدأ ومن عند الله الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) عطف
على ما تقدم (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) الجملة استئنافية مسوقة لشجب افتئاتهم، وقل فعل أمر وكل مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم ومن عند الله متعلقان بمحذوف خبر والجملة الاسمية مقول القول (فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) الفاء استئنافية وما اسم استفهام مبتدأ ولهؤلاء متعلقان بمحذوف خبر والقوم بدل وجملة لا يكادون في محل نصب على الحال والواو اسم يكادون وجملة يفقهون في محل نصب خبر يكادون والواو فاعل وحديثا مفعول به.
الفوائد:
(أَيْنَما) أين اسم من أسماء الأمكنة مبهم يقع على الجهات الست وكل مكان يستفهم عنه، وتنقل الى الجزاء، فيقال: أين تكن أكن.
والأكثر في استعمالها أن تكون مضمومة إليها «ما» كما في الآية، وليس ذلك بلازم فيها، بل أنت مخير فيها، قال ابن همام السّلوليّ:
أين تصرف بها العداة تجدنا نصرف العيس نحوها للتلاقي
[سورة النساء (٤) :آية ٧٩]
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٧٩)
الإعراب:
(ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) كلام مستأنف مسوق لبيان الجواب عن كلامهم والردّ عليهم. وسيأتي معنى الجمع بين إضافة
السيئة الى العبد واضافة الأشياء كلها لله بما يروي الغليل في باب البلاغة. وما اسم شرط جازم مبتدأ وأصابك فعل ماض في محل جزم فعل الشرط ومن حسنة متعلقان بمحذوف حال والفاء رابطة لجواب الشرط ومن الله الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف أي فهي من الله وجملة فعل الشرط وجوابه خبر من (وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) عطف على ما تقدم (وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لبيان مكانة الرسول والتنويه بهمته الكبيرة السامية، وأرسلناك فعل ماض وفاعل ومفعول به وللناس متعلقان بأرسلناك أو بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة فتقدمت، ورسولا حال (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) الواو عاطفة أو استئنافية والباء حرف جر زائد والله فاعل كفى محلّا والجر بالباء لفظا، وشهيدا تمييز أو حال، وقد تقدم إعراب ذلك.
البلاغة:
المجاز المرسل في إضافة السيئة الى العبد، والعلاقة هي السببية، لأن النفس هي التي توبق صاحبها وتورّطه في ارتكاب الذنوب، ولا منافاة بين كونها مخلوقة وكونها مورطة، فينتظم ذلك كله بقوله: «قل كل من عند الله». وللمعتزلة كلام طويل في هذا الصدد يرجع اليه في المطولات، حيث يشتجر الخلاف بين أهل السنة والاعتزال.
[سورة النساء (٤) :الآيات ٨٠ الى ٨١]
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٨١)
اللغة:
(بيّت) :بيّت الأمر: زوره وسواه وقضاه بليل. والتبييت إما من البيتوتة لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل، يقال: هذا أمر بيّت بليل. وإما من أبيات الشعر لأن الشاعر يدبرها ويسوّيها. والمعنى في الآية أنهم قالوا وقدروا أمرا غير الذي أعطوك من الطاعة، وكل عمل عمل ليلا فقد بيت، ومن ذلك بيت للعدو وهو الوقوع بهم، ومنه قول عبيدة بن همام:
أتوني فلم أرض ما بيّتوا... وكانوا أتوني بشيء نكر
لأنكح أيّمهم منذرا... وهل ينكح العبد حرّ لحر
يعني بقوله: فلم أرض ما بيتوا ليلا، أي ما أبرموه ليلا.
ومعنى قوله حر لحر: حر ولدته الكرام، كما تقول: هو كريم لكرام وحر لأحرار، واللام فيه للنسب وحر ينسب الى آباء وأحرار. وهذا ما لا تجده في كتاب فاحفظه.
الإعراب:
(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) كلام مستأنف مسوق لبيان
أن طاعة الرسول هي من طاعة الله وبيان أحكام رسالته. ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويطع الرسول فعل الشرط والفاء رابطة وقد حرف تحقيق وجملة فقد أطاع الله في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من (وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) الواو حرف عطف ومن اسم شرط جازم مبتدأ وتولى فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة للجواب وما نافية وأرسلناك فعل ماض وفاعل ومفعول به وعليهم جار ومجرور متعلقان ب «حفيظا»، وحفيظا حال وجواب الشرط محذوف تقديره: فلا تأبهن له، وفعل الشرط وجوابه المحذوف في محل رفع خبر «من» وجملة ما أرسلناك تعليلية لا محل لها (وَيَقُولُونَ طاعَةٌ) الواو استئنافية ويقولون فعل مضارع وفاعل وطاعة خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أمرنا وشأننا والجملة مقول القول وجملة يقولون مستأنفة مسوقة لبيان معاملتهم للرسول بعد بيان وجوب طاعته (فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة برزوا في محل جر بالاضافة ومن عندك متعلقان ببرزوا أي خرجوا من عندك (بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) جملة بيت طائفة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومنهم متعلقان بمحذوف صفة لطائفة وغير مفعول به والذي مضاف اليه وجملة تقول لا محل لها لأنها صلة الموصول (وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ) الواو استئنافية أو حالية والله مبتدأ وجملة يكتب خبر وما اسم موصول مفعول به وجملة يبيتون لا محل لها لأنها صلة الموصول (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) الفاء الفصيحة وأعرض فعل أمر وعنهم متعلقان بأعرض وتوكل عطف على أعرض وعلى الله متعلقان بتوكل (وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا) تقدم اعراب نظائرها.
الفوائد:
تذكير الفعل في: «بيت طائفة» لأن تأنيث الطائفة غير حقيقي، إذ هي بمعنى الفريق والفوج، فهي اسم جمع أو اسم جنس.
وأحكام تذكير الفعل وتأنيثه مع الفاعل مبسوطة في كتب النحو فارجع إليها والله الموفق.
[سورة النساء (٤) :الآيات ٨٢ الى ٨٣]
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٣)
اللغة:
(يَتَدَبَّرُونَ) :يتأملون وتدبر الشيء تأمله ونظر في مغابّه وما ينجم عنه ويؤول اليه.
(أَذاعُوا) :هو بمعنى الفعل المجرد «ذاع»، يقال: ذاع الشيء يذيع، ويقال: أذاع الشيء أيضا، فيتعدى تعديته. ويجوز أن يكون
من باب التضمين، وقد ضمّن أذاع معنى تحدث، فيتعدى بنفسه وبالباء. وكأنما هذه الكلمة تعبير صحيح عن الاذاعة التي تذيع الأخبار في أوقات معينة. والإذاعة: الإشاعة، قال:
أذاع به في الناس حتى كأنه بعلياء نار أوقدت بثقوب
واختار الزمخشري أن يكون المعنى فعلوا به الإذاعة. وهو أبلغ من أذاعوه، ليكون التأديب أبلغ، والنهي أشمل. وفي ذلك تعليم وتنبيه على وجوب كتمان أخبار الجيوش وتحركاتها، وما أعظم المفسدة في لهج الناس بكل ما يطرق أسماعهم من أخبار وأراجيف، خاصة في زماننا، بعد أن طرق العدو المخذول البلاد العربية، طهرها الله من دنسه، وصانها عن رجسه.
(يَسْتَنْبِطُونَهُ) :يستخرجون تدبيره بفطنتهم ومعرفتهم التامة بأمور الحرب ومكايدها. وهو في الأصل بمعنى استخراج الماء أول ما يحفر الأرض، فاستعير لما يستخرجه الرجل بفضل ذهنه من المعاني. وفي اجتماع النون والباء فاء وعينا للكلمة سرّ عجيب، إذ تدل على الظهور والوضوح، فالنبأ هو الخبر يظهر للناس فيتناقلونه ويتداولونه فيما بينهم. وسبيل نأبيء أي: ظاهر طارئ، ونبّ التيس نبيبا صاح عند الهياج، وفي صياحه ظهور له، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لوفد أهل الكوفة حين شكوا سعدا: «يكلمني بعضكم ولا تنبّوا عندي نبيب التيوس».
ومن هذه الكلمة اشتق الانبوب، والجمع أنابيب، قال:
أو من مشعشعة ورهاء نشوتها أو من أنابيب تفاح ورمان
ونبت: ظهر، يقال: ظهر النبات والنبت في الأرض.
ونبس: نطق، تقول: كلمته فعبس وما نبس.
ونبش الأرض عما تحتها نبشا، قال:
مهلا بني عمنا مهلا موالينا لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
وتقدم القول في النبط، وقد اشتقوا منه الأنباط قال خالد بن الوليد لعبد المسيح بن بقيلة: أعرب أنتم أم نبيط؟ فقال: عرب استنبطنا ونبيط استعربنا. وقال أبو العلاء المعري:
أين امرؤ القيس والعذارى إذ مال من تحته الغبيط
استنبط العرب في الموامي بعدك واستعرب النبيط
وهذا من غريب أمر هذه اللغة الشريفة.
الإعراب:
(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري والفاء عاطفة على مقدّر، أي: أيعرضون عن القرآن فلا يتدبرونه؟ ولا نافية ويتدبرون فعل مضارع وفاعل والقرآن مفعونه (وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) الواو حالية ولو شرطية وكان الناقصة واسمها المستتر أي القرآن، ومن عند غير الله متعلقان بمحذوف خبر، واللام واقعة في جواب لو ووجدوا فعل وفاعل والجملة لا محل لها من الإعراب لأنها جواب شرط غير جازم وفيه متعلقان بوجدوا واختلافا مفعول به وكثيرا صفة (وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ) كلام مستأنف مسوق لوصف المنافقين الذين يذيعون الأراجيف تثبيطا
للناس، وإشاعة للخوف في النفوس. وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط، وجملة جاءهم أمر في محل جر بالإضافة، ومن الأمن متعلقان بمحذوف صفة لأمر والخوف عطف على الأمن وجملة أذاعوا به لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ) الواو حالية ولو شرطية وردّوه فعل وفاعل ومفعول به الى الرسول متعلقان بردّوه، وإلى أولي الأمر عطف على «الى الرسول» ومنهم متعلقان بمحذوف حال (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) اللام واقعة في جواب لو وعلمه الذين فعل ومفعول به وفاعل وجملة يستنبطونه لا محل لها لأنها صلة الموصول وجملة لعلمه الذين لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومنهم متعلقان بمحذوف حال (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا) الواو استئنافية ولولا حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط، وفضل الله مبتدأ خبره محذوف وعليكم متعلقان بفضل ورحمته عطف على فضل، واللام واقعة في جواب لولا وجملة اتبعتم لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم والشيطان مفعول به وإلا أداة استثناء وقليلا مستثنى من فاعل اتبعتم، أي: إلا قليلا منكم، أو من فاعل أذاعوا به، أي: أظهروا ذلك الأمر إلا قليلا منهم. وسيأتي مزيد من معناه وإعرابه في باب الفوائد.
الفوائد:
أفاض المفسرون والمعربون في البحث حول هذا الاستثناء. ولو شئنا التقصي لضاق بنا المجال، وزاد في خطر الإفاضة اشتجار الخلاف بين أهل السنة وأهل الاعتزال، ولسنا نحب أن نمر بذلك دون الاشارة اليه،
ويتخص مما أوردوه أن قوله: «إلا قليلا» فيه أوجه، اخترنا ما رأيناه أقرب الى المعنى، وأدنى الى المنطق، ولا بأس بإيراد بعض ما قالوه:
١- إنه مستثنى من فاعل «اتبعتم» أي: إن فريقا قليلا منكم لم يتبع الشيطان، ويكون قد أراد بالفضل إرسال محمد صلى الله عليه وسلم، كقس بن ساعدة الإياديّ وعمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وغيرهم ممن آمنوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.
٢- إن المراد من لم يبلغه التكليف، فالاستثناء على هذا القول منقطع.
٣- إنه مستثنى من فاعل أذاعوا، أي: أظهروا ذلك الأمر إلا قليلا منهم.
٤- إنه مستثنى من فاعل لعلمه الذين يستنبطونه.
٥- إنه مستثنى من فاعل لوجدوا.
٦- إنه مستثنى من العموم، والمراد بالقليل أمة محمد.
ما يقوله أبو جعفر الطبريّ:
وقال أبو جعفر الطبري: «وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي قول من قال: «عني باستثناء القليل من الاذاعة» وقال بعد كلام طويل: «وإنما قلنا إن ذلك أولى بالصواب لأنه لا يخلو القول في ذلك من أحد الأقوال التي ذكرنا، وغير جائز أن يكون من قوله
«لا تبعتم الشيطان»، لأن من تفضل الله عليه بفضله ورحمته فغير جائز أن يكون من أتباع الشيطان.
[سورة النساء (٤) :آية ٨٤]
فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (٨٤)
الإعراب:
(فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) الفاء الفصيحة، أي: إذا كان الأمر كذلك من عدم طاعة المنافقين وتثبيطهم الآخرين عن القتال فقاتل أنت وحدك، غير عابىء بما جنحوا اليه. ويجوز أن تكون الفاء للاستئناف المقرر لما قلبه، وقاتل فعل أمر وفي سبيل الله متعلقان بقاتل، وجملة لا تكلف إلا نفسك بالبناء للمجهول حالية، أي: حالة كونك مسئولا عن نفسك وحدها فإن الله هو ناصرك ومعينك، ونفسك مفعول به ثان لتكلف، ويجوز أن تكون مستأنفة لإخباره ﷺ بأنه لا يكلفه غير نفسه (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) عطف على قاتل والمؤمنين مفعول به (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) جملة الرجاء حالية، أي: انهد وحدك الى قتالهم، والحال قد كف بأسهم عنك. وعسى فعل ماض من أفعال الرجاء التي يسميها النحاة أفعال المقاربة تغليبا، والله اسمها، والمصدر المؤول من أن وما في حيزها خبرها، وبأس مفعول به، والذين كفروا مضاف إليه وجملة كفروا لا محل لها لأنها صلة الموصول (وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا)
الواو حالية أو استئنافية، والله مبتدأ وأشد خبر، وبأسا تمييز، وأشد تنكيلا عطف على ما تقدم.
[سورة النساء (٤) :آية ٨٥]
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥)
اللغة:
(الكفل) بكسر الكاف وسكون الفاء: الضعف والنصيب والحظّ، وفي المصباح الكفل وزان حمل: الضعف من الأجر والإثم.
وقال علماء اللغة: واستعمال الكفل في الشرّ أكثر من استعمال النصيب فيه، وإن كان كل منهما قد يستعمل في الخير، كما قال تعالى:
«يؤتكم كفلين من رحمته». ولقلة استعمال النصيب في الشر وكثرة استعمال الكفل فيه غاير بينهما في الآية الآنفة. حيث أتى بالكفل مع السيئة. وبالنصيب مع الحسنة.
(مقيت) بضم الميم أي: حفيظ شهيد. وهو مشتق من القوت، لأنه يمسك النفس ويحفظها. قال الزبير بن عبد المطلب:
وذي ضغن نفيت السّوء عنه وكنت على إساءته مقيتا
الإعراب:
(مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها) جملة مستأنفة
مسوقة لبيان أن له ﷺ يدا طائلة في تحريض المؤمنين على القتال والجهاد، وغني عن القول: إن الشفاعة هي الوساطة في إيصال الشخص الى منفعة دنيوية أو أخروية، وأي منفعة أسمى وأجل وأعظم من التحريض على الجهاد، لأن فيه الفوز في الدنيا والآخرة. ومن اسم شرط جازم مبتدأ، ويشفع فعل مضارع فعل الشرط، وشفاعة مفعول مطلق وحسنة صفة، ويكن جواب الشرط وله خبر يكن الناقصة المقدم ونصيب اسمها المؤخر، ومنها متعلقان بمحذوف صفة لنصيب وفعل الشرط وجوابه خبر من (وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها) عطف على ما تقدم مماثل له في الإعراب (وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً) الواو استئنافية أو حالية، وكان واسمها، وعلى كل شيء متعلقان بمقيتا، ومقيتا خبر كان.
[سورة النساء (٤) :الآيات ٨٦ الى ٨٧]
وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (٨٧)
اللغة:
(حَسِيباً) :الحسيب في هذا الموضع فعيل من الحساب الذي هو الإحصاء، يقال منه: حاسبت فلانا على كذا وكذا. ومن العجيب أن يهم بعض المفسرين والمعربين فيقول: إن معنى الحسيب هو الكافي، يقال منه: حسبني الشيء بمعنى كفاني، من قولهم حسبي كذا وكذا.
الإعراب:
(وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها) كلام مستأنف مسوق للترغيب في التحية، وأصل التحية الدعاء بالحياة وطولها، ثم استعملت في كل دعاء. وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وهو: «حيّوا» وجملة حييتم في محل جر بالإضافة وبتحية متعلقان بحييتم، والفاء رابطة وجملة حيوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وبأحسن متعلقان بحيوا ومنها متعلقان بأحسن، واو حرف عطف وردوها عطف على «حيّو» (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً) الجملة تعليلية لا محل لها، وإن واسمها، وجملة كان واسمها وخبرها خبر إن (اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) الجملة مستأنفة والله مبتدأ ولا النافية للجنس وإله اسمها وإلا أداة حصر و «هو» بدل من محل لا واسمها، وقد تقدم إعراب كلمة الشهادة، والجملة خبر الله (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ) اللام جواب لقسم محذوف، ويجمعنكم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والى يوم القيامة متعلقان بيجمعنكم، والجملة لا محل لها لأنها جواب للقسم المحذوف ولا نافية للجنس وريب اسم «لا» المبني على الفتح، وفيه متعلقان بمحذوف خبر، والجملة في محل نصب على الحال (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) الواو استئنافية، ومن اسم استفهام مبتدأ وأصدق خبر، ومن الله متعلقان بأصدق وحديثا تمييز.
[سورة النساء (٤) :آية ٨٨]
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨)
اللغة:
(أَرْكَسَهُمْ) ردّهم في حكم المشركين. والركس: رد الشيء مقلوبا، ومنه قول عبد الله بن رواحة:
أركسوا في فئة مظلمة كسواد الليل ينلرها فتن
الإعراب:
(فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ) الفاء استئنافية، وما اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، ولكم متعلقان بمحذوف خبر ما، وفي المنافقين متعلقان بفئتين، فإنها في قوة مالكم تفترقون في أمور المنافقين، فحذف المضاف وأبقي المضاف اليه مقامه، ويجوز أن يتعلقا بمحذوف على أنه حال، لأنه كان في الأصل صفة لفئتين أي: فئتين متفرقتين في المنافقين، وفئتين حال من الكاف في «لكم». والكوفيون يقولون:
إن انتصاب «فئتين» على أنه خببر لكان مضمرة، والتقدير: فما لكم في المنافقين كنتم فئتين. وهذا القول غريب، ولكنه جيد ورجحه ابن جرير (وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا) الواو حالية، والله مبتدأ، وجملة أركسهم خبر، وبما متعلقان بأركسهم، و «ما» يجوز أن تكون موصولة أو مصدرية، وجملة كسبوا لا محل لها على كل حال، والجملة في محل نصب على الحال، ويجوز أن تكون الواو استئنافية فتكون الجملة مستأنفة (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ) الهمزة للاستفهام الانكاري، وأن وما في حيزها مصدر مؤول مفعول تريدون، ومن اسم موصول مفعول به، وجملة أضل الله لا محل لها لأنها صلة، والجملة مستأنفة مسوقة للإنكار على المختلفين (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا)
الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ، ويضلل فعل الشرط مجزوم وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين والله فاعل، والفاء رابطة للجواب ولن حرف نفي ونصب واستقبال وتجد فعل مضارع منصوب بلن، وله متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة ل «سبيلا» وسبيلا مفعول به، والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر من.
الفوائد:
ما يقوله التاريخ:
روي أن قوما من المنافقين استأذنوا رسول الله ﷺ في الخروج الى البدو معتلين باجتوائهم المدينة. فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة، حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون فيهم، فقال بعضهم: هم كفار، وقال بعضهم: هم مسلمون.
وفي رواية ثانية: إنهم قوم خرجوا مع رسول الله ﷺ يوم أحد ثم رجعوا، وقيل: هم قوم أظهروا الإسلام، وقعدوا عن الهجرة.
قال القرطبي: «والمراد بالمنافقين هنا عبد الله بن أبيّ وأصحابه الذين خذلوا الرسول يوم أحد، ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا».
واختلف المسلمون في أمرهم، فقال فريق: اقتلهم يا رسول الله، للأمارة الدالة على كفرهم. وقال فريق: لا تقتلهم لنطقهم بالشهادتين. والعتاب في الحقيقة للفريق الثاني القائل: «لا تقتلهم».

[سورة النساء (٤) :آية ٨٩]

وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩)
الإعراب:
(وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا) كلام مستأنف مسوق لمتابعة وصفهم. وودوا فعل وفاعل، ولو مصدرية وهي والفعل بعدها مصدر منصوب لأنه مفعول ودوا، أي ودوا كفركم. وكما كفروا نعت لمصدر محذوف، أي: ودوا كفركم مثل كفرهم، أو حال (فَتَكُونُونَ سَواءً) الفاء عاطفة، وتكونون معطوف على تكفرون، والواو اسمها وسواء خبرها (فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الفاء الفصيحة، أي: إذا كانت هذه حالهم- وهي ودادة كفركم- فلا توالوهم. ولا ناهية وتتخذوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، ومنهم متعلقان بتتخذوا على أنه مفعول به أول، وأولياء مفعول به ثان، وحتى حرف غاية وجر، ويهاجروا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى والجار والمجرور متعلقان بتتخذوا، وفي سبيل الله متعلقان بيهاجروا (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) الفاء عاطفة وإن شرطية، وتولوا فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، والفاء رابطة لجواب الشرط، وخذوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة في محل جزم جواب الشرط، واقتلوهم عطف على خذوهم، وحيث
ظرف مكان مبني على الضم متعلق باقتلوهم، وجملة وجدتموهم في محل جر بالاضافة (وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً) الواو عاطفة، ولا ناهية، وتتخذوا فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة والواو فاعل، ومنهم مفعول تتخذوا الأول، ووليا مفعول تتخذوا الثاني، ولا نصيرا عطف على «وليا».
الفوائد:
مناقشة طريفة:
قال الزمخشري في صدد تفسيره لهذه الآية: «ولو نصب على جواب التمني لجاز، والمعنى: ودوا كفركم، فكونكم معهم شرعا واحدا فيما هم عليه من الضلال واتباع دين الآباء».
تعقيب أبي حيان:
وتعقّبه أبو حيان فقال: وكون التمني بلفظ الفعل ويكون له جواب فيه نظر، وإنما المنقول أن الفعل ينتصب في جواب التمني إذا كان بالحرف نحو: ليت، ولو إذا أشربتا معنى التمني، أما إذا كان بالفعل فيحتاج الى سماع من العرب، بل لو جاء لم تتحقق فيه الجوابية، لأن «ودّ» التي تدل على معنى التمني إنما متعلقها المصادر لا الذوات، فاذا نصب الفعل بعد الفاء لم يتعين أن تكون فاء جواب، لاحتمال أن يكون من باب عطف المصدر المقدر على المصدر الملفوظ به، فيكون من باب:

[سورة النساء (٤) :آية ٩٠]

إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠)
اللغة:
(حَصِرَتْ) :من الحصر، وهو الضيق والانقباض. وحصر الصدر حصرا من باب تعب. وحصر القارئ: منع من القراءة، فهو حصير. والحصور الذي لا يشتهي النساء، وحصير الأرض وجهها، والحصير: الحبس.
(السَّلَمَ) :الصلح والاستلام.
الإعراب:
(إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ) إلا أداة استثناء، والذين مستثنى من الضمير في خذوهم واقتلوهم، وجملة يصلون الى قوم، أي: يمتّون إليهم بنسبة، لا محل لها لأنها صلة الموصول، والى قوم متعلقان بيصلون، وبينكم ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، وبينهم ظرف معطوف على الظرف قبله، وميثاق
مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية في محل جر صفة لقوم وجملة الاستثناء حالية (أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ) أو حرف عطف على يصلون، داخل في حيز الصلة، وقيل: هو عطف على صفة قوم، والوجه الأول أظهر، وجملة «حصرت صدورهم» حالية بتقدير: وقد، أو من غير تقديرها، وسيأتي مزيد بيان عنها في باب الفوائد. وأن يقاتلوكم مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض، أي: عن مقاتلتكم، والجار والمجرور متعلقان بحصرت. ولك أن تجعل المصدر المؤول مفعولا لأجله. أو يقاتلوا قومهم عطف على يقاتلوكم، وقومهم مفعول به (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ) الواو استئنافية، والكلام مستأنف مسوق لاستثناء الطائفة الأخيرة من حكم الأخذ والقتل، وادخالهم في زمرة المعاهدين. ولو شرطية وشاء الله فعل وفاعل، واللام رابطة لجواب الشرط وجملة لسلطهم عليكم لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم (فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ) الفاء عاطفة ولقاتلوكم عطف على سلطكم، فهو بمثابة التوكيد للجواب، أو بمثابة البدل من الاول.
وسيأتي بحث عن هذه اللام في باب الفوائد. فإن: الفاء استئنافية وإن شرطية، واعتزلوكم فعل وفاعل ومفعول به في محل جزم فعل الشرط، والفاء عاطفة ولم يقاتلوكم عطف على اعتزلوكم (وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) عطف أيضا (فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) الفاء رابطة للجواب وما نافية، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وجعل فعل ماض ينصب مفعولين، والله فاعل، ولكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف مفعول به أول، وعليهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وسبيلا مفعول به ثان.
الفوائد:
تحدث ابن هشام عن هذه الآية فأتى بالممتع حيث قال: قوله:
«أو جاءوكم حصرت صدورهم» فذهب الجمهور الى أن «حصرت صدورهم» جملة خبرية، ثم اختلفوا، فقال جماعة منهم الأخفش:
هي حال من فاعل «جاء» على إضمار «قد»، واعلم أن إضمار «قد» واجب عند البصريين، فيقولون: إن الجملة الماضوية إذا وقعت حالا لا بد من اقترانها بقد ظاهرة أو مقدرة. وأما الأخفش فلا يرى وجوبها مع الماضي إذا وقع حالا، فيقول: إن الجملة الماضوية تقع حالا وتقترن ب «قد» إن وجدت، فإن لم توجد فلا تحتاج الى تقدير.
ويؤيده قراءة الحسن: «حصرة صدورهم» أي: حال كونها حصرة، أي: ضيقة. وقال آخرون: هي صفة فلا تحتاج الى إضمار «قد».
ثم اختلف هؤلاء، فقيل: الموصوف منصوب محذوف، أي: قوما حصرت صدورهم، ورأوا أن إضمار الاسم أسهل من إضمار حرف.
وقيل: مخفوض مذكور، وهم «قوم» المتقدم ذكرهم، فلا إضمار البتة. وما بينهما اعتراض. ويؤيده أنه قرىء بإسقاط «أو»، وعلى ذلك يكون «جاءوكم» صفة لقوم ويكون «حصرت» صفة ثانية.
وقيل: بدل اشتمال من «جاءوكم»، لأن المجيء مشتمل على الحصر، وفيه بعد، لأن الحصر صفة الجائين.
قال أبو العباس المبرد: الجملة انشائية، ومعناها الدعاء، مثل غلت أيديهم، فهي مستأنفة. وردّ بأن الدعاء عليهم بضيق قلوبهم عن قتال قومهم لا يتجه. وأجيب بأن المراد الدعاء عليهم بسلب أهلية القتال بالمرة تحقيرا لهم.
مناقشة حول اللام في «ولقاتلوكم» :
سمى ابن عطية هذه اللام لام المحاذاة والازدواج، لأنها بمثابة
الأولى. ولو لم تكن الأولى كنت تقول: لقاتلوكم، وقال أبو حيّان تعقيبا على ذلك: «وتسمية هذه اللام لام المحاذاة والازدواج تسمية غريبة، ولم أر ذلك إلا في عبارة هذا الرجل وعبارة مكي قبله».
تعقيب على هذه المناقشة:
قلت: ولا طائل تحت هذه المناقشة التي تضل الطالب، ولا تجدي شيئا. ولقد أشرت الى هذا في باب الإعراب، فهي ليست أكثر من توكيد للجواب، فهي من باب التكرير والإبدال. وإنما أوردناها للاستئناس، وليكون الطالب في منجاة من الاغترار بالتسمية الموهمة عند ما يقع عليها في إعرابهم.
[سورة النساء (٤) :آية ٩١]
سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (٩١)
اللغة:
(أُرْكِسُوا فِيها) :انقلبوا فيها شر منقلب. وقد مر ذكره.
(ثَقِفْتُمُوهُمْ) ثقف الشيء ثقفا من باب تعب: أخذه، وثقفت
الرجل في الحرب: أدركته، وثقفته: ظفرت به، وثقفت الحديث:
فهمته بسرعة. والتثقيف في الأصل: تقويم المعوّج من الرماح والقصب وتسويته. وقد نجم عن هذا المعنى: تثقيف الغلام أي: تهذيبه وتقويم سلوكه، ثم صار الثقف يعني الحذر وسرعة الفهم. وتجدد المعنى أخيرا في عصرنا فأصبح خاصا بالعلم والثقافة في المعرفة، وعلى هذا الأساس نلاحظ تطور اللغة في كل قطر عربي، كما رأى أبناء كل جيل في كل بلد من بلاد الناس كيف ارتقت لغتهم بارتقائهم، وتردّت بتردّيهم.
التطور الحي في اللغة:
وهكذا ما من حدث اجتماعي أو نهضة علمية أو سياسية إلا صحبها تطور في اللغة أو المعاني أو في كليهما معا، نعني في إحداث ألفاظ جديدة لبعض المعاني، أو احداث معان جديدة لبعض الألفاظ، أو في ذلك كله. وما من أحد ألمّ بتاريخ العرب وآدابهم يجهل ما أحدث الإسلام مثلا من ثورة لغوية الى جانب الثورة الدينية والاجتماعية والفكرية.
وستأتي معنا نماذج حية من هذا التطور الحيّ في هذا الكتاب العجيب.
ومن هذا المنطلق تتبين ضرورة هذا الكتاب لناشئتنا المتطورة، لترى على ضوئه أسرار ما تجمع، وتبصر على وهجه معنى الحركة في عقل الماضين، وبذلك يستمر العقل اللغوي في منحى الحركة المتطورة بدلا من ركوده في سكون مادة كانت يوما من مقذوفات العقل اللغوي المتحرك.
الإعراب:
(سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ) كلام مستأنف مسوق
لتقرير حال قوم آخرين من المنافقين غير من سبق الإلماع إليهم. والسين للاستقبال الاستمراري، وسيأتي بحث ظريف عنها في باب الفوائد.
وتجدون فعل مضارع وفاعله، وآخرين مفعول به وجملة يريدون صفة لآخرين، وأن وما في حيزها مصدر مؤول مفعول ليريدون (وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ) عطف على ما تقدم (كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها) كلما ظرف زمان متضمن معنى الشرط، وقد تقدم إعرابه. وجملة ردوا الى الفتنة في محل جر بالاضافة، أو لا محل لها لأنها صلة الموصول الحرفي، والواو نائب فاعل وجملة أركسوا فيها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وفيها متعلقان بأركسوا (فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) الفاء استئنافية، وإن شرطية، ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعتزلوكم فعل مضارع مجزوم بلم وهو في محل جزم فعل الشرط، ويلقوا إليكم السلم عطف عليه (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) الفاء رابطة للجواب، وجملة خذوهم في محل جزم جواب الشرط، واقتلوهم: عطف على خذوهم، وحيث ظرف مكان مبني على الضم متعلق باقتلوهم، وجملة ثقفتموهم في محل جر بالاضافة (وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً) الواو عاطفة، وأولئكم اسم اشارة مبتدأ. وجملة جعلنا خبر، لكم جار ومجرور في محل نصب مفعول به أول وعليهم متعلقان بمحذوف حال، وسلطانا مفعول به ثان، ومبينا صفة.
الفوائد:
بحث هام عن السين:
السين حرف يدخل على الفعل المضارع فيخلصه الى الاستقبال
والاستمرار، وأتى بالسين هنا إشارة الى أن عبثهم بالمؤمنين هذا أمر مستمر، وإن كان قد مضى، وذلك أن رجالا من الكفار كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا لأجل أن لا يقاتلوهم، وإذا أتوا لقومهم كفروا.
فأتى المولى سبحانه وتعالى بالسين إشارة الى أن حالتهم هذه هي ديدن مستمر لهم، وأنهم لم يتركوه، وإن كان ذلك قد وقع فيما مضى.
وزعم ابن هشام أن الاستمرار إنما استفيد من المضارع، كما تقول:
فلان يقري الضيف، ويصنع الجميل. تريد أن ذلك دأبه. والسين مفيدة للاستقبال، إذ الاستمرار لا يكون إلا في المستقبل. وزعم الزمخشري أنها إذا دخلت على فعل محبوب أو مكروه أفادت أنه واقع لا محالة، ولم أر من فهم وجه ذلك. ووجهه أنها تفيد الوعد بحصول الفعل، فدخولها على ما يفيد الوعد أو الوعيد مقتض لتوكيده وتثبيت معناه، لأنه إخبار على إخبار، والمتعلق واحد.
[سورة النساء (٤) :آية ٩٢]
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٩٢)
اللغة:
(الدية) :هي في الأصل مصدر، ثم أطلقت على المال المأخوذ في القتل. يقال: ودى يدي دية،، كوشى يشي شية ووشيا فحذفت فاء الكلمة.
الإعراب:
(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً) كلام مستأنف مسوق لتقرير أحكام القتل. والواو استئنافية وما نافية وهي هنا بمعنى النهي المقتضي للتحريم، وكان فعل ماض ناقص ولمؤمن متعلقان بمحذوف خبر كان المقدم، وأن يقتل مؤمنا مصدر مؤول اسم كان المؤخر، وإلا أداة حصر، وخطأ يجوز فيه أن يكون حالا مؤوّلة بالمشتقّ أي:
مخطئا، أو منصوب بنزع الخافض أي: إلا بخطأ، أو مفعول مطلق على الوصف، أي: قتلا خطأ، أو مفعولا لأجله، وقدمه الزمخشري على غيره من الوجوه، قال: «فإن قلت بم انتصب خطأ؟ قلت: بأنه مفعول له، أي: ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده».
وعندي أن الأوجه متساوية، وسيرد في باب الفوائد مزيد من البحث فيه. (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) الواو استئنافية، ومن اسم شرط جازم مبتدأ، وقتل فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، ومؤمنا مفعول به وخطأ تقدم القول في إعرابه، فتحرير الفاء رابطة
لجواب الشرط، وتحرير مبتدأ خبره محذوف، أي: فعليه تحرير رقبة وهو أولى وأنسب من جعله خبرا لمبتدأ محذوف، أي: فالواجب تحرير رقبة، ومؤمنة صفة لرقبة، والجملة الاسمية المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) الواو عاطفة ودية عطف على تحرير رقبة، ومسلمة صفة، والى أهله متعلقان بمسلّمة، وإلا أن يصدقوا استثناء من أعم الأحوال أو من أعم الظروف، أي إلا في حال الصدقة، فهي حال أو حين يتصدّقون، فهي ظرف متعلق بمسلمة. وسيأتي بسط لذلك في باب الفوائد. هذا وقيل: إنه مستثنى منقطع (فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ) الفاء استئنافية وإن شرطية جازمة، وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، واسم كان مستتر تقديره هو، ومن قوم متعلقان بمحذوف خبر كان، وعدو صفة لقوم، ولكم متعلقان بمحذوف صفة لعدو (وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) الواو حالية، وهو مبتدأ ومؤمن خبر، والجملة في محل نصب حال، وتحرير مبتدأ خبره محذوف أي: فعليه تحرير رقبة، وقد تقدم إعرابه (وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ) الواو عاطفة، وإن شرطية، وكان واسمها المستتر، ومن قوم خبرها، وبينكم ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، وبينهم عطف على بينكم، وميثاق مبتدأ مؤخر. (فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ) الفاء رابطة، ودية مبتدأ خبره محذوف، أي: فعليه دية، ويجوز العكس، وقد تقدم. ومسلمة صفة، والى أهله متعلقان بمسلمة (وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) عطف على ما تقدم (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ) الفاء استئنافية، ومن اسم شرط جازم مبتدأ، ولم يجد في محل جزم فعل الشرط، والفاء رابطة لجواب الشرط، وصيام مبتدأ خبره محذوف، أو بالعكس، وجملة فصيام في محل جزم جواب
الشرط وشهرين مضاف اليه ومتتابعين صفة وفعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر «من». (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) توبة مفعول لأجله، أي: شرع ذلك لكم رحمة منه ومتابا. ويجوز نصبه على المفعولية المطلقة، أي تاب عليكم توبة، ومن الله صفة، والواو استئنافية، وكان واسمها، وعليما حكيما خبراها.
الفوائد:
١- القول في خطأ:
قلت في الإعراب: إنه يجوز إعراب خطأ مستثنى منقطعا، لأنه ليس من الاول، ولا يدخل الخطأ تحت التكليف.
والمعنى: لكن إن قتل خطأ فحكمه كذا، وهو إعراب جميل. وقد جنح الى هذا الإعراب أبو البقاء وأبو حيان، وهو ما اختاره أيضا سيبويه والزّجّاج والطبري، وهو من الاستثناء المنقطع الواجب النصب، والذي يسميه أهل العربية: منقطعا، ومنه قول جرير:
ولبس عباءة وتقر عيني أحبّ إليّ من لبس الشفوف
من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ على الأرض إلا ريط برد مرحّل
يعني: ولم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد، وليس ذيل البرد من الأرض.
٢- القول في «إلا أن يصدقوا» :
قلت في الإعراب: إنه يجوز جعل «أن يصدقوا» مستثنى من أعم الظروف، فهو ظرف. وقد استبعد أبو حيان هذا التخريج قال: «أما جعل أن وما بعدها ظرفا فلا يجوز. نص النحويون على
ذلك، ومنعوا أن يقال: «أجيئك أن يصيح الديك» تريد وقت صياح الديك. وأما أن ينسبك منها مصدر فيكون في موضع الحال، فنصوا أيضا على أنه لا يجوز. قال سيبويه: في قول العرب: «أنت الرجل أن تنازل وتخاصم» في معنى أنت الرجل نزالا وخصومة، أن انتصاب المفعول من أجله، لأن المستقبل لا يكون حالا، فعلى هذا الذي قررناه يكون كونه استثناء منقطعا هو الصواب.
[سورة النساء (٤) :آية ٩٣]
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣)
الإعراب:
(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها) الواو استئنافية، والكلام مستأنف مسوق لتهديد القاتل وتجريمه. ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويقتل فعل الشرط، ومؤمنا مفعول به، ومتعمدا حال، فجزاؤه الفاء رابطة لجواب الشرط، وجزاؤه مبتدأ وجهنم خبره أو بالعكس، والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من»، وخالدا حال، وفيها متعلقان ب «خالدا» (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ) الواو عاطفة على مقدر لا بدّ منه لينسجم الكلام، وهذا المقدر تدل عليه الشرطية، أي: حكم الله بأن جزاءه ذلك وغضب عليه (وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً) عطف أيضا.
البلاغة:
في هذه الآية فنّ مراعاة النظير، وقد سبق القول فيه. وهو أن يأتي المتكلم بما يناسب المحتوى، وقد حفلت هذه الآية بالألفاظ الدالة على الغضب والتهديد والوعيد والإرعاد والإبراق، للاشارة الى أن جريمة القتل من أكبر الجرائم وأشدها إمعانا في الشر، لما يترتب عليها من هدم لبناء المجتمع. وما أجمل قول النبي ﷺ في هذا الصدد: «إن هذا الإنسان بنيان الله، ملعون من هدم بنيانه».
[سورة النساء (٤) :آية ٩٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤)
اللغة:
(السَّلامَ) والسّلم بفتح السين واللام: التحية والاستسلام.
وقد قرىء بهما.
(ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ) :سرتم فيها لتجارة أو غزوة.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدّم إعرابها (إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا) كلام مستأنف مسوق للتحذير من الإقدام على القتل. وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب، وجملة ضربتم في محل جر بالاضافة، وفي سبيل الله متعلقان بضربتم، والفاء رابطة لجواب إذا، وتبينوا فعل أمر والواو فاعل، والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ: لَسْتَ مُؤْمِناً) الواو عاطفة، ولا ناهية، وتقولوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل، ولمن متعلقان بتقولوا، وجملة ألقى إليكم السلام صلة الموصول، وإليكم متعلقان بألقى، والسلام مفعول به، وجملة «لست مؤمنا» في محل نصب مقول القول، ومؤمنا خبر لست (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا) الجملة حالية من فاعل تقولوا، أي: لا تقولوا تلك المقالة طالبين الغنيمة والعرض الفاني (فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ) الفاء تعليلية للنهي، والجملة لا محل لها، وعند الله ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، ومغانم مبتدأ مؤخر، وكثيرة صفة (كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) الجملة مستأنفة مسوقة لتشبيه حالتهم الراهنة بحالتهم التي كانوا عليها، وكذلك جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم لكنتم أو الكاف الاسمية وحدها خبر كنتم المقدم وذلك مضاف اليه، ومن حرف جر وقبل ظرف مبني على الضم لقطعه عن الاضافة لفظا لا معنى، متعلق بمحذوف حال، فمنّ الفاء عاطفة، وجملة منّ الله معطوفة على كنتم، وعليكم متعلقان ب «منّ» (فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) جعلها المعربون عامة عاطفة على تبينوا الأولى، وكرر الأمر بالتبيين تأكيدا. وعندي أن الفاء هي الفصيحة، وأنه ليس هناك
تأكيد، لأن الأمر الأول خاص بمن تقتلونه، والأمر الثاني عام، كأنما هو يقرر حكما شاملا، أي: إذا عرفتم هذا وأدركتم عواقبه فتبينوا.
وإن الله إن واسمها، وجملة كان وما بعدها خبرها، والجملة للتعليل، وخبيرا خبر كان، وجملة تعملون لا محل لها صلة ما، وبما متعلقان ب «خبيرا».
[سورة النساء (٤) :الآيات ٩٥ الى ٩٦]
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (٩٥) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٩٦)
اللغة:
غير أولى الضرر: أي أصحاب العاهات، من عمى أو عرج أو زمانة، ونحوها.
الإعراب:
(لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) كلام مستأنف مسوق لبيان تفاوت طبقات المؤمنين بحسب التفاوت الحاصل بينهم في الجهاد،
ولا نافية ويستوي فعل مضارع مرفوع، والضمة مقدرة على الياء، والقاعدون فاعله، ومن المؤمنين متعلقان بمحذوف حال من «القاعدون» ومن الضمير المستكنّ فيه (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) غير: بدل من «القاعدون»، ولم نجعلها صفة، لأن «غيرا» لا تتعرف بالإضافة، لإيغالها في التنكير، ولا يجوز اختلاف الصفة والموصوف. ولم يأبه الزمخشري لما تقرر في علم النحو، فجعلها صفة. ويجوز نصبها على الاستثناء، والأول أرجح كما هو مقرر في كتب النحو، لأن الكلام منفي، وقد قرىء به.
ويجوز جرها على أنها صفة للمؤمنين، وقد قرأها الأعمش بالجر أيضا. وسيأتي بحث عنها في باب الفوائد. وأولي الضرر مضاف اليه مجرور وعلامة جره الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والمجاهدون عطف على «القاعدون»، وفي سبيل الله متعلقان ب «المجاهدون»، وبأموالهم متعلقان به أيضا، وأنفسهم عطف على «بأموالهم» (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً) الجملة مفسرة لا محل لها لعدم الاستواء بين الفريقين. وفضل الله فعل وفاعل، المجاهدين مفعول به منصوب بالياء وجملة فضل الله المجاهدين مفسرة لعدم الاستواء بين الفريقين، وبأموالهم جار ومجرور متعلقان ب «المجاهدين» وأنفسهم معطوفة على أموالهم، وعلى القاعدين متعلقان بفضل ودرجة مفعول مطلق لأنها آلة التفضيل ورفع المرتبة، فهو كقولك: ضربته سوطا. وأعربه بعضهم ظرفا، وليس ببعيد.
وأعربه آخرون حالا، وهو يحتاج عندئذ الى تقدير مضاف، أي:
ذوي درجة. وقال بعضهم: هو تمييز، ولا بأس بهذا القول.
وما ارتأيناه هو الأرجح (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى) الواو اعتراضية، وكلّا مفعول به مقدم ل «وعد»، والله فاعل، والحسنى مفعول به
ثان، والجملة لا محل لها لأنها اعتراضية (وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً) الواو عاطفة، والجملة عطف على ما تقدم، وأجرا مفعول مطلق لأنه مرادف لفضل، أو لأنه آلته، على حد قوله:
درجة وسوطا، وسيأتي مزيد بحث عنه في باب الفوائد. وعظيما صفة.
(دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً) درجات بدل من «أجرا» ومنه متعلقان بمحذوف صفة لدرجات، ومغفرة ورحمة عطف على درجات، ونصبهما الزمخشريّ على المفعولية المطلقة بإضمار فعلهما، بمعنى: وغفر لهم ورحمهم مغفرة ورحمة، ولعله أولى لمراعاة التناسب (وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الواو استئنافية أو حالية، وكان واسمها، وغفورا رحيما خبراها، والجملة مستأنفة أو حالية.
الفوائد:
ما يقوله ابن يعيش:
قال ابن يعيش عند كلامه على «غير أولي الضرر» : «وقرىء بالرفع والجر والنصب، فالرفع على النعت ل «القاعدون»، ولا يكون ارتفاعه على البدل في الاستثناء لأنه يصير التقدير فيه: لا يستوي إلا أولو الضرر، وليس المعنى على ذلك، إنما المعنى: لا يستوي القاعدون الأصحاء والمجاهدون. والجر على النعت للمؤمنين، والمعنى:
لا يستوي القاعدون من المؤمنين الأصحاء والمجاهدون، والمعنى فيهما واحد. والنصب على الاستثناء.
النحاة بين البدلية والوصفية لغير:
هذا وقد ترجح النحاة في البدلية والوصفية ل «غير». فمن
احتجّ للبدلية قال: إن جعل «غير» صفة يوجب التأويل، لأن «غير» لا تتعرف بالاضافة، ولا يجوز اختلاف النعت والمنعوت تعريفا وتنكيرا، وتأويله إما بأن «القاعدون» لما لم يكونوا بأعيانهم بل أريد بهم الجنس أشبهوا النكرة فوصفوا بها كما توصف، وإما بأن «غير» قد تتعرف إذا وقعت بين ضدين. ومن احتجّ للوصفية قال: لا يكون ارتفاعه على البدل في الاستثناء، لأنه يصير التقدير فيه: لا يستوي القاعدون الأصحاء والمجاهدون- كما قال ابن يعيش- وهذا من طرائفهم التي تدل على ألمعية وثقوب ذهن، فتأمل والله يرشدك.
رأي الزمخشري في اعراب أجرا:
قال الزمخشري: «لم نصب درجة وأجرا ودرجات؟ قلت: نصب قوله «درجة» لوقوعها موقع المرّة من التفضيل، كأنه قيل: فضّلهم تفضيلة واحدة ونظيره قولك: ضربه سوطا، بمعنى: ضربه ضربة.
وأما أجرا فقد انتصب بفضل لأنه في معنى آجرهم أجرا ودرجات ورحمة بدل من أجرا ويجوز أن ينتصب «درجات» نصب «درجة» كما تقول:
ضربه أسواطا، بمعنى ضربات. كأنه قيل: وفضله تفضيلات. ونصب «أجرا عظيما» على أنه حال من النكرة التي هي «درجات» مقدمة عليها. وانتصب «مغفرة ورحمة» بإضمار فعلهما، بمعنى: وغفر لهم ورحمهم مغفرة ورحمة.
[سورة النساء (٤) :الآيات ٩٧ الى ٩٩]
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (٩٩)
الإعراب:
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ) كلام مستأنف لتقرير حال جماعة أسلموا ولم يهاجروا، فقتلوا يوم بدر مع الكفار، مع أن الهجرة كانت ركنا أو شرطا في الإسلام، ثم نسخ بعد الفتح. وإن واسمها، وجملة توفاهم الملائكة لا محل لها لأنها صلة الموصول، وأصل توفاهم: تتوفاهم، فحذفت إحدى التاءين حسب القاعدة المقررة، وأجاز ابن جرير وغيره أن تكون فعلا ماضيا مبنيا على الفتح المقدر. وليس ببعيد. والملائكة فاعل وظالمي أنفسهم حال. أما خبر إن فيجوز أن يكون محذوفا تقديره: إن الذين توفاهم الملائكة هلكوا، ويجوز أن يكون الخبر قوله: قالوا فيم كنتم؟ ويجوز أن يكون:
فأولئك مأواهم جهنم، ودخلت الفاء زائدة في الخبر تشبيها للموصول باسم الشرط (قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ؟) الضمير في قالوا يعود الى الملائكة، والجملة إما خبر كما قدمنا وإما مستأنفة مبنية للجملة المحذوفة، وفيم:
في حرف جر وما الاستفهامية في محل جر بفي، وحذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر كنتم المقدم، والجملة في محل نصب مقول القول (قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ) الضمير في قالوا يعود الى الذين تتوفاهم الملائكة، وجملة القول
مستأنفة، وجملة كنا مستضعفين في الأرض في محل نصب مقول القول، ومستضعفين خبر كنا، وفي الأرض متعلقان بمستضعفين (قالُوا: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها) الضمير في قالوا يعود الى الملائكة، والجملة مستأنفة، والهمزة للاستفهام الإنكاري للتبكيت، ولم حرف نفي وقلب وجزم، وتكن فعل مضارع ناقص مجزوم ب «لم»، وأرض الله اسم تكن، وواسعة خبرها، والجملة في محل نصب مقول القول، والفاء فاء السببية، وتهاجروا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية والواو فاعل، وفيها متعلقان بتهاجروا (فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ) الفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط، وأولئك مبتدأ ومأواهم مبتدأ وجهنم خبر المبتدأ الثاني والجملة الاسمية خبر اسم الاشارة وجملة فأولئك إما خبر ل «إن الذين» كما قدمنا وإما استئنافية.
(وَساءَتْ مَصِيراً) الواو استئنافية أو حالية، وساءت فعل ماض للذم، ومصيرا تمييز، والمخصوص بالذم محذوف أي: جهنم (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ) إلا أداة استثناء والمستضعفين مستثنى منهم لضعفهم وعدم تمكنهم من الهجرة، فالاستثناء متصل، وقيل:
الاستثناء منقطع، لأن المستثنى منه إما كفارا وإما عصاة بالتخلف، وهم قادرون على الهجرة، فلم يندرج فيهم المستضعفون. ومن الرجال متعلقان بمحذوف حال، والنساء والولدان عطف على الرجال (لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) جملة لا يستطيعون صفة للمستضعفين، وجاز وصف المعرفة بالجملة وهي نكرة، لأن المعرفة هنا ليست لشيء معين بالذات، على حد قول الشاعر:
ولقد أمر على اللئيم يسبني... فمضيت ثمّت قلت: لا يعنيني
وحيلة مفعول يستطيعون، وجملة ولا يهتدون عطف على جملة
لا يستطيعون، وسبيلا مفعول يهتدون، أو منصوب بنزع الخافض، ولعله أقعد بالفصاحة، أي: الى سبيل من السبل المختلفة (فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ) الفاء الفصيحة لأنها وقعت في جواب شرط مقدر، والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، أي إذا أردت أن تعرف مصيرهم فأولئك، وأولئك مبتدأ، وعسى فعل ماض جامد من أفعال الرجاء، والله اسم عسى، والمصدر المؤول خبرها، والجملة الفعلية خبر اسم الاشارة (وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً) الواو حالية أو استئنافية، وكان واسمها، وعفوا غفورا خبراها.
[سورة النساء (٤) :آية ١٠٠]
وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٠)
اللغة:
(المراغم) بضم الميم وفتح الغين المعجمة: المذهب والحصن والمضطرب، فهو اسم مكان، وعبّر به للإشعار بأن المهاجر يرغم أنف قومه أي: يذلهم، والرغم الذل والهوان، وأصله لصوق الأنف بالرّغام- بفتح الراء- وهو التراب، ورغم أنفه رغما من باب قتل:
كناية عن الذل، كأنه لصق بالرغام هوانا وذلّا. ويتعدى بالألف، فيقال: أرغم الله أنفه، وفعلته على رغم أنفه- بفتح الراء وضمها- أي: غاضبته، وهذا ترغيم له أي: إذلال. وهذا من الأمثال التي
جرت في كلامهم بأسماء الأعضاء، ولا يراد أعيانها، بل وضعوها لمعان غير المعاني الظاهرة، ولا حظّ لظاهر الأسماء من طريق الحقيقة، ومنه قولهم: كلامه تحت قدمي، وحاجته خلف ظهري، يريدون الإهمال وعدم الاحتفال. وفي القاموس: الرغم: الكره،- ويثلث- كالمرغمة، ورغمه كعلمه ومنعه: كرهه.
الإعراب:
(وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً) كلام مستأنف مسوق لبيان حال المهاجرين في سبيل الله. والواو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ، ويهاجر فعل مضارع فعل الشرط، وفي سبيل الله متعلقان بيهاجر، ويجد فعل مضارع جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر «من»، ومراغما مفعول به، وكثيرا صفة، وسعة عطف على «مراغما». (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) تقدم إعراب نظيرها، ومهاجرا حال والى الله ورسوله متعلقان ب «مهاجرا» (ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) ثم حرف عطف، ويدركه عطف على يخرج، والهاء مفعول به، والموت فاعل يدركه، فقد الفاء رابطة لجواب الشرط، وقد حرف تحقيق، وجملة وقع أجره على الله في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من»، وعلى الله متعلقان بوقع (وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) جملة مستأنفة وقد تقدم اعرابها.

[سورة النساء (٤) :آية ١٠١]

وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (١٠١)
الإعراب:
(وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ) كلام مستأنف مسوق لبيان أحكام قصر الصلاة. والواو استئنافية وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط، وجملة ضربتم في الأرض في محل جر بالاضافة، والفاء رابطة لجواب إذا وليس فعل ماض ناقص، وعليكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ليس المقدم، وجناح اسمها المؤخر، والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم (أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) المصدر المؤول منصوب بنزع الخافض، أي: في قصر الصلاة والجار والمجرور صفة لجناح، ومن الصلاة متعلقان بتقصروا. وبحث القصر من الصلاة مبسوط في كتب الفقه (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) إن شرطية وخفتم فعل ماض وفاعل، وهو في محل جزم فعل الشرط، وأن وما في حيزها مصدر مؤول مفعول به لخفتم، والذين كفروا فاعل وجملة كفروا صلة وجملة الشرط مستأنفة وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي: فليس عليكم جناح أن تقصروا. (إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً) الجملة تعليل لما تقدم من إباحة القصر، وإن واسمها، وجملة كانوا خبرها، والواو اسم كان ولكم متعلقان بمحذوف حال، وعدوا خبر كان. ومبينا صفة.

[سورة النساء (٤) :آية ١٠٢]

وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٠٢)
الإعراب:
(وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ) الواو استئنافية، والكلام مستأنف للشروع في أحكام صلاة الخوف، والخطاب للنبي ﷺ ولا حجة فيه لمن ذهب الى أنه لا يرى صلاة الخوف بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل الخطاب شامل متناول لكل إمام.
ويجوز أن تكون الواو عاطفة، فيكون الكلام منسوقا على ما تقدم.
وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط، وجملة كنت في محل جر بالإضافة، والتاء اسم كان، وفيهم متعلقان بمحذوف خبر كنت، والضمير يعود على الضاربين في الأرض أو على الخائفين، وكلاهما محتمل. والفاء عاطفة، وأقمت فعل وفاعل، ولهم متعلقان بأقمت، والجملة معطوفة على جملة كنت، والصلاة مفعول به (فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) الفاء رابطة، واللام لام الأمر،
وتقم فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وطائفة فاعل ومنهم متعلقان بمحذوف صفة، ومعك ظرف مكان متعلق بتقم (وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ).
وليأخذوا عطف على فلتقم، وأسلحتهم مفعول به (فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ) تقدم إعراب نظيره، ومن ورائكم متعلقان بمحذوف خبر فليكونوا (وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) عطف أيضا، وجملة «لم يصلوا» صفة ثانية لطائفة، فليصلوا فعل مضارع وفاعله، ومعك ظرف مكان متعلق ب: فليصلوا (وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) عطف أيضا (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ) الجملة مستأنفة مسوقة للتأكيد على زيادة الحذر لظن العدو أن الصلاة مظنة لإلقاء السلاح. وود الذين فعل وفاعل وجملة كفروا صلة الموصول ولو مصدرية فهي موصول حرفي، وهي منسبكة مع ما بعدها بمصدر منصوب لأنه مفعول تود، وجملة تغفلون لا محل لها لأنها صلة الموصول الحرفي، وعن أسلحتكم متعلقان بتغفلون، وأمتعتكم عطف على أسلحتكم (فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً) الفاء عاطفة، ويميلون عطف على تغفلون، وعليكم متعلقان بيميلون، وميلة مفعول مطلق وواحدة صفة (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ) الواو عاطفة، ولا نافية للجنس، وجناح اسمها، وعليكم متعلقان بمحذوف خبر «لا»، وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، وبكم متعلقان بمحذوف خبر كان المقدم، وأذى اسمها المؤخر، ومن مطر متعلقان بمحذوف صفة لأذى، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أي: فلا جناح عليكم (أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ) أو حرف عطف، وكنتم عطف على: كان بكم أذى، ومرضى خبر كنتم، وأن تضعوا مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض، أي: في أن تضعوا، والجار والمجرور متعلقان بجناح أو بمحذوف صفة له
وأسلحتكم مفعول به (وَخُذُوا حِذْرَكُمْ) عطف أيضا (إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً) إن واسمها، وجملة أعد للكافرين خبرها، وعذابا مفعول أعد، ومهينا صفة.
البلاغة:
في الآية عطف الحقيقة على المجاز، وهو من البلاغة في ذروتها، ومن الفصاحة في سدّتها، فالأسلحة حقيقة، والحذر مجاز لأنه أراد به آلة من الآلات التي يستعملها الغازون في حروبهم، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ، جعلهما معا كالمأخوذين. ومن طريف هذا المجاز الذي استعمل مع الحقيقة قول أبي تمّام الطائي يصف ركبا:
وركب يساقون الركاب زجاجة من السير لم تقصد لها كفّ قاطب
والمجاز في قوله: «زجاجة» أي: شرابا في زجاجة. والمعنى يسكرون المطيّ بالتعب، فكأنهم سقوها شرابا لم تقصد له كف قاطب، أي: ليس على الحقيقة شرابا يناوله الساقي صاحبه بقصد. وهذا التناسب بين المجاز والحقيقة لا يسهل إدراكه إلا على أهل الطبع المرهف، والذوق المترف، فافهمه، وقس عليه، والله يعصمك.
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٠٣ الى ١٠٤]
فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣) وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤)
الإعراب:
(فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ) الفاء استئنافية، والكلام مستأنف مسوق لتقرير ما يندب بعد أداء صلاة الخوف على الوجه الكامل المبين. وإذا ظرف مستقبل متضمّن معنى الشرط، وجملة قضيتم الصلاة في محل جر بالاضافة، والفاء رابطة، وجملة اذكروا الله لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وقياما حال وقعودا حال ثانية، وعلى جنوبكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال ثالثة عن طريق العطف (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) تقدم إعرابها، والجملة معطوفة على ما تقدم (إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً) الجملة تعليل لما سبق، وإن واسمها، وجملة كانت خبر إن، وعلى المؤمنين متعلقان ب «موقوتا» وكتابا خبر كانت، وموقوتا صفة، أي: محدودا بأوقات (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ) الواو عاطفة أو استئنافية، ولا ناهية، وتهنوا فعل مضارع مجزوم ب «لا» وفي ابتغاء القوم متعلقان بتهنوا (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ) إن شرطية جازمة، وتكونوا فعل مضارع ناقص فعل الشرط، والواو اسم كان، وجملة تألمون خبرها، وجملة الشرط لا محل لها لأنها تعليلية للنهي، فانهم الفاء رابطة للجواب، وان واسمها، وجملة يألمون خبرها والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط وكما تألمون في محل نصب على المفعولية المطلقة أو على الحالية، وقد
تقدمت له نظائر (وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ) عطف على جملة يألمون، وما اسم موصول مفعول به لترجون، وجملة لا يرجون لا محل لها لأنها صلة (وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) تقدم إعرابه كثيرا.
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٠٥ الى ١٠٦]
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٦)
الإعراب:
(إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ) كلام مستأنف للتحذير من التعجل في الحكم، وهو عام، وإن واسمها، وجملة أنزلنا خبرها، وإليك متعلقان بأنزلنا والكتاب مفعول به، وبالحق متعلقان بمحذوف حال (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ) اللام للتعليل وتحكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والجار والمجرور: لام التعليل والمصدر المؤول من أن المضمرة والفعل تحكم متعلقان بأنزلنا وبين الناس ظرف متعلق بتحكم، وبما متعلقان بتحكم وجملة أراك الله لا محل لها لأنها صلة للموصول، والإراءة هنا بمعنى المعرفة والعلم، فالكاف مفعوله الأول والثاني محذوف، وهو العائد المحذوف، أي: بما أراكه الله (وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً) الواو عاطفة ولا ناهية وتكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلا، واسم تكن مستتر تقديره أنت، وللخائنين جار ومجرور متعلقان بخصيما، وخصيما خبرها. (وَاسْتَغْفِرِ
اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً)
عطف على ما تقدم، وقد تقدم إعراب نظائره.
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٠٧ الى ١٠٨]
وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (١٠٨)
اللغة:
(يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ)
: يستريبون بها ويخونونها بالمعاصي.
(يَسْتَخْفُونَ)
: يستترون.
(يُبَيِّتُونَ)
يدبرون الأمر بليل. ولا يكاد يستعمل إلا في الشر، وعبارة المبرّد في كامله:
«يقال بيّت فلان كذا وكذا إذا فعله ليلا، وفي القرآن:
«وإذ يبيتون ما لا يرضى من القول»
أي: أداروا ذلك ليلا بينهم».
الإعراب:
(وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ)
الواو عاطفة ولا ناهية،
وتجادل فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل أنت، وعن الذين متعلقان بتجادل، وجملة يختانون أنفسهم لا محل لها لأنها صلة الموصول (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً)
تعليل للنهي، وان واسمها، وجملة لا يحب خبرها ومن اسم موصول مفعول به، وجملة كان صلة الموصول وخوانا خبر كان، وأثيما صفة، أو هما خبران لكان (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ)
الجملة مستأنفة مسوقة لمجرد الإخبار بأنهم يطلبون الستر، أو حالية من «من» على أنها موصولة، وجملة ولا يستخفون من الله عطف على الاولى، الواو حالية، وهو مبتدأ، والظرف معهم متعلق بمحذوف خبر، والجملة حالية (إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ)
إذ ظرف لحكاية الحال الماضية، وجملة يبيتون في محل جر بالاضافة، وما اسم موصول مفعول به وجملة لا يرضى صلة الموصول، ومن القول متعلقان بمحذوف حال (وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً)
تقدم اعراب نظائرها كثيرا.
البلاغة:
١- المبالغة في قوله: «خوانا أثيما» :فقد استعمل صيغتين من صيغ المبالغة، لأن الله كان عالما من طعمة بن أبيرق الذي سرق درعا من جار له وأودعها عند يهودي، الإفراط في الخيانة وركوب المآثم.
٢- المجاز في الاستخفاء: إذ الاستخفاء من الله محال، لأن الله يعلم الجهر وما يخفى، فيكون مجازا عن الحياء.

[سورة النساء (٤) :آية ١٠٩]

ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (١٠٩)
الإعراب:
(ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا)
كلام مستأنف مسوق لتبكيت قوم طعمة بن أبيرق، وهم بنو ظفر من الأنصار الذين حاولوا ستر جنايته وسرقته. وها للتنبيه وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره، وجملة جادلتم خبر ثان، وأعرب بعضهم هؤلاء منادى محذوف منه حرف النداء، وجملة النداء اعتراضية وهو صحيح. وعنهم جار ومجرور متعلقان بجادلتم، وفي الحياة متعلقان بمحذوف حال، والدنيا صفة (فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ)
الفاء عاطفة، ومن اسم استفهام انكاري مبتدأ، وجملة يجادل الله خبر، وعنهم متعلقان بيجادل، ويوم القيامة ظرف متعلق بمحذوف حال (أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا)
أم حرف عطف، ومن اسم استفهام مبتدأ، ويكون فعل مضارع ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره «هو» يعود على «من» والجملة في محل رفع خبر «من»، وعليهم جار ومجرور متعلقان ب «وكيلا» ووكيلا خبر يكون.
البلاغة:
في هذه الآية الالتفات، في قوله: «ها أنتم جادلتم عنهم... »
فقد انتقل من الغيبة الى الخطاب، لمشافهتهم بالتوبيخ والإنكار.

[سورة النساء (٤) :الآيات ١١٠ الى ١١٢]

وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (١١٢)
الإعراب:
(وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ)
كلام مستأنف مسوق لحمل طعمة على التوبة، ومع ذلك أصر على ركوب متن الشطط، وأبى أن يتوب، والواو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ، ويعمل فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل هو، وسوءا مفعول به، وأو حرف عطف. ويظلم نفسه عطف على يعمل، ونفسه مفعول به (ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً)
ثم حرف عطف، ويستغفر الله عطف على ما تقدم، ويجد الله جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من»، وغفورا مفعول به ثان، ورحيما صفة (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ)
عطف على ما تقدم، وهو مماثل له في إعرابه. وجملة فإنما جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر من، وعلى نفسه متعلقان بيكسبه، لأن وبال الإثم متعلق بها (وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً)
تقدم إعرابها. (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً)
تقدم إعرابه (ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً)
عطف على يكسب ووحد الضمير
تغليبا للإثم، وبه متعلقان ب «يرم»، وبريئا مفعول به (فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً)
الجملة في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر «من»، والمعنى: فله عقوبتان.
[سورة النساء (٤) :آية ١١٣]
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (١١٣)
الإعراب:
(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ)
الواو عاطفة أو استئنافية إتماما لقصة بني ظفر الذين حاولوا إضلال النبي، ولكن الله عصمه. والواقع أن الخطاب عام، يتناول الناس جميعا في مختلف ظروف الزمان والمكان.
ولولا حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط، وفضل الله مبتدأ محذوف الخبر، وعليك متعلقان بفضل ورحمته عطف على فضل (لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ)
اللام واقعة في جواب لولا، وجملة همت طائفة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وقد يرد على ذلك انتفاء الهمّ، لأن لولا لا تقتضي انتفاء جوابها لوجود شرطها، ولكن المنفي في الحقيقة أثر الهمّ، وسيرد هذا كله في مكانه من هذا الكتاب، وأن يضلوك مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض، والجار والمجرور متعلقان بهمت، أي همّت بإضلالك (وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ)
الواو
حالية وما نافية، ويضلون فعل مضارع علامة رفعه ثبوت النون، وإلا أداة حصر، وأنفسهم مفعول يضلون، والجملة في محل نصب على الحال (وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ)
الواو عاطفة وما نافية ويضرونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به، وهو معطوف على يضلون، ومن حرف جر زائد وشيء مجرور لفظا منصوب على المفعولية المطلقة محلّا، أي:
شيئا من الضرر (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ)
الواو استئنافية والجملة مستأنفة فيها معنى العلة لما تقدم، والكتاب مفعول به، والحكمة عطف على الكتاب (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ)
عطف على ما تقدم، وما اسم موصول مفعول علمك الثاني، وجملة لم تكن صلة وجملة تعمل خبر تكن (وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)
عطف أيضا، وكان فعل ماض ناقص وفضل الله اسمها، وعظيما خبرها، وعليك جار ومجرور متعلقان بفضل.
[سورة النساء (٤) :آية ١١٤]
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤)
اللغة:
(نَجْواهُمْ) :النجوى في الأصل مصدر، وهو التناجي في السر، وقد يطلق على الأشخاص مجازا، قال تعالى: «وإذ هم نجوى»، ولا تكون النجوى إلا بين اثنين فصاعدا.
الإعراب:
(لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ) كلام مستأنف مسوق لإتمام قصة بني ظفر. وهي عامة في حق الناس جميعا. ولا نافية للجنس وخير اسمها المبني على الفتح، وفي كثير جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها، ومن نجواهم متعلقان بمحذوف صفة لكثير (إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) إلا أداة حصر، ومن اسم موصول بدل من «كثير» أو من «نجوى»، فالاستثناء على هذا متصل على حذف مضاف، وقيل: هي نصب على الاستثناء المنقطع، لأن «من» للاشخاص، وليس التناجي من جنسها، ويكون المعنى: لكن من أمر بصدقة ففي نجواه خير كثير. وبصدقة جار ومجرور متعلقان بأمر، وما بعدها معطوف عليها، وبين الناس ظرف مكان متعلق بإصلاح (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ، ويفعل فعل الشرط، وذلك مفعول به وابتغاء مرضاة الله مفعول لأجله (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) الفاء رابطه للجواب وسوف حرف استقبال ونؤتيه فعل مضارع ومفعول به أول. وأجرا مفعول به ثان، والفاعل مستتر تقديره «نحن». وعظيما صفة، والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من».
[سورة النساء (٤) :آية ١١٥]
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥)
اللغة:
(المشّاقّة) :المخاصمة والمخالفة.
(نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى) نجعله واليا لما تولى من الضلال، أي ما اختاره.
الإعراب:
(وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى) كلام مستأنف مسوق للتعقيب على قصة طعمة المرتدّ، والمراد عموم الحكم وشموله الناس. ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ، يشاقق فعل مضارع فعل الشرط والرسول مفعول به، ومن بعد متعلقان بيشاقق، وما مصدرية وهي مع تبين في تأويل مصدر مجرور بالاضافة، وله متعلقان بتبين، والهدى فاعل (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) عطف على يشاقق، وغير سبيل المؤمنين مفعول به (نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى) نوله جواب الشرط، والهاء مفعوله الأول، وما اسم موصول مفعوله الثاني، وجملة تولى صلة الموصول وجملة فعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر «من» (وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً) عطف على نوله، وجهنم مفعول به ثان لنصله، ومصيرا نصب على التمييز، والمخصوص بالذم محذوف، أي: جهنم.
الفوائد:
روي أن الامام الشافعي رحمه الله سئل عن آية في كتاب الله تعالى تذل على أن الإجماع حجة، فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتى وجده في
هذه الآية: «ومن يشاقق الرسول..» إلخ، وتقرير الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام، فيجب أن يكون اتباع سبيل المؤمنين واجبا، وبيان المقدمة الاولى أنه تعالى ألحق الوعيد بمن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين ومشاققة الرسول وحدها موجبة لهذا الوعيد، فلو لم يكن اتباع غير سبيل المؤمنين موجبا له لكان ذلك ضمّا لما لا أثر له في الوعيد الى ما هو مستقل باقتضاء ذلك الوعيد، وأنه غير جائز، فثبت أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام، وإذا ثبت هذا لزم أن يكون عدم اتباع سبيلهم واجبا، وذلك لأن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين، فاذا كان اتباع سبيل غير المؤمنين لزم أن يكون عدم اتباع سبيل المؤمنين حراما وإذا كان عدم اتباعهم حراما كان اتباع سبيلهم واجبا. هذا ولعلماء الأصول مناقشات طويلة، وأسئلة وأجوبة، حول صحة الاستدلال بهذه الآية، يرجع إليها في مظانّها.
[سورة النساء (٤) :الآيات ١١٦ الى ١١٧]
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧)
اللغة:
(مَرِيداً) المريد والمارد هو الذي بلغ الغاية في الشرّ والفساد، يقال: مرد من بابي نصر وظرف إذا عتا وتجّبر فهو مارد ومريد، وأنّث الأصنام لأنها في عرفهم كذلك، وأشهرها اللات والعزّى ومناة.
وعن الحسن أنه لم يكن حيّ من أحياء العرب إلا كان لهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان. وسيأتي مزيد تفصيل عن هذه الأصنام عند ذكرها بأسمائها.
الإعراب:
(إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) كلام مستأنف مسوق للتأكيد على عدم غفران الشرك. وإن واسمها، وجملة لا يغفر خبرها، والمصدر المؤول من أن وما في حيزها مفعول يغفر، وبه متعلق بيشرك (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) الواو عاطفة، ويغفر فعل مضارع والفاعل هو، وما اسم موصول مفعول به، ودون ذلك ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول، والجملة لا محل لها لأنها صلة الموصول، ولمن يشاء متعلقان بيغفر، وجملة يشاء صلة الموصول (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ) الواو حرف عطف، ومن اسم شرط جازم مبتدأ، ويشرك فعل الشرط والجار والمجرور متعلقان بيشرك (فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً) الفاء رابطة، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وضلالا مفعول مطلق وبعيدا صفة، وجملة الشرط والجواب خبر «من» (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً) الجملة تعليلية لا محل لها، وإن نافية، ويدعون فعل مضارع وفاعل، ومن دونه متعلقان بيدعون، وإلا أداة حصر، وإناثا مفعول به أو صفة لمفعول به محذوف، أي: أصناما مؤنثة لتأنيث أسمائها كاللات والعزى ومناة، وقيل: لأنهم كانوا يلبسونها أنواع الحليّ، ويزينونها على هيئات النساء (وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً) الواو عاطفة وإن نافية، ويدعون فعل وفاعل، وإلا أداة حصر شيطانا مفعول به، ومريدا صفة.

[سورة النساء (٤) :الآيات ١١٨ الى ١٢١]

لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢٠) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (١٢١)
اللغة:
(تبكيت الآذان) :قطعها أو شقها، كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا، وحرّموا على أنفسهم الانتفاع بها. وذلك من عاداتهم. كما كانوا يغيّرون خلق الله، فيفقئون عيون الأنعام إعفاء لها من الركوب، أو يخصونها. ومن التغيير في خلق الله الوشم، وفي الحديث: لعن الله الواشرات المرققات أسنانهن والمتنضات والمتنفشات، أي اللواتي ينتفن شعورهن.
(مَحِيصاً) مصدر حاص عنه إذا عدل وحاد. وله مصادر متعددة، منها أيضا حيوصا ومحاصا وحيصانا، بفتح الياء.
الإعراب:
(لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) الجملة
لا محل لها من الإعراب لأنها دعائية أو مستأنفة، وجعلها بعضهم صفة ل «شيطانا» في الآية السابقة، وأرى فيه بعدا وتكلفا، ولعنه الله فعل ومفعول به وفاعل، وقال الواو استئنافية أو حالية بتقدير «قد»، وجملة القسم مقول القول، واللام جواب قسم محذوف، وأتخذن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وجملة اتخذن لا محل لها لأنها جواب قسم محذوف، ومن عبادك متعلقان بأتخذن، ونصيبا مفعول به، ومفروضا صفة (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ) الجمل الثلاث معطوفات على أتخذن، فهي مقولات الشيطان الخمس (فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ) الفاء عاصفة، وآذان الانعام مفعول به (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) عطف أيضا، وأصل يغيرن: يغيروننّ، فحذف النون للجزم بلام الأمر، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وخلق الله مفعول به (وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ، ويتخذ فعل الشرط والشيطان مفعول به أول ووليا مفعول به ثان ومن دون الله متعلقان بمحذوف صفة ل «وليا» (فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً) الفاء رابطة، وقد حرف تحقيق، وخسرانا مفعول مطلق، ومبينا صفة، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان حقيقة مواعيد الشيطان الكاذبة. ومفعولا يعدهم ويمنيهم محذوفان للعلم بهما، وما الواو حالية، وما نافية ويعدهم الشيطان فعل ومفعول به وفاعل، وإلا أداة حصر، وغرورا يحتمل أن يكون مفعولا ثانيا ل «يمنيهم» أو مفعولا لأجله أو مفعولا مطلقا، أي: ذا غرور، وهي متساوية الرجحان (أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ) الجملة مستأنفة، وأولئك مبتدأ، ومأواهم مبتدأ ثان، وجهنم خبر مأواهم، والجملة الاسمية خبر أولئك (وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً)
الواو عاطفة، ولا نافية، ويجدون فعل مضارع وفاعل، ومحيصا مفعول به، وعنها متعلقان بمحذوف حال، لأن المصدر لا يعمل فيما قبله.
[سورة النساء (٤) :آية ١٢٢]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (١٢٢)
اللغة:
(قِيلًا) مصدر كالقول والقال، وقال ابن السّكّيت: القال والقيل: اسمان لا مصدران.
الإعراب:
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) الواو استئنافية، والذين مبتدأ، وجملة آمنوا صلة وعملوا الصالحات فعل وفاعل ومفعول به (سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) سندخلهم فعل مضارع ومفعوله الأول، والفاعل مستتر تقديره نحن والجملة خبر اسم الموصول، وجنات مفعول به ثان على السعة أو منصوب بنزع الخافض وقد تقدم، وجملة تجري إلخ صفة لجنات، وخالدين حال، وفيها متعلقان بخالدين، وأبدا ظرف متعلق بخالدين أيضا (وَعْدَ اللَّهِ
حَقًّا)
وعد الله مفعول مطلق لفعل محذوف، وحقا مفعول مطلق لفعل محذوف أيضا، وقيل: هو نصب على الحال، وفي النفس منه شيء (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) الواو استئنافية، ومن اسم استفهام مبتدأ وأصدق خبر ومن الله متعلقان بأصدق، وقيلا تمييز.
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٢٣ الى ١٢٤]
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (١٢٤)
اللغة:
(النقير) :أصله النكتة في ظهر النواة كما تقدم، وهو كناية عن القلة. وللنون مع القاف إذا كانتا فاء للفعل وعينا له معنى فريد يكاد يكون مطّردا، وهو التأثير وترك الأثر بعده، فنقب الحائط معروف، ونقب البيطار سرّة الدابة بالمنقب فأخرج ماء أصفر، ونقح الكلام والشعر، ونقحته السنون نالت منه، ونقده الثمن، ونقد الدرهم أي: ميز جيده ورديئه، وهو من نقدة الشعر ونقاده، ونقر الطائر الحب بمنقاره، ونقر العود والدف: استحدث لهما صوتا بعيد الأثر. وهذا من أوابد هذه اللغة وغرائبها.
الإعراب:
(لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ) كلام مستأنف مسوق
لبيان أن المفاضلة إنما تكون بالعمل الصالح والإنتاج المثمر وأن الايمان ما وقر في القلب ودعمه العمل. وليس فعل ماض ناقص، واسمها فيه خلاف عند النحاة والمعربين، فقيل: هو الوعد، لأنه ليس منوطا بالأماني، وقيل: هو الإيمان المفهوم من قوله: «والذين آمنوا»، وذلك كله وارد وجيد والمرجع واحد. والباء حرف جر زائد، وأمانيكم مجرور لفظا منصوب محلا لأنه خبر ليس، ولا أماني أهل الكتاب عطف على أمانيكم (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) الجملة استئنافية أو مفسرة، وعلى كل حال لا محل لها من الإعراب، ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ، ويعمل فعل الشرط، وسوءا مفعول به، ويجز جواب الشرط وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وبه متعلقان ب «يجز»، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» (وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً) عطف على «يجز» مجزوم مثله، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، لأنه كان في الأصل صفة ل «وليا» فتقدم عليها، ومن دون الله متعلقان بيجد، بمثابة المفعول الأول، ووليا هو المفعول الثاني ونصيرا عطف على «وليا» (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ) الواو عاطفة، ومن اسم شرط جازم مبتدأ، ويعمل فعل الشرط، ومن الصالحات متعلقان بيعمل، ومعنى «من» التبعيض، لأن استيعاب الصالحات غير متاح للمكلفين، وعجيب قول الطبري: إنها زائدة، وليس بشيء.
ومن ذكر متعلقان بمحذوف حال لأنها أزالت الإبهام عن «من»، أو أنثى معطوفة، الواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والجملة نصب على الحال، (فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً) الفاء رابطة لجواب الشرط، واسم الاشارة مبتدأ وجملة يدخلون الجنة خبر، ولا يظلمون عطف على يدخلون، ونقيرا مفعول مطلق وقد تقدم بحثه. وجملة
أولئك يدخلون في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط، وجوابه في محل رفع خبر «من».
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٢٥ الى ١٢٦]
وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (١٢٥) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (١٢٦)
الإعراب:
(وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) الواو استئنافية، ومن اسم استفهام مبتدأ، وأحسن خبره، ودينا تمييز محوّل عن المبتدأ، وممن متعلقان بأحسن، وجملة أسلم وجهه صلة الموصول لا محل لها، ولله متعلقان ب «أسلم»، والواو حالية، وهو مبتدأ ومحسن خبر، والجملة حال من الضمير في «أسلم»، (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً) الواو عاطفة، وجملة اتبع معطوفة على جملة أسلم داخلة في حيز الصلة، وملة ابراهيم مفعول به، وحنيفا حال من فاعل اتبع أو من ابراهيم أي: مائلا الى الدين القويم (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا) الواو واو الاعتراض، وجملة اتخذ الله ابراهيم اعتراضية، فائدتها التوكيد على تقريب ابراهيم وتمييزه بأنه اتخذه الله خليلا، وخليلا مفعول به ثان لاتخذ (وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) الواو استئنافية، ولله متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وما اسم موصول مبتدأ مؤخر، وفي السموات متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وما في
الأرض عطف على ما في السموات (وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً) الواو عاطفة أو استئنافية، وكان واسمها، ومحيطا خبرها، وبكل شيء متعلقان ب «محيطا».
البلاغة:
في قوله تعالى: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا) اعتراض والاعتراض عبارة عن جملة أو أكثر تعترض أثناء الكلام أو بين الكلامين المتصلين وتفيد زيادة في معنى غرض المتكلم غير دفع الإيهام وقد تقدم الكلام عليه عند قوله في البقرة «ولن تفعلوا» ونضيف اليه انه يكون لأغراض متعددة فقد يكون للتنبيه والبيان، قال الشاعر:
واعلم فعلم المرء ينفعه ان سوف يأتي كل ما قدرا
فقوله «فعلم المرء ينفعه» اعتراض للتنبيه والبيان ومثله ما يحكى أن الراضي بالله كتب يعتذر الى أخيه المقتفي وهما في المكتب، وكان المقتفي قد اعتدى على الراضي والراضي هو الكبير منهما فكتب اليه الراضي.
يا ذا الذي يغضب من غير شي اعتب فعتباك حبيب إليّ
أنت على انك لي ظالم أعز خلق الله كلّا عليّ
فقوله: على انك لي ظالم اعتراض للتنبيه أما في الآية المتقدمة فهي تفيد التأكيد على وجوب اتباع ملة ابراهيم لأن من بلغت به الرتبة والزلفى عند الله أن اتخذه خليلا يوافقه في الخلال كان جديرا بأن تتبع ملته.
وقيل في سبب تسميته ابراهيم خليل الله ان ابراهيم عليه السلام بعث الى خليل له بمصر في أزمة أصابت الناس يمتار منه فقال خليله:
لو كان ابراهيم يطلب الميرة لنفسه لفعلت ولكنه يريدها للاضياف فاجتاز غلمانه ببطحاء لينة، فملئوا منها الغرائر (أي العدول) حياء من الناس فلما أخبروا ابراهيم عليه السلام ساءه الخبر وحملته عيناه وعمدت امرأته الى غرارة منها فأخرجت أحسن حواري (أي دقيق) واختبزت واشتم ابراهيم رائحة الخبز فقال: من أين لكم؟ فقالت امرأته: من خليلك المصري فقال: بل من عند خليلي الله عز وجل فسماه الله خليلا.
[سورة النساء (٤) :آية ١٢٧]
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧)
اللغة:
(يَسْتَفْتُونَكَ) :يطلبون منك الفتوى. والفتوى بفتح الفاء، والفتيا بضمها، والجمع الفتاوي بكسر الواو، ويجوز الفتاوى بفتحها للتخفيف.
الإعراب:
(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة للعودة الى ذكر النساء، وبقية ما يتعلق بهنّ من أحكام. ويستفتونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به، وفي النساء متعلقان به، وقل فعل أمر وفاعله أنت، والجملة مستأنفة أيضا، والله مبتدأ، ويفتيكم فعل مضارع ومفعول به، والجملة خبر، وجملة الله يفتيكم في محل نصب مقول القول، وفيهن متعلقان بيفتيكم (وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ) لك أن تجعل الواو عاطفة فيكون اسم الموصول معطوفا على الله، أي: الله يفتيكم والمتلوّ في كتابه.
ولك أن تجعلها اعتراضية فتكون الجملة معترضة لا محل لها، وتكون «ما» مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله، أي: يفتيكم. وعليكم متعلقان بيتلى، وفي الكتاب متعلقان بمحذوف حال، وفي يتامى النساء متعلقان بمحذوف بدل من «فيهن». وإضافة «يتامى» الى «النساء» من باب اضافة الصفة الى الموصوف (اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ) اللاتي اسم موصول صفة للنساء، وجملة لا تؤتونهن صلة، وما اسم موصول مفعول به ثان، وجملة كتب صلة، ولهن متعلقان بكتب (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) عطف على تؤتونهن. وأن تنكحوهن مصدر مؤوّل منصوب بنزع الخافض وهو «في»، أي:
في أن تنكحوهن لجمالهن وما لهنّ، أو «عن»، أي: ترغبون عن نكاحهن لدمامتهن وفقرهن، فهو من الكلام الموجه كما سيأتي في باب البلاغة (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ)
عطف على يتامى النساء ومن الولدان متعلقان بمحذوف حال (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ) الواو عاطفة والمصدر المؤول مجرور عطفا على المستضعفين، أو تجعل المصدر منصوبا بنزع الخافض، فيكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف
معطوف على ما تقدم، أي: ويأمركم بأن تقوموا. ولليتامى متعلقان بمحذوف حال، وبالقسط متعلقان بتقوموا (وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً) الواو استئنافية، وما اسم شرط جازم مبتدأ، وتفعلوا فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون، ومن خير متعلقان بتفعلوا، والفاء رابطة، وجملة إن الله في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «ما»، وجملة كان في محل رفع خبر «إن» وعليما خبر كان. وبه الجار والمجرور متعلقان ب «عليما».
البلاغة:
في هذه الآية الكلام الموجه، وهو الذي يحتمل معنيين متضادين، وقد سبقت الاشارة اليه، وذلك في قوله: «وترغبون أن تنكحوهن»، فهن إما جميلات أو دميمات حسب تقدير الجار. روي أن عمر بن الخطاب كان إذا جاءه ولي اليتيمة نظر فان كانت جميلة قال: زوجها غيرك. والتمس لها من هو خير منك، وإن كانت دميمة ولا مال لها قال: تزوجها فأنت أحق بها، وروى مسلم عن عائشة قالت: هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها، فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن ينقص من صداقها، فنهوا عن نكاحهنّ إلا أن تقسطوا لهنّ في إكمال الصّداق، وأمروا بنكاح سواهن. قالت عائشة: فاستفتى الناس رسول الله ﷺ فأنزل الله عز وجل: «ويستفتونك في النساء» الى قوله: «وترغبون أن تنكحوهن» فبيّن لهم أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها، ولم يلحقوها بسنّتها في إكمال الصداق، وإذا كانت مرغوبا عنها في قلة الجمال تركوها تركوها والتمسوا غيرها. هذا وقد تقدم القول في الكلام الموجه،
وبقي أن نقول: إن مما يحتمل المعنيين المتضادين قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام» فهذا الحديث يستخرج منه معنيان ضدان:
أحدهما أن المسجد الحرام أفضل من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخر أن مسجد رسول الله ﷺ أفضل من المسجد الحرام بل تفضل ما دونها، بخلاف المساجد الباقية، فإن ألف صلاة تقصر عن صلاة واحدة فيه. ومن ذلك قول النبي ﷺ لأزواجه: «أطولكنّ يدا أسرعكن لحوقا بي». فلما مات صلوات الله عليه جعلن يطاولن بين أيديهن، حتى ينظرن أيتهنّ أطول يدا، ثم كانت زينب أسرعهن لحوقا به، وكانت كثيرة الصدقة، فعلمن حينئذ أنه لم يرد الجارحة وإنما أراد الصدقة. فهذا القول يدل على المعنيين المشار إليهما. ومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فلم يقل لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته؟ وهذا القول يحتمل وجهين من التأويل، أحدهما وصف رسول الله ﷺ بالصبر على خلق من يصحبه، والآخر أنه وصف نفسه بالفطنة والذكاء فيما يقصده من الأعمال، كأنه متفطّن لما في نفس الرسول، فيفعله من غير حاجة الى استئذانه. ومن ذلك ما ورد في أحد الأدعية النبوية، فانه ﷺ دعا على رجل من المشركين فقال: «اللهمّ اقطع أثره» وهذا يحتمل ثلاثة أوجه من التأويل:
الأول أنه دعا عليه بالزّمانة، لأنه إذا زمن لا يستطيع أن يمشي على الأرض، فينقطع حينئذ أثره. الوجه الثاني: أنه دعا عليه بأن لا يكون له نسل من بعده ولا عقب. الوجه الثالث: أنه دعا عليه بأن لا يكون
له أثر من الآثار مطلقا، وهو أن لا يفعل فعلا يبقى أثره من بعده، كائنا ما كان، من عقب أو بناء أو غراس أو غير ذلك.
قصة خالد بن الوليد وعبد المسيح:
ومن ذلك ما يحكى عن عبد المسيح بن بقيلة لما نزل بهم خالد بن الوليد على الحيرة، وذلك أنه خرج اليه عبد المسيح بن بقلية، فلما مثل بين يديه قال: أنعم صباحا أيها الملك فقال له خالد:
- قد أغنانا الله عن تحيتك هذه بسلام عليكم، ثم قال له:
- من أين أقصى أثرك؟
قال: من ظهر أبي.
قال: فمن أين خرجت؟
قال: من بطن أمي.
قال: فعلام أنت؟
قال: على الأرض.
قال: ففيم أنت؟
قال: في ثيابي.
قال: ابن كم أنت؟
قال: ابن رجل واحد.
قال خالد: ما رأيت كاليوم قطّ، أنا أسأله عن الشيء وهو ينحو في غيره!
وهذا من توجيه الكلام على نمط حسن، وهو يصلح أن يكون جوابا لخالد عما سأل، وهو يصلح أن يكون جوابا لغيره مما ذكره عبد المسيح بن بقيلة.
توجيه طريف لافلاطون:
ومما يجري على هذا النهج ما يحكى عن أفلاطون أنه قال:
«ترك الدواء دواء»، فذهب بعض الأطباء أنه أراد: إن لطف المزاج وانتهى الى غاية لا يحتمل الدواء فتركه حينئذ والاضراب عنه دواء.
وذهب آخرون أنه أراد بالترك الوضع، أي وضع الدواء على الداء دواء. يشير بذلك الى حذق الطبيب في أوقات علاجه.
التوجيه المضاد في الشعر:
فاذا عدنا الى الشعر وأينا الفرزدق ينحو في شعره هذا النحو من التوجيه فيقول:
إذا جعفر مرّت على هضبة الحمى فقد أخزت الاحياء منها قبورها
وهذا- كما ترى- يدل على معنيين متضادين: أحدهما ذمّ الاحياء، والآخر ذم الأموات. أما ذم الاحياء فهو أنهم خذلوا الأموات، يريد أنهم تلاقوا في قتالهم وقوما آخرين ففرّ الاحياء عنهم وأسلموهم، أو أنهم استنجدوهم فلم ينجدوهم. وأما ذم الأموات فهو أن لهم مخازي وفضائح توجب عارا وشنارا، فهم يعيرون بها الاحياء ويلصقونها بهم.
بيت لأبي تمام:
وعلى هذا ورد قول أبي تمّام:
بالشعر طول إذا اصطكّت قصائده في معشر وبه عن معشر قصر
فهذا البيت يحتمل تأويلين متضادين: أحدهما أن الشعر يتسع مجاله بمدحك، ويضيق بمدح غيرك. يريد بذلك أن مآثره كثيرة، ومآثر غيره قليلة. والآخر: أن الشعر يكون ذا فخر ونباهة بمدحك، وذا خسول وتبليد بمدح غيرك. فلفظة الطول يفهم منها ضدّ القصر، ويفهم منها الفخر، من قولنا:
طال فلان على فلان أي فخر عليه.
بيت أبي كبير الهذليّ:
ومما ينتظم بهذا السلك قول أبي كبير الهذلي:
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
وهذا يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما أنه أراد بسعي الدهر سرعة تقضّي الأوقات مدة الوصال، فلما انقضى الوصل عاد الدهر الى حالته في السكون والبطء، والآخر أنه أراد بسعي الدهر سعي أهل الدهر بالنمائم والوشايات، فلما انقضى ما كان بينهما من الوصل سكنوا وتركوا السعاية. وهذا من باب وضع المضاف اليه مكان المضاف، كقوله تعالى: «واسأل القرية» أي: أهل القرية.
بيت أبي الطيب المتنبي:
ومن المعنى الدقيق في هذا الصدد قول أبي الطيب المتنبي في مديح عضد الدولة:
لو فطنت خيله لنائله لم يرضها أن تراه يرضاها
وهذا يستنبط منه معنيان ضدان: أحدهما أن خيله لو علمت مقدار عطاياه النفيسة لما رضيت له بأن تكون من جملة عطاياه، لأن عطاياه أنفس منها. والآخر أن خيله لو علمت أنّه يهبها من جملة عطاياه لما رضيت ذلك إذ تكره خروجها عن ملكه.
وبين الحقيقة والمجاز:
وهذا كله لا يعدو الحقيقة، فإذا احتمل الحقيقة والمجاز وتجاذباه، بلغ أسمى درجات الإعجاز، وسيأتي في مواطنه. ولكننا حرصا على إتمام البحث نورد مثالا واحدا من الشعر، وفيه نرى المعنيين مجازيين كقول أبي تمام:
قد بلونا أبا سعيد حديثا وبلونا أبا سعيد قديما
ووردناه ساحلا وقليبا ورعيناه بارضا وجميما
فعلمنا أن ليس إلّا بشق النفس صار الكريم يدعى كريما
فالساحل والقليب يستخرج منهما تأويلان مجازيان، أحدهما أنه أراد بهما الكثير والقليل بالنسبة الى الساحل والقليب، والآخر أنه أراد بهما
السبب وغير السبب، فإن الساحل لا يحتاج في ورده الى سبب، والقليب يحتاج في ورده الى سبب، وكلا هذين المعنيين مجاز، فإن حقيقة الساحل والقليب غيرهما، والوجه هو الثاني لأنه أدلّ على بلاغة القائل، ومدح المقول فيه. أما بلاغة القائل فالسلامة من هجنة التكرير، والمخالفة بين صدر البيت وعجزه يدلّ على القليل والكثير، لأن البارض هو أول النبت حين يبدو، فإذا كثر وتكاثف سمي جميما، فكأنه قال:
أخذنا منه تبرعا ومسألة، وقليلا وكثيرا، وأما مدح المقول فيه فلتعداد حالاته الأربع في تبرعه وسؤاله، وإكثاره وإقلاله، وما في معاناة هذه الأحوال من المشاق. والكلام في هذا يطول، ولكنه كالحسن غير مملول.
الفوائد:
١- يقاس حذف الجار في أنّ وأن بشرط أمن اللبس، ويشكل عليه قوله تعالى: «وترغبون أن تنكحوهن» فحذف الجار هنا مع أن اللبس موجود، بدليل أن المفسرين اختلفوا في المراد، فبعضهم قدر «في» وبعضهم قدر «عن»، واستدل كلّ على ما ذهب اليه، وأجيب عنه بجوابين:
أ- أن يكون حذف الجر اعتمادا على القرينة الرافعة للّبس.
ب- أن يكون حذف لقصد الإبهام ليرتدع بذلك من يرغب فيهن لجمالهنّ ومالهنّ، ومن يرغب عنهن لدمامتهن وفقرهن.
فالاختلاف إذن في القرينة.
٢- أجازوا في يتامى النساء أوجها أخرى نوردها ترويضا للذهن
منها انهما بدل اشتمال من قوله في الكتاب ولا بد من تقدير مضاف أي في حكم يتامى النساء ولا شك أن الكتاب مشتمل على ذكر أحكامهن ومنها أنهما متعلقان بيتلى وساغ تعلق حرفي جر بلفظ واحد لأن معناهما مختلف. قال أبو البقاء: كما تقول: جئتك في يوم الجمعة في أمر زيد ومنها أنهما متعلقان بمحذوف حال أي كائنا في حكم يتامى النساء.
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٢٨ الى ١٣٠]
وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (١٣٠)
اللغة:
(النّشوز) النبوة والتجافي عنها، وأن يمنعها نفسه وثقته ومحبته، وتطمح عيناه الى أجمل منها.
(الإعراض:) أن يقلّ محادثتها ومؤانستها ومضاجعتها.
(المعلقة:) هي التي ليست بذات بعل ولا مطلقة، قالت:
هل هي إلا حظة أو تطليق أو صلف أو بين ذاك تعليق
وهذا بيت طريف، تستنكر الشاعرة حالة الزوجة مع زوجها، وتصفها بأنها ليست سوى حظة صغيرة بحظوة الزوج بها، أو تطليق لها، أو صلف، أي عدم حظوة من الزوج. يقال: نساء صلائف وصالفات: لم يحظهنّ الزوج، أو تعليق بين ذلك المذكور من الأحوال.
والحظ النصيب والجد، ولعل الحظة واحد الحظّ، وصلفت المرأة صلفا إذا لم تحظ عند زوجها وأبغضها.
الإعراب:
(وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة لتقرير حكم من أهم الأحكام، ومعالجة لأخطر موضوع اجتماعي. وأن شرطية وامرأة فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، ولا يجوز رفعها على الابتداء، لأن الشرط يتقاضى الفعل، وجملة خافت من بعلها مفسرة لا محل لها، ومن بعلها متعلقان بخافت أو بمحذوف حال، لأنه كان صفة في الأصل ل «نشوزا» فلما قدم عليها أعرب حالا. ونشوزا مفعول به وإعراضا عطف على «نشوزا» (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً) الفاء رابطة، ولا نافية للجنس، وجناح اسمها، وعليهما متعلقان بمحذوف خبرها، وأن يصلحا بينهما مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض أي: في أن يصلحا، والجار والمجرور متعلقان بجناح أو بمحذوف صفة له، وبينهما ظرف متعلق بمحذوف حال، لأنه كان صفة ل «صلحا» ثم تقدمت الصفة على الموصوف فأعربت حالا. وصلحا مفعول مطلق وتفاصيل الصلح مبسوطة في كتب الفقه (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) الواو اعتراضية، والجملة من
المبتدأ والخبر معترضة لا محل لها (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) الواو اعتراضية أيضا، وأحضرت فعل ماض مبني للمجهول، والأنفس نائب فاعل، والشحّ مفعول به ثان، والجملة معترضة أيضا (وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) الواو عاطفة أو استئنافية، وإن شرطية وتحسنوا فعل الشرط وتتقوا عطف عليه، وجواب الشرط محذوف للعلم به، أي: فالاحسان والاتقاء خير، والفاء تعليلية، وإن واسمها، وجملة كان خبرها، وبما تعملون متعلقان ب «خبيرا»، وجملة تعملون لا محل لها لأنها صلة الموصول، وخبيرا خبر كان (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ) الواو استئنافية، ولن حرف نفي ونصب واستقبال، وتستطيعوا مضارع منصوب بلن وعلامة نصبه حذف النون، وأن تعدلوا مصدر مؤول مفعول به لتستطيعوا، وبين النساء ظرف متعلق بتعدلوا (وَلَوْ حَرَصْتُمْ) الواو حالية، ويسميها بعضهم وصلية، ولو شرطية، وحرصتم فعل وفاعل (فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ) الفاء الفصيحة، أي: إذا عرفتم ذلك فلا تميلوا، فتكون الجملة لا محل لها، ولا ناهية، وتميلوا مضارع مجزوم بلا، وكل الميل مفعول مطلق، فتذروها الفاء هي السببية، فتنصب تذروها بأن مضمرة بعدها، لأنها وقعت في جواب النهي، ويجوز أن تكون الفاء عاطفة، فتجزم «تذروها» عطفا على تميلوا، وكالمعلقة الكاف اسم بمعنى مثل فتكون في محل نصب على الحال من الهاء في تذروها، أو هي جارّة فيتعلق الجار والمجرور بمحذوف على الحالية كما تقدم، أي:
مشابهة للمعلقة. (وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) تقدم اعراب مثيلتها قريبا (وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ) الواو عاطفة، وإن شرطية، ويتفرقا فعل الشرط وألف الاثنين فاعل، ويغن جواب الشرط علامة جزمه حذف حرف العلة، والله فاعل، وكلّا
مفعول به، ومن سعته متعلقان ب «يغن» (وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً) تقدم إعرابه كثيرا.
الفوائد:
١- إذا وقع ما هو فاعل في المعنى بعد أداة مختصة بالأفعال أعرب فاعلا لفعل محذوف يفسّره الفعل المذكور بعده، لأن اختصاص هذه الأدوات بالفعل يحتم ذلك، وإلا وقع التناقض، وذلك مثل أدوات الشرط. وأجاز الكوفيون وبعض البصريين إعرابه مبتدأ، وساغ الابتداء به إذا كان نكرة تقدمت أداة الشرط عليه، أما إذا كانت الأداة مترجحة بين الفعل والاسم نحو: «أبشر يهدوننا» فيجوز إعرابه «بشر» مبتدأ، وهو الأرجح، وجملة يهدوننا خبره، ويجوز إعرابه فاعلا لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور بعده، وهو «يهدوننا»، لأن همزة الاستفهام تتعاور كلّا من الاسم والفعل.
٢- يجوز حذف ما علم من شرط إذا كانت الأداة «إن» أو «من» حال كونها مقرونة ب «لا» النافية، كقول الأحوص:
فطلّقها فلست لها بكفء وإلا يعل مفرقك الحسام
أي وإلّا تطلقها يعل مفرقك الحسام. وقد يتخلف واحد من «إن» والاقتران بلا، وقد يتخلفان معا. فالأول ما حكاه ابن الأنباري في الإنصاف عن العرب: من يسلّم عليك فسلم عليه، ومن لا فلا تعبأ به. أي: ومن لا يسلم عليك فلا تعبأ به. والثاني نحو:
«وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا» فحذف الشرط مع انتفاء الاقتران ب «لا»، أي: وإن خافت امرأة خافت...
والثالث كقوله:
متى تؤخذوا قسرا بظنّة عامر ولم ينج إلا في الصفاد أسير
أي متى تثقفوا تؤخذوا، فحذف الشرط مع انتفاء الأمرين.
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٣١ الى ١٣٢]
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (١٣١) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٣٢)
الإعراب:
(وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) الواو استئنافية، ولله متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وما اسم موصول مبتدأ مؤخر، وفي السموات متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وما في الأرض عطف على ما في السموات (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ) الواو استئنافية، واللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق ووصينا فعل وفاعل والذين مفعول به وجملة أوتوا الكتاب صلة
والكتاب مفعول به ثان ل «أوتوا» وجملة قد وصينا لا محل لها لأنها جواب للقسم المقدّر، ومن قبلكم متعلقان بمحذوف حال، وإياكم عطف على الذين، أي: ووصيناكم (أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) أن مفسرة بمعنى أي، لأن التوصية في معنى القول، أو مصدرية، وهي والفعل بعدها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، أي: بأن اتقوا والجار والمجرور متعلقان بوصينا (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) الواو حرف عطف، وإن حرف شرط جازم، وتكفروا فعل الشرط والجواب محذوف تقديره: فلن تضروه شيئا، والفاء عاطفة، وإن حرف مشبه بالفعل ولله متعلقان بمحذوف خبر إن المقدم، وما اسم موصول اسم إنّ المؤخر، وفي السموات متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وما في الأرض عطف على ما في السموات (وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً) الواو عاطفة وكان واسمها وخبراها (وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر «ما» المقدم وما اسم موصول مبتدأ مؤخر، وفي السموات جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وما في الأرض عطف على ما في السموات (وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا) الواو استئنافية وكفى فعل ماض، والباء حرف جر زيد بالفاعل وهو الله، ووكيلا تمييز.
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٣٣ الى ١٣٤]
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (١٣٣) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (١٣٤)
الإعراب:
(إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ) إن شرطية ويشأ فعل الشرط، ويذهبكم جواب الشرط وأيها الناس تقدم إعرابه ويأت عطف على بذهبكم، وبآخرين جار ومجرور متعلقان بيأت (وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً) الواو حالية أو استئنافية، وكان واسمها، وقديرا خبرها، وعلى ذلك متعلقان ب «قديرا» (مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا) من اسم شرط جازم مبتدأ، وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، واسمها مستتر يعود على «من»، وجملة يريد خبرها، وثواب الدنيا مفعول به (فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) الفاء رابطة للجواب، وعند ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، ولفظ الجلالة مضاف اليه، وثواب الدنيا والآخرة مبتدأ مؤخر، والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من»، (وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً) الواو استئنافية، وكان واسمها وخبراها.
[سورة النساء (٤) :آية ١٣٥]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥)
اللغة:
(القسط) العدل. وفي المصباح المنير: قسط يقسط قسطا، من باب ضرب: جار وعدل أيضا، فهو من الأضداد، قاله ابن القطّاع. وأقسط بالألف: عدل، والاسم القسط بالكسر.
(تَلْوُوا) :تميلوا ألسنتكم معرضين عن الحق. ويقال: لواني الرجل حقي، والقوم يلوونني ديني وذلك إذا مطلوه ليّا. فالمراد باللي المطل، قال الأعشى:
يلوينني ديني النّهار وأقتضي ديني إذا وقذ النّعاس الراقدا
وهذا البيت من أبيات جياد أولها:
إن الغواني لا يواصلن امرأ فقد الشباب وقد يصلن الأمردا
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعراب نظائره (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) كلام مستأنف مسوق للقيام بالقسط مع الغنيّ والفقير على السواء، وكونوا فعل أمر ناقص والواو اسمها، وقوامين خبرها، وبالقسط متعلقان بقوامين (شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ) شهداء خبر ثان لكونوا، ولله جار ومجرور متعلقان بشهداء والواو حالية، ولو شرطية، وعلى أنفسكم متعلقان بمحذوف خبر لكان المحذوفة هي واسمها بعد لو الشرطية، أي: ولو كانت الشهادة على أنفسكم،
وجواب لو محذوف، أي فلا تحجموا عن أداء الشهادة. (أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) عطف على أنفسكم (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما) إن شرطية ويكن فعل مضارع ناقص فعل الشرط واسم يكن ضمير مستتر تقديره: المشهود عليه، وغنيا خبر يكن، أو حرف عطف وفقيرا عطف على «غنيا»، فالله الفاء رابطة لجواب الشرط، والله مبتدأ وأولى خبر وبهما متعلقان بأولى، والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط (فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا) الفاء الفصيحة ولا ناهية، وتتبعوا فعل مضارع مجزوم بلا، والواو فاعل، والهوى مفعول به، وأن وما في حيزها في تأويل مصدر مفعول لأجله من «تعدلوا»، إما من العدل فيكون التقدير كراهية أن تعدلوا وإما من العدول فيكون التقدير: بغية أن أن تعدلوا (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) الواو عاطفة وإن شرطية، تلووا فعل الشرط، أو تعرضوا عطف عليه، وجواب الشرط محذوف دلت عليه الفاء الرابطة، والتقدير يعاقبكم، وإن واسمها، وجملة كان خبرها وبما تعملون متعلقان ب «خبيرا»، وجملة تعملون لا محل لها لأنها صلة الموصول، وخبيرا خبر «كان» والجملة كلها تعليل لما تقدم لا محل لها.
الفوائد:
١- اختلف النحاة في عود الضمير في قوله: «بهما»، والقاعدة أنه إذا عطفت ب «أو» كان الحكم في عود الضمير أو الاخبار وغيرهما لأحد الشيئين أو الأشياء، فتقول: زيد أو عمرو أكرمته، ولا يقال: أكرمتهما، وعلى هذا يرد الاعتراض الآتي: كيف ثنى الضمير في قوله «بهما» والعطف ب «أو» ؟ وتقرير الجواب يتلخص فيما يلي:
أ- إن الضمير في «بهما» ليس عائدا على الغني والفقير المذكورين، بل على جنس الغني والفقير، والجنس واحد.
ب- إن «أو» ليست للتخيير بل للتفصيل، وهذا ما جنح اليه أبو البقاء، فقال ما معناه: إن كل واحد من المشهود له والمشهود عليه يجوز أن يكون غنيا وأن يكون فقيرا، وقد يكونان غنيين وقد يكونان فقيرين، فلما كانت الأقسام عند التفصيل على ذلك، ولم تذكر، أتى ب «أو» لتدل على التفصيل، فعلى هذا يكون الضمير في «بهما» عائدا على المشهود له والمشهود عليه. على أيّ وصف كانا عليه.
عبارة ابن جرير:
أما ابن جرير فقال: أريد: فالله أولى بغنى الغنيّ وفقر الفقير، لأن ذلك منه لا من غيره، فلذلك قال: «بهما» ولم يقل «به».
وقال آخرون: أو بمعنى الواو في هذا الموضع.
٢- كثر حذف «كان» واسمها بعد «إن» و «لو» الشرطيتين.
لأن «إن» أمّ الأدوات الجازمة، و «لو» أم الأدوات غير الجازمة، كما أن «كان» أمّ بابها. وهم يتوسّعون في الأمهات ما لم يتوسعوا في غيرها. ومن أمثلة حذف كان واسمها بعد إن في الشعر قول النعمان بن المنذر:
قد قيل ما قيل إن صدقا وإن كذبا فما اعتذارك من قول إذا قيلا
أي: إن كان المقول صدقا وإن كان المقول كذبا. ومن أمثلة حذفها مع اسمها بعد «لو» قول الآخر:
لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا جنوده ضاق عنها السهل والجبل
أي: ولو كان الباغي ملكا.
[سورة النساء (٤) :آية ١٣٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١٣٦)
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ) كلام مستأنف مسوق للأمر بالثبات على الايمان.
وآمنوا فعل أمر والواو فاعل، وبالله متعلقان بآمنوا، ورسوله عطف على الله، والكتاب عطف أيضا، والذي صفة للكتاب، وجملة نزل على رسوله صلة الموصول (وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ) والكتاب عطف أيضا، أي جنس الكتاب، فالمراد الكتب المنزّلة، والذي صفة وجملة أنزل صلة الموصول ومن حرف جر، وقبل ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الاضافة لفظا لا معنى، والجار والمجرور متعلقان بأنزل (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويكفر فعل الشرط، وبالله متعلقان بيكفر،
وما بعده عطف عليه (فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً) فقد الفاء رابطة لجواب الشرط، وقد حرف تحقيق، وضل فعل ماض وضلالا مفعول مطلق، وبعيدا صفة. والجملة في محل جزم جواب الشرط، وجملة فعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر «من».
[سورة النساء (٤) :آية ١٣٧]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (١٣٧)
الإعراب:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً) كلام مستأنف مسوق لوصف ترجح اليهود والمنافقين في مهاوي الفتن والقلق. وإن واسمها، وجملة آمنوا صلة، وكرر العطف تبيانا لمآلهم وصيرورتهم وترجحهم بين الكفر والايمان، وكفرا تمييز (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) الجملة خبر إنّ، ولم حرف نفي وقلب وجزم، ويكن فعل مضارع ناقص، والله اسمها وليغفر اللام لام الجحود، ويغفر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعدها، والجار والمجرور- لام الجحود والمصدر المؤول- متعلقان بمحذوف خبر يكن، أي: مريدا ليغفر لهم، والجار والمجرور «لهم» متعلقان بيغفر ولا ليهديهم عطف على ما تقدم وسبيلا مفعول به ثان ليهديهم، أو منصوب بنزع الخافض، والجار والمجرور متعلقان بيهديهم.
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٣٨ الى ١٤٠]
بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (١٤٠)
اللغة:
(بَشِّرِ) البشارة: الخبر السارّ، وسمي الخبر السار بشارة لأنه يظهر سرورا في البشرة، أي ظاهر الجلد. وسيأتي مزيد منه في باب البلاغة.
(العزة) :معروفة، وأصلها في اللغة: الشدة. ومنه قيل للارض الصلبة الشديدة عزاز بفتح العين، وقيل: قد استعزّ على المريض: إذا اشتد، ومنه قيل: عزّ عليّ أن يكون كذا وكذا أي: اشتدّ.
الإعراب:
(بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) كلام مستأنف مسوق للتنديد بالمنافقين. وبشر المنافقين فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به، والباء
حرف جر وأن وما في حيزها في محل جر بالباء والجار والمجرور متعلقان ب «بشّر»، ولهم متعلقان بمحذوف خبر أن المقدم، وعذابا اسمها المؤخر، وأليما صفة (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) الذين نعت للمنافقين أو منصوب على الذم لأنهم يوالون اليهود، وجملة يتخذون صلة الموصول، والواو فاعل والمؤمنين مفعول به أول، وأولياء مفعول به ثان، ومن دون المؤمنين متعلقان بمحذوف حال من فاعل يتخذون أو صفة لأولياء (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ؟) الهمزة للاستفهام الإنكاري، ويبتغون فعل مضارع والواو فاعل، وعندهم ظرف متعلق بيبتغون، والعزة مفعول به، والجملة مستأنفة مسوقة للإنكار عليهم، ولك أن تجعلها نصبا على الحال، أي: متوهمين أن لديهم العزة (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) الفاء للتعليل وإن واسمها، ولله الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبرها، وجميعا حال، والجملة تعليلية لا محل لها (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها) الواو استئنافية وقد حرف تحقيق، ونزل فعل ماض وفاعله مستتر، وعليكم متعلقان بنزل، وفي الكتاب متعلقان بنزل أيضا أو بمحذوف حال. وأن المفتوحة الهمزة هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وهي في تأويل مصدر مفعول «نزل»، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط، وجملة سمعتم في محل جر بالإضافة، وآيات الله مفعول به وجملة إذا وشرطها وجزاؤها خبر «أن» وجملة يكفر بها حالية. وجملة ويستهزأ بها عطف عليها، وبها جار ومجرور سد مسد نائب الفاعل في الفعلين (فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) الفاء رابطة لجواب إذا، ولا ناهية وتقعدوا فعل مضارع مجزوم بلا، ومعهم ظرف مكان متعلق بمحذوف حال، وحتى حرف غاية وجر ويخوضوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى، والجار
والمجرور متعلقان بتقعدوا، وفي حديث متعلقان بيخوضوا وغيره صفة لحديث (إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) إن واسمها، واذن حرف جواب وجزء مهمل لتوسطه، ومثلهم خبر إن، ولم يطابق بين الاسم والخبر فأفرد «مثل» وأخبر بها عن الجمع كما طابق في موضع آخر فقال: «وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون» لأن «مثل» بمعنى المصدر، وتقدير المعنى إن عصيانكم مثل عصيانهم والجملة لا محل لها لأنها تعليل للنهي (إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) الجملة تعليل ثان للمثلية، وسيأتي مزيد من هذه المثلية في باب البلاغة، وإن واسمها وخبرها. وفي جهنم متعلقان بجامع، وجميعا حال.
البلاغة:
١- التهكم في قوله «بشر». والتهكم في الأصل اللغوي تهدّم البناء، يقال: تهكمت البئر إذا تهدمت، والغضب الشديد والتندّم على الأمر الفائت. وفي الاصطلاح البلاغي هو الاستهزاء والسخرية من المتكبرين لمخاطبتهم بلفظ الإجلال في موضع التحقير، والبشارة في موضع التحذير، والوعد في موضع الوعيد. وإنما بسطنا القول في هذا الفن بشيء من التفصيل لأن القرآن طافح بأمثلة التهكم، وستأتي في مواضعها. ومن طريف هذا الفن في الشعر قول ابن الرومي:
فيا له من عمل صالح... يرفعه الله الى أسفل
وله في وصف ابن حصينة الأحدب من أبيات غاية في التهكم الذي وضع المديح موضع الهزء والسخرية:
لا تظنّنّ حدبة الظهر عيبا فهي في الحسن من صفات الهلال
وكذاك القسيّ محدودبات وهي أنكى من الظّبا والعوالي
وإذا ما علا السنام ففيه لقدوم الجمال أي جمال!!
وأرى الانحناء في منسر البا زي ولم يعد مخلب الرئبال
ما رأتها النساء إلا تمنّت لو غدت حلية لكل الرجال
وختم ابن الرومي هذه الصورة الفنية الساخرة بقوله:
وإذا لم يكن من الهجر بدّ فعسى أن تزورني في الخيال
٢- الاستعارة التصريحية التبعية في قوله «بشر» لأن البشارة الخبر السار، وسمي بشارة لأنه يظهر سرورا في البشرة، أي:
ظاهر الجلد.
٣- التشبيه في قوله: «إنكم إذن مثلهم»، والمثلية بين الكافرين والمنافقين تظهر في الآية بين القاعدين والمقعود معهم، فإن الذين يشايعون الكفرة ويوالونهم ويمدون أيدي الاستخذاء والذل إليهم مع قدرتهم على الصمود والتحدي هم مثل الكفرة، وإن لم يكونوا منهم، بل إن شرهم أشد والخطر منهم أجدر بالحذر، لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين، والراضي بالكفر كافر.

[سورة النساء (٤) :آية ١٤١]

الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (١٤١)
اللغة:
(يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ) ينتظرون ما يتجدد لكم من ظفر أو إخفاق.
وفي المصباح: «تربصت الأمر تربّصا: انتظرته. والرّبصة وزان غرفة: اسم منه، وتربصت الأمر بفلان: انتظرت وقوعه به. ويغلب أن تردفه كلمة الدوائر، وهي تكون دائما في الشر، لأنها دائرة، أي الأمور التي تدور وتحدث في الزمن من النوائب والمحن، ولكنها هنا محتلة للخير والشر معا، بدليل التفصيل بقوله: «فإن كان لكم فتح» إلخ...
(نَسْتَحْوِذْ) :مضارع استحوذ، وهو ما شذّ قياسا وفصح استعمالا، لأن من حقه نقل حركة حرف علته الى الساكن قبلها وقلبها ألفا. كاستقام واستعاد ونحوهما. والاستحواذ: التغلب على الشيء والاستيلاء عليه، يقال: حاذ وأحاذ، فهو ثلاثي ورباعي بمعنى.
وأحوذ، ومن لغة من قال أحوذ قول لبيد في صفة غير وأتن:
إذا اجتمعت وأحوذ جانبيها وأوردها على عوج طوال
الإعراب:
(الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ) اسم الموصول صفة للمنافقين أو منصوب
على الذم، وجملة يتربصون بكم صلة الموصول (فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟) الفاء استئنافية، وإن شرطية، وكان فعل ماض ناقص فعل الشرط، ولكم متعلقان بمحذوف خبرها المقدم، وفتح اسمها المؤخر، ومن الله متعلقان بمحذوف صفة لفتح، وقالوا فعل وفاعل في محل جزم جواب الشرط، وجملة ألم نكن معكم في محل نصب مقول القول، ومعكم ظرف متعلق بمحذوف خبر نكن (وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ) الواو عاطفة وإن شرطية، وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، وللكافرين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان المقدم، ونصيب اسمها المؤخر (قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ) قالوا فعل وفاعل في محل جزم جواب الشرط، وجملة ألم نستحوذ عليكم في محل نصب مقول القول (وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) نمنعكم عطف على نستحوذ، ومن المؤمنين متعلقان بنمنعكم (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) الفاء استئنافية، والله مبتدأ، وجملة يحكم خبر، وبينكم ظرف متعلق بيحكم، وكذلك يوم القيامة (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) الواو عاطفة، ولن حرف نفي ونصب واستقبال، ويجعل مضارع منصوب بلن، والله فاعل، وللكافرين متعلقان بيجعل بمثابة مفعولها الاول، وسبيلا مفعولها الثاني. وعلى المؤمنين متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة لسبيلا وتقدمت عليه.
البلاغة:
في هذه الآية مجاز مرسل، وذلك في قوله «فتح» فقد سمى الظفر الذي ناله المسلمون فتحا باعتبار ما يئول اليه الظفر. لأنه أمر تبتهج له النفوس، وتطمئن اليه القلوب، وتتفتح له أبواب السماء.
وقد رمق الشعراء سماء هذا المعنى وكان السابق في هذا الميدان أبا تمام الطائي في قصيدته فتح الفتوح التي مدح بها المعتصم بالله، ووصف وقعة عمورية، وقد قالها سنة مئتين وثلاث وعشرين للهجرة.
وعمّورية من أعظم بلاد الروم في آسية الصغرى. وكان السبب في زحف المعتصم إليها أن تيوفيل بن ميخائيل ملك الروم خرج الى بلاد المسلمين فبلغ زبطرة، وهي بلدة في آسية الصغرى بين ملطية وسميساط، وفيها ولد المعتصم، فاستباحها قتلا وسبيا، ثم أغار على ملطيه وغيرها، فقتل وسبى ومثّل بالأسرى. وبلغ الخبر المعتصم فاستعظمه، وقيل: إن عربية صاحت وهي في أيدي الروم: وا معتصماه! فأجاب وهو على سريره: لبيك، لبيك. ونهض ونادى بالنفير وسار الى عمورية. وتقول الرواية العربية: إنها المدينة التي ولد فيها تيوفيل، وحاصرها واستدل على عورة في السور فرمى السور من هذه الناحية فتصدع، ودخل العرب المدينة، وذبحوا سكانها وأحرقوها وسبوا نساءها وأولادها، وكان أبو تمام في صحبته وشهد الواقعة بنفسه، وكان المنجمون قد زعموا للمعتصم أن الزمان لا يوافق الفتح، وأن المدينة لا تفتح إلا في وقت نضج التين والعنب، فلم يسمع المعتصم لقولهم وسار بجيشه ففتحها. ونجد أبا تمام يتحدث عن هذا كله في قصيدته فكأنها سجل تاريخي لهذه الموقعة العظيمة، وقد استهلها بقوله:
السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب
فتح الفتوح تعالى أن يحيط به نظم من الشعر أو نثر من ا
لخطب فتح تفتح أبواب السماء له وتبرز الأرض في أثوابها القشب
ثم يقول مخاطبا المعتصم:
لقد تركت أمير المؤمنين بها للنار يوما ذليل الصخر والخشب
ويتحدث عن هزيمة ملك الروم:
لما رأى الحرب رأي العين توفلس والحرب مشتقة المعنى من الحرب
ولى وقد ألجم الخطي منطقه بسكتة تحتها الأحشاء في صخب
تسعون ألفا كآساد الشرى نضجت جلودهم قبل نضج التين والعنب
ومن البلاغة بالمكانة العالية أنه سمى ظفر المسلمين فتحا، وسمى ظفر الكافرين نصيبا، تعظيما لشأن الأولين وتنويها بأن النتيجة الحتمية هي للصابرين المؤمنين المتذرعين بالعقيدة التي لا تتحلحل ولا تهون،
وللإشعار بأن ظفر الكافرين ما هو في عمر الزمن إلا حظ دنيّ، ولحظة من الدنيا يصيبونها، وملاوة من العيش يسبحون في تيارها.
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٤٢ الى ١٤٣]
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (١٤٣)
اللغة:
(مُذَبْذَبِينَ) :المذبذب: الذي يذبّ عن كلا الجانبين. أي:
يذاد ويدفع فلا يقرّ في جانب واحد. وفي الذبذبة تكرير ليس في الذّب، كأن تكرير الحروف إشعار بتكرير المعنى، فهم مترجحون متطوحون في سيّال الحيرة، كلما مال بهم الهوى الى جانب دفعوا الى جانب آخر.
الإعراب:
(إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ)
كلام مستأنف مسوق لبيان نمط آخر من أعمالهم القبيحة. وإن واسمها، وجملة يخادعون الله خبرها، والواو واو الحال، وهو مبتدأ وخادعهم خبر، والجملة نصب على الحال (وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى)
الواو عاطفة
وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط، وجملة قاموا في محل جر بالإضافة، والى الصلاة جار ومجرور متعلقان بقاموا، وجملة قاموا الثانية لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وكسالى حال (يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا)
الجملة حالية، وقد التبس الأمر على أبي البقاء فأعربها بدلا من «كسالى»، وهي ليست كلّا له، ولا بعضا منه، وليس هو مشتملا عليها. وأصل يراءون يرائيون، فجري عليها الإعلال المعروف. والناس مفعول به، ولا يذكرون الله عطف على يراءون الناس، وإلا أداة حصر وقليلا مفعول مطلق، أي:
ذكرا قليلا، أو ظرف أي: وقتا قليلا (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ) مذبذبين حال، لأنه اسم مشتق، وبين ظرف متعلق بمذبذبين، وذلك مضاف إليه، والاشارة الى الكفر والايمان (لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال، أي لا منسوبين الى هؤلاء ولا إلى هؤلاء (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) الواو استئنافية، ومن اسم شرط جازم مبتدأ، ويضلل الله فعل الشرط، والفاء رابطة وجملة لن تجد له سبيلا في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من».
البلاغة:
١- المشاكلة في قوله: «وهو خادعهم» وقد مرت، فجدد بها عهدا. وقد سمى العقاب والجزاء باسم الذنب.
٢- جناس التحريف: وهو ما تماثل ركناه لفظا واختلف أحد ركنيه عن الآخر هيئة، وذلك في قوله: «مذبذبين بين ذلك». ومن أمثلته في الشعر قول صفي الدين الحلي:
شديد البأس في أمر مطاع مضارب كل أقوام مطاعن
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٤٤ الى ١٤٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (١٤٤) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (١٤٦)
اللغة:
(الدرك) :بسكون الراء وفتحها: أقصى قعر الشيء، يقال بلغ الغواص درك البحر. وقال الحريري في درّة الغواص: ويقولون لما ينحدر فيه درجا وهو درك، وما يرتقى فيه درج. وفي الحديث:
«إن الجنة درجات والنار دركات» وتعقّبه بعضهم فقال: إن الأمر في هذا سهل، لأن ما ينحدر فيه يرتقى فيه أيضا.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم اعراب هذا النداء، فجدّد به عهدا (لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) كلام مستأنف مسوق
للنهي عن اتخاذ الكافرين أولياء وأصفياء. ولا ناهية، وتتخذوا فعل مضارع مجزوم بلا، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل، والكافرين مفعول به أول وأولياء مفعول به ثان، ومن دون المؤمنين جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لأولياء (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً) كلام مستأنف مسوق للإنكار عليهم لجنوحهم الى اقامة الحجة على أنفسهم بأيديهم. والهمزة للاستفهام الإنكاري، وتريدون فعل مضارع وفاعل، وأن تجعلوا المصدر المؤول من أن وما في حيزها مفعول تريدون، ولله جار ومجرور متعلقان بتجعلوا بمثابة المفعول الاول، وعليكم متعلقان بمحذوف حال، وسلطانا مفعول به ثان لتجعلوا، ومبينا صفة (إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) الجملة مستأنفة لبيان مصير المنافقين وهو الدرك الأسفل من النار.
وإن واسمها، وفي الدرك متعلقان بمحذوف خبر إن، والأسفل صفة للدرك، ومن النار جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً) الواو عاطفة، ولن حرف نفي ونصب واستقبال، وتجد فعل مضارع منصوب بلن، ولهم جار ومجرور متعلقان ب «نصيرا»، ونصيرا مفعول تجد (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا) إلا أداة استثناء، والذين مستثنى وجملة الاستثناء حالية، وجملة تابوا لا محل لها صلة الموصول (وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ) عطف على تابوا، ودينهم مفعول أخلصوا، ولله جار ومجرور متعلقان بأخلصوا (فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) الفاء استئنافية، واسم الاشارة مبتدأ، ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر أولئك، والمؤمنين مضاف اليه مجرور بالياء (وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً) الواو استئنافية، وسوف حرف استقبال، ويؤتي الله فعل وفاعل، والمؤمنين مفعول به أول، وأجرا مفعول به ثان، وعظيما صفة.

[سورة النساء (٤) :آية ١٤٧]

ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (١٤٧)
الإعراب:
(ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ) كلام مستأنف مسوق لتقرير أن الله سبحانه لا يجلب لنفسه بعذابكم نفعا، ولا يدفع عنها به ضررا. فأي حاجة له في عذابكم؟ وما اسم استفهام في محل نصب مفعول به مقدم ليفعل، ويفعل الله فعل مضارع وفاعل، والجار والمجرور متعلقان بيفعل، والاستفهام هنا معناه النفي، والجملة مستأنفة مسوقة لزيادة الإنكار عليهم (إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ) إن شرطية، وشكرتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف تقديره: فقد تفاديتم العذاب، والجملة مستأنفة أيضا، وآمنتم عطف على شكرتم (وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً) الواو استئنافية، وكان واسمها وخبراها.
الفوائد:
الشكر من الله هو الرضا بالقليل من عمل عباده، وإضعاف الثواب على هذا القليل. والشكر من العباد الطاعة.
لمحة عن المنافقين:
اتفق العلماء على أن المنافق هو من أظهر الايمان وأبطن الكفر.
واتفقوا على أن المنافق أشد عذابا من الكافر، لأنه ساواه في الكفر،
وضمّ الى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله، وموالاة الكافرين، ومدّ أيدي الاستسلام إليهم حجة بينة على النفاق. وعنه عليه السلام:
ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صلى وصام: من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان. وقيل لحذيفة: من المنافق؟ فقال:
الذي يصف الإسلام ولا يعمل به.
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٤٨ الى ١٤٩]
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (١٤٩)
اللغة:
(الْجَهْرَ) :رفع الصوت بالقول وغيره وجهر الأرض: سلكها من غير معرفة وجهر الشيء: كشفه وحزره وجهر الأمر علن وانتشر.
الإعراب:
(لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ) كلام مستأنف مسوق لتنبيه العاقل الى الاشتغال بنفسه والجهر بعيوبه قبل البحث عن عيوب الناس ولا نافية ويحب الله الجهر فعل مضارع وفاعل ومفعول به وبالسوء جار ومجرور متعلقان بالجهر ومن القول جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من السوء (إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) إلا أداة استثناء ومن مستثنى منقطع لأن جهر المظلوم لا يندرج في عداد الذين يجهرون بالسيىء من
القول، ويجوز أن يكون متصلا على تقدير حذف مضاف أي إلا جهر من ظلم، أو في محل رفع على البدلية من فاعل المصدر الذي هو الجهر والمعنى: لا يحب أن يجهر أحد بالسوء إلا من ظلم فيجهر أي يدعو الله بكشف السوء الذي أصابه، وظلم بالبناء للمجهول أي لا يؤاخذه الله بالجهر به بأن يخبر عن ظلم ظالمه ويدعو عليه (وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً) الواو استئنافية وكان واسمها وسميعا خبرها الأول وعليما خبرها الثاني (إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ) الجملة مستأنفة وإن شرطية وتبدوا فعل الشرط والواو فاعل وخيرا مفعول به وأو حرف عطف وتعفوا عطف على تبدوا وعن سوء جار ومجرور متعلقان بتعفوا (فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً) الفاء رابطة وان واسمها وجملة كان واسمها المستتر وخبريها في محل رفع خبر إن والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط: وهو تعليل للجواب المحذوف أي: فالعفو خير وهو أدنى.
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٥٠ الى ١٥١]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٥١)
الإعراب:
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) الجملة مستأنفة مستوقة لبيان أن الطريق واضحة لا لبس فيها وان واسمها وجملة يكفرون صلة
الموصول وبالله متعلقان بيكفرون ورسله عطف على الله (وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ) عطف على يكفرون وان وما بعدها في تأويل مصدر مفعول به وبين ظرف متعلق بيفرقوا، ولفظ الجلالة مضاف اليه ورسله عطف على لفظ الجلالة (وَيَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ) عطف على ما تقدم وجملة نؤمن ببعض إلخ مقول القول وببعض جار ومجرور متعلقان بنؤمن، والثانية بنكفر (وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا) عطف على يريدون الاولى وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول به أول والظرف متعلق بمحذوف حال والاشارة الى الكفر والايمان وسبيلا مفعول به ثان (أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا) اسم الاشارة مبتدأ أول وهم مبتدأ ثان والكافرون خبر «هم» والجملة الاسمية خبر اسم الاشارة وجملة الاشارة وما بعدها خبر إن وحقا مفعول مطلق لتأكيد مضمون الجملة والتقدير حق ذلك حقا واعتراض الواحدي بأن الكفر لا يكون حقا بوجه من الوجوه غير وارد لأن الحق هنا لا يراد به ما يقابل الباطل بل المراد أنه كائن لا محالة (وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً) الواو استئنافية واعتدنا فعل وفاعل وللكافرين جار ومجرور متعلقان باعتدنا وعذابا مفعول به ومهينا صفة.
البلاغة:
في قوله «للكافرين» فن الإظهار في مقام الإضمار ذما لهم وتجسيدا لكفرهم كأنه بمثابة المرئي بالبصر.

[سورة النساء (٤) :آية ١٥٢]

وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٥٢)
الإعراب:
(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) الواو استئنافية والذين مبتدأ وجملة آمنوا صلة وبالله جار ومجرور متعلقان بآمنوا ورسله عطف على الله (وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) الواو عاطفة والجملة معطوفة على آمنوا داخلة في حيز الصلة وبين ظرف متعلق بيفرقوا وإنما دخلت بين على أحد، والظرف يقتضي متعددا، لعموم أحد من حيث انه وقع في سياق النفي والمعنى لم يفرقوا بين اثنين منهم أو بين جماعة منهم ومنهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لأحد (أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ) اسم الاشارة مبتدأ وجملة سوف يؤتيهم خبره والجملة الاسمية خبر الموصول «الذين» (وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) تقدم إعرابها.
[سورة النساء (٤) :آية ١٥٣]
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (١٥٣)
الإعراب:
(يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ) كلام مستأنف مسوق لحكاية سؤال أحبار اليهود الذين سألوا رسول الله ﷺ أن ينزل عليهم كتابا من السماء كما يأتي به موسى، وما سؤالهم إلا التعنت واللجاج ويسألك فعل ومفعول به أول وأهل الكتاب فاعل وان تنزل مصدر مؤول في محل نصب مفعول به ثان وعليهم متعلقان بتنزّل وكتابا مفعول به ومن السماء جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لكتابا (فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ) الفاء هي الفصيحة وهي الواقعة جوابا لشرط مقدّر أي إذا استكبرت ما قالوه ودهشت مما سألوه تعنتا واشتطاطا فقد سألوا موسى من قبلك، وموسى مفعول به أول وأكبر مفعول به ثان ويجوز أن يعرب مفعولا مطلقا ومن ذلك جار ومجرور متعلقان بأكبر (فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً) الفاء عاطفة وقالوا عطف على سألوا وجملة أرنا الله في محل نصب مقول القول وأر فعل أمر مبني على حذف حرف العلة و «نا» مفعول به والله مفعول به ثان وجهرة أي عيانا فهو مفعول مطلق لأن الجهرة من نوع مطلق الرؤية فتلاقي صاحبها في الفعل ويجوز أن تعرب حالا فتكون مصدرا في موضع الحال أي مجاهرة (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) عطف على ما تقدم وبظلمهم جار ومجرور متعلقان بأخذتهم أي بسب ظلمهم (ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ) ثم حرف عطف للترتيب في الإخبار أي ثم كان من أمرهم أن اتخذوا العجل، ومن بعد متعلقان باتخذوا وما مصدرية مؤوّلة مع الفعل بمصدر مضاف لبعد أي من بعد مجيء البينات (فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ) الفاء عاطفة على ما تقدم وعن ذلك جار ومجرور متعلقان بعفونا (وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً) الواو عاطفة
وآتينا فعل وفاعل وموسى مفعول به أول وسلطانا مفعول به ثان ومبينا صفة.
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٥٤ الى ١٥٥]
وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (١٥٤) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥٥)
اللغة:
(الطُّورَ) الجبل.
(لا تَعْدُوا) :لا تعتدوا وأصله تعدووا استثقلت الضمة على الواو الاولى فحذفت فالتقى ساكنان فحذفت الواو لالتقاء الساكنين.
(غُلْفٌ) :جمع أغلف كحمر جمع أحمر ويصح أن يكون جمع غلاف ككتاب وكتب وسكّن للتخفيف.
الإعراب:
(وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ) الواو عاطفة ورفعنا عطف على
ما تقدم وفوقهم ظرف متعلق برفعنا وكذلك يتعلق به بميثاقهم والطور مفعول به (وَقُلْنا لَهُمُ: ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً) وقلنا عطف على ما تقدم ولهم جار ومجرور متعلقان بقلنا وجملة ادخلوا الباب مقول القول وسجدا حال (وَقُلْنا لَهُمْ: لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ) عطف على ما تقدم أيضا وجملة لا تعدوا في محل نصب مقول القول وفي السبت متعلقان بتعدوا (وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً) عطف على ما تقدم أيضا ومنهم جار ومجرور متعلقان بأخذنا وغليظا صفة لميثاقا (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ) الفاء استئنافية والباء حرف جر وما زائدة للتوكيد ونقضهم مجرور بالباء والجار والمجرور متعلقان بمحذوف تقديره فعلنا بهم ما فعلنا بسبب نقضهم، وميثاقهم مفعول به للمصدر وهو نقض وكفرهم عطف على نقضهم وبآيات الله جار ومجرور متعلقان بكفرهم (وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) عطف على ما تقدم والأنبياء مفعول به للمصدر وهو قتلهم وبغير حق جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ) عطف أيضا وجملة قلوبنا غلف من المبتدأ والخبر مقول القول (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) بل حرف إضراب وعطف أي ليس الأمر كما قالوا وطبع الله فعل وفاعل، وعليها جار ومجرور متعلقان بطبع وبكفرهم متعلقان بطبع أي بسبب كفرهم، والفاء عاطفة ولا نافية ويؤمنون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وإلا أداة حصر وقليلا صفة لمصدر محذوف أي: إلا إيمانا قليلا فهو مفعول مطلق أو صفة لزمان محذوف أي إلا زمانا قليلا فهو ظرف زمان متعلق بيؤمنون ويجوز أن يكون منصوبا على الاستثناء من فاعل يؤمنون أي:
إلا قليلا منهم.
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٥٦ الى ١٥٨]
وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨)
الإعراب:
(وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً) في هذا العطف وجهان أحدهما انه معطوف على ما في قوله «فبما نقضهم» فيكون متعلقا بما تعلق به الاول، والثاني انه معطوف على قوله «بكفرهم» الذي بعد «طبع» ويجوز أن يعطف مجموع هذا وما عطف عليه على مجموع ما قبله ويكون تكرير ذكر الكفر إيذانا بتكرير كفرهم فانهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد صلوات الله عليهم أجمعين فكأنه قيل فبجمعهم بين نقض الميثاق والكفر بآيات الله وقتل الأنبياء وقولهم قلوبنا غلف وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم وافتخارهم بقتل عيسى عليه السلام عاقبناهم، أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا، وعلى مريم جار ومجرور متعلقان بقولهم، وبهتانا مصدر يعمل فيه القول لأنه ضرب منه فهو كقولهم قعد القرفصاء وقال قوم:
تقديره قولا بهتانا فهو مفعول مطلق على كل حال وقيل هو مصدر في موضع الحال أي مباهتين ولا يبعد جعله مفعولا به لقولهم فانه متضمن معنى كلام نحو قلت خطبة وشعرا، وعظيما صفة (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا
الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ)
وقولهم عطف على ما تقدم وان واسمها وجملة قتلنا المسيح خبرها والمسيح مفعول به وعيسى بدل من المسيح وابن بدل أو نعت ومريم مضاف اليه (رَسُولَ اللَّهِ) صفة لعيسى أو بدل منه أو هو منصوب على المدح بفعل محذوف قالوا ذلك تهكما (وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) الواو حالية وما نافية وقتلوه فعل وفاعل ومفعول به وما صلبوه عطف على وما قتلوه والواو حرف عطف ولكن مخففة للاستدراك فقط وشبه فعل ماض مبني للمجهول وهو مسند الى الجار والمجرور بعده وهو لهم ويجوز أن يسند الى ضمير المقتول لأن قولهم إنا قتلنا يدل عليه كأنه قيل ولكن شبه لهم من قتلوه ولا يصح جعله مسندا الى المسيح لأنه مشبه به وليس بمشبه (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) الواو استئنافية وان واسمها وجملة اختلفوا صلة الموصول وفيه متعلقان باختلفوا واللام المزحلقة وفي شك متعلقان بمحذوف خبر «إن» ومنه متعلقان بمحذوف صفة شك أي لفي شك حادث من جهة قتله فتكون من لابتداء الغاية ولا يجوز تعليقهما بشك إذ لا يقال شككت منه (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً) هذه الجملة المنفية مستأنفة ولك أن تجعلها في موضع نصب على الحال، أو في موضع جر صفة ثانية لشك أي غير معلوم، وما نافية ولهم متعلقان بمحذوف خبر مقدم وبه متعلقان ب «علم» أو حال منه لأنه كان صفة وتقدمت ومن حرف جر زائد، وعلم مجرور لفظا مرفوع لأنه مبتدأ مؤخر وإلا اتباع الظن استثناء منقطع لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم والواو عاطفة وما نافية وقتلوه فعل وفاعل ومفعول به ويقينا حال مؤكدة من فاعل قتلوه أو نعت لمصدر محذوف أي قتلا يقينا (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) بل حرف عطف وإضراب ورفعه فعل ومفعول به مقدم والله فاعل واليه جار ومجرور متعلقان برفعه والواو استئنافية وكان واسمها وخبراها.

[سورة النساء (٤) :آية ١٥٩]

وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩)
الإعراب:
(وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) الواو استئنافية وإن نافية، من أهل الكتاب جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمبتدأ محذوف وخبره هو جملة القسم المجاب بقوله: «إلا ليؤمنن» وإنما كانت جملة القسم خبرا للمبتدأ لأنها محط الفائدة وإلا أداة حصر واللام موطئة للقسم ويؤمنن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وبه متعلقان بيؤمنن وقبل موته ظرف زمان متعلق بيؤمنن (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) الواو عاطفة ويوم القيامة ظرف متعلق بشهيدا وشهيدا خبر يكون واسمها محذوف وعليهم متعلقان بشهيدا.
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٦٠ الى ١٦١]
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١)
الإعراب:
(فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ)
الفاء استئنافية والكلام مستأنف مسوق لبيان ما حرم عليهم بسبب ظلمهم من الطيبات والجار والمجرور متعلقان بحرمنا والباء سببية وقدمت على عاملها تنبيها على مدى قبح سبب التحريم ومن الذين متعلقان بمحذوف صفة لظلم وجملة هادوا صلة الموصول وحرمنا فعل وفاعل وعليهم الجار والمجرور متعلقان بحرمنا وطيبات مفعول به وجملة أحلت لهم صفة لطيبات (وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً) وبصدهم عطف على قوله فبظلم وعن سبيل الله متعلقان ب «صد» وكثيرا منصوب على المصدر أي صدا كثيرا أو مفعول به بمعنى جمعا كثيرا، ولك أن تعربه ظرفا أي مرارا، والصد يستعمل لازما ومتعديا ومعناه المنع. أي صدودهم أنفسهم عن سبيل الله مرارا كثيرة بما كانوا يعصون موسى عليه السلام ويعاندونه، أو صدوهم الناس عن سبيل الله بسوء القدوة أو بالأمر بالمنكر والنهي عن المعروف (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ) عطف على صدهم والربا مفعول به ل «أخذ» لأنه مصدر والواو حالية وقد حرف تحقيق ونهوا فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل وعنه متعلقان بنهوا وجملة قد نهوا في محل نصب على الحال. (وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ) عطف على ما تقدم، وأموال الناس مفعول به لأكل وبالباطل الجار والمجرور يجوز أن يتعلقا بأكلهم لأن الباء سببية، أو بمحذوف حال أي متلبسين بالباطل كالرشوة والخيانة وغير ذلك (وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً) عطف على حرمنا، وأعتدنا فعل وفاعل وللكافرين متعلقان بأعتدنا، منهم متعلقان بمحذوف حال أي المصرين على الكفر لا من آمن وتاب منهم وعذابا مفعول به وأليما صفة.
البلاغة:
الإبهام في قوله «فبظلم» بالتنوين ليعلم القارئ أو السامع أن
أي نوع من أنواع الظلم يكون سببا للعقاب في الدنيا قبل الآخرة، والعقاب قسمان: دنيوي وأخروي والأول قسمان: وضعيّ كالتكاليف الشرعية الشاقة في زمن التشريع والجزاء الوارد فيها على الظلم من حدّ أو تعزير، وطبيعي وهو ما اقتضته سنة الله تعالى في نظام الاجتماع من كون الظلم سببا لضعف الأمم وفساد عمرانها واستيلاء أمة على أخرى.
[سورة النساء (٤) :آية ١٦٢]
لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢)
الإعراب:
(لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ) كلام مستأنف مسوق لإزالة الإيهام الناجم من اطلاق القول ببيان سوء حال اليهود وكفرهم وعصيانهم وان ذلك يوهم ان ما ذكر عنهم عام مستغرق لجميع أفرادهم جاء الاستدراك عقبه في بيان حال خيارهم الذين لم يذهب عمى التقليد ببصيرتهم ولكن حرف استدراك مهمل لتخفيف النون ولا بد من وقوعه بين نقيضين كما وقع هنا بين الكفار والمؤمنين والراسخون مبتدأ وفي العلم جار ومجرور متعلقان به لأنه اسم فاعل ومنهم متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستكن في الراسخون، والمؤمنون عطف على الراسخون (يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) جملة يؤمنون خبر
الراسخون أو حال منهم إذا اعتبرنا جملة سنؤتيهم خبرا وبما جار ومجرور متعلقان بيؤمنون وجملة أنزل إليك صلة وما أنزل من قبلك عطف على الصلة داخل في حيزها ومن قبلك جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وسيأتي مزيد من القول في اعراب هذه الآية في باب الفوائد (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ) الواو معترضة والمقيمين نصب على المدح بإضمار فعل لبيان فضل الصلاة على ما قاله سيبويه وغيره والتقدير أعني أو أحص المقيمين الصلاة الذين يؤدونها على وجه الكمال فانهم أجدر المؤمنين بالرسوخ في الايمان، والنصب على المدح أو العناية لا يأتي في الكلام البليغ إلا لنكتة، والنكتة هنا هي ما ذكرنا آنفا من مزية الصلاة، على أن تغيير الإعراب في كلمة بين أمثالها ينبّه الذهن الى وجوب التأمل فيها، ويهدي التفكير لاستخراج مزيتها وهو من أركان البلاغة وسيأتي مزيد بيان لذلك، على انه قرىء بالرفع أيضا على انه عطف على المؤمنون والصلاة مفعول به للمقيمين (وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ) عطف على ما تقدم، والزكاة مفعول به للمؤتون لأنه اسم فاعل (وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) والمؤمنون عطف على ما تقدم وبالله جار ومجرور متعلقان بالمؤمنون واليوم عطف على الله والآخر صفة (أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً) جملة أولئك وما بعدها خبر الراسخون أو استئنافية وأولئك مبتدأ وجملة سنؤتيهم خبر وأجرا مفعول به ثان وعظيما صفة.
الفوائد:
١- جزم الرازي بأن قوله الراسخون مبتدأ خبره يؤمنون، وإذا هو يفسر الراسخين بالمستدلين وعلل ذلك بأن المقلد يكون بحيث إذا شكك يشكّ وأما المستدل فانه لا يشك البتة وأورد في قوله والمؤمنون
وجهين أحدهما انهم المؤمنون منهم والثاني انهم المؤمنون من المهاجرين والأنصار والمعنى ان الراسخين في العلم منهم هم، ومؤمنو المهاجرين والأنصار سواء في كونهم يؤمنون بما أنزل الى محمد ﷺ وما أنزل الى من قبله من الرسل لا يفرقون بينهم.
أبو السعود يرجح الثاني:
على أن أبا السعود- وقد ألمعنا في كلام مضى الى ثقوب ذهنه- أصر على أن الخبر هو قوله «أولئك سنؤتيهم» قال: «وقوله أولئك إشارة إليهم باعتبار اتصافهم بما عدد من الصفات الجميلة وما فيه من معنى البعد للاشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم في الفضل وهو مبتدأ وقوله سنؤتيهم أجرا عظيما خبره والجملة خبر للمبتدأ الذي هو الراسخون وما عطف عليه والسين لتأكيد الوعد وتنكير الاجر للتفخيم وهذا الإعراب أنسب بتجاوب طرفي حيث أوعد الأولون بالعذاب الأليم ووعد الآخرون بالأجر العظيم، واما ما جنح اليه الجمهور من جعل قوله يؤمنون بما انزل إليك إلخ خبرا للمبتدأ ففيه كمال السداد غير انه غير متعرض لتقابل الطرفين» وانما أثبتنا كلام أبي السعود لما فيه من توئب ذهني مع أن الاول هو الأولى.
٢- تغيير الإعراب- كما قلنا- آنفا فيه حفز للذهن الى التفكير، في سبب التغيير، واستخراج المزية الكامنة فيه ونظيره في النطق أن يغيّر المتكلم جرس صوته، وكيفية أدائه للكلمة التي يريد تنبيه المخاطب لها كرفع الصوت أو خفضه أو مده بها وقد عدّ مثل هذا بعض الجاهلين والمتجاهلين من الغلط في أصحّ الكلام وأبلغه.
رد الزمخشري البليغ:
ومن المفيد هنا أن نورد ما قاله الزمخشري في هذا الصدد قال:
«وهو باب واسع قد كسره سيبويه على أمثلة وشواهد ولا يلتفت الى ما زعموا من وقوعه لحنا في خطّ المصحف وربما التفت اليه من لم ينظره في الكتاب (أي كتاب سيبويه) ولم يعرف مذاهب العرب، وما لهم من النصب على الاختصاص من الافتنان وغبي عليه أن السابقين الأولين كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذبّ المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم، وخرقا يرفوه من يلحق بهم».
ما يقوله ابن جرير:
أما ابن جرير فقد ذكر أنها في مصحف ابن مسعود والمقيمون الصلاة قال: والصحيح قراءة الجميع وردّ على من زعم أن ذلك من غلط الكتاب ثم ذكر اختلاف الناس فقال بعضهم هو منصوب على المدح كما جاء في قوله «والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس» قال: وهذا سائغ في كلام العرب كما قال الشاعر:
لا يبعدن قومي الذين هم... سم العداة وآفة الجزر
النازلين بكل معترك... والطيبون معاقد الأزر
وقال آخرون: هو مخفوض عطفا على قوله بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك.
نص عبارة سيبويه:
أما عبارة سيبويه في كتابه فهي: «هذا باب ما ينتصب على التعظيم» ومن ذلك: والمقيمين الصلاة وأنشد: الطاعنين ولما يطعنوا أحدا... والقائلون: لمن دار تخلّيها
وكل قوم أطاعوا أمر سيدهم إلا نميرا أطاعت أمر غاويها
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٦٣ الى ١٦٥]
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥)
اللغة:
(الوحي) :في اللغة يطلق على الإشارة والإيماء، ومنه قوله تعالى: «فأوحى إليهم أن سبّحوا بكرة وعشيّا»، وعلى الإلهام الذي
يقع في النفس، وهو أخفى من الإيماء. ومنه قوله تعالى: «وأوحينا الى أم موسى». ويظهر أن هذا بعناية من الله عز وجل، ومنه ما يكون غريزيا دائما، ومنه قوله تعالى: «وأوحى ربك الى النحل»، وعلى الإعلام في الخفاء، وهو أن تعلم إنسانا بأمر تخفيه عن غيره، ومنه قوله تعالى: «شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم الى بعض»، وأطلق على الكتابة والرسالة لما يكون فيها من التخصيص، ووحي الله الى أنبيائه هو ما يلقيه إليهم من العلم الضروري الذي يخفيه عن غيرهم بعد أن يكون أعدهم لتلقّيه بواسطة كالملك أو بغير واسطة.
رأي محمد عبده:
وعرفه الأستاذ الامام الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد بأنه «عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله، بواسطة أو بغير واسطة. والأول يتمثل لسمعه بصوت أو بغير صوت. ويفرّق بينه وبين الإلهام بأن الإلهام وجدان تستيقنه النفس، وتنساق الى ما يطلب، على غير شعور منها من أين أتى. وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور». ثم أفاض الأستاذ الامام في بيان وجه إمكانه ووقوعه.
(الْأَسْباطِ) جمع سبط، وهو يطلق على ولد الولد. وأسباط بني إسرائيل اثنا عشر سبطا.
(الزبور) :بمعنى المزبور، كالركوب بمعنى المركوب. وقرأه حمزة وخلف بضم الزاي، وهو جمع وزن مفرده، وقيل: هو مصدر.
وهو على كل حال بمعنى كتاب ومكتوب. وفي المختار: والزبر بالكسر، والجمع زبور كقدر وقدور.
الإعراب:
(إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) كلام مستأنف مسوق لتطمين رسول الله ﷺ بذكر الأنبياء الذين بعثهم الله الى البشر قبله وإن واسمها، وجملة أوحينا خبر، وإليك جار ومجرور متعلقان بأوحينا، والكاف نعت لمصدر محذوف أي إيحاء مثل إيحائنا، و «ما» تحتمل أن تكون مصدرية فتكون مع ما بعدها مصدرا مؤولا في محل جر بالإضافة، كوحينا وأن تكون اسم موصول بمعنى الذي والعائد محذوف، أي كالذي أوحيناه الى نوح، وجملة أوحينا لا محل لها لأنها صلة الموصول. والى نوح جار ومجرور متعلقان بأوحينا، والنبيين عطف على نوح، ومن بعده متعلقان بمحذوف حال. وبدأ بذكر نوح لأنه أقدم نبي مرسل ذكر في كتب القوم.
وإنما تنهض الحجة دليلا على الناس إذا كانت مقدماتها معروفة عندهم، ثم خص بعض النبيين بالذكر فقال: (وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ) الواو عاطفة، وأوحينا فعل وفاعل، والى ابراهيم متعلقان بأوحينا، وما بعده من أسماء النبيين معطوفة عليه (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) آتينا فعل وفاعل، داود مفعول به أول، وزبورا مفعول به ثان (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ) رسلا مفعول به لفعل محذوف معطوف على أوحينا تقديره وآتينا، وجملة قد قصصناهم صفة، وعليك متعلقان بقصصنا، ومن قبل متعلقان بمحذوف حال (وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) عطف على ما تقدم (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً) الواو عاطفة وكلّم الله فعل وفاعل، وموسى مفعول به، وتكليما مفعول مطلق مؤكد لرفع احتمال المجاز. قال الفراء: العرب تسمي ما وصل الى الإنسان كلاما
بأي طريق وصل، ما لم يؤكد بالمصدر، فإن أكد به لم يكن إلا حقيقة (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) رسلا بدل من «رسلا» قبله أو منصوب على المدح، ومبشرين صفة، ومنذرين عطف على مبشرين (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) هذه اللام لام «كي» وتتعلق بمنذرين أو بمبشرين، فالمسألة من باب التنازع، وسيأني ذكره في باب الفوائد، ويجوز أن تتعلق اللام بمحذوف أي: أرسلناهم لذلك، وأن حرف ناصب ولا نافية، ويكون فعل مضارع ناقص منصوب بأن وللناس متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وعلى الله متعلقان بمحذوف حال، وحجة اسم يكون المؤخر، وبعد الرسل ظرف زمان متعلق بمعنى النفي، أي:
لتنتفي حجتهم واعتذارهم بعد إرسال الرسل. (وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) تقدم إعرابه كثيرا.
الفوائد:
١- جميع أسماء الأنبياء ممنوعة من الصرف ما عدا ستة يجمعها قولك: «صن شمله» وهي: صالح ونوح وشعيب ومحمد ولوط وهود، وتمنع من الصرف للعلمية والعجمة. والمراد بالعجميّ ما نقل عن لسان غير العرب بأي لغة كانت، وتعرف عجمة الاسم بوجوه:
١- نقل الأئمة. ٢- خروج الاسم عن أوزان الأسماء العربية كإبراهيم. ٣- أن يكون رباعيا أو خماسيا خاليا من حروف الذّلاقة، وحروف الذّلاقة ستة: وهي الميم والرّاء والباء الموحّدة والنون والفاء واللام ويجمعها: (مر بنفل). ٤- أن يجتمع فيه من الحروف ما لا يجتمع في كلام العرب، كالجيم والقاف بفاصل نحو:
جرموق وبغير فاصل نحو: قج وجقّة، والصاد والجيم نحو:
الصولجان، والكاف والجيم نحو: السكرجة، والراء بعد النون في أول الكلمة نحو: نرجس، والزاي بعد الدال في آخر الكلمة نحو: مهندز.
٢- التنازع: في العمل هو أن يتقدم فعلان متصرفان أو اسمان يشبهانهما في العمل، أو فعل متصرف واسم يشبهه في العمل، ويتأخر عنهما معمول، وهو مطلوب لكل منهما من حيث المعنى. مثال الفعلين:
«آتوني أفرغ عليه قطرا» ومثال الاسمين قوله:
عهدت مغيثا مغنيا من أجرته فلم أتخذ إلا فناءك موئلا
ومثال المختلفين: «هاؤم اقرءوا كتابيه». وإذا تنازع العاملان جاز إعمال أيهما شئت، فاختار البصريون الأخير لقربه واختار الكوفيون الأول لسبقه. وتفصيل الحديث في التنازع مبسوط في كتب النحو، والآية من إعمال الثاني لأنه لو كان من إعمال الأول لأضمر في الثاني، فكان يقال: مبشرين ومنذرين له، ولم يقل كذلك، فدل على مذهب البصريين. وله في القرآن نظائر.
٣- أراد بقوله: «ورسلا لم نقصصهم عليك» المرسلين الى الأمم المجهول علمها وتاريخها عند قومك وعند أهل الكتاب المجاورين لبلادك، كأمم الشرق وأمم بلاد الشمال وأمم القسم الآخر من الأرض.
٤- علم الكلام: قال ثعلب: لولا التأكيد بالمصدر بقوله:
«وكلم الله موسى تكليما» لجاز أن تقول: قد كلمت لك فلانا، يعني كتبت إليه رقعة، وبعثت إليه رسولا، فلما قال: «تكليما» لم يكن إلا كلاما مسموعا من الله تعالى. وبمسألة الكلام: سمي علم أصول الدين بعلم الكلام، وهي مسألة يبحث عنها في أصولها.

[سورة النساء (٤) :الآيات ١٦٦ الى ١٦٩]

لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (١٦٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (١٦٩)
الإعراب:
(لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ) هذه الجملة الاستدراكية مستأنفة لبيان جملة محذوفة لا بد منها، لتكون هذه الجملة مستدركة عنها. والجملة المحذوفة هي ما روي في أسباب النزول: لما سأل أهل الكتاب إنزال الكتاب من السماء وتعنّتوا في ذلك ما شاء لهم التعنت، قال: لكن الله يشهد، بمعنى أنهم لا يشهدون ولكن الله يشهد. ولكن مخففة مهملة والله مبتدأ وجملة يشهد خبر، وبما جار ومجرور متعلقان بيشهد، وجملة أنزل إليك صلة الموصول (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ) الجملة مفسرة لا محل لها، وأنزله فعل ومفعول به، والفاعل مستتر تقديره هو، وبعلمه متعلقان بمحذوف حال، أي متلبسا بعلمه الخاص، أو حال كونه معلوما لله تعالى. والملائكة الواو عاطفة والملائكة مبتدأ خبره جملة يشهدون (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) الواو استئنافية، وكفى فعل ماض، والباء حرف جر زائد والله فاعل مجرور لفظا مرفوع
محلا، وشهيدا تمييز (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) الجملة مستأنفة، وإن واسمها، وجملة كفروا صلة الموصول وجملة صدوا عطف عليها وعن سبيل الله متعلقان بصدوا (قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً) الجملة خبر إن، وضلالا مفعول مطلق، وبعيدا صفة (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً) الجملة مستأنفة لبيان مصيرهم. وإن واسمها، وجملة كفروا صلة، وجملة ظلموا عطف على الصلة، وجملة لم يكن الله خبرها، ولم حرف نفي وقلب وجزم، ويكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلم، والله اسمها، وليغفر اللام لام الجحود، ويغفر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود.
والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر يكن، أي: مريدا ليغفر لهم، وقد تقدم تقرير ذلك. ولا الواو حرف عطف، ولا نافية، ليهديهم عطف على ليغفر، وطريقا مفعول به ثان أو منصوب بنزع الخافض (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) إلا أداة استثناء، وطريق مستثنى متصل، وجهنم مضاف اليه مجرور وعلامة جره الفتحة، لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، وخالدين حال من مفعول يهديهم، وأبدا ظرف زمان متعلق بخالدين بمثابة التأكيد، لئلا يحمل على طول المكث.
وسيأتي مزيد بحث عنه (وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) الواو استئنافية وكان واسمها وعلى الله جار ومجرور متعلقان بيسيرا أو بمحذوف حال ويسيرا خبر كان.
الفوائد:
معنى الخلود في اللغة: بقاء الشيء مدة طويلة، على حال واحدة، لا يطرأ عليه تغيير، ولا فساد. كقولهم للأثافي، أي: حجارة الموقد:
خوالد. وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها. والأبد عبارة عن مدة
الزمان الممتدّ الذي لا يتجزأ كما يتجزأ الزمان. وتأبّد الشيء: بقي أبدا. ويعبّر به عن كل ما يبقى مدة طويلة. وفي لسان العرب:
الأبد: الدهر، وفيه تساهل وفي المثل: (طال الأبد على لبد) يضرب ذلك لكل ما قدم. وقالوا: أبد بالمكان- من باب ضرب- أبودا: أقام به ولم يبرحه. ولم يكن عندهم شيء بمعنى اللانهاية يدور في كلامهم.
وفسر الخلد في اللسان بدوام البقاء في دار لا يخرج منها. والمراد بالسكنى الدائمة في العرف ما يقابل السكنى الموقتة المتحوّلة، كسكنى البادية. فالذين لهم بيوت في المدن يسكنونها يقال في اللغة: إنهم خالدون فيها. قال في اللسان: وخلد بالمكان يخلد خلودا- من باب نصر- وأخلد أقام، وخلد كضرب ونصر خلدا وخلودا أيضا: أبطأ عنه الشيب. ومن كبر ولم يشب ولم تسقط أسنانه يقال له: المخلد بكسر اللام، وقيل: بفتحها. وقال زهير:
لمن الدّيار غشيتها بالفدفد كالوحي في حجر المسيل المخلد
[سورة النساء (٤) :آية ١٧٠]
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧٠)
الإعراب:
(يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ) كلام مستأنف مسوق لأمر المكلفين بصورة عامة بالايمان بعد أن سدت عليهم منافذ الاعتذار، والنداء عام للناس جميعا لا أهل مكة وحدهم، وإن كان
الغالب أن «يا أيها الناس» خطاب لأهل مكة، و «يا أيها الذين آمنوا» خطاب لأهل المدينة. وقد حرف تحقيق، وجاءكم الرسول فعل ومفعول به وفاعل، وبالحق جار ومجرور متعلقان بجاءكم، ومن ربكم متعلقان بمحذوف حال (فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ) الفاء الفصيحة، وآمنوا فعل أمر وفاعله، أي: إذا كان الأمر كما عرفتم فآمنوا يكن الايمان خيرا لكم لأنه يزكيكم ويطهّركم من الأدناس الحسية والمعنوية، ويؤهلكم للسعادة الأبدية. وهذا هو التقدير المتبادر الى الذهن، وعليه الكسائيّ فهو خبر لكان المحذوفة مع اسمها. وأما الخليل وسيبويه فيقدّران: واهتدوا بالايمان خيرا لكم، أي: مما أنتم عليه.
وقال الفراء: فآمنوا إيمانا خيرا لكم، فانتصابه على أنه صفة لمصدر محذوف. وقال الزمخشري: وانتصابه بمضمر، وذلك أنه لما بعثهم على الايمان علم أنه يحملهم على أمر، فقال: خيرا لكم، أي: اقصدوا أو ائتوا خيرا لكم مما أنتم فيه. ولكم متعلقان ب «خيرا» (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الواو عاطفة وإن شرطية، وتفكروا فعل مضارع فعل الشرط، والجواب محذوف تقديره:
فلا يضره كفركم، لأنه غني عنكم. ونبه على غناه بقوله: «فإن لله ما في السموات والأرض» فالفاء للتعليل، وإن حرف مشبه بالفعل ولله متعلقان بمحذوف خبرها المقدم، وما اسم موصول اسمها المؤخر، وفي السموات والأرض متعلقان بمحذوف صلة الموصول (وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) تقدم إعرابها كثيرا.

[سورة النساء (٤) :آية ١٧١]

يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٧١)
اللغة:
(لا تَغْلُوا) لا تتجاوزوا الحد المعقول. وأصل الغلوّ في كل شيء مجاوزة حده. وغلا بالجارية عظمها ولحمها إذا أسرعت في الشباب فجاوزت لداتها، يغلو بها غلوّا وغلاء. ومن ذلك قول الحارث بن خالد المخزومي، وهي أبيات جميلة، يذكر فيها صاحبته وما مضى من أيامه وأيامها:
إذ ودّها صاف ورؤيتها... أمنية وكلاهما غنم
لفّاء مملوء مخلخلها... عجزاء ليس لعظمها حجم
خمصانة قلق موشّحها... رود الشباب غلا بها عظم
وكأن غالية تباشرها... تحت الثياب إذا صفا النجم
الإعراب:
(يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) كلام مستأنف مسوق لتحذير أهل الكتاب من المغالاة. ويا حرف نداء وأهل الكتاب منادى مضاف، ولا ناهية وتغلوا فعل مضارع مجزوم بلا، وفي دينكم متعلقان بتغلوا
(وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) الواو عاطفة، ولا ناهية وتقولوا فعل مضارع مجزوم، وعلى الله متعلقان بتقولوا، وإلا أداة حصر، والحق مفعول مطلق على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: إلا القول الحق، أو مفعول به لأنه تضمن معنى القول، نحو: قلت قصيدة (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) كلام مستأنف مسوق للتعريف بالسيد المسيح عليه السلام. وإنما كافة ومكفوفة، والمسيح مبتدأ وعيسى بدل منه، وابن مريم بدل أيضا أو صفة، ورسول الله خبر المبتدأ، وكلمته عطف على رسول، وجملة ألقاها حالية، ولا بد من تقدير «قد» معها، والعامل في الحال معنى «كلمته»، لأن معنى الكلمة أنه مكون بها من غير أب. والى مريم جار ومجرور متعلقان بألقاها وروح عطف على كلمته، ومنه متعلقان بمحذوف صفة لروح، ومن لابتداء الغاية (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ) الفاء الفصيحة، أي: فإذا كان الأمر كذلك فآمنوا بالله إيمانا يليق به تعالى، بالله جار ومجرور متعلقان بآمنوا ورسله عطف على لفظ الجلالة، والواو عاطفة، ولا ناهية، وتقولوا فعل مضارع مجزوم بها، وثلاثة خبر لمبتدأ محذوف، أي: ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة، وجملة آلهتنا ثلاثة في محل نصب مقول القول (انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ) الجملة مستأنفة، وانتهوا فعل أمر وفاعل وخيرا تقدم إعرابها قبل قليل، فجدّد به عهدا، ولكم متعلقان ب «خيرا» (إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ) كلام مستأنف مسوق لتأكيد الوحدانية. وإنما كافة ومكفوفة، والله مبتدأ وإله خبر، وواحد صفة (سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) سبحان مفعول مطلق لفعل محذوف، أي سبحه تسبيحا، وأن وما في حيزها مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض أي: من أن يكون، والجار والمجرور متعلقان بسبحان، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر يكون المقدم،
وولد اسمها المؤخر، والجملة التنزيهية في محل نصب على الحال، أي: منزها (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) له متعلقان بخبر مقدم محذوف وما اسم موصول مبتدأ وفي السموات متعلقان بمحذوف صلة، وجملة الصلة لا محل لها من الإعراب، وما في الأرض عطف على ما في السموات، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل التنزيه، أي: إذا كان يملك جميع ما فيهما فكيف يتوهم حاجته الى ولد (وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا) تقدم إعرابه كثيرا.
الفوائد:
تعقب أحد الأذكياء اعراب قوله تعالى: «ثلاثة» فقال: ومن المشكلات أيضا قوله تعالى: «ثلاثة»، ذهبوا في رفع ثلاثة الى أنها خبر لمبتدأ محذوف، والمعنى: ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة، وهو أيضا باطل لانصراف التكذيب الى الخبر فقط. وإذا قلنا: ولا تقولوا:
آلهتنا ثلاثة، كنا قد نفينا الثلاثة ولم ننف الآلهة، جل الله عن ذلك.
والوجه أن يقال: الثلاثة صفة المبتدأ الأخير، ولا تقولوا لنا آلهة ثلاثة، ثم حذفت الخبر الذي هو «لنا» حذفك «لنا» في قولك «لا إله إلا الله» فبقي ولا تقولوا: آلهة ثلاثة ولا إلهان، فصح الفرق.
ولا يخلو كلامه من ذكاء نادر، فتدبر ذلك والله يعصمك.
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٧٢ الى ١٧٣]
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧٣)
اللغة:
َسْتَنْكِفَ)
الاستنكاف: الامتناع من الشيء، أنفة وانقباضا منه. قيل: أصله من نكف الدمع إذا نحّاه عن خده بأصبعه حتى لا يظهر، ونكف منه أنف، وأنكفه عنه برأه. وفي المصباح: نكفت من الشيء نكفا من باب تعب، ونكفت أنكف من باب قتل، لغة.
واستنكفت إذا امتنعت أنفة واستكبارا.
الإعراب:
َنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ)
كلام مستأنف مسوق لتقرير ما سبق من التنزيه، والمعنى لن يأنف المسيح ولا يتبرّأ من أن يكون عبدا لله، ولا هو بالذي يترفع عن ذلك لأنه من أعلم خلق الله بعظمة الله، وما يجب له على العقلاء من خلقه من الشكر والعبودية، التي يتفاضلون بها. ولن حرف نفي ونصب واستقبال، ويستنكف فعل مضارع منصوب بها، والمسيح فاعل، وأن وما في حيّزها مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض، والتقدير: عن أن يكون..، والجار والمجرور متعلقان بيستنكف، وعبدا خبر يكون، ولله متعلقان
بمحذوف صفة ل «عبدا» َ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)
الواو عاطفة، ولا نافية، والملائكة عطف على المسيح، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي ويستنكفون والمقربون صفة للملائكةَ مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ)
الواو استئنافية، ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويستنكف فعل الشرط وعن عبادته متعلقان بيستنكفَ سَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً)
يجوز في الفاء أن تكون جوابا للشرط، والتقدير: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فيعذّبه عند حشره اليه، ومن لم يستنكف ولم يستكبر فيثيبه. ويجوز أن يكون الجواب محذوفا، أي: فيجازيه، ثم عطف عليه قوله: فسيحشرهم، والهاء مفعول به، واليه متعلقان بيحشرهم، وجميعا حال من الهاء، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) الفاء للتفريع، والجملة بعدها لا محل لها من الإعراب لأنها بمثابة الاستئناف، وأما حرف شرط وتفصيل، والذين اسم موصول مبتدأ، وجملة آمنوا صلة، وجملة عملوا الصالحات عطف على الصلة، والفاء رابطة، ويوفيهم فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره هو، والهاء مفعوله الأول، وأجورهم مفعوله الثاني، ويزيدهم عطف على فيوفيهم، ومن فضله متعلقان بيزيدهم، والجملة خبر الذين (وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً) الجملة معطوفة على ما قبلها وقد تقدم اعرابها، وعذابا مفعول مطلق، وأليما صفة (وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً) عطف على ما تقدم، ولهم جار ومجرور متعلقان ب «وليا»، ومن دون الله متعلقان بمحذوف حال، ووليا مفعول به، ولا نصيرا عطف عليه.
الفوائد:
استدل بهذه الآية القائلون بتفضيل الملائكة على الأنبياء، وهم أبو بكر الباقلاني والحليميّ من أئمة الأشعرية وجمهور المعتزلة، وقرر الزمخشريّ وجه الدلالة بما لا يسمن ولا يغني من جوع، وأطال البيضاوي وابن المنير في الرد عليه. والمنصف يرى أن التفاضل في هذا الباب من قبيل الرجم بالغيب، إذ لا يعلم ذلك إلا بنص من الشارع، ولا نصّ. وليس للخلاف في هذا فائدة ولا عائدة في إيمان ولا عمل، ولكنه من توسيع مسافة التفرّق بالمراء والجدل.
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٧٤ الى ١٧٥]
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥)
الإعراب:
(يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ) كلام مستأنف لتقرير ما انتهت اليه الأمور من إقامة الحجج الباهرة على المخالفين، وإهابة الله تعالى بالناس كافة الى اتباع برهانه والاهتداء بالنور الذي جاء به.
وقد حرف تحقيق، وجاءكم برهان فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر، ومن ربكم متعلقان بمحذوف صفة لبرهان (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً)
الواو عاطفة، وأنزلنا فعل وفاعل، وإليكم متعلقان بأنزلنا، ونورا مفعول به، ومبينا صفة (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ) الفاء للتفريع، والجملة لا محل لها، وأما حرف شرط وتفصيل، والذين مبتدأ، وجملة آمنوا صلة، وبالله متعلقان بآمنوا، واعتصموا به عطف على آمنوا (فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ) الفاء رابطة لجواب «أما» وجملة يدخلهم خبر الذين، في رحمة متعلقان بيدخلهم ومنه متعلقان بمحذوف صفة لرحمة وفضل معطوف على رحمة (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً) عطف على يدخلهم، واليه متعلقان بمحذوف حال من «صراطا» قدم عليه، وصراطا مفعول به ثان ليهديهم، أو مفعول به لفعل محذوف دل عليه «يهديهم»، ومستقيما صفة.
البلاغة:
المجاز المرسل في قوله: «في رحمة منه»، لأن الرحمة لا يحل فيها الإنسان، لأنها معنى من المعاني، وإنما يحل في مكانها وهو الجنة.
فاستعمال الرحمة في مكانها مجاز أطلق فيه الحالّ وأريد المحل، فعلاقته الحالية.

[سورة النساء (٤) :آية ١٧٦]

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)
الإعراب:
(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) كلام مستأنف مسوق لذكر إرث الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب. ويستفتونك فعل مضارع مرفوع وفاعل ومفعول به، وقل فعل أمر والفاعل أنت، والله مبتدأ ويفتيكم فعل مضارع ومفعوله، والفاعل هو والجملة خبر، وجملة الله يفتيكم في محل نصب مقول القول، وفي الكلالة متعلقان بيستفتونك على إعمال الأول، أو بيفتيكم على إعمال الثاني (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ) كلام مستأنف لتفصيل الحكم. وإن شرطية وامرؤ فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، وجملة هلك مفسرة لا محل لها وليس فعل ماض ناقص وله متعلقان بخبر مقدم محذوف، وولد اسمها المؤخر، والجملة صفة لامرؤ له متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وأخت مبتدأ مؤخر، والجملة حالية لأنها وقعت بعد واو الحال (فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ) الفاء رابطة لجواب الشرط، ولها متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ونصف مبتدأ مؤخر، وما اسم موصول مضاف اليه، وجملة ترك صلة، والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط (وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ) الواو استئنافية، هو مبتدأ، وجملة يرثها خبره، وإن شرطية، ولم حرف نفي وقلب وجزم، ويكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وهو فعل الشرط، ولها متعلقان بمحذوف خبر يكن المقدم، ولد اسمها المؤخر، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أي فهو يرثها. (فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ) الفاء
استئنافية، وإن شرطية، وكانتا فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والألف في «كانتا» اسمها، واثنتين خبرها (فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ) الفاء رابطة، ولهما متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والثلثان مبتدأ مؤخر، ومما متعلقان بمحذوف حال، وجملة ترك صلة، والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط، وفاعل ترك مستتر يعود على الأخ (وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) الواو عاطفة، وإن شرطية، وكانوا فعل الشرط والواو اسمها وإخوة خبرها، ورجالا بدل من «إخوة» ونساء عطف على «رجالا» والفاء رابطة لجواب الشرط، وللذكر جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومثل حظ الأنثيين مبتدأ مؤخر والجملة في محل جزم جواب الشرط (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الجملة في محل نصب على الحال، ولك أن تجعلها مستأنفة بيانية، ويبين الله فعل مضارع وفاعل ولكم متعلقان بيبين، وأن تضلوا مصدر مؤول في محل نصب مفعول لأجله على حذف مضاف، أي: كراهية أن تضلوا، ومفعول يبين محذوف وهو عام، والله الواو استئنافية، والله مبتدأ وبكل شيء متعلقان بقوله: «عليم»، وعليم خبر «الله»
الفوائد:
اختتمت صورة النساء بذكر الأموال وأحكام الميراث، كما افتتحت بذلك، لتحصل المشاكلة بين المبدأ والختام. وتتلخص آيات المواريث في السورة بثلاثة:
١- الأولى في بيان إرث الأصول والفروع.
٢- والثانية في بيان إرث الزوجين والإخوة والأخوات من الأم.
٣- والثالثة وهي هذه الآية في إرث الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب.
وأما أولو الأرحام فسيأتي حكمهم في سورة الأنفال. والمستفتي عن الكلالة هو جابر بن عبد الله لما عاده النبي ﷺ في مرضه فقال: يا رسول الله، إني كلالة فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت.
نبذة من أقوال علماء اللغة في الكلالة:
قيل: إن أصل الكلالة في اللغة ما لم يكن من النسب لحّا، أي:
لاصقا بلا وساطة، وقيل: إنه ما عدا الوالد والولد من القرابة.
وقيل: ما عدا الولد فقط. وقيل الإخوة من الأم. وقال في لسان العرب عند ذكره وهو المستعمل: وقيل: الكلالة من العصبة من ورث معه الإخوة، ويطلق هذا اللفظ على الميت الذي يرثه من ذكر، وقيل:
بل على الورثة غير من ذكر، وقيل: على كل منهما. والمرجح هو القرينة. والجمهور على أن الكلالة من الموروثين من لا ولد له ولا والد. هذا وفي الكلالة أحكام مبسوطة في المطولات، ولا مجال لها هنا.
آخر آية أنزلت:
روى الشيخان والترمذي والنسائي وغيرهم عن البراء قال:
آخر سورة نزلت كاملة سورة براءة، أي التوبة، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء: «يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة» أي من
آيات الفرائض. وبهذا لا تنافي في ما رواه البخاري عن ابن عباس قال:
آخر آية نزلت آية الربا. على أنه لا سبيل الى القطع بآخر آية نزلت من القرآن، وإنما نقول: إن هذه الآية من آخر ما نزل قطعا، ويجوز أن تكون آخرها كلها، والله أعلم.
السورة التالية
Icon