0:00
0:00

تفسير سورة النساء
وحدة الإنسانية
خلق الله تعالى هذا العالم ليكون كبقية الآيات الكونية دليلا على وجود الله سبحانه، وعلى اتصافه بصفات القدرة المتناهية والحكمة العالية والإتقان الباهر، والإبداع الذي لا نظير له.
ومن حكمته تعالى أنه جعل العالم بمثابة الأسرة الواحدة، المترابطة العناصر، المتعاونة فيما بينها، المتحابة المتوادة بين أفرادها. يحب كل إنسان أخاه، ويريد الخير له، فالإنسان أخو الإنسان أحب أم كره، لأن المعيشة واحدة، والهدف والمقصد واحد، والمصير المحتوم هو واحد أيضا حينما ينتهي هذا العالم، ويعود لعالم آخر للحساب والجزاء، وتحقيق العدل والإنصاف التام بين البشر.
والقرآن الكريم نص صراحة على وحدة الإنسانية، ووحدة الأسرة، ووحدة الأخوة الإيمانية بين المؤمنين بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر. أما الوحدة الإنسانية التي تجعل البشرية بمثابة الجسد الواحد والنفس الواحدة فقد جاء الإعلان عنها في مطلع سورة النساء المدنية النزول، إذ يقول الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :آية ١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١)
«١» «٢» «٣» [النساء: ٤/ ١].
(١) نشر وفرّق.
(٢) اتقوا قطع الأرحام.
(٣) مطلعا وحافظا لأعمالكم.
في هذه الآية تنبيه واضح على وجود الإله الخالق الصانع المدبر المتقن، وعلى افتتاح الوجود الإنساني بخلق العالم في الأصل من نفس واحدة هي آدم عليه السلام أبو البشر الذي خلقه الله وسوّاه بيديه وقدرته من طين، ونفخ فيه من روحه، فكان إنسانا كامل الخلقة والتكوين. ثم خلق الله تعالى حواء من جنس آدم في الطبيعة والتركيب، والبنية والغريزة، والأخلاق والصفات المتشابهة.
ومن أجل الحفاظ على الوحدة الإنسانية بين جميع البشر، أمر الله تعالى وأوصى عباده أن يتعاونوا ويتضامنوا ويتراحموا، فهم متجاورون في العيش، شركاء في الانتفاع بثمرات وخير هذا العالم كله السماوي منه والأرضي ويكون التعاون بالقيام بالواجبات واحترام حقوق الآخرين، وهذا المعنى هو المعبر عنه في الاصطلاح القرآني بالتقوى: وهي امتثال الأوامر واجتناب المنهيات في كل ماله صلة وثقى بالله وحده لا شريك له، أو بالنفس البشرية، أو بحقوق العباد الآخرين، ويؤكد النص القرآني الأمر بالتقوى بما يحمل على الامتثال بذكر الربوبية المضافة إلى المخاطبين، فالله هو رب الجميع الذي ربّاهم بنعمه، وأفاض عليهم من إحسانه، وأمدهم بكل وسائل الحياة العزيزة الكريمة، وذكّرهم بأنهم من أصل واحد، كلهم لآدم وآدم من تراب، وأنه خلق من تلك النفس الأولى زوجها، وتناسل منهما البشر والنوع الإنساني ذكورا وإناثا، وجعل من تلك الذرية خلية أصغر ووحدة أضيق وهي رابطة الأسرة القائمة على الرحم الواحدة، وصلة الدم والقرابة، مما يدعوهم إلى التراحم والتعاون. وكل ذلك دليل على القدرة الإلهية الباهرة التي تستوجب وتتطلب التقوى من أجل الحفاظ على علاقات البشر الطيبة في المستوى الثنائي والجماعي.
وأكد الله تعالى الأمر بتقوى الله لتحسين العلاقات الإنسانية من جانبين:
الجانب الأول: الإحسان الفطري العميق في كل نفس وإن كانت كافرة غير مؤمنة-
الإحساس بتعظيم الله جل جلاله، وشعوره الذاتي بأن الله وحده هو الذي ينقذه في أثناء تعرضه للمحن والشدائد، أو عند تعرضه للمصائب والكوارث، فيقول الواحد لأخيه الإنسان: أسألك بالله أن تفعل كذا، وأسألك بإيمانك وتعظيمك له أن تقوم بكذا.
والجانب الثاني: تقوية بنية الأسرة وصلة الرحم بتذكير الناس بضرورة صلة الأرحام بالمودة والإحسان، وتجنب قطع العلاقات الأسرية، وتأكيد المحبة والتواصل فيما بين أبناء الأسرة الواحدة، وقد أخبر الله بأن الناس بإحساسهم الداخلي الذاتي يتساءلون بالأرحام، فيقول الواحد لقريبه: أسألك بما بيننا من قرابة أن تفعل كذا.
ثم ختم الله تعالى الآية بخاتمة رائعة تدل على وجوب تذكر وحدة الإنسانية ووحدة الأسرة بأن الله تعالى مطلع على كل شيء من أعمالنا، رقيب حفيظ لكل عمل وحال، وأنه سبحانه لا يشرع لنا إلا ما فيه حفظنا ومصلحتنا، وهو الخبير بنا، البصير بأحوالنا.
حقوق الأيتام وتعدد الزوجات في الإسلام
الإسلام دين العفة والطهر، وهو أيضا دين العدل والحق، فكما أن هذا الدين يحرص على نقاوة المجتمع وطهر الرجل والمرأة من الفواحش والعلاقات غير المشروعة، كذلك هو أيضا يحرص على إقامة صرح العدالة في العلاقات الاجتماعية، ويقاوم الظلم ويحرم الجور لأن بالظلم خراب المدنيات ودمار الأمم، وبالعدل يتحقق الاستقرار والاطمئنان، فبالعدل قامت السماوات والأرض، وبالعفة والطهر والتخلص من الفواحش يصفوا المجتمع، وتتجانس الطبائع، ويتعاون الجميع على أسس واضحة لا نشاز فيها ولا شذوذ.
في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى، وفرّج بينهما».
وروى النسائي بإسناد جيد أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «اللهم إني أحرّج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة»
وروى البخاري أيضا حديثا آخر: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم».
هذه وصايا نبوية كريمة في الإشراف على نفس اليتيم والعناية بشخصيته وتربيته، وجاء النص القرآني لبيان ضرورة الإشراف على شؤون اليتيم فيما هو أخطر وأهم وهو الأمور المالية، فيجب على ولي اليتيم حفظ مال اليتيم وتنميته واستثماره ورعايته والبعد عن أكل مال الأيتام أو إهمال المحافظة عليها، فقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً «١» (١٠) [النساء: ٤/ ١٠].
وأوجب القرآن الكريم- كما تقدم بيانه- وإيتاء اليتامى أموالهم عند بلوغهم الرشد، من غير تلكؤ ولا إهمال، فقال الله سبحانه:
[سورة النساء (٤) :آية ٢]
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢)
«٢» [النساء: ٤/ ٢].
نزلت هذه الآية في رجل من غطفان كان عنده مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال، فمنعه عمه، فترافعا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت هذه الآية، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير، أي الإثم العظيم، فدفع إليه ماله، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: من يوق شح نفسه،
ورجع به هكذا، فإنه يحلّ داره، يعني جنته. فالآية إذن خطاب لأوصياء الأيتام.
وقال ابن زيد: هذه الآية والمخاطبة هي لمن كانت عادته من العرب ألا يورّث الصغير من الأولاد مع الكبير، فقيل لهم: ورّثوهم أموالهم، ولا تتركوا أيها الكبار حظوظكم حلالا طيبا، وتأخذوا الكل ظلما حراما خبيثا، فيجيء فعلكم ذلك تبديلا.
(١) أي جهنم.
(٢) أي إثما وذنبا عظيما.
وعلى كل حال في بيان سبب النزول، تطالب هذه الآية إعطاء الأيتام حقوقهم كاملة، سواء من إرث غيرهم، أو بتسليم مالهم إليهم عند البلوغ، فيجب على الأولياء والأوصياء دفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة، ينهى عن أكلها وضمها إلى أموال الأوصياء، أيها الأوصياء إياكم أن تتمتعوا أو تنفعوا بمال اليتيم في موضع يجب أن تتمتعوا فيه بمالكم. فإنكم أخذتم من ماله، وتركتم مالكم، تكونوا قد استبدلتم الخبيث بدل الطيب، والحرام بدل الحلال، وهذا منهي عنه شرعا، وموقع في الإثم والذنب العظيم.
هذا مظهر من مظاهر رعاية اليتيم في الإسلام، وهو يدل على جانب تشريعي مهم جدا هو ألا يستغل القوي الضعيف، والكبير الصغير وأن يراقب الإنسان ربه في كل عمل، لأن الله تعالى سائل كل إنسان عن كل صغيرة وكبيرة.
إعطاء الضعفاء أموالهم
المال نعمة وثروة للفرد والجماعة، فتجب المحافظة عليه وتنميته والبعد عن إهدار الثروة المالية في غير فائدة، وليس الحق في المال خاصا بصاحبه، وإنما للأمة والجماعة حق الإشراف على كيفية استعمال المال واستثماره وتنميته بالوجوه المشروعة المحققة للمصالح الخاصة والعامة، لذا لم يجز الإسلام تسليم المال لتنميته وإنفاقه لمن ليس أهلا لرعايته وحفظه، مثل السفهاء المبذرين الذين لا يحسنون التصرف في المال، والأيتام الذين تنقصهم الخبرة في إدارة المال وتشغيله واستثماره، وإنما يترك المال بيد القوّام المشرفين بمقتضى الولاية الشرعية على أحوال هؤلاء المتخلفين بسبب الطيش أو بسبب الصغر.
ومن أهم مظاهر العدل: إيتاء اليتامى حقوقهم، والتسوية والعدالة في معاملة الزوجات، أما الأول فقد أمر الله تعالى به في قوله:
[سورة النساء (٤) :آية ٢]
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢)
«١» [النساء: ٤/ ٢].
أي أعطوا أيها الأولياء والأوصياء اليتامى أموالهم وأدوا حقوقهم إذا بلغوا سن الرشد. (واليتيم: من فقد أباه دون البلوغ). ولا تأخذوا الطيب من أموال اليتامى، وتضعوا مكانه الخبيث من أموالكم، ولا تأخذوا أموالهم لتضموها إلى أموالكم، إن ذلك الفعل إثم عظيم.
نزلت في رجل من غطفان كان عنده مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم، طلب المال، فمنعه عمه، فترافعا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت هذه الآية.
ومشروعية تعدد الزوجات للضرورة أو الحاجة في الإسلام يقصد به تحقيق أمرين:
أولهما: تحقيق رغبة بعض الناس من طريق الحلال، وإبعادهم عن سلوك طرق الحرام، فبدلا من وجود ظاهرة الفاحشة أو الزنا، أوجد الإسلام البديل وهو تعدد الزوجات.
والأمر الثاني: هو أن نظام التعدد مرتبط ارتباطا جذريا بمراعاة العدل المطلق في معاملة الزوجات، فلا يقبل شرعا وجود التعدد من غير عدل في المعاملة بين الزوجات.
ومن هنا ربط الشرع بين إباحة تعدد الزوجات وبين ضرورة الترفع عن الظلم الذي يلحقه الأولياء أو الأوصياء بالبنات اليتامى، فقال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٣ الى ٤]
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤)
«٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [النساء: ٤/ ٣- ٤].
(١) إثما وذنبا.
(٢) لا تعدلوا.
(٣) أبيح لكم.
(٤) ذلك أقرب ألا تجوروا أو لا تكثر عيالكم.
(٥) مهورهن.
(٦) أي عطية وهبة.
سبب نزول آية التعدد: هو ما ورد في الصحيحين عن عروة بن الزبير: أنه سأل خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن هذه الآية، فقالت: يا بن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها يشركها في مالها، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها، فلا يعطيها مثل ما يعطي أترابها من الصداق، فنهوا عن ذلك، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء مثنى وثلاث ورباع.
ومعنى الآية: إن خفتم أيها الأولياء من الظلم أو عدم العدل في أموال اليتامى وتحرجتم من أكلها بالباطل، فخافوا من الوقوع في ظلم آخر أشد ضررا وهو ظلم النساء بالتزوج بنساء كثيرات، فكان العربي في الجاهلية يتزوج العشر وأكثر وأقل، وفي هذا ظلم مؤكد، وطريق إنهاء هذا الظلم هو بالاقتصار على الزواج عند الحاجة أو الضرورة على أربع كحد أقصى دون تجاوز، بشرط توافر العدل المادي في المعاملة، وبشرط توافر القدرة على الإنفاق. وبما أن تحقق العدل بين النساء أمر صعب ونادر، فإن الشريعة أمرت بالاقتصار على زوجة واحدة، وهذا هو الأصل العام في الإباحة كما قال الله تعالى هنا: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً وقال في آية أخرى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩) [النساء: ٤/ ١٢٩].
ومن الظلم في مجال الزواج ما يفعله كثير من الرجال من إلجاء المرأة للتنازل عن مهرها كله أو بعضه ليوافق على طلاقها، فالله تعالى أمر بإعطاء النساء كامل مهورهن دون أخذ شيء منه، المعجل والمؤجل، فإن حدث التنازل عن بعض المهر من الزوجة أو من وليها تلقائيا وبرضا مطلق واختيار، دون إكراه مادي أو أدبي، جاز ذلك.
إن تعدد الزوجات جائز مباح في الإسلام، وليس كل مباح مرغوبا فيه، فهو غير
مرغوب فيه إلا لحاجة أو ضرورة، مثل معالجة ظرف طارئ عقب الحروب وقتل الرجال وكثرة النساء الأرامل، فيكون التعدد عملا إنسانيا وإنقاذا. وقد يكون التعدد بسبب عقم المرأة، أو بسبب نهم الرجل، أو لأغراض تتعلق بنشر الدعوة الإسلامية مثل تعدد زوجات الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
رعاية اليتيم في الإسلام
حقا إن الإسلام هو دين الرحمة العامة بجميع الناس، ورسالته إنقاذ وإصلاح، وبناء ومحافظة على القيم، ورعاية لمصالح الناس جميعا، وبخاصة الضعفاء والأيتام، واليتيم: هو من فقد والده حال الصغر.
رعى الإسلام شؤون الأيتام رعاية تامة تشمل النفس والمال، وفرض تنصيب الأولياء الكبار الراشدين من الأقارب كالأب والجد للإشراف على مصالح اليتامى في حال الصغر، والولاية نوعان: ولاية على النفس وولاية على المال. أما الولاية على النفس: فهي إلقاء المسؤولية الشديدة على قريب اليتيم كالجد والأخ والعم لتربية اليتيم وحفظه وتعليمه وتطبيبه وتنشئته نشأة صالحة قوية محصّنة، حتى يكون سويا لا يقل عن أمثاله، ويحظى بما يحظى به غيره من الأولاد بالبر والعطف والإحسان.
روى الطبراني في حديثه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «والذي بعثني بالحق، لا يعذّب الله يوم القيامة من رحم اليتيم، ولان له في الكلام، ورحم يتمه وضعفه..».
أي رأف باليتيم وساعده، وحادثة بطيب القول، واستعمل البشاشة واللطف في المعاملة، واختار الألفاظ الحلوة العذبة في محادثته، واجتنب القسوة والغلظة، وكان قلبه مليئا بالحنان والعطف والإحسان والجود على اليتيم. وقد بشّر النبي صلّى الله عليه وسلّم ولي اليتيم وكفيله بالجنة، فقال فيما رواه البخاري: «أنا وكافل اليتيم
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٥ الى ٦]
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٥) وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [النساء: ٤/ ٥- ٦].
نزلت آية السفهاء في ولد الرجل الصغار وامرأته، أي في النساء، والأصح أنها نزلت في المحجورين السفهاء، أي المبذرين.
نهى الله تعالى الأمة ممثلة في أولياء السفهاء الذين لا يحسنون التصرف في أموالهم من تسليم أموالهم إليهم، حتى لا يبددوها ويصبحوا عالة على المجتمع، وإنما يبقى المال بيد القيّم المشرف على المبذر الذي يعيّنه القضاة، حتى يتم تمرين السفيه المبذر على المحافظة على الأموال التي هي قوام الحياة لأصحابها وللأمة أو الجماعة. ويقوم الولي بتثمير المال وتشغيله في وجوه مشروعة معقولة وينفق على السفيه المبذر إنفاقا معتدلا من ثمرة المال وكسبه، لا من أصل المال وذاته، وتكون النفقة بحسب الحاجة من أكل وكسوة وتعليم وتمريض، لأنها مظاهر خارجية، وعلى الولي أن يحسن إلى السفيه أدبيا أو خلقيا، فيقول له قولا لينا، لا خشونة فيه، ويعامله معاملة أولاده بالعطف واللين، ويشعره بالعزة والكرامة، ويعلمه أن ما ينفقه عليه من ماله، وليس من مال القيم المشرف، وسيأخذه بعد الرشد والصلاح.
ونزلت آية الحجر على الأيتام من أجل المحافظة على أموالهم وتنظيم العلاقة بينهم وبين الأوصياء عليهم، فعلى الأوصياء اختبار اليتيم عند البلوغ- بلوغ سن الزواج
(١) السفهاء: هم المبذرون المضطربون في كيفية صرف المال.
(٢) اختبروهم في المعاملات المالية. [..... ]
(٣) تبينتم.
(٤) حسن تصرف في الأموال.
(٥) مبادرين كبرهم.
(٦) فليمتنع عن أكل أموالهم.
(٧) محاسبا لكم.
والاكتمال العقلي، فيدرّبه على كيفية تشغيل المال وحسن التصرف فيه، فإن تحقق الوصي من رشد اليتيم سلّم ماله إليه كاملا غير منقوص، ويشهد عليه حين التسليم منعا من الإنكار وادعاء بقاء شيء من المال عند الوصي.
ومخالطة اليتيم من قبل وصيه أو قريبه خير من اعتزاله وعيشه منفردا، فليس للوصي أن يبادر إلى أخذ شيء من مال اليتيم، فيسرف ويبذر في أكله لأن طبيعة النفس محبة التبذير في مال الآخرين، وليس له أخذ شيء من مال اليتيم مسرعا قبل وصول اليتيم إلى مرحلة البلوغ.
أما أكل الوصي من مال اليتيم من غير إسراف ولا تبذير، فيجوز في حال الحاجة والاعتدال بمثابة أجر له بقدر عمله وخدمته، فإن كان الوصي غنيا فلا يأكل منه، وعليه أن يتعفف، وإن كان فقيرا محتاجا فليأكل الوصي بالمعروف شرعا وعرفا بلا إسراف ولا تبذير، قال عمر رضي الله عنه: «إني أنزلت نفسي من مال الله (أي مال الأمة) منزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت».
المال إذن أمانة عند صاحبه وعند الأمة، وبالمال تقام المدنيات وتبنى الحضارات، وهو أساس قوة الأمة وتقدمها، لذا وصف المال في القرآن بأنه قوام الحياة، فيجب على الأولياء والأوصياء والمحافظة على أموال اليتامى والسفهاء المبذرين حتى لا يصبح اليتيم أو المبذر فقيرا محتاجا عالة على المجتمع.
الحقوق المالية للنساء واليتامى
حرم الإسلام كل أنواع الظلم والجور، ومن أخطر المظالم: أكل أموال الآخرين بالباطل، وعدم توريث النساء من تركات أقاربهم، وأكل مال اليتيم. ولقد أنصف
الإسلام المرأة، فجعل لها ذمة مالية مستقلة بنفسها، فلها حق التصرف الكامل بمالها، سواء كانت أما أو زوجة أو بنتا أو أختا، ولها الحق التام في دخلها وكسبها وإرثها من أقاربها.
وإنصاف المرأة في التشريع القرآني كان للرد على ما كان سائدا في عرب الجاهلية من حرمان المرأة من حقها في الميراث.
ثبت في تاريخ التشريع: أن أوس بن الصامت الأنصاري توفي وترك امرأته أم كحلة وبنات له، فمنع ابنا عمه سويد وعرفطة ميراث أوس عن زوجته وبناته، فشكت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فدعاهما رسول الله، فقالا: يا رسول الله، ولدها لا يركب فرسا، ولا يحمل كلّا (أي عاجزا من الأولاد) ولا ينكي عدوا، نكسب عليها ولا تكسب، فنزلت هذه الآية، فأثبتت لهن الميراث، ثم نزلت آية المواريث، فجعلت لكل حقه.
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٧ الى ١٠]
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠)
«١» «٢» «٣» «٤» [النساء: ٤/ ٧- ١٠].
توجب هذه الآيات إعطاء كل وارث حقه في مال مورثه من الوالدين والأقربين، من غير تفرقة بين الذكور والإناث، والصغار والكبار، سواء أكان المال المتروك بعد الوفاة للمورث قليلا أم كثيرا.
(١) واجبا.
(٢) جميلا بأن تعتذروا إليهم أنكم لا تملكونه.
(٣) صوابا وعدلا.
(٤) سيدخلون نارا موقدة.
وحفاظا على تماسك الأسرة، وتقوية للصلات فيما بين أفرادها، وإبقاء للمحبة والوداد، والتعاون والتآلف، وامتصاص النقمة والحسد من النفوس البشرية، أوصى القرآن الكريم عند حضور قسمة التركات إعطاء الأقارب غير الوارثين واليتامى والمساكين شيئا من مال التركة ولو قليلا، ويسترضى هؤلاء الأقارب ويقال لهم قول حسن، ويعتذر إليهم اعتذارا جميلا يهدّئ النفوس، ويستل الضغائن والأحقاد، ويمنع الحزازات ونشوء العداوات أو استمرارها، وظهور الانتقادات وتردد الألسنة في التعييب والطعن، والترفع عن البخل والشح، والمخاطب المطالب بتنفيذ هذا الأمر والأدب القرآني هم الورثة أو المحتضرون الذين يقسمون أموالهم بالوصية. وإعطاء هؤلاء الأصناف الثلاثة من التركة، وهم القرابة غير الوارثين والأيتام والمساكين نوع من الأدب غير الواجب شرعا، ولكنه أمر محبب مرغب فيه، وفيه خير ومصلحة.
والقول الحسن المعروف الذي يقال لهم: هو كل ما يؤنس به من دعاء أو عدة أو اعتذار لطيف أو غير ذلك.
وذكّر الله تعالى أولئك الأولياء أو الأوصياء في معاملة اليتامى بأمر جميل يهز المشاعر والنفوس للبعد عن القسوة على اليتيم، وهو أن هؤلاء الكبار الأوصياء مفارقون أولادهم، وربما تركوا ذرية ضعفاء صغارا يخافون على مصالحهم، فليتقوا الله في أيتام الآخرين، كما يحبون أن يتقي الله في أيتامهم أوصياء غيرهم، وليقولوا لهم قولا حسنا سديدا طيبا يجبر خواطرهم، ويمنع الضر عنهم، ويتفق مع آداب الدين وأخلاق الصالحين، بكل ما يحسن إليهم ويسر قلوبهم، ويعوضهم حنان الأب المتوفى، فكل أولياء الأيتام مطالبون بالإحسان إلى الأيتام، وسداد القول لهم، وإحسان معاملتهم ومعاشرتهم، وتقوى الله في أكل أموالهم كما يخافون تماما على ذريتهم أن يفعل بهم خلاف ذلك.
إن أكلة أموال اليتامى ظلما وأخذها بغير حق، أو تبديدها أو التقصير في رعايتها وحفظها إنما يأكلون في بطونهم أموالا تؤدي بهم إلى نار جهنم، وسيحرقون بها إحراقا شديدا بسبب ظلمهم.
والتحذير من أكل أموال اليتامى ظلما كالتحذير من حرمان النساء أو الإناث من حقوقهم المقررة شرعا في المواريث من تركات أقاربهم.
قواعد الميراث في الشريعة
نظمت الشريعة الإسلامية قواعد الميراث على أساس من الحق والعدل ومنع الجور بين الورثة، مراعية في ذلك قوة القرابة من المتوفى، وتوزيع المسؤولية وتحمل عبء النفقة في مجال الأسرة. والإرث يعتبر حقا شرعيا لتفتيت الثروة ومنع تكدس الأموال في أيدي فئة قليلة من الناس، بناء على اعتراف الإسلام بمبدإ الملكية الشخصية ومراعاة قواعد الفطرة والجهد الإنساني، فإن الإنسان يحب أن يذهب ماله لأحب الناس وأقربهم لديه.
وكان تنظيم قواعد الميراث في ثلاث آيات من سورة النساء وهي الآيتان (١١، ١٢) وآية الكلالة (وهو من لا والد له ولا ولد) آخر آية في سورة النساء (١٧٦) وأوضحت السنة النبوية هذه القواعد وأضافت عليها بالوحي الإلهي.
وسبب نزول آيات المواريث:
أن امرأة سعد بن الربيع جاءت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا ولهما مال.
فقال: يقضي الله في ذلك، فنزلت آية المواريث، فأرسل رسول الله إلى عمهما،
فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمّهما الثمن، وما بقي فهو لكم، وهذه أول تركة قسمت في الإسلام.
تضمنت آيات المواريث حقوق الأولاد، وحقوق الوالدين، وحقوق الأزواج، وحقوق الكلالة (من مات وليس له أصل ولا فرع وارث) وذلك في الآيتين التاليتين:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١١ الى ١٢]
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)
[النساء: ٤/ ١١- ١٢].
أما حقوق الأولاد فقال تعالى:
يُوصِيكُمُ «١» اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: ٤/ ١١]. أي يعطى الولد الذكر ضعف الأنثى، لأنه المسؤول عن الإنفاق على نفسه وأولاده وزوجته وأخته غير المتزوجة، ولا تطالب المرأة بالإنفاق على أحد، سواء كانت أما أو زوجة أو بنتا أو أختا. وتأخذ البنت الثلث مع أخيها، وتدخره لنفسها، وتأخذ البنتان أو الأختان أو البنت مع الأخت الثلثين، وتأخذ
(١) يأمركم ويفرض عليكم.
البنت الواحدة المنفردة نصف ما ترك أبوها، والباقي للورثة العصبة الأباعد نسبيا إذا قورنوا مع الولد. والبنات يحجبن بنات الابن.
وأما حقوق الوالدين: فلكل من الأب والأم السدس لأن علاقتهما ومحبتهما بالنسبة للمتوفى الولد سواء، إن كان له ولد، فإن لم يكن له ولد ولا ولد ابن، وورثه أبواه فلأمه الثلث من التركة، والباقي للأب. فإن كان للمتوفى إخوة من ذكور أو إناث، رجعت الأم من الثلث إلى السدس، سواء كانت الإخوة أشقاء أو لأب أو لأم.
ويقدم أولا ما يحتاجه الميت من نفقات التكفين والتجهيز والدفن، ثم يقضى الدين الذي كان على المتوفى في حال الحياة، ثم تنفذ وصايا الميت في حدود الثلث، ثم تقسم التركة، قال الله تعالى بعد بيان حقوق الأولاد والوالدين: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً «١» مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً [النساء: ٤/ ١١] وتقديم الوصية على الدّين في الذّكر للتنويه بها والعناية بتنفيذها، لأن الورثة قد يتثاقلون في تنفيذ الوصية، ولكنهم لا يستطيعون التلكؤ في سداد الدين الذي يكون للدائن حق المطالبة به، وهذا دليل واضح على إلغاء ما كان في الجاهلية من حرمان الأنثى والولد الصغير.
وأما حقوق الأزواج: فللزوج نصف تركة زوجته المتوفاة إن لم يكن لها ولد ولا ولد ابن، من الزوج أو من غيره، سواء كانت الزوجة مدخولا بها أو مجرد معقود عليها من غير دخول، فإن كان للزوجة ولد أو ولد ابن فلزوجها الربع، والباقي للأقارب الآخرين من بعد أداء الدين وتنفيذ الوصية.
وللزوجة ربع تركة زوجها المتوفى إن لم يكن له ولد، ولا ولد ابن، ولها الثمن إن كان لزوجها ولد، والباقي للورثة الآخرين من بعد الدين والوصية.
(١) مفروضة عليكم.
وأما الكلالة: (الميت الذي لا ولد له ولا والد) فهو من مات وليس له وارث من أب أو جد، ولا فرع وارث من ولد وولد ابن، وكان له أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما السدس، ويلاحظ وجود التسوية بين الذكر والأنثى هنا، لأن قرابتهما للميت على درجة متساوية واحدة وطريق الصلة واحد وهو الأم، فإن كان الإخوة لأم اثنين فأكثر فلهم الثلث كالأم، وهذا كله من بعد سداد الدين وتنفيذ الوصايا.
وإن كان لهذا الرجل الكلالة أخت شقيقة أو لأب فلها النصف، وللأختين الثلثان، وللأخت الثلث مع أخيها.
هذه قواعد الإرث في شرع الله ودينه في غاية العدالة والإنصاف، والرحمة ومراعاة مسئوليات الحياة، فيجب التزامها ولا يجوز تجاوزها، ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه.
ضوابط الإرث وعقاب المخالفين وعقوبة الزناة في صدر الإسلام
أوضح القرآن الكريم بعض القيود والضوابط التي يجب التزامها في تشريع الإرث وقسمة الحقوق المتعلقة بالتركة، وتوزيع الأنصباء بين الورثة، وجعل الإسلام نظام الإرث من قواعد النظام العام التي لا يجوز مخالفتها، أو تخطي الحدود المرسومة من الله تعالى، لأن الله سبحانه أرحم الرحماء بعباده، وأحكم الحاكمين، وأعدل المشرعين.
وأول هذه الضوابط والقيود: التقيد بشرع الله وترك ما كان عليه الناس في الجاهلية من حرمان الأنثى والصغير، لأن الناس لا يعرفون النافع حقيقة من الضار على المدى البعيد، فيلزم التقيد بما أمر الله به، فهو أعلم بالمصلحة من عباده، وأدرى بما هو أقرب نفعا للبشر، لذا فرض الله أحكام الميراث فريضة محكمة لا هوادة في وجوب العمل بها،
فريضة من الله، إنه كان عليما بأحوال الناس، حكيما فيما يشرع لهم، يضع الأمور في موضعها الصحيح المناسب، قال الله تعالى: آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً. [النساء: ٤/ ١١].
والقيد الثاني والضابط الآخر لقواعد الإرث: هو ترك الإضرار في الوصية، فلا يجوز للموصي الإيصاء بأكثر من الثلث: «الثلث والثلث كثير» كما صح في الحديث.
ولا الوصية لوارث
لقوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث المتواتر: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث».
ولا يجوز الإيصاء بمعصية، ولا يحل للإنسان إضرار الورثة بأن يقر بدين غير ثابت لم يقبضه من الدائن أو يكون الدين المقرّ به مستغرقا المال كله، ولا تجوز الوصية بالثلث فرارا من وارث محتاج، ولا يصح حرمان الوارث من حقه في الميراث، وهكذا فوجوه الإضرار كثيرة،
قال النبي فيما رواه أبو داود عن أبي هريرة: «من ضارّ في وصية ألقاه الله تعالى في واد في جهنم».
وقال أيضا فيما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم في التفسير عن ابن عباس: «الضرار في الوصية من الكبائر».
ويجمع كل أوجه الضرر في الوصية والدين قول الله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ [النساء: ٤/ ١٢].
الضابط العام الثالث لنظام الإرث الشرعي: التزام أحكام الله كما شرع، لأن التزامها مانع من الوقوع في المعصية، وطاعة الله ورسوله موجبة لدخول الجنة، ومعصية الله ورسوله وتعدي حدوده ومحارمه مقتض لدخول نار جهنم والتعرض للعذاب المهين المذل. قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٣ الى ١٤]
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤)
«١»
(١) شرائعه وأحكامه.
[النساء: ٤/ ١٣- ١٤].
الآيات تشير إلى ما سبقها من أحكام، فإن الأحكام المتعلقة برعاية الضعفاء من الأيتام والنساء، وأحكام العدل والإنصاف بين الزوجات والحجر على السفهاء المبذرين واليتامى قبل البلوغ، وأحكام المواريث، كل تلك الأحكام هي حدود الله ومحارمه التي لا يجوز لمسلم أن يتخطاها ويتجاوزها. ومن يطع الله ورسوله فيما شرع وبيّن، يدخله جنات تجري من تحت غرفها وبساتينها الأنهار العذبة، مع الخلود الأبدي فيها، من غير انقطاع ولا تحول عنها ولا موت آخر، وهو جزاء المحسنين، وذلك هو الفوز العظيم. وهذا وعد قاطع من الله، والله لا يخلف الميعاد.
وهناك وعيد على عصيان هذه الأحكام بسبب إنكار عرب الجاهلية لقسمة الميراث، فقد كلم فيها النبي صلّى الله عليه وسلّم عيينة بن حصن وغيره، ويشتمل الوعيد لمن يتعدى حدود الله، أي أحكامه في الميراث وغيره، وينتهك حرمة الله ويعصي الله ورسوله:
إدخاله نارا وقودها الناس والحجارة، خالدين فيها إلى ما شاء الله، وله عذاب مهين ومذل له، فهو عذاب مادي وروحي.
هذه الضوابط لقواعد الميراث تعد مؤيدات شرعية مانعة من مخالفتها وإهمالها. قال الله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ [النساء: ٤/ ١٣- ١٤].
أي إن أحكام المواريث السابقة هي أحكام الله وشرائعه، فلا تعتدوها ولا
تتجاوزوها، ومن يطع الله باتباع ما شرعه من الدين وأنزله على رسوله الكريم، ويطع الرسول باتباع ما جاء به عن ربه من أحكام، يدخله جنات (بساتين) تجري الأنهار من تحت قصورها، وذلك هو الظفر والفلاح الذي لا مثيل له في الدنيا.
ومن يخالف أوامر الله ورسوله، ويتجاوز الأحكام المشروعة، يدخله نارا، ماكثا فيها على الدوام، وله عذاب مقترن بالإهانة والإذلال.
ثم ذكر الله تعالى عقاب الزناة في مبدأ الإسلام، فقال:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٥ الى ١٦]
وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (١٦)
«١» «٢» «٣» [النساء: ٤/ ١٥- ١٦].
أي والنساء اللاتي يرتكبن الزنا، فأشهدوا على زناهن أربعة من الرجال، فإن شهدوا فاحبسوهن في المنازل، حتى الموت، أو يجعل الله لهن مخرجا مما أتين به.
والرجلان اللذان يأتيان الزنا، فآذوهما بالقول، وعيروهما ووبخوهما على فعلهما إذا لم يتوبا، فإن تابا وأصلحا عملهما وغيّرا أحوالهما، فاتركوا عقابهما، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، إن الله كان وما يزال كثير القبول لتوبة عباده، رحيما بهم.
وقد نسخت هذه العقوبة بآية النور: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: ٢٤/ ٢]. بالنسبة للأبكار، وبأحاديث الرجم للمحصنين والمحصنات في السنة القولية والعملية.
(١) يفعلن الزنا.
(٢) احبسوهن. [..... ]
(٣) عاقبوهما عقابا مناسبا.
وقت قبول التوبة وأحكامها
إن الإنسان تتنازعه عوامل الخير والشر، وتطرأ عليه حالات الضعف الإنساني أحيانا، فيندفع مع أهوائه وشهواته ويستجيب لوساوس شيطانه، فيقع في المعاصي والمخالفات، ثم يندم ويتراجع ويبحث عن طريق الإنقاذ والتخلص من أخطاء الماضي، لأن نفسه معذبة وضميره يوبخه ويؤنبه، وقد فتح الله باب الأمل أمام المخطئين النادمين ألا وهو التوبة الصادقة ما بين الإنسان وربه، من غير وساطة أحد، لا عالم ولا قريب ولا معلم، وقد وضع الشرع للتوبة شروطا وأحكاما.
وشروط التوبة أربعة: الإقلاع عن الذنب، والعزم على ترك الخطيئة في المستقبل، حتى لا يكون هناك إصرار لا توبة معه، والندم على الفعل في الماضي، ورد الحقوق المالية إلى أصحابها، وطلب المسامحة من الآخرين الذين أخطأ الإنسان معهم في الحقوق الأدبية. والتوبة: الندم على ارتكاب معصية الله تعالى.
وأحكام التوبة نصت عليها آيتان قرآنيتان، قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٧ الى ١٨]
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٨)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ١٧- ١٨].
التوبة فرض على جميع المؤمنين بإجماع الأمة لقوله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: ٢٤- ٣١] وذلك بأن يدرك المؤمن المذنب قبح فعله السابق، ويندم ندما حقيقيا مصمما، على ألا يعود إلى الذنب أبدا.
(١) السوء: العمل القبيح الذي يسوء فاعله.
(٢) الجهالة: التورط في المعصية عند شهوة أو غضب جهلا وسفها من غير تقدير عواقب الأمور.
وقبول التوبة والمغفرة أوجبه الله على نفسه تفضلا ورحمة وبيانا لصدق إنجاز الوعد، ولسابق وعد الله الكريم في قوله سبحانه: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:
٦/ ٥٤]. والله الذي أوجب قبول التوبة على نفسه عليم بخلقه، لأن النفس الإنسانية قد تشذ ويغويها الشيطان، فتقع في المعصية، فلولا باب التوبة ليئس الناس وضاقت بهم الدنيا، وظلوا على حالهم.
وقال قتادة: اجتمع أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم على أن كل معصية، فهي بجهالة، عمدا كانت أو جهلا وخطأ.
وأحسن أوقات التوبة: أن يبادر الإنسان المخطئ إلى الإقرار بها من قريب، أي بعد وقوع الخطيئة مباشرة وبسرعة، حتى لا يفوت الأوان، وتتراكم السيئات، أي المعاصي. ويظل باب التوبة مفتوحا إلى ما قبيل مجيء وقت الموت أو الاحتضار، فمدة الحياة كلها وقت قريب، لما
رواه أحمد والترمذي عن بشير بن كعب والحسن أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله تعالى يقبل توبة العبد، ما لم يغرغر «١» ويغلب على عقله».
وذلك لأن الرجاء فيه باق، ويحتاج الأمر إلى وقت يصح منه الندم والعزم على ترك الفعل، حتى يظهر دور الإنسان الاختياري والإرادة البشرية، فإذا غلب الإنسان على عقله، تعذرت التوبة لعدم توافر الندم والعزم على الترك. والله عليم بمن يتوب، وييسره هو للتوبة، حكيم فيما ينفذه من الأمر والقبول، وفي تأخير من يؤخّر عن التوبة حتى يهلك ويموت.
وأما توبة اليأس فغير مقبولة، مثل أولئك الذين يواظبون على اقتراف المعاصي، ويستمرون في غيهم وضلالهم حتى إذا أدركهم الموت وساعته، تابوا عند العجز عن
(١) أي ما لم تصل الروح إلى الحلقوم والغرغرة.
المعصية، والخوف من العقاب، وذلك مثل توبة فرعون حينما حضره الموت، وأدركه الغرق، وصار في غمرة الماء، وفي حيّز اليأس، فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان.
ولا يقبل الله توبة الذين يموتون وهم كفار، ولا توبة من يؤجل التوبة حتى تحضره الوفاة، لأنها تكون حينئذ قسرية، والأعمال المقبولة لا تكون إلا عند التكليف والاختيار، وأولئك الذين يرجئون التوبة ويؤخرونها عن وقتها المناسب هيأ الله لهم عذابا مؤلما ومذلا في الآخرة، لأنهم أصروا على أخطائهم، واستعبدهم الشيطان إلى الموت.
معاملة النساء
من المعلوم أن المرأة نصف المجتمع، وهي في حكم الله وتقديره تشارك الرجل في تحمل أعباء الحياة، وتعاونه في تحقيق المهام والمعايش، ولقد أنصف الإسلام المرأة وكرمها ورفع مكانتها، وأنزلها منزلة لائقة بها، تتفق مع فطرتها ومهماتها، لأنها شريكة في الحياة، وهي إنسان حي له كرامة وشخصية، وأعطاها من الحقوق المناسبة لطبيعتها وتركيبها وإمكاناتها النفسية والبدنية.
وكانت المرأة في الجاهلية وفي عصور الرومان واليونان تعد من قبيل المتاع، وكان أقارب الزوج المتوفى عند العرب يستولون عليها كرها عنها. روى البخاري أنه كان إذا مات الرجل منهم، كان أولياؤه أحق بامرأته: إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، أي منعوها الزواج، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت الآية الآتية. وكان من عادات العرب في الجاهلية أيضا إذا أرادوا فراق امرأة، رموها بفاحشة، حتى تخاف وتشتري نفسها منه بالمهر الذي دفعه إليها، فنزلت آية أخرى. قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٩ الى ٢١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [النساء: ٤/ ١٩- ٢١].
يخاطب الله المؤمنين بصفة الإيمان الباعثة على الالتزام والطاعة، فيذكر أنه لا يليق بكم أن تعاملوا المرأة كالمتاع، فتستولون عليها وترثونها وهي كارهة، ولا يحل لكم أن تضيقوا عليهن وتضاروهن، حتى يضطررن إلى الافتداء بالمال أو التنازل عن الصداق (المهر).
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم في حجة الوداع فيما رواه الترمذي وغيره: «استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عوان عندكم «٦»، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله»
أي بعقد الزواج المشروع. لكن ارتكاب الفاحشة أي الزنى مسقط لحق المرأة في المهر. وعليكم أيها المؤمنون وبخاصة الشباب أن تعاشروا نساءكم وتخالطوهن بالمعروف بما تألفه الطباع السليمة، ولا ينكره الشرع والعقل والعرف، من غير تضييق في النفقة ولا إسراف، وكلمة (المعاشرة) تقتضي المشاركة والمساواة، أي كل واحد يعاشر صديقه من جانبه بالمعروف، معرضا عن الهفوات، جالبا السرور، حافظا الود، معينا على الشدائد، قال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) [الروم: ٣٠/ ٢١].
فإن كرهتم النساء لعيب خلقي أو قبح أو تقصير في أمر أو مرض أو لأسباب
(١) بإكراه منكم، أي مكرهين لهن.
(٢) أي لا تمنعوهن من الزواج، ولا تضيقوا عليهن.
(٣) باطلا وظلما.
(٤) أي تكاشفتم واختلطتم وباشر بعضكم بعضا واطلع على أسراره، وهو كناية عن الوقاع.
(٥) الميثاق الغليظ: عقدة الزواج، أي عهدا وثيقا.
(٦) أي كالأسرى.
أخرى فربما كرهتم شيئا، وفيه الخير الكثير لكم. قال السّدي: الخير الكثير في المرأة: الولد. أي أن الصبر في معاملة النساء أمر مطلوب شرعا لأن الكمال لله، وقد تنجب هذه المرأة أولادا نجباء، وقد يكون لها مزايا وخصال أخرى تغطي الخصال المذمومة، لذا
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما أخرجه مسلم عن أبي هريرة: «لا يفرك مؤمن مؤمنة- أي لا يبغضها- إن ساءه منها خلق، سرّه منها خلق آخر».
وإذا أردتم أيها الزوجان الفراق- وهو أبغض الحلال إلى الله- وكان بينكما نشوز وإعراض وسوء عشرة، فلا يجوز أخذ شيء من مهر المرأة، ولو بلغ قنطارا من الذهب، وكيف تأخذونه بهتانا (كذبا) وأخذه إثم واضح وذنب كبير؟ وكيف تأخذونه بعد إبرام العقد الخطير وهو الميثاق الغليظ، وبعد مكاشفة الأسرار، وحدوث الاختلاط والمباشرة، إن هذا أمر مستنكر شرعا لا يليق بمؤمن.
خطب عمر بن الخطاب فقال: «ألا لا تغالوا بمهور نسائكم، فإن الرجل يغالي حتى يكون ذلك في قلبه عداوة للمرأة، يقول: تجشمت إليك أي تحملت الشدائد، فكلمته امرأة من وراء الناس، كيف هذا؟ والله تعالى يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فأطرق عمر ثم قال: «كل الناس أفقه منك يا عمر» «امرأة أصابت، ورجل أخطأ» والله المستعان، وترك الإنكار.
محارم النساء
راعى الإسلام ما تستوجبه رابطة الدم من حرمة وتعظيم، فحرم الزواج على الرجال ببعض الأقارب القريبين جدا، وفي ذلك رفع للحرج، وجعل العيش في بيئة الأسرة الواحدة أمرا ميسورا لا حرج فيه، علما بأن بعض قبائل العرب قد اعتادوا أن يخلف الرجل على امرأة أبيه، فإذا توفي الرجل عن امرأته، كان ابنه أحق بها،
يتزوجها إن شاء إن لم تكن أمه، أو يزوجها من شاء. ووجدت أمثلة فعلية لبعض الرجال الذين تزوجوا من زوجات الآباء، لا داعي لذكر أسمائهم هنا، وكان في العرب من تزوج ابنته، وهو حاجب بن زرارة، تمجّس وفعل هذه الفعلة. فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السير والمثالب المستنكرة.
قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يحرّمون ما يحرم إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين، فنزلت هاتان الآيتان: قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٢٢ الى ٢٣]
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣)
«١» «٢» «٣» «٤» [النساء: ٤/ ٢٢- ٢٣].
سمى الله تعالى الزواج بامرأة الأب نكاح المقت، أي الكراهية والاحتقار لأنه نكاح ذو مقت يلحق فاعله، وكانت العرب تسمي الولد الذي يجيء من زوجة الوالد: المقتي. لذا قال الله تعالى بعد ذكره: وَساءَ سَبِيلًا أي بئس الطريق والمنهج لمن يسلكه، إذ عاقبته إلى عذاب الله. فلا يحل الزواج في الإسلام بزوجة الأب، روى ابن جرير الطبري: كل امرأة تزوجها أبوك، دخل بها أو لم يدخل بها فهي حرام. وكما يحرم الزواج بامرأة الأب، يحرم أيضا الزواج بامرأة الجد، وفاعل
(١) أي ممقوتا مبغوضا، والمقت: البغض والاحتقار بسبب رذيلة يفعلها.
(٢) أي بيوتكم، والربائب:
بنات زوجاتكم من غيركم.
(٣) فلا إثم عليكم.
(٤) زوجاتهم. [..... ]
ذلك يستحق العقاب لنكاحه ما نكح الآباء أو الأجداد، إلا ما مضى في الجاهلية، فهو معفو عنه. إن هذا الزواج كان فاحشة يأباه العقل، ويمقته الشرع، وبئس ذلك الطريق في العرف، ثم أبان الله تعالى تحريم النساء من جهات ست، وتلك هي أنواع المحرمات:
١- نكاح الأصول: فقد حرم الله نكاح الأمهات والجدات.
٢- ونكاح الفروع: فقد حرم الله زواج البنات: بنات الصلب وبنات الأبناء.
٣- ونكاح الحواشي: فقد حرم الله نكاح الأخت، سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم، وحرم الله نكاح العمات والخالات القريبة والبعيدة، كعمة الأب، وخالة الأم.
٤- والتحريم بسبب الرضاع: يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب، فالأمهات المرضعات، والأخوات من الرضاعة يحرم التزوج بهن، فإذا رضع طفل من امرأة، فهي أمّه تحرم عليه، وزوجها أبوه، وأولادها إخوته، وأقاربها أقاربه.
٥- التحريم بسبب المصاهرة: تحرم أم الزوجة التي تم الدخول بها أو العقد عليها، والجدة كالأم، وتحريم ابنة الزوجة من غيرك، وهي الربيبة بشرط الدخول بأمها، ويحرم أيضا أولاد أولادها، فإن لم يحدث دخول بها، لا يحرم عليه بناتها، وزوجة الابن وزوجة ابن الابن تحرم على الأب والجد بمجرد العقد عليها. قال الله تعالى:
وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ أما الابن المتبنّى ممن ليس للصلب فلا تحرم زوجته على من تبناه.
٦- ما يحرم بسبب عارض: يحرم مؤقتا الجمع بين الأختين أو بين المرأة وقريباتها المحارم كالمرأة وعمتها وخالتها، وتظل الحرمة قائمة ما دام الزواج قائما بالأخت فعلا أو في العدة، وعفا الله عما سلف، فلا مؤاخذة على من تزوج في الجاهلية بأختين أو بأخت وعمتها أو خالتها.
هذه هي المحرّمات من النساء أوضحها القرآن الكريم، فيجب على من أراد الزواج تجري الأمر بين النساء، حتى لا يقع في زواج حرام، وخاصة التحريم من جهة الرضاع.
حلائل النساء بشرط المهر
أحل الإسلام الزواج بكل امرأة ليست من المحرمات بسبب النسب أو الرضاع أو المصاهرة أو بسبب عارض كأخت الزوجة وعمتها وخالتها، ولو كانت في العدة.
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :آية ٢٤]
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [النساء: ٤/ ٢٤].
حرم الله التزوج بالمتزوجات من النساء، إلى أن تطلّق الواحدة وتنتهي عدتها، وسميت المرأة المتزوجة محصنة، لأنها دخلت في حصن الزوج وعصمته وحمايته، فتحرم المحصنات المتزوجات ما دمن في عصمة رجل أو في العدة بعد الطلاق منه، إلا السبايا- في الماضي- وهن المملوكات بسبب الحرب المشروعة، لا كحروب الاستعمار والاستغلال، فقد كان يجوز للمسلم الزواج بالمسبية من غنائم الحرب إذا فرض الإمام عليها الرق وتمت قسمة الغنائم وآلت ملكيتها إلى ملك مسلم، وذلك بشرط براءة رحمها من زوجها الأول، ويكون الاستبراء بانتظار حيضة تأتيها بعد
(١) أي ذوات الأزواج.
(٢) أي الزموا كتاب الله، فهو منصوب على المصدر المؤكد، وهذا إشارة إلى التحريم الذي قرره الإسلام.
(٣) متعففين عن المعاصي.
(٤) غير زناة.
(٥) أي مهورهن خلافا لما كانت العرب تفعله.
السبي، وذلك تعويضا لها عن زوجها السابق، حتى لا تكون أداة فساد أو عالة على المجتمع.
كتب الله علينا هذه المحرمات، وأحل لنا ما عدا المذكور في آية المحارم من النساء، وما عدا المطلّقة ثلاثا حتى تنكح زوجا آخر غير زوجها الأول بزواج عادي، وليس بتحليل مؤقت، وما عدا المشركة الوثنية حتى تسلم.
والزواج بمن أحل الله مشروط بتقديم المهر للزوجة، ويسمى المهر أحيانا في العربية أجرا، ومشروط أيضا بتوافر قصد الإحصان والإعفاف، لا بقصد سفح الماء والزنى، محصنين أنفسكم وزوجاتكم، غير مسافحين ولا زانين.
أحل الله الزواج بالنساء ما وراء أو ما عدا من حرّم من سائر القرابة، فهن حلال لكم تزوجهن، والقصد الصحيح المشروع من الزواج هو الإعفاف، وحفظ الماء، وإيجاد النسل الطاهر، فيختص كل رجل بأنثى، وكل أنثى برجل، دون تعدد الأزواج كما هو حادث الآن في أوربا وأمريكا أحيانا، أما الزاني فلا يريد تحقيق المقاصد المشروعة الدائمة من الزواج، وإنما يريد فقط قضاء شهوته، وسفح الماء، استجابة للطبيعة الحيوانية فيه.
وما استمتعتم به من النساء بعد وجود عقد زواج مشروع دائم، فآتوا النساء مهورهن التي فرضها الله عليكم، والمهر تكريم للمرأة، وليس ثمن شيء ولا عوضا عن شراء، وهو ليس في مقابلة التمتع بالمرأة، ولكنه لتحقيق العدل والمساواة، ودليل المحبة والإخلاص، لذا سماه الله نحلة وعطية، ولا مانع بعد تسمية مهر معين في عقد الزواج، التراضي والاتفاق بعد العقد على زيادة المهر أو نقصه أو تنازل الزوجة عن شيء من مهرها لمصلحة الحياة الزوجية، وعلامة على الإخلاص والتعاون، ويدفع المهر للزوجة بعد العقد أو الدخول، وهو حق خاص بالمرأة وليس لوليها أو قريبها
أي حق في المهور، إن الله عليم بكل نية وقصد، حكيم في كل تشريع يضعه للعباد.
وقوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ يراد به الاستمتاع بطريق عقد الزواج الدائم، كما ذكرت، وليس المراد به ما يسمى بالمتعة، فقد كانت المتعة في صدر الإسلام مباحة لم يتعلق بها تحريم لأن الأصل في الأشياء والأفعال الإباحة، ثم نهى عنها القرآن وحصر العلاقة المشروعة بين الرجل والمرأة في الزواج أو ملك اليمين: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) [المؤمنون: ٢٣/ ٥- ٦] ونهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن المتعة نهيا دائما إلى يوم القيامة، ولا تختلف المتعة كثيرا عن الزنى بعينه، لأنها تتم بلا إذن ولي ولا شهود، والزنى لا يباح قط في الإسلام، ولذلك قال عمر رضي الله عنه: «لا أوتى برجل تزوج متعة إلا غيّبته تحت الحجارة».
إن تنظيم العلاقة بين الجنسين: الرجل والمرأة على أساس واضح دائم من الزواج الصحيح الذي يقصد به الدوام هو في الواقع خير ومصلحة لكل من الطرفين.
ثم ذكر الله تعالى حكم حالة العجز عن المهر فقال:
[سورة النساء (٤) :آية ٢٥]
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [النساء: ٤/ ٢٥].
أي ومن لم يجد منكم غنى وسعة في ماله للتزوج بحرة مسلمة مؤمنة، فيحل له أن يتزوج أمة مؤمنة غير مشركة ولا كتابية، والله أعلم بحقيقة إيمانكم، فلا تأبوا الزواج
(١) غنى وسعة.
(٢) الحرائر.
(٣) إمائكم.
(٤) مهورهن.
(٥) عفائف.
(٦) غير مجاهرات بالزنا.
(٧) متخذات أصدقاء للزنا سرا.
(٨) خاف الزنا.
بالإماء عند الضرورة، بعضكم من جنس بعض، سواء في الدين، فتزوجوا الإماء بإذن أوليائهن، وأدوا إليهن مهورهن بالمعروف شرعا وعادة بحسب التراضي، حال كونهن عفيفات غير مجاهرات بالزنا، ولا متخذات أصحاب يزنون بهن سرا، وإذا صارت الإماء محصنات بالزواج، فعليهن بالزنا الجلد بمقدار نصف عقوبة الحرائر، أي خمسين جلدة فقط، لأن حد الحرة مائة جلدة، أما الزانية غير المحصنة من الإماء فلا تجلد، وإنما تعزر تأديبا في رأي ابن عباس، والمعتمد رأي الجمهور أن الحد واجب على الأمة المسلمة إذا لم تتزوج، لما ثبت في الصحيحين من حدها، ذلك الترخيص بالزواج من الإماء لمن خاف منكم الوقوع في الزنا، وأن تصبروا عن نكاح الإماء خير وأفضل لكم، حتى لا يصير الولد رقيقا، والله غفور لذنوب عباده التائبين، رحيم بهم حين يسر لهم ذلك. وهذا كله حيث كان الرق قائما، وبعد الاتفاق الدولي عام ١٩٥٢ على منعه، لم يعد هناك مجال لتطبيق هذا الحكم.
أهداف التحريم والإباحة للنساء
أخرج البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، وعدّ منها الآيات ٢٦ و٢٧ و٢٨ من هذه السورة، والرابعة إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ والخامسة: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [النساء: ٤/ ٤٠] والسادسة:
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
[النساء: ٤/ ١١٠] والسابعة: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤/ ٤٨] والثامنة: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ. [النساء: ٤/ ١٥٢]
أما الآيات ٢٦ و٢٧ و٢٨ من سورة النساء فهي قوله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٢٦ الى ٢٨]
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨)
«١» [النساء: ٤/ ٢٦- ٢٨].
بعد أن ذكر الله تعالى الأحكام المتعلقة بالبيوت والنساء والزواج حلاله وحرامه، ذكر الحكمة من تشريع تلك الأحكام.
وأول هذه الحكم التشريعية: أن الله يريد أن يبين لنا ما خفي عنا، ويرشدنا إلى ما فيه مصلحتنا، ويهدينا مناهج أو طرق من كان قبلنا من الأنبياء والصالحين، وطرقهم: هي التي سلكوها في دينهم ودنياهم، وأن دينهم الذي ارتضاه لهم سابقا لا يبعد عما اختاره الله لهذه الأمة في القرآن المجيد. وهذا دليل على أن شرعنا كشرع من قبلنا، في توجيه الأوامر والنواهي وإيراد القصص، وفي ضرورة توافر السمع والطاعة لما يشرعه الله تعالى.
يريد الله من بيان الأحكام التشريعية في قضايا الزواج ومحارم النساء ومن يباح منهن: أن يرشدنا إلى الطاعات والأعمال التي إذا أديناها وقمنا بها على وجهها الصحيح، كانت سبيلا ممهدة لقبول الله التوبة، فالأعمال الصالحة كفّارات للسيئات، والله بفضله يتوب علينا ويكفر عنا سيئاتنا، إن فعلنا تلك الأعمال، كما قال الله سبحانه: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود: ١١/ ١١٤]، والله عليم بكل قصد حسن أو سيء، حكيم في كل عمل وتشريع يسنّه لعباده، عليم بسنن الشرائع ومصالح العباد، مصيب بوضع الأشياء في مواضعها الصحيحة بحسب الحكمة والإتقان.
(١) طرق ومناهج. [..... ]
والذين من قبلنا: هم المؤمنون في كل شريعة، المتبعون ما أنزله الله منها، وتوبة الله على عبده: هي رجوعه به عن المعاصي إلى الطاعات، وتوفيقه له، ثم كرر الله إظهار إرادته التوبة على عباده لتأكيد الإخبار الأوّل، وقدمت إرادة الله توطئة مظهرة لفساد إرادة متبعي الشهوات، يريد الله أن يتوب على عباده- وهذا تفضل ورحمة منه- يتوب عليهم بما كلفهم به من الأعمال التي تطهرهم وتزكي نفوسهم، فيتوب الله عليهم بعد هذا، وأما المفسدون فلا يتوب الله عليهم لإصرارهم على الإفساد، فهؤلاء المفسدون مبتغو الشهوات الذين يجرون وراءها إنما يريدون بالإضافة لإفساد نفوسهم إفساد المؤمنين الصالحين، يريدون أن يميلوا معهم ميلا عظيما، لأن مرتكب الإثم يهمه جدا ويحرص أن يشاركه غيره في فساده، إرضاء لنفسه وتستيرا عليها، واطمئنانا لسلوكها.
يريد الله أيضا من بيان أحكام التشريع في قضايا الزواج وغيرها التخفيف والتيسير على عباده، وبيان كون هذه الشريعة سمحة سهلة لا مشقة ولا ضيق ولا حرج في أحكامها، لقوله تعالى: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ.. [الحج: ٢٢/ ٧٨]. وبيان التخفيف والسماحة أمر ضروري في أمور الزواج، قال طاوس: ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء.
لذا أراد الله تعالى أن يبين سبب هذا التخفيف وهو أن الإنسان خلق ضعيفا عن مقاومة الشهوات، والتأثر بإغراءات النساء، وهذا مقصد تشريعي عام في الإسلام، فإن هذه الشريعة قامت على مبدأ التخفيف والتيسير والبعد عن المشقة والمضايقة، والله تعالى بكرمه خفف عن عباده، وجعل الدين يسرا سمحا سهلا، ولم يجعله ضيقا حرجا، وضعف الإنسان ناشئ عن ضعف نفسه، ولأن هواه يستميله في الأغلب، لذا راعى التشريع هذا الضعف ويسّر الصعب، وشرع السهل.
أكل أموال الناس بالباطل والتوبة من المعاصي
نظم الإسلام طريق التعامل مع الآخرين، والحفاظ على الأموال من غير اعتداء عليها، ولا أخذ مال الآخرين إلا بالتراضي، لأن المال حق لصاحبه، وهو قرين الروح، وأكثر الخصومات والمنازعات تقع بسبب الأموال، والإسلام يريد تحقيق الاستقرار والحفاظ على المودة والحقوق بين الناس، قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٢٩ الى ٣٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ٢٩- ٣٠].
حرمت الآية الاعتداء على المال والنفس، فلا يحل أكل مال الآخرين بالباطل، وهو الطريق غير المشروع والمأخوذ من أعيان الأموال أو منافع الأشياء ظلما من غير مقابل، ويشمل ذلك كل ما يؤخذ من الأموال عوضا في عقد فاسد أو باطل، كبيع الإنسان ما لا يملك، وثمن المأكول الفاسد غير المنتفع به حقيقة كالجوز والبيض والبطيخ الفاسد، وثمن ما لا قيمة له ولا منفعة معتبرة شرعا كالقرد والخنزير والذباب والدّبور والميتة والخمر وأجر النائحة وآلة اللهو، فمن باع بيعا فاسدا وأخذ ثمنه، كان ثمنه حراما خبيثا، وعليه رده لصاحبه.
لكن يجوز أخذ أموال الآخرين بطريق التراضي في العقود الصحيحة شرعا كالإعارة والهبة والبيع والإجارة، ولكن بالطريق الذي أذن به الشرع لقوله تعالى:
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ أي كلوا الأموال من طريق التجارة القائمة
(١) بما يخالف الحكم الشرعي.
(٢) ندخله نارا ونحرقه بها.
على الرضا المتبادل بيعا أو إجارة. وليس كل تراض معترفا به شرعا، وإنما التراضي ضمن حدود الشرع، فلا يحل المال الربوي في بيع أو قرض جر نفعا، ولا المال المأخوذ بالقمار والرّهان من الجانبين، حتى وإن تراضى عليه الطرفان لأن رضاهما مصادم لأمر الشرع الإلهي.
وتمام التراضي: أن يعقد البيع بالألسنة بالإيجاب والقبول، فتنتقل ملكية المبيع للمشتري، ويجب على المشتري الوفاء بالثمن دون تلكؤ، ولا يجوز نقض هذا البيع من أحد الطرفين دون موافقة الآخر، ولا يحل السوم على السوم، والبيع على البيع، والخطبة على الخطبة،
لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في الحديث المتفق عليه: «لا يسم الرجل على سوم أخيه، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه».
وفي حديث آخر: «ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه».
ثم حرمت الآية قتل النفس بطريق الانتحار: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم في الحديث المتفق عليه: «من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم، خالدا مخلدا فيها أبدا».
لأن الاعتداء على النفس اعتداء على صنع الله، ولا يملك الإنسان نفسه، كذلك يحرم علينا أن يقتل بعضنا بعضا، فمن قتل غيره فكأنما قتل نفسه، فيستحق القصاص أو الإعدام لأنه اعتدى على الأمة كلها، قال الله تعالى: مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً [المائدة: ٥/ ٣٢] فدم الإنسان على الإنسان حرام إلا من ارتد أو زنى وهو محصن أو قتل عمدا. وعقوبة قاتل النفس عمدا وظلما في الآخرة:
هو إصلاؤه نار جهنم وإدخاله فيها إلا أن يتوب، وبئس المصير المشؤوم الذي يرجع إليه هذا القاتل المعتدي، وذلك العقاب أمر سهل يسير على الله، لأنه القادر على كل شيء.
ثم أورد الله تعالى آية أخرى عقب ذلك فقال:
[سورة النساء (٤) :آية ٣١]
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (٣١)
«١» [النساء: ٤/ ٣١].
والمعنى: إن تتركوا أيها الناس المعاصي الكبائر، يغفر الله لكم الذنوب الصغائر، ويدخلكم مكانا طيبا مكرما وهو الجنة. والكبائر: هي كل معصية اقترنت بالوعيد الشديد، أو أوجب الشرع عليها حدا من الحدود المقدرة في الكتاب والسنة،
وفي حديث الصحيحين عن أبي هريرة تعداد الكبائر، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».
ولا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار، والذنوب الصغائر: هي التي لم تقترن بوعيد شديد أو بحدّ مقدر، كالنظر إلى امرأة أجنبية غير محرم، والقبلة.
واجتناب الكبائر يكفّر الصغائر إذا تم ذلك بالقدرة والاختيار لا بالإكراه، وكان الممتنع عن الكبيرة يؤدي الفرائض من صلاة وصيام وحج وزكاة وغيرها.
الحث على العمل وإعطاء الحقوق لمستحقيها
اعتنى الإسلام الحنيف بتطهير الظاهر والباطن لكل إنسان، فكما أن الله حرم أكل أموال الناس بالباطل وقتل النفس، وذلك من الأفعال الظاهرة لتطهير الظاهر والمحسوسات، كذلك حرم ما تنطوي عليه النفوس من أمراض فتاكة ضارة كالحسد والحقد والبغضاء، وتمني أخذ ما لدى الآخرين من نعم وثروات، وما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال.
(١) مكانا حسنا، وهو الجنة.
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :آية ٣٢]
وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢)
[النساء: ٤/ ٣٢].
نزلت هذه الآية بسبب أن النساء قلن: ليتنا استوينا مع الرجال في الميراث، وشركناهم في الغزو، أي الجهاد، وقال الرجال: ليت لنا في الآخرة حظا زائدا على النساء، كما لنا عليهن في الدنيا، فنزلت الآية.
وقال ابن عباس: أتت امرأة النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالت: يا نبي الله، للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا؟ إن عملت المرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة، فأنزل الله: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ.. الآية.
يتبين من سبب النزول المذكور أن الأطماع البشرية هي المسيطرة على النفوس، فالمرأة تريد مساواة الرجل في كل شيء، ولو كان ذلك مغايرا للطبيعة الإنسانية، أو فيه جور وظلم، وإخلال بميزان النفقات المقرر في هذه الشريعة، حيث إن الرجل هو المكلف بعبء الإنفاق على الأسرة، ولا تكلف المرأة بشيء من النفقة.
وبما أن الشرع حكم عدل محايد، فقد نهانا الله تعالى أن يتمنى كل إنسان منا ذكرا كان أو أنثى ما فضل الله به غيره عليه، بل الواجب على كل منا أن يعمل ويكتسب ويجد ويجتهد، ويتقن عمله، ويحسن القصد والنية، ويعمل في المجال المناسب لطبيعته، فالرجل بتكوينه هو الذي يجاهد، والمرأة بحكم أنوثتها وضعفها لها مهام أخرى في التربية وإعداد الأجيال ورقابة الأولاد من الانحراف، ولا يجوز التحاسد، لأن ذلك التفضيل بين المرأة والرجل قسمة مقدرة من الله، صادرة عن حكمة وتدبير سديد، وعلم بأحوال العباد، وبما يصلح له كل شخص من بسط الرزق له أو تقتيره
عليه، قال الله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) [الشورى: ٤٢/ ٢٧].
فعلى كل إنسان أن يرضى بما قسم الله له، ولا يحسد غيره، لأن الحسد أشبه شيء بالاعتراض على من أتقن كل شيء وأحكمه. والتفضيل بين الجنسين الذكر والأنثى يشمل النواحي الخلقية البدنية، والقدرات والمواهب والخبرات، فليس من المعقول أن يتمنى الإنسان أن يكون كغيره قوي البنية أو صحيح الجسم، ذكرا أو أنثى، ويسلب غيره تلك القدرة، وليس من اللائق طلب التساوي في المواهب والخبرات والمعارف كالعلم وتحصيل المال أو الجاه مثلا، ويحرم غيره منها، ولكن على الإنسان أن يطلب من الله وحده الخير والإحسان والنعم الكثيرة: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ والله عليم بما يحقق المصلحة لكل إنسان، فلا يجوز أن يتمنى أحد زوال ما لدى الآخرين من نعمة، وأن تكون إليه، وهذا هو الحسد: وهو تمني ما لدى الآخرين من النعم، أما الغبطة وهي أن يكون لكل واحد مثل ما لغيره دون زوال النعمة عنه فهي جائزة، فالله سبحانه مقسم الأرزاق ومصدر الفضل والإحسان، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، لحكمة ومصلحة للعبد نفسه.
ثم أوصى الله تعالى بإعطاء الحقوق لأصحابها، فقال:
[سورة النساء (٤) :آية ٣٣]
وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ٣٣].
نزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنّون رجالا غير أبنائهم ويورثونهم، فأنزل الله تعالى فيهم أن يجعل لهم نصيب في الوصية، وردّ الله تعالى الميراث إلى الأقارب
(١) أي ورثة مستحقين من العصبات.
(٢) حالفتموهم وعاهدتموهم على التوارث، وهذا عند الحنفية خلافا لغيرهم باق مشروعيته.
العصبات أو الورثة، ومنع الله تعالى أن يجعل للمتبني ميراث المتبنى، ولكن جعل له نصيبا في الوصية.
ومعنى الآية: لكل من الرجال والنساء ورثة، لهم الحق في تركتهم، والموالي: هم الوالدان والأقربون والأزواج، فآتوا أيها المورثون حقوق الورثة كاملة من غير نقصان، أما الذين كنتم تتبنونهم في الجاهلية- والآن حرم عليكم التبني في الإسلام- فلكم إعطاؤهم شيئا من أموالكم بطريق الوصية، لا بطريق الميراث، والله رقيب على أفعالكم، شهيد على أعمالكم، فيجازيكم عليها يوم القيامة، فلا يحملنكم الطمع والحسد على أن يأخذ واحد منكم شيئا من نصيب غيره في الميراث، سواء أكان ذكرا أم أنثى.
تنظيم حياة الأسرة
نظم الإسلام الحياة الزوجية وشؤون الأسرة تنظيما عادلا، يتفق مع الحكمة الرشيدة، والأوضاع السديدة، فجعل تدبير أمر المنزل في قضاياه العامة للرجل، وجعل له القوامة على المرأة، أي القيام بأمرها والمحافظة عليها بعناية ورعاية تامة، دون استبداد ولا استعلاء ولا ترفع أو ظلم، كما كلف الله الرجل مقابل هذه الدرجة من القوامة بالجهاد، وحماية الأوطان، والإنفاق على النساء المستوجب إعطاء الذكور ضعف حظ النساء، فإذا كان للرجل درجة القوامة، فعليه في مقابلها مسئوليات جسام أخرى لأنه أقدر على تحمل المسؤولية والمشاق ومزاحمة الناس في الحياة العملية، والتعرض للمخاطر، والانفراد أحيانا في أماكن لا يجد فيها معينا ولا مؤنسا.
لذا قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٣٤ الى ٣٥]
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥)
«١» «٢» «٣» [النساء: ٤/ ٣٤- ٣٥].
قال الحسن البصري: جاءت امرأة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم تستعدي على زوجها أنه لطمها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: القصاص، فأنزل الله: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ..
الآية، فرجعت المرأة بغير قصاص،
أي لم يعاقب الزوج على لطم زوجته. وقال ابن عباس: الرجال أمراء على النساء، أي إن الآية نزلت مبيحة للرجال تأديب نسائهم.
فالرجل قيّم على المرأة، أي هو الرئيس والكبير والحاكم والمؤدب إذا اعوجت، وهو القائم عليها بالحماية والرعاية، فعليه الجهاد دونها، وله من الميراث ضعف نصيبها لأنه هو المكلف بالنفقة عليها. وسبب هذه القوامة أمران:
أولا- وجود مقومات جسدية، فهو أقوى وأكمل إدراكا وخبرة ومعرفة بشؤون الحياة، ومعتدل العاطفة.
ثانيا- أنه المنفق على البيت والزوجة والقريبة، ويلزمه المهر رمزا لتكريم المرأة، وتعويضا أدبيا لها، ومكافأة على مشاركته في حصن الزوجية، وفيما عدا ذلك فالرجل والمرأة متساويان في الحقوق والواجبات، قال الله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ. [البقرة: ٢/ ٢٢٨]
(١) لهم القوامة بالتدبير والتسيير والقيادة.
(٢) مطيعات.
(٣) الخروج عن الطاعة.
أي إن الزوجين متساويان بالمعروف الذي يقره الشرع، دون تجاوز الحدود المشروعة، وللرجال درجة القوامة، لتسيير شؤون هذا المجتمع الصغير، الخلية الأولى للمجتمع، وهو الأسرة. والعجز عن النفقة يسقط حق القوامة للرجل. وللنساء حالتان: فالصالحات منهن قانتات مطيعات لأزواجهن، حافظات للأسرار المنزلية والأعراض والخلوات، ولهن ثواب عظيم على ذلك،
روى البيهقي وغيره عن أبي هريرة: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «خير النساء: امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها»
وهؤلاء النساء الصالحات ليس عليهن إلا المعاشرة بالمعروف.
وأما النساء الشاذات الناشزات غير المطيعات للأزواج، وهن اللاتي يترفعن عن حدود الزوجية وحقوقها وواجباتها، فيسلك معهن الرجال المراحل الأربع الآتية:
١- الوعظ والإرشاد إذا أثّر في نفوسهن: بأن يقول الرجل للزوجة: اتقي الله، فإن لي عليك حقا.
٢- الهجر والإعراض في مضجع المبيت من غير خروج من المنزل: وهو ترك المبيت مع الزوجة في فراش واحد، ولا يحل هجر الكلام أكثر من ثلاثة أيام.
٣- الضرب غير المبرّح، أي غير المؤذي كالضرب الخفيف باليد على الكتف ثلاث مرات، أو بالسواك أو بعود خفيف، لا بالكف على الوجه، ولا بالعصا ونحوها مما يؤذي، لأن المقصود هو الإصلاح لا غير، والضرب أمر رمزي فقط.
٤- التحكيم: فإن اشتد الخلاف والعداوة، أرسل حكمان: أحدهما من أهل الزوج والآخر من أهل الزوجة، للسعي في إصلاح ذات البين بعد استطلاع حقيقة الحال بين الزوجين، ومعرفة سبب الخلاف، ومتى حسنت النية والنصح لوجه الله،
يوفق الله الحكمين للقيام بالصلح والهداية إلى الخير، وتحقيق الوفاق والتفاهم، والعودة إلى التوادد والتراحم والألفة بين الزوجين.
ومن أهم أسباب الوفاق: ترك الغلو والعصبية، والتواضع وتقوى الله، والاحترام المتبادل، وتقدير إنسانية المرأة، والاتصاف بصفة الرحمة والخوف من الله حال الغطرسة والتجبر، والله عليم خبير ببواعث الخلاف، يجازي كل إنسان بعمله.
مبادئ الحياة الاجتماعية في الإسلام
وضع الإسلام مبادئ العلاقات الاجتماعية على أسس ثلاثة: عبادة الله وحده لا شريك له والخوف منه سبحانه، وتوثيق العلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة والمجتمع بدءا من الجار وانتهاء بابن السبيل، والسخاء في الإنفاق والبذل في المعروف ومقاومة الشح والرياء والبخل لأنه رذيلة وتدنيس للمروءة والكرامة.
قال الله تعالى مبينا هذه الأسس أو الأطر:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٣٦ الى ٣٩]
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٨) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [النساء: ٤/ ٣٦- ٣٩].
(١) البعيد في السكن.
(٢) الرفيق مؤقتا في مشروع.
(٣) المسافر المنقطع.
(٤) متكبرا.
(٥) متفاخرا بطرا متطاولا.
(٦) مراءاة الناس. [..... ]
(٧) صاحبا.
وآيات البخل والرياء نزلت في علماء بني إسرائيل الذين كانوا يبخلون بما عندهم من العلم، وينصحون الأنصار ألا ينفقوا أموالهم، خوفا من الوقوع في الفقر.
أرشد الله تعالى الناس جميعا في المجتمع إلى بعض خصال الخير والإحسان، وأولها: عبادة الله وحده دون إشراك أحد معه، والعبادة: هي الخضوع التام لله، مع إشعار القلب بتعظيم الله وإجلاله في السر والعلن، والخشية منه وحده، وتكون عبادة الله بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه، سواء في الشؤون القلبية كالحسد والحقد، أو في ممارسة الأعضاء بعض الأفعال، والأمر أولا بعبادة الله لأنها مصدر الإلهام بكل خير وترك كل شر، والإقدام على الفضائل.
والواجب الثاني: الإحسان إلى الوالدين وبرهما أي طاعتهما في معروف، والقيام بخدمتهما، وتحقيق مطالبهما، والبعد عن كل ما يؤذيهما لأنهما سبب وجود الولد، وتربيته برحمة وإخلاص، وحب دائم، وتضحية من الأهل.
والواجب الثالث: الإحسان إلى القرابة وهو صلة الأرحام كالأخ والأخت والعلم والخال وأبنائهم، وذلك بمودتهم ومواساتهم المادية والمعنوية.
والواجب الرابع: الإحسان إلى اليتامى، ومنهم الذين فقدوا آباءهم واستشهدوا في الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله أو الدفاع عن الأوطان، لأن هؤلاء الأيتام والمستضعفين، ومثلهم المعاقون فقدوا الناصر والمعين وهو الأب، والمعاق: فقد القدرة الجسدية على ممارسة حياة كريمة صحيحة.
والواجب الخامس: الإحسان إلى المساكين والفقراء: وهم المحتاجون الذين لا يجدون ما يكفيهم، والإحسان إليهم بالتصدق عليهم، أو بردّهم ردا جميلا، لقوله تعالى: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) [الضحى: ٩٣/ ١٠] وهذا يحقق مبدأ التكافل الاجتماعي في الإسلام.
والواجب السادس- الإحسان إلى الجيران، وهم كما ذكرت الآية ثلاثة أنواع:
الجار القريب في المكان أو النسب أو الدين، والجار البعيد غير القريب المجاور في السكن، والصاحب بالجنب: وهو الرفيق في السفر، والإحسان إلى الجيران يحقق مبدأ التعاون والتواصل والتوادد والشعور بالسعادة ويكون الإحسان للجيران بكف الأذى، وحسن العشرة، وتبادل الهدايا والزيارة، والوليمة والعيادة حال المرض ونحو ذلك.
والواجب السابع: الإحسان إلى ابن السبيل: وهو المسافر المنقطع عن ماله، أو الضيف بإكرامه ومساعدته للوصول إلى بلده. ومثله الإحسان للأرقاء في الماضي والخدم والأعوان في الحاضر.
ثم حذرت الآيات القرآنية من أمرين قبيحين هما البخل والرياء في الإنفاق من المال، أما البخل فهو داء وخصلة رذيلة،
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إياكم والشح، فإنه هلك من كان قبلكم بالبخل، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا».
وقد توعد الله البخلاء بالعقاب في قوله تعالى: وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً.
وأما الرياء فهو أمر ذميم محبط ومبطل للأجر والثواب، لأن المرائي لا يقصد بعمله وجه الله، وإنما يقصد بإعطائه المال السمعة والشهرة والتظاهر، لا شكرا لله على نعمة، ولا اعترافا لعباد الله بحق، والرياء كالبخل يعاقب الله عليه، وهو شرك خفي يقصد به التقرب لغير الله، أما المؤمن حقا بالله واليوم الآخر فهو سخي غير بخيل، ينفق ماله بنية حسنة، وبقصد التقرب إلى الله وحده، والله عليم بالنيات.
الترغيب في الامتثال والتحذير من العصيان
التربية الدينية القرآنية قائمة على الترغيب من الله تعالى بامتثال أوامره والتحذير من المخالفة والمعاصي والتورط في المنهيات، وذلك كله من أجل خير الإنسان والأخذ بيده نحو الأهداف المثلى والمصالح والمنافع الأبدية له في الدنيا والآخرة.
لذا بشر الله عباده بأنه لا يظلم مثقال ذرة، ويضاعف الحسنات ويمنح الثواب العظيم على العمل القليل، ويوبخ الله تعالى المقصرين المعرضين عن الطاعة والإيمان، ويذكر أن مواقفهم مدعاة للعجب يوم القيامة، وعندها يندمون ويودون أنهم لم يبعثوا أحياء، وأن يبقوا في قبورهم أمواتا. قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٤٠ الى ٤٢]
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠) فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (٤٢)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ٤٠- ٤٢].
يخبر الله تعالى أنه لا يظلم في الحساب أحدا من خلقه يوم القيامة مثقال ذرة، ولا حبة خردل، بل يوفيها له، ويضاعفها له، إن كانت حسنة، كما قال سبحانه:
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧) [الأنبياء: ٢١/ ٤٧]. ومع أنه تعالى لا ينقص أحدا من أجر عمله، ولو مثقال (وزن) ذرة، يضاعف ثواب الحسنة إلى عشرة أمثالها، إلى سبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، بل إنه سبحانه أيضا يعطي عباده أجرا عظيما من غير مقابل له من الأعمال، فهو سبحانه واسع الفضل والجود، كثير الإحسان. والأجر العظيم: الجنة والرضوان الإلهي. والآية تعم المؤمنين وغير المؤمنين، فأما المؤمنون فيجازون في الآخرة على مثاقيل الذر فما زاد، وأما غير
(١) مقدار أصغر نملة.
(٢) يدفنون في الأرض فلا يبعثون.
المؤمنين فيما يفعلون من خير فتقع المكافأة عليه بنعم الدنيا، ويجيئون يوم القيامة ولا حسنة لهم.
ثم يذكر الله الخالق موقفا لغير المؤمنين يستدعي العجب، وهو تمنيهم الدفن في التراب، وذلك حينما يكون الناس في موقف الحساب، ويستحضر الله الشهود على الأمم وهم الأنبياء بما يكون منهم من تصديق وتكذيب، ويجاء بالنبي محمد صلّى الله عليه وسلّم شاهدا على هؤلاء المكذبين، من قريش وغيرهم.
روي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان إذا قرأ هذه الآية: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً فاضت عيناه وذرفت الدموع
لأن شهادة أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم على الأمم تعد من حالات الإعزاز والتكريم، ولأن شهادة النبي على أمته والأمم السابقة شهادة قاطعة لا تقبل النقض والرفض.
في هذا الموقف الاتهامي والوضع الرهيب لأهل المحشر يود الذين كفروا وعصوا الرسول ويتمنون لو يدفنون في التراب، فتسوى بهم الأرض، كما تسوى بالموتى، وهم لا يستطيعون كتمان حديث أو كلام عن الله لأن جوارحهم (أعضاءهم) تشهد عليهم، بعد أن يختم الله على أفواههم، وتتكلم أيديهم وأرجلهم بتكذيبهم والشهادة عليهم بالشرك، فلشدة الأمر يتمنون الدفن تحت التراب، وشهادة الأعضاء بإنطاقها من الله سبحانه، كما قال جل جلاله في كتابه المجيد: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ «١» إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ «٢» (١٩) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ «٣» أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) [فصلت: ٤١/ ١٩- ٢٣].
(١) وهم المكذبون برسالات الرسل.
(٢) يساقون بعنف إلى جهنم.
(٣) تستخفون.
هذه إنذارات شديدة الوقع على النفوس تقابل تلك البشائر التي زفّها الله تعالى للمؤمنين الطائعين.
تحريم الصلاة حال السكر ورخصة التيمم
الصلاة المفروضة في الإسلام هي معراج النفس المؤمنة إلى الله تعالى، وهي محراب التقوى وصفاء النفس وراحة القلب وقرة العين، لذا كان المطلوب فيها استحضار الخشوع والطمأنينة وسكون الأعضاء، وتوافر العقل والإدراك ووعي الأقوال والأفعال المتكررة في الصلاة، وطهارة البدن فلا تصح صلاة السكران والجنب والمحدث وهي باطلة. ولقد يسر القرآن الكريم أداء الصلاة ما دام العقل والوعي متوافرا، وراعى حال الضعف والمرض وفقد الماء من أجل السفر، فأجاز التشريع ما يسمى بالتيمم وهو ضربتان على التراب أو الغبار المتناثر على جدار أو متاع، ومسح الوجه والأيدي إلى المرافق بهما. قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :آية ٤٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣)
«١» «٢» «٣» «٤» [النساء: ٤/ ٤٣].
وسبب نزول لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ما
قال علي رضي الله عنه: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما وشرابا، فدعانا وسقانا من الخمر حين كانت الخمر مباحة لم تكن حرّمت بعد، فأكلنا وشربنا، وأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة، فقدموني للصلاة، فقرأت: (قل: يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون،
(١) مسافرين.
(٢) أي أحدث بالبول أو الغائط أو الريح.
(٣) جامعتم، أو لمستم بشرتهن.
(٤) ترابا طاهرا.
ونحن نعبد ما تعبدون) فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ.
وذكر ابن جرير الطبري أن الإمام كان يومئذ عبد الرحمن بن عوف، وأن الصلاة صلاة المغرب، وكان ذلك قبل أن تحرّم الخمر.
وهذا دليل واضح على أن السكر يغطي العقل، ويؤدي إلى الهذيان وتخليط الكلام، والإخلال بالعقيدة والعبادة، فتكون الصلاة باطلة حال السكر، كما أن الصلاة باطلة حال الجنابة، بل يحرم على الجنب دخول المساجد، إلا عبورا من غير مكث ولا توقف أو استقرار في جميع أجزاء المسجد. وقد منع النبي صلّى الله عليه وسلّم توجيه البيوت نحو المسجد،
وقال في حديث صحيح رواه أبو داود عن عائشة: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لجنب ولا حائض».
وذكرت الآية: لا تقربوا الصلاة حال الجنابة إلا إذا كنتم عابري سبيل، أي مجتازي الطريق.
وسبب نزول آية: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً هو ما
قال علي رضي الله عنه: نزلت هذه الآية وهي قوله تعالى: وَلا جُنُباً في المسافر تصيبه الجنابة، فيتيمم ويصلي، وكان نزول آية التيمم في غزوة المريسيع، فكان صدر الآية في حادثة الخمر، وعجزها في حادثة السفر.
وتشريع التيمم رخصة ميسّرة للناس لأن الصلاة تتكرر خمس مرات في اليوم، ولا يجوز تركها بحال، إلا أن الطهارة بالوضوء بالماء قد تتعذر على المسلم المصلي لمرض أو عذر، فرخص الشرع الحكيم الرحيم بالناس في التيمم بالتراب بنحو رمزي، حتى لا تترك الصلاة من أي إنسان، وليس الهدف نقل التراب إلى الوجه واليدين، وإنما أن يقصد الإنسان أرضا طاهرة لا نجاسة فيه، فيها غبار، أو حتى على حجر صلب، أو متاع كمخدة يتناثر منها الغبار، وكيفية التيمم: نية فرض التيمم وضربتان على تراب ونحوه مما ذكر، الضربة الأولى للوجه، والثانية لليدين.
يتيمم مريد الصلاة إذا كان مريضا مرضا يتعذر معه استعمال الماء، أو يضر الجرح أو يؤدي إلى بطء الشفاء، أو كان مسافرا في صحراء أو غيرها على الطرقات العامة، وتعذر استعمال الماء لفقده أو لمشقة السفر، سواء أكان المريض أم المسافر محدثا حدثا أصغر، أم حدثا أكبر، فيكون التيمم جائزا بدلا عن الوضوء أو الغسل لأعذار ثلاثة: السفر، والمرض، وفقد الماء.
وهذا مظهر من مظاهر التسامح والتيسير في أداء الصلاة، ودليل على أن الإسلام يدفع الحرج والمشقة عن الناس، لذا ختم الله تعالى الآية بقوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً يعفو حيث سهّل الصلاة للمعذور من دون وضوء ولا غسل، والله يقبل العفو أي السهل، ويغفر الذنب أي يستر عقوبته، فلا يعاقب المصلحين التائبين، ومن كان عفوا غفورا آثر التسهيل، ولم يشدد لأن الله رؤف رحيم بعباده.
تحريف الكتب الإلهية وإهمال الهداية
من المعلوم أن الأديان السماوية كلها متفقة في أصولها العامة ومبادئها الأساسية، كتوحيد الله ونفي الشرك، والدعوة إلى كريم الأخلاق، وسمو الفضائل، وإصلاح المجتمع الإنساني، وإسعاد الفرد والجماعة، والقرآن الكريم مصدق لموسى وعيسى عليهما السلام فيما أنزل الله عليهما من الوحي الإلهي في التوراة والإنجيل، وإذا كان الإنسان المتزن متسامحا في نظرته، مبتعدا عن التعصب والانغلاق، فعليه أن يؤمن ويصدق بجميع ما جاء من عند الله، وكيف لا يؤمن أهل الكتاب وغيرهم بالقرآن الكريم، مع أنه جاء مصدقا لما معهم، وموافقا لملة إبراهيم الخليل عليه السلام- ملة التوحيد، فمن أخلص للحقيقة، فعليه أن يقتنع بها، ويلتزم بمضمونها،
ويدافع عنها، ويستجيب لنداء الله في الوحي الإلهي الثابت، وهو القرآن الكريم الذي لم يبق غيره معبرا عن إرادة الله وتشريعاته وأحكامه.
أما المعادي للقيم الدينية الإنسانية، فيتهرب من مواجهة الحقيقة إما بالتحريف والتأويل، وإما بالإنكار والجحود، وإما بالاستهزاء والطعن، وصرف الكلام عن إرادة الخير إلى إرادة الشر، لذا وبّخ الله سبحانه في القرآن المجيد أولئك الذين يبدلون كلام الله، بدافع التطور والمعاصرة، أو بدافع نفعي مادي وحفاظا على المصالح الذاتية والمراكز والمناصب باسم الدين، وبباعث التعصب. قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٤٤ الى ٤٧]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (٤٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (٤٧)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [النساء: ٤/ ٤٤- ٤٧].
نزلت هذه الآيات في يهود المدينة،
قال ابن إسحاق: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود، وإذا كلم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لوى لسانه، وقال: أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله فيه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ.. الآيات.
والمعنى: ألم تنظر إلى الذين أوتوا جزءا من الكتاب، يستبدلون الضلالة بالهدى،
(١) يغيرونه ويتأولونه بالباطل.
(٢) أي لا سمعت، وهو دعاء على النبي صلّى الله عليه وسلّم.
(٣) كلمة سب وطعن.
(٤) تحريفا بألسنتهم. [..... ]
(٥) أعدل وأصوب.
(٦) نمحوها.
ويأخذون الكفر بدل الإيمان، ويريدون منكم أن تضلوا معهم الطريق المستقيم، والله أعلم بأعدائكم أيها المؤمنون، فامتثلوا أمره، واحذروا الأعداء، وكفى بالله ناصرا يتولى أموركم، ويصلح حالكم، وكفى به نصيرا ينصركم إن نصرتموه، كما قال الله تعالى: كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
[الروم: ٣٠/ ٤٧].
وبعض الكتابيين يبدلون كتبهم، ويؤولونها تأويلا غير صحيح، وهم يقولون:
سمعنا وعصينا، بدل قولهم: سمعنا وأطعنا، وكانوا يقولون حسدا وحقدا للنبي صلّى الله عليه وسلّم:
اسمع لا سمعت، أي لا أسمعك الله ولا أجاب قولك، وقالوا للنبي أيضا: راعنا من الرعونة والحمق، وهي كلمة سب، تحريفا بألسنتهم وطعنا في الدين وفتلا بالألسنة عن الحق والصواب والأدب. وهذا منتهى الجرأة في الباطل والعدوان على الحق، ولو قالوا: سمعنا وأطعنا، بدل: سمعنا وعصينا، لكان خيرا لهم وأهدى سبيلا، ولكنهم لم يقولوا ذلك، فخذلهم الله ولعنهم وطردهم من رحمته، فهم لا يوفّقون أبدا للخير، ولا يؤمنون إيمانا صحيحا إلا إيمانا قليلا لا إخلاص فيه، ثم دعاهم الله للإيمان بالقرآن قبل تدميرهم وتشويههم، ولعنهم كلعنة أصحاب السبت المتحايلين على صيد السمك الممنوع عليهم بأخذ الأسماك من الأحواض التي بنوها، وذلك في يوم الأحد، وكان أمر الله التكويني بإيقاع شيء ما نافذ المفعول لا محالة، متى أراده أوجده، فليحذر الناس وعيد الله وعقابه.
ما يغفره الله تعالى
إن الإنسان بحكم ضعفه وميله للشهوات دون وعي وتقدير للعواقب، تراه يقع في أخطاء ومعاص أو ذنوب تغضب الله تعالى، لأن الخطأ أو العصيان ليس في الواقع في صالح الإنسان نفسه، وإنما هو ضرر في ذاته ولمصالحه، يجرّ عليه أسوأ النتائج
وأخطر الأمور، في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا ضرر في الصحة والسمعة والاعتبار الأدبي، وفي الآخرة ضرر دائم محقّق بالعذاب في نيران جهنم.
ومن أجل خير الإنسان ونفعه والحفاظ على مصلحته وكرامته حرّم الشرع المعاصي والمنكرات، وأوعد مرتكبيها بالجزاء الشديد والعقاب الأليم، غير أن الله الرحيم بعباده فتح لهم باب الأمل وأزال من النفوس رواسب اليأس والإحباط، ورغب في العودة إلى الجادة المستقيمة، والالتزام بمرضاة الله تعالى، فوعد سبحانه التائبين المحسنين أعمالهم بالمغفرة، أي ستر الذنب وإسقاطه وجعل للمغفور له أن يدخله الجنة بلا عذاب ولا عقاب، لكن من شاء عذّبه من المؤمنين بذنوبه، ثم يدخله الجنة.
قال الله تعالى مبينا دستوره في الوعد والوعيد:
[سورة النساء (٤) :آية ٤٨]
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨)
[النساء: ٤/ ٤٨].
هذه الآية مسوقة للرد على أولئك الذي يحلمون بمغفرة الله من دون الإيمان، قائلين: (سيغفر لنا) بالرغم مما يفعلون ويرتكبون.
وسبب نزولها كما
جاء عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام، قال: وما دينه؟ قال: يصلي ويوحد الله، قال: استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه، فطلب الرجل ذلك منه، فأبى عليه، فأتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فأخبره، فقال: وجدته شحيحا على دينه، فنزلت: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ.
وهذه الآية مخصصة لقوله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) [الزمر: ٣٩/ ٥٣].
أي إن كل الذنوب والمعاصي قابلة للغفران ما عدا جريمة الشرك، أي نسبة الولد والشريك والصاحبة لله عز وجل، فالشرك أعظم الجرائم عند الله تعالى لأنه يمنع
نور الإيمان من الوصول إلى القلب، وهو منتهى ما تهبط إليه عقول البشر، ومنه تتولد سائر الرذائل التي تهدم كيان الأفراد والجماعات، ولا غرابة في ذلك فالمشرك يظن أن في الصنم أو البشر مثله تأثيرا في الكون والحياة. أما التوحيد والإيمان الخالص لله عز وجل من كل شوائب الشرك، فيسمو بالنفس إلى عبادة الرب، والاعتماد عليه وحده، والتوكل عليه والإخلاص له، وفي هذا نور القلب، وصفاء الروح، ونور البصيرة، والعزة الكاملة، لذا كانت المعاصي كلها بعد الإيمان قابلة للمغفرة وقبول التوبة، لأن نور الإيمان يسترها، غير أن المغفرة مرتبطة بمشيئة الله، وهي للعباد التائبين الذين يعملون الصالحات التي أمر الله بها، وانتهوا عما نهى الله عنه، لقوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ [هود: ١١/ ١١٤].
والناس أمام السيئات أربعة أصناف:
١- كافر مات على كفره، فهذا مخلد في النار بالإجماع.
٢- ومؤمن محسن لم يذنب قط، ومات على ذلك، فهذا في الجنة بالإجماع.
٣- وتائب مات على توبته: وهذا لا حق بالمؤمن المحسن، ولكن بمشيئة الله.
٤- ومذنب مات قبل توبته، ومرد هذا ومصيره إلى الله تعالى، إن شاء عذبه وإن شاء سامحه، للآية السابقة: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ. أي إن غفران ما دون الشرك إنما هو لقوم دون قوم، فمن شاء الله المغفرة له غفر له، ومن شاء أن يعذبه عذبه، وكل ذلك بحكمة إلهية عالية، نترك الأمر في معرفتها لله رب العالمين.
بعض الممارسات السيئة
الأخلاق الشخصية والاجتماعية عنوان التدين الصحيح، ورمز تقدم الأمم والجماعات، وإذا ساءت الأخلاق لا سيما في الأمور التي تمس قدسية الدين، كان التدين خطأ، والاستنكار والشناعة أظهر ما يلاحظ من الآخرين، ومن هذه الأخلاق المنكرة: تزكية الإنسان نفسه والافتراء على الله كذبا، والإيمان بالأصنام والطواغيت: وهي كل ما عبد من دون الله والشياطين، والبخل والشح، والحسد للآخرين، وتفضيل الكفار الجاهلين على المؤمنين المخلصين، وادعاء أن أولئك الكفار أهدى سبيلا وأقوم طريقا ومنهجا من الذين آمنوا.
قال الله تعالى موبخا كل من يتصف بهذه الأخلاق المرذولة والممارسات المغلوطة:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٤٩ الى ٥٥]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣)
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥)
«١» «٢» «٣» «٤» [النساء: ٤/ ٤٩- ٥٥].
قال ابن عباس مبينا سبب نزول هذه الآيات: كان اليهود يقدّمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، فأنزل الله:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ.
(١) يمدحونها.
(٢) بقدر خيط النواة.
(٣) كل ما يعبدون من دون الله.
(٤) النقير: النقرة التي تكون في ظهر النواة، أي البزرة، وهذا رمز للقلة والحقارة.
وقال عكرمة: انطلق كعب بن الأشرف إلى المشركين في مكة يؤلبهم على النبي صلّى الله عليه وسلّم ويأمرهم أن يغزوه قائلا: إنا معكم نقاتله، فقالوا: إنكم أهل كتاب مثله، ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم. فإن أردت أن تخرج معنا، فاسجد لهذين الصنمين، فسجد، ثم قالوا: نحن أهدى أم محمد صلّى الله عليه وسلّم فنحن ننحر الكوماء (الناقة الضخمة) ونسقي الحاج، ونقري الضيف، ومحمد قطع رحمه، وخرج من بلده، فقال كعب:
بل أنتم خير وأهدى سبيلا، فنزلت الآيات.
والمعنى: ألم تعلم وتنظر إلى حال الذين يمدحون أنفسهم، ويدّعون ما ليس فيهم، ويقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، ونحن شعب الله المختار، ولا تمسنا النار إلا أياما معدودات، ولن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وإن أبناءنا توفوا وهم لنا قربة، وآباؤنا يشفعون لنا، لكرامتهم على الله، فرد الله دعواهم بأنه لا قيمة لتزكية أنفسهم، فإن التزكية تكون بالعمل الصالح، لا بالادّعاء، والله هو الذي يزكي من يشاء من عباده، بتوفيقه للعمل الصالح، وهدايته للإيمان والآداب الفاضلة.
إنهم بهذه الادعاءات يفترون على الله الكذب، وكفى بالكذب إثما واضحا ومعصية كبيرة، إنهم يعبدون غير الله من الشياطين والأصنام، ويصفون الكفار بأنهم أرشد من المؤمنين. وهم الذين لعنهم الله وطردهم من رحمته، والمطرود من رحمة الله لا نصير ولا معين له، بل ليس لهم نصيب من الملك والسلطان، ولو كان لهم نصيب من الملك، فلا يأتون الناس إلا أحقر شيء وأبسطه وأقله، لأنهم مطبوعون على الأنانية حب الذات وحب المادة، والغرور الكاذب، بأنه لن يعطى أحد مثلما يعطون، ولا يستحق أحد أي شيء.
بل إنهم يحسدون الناس كمحمد النبي صلّى الله عليه وسلّم على ما آتاه الله من فضله كالنبوة والقرآن والحكمة، وهذا لا غرابة فيه ولا حق لهم بالحسد فيه، فقد آتى الله آل
إبراهيم الكتاب والحكمة والنبوة، وآتاهم الله ملكا عظيما، ومن أسلافهم من آمن بما أعطي إبراهيم، ومنهم من كفر به وصدّ الناس عن رسالته، وكفى بجهنم التي تتوقد نيرانها، وتستعر وتلتهب بهم، وهذا وعيد شديد لكل من لا يؤمن بالله ربا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن المجيد كتابا إلهيا، وبمشتملات القرآن من العقائد الصحيحة والآداب الفاضلة.
عقاب الكفار وثواب المؤمنين
لقد كان القرآن الكريم واضحا كل الوضوح في بيان المصير المرتقب لأهل الكفر والإيمان في عالم الآخرة، وهذا الإيضاح والتصريح القرآني دليل على أن الله تعالى يحب عباده، ويحب الخير لهم، حين رغّبهم في العمل الصالح الذي يسعدهم في الدنيا والآخرة، وحذّرهم ونفّرهم من كل عقيدة باطلة أو عمل فاسد يؤديان إلى الهلاك والخسران في الدنيا والآخرة، وقد تكررت الآيات القرآنية المصرحة بأن جزاء الكفر والكفار هو نار جهنم، وأن جزاء الإيمان والمؤمنين الظفر بجنان الخلد التي تجري من تحتها الأنهار، ورضوان لهم من الله أكبر.
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٥٦ الى ٥٧]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧)
«١» «٢» «٣» [النساء: ٥٦- ٥٧].
هذه الآيات تشتمل على وعد ووعيد، بلفظ جلي لكل الناس، المؤمنين منهم
(١) ندخلهم نارا.
(٢) احترقت.
(٣) دائما، لا حر فيه ولا برد.
والكفار، في كل زمان ومكان. أما الوعيد فهو للكفار، فالذين كفروا بآيات الله المنزلة على أنبيائه، وبخاصة القرآن الذي هو خاتم الكتب الإلهية وأكملها وأبينها، سوف يحرقون بنار جهنم، وهذا العذاب أو العقاب والنكال دائم لا ينقطع ولا يفتر، وكلما نضجت جلودهم بالحرق، أي احترقت وتلاشت، ولم تعد صالحة للإحساس بالألم، بدلهم الله بجلود أخرى حية تشعر بالألم، وتحس بالعذاب،
جاء عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «تبدّل جلودهم كل يوم سبع مرات».
ثم أكد الله تعالى علة العقاب، وبيّن مدى القدرة التامة عليه، فذكر سبحانه أنه عزيز، أي قادر قوي قاهر لا يغلب، ولا يمتنع عليه شيء، مما يريده بالمجرمين، حكيم لا يعذب إلا بحق وعدل، ولا يعاقب إلا على وفق الحكمة السديدة، ومن مقتضيات العدل: أن الكفر والمعاصي سبب للعذاب والعقاب، وأن الإيمان والعمل الصالح سبب للنعيم والجنة، فلكل عمل ما يناسبه، لذا قرن الله في هذه الآيات وغيرها بين ثواب المؤمن وجزاء الكافر، لإظهار الفرق بينهما، والجمع بين الترغيب والترهيب كالشأن العام في الآيات القرآنية. وهذه سنة حميدة، للمقارنة أو الموازنة، وفي هاتين الآيتين، لما ذكر الله وعيد الكفار، عقّب بوعد المؤمنين بالجنة على الإيمان والأعمال الصالحة. فالذين آمنوا بالله ورسله وقرآنه، وعملوا صالح الأعمال التي أمر الله بها، سيدخلهم ربهم سريعا جنات تجري من تحت غرفها وبساتينها الأنهار العذبة، يتمتعون فيها بالنعيم الدائم، وهم خالدون فيها أبدا لا يحوّلون ولا يزولون، ولا يرغبون بديلا عنها، فلا ملل ولا سأم ولا ضجر، جزاء مطابقا لعملهم الصالح، إذ لا يكفي الإيمان وحده بغير العمل الصالح.
ولهؤلاء المؤمنين الصادقين في إيمانهم زوجات بريئات من العيوب الجسدية، والخلقية أو الطباع الردية، فليس فيهن ما يعكر المزاج، أو يكدر الصفو، وهم يعيشون على الدوام في مكان ممتع ظليل، لا حرّ فيه ولا برد، وتلك نعمة كاملة،
ورفاهية تامة، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان. وقد أخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم عن صفة ظل الجنة وامتداده،
فقال فيما أخرجه ابن جرير الطبري عن أبي هريرة: «إن في الجنة شجرة، يسير الراكب الجواد المضمر في ظلها مائة سنة ما يقطعها»
قال ابن كثير في معنى الظل الظليل: أي ظلا عميقا كثيرا غزيرا طيبا أنيقا.
وهذا الجزاء الطيب لأهل الإيمان من فضل الله ورحمته وإحسانه وجوده، إذ لا يدخل أحد الجنة بمجرد عمله، لأن عمله قليل بجانب فضل الله ونعمه، وإنما يدخل برحمة الله وإكرامه.
المنهاج العام للمسلمين
نظم الإسلام الحقوق الخاصة والحقوق العامة والدستورية، وقيد الأمة بقيود من أجل ضبط النظام وصون الحريات، وحفظ الأموال، وإعلاء كرامة الإنسان، ومن أهم هذه القيود النظامية: أداء الأمانات والحقوق المالية إلى أصحابها، وإصدار الحكم بالعدل والحق، وإطاعة الله والرسول فيما شرع وأمر، وإطاعة ولاة الأمور من العلماء والحكام في قضايا الدين وسياسة الدنيا.
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٥٨ الى ٥٩]
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩)
«١» «٢» «٣» [النساء: ٤/ ٥٨- ٥٩].
نزلت الآية الأولى في أداء الأمانات في عثمان بن طلحة بن عبد الدار، الذي كان
(١) حقوق الله وحقوق العباد.
(٢) نعم الذي يعظكم به وهو ما ذكر.
(٣) أجمل عاقبة.
سادن الكعبة، فحينما دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مكة يوم الفتح، أغلق عثمان باب الكعبة، وصعد إلى السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه، وقال: لو علمت أنك رسول الله لم أمنعك، فأخذه علي بن أبي طالب بالقوة، وفتح الباب، ودخل رسول الله، وصلى ركعتين في الكعبة، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح، ويجمع له السقاية والسدانة، أي خدمة الكعبة، فنزلت الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها.. فأمر النبي عليا أن يرد مفتاح الكعبة إلى عثمان، ويعتذر إليه.
ورد الأمانات لا يقتصر على هذه الحالة، لأن الأمر بذلك عام لكل مسلم في كل أمانة في ذمته، سواء أكانت عامة للأمة، أم خاصة لشخص معين، والأمانة ورعايتها مطلوبة في كل شيء، في النفس، ومال الآخرين، ورد الودائع، وترك الغش في المعاملات، والجهاد والنصيحة، وعدم إفشاء أسرار الناس وعيوبهم، والأمانة في الدين بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه. والأمانة في النفس: بألا يفعل الإنسان إلا ما ينفعه في الدين والدنيا والآخرة، وألا يقدم على عمل يضره في آخرته أو دنياه، ويتوقى أسباب المرض، ويعمل بالقواعد الصحية، ولا يعرض نفسه للهلاك، لقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ٢/ ١٩٥]
وقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه البخاري: «إن لنفسك عليك حقا».
وكما أن أداء الأمانات واجب، العدل في القضاء والحكم بين الناس واجب أيضا، حتى يتحقق التناصف، ويأخذ الضعيف أو المظلوم حقه، ولا يبغي القوي على الضعيف، ويسود الأمن والاستقرار والنظام، ونعم الشيء الذي يعظ الله به من أداء الأمانات والحكم بالعدل، والله سميع لكل شيء، بصير بالمرئيات، ويحاسب الناس ويجازيهم على أعمالهم، والتعقيب على أداء الأمانات والعدل بالسمع والبصر أمر حسن، يدفع الإنسان المأمور لفعل ما أمر به.
ونزلت آية الأمر بإطاعة الله والرسول في خالد بن الوليد وعمار بن ياسر اللذين تسابا وتشاتما أمام الرسول، فقال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «يا خالد، لا تسب عمارا، فإنه من سب عمارا سبّه الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله، ومن لعن عمارا لعنه الله»
فغضب عمار وذهب، فتبعه خالد واعتذر إليه، وتراضيا، فنزلت الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.
فطاعة الله والرسول واجبة، بتنفيذ أحكام الله، واتباع سنة رسول الله، وكذلك تجب طاعة ولاة الأمر من أهل الحل والعقد في الأمة، أي السلطة التنفيذية في الأمة، وأولي الاجتهاد في التشريع من العلماء والحكام والولاة العدول، فإن حدث تنازع واختلاف في وجهات النظر، فالواجب رد الأمر إلى نظيره ومثيله في القرآن والسنة، ولا يفهم ذلك إلا العلماء الأعلام المخلصون لله ورسوله، وعليكم أيها المختلفون العمل بهذه الوصايا وامتثال أوامر الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فذلك خير لكم في الدنيا والآخرة، وأحسن تأويلا، أي مآلا وعاقبة.
أبرز مواقف المنافقين من القرآن الكريم
ابتليت هذه الأمة بفئة جبانة ضعيفة، تدس في الخفاء، وتطعن في الخلف، وهم المعروفون بالمنافقين، الذين أظهروا الإسلام خداعا، وأبطنوا الكفر والعداوة والتحيز لفئة المشركين وصف غير المؤمنين من الكتابيين. وكان أبرز موقف للمنافقين تجاه القرآن الكريم: هو تجاوز القرآن والتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، وذلك مع الإصرار والعناد والمجاهرة بالفسق والضلال.
قال الله تعالى واصفا أحوال هؤلاء المنافقين:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٦٠ الى ٦٣]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣)
«١» [النساء: ٤/ ٦٠- ٦٣].
نزلت في رجل من المنافقين اسمه: بشر، كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد ليفصل بيننا في هذه القضية، وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف، وهو الذي سماه الله تعالى الطَّاغُوتِ فأبى اليهودي إلا الاحتكام إلى محمد بن عبد الله صلّى الله عليه وسلّم، فقضى رسول الله لليهودي، فلم يرض المنافق بهذا الحكم، وقال: ننطلق إلى عمر بن الخطاب، فجاء إليه، فلما علم بأن المنافق لم يرض بحكم رسول الله، أحضر سيفه، وضرب به المنافق حتى مات، وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله، وهرب اليهودي، ونزلت هذه الآية، وقال جبريل عليه السلام: إن عمر فرق بين الحق والباطل، فسمي الفاروق.
لقد كشف الله في هذه الآيات موقف المنافقين الذين لا يطيعون الرسول، ولا يرضون بحكمه، بل يريدون حكم غيره كالكاهن أبي برزة الأسلمي، أو الطاغية كعب بن الأشرف.
والمراد بالذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل على محمد هم المنافقون، والذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبله هم اليهود، وقد أمر الفريقان بالكفر بالطاغوت وهو الكاهن أبو برزة الأسلمي، أو كعب بن الأشرف، وهو الذي تراضى به
(١) الطاغية: الضال كعب بن الأشرف اليهودي.
الخصمان في الاحتكام إليه، وسمي ابن الأشرف طاغوتا لإفراطه في الطغيان، وعداوة الرسول صلّى الله عليه وسلّم والبعد عن الحق.
والآية تأنيب للصنفين المذكورين اللذين أمرا في القرآن الكريم والكتب السابقة أن يكفرا بالطاغوت ويجتنباه، لقوله سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: ١٦/ ٣٦] وقوله تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى [البقرة: ٢/ ٢٥٦].
إن الإيمان بالله ورسله يتنافى مع الاحتكام لغير كلام الله، أو الإيمان بالطاغوت، وإيثار حكمه على حكم الشرع الشريف، ولكن الشيطان بوسوسته وشروره يريد أن يضل المنافقين وأمثالهم ضلالا بعيدا عن الحق والصواب.
وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول للاحتكام والقضاء، فهو الصراط المستقيم، رأيت المنافقين يصدّون عن محمد وعن دعوته صدودا مؤكدا، ويعرضون عن قبول حكمه إعراضا شديدا، بكل ما أوتوا من قوة وحجة، والدافع لهم إلى ذلك: هو اتباع شهواتهم ومآربهم الخاصة.
ثم أنذر القرآن هؤلاء المنافقين وحذرهم في حال تعرضهم لمصيبة من المصائب، وافتضاح أمرهم، وظهور حالهم، وانكشاف سترهم بما قدمته أيديهم، كيف يكون حالهم؟! هذا إنذار بالخطر الواقع بهم حتما، وحينئذ يأتون إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم يحلفون بالله وهم الكاذبون، قائلين: ما أردنا بأعمالنا هذه إلا إحسانا في المعاملة، وتوفيقا بين الخصوم بالصلح، ولكن حيلتهم مكشوفة، فهم الذين لعنهم الله، وعلم ما في قلوبهم من الكيد والحقد والحسد، وانتظار الشر بالمؤمنين، ويكون جزاؤهم الإعراض عنهم ومجافاتهم وترك الترحاب بهم، وتعنيفهم بالقول المؤثر البليغ في أنفسهم، لعلهم يتدبرون ويتفكرون في إصلاح شؤونهم، وتغيير مواقفهم.
وجوب طاعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم
أرسل الله الرسل والأنبياء لإسعاد البشرية، وإنقاذ الناس من الظلمات إلى النور، وتصحيح العقيدة، والإرشاد إلى الفضائل الكريمة والأخلاق القويمة، ولتحقيق الاستقرار والأمن وإشاعة المحبة والمودة بين الناس، وانتزاع الأحقاد، والقضاء على المنازعات والخصومات، ولئلا يحتج أحد يوم القيامة بأنه لم يكن يعلم الحق من الباطل، والخير من الشر، والعبادة الصحيحة المرضية لله تعالى من العبادة الباطلة أو الفاسدة، قال الله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥) [النساء: ٤/ ١٦٥].
وإرسال الرسل من أجل هذه الغايات والمصالح الكبرى يتطلب وجوب طاعتهم فيما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، علما بأنهم لا يأمرون إلا بخير، ولا يمنعون إلا من شر، وإذا حدث خصام أو نزاع في حال حياة رسول، وجب الاحتكام إليه، وتنفيذ حكمه لأنه لا يحكم إلا بالحق والعدل، وبعد وفاة أي رسول يجب الاحتكام إلى الشرع الذي تركه والكتاب الذي علّمه للناس. لذا قال الله تعالى مبينا وجوب طاعة النبي المصطفى صلّى الله عليه وسلّم ووجوب الاحتكام إليه وإلى قرآنه وسنته من بعد وفاته:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٦٤ الى ٦٥]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (٦٤) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ٦٤- ٦٥].
نزلت هذه الآيات فيمن أراد التحاكم إلى الطاغوت: كعب بن الأشرف، ونزلت أيضا في رجل خاصم الزبير بن العوام في السقي بماء الحرّة (ماء السيل)
فقال لهما
(١) فيما حدث فيه نزاع والتباس في الأمور. [..... ]
(٢) ضيقا ومشقة.
ثم أرشد الله العصاة والمذنبين إذا أذنبوا بأن يبادروا في المجيء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيستغفروا الله عنده، ويبالغوا في التوبة وطلب المغفرة، حتى يستغفر لهم الرسول، فإن فعلوا ذلك تاب الله عليهم، إنه قابل التوبة واسع الرحمة، ونفى الله الإيمان الكامل عن أناس حتى يحكّموا الله ورسوله في كل أمورهم، وقضاياهم ومنازعاتهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم أي ضيق أو تضجر من حكم الله في القرآن والسنة، ويعلنوا الاستسلام والانقياد التام لأمر الله ورسوله، وحصر الاحتكام إلى القرآن والسنة يؤدي إلى وحدة الأقضية والأحكام في الأمة، وإلى إشاعة العدل، والتزام الحق والخير في كل مشكلة.
حب الوطن وامتثال أوامر الدين
قد يتعرض الإنسان في كل زمان إلى أزمنة أو مشكلة داخلية، يضطر فيها إلى إجراء موازنة أو مقارنة أو مفاضلة بين أمرين خطيرين: هما حب الأوطان، وامتثال أوامر الدين الذي يدين به الإنسان ويعتقد بصحته، وهنا يحار ويضطرب، وقد فصل القرآن الكريم في هذه المسألة، وأخبر عن الحل الأمثل، ألا وهو طاعة الله والرسول، وإن كان أكثر الناس يؤثرون حب الوطن والبقاء في مواقعهم، على حساب أداء شعائر الدين، وتلك هي أ؟ سارة والتفريط بما هو الأهم والأقدس.
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٦٦ الى ٦٨]
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨)
[النساء: ٤/ ٦٦- ٦٨].
سبب نزول هذه الآيات: أن اليهود قالوا: لما لم يرض منافق بحكم النبي صلّى الله عليه وسلّم ما رأينا أسخف من هؤلاء، يؤمنون بمحمد ويتبعونه، ويطؤون عقبه، ثم لا يرضون
بحكمه، ونحن قد أمرنا بقتل أنفسنا، ففعلنا، وبلغ القتل فينا سبعين ألفا، فقال ثابت ابن قيس: لو كتب ذلك علينا لفعلناه، فنزلت الآية معلمة حال أولئك المنافقين، وأنه لو كتب ذلك على الأمة، لم يفعلوه، وما كان يفعله إلا قليل مؤمنون محققون، كثابت ابن قيس وغيره،
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ثابت بن قيس، وعمار، وابن مسعود من القليل».
والواقع أنه لو فرض على أمتنا قتل النفس من أجل التوبة لفعلوه، قال رجل مؤمن وهو أبو بكر الصديق حين نزول هذه الآية: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «إن من أمتي رجالا، الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي»
وقال عمار بن ياسر وابن مسعود وثابت بن قيس: لو أن الله أمرنا أن نقتل أنفسنا أو نخرج من ديارنا لفعلنا،
فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه السيوطي في الدر المنثور والزبيدي في اتحافه: «الإيمان أثبت في قلوب الرجال من الجبال الرواسي».
إن هذه الآيات تتطلب إطاعة الأوامر الإلهية إيمانا راسخا كالجبال الراسيات الثوابت، والطاعة: حمل النفس على فعل ما تكره، لا على ما تجب، وصحيح أن التزام الأوامر الإلهية وطاعة الرب إطاعة تامة لا يفعلها إلا فئة قليلة من الناس، ولكن لو فعل هؤلاء المأمور به، وتركوا ما ينهون عنه، لكان لهم خيرا في الدنيا والآخرة، ودليلا على الثبات على الحق، وسببا لاستحقاق الثواب العظيم في الآخرة لأن الجنة حفّت بالمكاره، وحفت النار بالشهوات. وفي قوله تعالى: أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ إشارة صريحة إلى تعلق النفوس البشرية ببلادها، وإلى أن حب الوطن متمكن في النفوس ومتعلقة به، لأن الله سبحانه جعل الخروج من الديار والأوطان معادلا ومقارنا قتل النفس، فكلا الأمرين عزيز، ولا يفرط أغلب الناس بذرة من تراب الوطن مهما تعرضوا للمشاق والمتاعب والمضايقات.
لكن هناك شيئا أسمى وأخلد وأعظم من حب الأوطان وقتل الأنفس ألا وهو المحافظة على العقيدة والإيمان، وامتثال أوامر الرحمن، فإذا حدث تصادم أو تعارض بين ما يقتضي البقاء في الوطن، وبين التخلي عن أوامر الله، والعجز عن إقامة وتطبيق شعائر الله، كان تقديم ما يؤدي للحفاظ على الشعائر وأمور الدين أولى وأوجب، قال الله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (٩٩) [النساء: ٤/ ٩٧- ٩٩]. وإذا كان الواجب هو الهجرة من الوطن إلا لعذر أمرا مقررا في شرع الله، فمن باب أولى يجب على المقيمين في بلاد أجنبية أن يعودوا إلى أوطانهم بمجرد الانتهاء من أعمالهم، أو تحقيق أهم مصالحهم وغاياتهم، وبخاصة إذا كانت هناك مضايقة في تطبيق أحد أحكام شرعهم ودينهم.
قواعد القتال في الإسلام
القرآن الكريم كتاب إلهي خالد شامل لكل ما يحتاجه الناس في حياتهم الدينية والاجتماعية والعلاقات الدولية، فإذا آثر الآخرون السلم والصلح والمهادنة فنحن مع السلم والعهد، وإذا اضطر المسلمون إلى الدفاع عن وجودهم وكرامتهم وبلادهم وجب عليهم أن يكونوا قدوة عالية في الانضباط وحب النظام وطاعة القائد، والتضحية والتفاني في سبيل الله والقيم العليا، ليعيشوا أعزة كراما وأحرارا مستقلين.
وقد علمنا القرآن الكريم أهم قواعد الحرب والقتال مثل أخذ الحذر والاحتراس من الأعداء، والاستعداد الدائم لملاقاتهم، وتعليم الجيل فنون الحرب والتدرب على
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيما ثبت في؟ الصحيحين: «اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك» فغضب ذلك الرجل وقال: أن كان ابن عمتك؟! فغضب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، واستوعب للزبير حقه فقال: احبس يا زبير حت يبلغ الجدر «١»، ثم أرسل الماء، فنزلت هذه الآية: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ..
وكان هذا الرجل في الصحيح رجلا من الأنصار من أهل بدر، وقيل: هو حاطب بن أبي بلتعة.
توجب الآية إطاعة الرسول في كل أمر ونهي، فالله يخبرنا أنه لم يرسل رسولا إلا وطاعته واجبة، بإذن الله وأمره، فالطاعة في الأصل لله، ثم لمن يأمر الله بطاعته، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن يعص الرسول فقد عصى الله.
وفي آية تالية ذكر الله تعالى ثواب الطائعين لله والرسول، وحرض على الطاعة، فقال تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٦٩ الى ٧٠]
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (٧٠)
[النساء: ٤/ ٦٩- ٧٠] فكل من يطع الله فيما أمر ونهى، وأطاع النبي فيما بشّر وأنذر، وبلّغ عن ربه، فأولئك يحشرون يوم القيامة مع الأنبياء والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسنت رفقة هؤلاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
روى الطبراني وغيره: قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت، فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك، عرفت أنك إذا دخلت الجنة، رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة، حسبت ألا أراك، فلم يرد عليه المصطفى صلّى الله عليه وسلّم حتى نزلت جبريل بهذه الآية: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ..
وقال النبي له فيما رواه الطبراني والضياء: من أحب قوما حشر معهم.
(١) الجدر: معناه ما رفع حول الأرض المزروعة، فصار كالجدار.
حمل السلاح، وبناء الجبهة الداخلية بناء قويا، بحيث تتنظف من الجبناء والضعفاء والمنافقين الذين يمالئون العدو، ولا بد من التضحية بالنفس والنفيس والغالي والرخيص من أجل إحراز الغلبة والنصر، أو الظفر بالشهادة الخالدة الأثر في سبيل الله والوطن.
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٧١ الى ٧٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (٧٢) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (٧٣) فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤) وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥)
الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [النساء: ٤/ ٧١- ٧٦].
حددت هذه الآيات قواعد القتال، وأوجبت أن تكون الحرب لغرض شريف، وأول هذه القواعد: التزام الحذر، ومراقبة تحركات العدو، والإعداد اللازم لملاقاته في أي وقت، فقد يباغتنا العدو في أي لحظة، ويستغل بعض الظروف والأزمات، وعندها يكون الاستعداد السابق مفوتا لأغراضه الدنيئة، وملحقا به الهزيمة المنكرة.
والمؤمن الصادق الإيمان لا يخشى الموت واقتحام المعارك لأن أجل الإنسان لا يتقدم ساعة ولا يتأخر، لكن ينبغي مع الإقدام أخذ الحذر، لأن الحذر داخل في القدر.
(١) احذروا بحمل السلاح وغيره.
(٢) أي جماعات متتالية.
(٣) ليتثاقلن عن الجهاد.
(٤) يبيعون.
(٥) الشيطان.
والنهوض للقتال وسياسة المعارك قد يكون جماعة إثر جماعة، فصائل وفرقا وسرايا، و١ قد يكون انقضاضا جماعيا تتآزر وتتلاحم فيه كل القوى البشرية والآلية العسكرية.
وقد لا تخلو الجبهة الداخلية من بعض الجبناء والجواسيس ودعاة الهزيمة، فلا يشتركون في القتال، ويفرون من الزحف، ويمالئون الأعداء، ويشيعون الإشاعات الكاذبة المغرضة، ويثبّطون الهمم والعزائم، وهؤلاء ينبغي الحذر منهم كالأعداء تماما، وكشفهم، وتراهم إذا تعرض المجاهدون المخلصون لمصيبة في الحرب كالهزيمة أو القتل مثلا أو تهديم بعض المنشآت والديار، قالوا: أنعم الله علينا حيث لم نكن مع المجاهدين محاربين، وإذا ظفر المجاهدون بنصر وتوفيق في التغلب على العدو، تطلعوا إلى الغنائم، مع أنهم كانوا متجهمين في وجه غيرهم، قاطعين الصلة الطيبة من ود وتعاون مع غيرهم، وكان الواجب عليهم المشاركة في السراء والضراء.
إن أولئك المقاتلين الصامدين أو المرابطين المستعدين للقتال في خطوط الجبهة ينتظرون إحدى الحسنيين: إما النصر والغلبة على الأعداء، وإما الشهادة في سبيل الله، وفي كلا الحالين سوف يؤتيهم الله أجرا حسنا، وثوابا عظيما.
وللمجاهدين الشرف الأعظم إن دافعوا عن حرمات بلادهم، أو قاتلوا من أجل المضطهدين والمستضعفين الذين يتمنون الخروج من البلدة الظالم أهلها، ويستعينون بالله أن يكون لهم وليا ناصرا، يتولى أمورهم ويحمي وجودهم وينصرهم على أعدائهم.
والقتال المشروع في الإسلام ليس قتال الاستعباد والاستعمار والتعدي والظلم والتوسع في الملكية وبسط النفوذ والسيطرة على أسواق العالم، وإنما هو قتال في سبيل الله ولإعلاء كلمة الحق وإنصاف الشعوب والأمم، فالذين آمنوا يقاتلون في سبيل
الله، وأما الذين كفروا فيقاتلون في سبيل الطاغوت الذي هو الظلم والجبروت والاستكبار والطغيان والتعدي على حقوق الأمم والجماعات، وهو قتال لإرضاء الشيطان، وكيد الشيطان وتدبيره كان ضعيفا واهيا، وحزب الله هم الغالبون.
تفاوت الناس في تنفيذ الواجبات
يتفاوت الناس في القيام بالواجب بحسب استعداداتهم وطبائعهم، وبمقدار درجة تأثير الإيمان ومحبة الديار والأوطان في نفوسهم، كما أنهم يتفاوتون بسبب وجود ظاهرة الخوف وغريزة حب البقاء والحياة. ولكن المؤمن الواعي لمستقبله وبناء مجد أمته وتحقيق الدرجة العالية له عند ربه هو الذي يبادر إلى أداء الواجب، وصون الكرامة، والحفاظ على العزة ورفع منار البلاد. وقد أخبر القرآن الكريم عن أحوال المتقاعسين الخائفين، والمتخلفين عن واجب الجهاد ورد العدوان من المعتدين. قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٧٧ الى ٧٩]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨) ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٧٩)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ٧٧- ٧٩].
نزلت في فئة من المؤمنين أتوا النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: يا نبي الله، كنا في عز، ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة؟ قال: إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم، فلما
(١) الفتيل: الخيط الدقيق الرقيق بين شقي النواة (البزرة) وهو مثل في البساطة والقلة.
(٢) حصون محكمة.
حوّله الله إلى المدينة، أي بعد الهجرة، أمره بالقتال، فكفّوا، فأنزل الله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ.. الآيات.
ومعنى الآيات: ألم تنظر إلى أولئك الذين قيل لهم في مكة في ابتداء الإسلام:
التزموا السلم والسلام، وامنعوا أنفسكم عن حروب الجاهلية، وأتموا الصلاة كاملة الأركان، بخشوع واطمئنان، وأدوا الزكاة التي توجد التراحم بين الخلق، وتقوي الأمة والجماعة، ولكن حينما فرض عليهم القتال ضد المشركين بعد الهجرة، إذا فريق منهم، وهم المنافقون والضعفاء، يخافون لقاء المشركين كخوفهم من الله أو أشد خوفا، ويفرون من الحرب. ويقولون معترضين: ربنا لم فرضت علينا القتال؟
وهلا أخرت فرضية القتال إلى مدة أخرى، فإن في القتال سفك الدماء، وتيتيم الأولاد، وتأيم أو ترمل النساء.
أجابهم الله بقوله: قل لهم يا محمد: إن التمتع بالحياة الدنيا الذي حرصتم عليه قليل فان زائل، والآخرة نعيم باق دائم، فهي خير وأبقى لمن أطاع الله وامتثل أوامره، واتقاه بترك ما يغضبه، فأنتم محاسبون على أعمالكم: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ولا تظلمون أي شيء ولو كان قليلا تافها. واعلموا أيها الناس جميعا أن الموت أمر محتم لا مفر منه، وهو مقيد بأجل معلوم لا يزيد ولا ينقص، وأينما تكونوا في المنزل أو في السوق أو في ساحة القتال أو في قصور عالية مشيدة، يدرككم الموت، فملك الموت لا تحجزه الحواجز، ولا يقبض الروح إلا بأجل معلوم، وكم من محارب نجا، وقاعد عن الحرب متخلف مات سريعا.
ومن أعجب العجب قول جماعة المنافقين للنبي صلّى الله عليه وسلّم: إذا أصابتك حسنة من غنيمة أو خصب أو رزق من ثمار وزروع وأولاد قالوا: هذه الحسنة من عند الله ومن فضله وإحسانه، لا بجهد أحد، وإن أصابتك سيئة من هزيمة أو قحط وجدب، ونقص في
«١» «٢» «٣» [النساء: ٤/ ٨٠- ٨٢].
سبب نزول هذه الآيات ما
روى مقاتل: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يقول: «من أحبّني فقد أحب الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله» فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل؟ لقد قارف الشرك، وقد نهى أن نعبد غير الله، ويريد أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى، فأنزل الله هذه الآية: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ...
أخبر القرآن المجيد أن إطاعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم إطاعة لله تعالى، لأن الآمر والناهي في الواقع هو الله، والرسول مبلغ للأمر والنهي، فليست الطاعة له بالذات، وإنما هي لمن بلّغ عنه، وهو الله عز وجل.
وأكدت آيات أخرى هذا المعنى، مثل قوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) [النجم: ٥٣/ ٣- ٥]. وكان الصحابة يسألون النبي عن الأمر، أوحي هو يا رسول الله، أم رأي؟ فإن كان وحيا أطاعوا بلا تردد، وإن كان رأيا بشريا، أشاروا بخلافه بمقتضى الحكمة والمصلحة، وقد يرجع الرسول صلّى الله عليه وسلّم إلى رأي الصحابة، كما حدث في غزوة بدر وأحد.
ومن تولى أو أعرض عن طاعة الرسول، فقد خاب وخسر، فلا تحزن عليهم أيها النبي، إن عليك إلا البلاغ، ولست عليهم بمسيطر، وما أرسلناك عليهم رقيبا موكلا بتطويعهم.
(١) حافظا ورقيبا.
(٢) خرجوا.
(٣) دبرت في الليل.
الثمار والزروع وموت الأولاد قالوا: هذا بسبب شؤمك يا محمد، وبسب اتباعنا لك، فرد الله عليهم بأن كلا من الحسنة والسيئة من عند الله، فالله هو الخالق والموجد لكل شيء، فما لعقول هؤلاء القوم لا يكادون يفهمون حديثا أو خطابا، والأمور مرتبطة بأسبابها، فما أصابك أيها الإنسان من حسنة فمن فضل الله ونعمته وتوفيقه لك للخير والنجاة، وما أصابك من سيئة فمن نفسك وتقصيرك وإهمالك، حيث لم تسلك سبيل العقل والحكمة.
وأما أنت يا محمد فمجرد رسول أرسلناك للناس، تبلغهم شرائع الله وأحكامه، وليس عليك إلا البلاغ، وإن كان إيجاد الشر والخير وخلقه من عند الله، وكفى بالله شاهدا على صدق رسالتك وأداء مهامك وواجباتك.
مرد طاعة الرسول وتدبر القرآن
الوحي الإلهي هو مصدر الشريعة الإسلامية جميعها، سواء كان الحكم أو التكليف الشرعي واردا من الله تعالى مباشرة بنص صريح، أم من الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فحكم الله وحكم رسوله واحد، وطاعة الرسول طاعة لله تعالى، ووحدة المصدر أمر ضروري لوحدة العقيدة والتشريع والأحكام، وقد أرشد القرآن الكريم لهذا المبدأ العام، وأبان أن القرآن لمن تدبره وتأمل في جميع آياته يجده واحدا منسجما في جميع أحكامه لا ينقض حكم حكما، ولا يتناقض حكم مع حكم، فكل أحكام القرآن الكريم منسجمة مع بعضها، بالرغم من أن نزوله كان على مدى ثلاث وعشرين سنة.
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٨٠ الى ٨٢]
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٨١) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢)
لكن هؤلاء المنافقون يقولون في الظاهر أمام الرسول: أمرك طاعة، أي مطاع، فإذا خرجوا من مكانك وتواروا عنك، دبروا ليلا رأيا آخر فيما بينهم، غير ما أظهروا لك، والله يكتب ويسجل عليهم ما يبيتونه ليلا، ويضمرونه سرا، فإنا مجازوهم، ولا تأبه بهم، واصفح عنهم وأعرض عن عتابهم، وتوكل على الله وفوض أمرك إليه، فإن الله كافيك شرهم، وكفى بالله ناصرا ومعينا وموكلا في الأمور، لمن توكل عليه وأناب إليه.
هؤلاء المنافقون الضالّون حمقى وقصيرو النظر وعمي عن حقيقة النبوة والرسالة، فهلا تفكروا وتأملوا في معاني القرآن وألفاظه البديعة، فهو الكفيل بتصحيح خطئهم ومنهجهم، والقرآن يخبرهم أنه لا اختلاف فيه، ولا اضطراب ولا تعارض، لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو حق من حق، قال سبحانه:
[سورة النساء (٤) :آية ٨٢]
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢)
[النساء: ٤/ ٨٢].
ولو كان القرآن مختلقا من عند غير الله، كما يزعم المشركون والمنافقون في سرهم، لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، أي اضطرابا وتضادا كثيرا، فهو سالم من الاختلاف، لكونه من عند الله تعالى.
وسلامة القرآن من الاختلاف تشمل لفظه ومعانيه، فألفاظه في مستوى بلاغي واحد، ومعانيه في العقيدة والشريعة والأخلاق والأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تخدم وتقرر هدفا واحدا، وتبني أمة واحدة، وترمي إلى تحقيق مقصد واحد. قال الله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) [الإسراء: ١٧/ ٩]. وقال عز وجل: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣) [الزمر: ٣٩/ ٢٣].
إشاعة الأخبار الكاذبة
إن الأمة المتماسكة في جبهتها الداخلية أمة قوية واعية منصورة، وأما الأمة المفككة التي لا رابطة تربط بين أفرادها أمة ضعيفة مهزومة. وقد حذر القرآن الكريم من تمزق الأمة وإشاعة الأخبار الكاذبة والدعايات المغرضة التي تفرق ولا تجمع، وتسيء ولا تحسن، وتخدم العدو وتحقق أهدافه الخبيثة، ولا بد حينئذ من وعي شامل، وقيادة حازمة، وتجاوز لمرحلة الضعف والانهزام الداخلي، وذلك بالإقدام على الجهاد، وتحريض المؤمنين على القتال، لاستئصال أنشطة المتخاذلين الجبناء الذين ينافقون ويكيدون لأمتهم في السر والخفاء.
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٨٣ الى ٨٤]
وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٣) فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (٨٤)
«١» «٢» «٣» «٤» [النساء: ٤/ ٨٣- ٨٤].
إن الآية الأولى في المنافقين، ونازلة في سرايا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبعوثه إلى الأعداء، فقد كان جماعة من المنافقين أو ضعفاء المؤمنين يشيعون الأخبار الكاذبة حول بعوث النبي، فإذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أمن وسلامة، أو خوف وخلل، أذاعوا به، وكانت إذاعتهم مفسدة للرأي العام. وهذا النوع من النشاط فيما يتعلق بالحروب تخريب وتهديم داخلي، سواء بقصد سيء كما يفعل المنافقون، أو بقصد حسن كما يفعل عامة الناس، لذا أرشدنا القرآن الكريم إلى أن الأمور التي تتعلق بالأمن أو الخوف يجب أن يترك الحديث فيها إلى قائد الأمة أو رئيس
(١) أفشوه وأشاعوه.
(٢) يستخرجونه من النصوص. [..... ]
(٣) نكاية وبطش.
(٤) أشد تعذيبا.
الدولة، أو لأهل الحل والعقد والخبرة والرأي في الأمة، فهم أدرى الناس بها وبالكلام فيها.
ذلك أن الأخبار الشائعة إما أن تكون صحيحة أو كاذبة، وترويج الكذب حرام مثل اختلاق الكذب تماما،
روى مسلم في صحيحة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «كفى بالمرء كذبا أن يحدّث بكل ما سمع»
وفي الصحيح: «من حدّث بحديث، وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين».
ونهى الرسول صلّى الله عليه وسلّم أيضا في حديث متفق عليه عن قيل وقال، أي الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس، من غير تثبت ولا تدبر ولا تبين أو تحقق.
وفي سنن أبي داود: «بئس مطية الرجل: زعموا».
إن التحدث بكل ما يسمع الإنسان، ونقل الأخبار من غير تثبت أمر ضار بالدولة والأمة، لذا أوجب القرآن ترك التحدث عن أحوال السلم والحرب إلى المسؤولين والمستشارين والخبراء، وعقبت الآية على ذلك بأنه لولا فضل الله عليكم ورحمته بكم أيها المؤمنون إذ هداكم لطاعة الله والرسول، ووفقكم للرجوع إلى المصدر العلمي الصحيح، لولا ذلك لاتبعتم ووساوس الشيطان، وتورطتم في إشاعة ما يضر بالمصلحة العامة.
ثم حسم الله تعالى في الآية الثانية: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أمر الله باتخاذ القرار في الجهاد، وأمر نبيه بأن يقاتل في سبيل الله وامتثال أوامره، ولو بنفسه أو وحده إذا أراد الظفر بالأعداء، فلا تكلف أيها الرسول إلا بفعل نفسك فقط، وتطالب بتحريض المؤمنين على القتال، دون تعنيفهم ولا توبيخهم، وليس المقصود من الآية أن يفرض القتال على النبي صلّى الله عليه وسلّم وحده دون الأمة، وإنما المراد أن يستشعر كل مجاهد أنه يجاهد ولو وحده كما
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي».
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقت الردة: «ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي».
وهذا التصميم من قائد الأمة ينعكس أثره الحماسي الطيب على الجيش، فيقدم ولا يحجم، ويتفانى ويضحي ويسجل أرفع البطولات، ولا ينهزم أو يتردد. وحينئذ يكون النصر الإلهي، كما جاء في الآية: عسى الله أن يرد عنك أيها النبي بأس (أي شدة وقوة) الذين كفروا وهم قريش، والله أشد بأسا أي قوة، وأشد تنكيلا أي تعذيبا ومعاقبة، وهو قادر عليهم في الدنيا والآخرة، لكفرهم وجرأتهم على الحق، وقد تحقق ذلك فعلا فقد كان النصر لنبي الله وصحبه حينما خرج في بدر الصغرى في السنة الثالثة بعد غزوة أحد، ومعه سبعون فقط، فلما سمع أبو سفيان قائد قريش بخروج النبي، رجع من الطريق، وعاد إلى مكة، وتحقق النصر للمؤمنين، وصرفه الله عن النبي صلّى الله عليه وسلّم.
الشفاعة والتحية
يتكل الناس عادة بعضهم على بعض في كثير من الأمور، لا سيما في طلب الحوائج والوظائف أو في القيام بعمل من الأعمال أو التفكير في تحقيق مشروع من المشروعات، ويهملون في أغلب الأحوال طلب النصرة والعون من الله تعالى، والله سبحانه هو الذي ينبغي الاعتماد عليه في كل شيء، وتفويض جميع الأمور إليه بعد اتخاذ الأسباب العادية من جدّ واجتهاد، وأداء عمل، وقيام بفعل، أما إنجاز النتائج وتحقيق الغايات فمتروك للفاعل المؤثر في الحياة وهو الله عز وجل.
وفي الاتكال على البشر ونسيان جانب الله: صنوف من المذلة والهوان أحيانا، والتماس الحلول بالوساطة أو الشفاعة غير المشروعة أحيانا أخرى، ذلك أن الشفاعة أو التوسط في أمر ما نوعان: شفاعة حسنة وشفاعة سيئة، والشفاعة الحسنة: ما كانت فيما استحسنه الشرع ورضيه، ولا ضرر فيه لآخرين، والشفاعة السيئة: ما كرهه الشرع أو حرمه ونهى عنه، وكان فيه ضرر للناس.
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٨٥ الى ٨٧]
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (٨٧)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ٨٥- ٨٧].
الآية الأولى: مَنْ يَشْفَعْ هي في شفاعات الناس- أي وسائطهم- بينهم في حوائجهم، فمن يشفع لينفع فله نصيب وثواب لشفاعته الحسنة، ومن يشفع ليضر، فله كفل، أي نصيب. فهي تتضمن التحريض على الشفاعة في أمور الخير، كبناء مسجد أو مشفى أو مدرسة أو جهاد في سبيل الله أو إحسان إلى المحتاجين أو إنقاذ الضعفاء والمساكين أو تحقيق مصلحة عامة للمجتمع في القرية أو المدينة أو الدولة.
والشفاعات في هذا الاتجاه مطلوبة، لأنها تعاون على البر والتقوى، وإبعاد للناس عن الشر والضرر، وتحقيق البناء الاجتماعي المتين،
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم عن الشفاعة في الخير فيما رواه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء».
أما الشفاعة السيئة في الأمور الضارة، فقد نهى القرآن الكريم عنها، لضررها وإفسادها الضمائر والنفوس، والإساءة فيها للمصلحة العامة، ومن أمثلة الشفاعة السيئة: التوسط لإيذاء شخص، أو الاعتداء على عرضه أو ماله، أو السعي بالإفساد بين الناس، أو دفع الرشاوى لتضييع الحقوق أو الاستيلاء على مال الآخرين، أو محاولة تعطيل حد من حدود الله، أو تبرئة ظالم أو جان أو متهم باختلاس أو تزوير أو محاولة إهدار أو إنقاص حق من الحقوق المالية أو الأدبية، كتجاوزات الجيران بعضهم على بعض في الأرض أو السكن أو العمل، فكل هذه
(١) أي قديرا حفيظا.
(٢) أي محاسبا على العمل ومكافئا له.
الأمثلة من أنواع الشفاعة السيئة، ومن شفع شفاعة سيئة فقد وقع في الإثم الكبير وعرّض نفسه لسخط الله تعالى.
ومن الطريف أن آية الشفاعة جاء بعدها آية التحية، والتحية نوع من الشفاعة الحسنة لأنها تقرب الناس بعضهم من بعض، وتنشر المحبة وتقوي أواصر المودة، وتقتلع الأحقاد وسوء التفاهم، وتمنع التحية شرا كبيرا أو تآمرا عظيما إذا توافرت النيات الحسنة، واستنارت القلوب بنور الإيمان الحق بالله ورسله وكتبه.
وآداب وواجبات التحية كثيرة منها أن الواجب ردها بأحسن منها أو بمثلها، فإذا حيّا الإنسان أخاه بقوله: مرحبا أو السلام عليكم أجابه بقوله: مرحبا وأهلا وسهلا، أو بقوله: (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته) وإحسان الرد يكون أيضا بزيادة معنوية طيبة كريمة كالبشاشة وحسن الاستقبال وكرم الضيافة والسؤال عن الحال والأهل والعمل، والله سبحانه يحاسب على كل شيء ويمنح الفضل والرحمة والثواب على كل خير من التحية أو ردها، والضيافة والبشاشة وترك التجهم والعبوس في وجوه الآخرين،
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه مسلم وغيره: «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم».
وجاء في نهاية آية التحية بيان جزائها فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً أي يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها.
ثم كانت الآية الثالثة متوّجة أعمال الناس بضرورة اللجوء إلى الله وحده، ومحددة لهم المقاصد الحسنة في الدنيا، ومحذرة لهم من حساب الآخرة: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وهذه الآية تقرر ركنين أساسيين للدين وهما: إثبات توحيد الله، فهو الذي يقصد بحق في كل عمل، وإثبات البعث والجزاء في الآخرة لحمل الناس على الاستعداد للقاء الله بالأعمال الصالحة، لأن الله يجازي كل عامل بعمله.
أوصاف المنافقين
النفاق مظهر من مظاهر الضعف والجبن والغدر وفقد الثقة بالذات، وهو دليل على اضطراب صاحبه وقلقه وحيرته، فلا يستقر على حال بسبب ضعف في إيمانه أو تفكيره، أو بسبب الحرص على مصالحه التي يريد تحقيق أكبر قدر نفعي منها على حساب الجماعات القوية في المجتمع.
والنفاق نوعان: نفاق شرعي: وهو إبطان الكفر وإظهار الإيمان، أو هو نفاق في الإسلام وادعائه. وأصحاب هذا النوع هم الذين كانوا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في المدينة، ونزل في شأنهم آيات النفاق الكثيرة في سورة البقرة وسورة (المنافقون) بدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يقتلهم أينما وجدوا، وكان زعيمهم عبد الله بن أبيّ يتردد بين المسلمين وبين اليهود والمشركين، وهؤلاء لا يجوز بحال اتخاذهم أولياء وأنصارا حتى يهاجروا ويأتوا إلى المدينة مع المجتمع المسلم بعد أن خرجوا منها. إن هؤلاء المنافقين نافقوا في الولاء للإسلام، وادعوا أنهم مع المسلمين، والواقع أنهم عليهم، وهم شر خلق الله، ولا يجوز الاختلاف في الحكم عليهم، فهم كفار مردة. لذا عاتب الله المؤمنين وأنكر عليهم انقسامهم في شأن كفر المنافقين فئتين: فئة تزكيهم وتشهد لهم بالخير، وفئة تطعن بهم وتشهد لهم بالكفر، والحال أنهم كافرون، وقعوا في الضلال بسبب عصيانهم أوامر الرسول ومخالفتهم إياه، قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٨٨ الى ٨٩]
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ٨٨- ٨٩].
(١) أي ردهم إلى الكفر والقتال.
(٢) سبيل الله، أي طريق مرضاة الله، وهي طاعاته كلها، والهجرة في سبيل الله تتضمن الإيمان.
قال السدّي: نزلت هاتان الآيتان في قوم منافقين كانوا بالمدينة، فطلبوا الخروج عنها نفاقا وكفرا، وقالوا: اجتويناها أي أصابتنا حمى المدينة ووخمها، وكرهنا المقام فيها، وإن كانوا في نعمة.
والمعنى: لا داعي للاختلاف في شأن هؤلاء المنافقين على فرقتين للحكم عليهم، فهم في الواقع قوم ضالون، اختاروا الضلال، فأبعدهم الله عن الحق والهدى، فلا يجوز اتخاذهم أنصارا للمسلمين، ولا يعتمد عليهم حتى يهاجروا في سبيل الله هجرة خالصة لوجه الله، فإن أعرضوا وتولوا عن الهجرة، ولزموا مواضعهم، فيقتلون حيث وجدوا في أي مكان وزمان، في الحل أو في الحرم. وهم يتمنون الضلالة لسائر المسلمين، ليتساووا معهم ويقضوا على الإسلام كله، وماذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم للمسلمين، وتماديهم في الضلال والكفر، هذا هو النوع الأول من النفاق وهو الأشهر والأخطر.
والنوع الثاني من النفاق: هو النفاق العرفي أو النفاق العملي: وهو أن يكون سر الإنسان خلاف علانيته. وهذا قد يصدر من بعض المسلمين، وهو الذي
أخبر عنه الرسول صلّى الله عليه وسلّم بقوله فيما رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان».
والمراد: أن صاحب كل خصلة من هذه الخصال منافق، وليس المراد أنه لا بد من اجتماع الخصال الثلاث في شخص واحد، فمن تخلّق بواحدة من هذه الخصال فهو شبيه بالمنافق، متخلق بأخلاقه، في حق من حدثه، أو وعده، أو ائتمنه. ولا يكون منافقا من وقع مرة في الكذب، أو خلف الوعد، أو خيانة الأمانة، وإنما المنافق هو الذي يكون ديدنه وشأنه وخلقه الكذب أو نقض العهد والوعد، أو خيانة الأمانة، فهذا الشخص إذا حدث في كل شيء كذب فيه، وإن عاهد أو وعد، أخلف الوعد
ونقض العهد دائما، وإن ائتمن على أمانات الناس، خان الأمانة، وتكرر منه ذلك.
وجاء في بعض الروايات: «آية المنافق أربع» بزيادة «وإذا عاهد غدر».
والواقع أن الأربع ترجع إلى ثلاث لأن نقض العهد صورة أخرى من صور إخلاف الوعد، أو صورة من خيانة الأمانة.
والوقوع في النفاق يحدث كما
جاء في رواية مسلم بزيادة: «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم»
أي إن مدمن الكذب ومن تكرر منه خلف الوعد ونقض العهد، أو خيانة الأمانة يعد منافقا، وإن عمل أعمال المسلمين من صوم وصلاة وغيرهما من العبادات.
وجزاء النفاق بنوعيه هو نار جهنم، قال الله تعالى:
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (١٤٦) [النساء: ٤/ ١٤٥- ١٤٦].
احترام المعاهدات وحالة الحياد
لم نجد كالإسلام دينا عظّم العهود، وأوجب الوفاء بالمعاهدات والاتفاقات الخاصة والعامة، أو الدولية الخارجية، لأن احترام الكلمة دليل الرجولة والبأس والجزم، ولأن الوفاء بالعهد من الإيمان. فالمؤمن لا يخلف وعدا ولا ينقض عهدا، ولا يخل بشرط من شروط المعاهدات، أو يحاول التخلص من بنود المعاهدة بالتأويلات الباطلة، والتفسيرات المغلوطة، واتخاذ لون من ألوان المخادعة والمخاتلة.
ووقوف بعض الناس أو الدول موقف الحياد لون من ألوان العهود لأن الحياد يتطلب الاعتراف به من بقية الدول الأخرى، فمن أقر أو اعترف بحياد جماعة أو
دولة، فمعنى ذلك أنه رضي بهذه الحالة، وأصبح الحياد حالة داخلة في المواثيق والعهود الدولية.
ولقد حذر القرآن الكريم من نقض المعاهدات، وجعل الله ورسوله خلف الوعد ونقض العهد من مظاهر النفاق، وهذا يستدعي احترام أوضاع المعاهدين والمحايدين كما جاء في قوله تعالى حين يستثني من موالاة ومناصرة المنافقين طائفتين أو صنفين، وهو قوله سبحانه:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٨٩ الى ٩٠]
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ٨٩- ٩٠].
تضمنت هذه الآية استثناء فئتين من الناس، تحترم عهودهم وأحوالهم وهما:
أولا: الذين يتصلون- أي لهم صلة- بقوم معاهدين للمسلمين بينهم وبينهم ميثاق وعهد بعدم الاعتداء، من مهادنة أو صلح وغيره، فينضم هؤلاء إلى أولئك الأقوام المعاهدين، فيأخذون حكم المعاهدين، وإن لم يكونوا قد تعاهدوا صراحة مع المسلمين، قال أبو بكر الرازي: إذا عقد الإمام عهدا بينه وبين قوم من الكفار، فلا محالة يدخل فيه من كان في حيّزهم ممن ينسب إليهم بالرحم أو الحلف أو الولاء، بعد أن يكونوا في حيّزهم ومن أهل نصرتهم، وأما من كان من قوم آخرين، فإنه لا يدخل في العهد ما لم يشرط، ومن شرط من أهل قبيلة أخرى دخوله في عهد المعاهدين، فهو داخل فيهم إذا عقد العهد على ذلك، كما دخلت بنو كنانة في عهد قريش.
(١) ضاقت.
(٢) الاستسلام والرضا بالصلح.
والفئة الثانية: هم المحايدون الذين جاؤوكم أيها المسلمون، وقد ضاقت صدورهم بقتالكم، وأبغضوا أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم، وأعلنوا الحياد، فلا يجوز قتالهم، حفاظا على ما التزموه من الوقوف على الحياد والمسالمة أو الموادعة، دون عدوان ولا اعتداء، ودون انضمام إلى قوم معتدين.
وكل من هاتين الفئتين ينطبق عليه قول الله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) [البقرة: ٢/ ١٩٠]. وكان من رحمة الله وفضله أن سالم هؤلاء المسلمين، وكفوا عن إيذائهم ولو شاء الله لسلطهم علينا بأن يلهمهم القتال، فيقاتلوننا.
إن هؤلاء المجدّين في احترام السلم والموادعة أصحاب النية الحسنة، هم الذين نحترم مبدأ المسالمة معهم، أما غيرهم من أصحاب النوايا الخبيثة فينبغي الحذر منهم، لذا نبّه القرآن الكريم بعد الآية السابقة إلى الحذر من طائفة مخادعة، يريدون اللعب على الحبلين، وإظهار المودة للمسلمين وللمشركين معا، فقال تعالى:
[سورة النساء (٤) :آية ٩١]
سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (٩١)
«١» «٢» «٣» [النساء: ٤/ ٩١] أي حجة واضحة.
نزلت هذه الآية في قوم هم بنو أسد وغطفان كانوا يجيئون من مكة إلى النبي عليه الصلاة والسلام رياء، يظهرون الإسلام، ثم يرجعون إلى قريش فيكفرون، ففضح الله تعالى هؤلاء، وأعلم أنهم مذبذبون معادون، يجوز قتلهم وقتالهم في كل مكان.
(١) أي إلى الشرك والضلال والاضطراب.
(٢) أي وقعوا في حمأة الكفر والشرك.
(٣) وجدتموهم.
جزاء القتل الخطأ والعمد
تتكرر حوادث القتل الخطأ كثيرا في الحياة العملية، وأكثرها في عصرنا الحاضر حوادث السير والمرور والسيارات وما يترتب عليها من دهس وتصادم ولا تخلو جميع حوادث القتل الخطأ من تقصير أو إهمال أو ترك التثبت والاحتياط في الأفعال، لذا لم يعف الشرع القاتل خطأ من المسؤولية وأوجب عليه الدية والكفارة بإعتاق رقبة مؤمنة عند القدرة، أو صيام شهرين متتابعين عند العجز عن الرقبة، كما هو الحاصل في عصرنا حيث حرم الرق في العالم. وكذلك من باب أولى حرم الشرع القتل العمد وأوجب على القاتل عمدا القصاص في الدنيا إلا أن يعفو ولي الدم قريب المقتول، والخلود في نار جهنم في الآخرة إلى أن يتوب.
قال الله تعالى مبينا حكم القتل الخطأ والقتل العمد:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٩٢ الى ٩٣]
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣)
[النساء: ٤/ ٩٢- ٩٣].
نزلت آية القتل الخطأ في شأن الحارث بن يزيد الذي خرج مهاجرا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فلقيه عياش بن أبي ربيعة بالحرّة- أرض ذات حجارة سوداء- فعلاه بالسيف، وهو يحسب أنه كافر، ثم جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فأخبره، فنزلت: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً.. الآية.
ونزلت آية القتل العمد في رجل من الأنصار قتل أخا مقيس بن صبابة، فأعطاه
النبي صلّى الله عليه وسلّم الدية، فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه، فقتله، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لا أؤمنه في حل ولا حرم، فقتل يوم الفتح- فتح مكة،
وفيه نزلت هذه الآية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً...
ومعنى الآيتين: أن من شأن إيمان المؤمن بالله ورسوله أن يمنعه من ارتكاب الفواحش والمنكرات، ومن أخطرها الاعتداء على النفوس البشرية بغير حق، والمؤمن يشعر بحقوق الله عليه وبحقوق إخوانه المؤمنين، ويدرك أن سفك الدم الحرام جريمة عظمي، واعتداء خطير، وكأنه قتل للناس جميعا. قال تعالى: مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً [المائدة: ٥/ ٣٢].
لكن إذا حدث القتل خطأ، فعلى القاتل عقاب، لأن الخطأ ينشأ من التهاون وعدم الاعتناء والاحتياط، وعقاب القتل الخطأ شيئان: كفارة للقتل وهي عتق رقبة مؤمنة، لأنه أعدم نفسا فيحيي نفسا أخرى بالتحرير، والعقاب الثاني: تسليم دية إلى ورثة القتيل عوضا عن دمه، وإطفاء لنار الغيظ والحقد، وإزالة للعداوة والبغضاء، والدية مائة من الإبل، أو ألف دينار ذهبا، أو عشرة آلاف درهم فضة، وهذا رقم مالي كبير في عصرنا الحاضر. فإن لم يجد الشخص الرقبة أو ثمنها كما في وقتنا الحاضر حيث اتفق العالم بمعاهدات دولية على إنهاء الرق وتحريمه، فحينئذ يجب على القاتل خطأ كما في حوادث السيارات صيام شهرين متتابعين، رعاية لحق الله تعالى أو الحق العام، والدية واجبة لكل مسلم أو غير مسلم معاهد، أما القتيل المؤمن المقيم مع الأعداء، فلا يعطى لورثته مال حتى لا يحاربونا به، ويكتفى بالكفارة وهي عتق رقبة مؤمنة أو صيام شهرين متتابعين، فإن كان القتيل مقيما في دولة معاهدة كحال العلاقات الدولية الآن، فالواجب دية مسلّمة إلى أهله، احتراما للعهود والدماء، وكفارة.
أما جزاء القاتل عمدا فهو القصاص أو عقوبة الإعدام إذا لم يصدر عفو من ورثة القتيل، وله في الآخرة جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه، وطرده من رحمته، وأعدّ له عذابا عظيما شديدا إلا أن يتوب، فالمقرر عند أكثر العلماء أن التوبة مقبولة من قاتل النفس، لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً (١١٦) [النساء: ٤/ ١١٦]، وثبت أن الله تعالى قبل توبة القاتل مائة نفس كما في الصحيحين.
التثبت في الأحكام ونقل الأخبار
المسلم في كل أحكامه وتقديراته، وظنونه وأحواله، وسماعه الأخبار كأنه قاض عدل مهيب، لا يتسرع في الاتهام ولا يصدق كل خبر، ويتأنى في فهم الأشياء بعقل واع وبصيرة نافذة، سواء في معاملته مع الأعداء في الحرب، أو في معاملة إخوانه في داخل البلد المسلم. وقد نبّه القرآن إلى ضرورة الحذر الشديد في هاتين الحالتين، ليكون المؤمن محل ثقة واحترام وتقدير وإعظام. قال الله تعالى مبينا ضرورة التثبت في الحكم على أشخاص العدو إيمانا وكفرا، سلما وحربا:
[سورة النساء (٤) :آية ٩٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤)
«١» «٢» «٣» [النساء: ٤/ ٩٤].
قال ابن عباس مبينا سبب نزول هذه الآية- فيما رواه البخاري والترمذي والحاكم-: مرّ رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يسوق غنما له،
(١) سافرتم.
(٢) الاستسلام أو تحية السلام والإسلام.
(٣) الغنيمة. [..... ]
فسلّم عليهم، فقالوا: ما سلّم علينا إلا ليتعوذ منا- أي يحتمي ويتحصن- فعمدوا إليه، فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ..
وفي رواية أخرى عند الثعلبي: أن أسامة بن زيد أو المقداد بن الأسود قتل رجلا من الأعداء بعد أن أعلن إسلامه، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كيف لك بلا إله إلا الله غدا» وأنزل الله هذه الآية.
والمعنى: يا أيها الذين صدّقوا بالله ورسوله إذا انطلقتم في الأرض للجهاد، فتمهلوا في الحكم على الأشخاص، أهم مسالمون أم محاربون، مؤمنون أم كافرون، ولا تتعجلوا بقتل أحد، ولا تقولوا لمن استسلم ولم يقاتلكم وأظهر أنه مسلم: إنك لست مؤمنا، فأنتم مأمورون بالعمل بالظاهر، والله أعلم بالسرائر.
وكأنكم باستعجال القتل تريدون الحصول على عرض الدنيا الفاني من المال أو الغنيمة، فعند الله أرزاق كثيرة ونعم وفيرة لا تحصى، وعنده خزائن السماوات والأرض، فلا يليق بكم أن تفعلوا فعلا جنائيا أو عدوانيا، وتتسرعوا في الحكم على ما في قلوب الناس، وتتهموهم بالمصانعة والمداراة والخوف من السيف، واذكروا تاريخكم في الماضي، آمنتم سرا، ثم أظهرتم الإسلام علنا، فصرتم في عداد المؤمنين، ومنّ الله عليكم بالأمان والاطمئنان، إن الله بما تعملون خبير بصير، يجازيكم على أعمالكم وأحوالكم كلها.
وكذلك الأمر في العلاقات الاجتماعية الداخلية يجب على المسلم التثبت في الحكم على الأقوال والأخبار، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) [الحجرات: ٤٩/ ٦].
سبب نزول هذه الآية
أن النبي صلّى الله عليه وسلّم بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق
مصدّقا «١»، فرجع من بعض الطريق ظانا أنهم خرجوا للاعتداء عليه، وقال للنبي صلّى الله عليه وسلّم: إنهم قد منعوا الصدقة، وطردوني وارتدوا، فغضب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهمّ بغزوهم، وبعث خالد بن الوليد إليهم، فورد وفدهم للنبي منكرين لما حدث، وأظهروا حسن نواياهم واستعدادهم لإيتاء الزكاة.
ومعنى الآية: أيها المؤمنون بالله ورسوله إن أتاكم فاجر لا يبالي بالكذب، بخبر من الأخبار فيه إضرار بأحد، فتثبتوا في تصديق الخبر، وتبصروا في الأمر الواقع والخبر الوارد، حتى تتضح حقيقته وتظهر، لئلا تمسوا قوما بضرر لا يستحقونه، فتصبحوا نادمين مغتمين على ما فعلتم بهم من إصابتهم بالخطإ، وتعجيل اتهامهم بالسوء.
أخرج ابن جرير الطبري وعبد بن حميد عن قتادة: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال حينما نزلت هذه الآية: «التثبت من الله، والعجلة من الشيطان».
والآية تعد قانونا عاما لجميع الناس تطالبهم بضرورة التبين قبل قبول الكلام المنقول والخبر المروي، تحسينا للظن، أو بعدا عن إساءة الظن بأحد من الناس، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
درجات الناس في المشاركة بالجهاد
الإسلام دين الواقع العملي والظروف الإنسانية المواتية، فلا يكلف الناس بتكاليف لا يطيقونها أو لا يتحملونها، فهو أي الإسلام إن فرض الجهاد على الرجال القادرين على حمل السلاح، يستثني أصحاب الأعذار وأولي الضرر، ولا يعقل أن يكون هناك مساواة بين المجاهدين البواسل ذوي الجرأة والإقدام، وبين المتقاعسين
(١) أي جابي الزكاة أو الصدقات.
المتخلفين عن القيام بالواجب والمشاركة بالجهاد وخوض المعارك من غير عذر شرعي.
قال الله تعالى مقررا هذا المبدأ:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٩٥ الى ٩٦]
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (٩٥) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٩٦)
«١» [النساء: ٤/ ٩٥- ٩٦].
روى البخاري وغيره أن الآية لما نزلت: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ جاء عبد الله بن أم مكتوم- وكان أعمى- حين سمعها، فقال: يا رسول الله، هل من رخصة، فإني ضرير البصر؟ فنزلت عند ذلك غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ فاستدعى النبي صلّى الله عليه وسلّم أحد كتاب الوحي، فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف، فقال: اكتب لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ.
والآية تقرر أنه لا مساواة في الشرع والطبع والعقل بين المؤمنين المجاهدين بأموالهم وأنفسهم وبين القاعدين بأنفسهم، المتكاسلين حرصا على الراحة والنعيم والبعد عن المخاطر والتضحيات. وقوله تعالى: بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ هي الغاية في كمال الجهاد، لقد فضل الله المجاهدين على القاعدين بالأجر العظيم، ومنحهم الدرجات العالية في الجنان، والظفر بالمغفرة الكبيرة الواسعة من الله تعالى بسبب ما قدموا من جهود وتحملوا من أعباء ومتاعب، وتعرضوا للظمأ والعطش، والجوع في سبيل الله، وأغاظوا الأعداء، ودافعوا عن البلاد والحرمات، وقمعوا العدوان، وأحبطوا مكائد المعتدين، وردوا كيدهم في نحورهم، وحققوا لواء العزة والمجد للمؤمنين وديارهم فلا غرابة أن يستحقوا الرضوان الإلهي، وتعمهم نفحات الرحمة والفضل الواسع.
(١) أصحاب الأعذار المانعة من الجهاد.
ومن فضل الله وكرمه أنه استثنى أصحاب الأعذار من تكليف الجهاد، وهم أولو الضرر، أي المرض ونحوه، كالعميان والعرجان والزمنى (المصابين بمرض مزمن) وغيرهم من ذوي العاهات والأعذار المبيحة لترك الجهاد، فهؤلاء لا لوم عليهم ولا عتاب لهم، لتوافر نياتهم الطيبة بالجهاد عند القدرة،
روى البخاري وأحمد وأبو داود أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال عند دخوله المدينة بعد غزوة تبوك: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟! قال: نعم وهم بالمدينة، حبسهم العذر»
فهذا تزكية من النبي صلّى الله عليه وسلّم وقبول لعذر هؤلاء المعذورين.
وحينئذ يكون القعود عن الجهاد مذموما حيث لا عذر يمنع منه، ويكون للمجاهدين المخلصين في جهادهم منازل رفيعة في غرف الجنان العاليات، يصعب في تقدير الناس في الدنيا حصرها وعدها، كما قال الله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) [الإسراء: ١٧/ ٢١].
والتفاضل في الدرجات مبني على مدى قوة الإيمان، وإيثار رضا الله على الراحة والنعيم، وترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة،
جاء في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض»
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من رمى بسهم فله أجره درجة، فقال رجل: يا رسول الله، وما الدرجة؟ فقال: أما إنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام».
فضيلة الهجرة في سبيل الله
المسلم في هذا العالم مطالب بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وإظهار شعائر الله والاعتزاز بمظاهر الإسلام، فإذا لم يتمكن المسلم من أداء شعائر الله في بلد من البلدان، كأن تمنع حرية التدين في بعض الأقطار، فيجب عليه الهجرة من ذلك البلد، وطلب الإقامة أو الاستيطان في بلد آخر يسمح له بذلك.
قال الله تعالى مبينا وجوب الهجرة:
[سورة النساء (٤) :الآيات ٩٧ الى ١٠٠]
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (٩٩) وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٠)
«١» [النساء: ٤/ ٩٧- ١٠٠].
روى البخاري عن ابن عباس أن أناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثّرون سواد المشركين على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فيأتي السهم يرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل، فأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ.
وروى ابن أبي حاتم وأبو يعلى بسند جيد عن ابن عباس قال: خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجرا، فقال لأهله: احملوني، فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فنزل الوحي: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ...
من المعلوم أن الهجرة من مكة في مبدأ الإسلام قبل الفتح كانت واجبة، فهاجر
(١) أي مكانا للهجرة ومأوى يجد فيه الخير.
بعض المسلمين الهجرة الأولى إلى الحبشة، وهاجر آخرون مع النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة المنورة، لكن بعض المسلمين قعد في مكة حبّا في وطنه، وإيثارا للدنيا وعرضها، ومنهم من كان ضعيفا لا يقدر على الهجرة لمرض أو كبر سن أو جهل بالطريق، ومنهم من هاجر ومات في الطريق، فنزلت هذه الآيات تبين حكم هؤلاء جميعا.
فالصنف الأول: الذين ماتوا في ديار الشرك في مكة، قبضت الملائكة أرواحهم حالة كونهم ظالمي أنفسهم برضاهم الإقامة في دار الشرك، وإيثارهم الدنيا وعرضها الفاني على نصرة الحق وتأييد رسول الله، وقبولهم الظلم والتضييق عليهم وعدم السماح لهم بممارسة شعائرهم الدينية، هؤلاء قالت لهم الملائكة توبيخا وتأنيبا عند قبض أرواحهم: في أي شيء كنتم من أمور دينكم؟ ولماذا تركتم الهجرة لنصرة الإسلام وأنتم قادرون عليها؟ قالوا معتذرين بعذر غير حقيقي: كنا مستضعفين ومستذلين في مكة، فلم نتمكن من إقامة الدين وواجباته، فردت عليهم الملائكة: ألم تكن أرض الله التي يمكنكم إظهار الدين فيها واسعة فتهاجروا؟! نعم هي واسعة، ولكنكم رضيتم بالذل، وآثرتم الدنيا على نصرة الحق، فأولئك مأواهم جهنم، وبئس المصير مصيرهم.
وهذا يدلنا على أن المسلم يجب عليه أن يفر بدينه إلى حيث يتمكن من إقامة حدود دينه وواجباته حسبما أمر الله، فمن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مأوى مناسبا، فيه الخير والسعة والرزق والعزة، وفي هذا ترغيب في الهجرة.
والصنف الثاني: وهم المستضعفون حقيقة وهم الذين لهم عذر حقيقي كالشيوخ الضعفاء والعجزة من النساء والولدان الصغار المراهقين، هؤلاء يغفر الله لهم، ولا يؤاخذهم بالإقامة في دار الشرك وترك الهجرة وهذا يدلنا على أن ترك الهجرة ذنب كبير.
والصنف الثالث: هم الذين عزموا على الهجرة إلى الله ورسوله، ولإعزاز دينه وأهله، لكنهم ماتوا في أثناء الطريق كضمرة بن جندب، قبل الوصول إلى المدينة، فقد ثبت أجرهم على الله، والله غفور للطائعين، رحيم بهم، والله هو الذي أوجب الهجرة، وهو الذي يغفر الذنوب ويرحم العباد تفضلا وإحسانا إذا كانوا ممن صدق النية، وشحذ العزيمة، وأخلص القصد لله جل جلاله،
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما أخرجه الصحيحان: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه».
صلاة القصر في السفر وصلاة الخوف
لا يجوز بحال من الأحوال ترك الصلاة المفروضة، ما دام الإنسان المسلم واعيا عاقلا، ولا تسقط عنه الصلاة إطلاقا حتى في حال المرض إلا أن يفقد الشخص الوعي ويصبح مغمى عليه، أو مغشيا لا يدرك شيئا.
ولكن يسّر الإسلام في كيفية أداء الصلاة الفريضة في أثناء السفر أو الخوف، كالاشتراك في معركة حربية، ففي السفر يجوز بل يستحب أو يجب قصر الصلاة الرباعية وهي الظهر والعصر والعشاء، فتصلي هذه الصلاة ركعتين فقط بدلا من أربع ركعات تخفيفا وتيسيرا على المسافر، ودفعا للحرج والمشقة التي يتعرض لها المسافر في غالب الأوقات، ولا يكون عنده متسع من الوقت، وكذلك المحارب في أثناء المعركة يؤدي الصلاة الرباعية مقصورة، بل وفي جماعة مع الإمام القائد، على أن يقسم الجنود فئتين، تصلي كل فئة ركعة واحدة مع الإمام، وتكمل وحدها الركعة الأخرى.
قال الله تعالى مبينا مشروعية قصر الصلاة الرباعية وكيفية صلاة الخوف:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٠١ الى ١٠٣]
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (١٠١) وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٠٢) فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [النساء: ٤/ ١٠١- ١٠٣].
روى ابن جرير الطبري عن علي رضي الله عنه قال: سأل قوم بني النجار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا: يا رسول الله، إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي؟ فأنزل الله:
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول (عام) غزا النبي صلّى الله عليه وسلّم فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم، هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في أثرها- أي صلاة أخرى وهي العصر- فأنزل الله بين الصلاتين كيفية صلاة الخوف: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى قوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً.
فالآية الأولى تدل على مشروعية صلاة القصر، أي قصر الصلاة الرباعية لا
(١) أي سافرتم فيها.
(٢) أي إثم وحرج.
(٣) يؤذوكم.
(٤) أي أيها الرسول.
(٥) يحذروا العدو.
(٦) تسهون.
(٧) مفروضة في أوقات محددة.
الثنائية ولا الثلاثية، وذلك في أثناء السفر إذا سافر الإنسان عن بلده إلى بلدة أخرى تبعد عنها حوالي (٨٦ كم) أو (٨١ كم)، وحينئذ يجوز للمسافر بمجرد خروجه عن بلده، ومجاوزته آخر حدود العمران أن يصلي الصلاة الرباعية ركعتين فقط، ترخيصا من الله تعالى، وتيسيرا على المسافر، ودفعا للحرج والمشقة عنه، والسفر يبيح القصر سواء أكان المسافر آمنا أم خائفا، وأما قوله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فهو كما يقول العلماء: قيد لبيان الواقع، أي إنه تصوير للحالة الواقعية التي كان عليها المسلمون في الماضي، في ظرف معركة من المعارك. وعلى المصلي أن يكون حذرا من مباغتة الأعداء أثناء الصلاة والسفر والإقامة.
وأما صلاة الخوف جماعة فتكون بأن يقسم الإمام القائد الجيش طائفتين، طائفة تصلي ركعة مع الإمام ثم تكمل الصلاة وحدها، مع حملها السلاح أثناء الصلاة للدفاع والرد على الأعداء إن استغلوا هذا الظرف، وباغتوا المصلين ثم تأتي الطائفة الأخرى التي كانت حارسة فتصلي مع الإمام الذي ينتظرها في أول الركعة الثانية في القيام، فتصلي معه ركعة، وينتظرها الإمام في التشهد الأخير حتى تصلي الركعة الثانية لها، ثم يسلم الإمام مع هذه الطائفة التي يجب عليها أيضا التنبه والحذر وحمل السلاح إلا إذا كان هناك عذر كمطر أو مرض، فلا يحمل السلاح في أثناء الصلاة.
ثم نبه القرآن إلى ضرورة مداومة ذكر الله بالحمد والتكبير والدعاء بعد أداء صلاة الخوف، لتذكر نعمة الله وتقوية القلوب للصمود في وجه الأعداء، ولتحقيق الانتصار الحاسم، لأن الصلاة مفروضة على المسلمين في كل وقت وفي كل زمان ومكان بأوقات معلومة، فلا تترك حتى في حالة الحرب وساعة الخوف.
الغاية من القتال
ليس تحقيق العزة والمنعة والاستقلال أمرا يحدث بالصدفة أو المسالمة، وإنما لا بد من القيام بتضحيات نادرة، وبطولات خارقة، وحماية للحقوق وتوفير الهيبة بخوض معارك القتال، ورد عدوان المعتدين. وهذه حقيقة تاريخية ثابتة وهي أن نفوذ الكلمة للقوة والأقوياء، وأن الدمار والهلاك والهزيمة للضعفاء والجبناء.
لذا حرّض القرآن الكريم على قتال الأعداء عند وجود البغي والاعتداء، أو محاولة الانتقاص من كرامة الأمة، أو سلب بعض الحقوق، أو التغلب على بعض أجزاء البلاد، وتراب الوطن الغالي. قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :آية ١٠٤]
وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤)
«١» [النساء: ٤/ ١٠٤].
نزلت هذه الآية في أعقاب معركة أحد، حيث
أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالخروج في آثار المشركين، وكان بالمسلمين جراحات، وقد أمر ألا يخرج معه إلا من كان في الوقعة، أي مشتركا في غزوة أحد.
يرشدنا الله تعالى إلى أنه لا يصح أن نضعف في قتال الأعداء ولا نتواكل، ونستعد للقتال دائما بعد الفراغ من الصلاة المفروضة، ولا نتردد في خوض المعارك الفاصلة مع الأعداء الذين ناصبونا العداء، وجاهروا بالبغضاء، وعلينا أن نطاردهم ونلاحقهم ونطلب البحث عن مخابئهم، وتدمير آلياتهم العسكرية وتخريب حصونهم ومعاقلهم.
ولا يصح بحال أن نتذرع أو نحتج بما يصيب بعضنا من حوادث القتل وآلام
(١) لا تضعفوا.
الجراح، فذلك أمر مشترك بين كل فريقين متحاربين، لأنهم بشر مثلنا يتألمون كما نتألم، ويصبرون على الشدائد والقتال كما نصبر، فما لنا لا نصبر ونحن أولى وأحق بالصبر والثبات وترك الفرار؟! ولكن يظل الفرق واضحا بين المؤمنين وغير المؤمنين في تحديد الغاية من القتال، وهي أن الأعداء يقاتلون على الباطل، والباطل زائل، ونحن نقاتل على الحق، والحق دائم خالد، والله وعدنا بالنصر، ووعد الأعداء بالهزيمة والغلبة، ولا ثواب ولا أجر لقتالهم، وقتلاهم في النار، ولنا الثواب العظيم في الآخرة، وقتلانا في الجنة، وليس لهم ملجأ يستمدون منه العون والنصر إلا الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، أو تحقيق الشعارات الباطلة التي ليس لها مستند شرعي صحيح، ونحن بعبادتنا الله وحده لا شريك له نلجأ إليه في طلب النصر والرحمة لأن الله هو القوي القاهر، ولأن النصر من عند الله وحده.
ونحن في قتالنا ننتظر إحدى الحسنيين: إما النصر، وإما الشهادة، وكان الله عليما بأحوالنا ونياتنا، حكيما فيما يأمرنا به، وينهانا عنه.
قال الله تعالى: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا «١» وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا «٢» إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ «٣» وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) [التوبة: ٩/ ٥١- ٥٢].
وكل هذه المرغبات برهان بيّن، وحجة قاطعة على أنه يجب أن تتقوى نفوس المؤمنين، وتخوض ميادين المعارك الحربية والقتال بجرأة وشجاعة، وبإقدام لا يعرف التردد والإحجام.
(١) أي ناصرنا.
(٢) أي تنتظرون.
(٣) أي النصر أو الشهادة والجنة. [..... ]
وقد بشّر القرآن الكريم شهداء أمتنا بالجنة والرضوان في قول الله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) [آل عمران: ٣/ ١٦٩- ١٧١].
وروى أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحة عن معاذ ابن جبل رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من قاتل في سبيل الله فواق ناقة «١»، فقد وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل من نفسه صادقا «٢» ثم مات، أو قتل، فإن له أجر شهيد، ومن جرح جرحا في سبيل الله، أو نكب نكبة، فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر «٣» ما كانت، لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك».
المساواة أمام القضاء
لا يعرف الإسلام في أحكامه وقضائه ومحاكمه التفرقة بين مسلم وغير مسلم، فالكل أمام الحق والعدل سواء، ولا محاباة لمسلم على حساب غير المسلم في أي مظهر أو وضع من مظاهر القضاء وأوضاعه.
والدليل القاطع على هذا: ما نزل في القرآن الكريم في شأن يهودي أراد المنافقون أن يلصقوا به تهمة سرقة ارتكبها بعضهم، وهي أن طعمة بن أبيرق من بني ظفر، سرق درعا من جار له في جراب دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه، وخبأها عند زيد بن السمين من اليهود، فالتمسوا الدرع عند طعمة، فلم يجدوها وحلف
(١) هو ما بين رفع يدك عن الضرع حال الحلب ووضعها.
(٢) أي مخلصا لربه نيته.
(٣) أي أوفر وأكثر.
بالله ما أخذها، فساروا في أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي، فأخذوها، فقال: دفعها إلي طعمة،- وكان من المنافقين- وشهد له أي لليهودي ناس من اليهود بذلك، ولكن طعمة أنكر ذلك، فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله، فسألوه أن يجادل عن صاحبهم، وقالوا إن لم تفعل هلك وافتضح وبرئ اليهودي، فهمّ النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يفعل، وأن يعاقب اليهودي، فنزلت آيات تسع في هذه الحادثة، وأما طعمة فهرب إلى مكة وارتد، وقد سقط عليه حائط في سرقة، فمات.
هذه الآيات من سورة النساء هي قوله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٠٥ الى ١١٣]
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٦) وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (١٠٨) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (١٠٩)
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (١١٢) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (١١٣)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [النساء: ٤/ ١٠٥- ١١٣].
تشتمل هذه الآيات على موضوعات أربعة: أولها تقرير مبدأ الحق والعدل
(١) مخاصما ومدافعا عنهم.
(٢) يخونونها بالعصيان.
(٣) يدبرون بليل.
(٤) محاميا نائبا عنهم يدافع عن مصالحهم.
(٥) أي كذبا يبهت الآخر ويحيره، لأنه لا علم له به.
المطلق، لأن العدل لا يتجزأ، ولا ينحاز القاضي المؤمن الحر النزيه إلى أحد الخصمين، حتى ولو كان متفقا معه في الدين، أو قريبا أو أبا أو ابنا أو زوجا، وفي ثنايا تقرير مبدأ العدل هذا عتاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم على ما همّ عليه وتصحيح لموقفه، وتأنيب ما على قبول ما رفع إليه في أمر بني أبيرق بسرعة دون تثبت. وهذا يقتضي طلب الاستغفار منه على ما همّ عليه، وتحذيره من الجدال أو الدفاع عن القوم من بني أبيرق الذين يخونون أنفسهم بالمعاصي. والله لا يخفى عليه شيء من نواياهم وتآمرهم وتبييتهم ما لا يرضى الله من القول الباطل، واتهام الأبرياء لرفع التهمة عنهم.
والموضوع الثاني: تنديد وتوبيخ للذين يدافعون عن غيرهم بالباطل وهم أقارب طعمة، فإذا جادلوا عن المتهم بغير حق في الدنيا، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة، ومن يجرأ أن يكون يوم القيامة محاميا وكيلا أمام الله الذي يعلم الحقائق ولا تنطلي عليه الحيل والأكاذيب.
والموضوع الثالث: ترغيب وترهيب: ترغيب المسيء أو الظالم بالعدول عن إساءته وطلب المغفرة من الله على تورطه بالخطايا والذنوب، فإن وبال الذم أو الإثم على نفسه، وترهيب من محاولة إلصاق التهمة بالأبرياء، فذلك أعظم البهتان (أي الكذب) وأوضح الإثم والمعصية.
والموضوع الرابع: بيان واضح لعصمة النبي صلّى الله عليه وسلّم من الوقوع في الخطأ القولي والعملي فضلا من الله ورحمة، ومنع أذى الأشرار الذين يحاولون إضلاله وتلبيس الحق بالباطل وإخفاءه عليه، فالله محبط تآمرهم وراد كيدهم وكاشف حيلهم، والواقع أنهم لا يضرون إلا أنفسهم، فإن نبي الله معصوم من كل مكروه، أنزل الله عليه القرآن والحكمة: وهي فقه مقاصد الدين وأسراره، وعلّمه ما لم يكن يعلم، وفضل الله عليه عظيم جدا، لأنه رسول للناس كافة وخاتم الأنبياء والمرسلين،
وشاهد على أمته بالتبليغ، وجعل أمته وسطا خيارا عدولا لا يحكمون إلا بالحق والعدل.
أنواع الحديث السرّي
ينبغي أن يكون ظاهر المسلم وباطنه سواء، فلا يتكلم بشيء في الظاهر، ويضمر خلافه في القلب والباطن، وإلا كان منافقا مخادعا، ويلاحظ أن كثيرا من الناس يحلو لهم أن يكون أغلب كلامهم مع الآخرين سرا لا جهرا، وخفاء لا علنا، وهذا اللون من الحديث السري منه ما هو خير، ومنه ما هو شر، والخير: هو كل ما يحقق النفع العام للناس، والشر: هو كل حديث فيه إضمار السوء والأذى والضرر بالنفس أو بالآخرين.
وقد صنف القرآن الكريم ألوان الأحاديث السرية، فقال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١١٤ الى ١١٥]
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤) وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥)
«١» «٢» «٣» «٤» [النساء: ٤/ ١١٤- ١١٥].
نزلت هذه الآيات في تناجي أهل طعمة بن أبيرق الذي سرق درعا، فقاموا يتناجون ليلا ويتسارّون الحديث بالفساد وتعاونهم على الشر وإلصاق تهمة السرقة بيهودي.
وروي أن طعمة لما حكم عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم بقطع يده بسبب السرقة، هرب إلى مكة، وارتد عن الإسلام، ومات مشركا، فنزلت آية وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ...
(١) أي مسارّتهم بالحديث، فالنجوى: المسارة.
(٢) أي من يعادي ويخالف.
(٣) نتركه وما اختاره لنفسه.
(٤) ندخله فيها.
أبان الله تعالى أن كل حديث سري أو تدبير خفي أو مناجاة لا خير فيه إلا ما كان بقصد التعاون على الخير والتصدق على المحتاجين، أو الأمر بالمعروف أو الإصلاح بين الناس لأن حديث السر يغلب فيه ارتكاب الإثم وإضمار السوء. أما التناجي في الأمور العادية كالزراعة والصناعة والتجارة ونحوها من المنافع والمصالح فلا بأس به، ولا يوصف ذلك بالشر، ولا ينهى عنه الشرع.
والخيرية إنما تكون في هذه الأشياء الثلاثة، في السر دون الجهر، لأن تحقيق جدواها أو منفعتها إنما يكون في حال السر، وهذه الأشياء هي كما تقدم بذل الصدقات للفقراء والمحتاجين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح بين الناس لإزالة الخصومة وتقريب وجهات النظر وإزالة سوء التفاهم. ومن يفعل أحد هذه الأشياء بقصد طلب الرضا من الله والإخلاص في العمل فسوف يؤتيه الله ثوابا عظيما، الله أعلم به.
وجاء في السنة النبوية الشريفة ما يؤيد هذه الآية القرآنية،
أخرج الترمذي وغيره عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كلام ابن آدم كله عليه، لا له، إلا ذكر الله عز وجل، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر».
ثم حذرت آية وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ الناس من الشذوذ ومخالفة الجماعة، ومن معاداة الرسول صلّى الله عليه وسلّم بالارتداد عن دينه، بعد ما ظهر للمؤمن الحق والهدى، وجعلت الآية اتباع غير سبيل المؤمنين، ومخالفة إجماعهم واتفاقهم مثل معاداة الرسول تماما، وجزاء المعادي أو مخالف الجماعة: أن يتركه الله تعالى يتخبط في دياجير الظلام والضلال، وأن يدخله نار جهنم، وبئس ذلك المصير أو المرجع مصير هؤلاء المرتدين أو الشاذين عن طريق الجماعة.
دلت هاتان الآيتان على وجوب أمرين خطيرين:
أولهما- تضامن الأمة كلها في سرها وعلنها في أعمال الخير والبناء والمعروف، والعمل على تقوية الأواصر الاجتماعية، وتحقيق تكافل الجماعة، وتمتين الروابط، وتوجيه الجهود والطاقات نحو تحقيق النفع العام، وإشاعة المحبة والمودة والإصلاح بين الناس، وإصلاح أهل الفساد، والأخذ بيد الضعفاء.
والأمر الثاني- وجوب التفاف الأمة حول الوحدة: وحدة العقيدة والفكر، واتباع النبي صلّى الله عليه وسلّم، واتباع ما تسير عليه الجماعة والأكثرية في دروب الخير والنفع، ومقاومة كل ألوان الشر والفساد، وإضعاف المسيرة الخيرة في الجهاد وتحرير البلاد، وتقدم المجتمع، وبناء صرح العزة والحضارة.
خطر الشرك والشيطان
لقد حذر القرآن الكريم من أخطر شيئين على الإنسان، لما فيهما من عاقبة سيئة وآثار وخيمة، ألا وهما الشرك والشيطان، أما الشرك بالله بنسبة الولد والصاحبة والصنم والملك له فهو أعظم الجرائم في الإسلام لأنه وكر الخرافات والأباطيل، وأما الشيطان هو مخلوق حي موجود فإنه أعدى أعداء الإنسان لأنه لا يوسوس له إلا بالشر، ولا يزين له إلا بالسوء، والوقوع في المهالك من طريق المال أو الجاه أو النساء أو فساد العقيدة والعمل.
قال الله تعالى مبينا هذين الخطرين:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١١٦ الى ١٢٢]
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢٠)
أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (١٢٢)
«١» «٢»
(١) أصناما يجعلونها كالنساء.
(٢) متمردا. [..... ]
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [النساء: ٤/ ١١٦- ١٢٢].
الشرك: هو منتهى فساد الروح، وضلال العقول، والانحراف عن أخطر قضية في هذا العالم وهو الإيمان بالله الواحد الأحد، فهو ظلم وافتئات على الحقيقة، وإيغال في الكفر وجحود نعمة الله على المخلوقات جميعا. لذا أعلن القرآن الكريم أن الله عز وجل لا يغفر جريمة الشرك بالله أصلا، ويغفر غيره من الذنوب والخطايا لمن يشاء، وهذا تحذير لأهل الضلال، وإطماع لأهل الإيمان بفضل الله وإحسانه، ومن أشرك بالله بالقول أو الفعل أو الاتجاه أو التقديس، فقد ضل ضلالا بعيدا عن الخير والرشد.
وأما الشيطان: فهو داعية الشر والفساد، ورأس الكفر والضلال، طرده الله من رحمته، وعباد الأوثان والأصنام لا يعبدون بدعائهم إياها إلا أسماء مؤنثة كاللات والعزى، ومناة، ونائلة، وهي مؤنثات ضعيفات لا تعقل، وجمادات وأخشاب لا تدرك، وما يعبدون بتعظيمها إلا شيطانا متمرنا على الإيذاء، متدربا على الخبائث، متمردا على القيم الخيرة، فهو الذي أمر الوثنيين بعبادة تلك الأصنام، فكانت طاعتهم للشيطان عبادة له.
(١) مقطوعا لي به.
(٢) أي يقطعن آذان الأنعام لتميزها للآلهة.
(٣) خداعا.
(٤) أي مهربا ومخلصا.
(٥) أي قولا.
ومهام الشيطان كثيرة كما ذكرت الآيات: أولها: محاولة اتخاذ جزء معلوم من الناس تلامذة له، وخلصاء وأعوانا بإغوائه وإضلاله، وهم الكفرة والعصاة.
ثانيا: إضلال الناس، أي صرفهم عن الحق وطريق الهدى وعن الاعتقاد الصحيح.
ثالثا: الوعد بالأماني الباطلة، والعيش في خيال الآمال الوهمية، والأمر بالتسويف والتأخير، وتزيين اللذات، وترك التوبة.
رابعا: الأمر بتقطيع وتشقيق آذان الأنعام (المواشي) للآلهة الأصنام كالبحيرة التي يتركون الحمل عليها بوسمها بعلامة معينة، والناقة السائبة التي يسيبونها للأصنام إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث، والوصيلة التي ولدت جديا وعناقا، فلا يذبحون أخاها من أجلها وصلتها.
خامسا: أمر الناس بتغيير خلق الله وفطرته التي فطر الناس عليها: وهي الاهتداء إلى الحق والدين الصحيح، والتغيير يكون بإخصاء البهائم والوشم في الوجه ونحوهما مما فيه تشوية الفطرة وتغييرها عما فطرت عليه.
ثم أوضح الله تعالى أن وعود الشيطان وأمانيه المعسولة كلها خيالات وأوهام وأباطيل، فهو يعدهم بالمال والجاه وأن لا بعث ولا عقاب ونحو ذلك، لكل أحد ما يليق بحاله، وما تلك الأماني الواسعة الكاذبة إلا تغرير وباطل لا حقيقة له ولا استقرار ولا وجود.
وبعد أن حذر القرآن من ألوان وساوس الشيطان وتفنيد مهامه ومخططاته، رغّب المؤمنين بالإيمان الصادق الخالص، وحرّضهم على العمل الصالح: وهو فعل ما أمر الله به من الأعمال الطيبة والأمور الخيرية، وترك ما نهى عنه من المنكرات. ووعد هؤلاء المؤمنين العاملين بجنان الخلد إلى الأبد التي تجري الأنهار من تحت غرفها
وبساتينها، وذلك الوعد الإلهي وعد حق، وصدق قاطع، ومن أصدق من الله حديثا ووعدا؟ أي لا أحد أصدق منه خبرا لأنه القادر على كل شيء.
الأماني والعمل
ينخدع كثير من الناس في هذه الحياة، فيظنون أن تحقيق الآمال في الدنيا أو في الآخرة بمجرد التمنيات والأماني النفسية، ويتركون العمل الصالح الطيب ويركنون إلى الكسل والتقاعس، ويطمئنون إلى وعود الشيطان بالباطل التي يمنّي فيها بعض الناس بالأماني الكاذبة.
وقد نزل القرآن مفندا الاعتماد على مثل هذه التمنيات، وباعثا حب العمل، ومحركا النفوس البشرية للإقبال على العمل الصالح، ليظفروا بالسعادة والغايات السامية، وتحقيق المطالب المنشودة.
قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٢٣ الى ١٢٦]
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (١٢٥) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (١٢٦)
«١» «٢» «٣» [النساء: ٤/ ١٢٣- ١٢٦].
تعدّد سبب نزول هذه الآيات، فقال ابن عباس: قالت اليهود والنصارى: لا يدخل الجنة غيرنا، وقالت قريش: إنا لا نبعث يوم القيامة. فأنزل الله: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ.. أي فالخطاب لكفار قريش.
(١) النقير: هو قدر النقرة في ظهر النواة، ويضرب بها المثل في القلة.
(٢) أخلص نفسه لله.
(٣) مائلا عن الباطل إلى الدين الحق.
وقال مسروق وغيره: سبب الآية أن المؤمنين اختلفوا مع قوم من أهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: ديننا أقدم من دينكم وأفضل، ونبينا قبل نبيكم، فنحن أفضل منكم، وقال المؤمنون: كتابنا يقضي على الكتب، ونبينا خاتم النبيين، فنزلت الآية، أي فالخطاب لأمة محمد صلّى الله عليه وسلّم.
والمعنى: ليس تحقيق المطالب ومنها الثواب يوم القيامة يحصل بالأماني منكم أيها المسلمون، ولا أنتم أهل الكتاب وكفار قريش، ولكن الجزاء منوط بالعمل، والثواب المعد في الآخرة مرتبط بالاعتقاد الصحيح، والعمل الصالح، والعبرة بطاعة الله عز وجل واتباع ما شرعه على ألسنة الرسل الكرام.
فمن يعمل سوءا يجز به لأن الجزاء أثر للعمل، كما قال الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) [الزلزلة:
٩٩/ ٧- ٨] وفاعل السوء لا نجاة له يوم القيامة، ولا يجد له شفيعا ينقذه، ولا وليا يتولى أمره، ولا ناصرا ينصره ويدفع عنه شيئا من عذاب الله.
وهذا كله لمن كفر بالله وجحد بنعمه، فجزاء السوء أمر حتمي لكل كافر، كما قال الله تعالى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) [سبأ: ٣٤/ ١٧].
أما المؤمنون الصالحون فإن الله وعد المؤمنين أن يكفر عنهم سيئاتهم إذا تابوا وأنابوا، وقد تكون بعض الحوادث مكفرة الخطايا لأهل الإيمان، مثل الأمراض والبلايا والمصائب في الدنيا، وهموم الحياة ومخاوفها.
وتكون العقيدة: أن الكافر مجازي على سيئات أعماله، والمؤمن يجازى في الدنيا غالبا على سوء عمله، فمن بقي له سوء إلى الآخرة فهو متروك إلى مشيئة الله تعالى، يغفر الله لمن يشاء، ويجازي من يشاء. وقانون القرآن في قبول الله تعالى الأعمال
الصالحة والأفعال الخيرة مرتكز على قاعدة الإيمان الصحيح بالله تعالى، فمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وعمل صالح الأعمال التي أمر الله بها، لا فرق بين ذكر وأنثى، فأولئك لا غيرهم يدخلون الجنة، دون أن ينقص من ثواب عملهم شيء مهما كان قليلا، والله أرحم الراحمين لا يظلم العباد، ولا يزيد في عقاب المقصرين.
وبعد أن بين الله سبحانه أن الجزاء منوط بالعمل والإيمان، لا بالأماني المعسولة والتمنيات الموهومة الكاذبة، أوضح لجميع الناس أنه لا أحسن دينا ممن أخلص مقصده وتوجهه لله، وأحسن في أعماله، واتبع ملة التوحيد الحنيفية التي هي ملة إبراهيم الخليل عليه السلام، وقد سمى الله إبراهيم خليلا لإخلاصه لربه في عبادته، واجتهاده في مرضاة خالقه، وتفانيه في حب الله والإيمان به.
ثم أعلمنا القرآن الكريم عن إحاطة علم الله بكل شيء في هذا العالم، يعلم بأعمال جميع العباد، وهو سبحانه واسع الملك، له جميع ما في السماوات والأرض ملكا وخلقا وتصريفا وعبيدا، فهو القادر على جزاء العاملين خيرا وشرا، إذ الكل ملكه، ولا يخرج أحد عن سلطانه وملكوته، وهو وحده المستحق للطاعة والعبادة لأنه المالك، وما عداه مملوك.
رعاية اليتامى والضعفاء
إن من أخص ما تميزت به شريعة الإسلام أنها شريعة المستضعفين من النساء والأولاد والكبار العاجزين والفتيان المعاقين والمشوهين وأصحاب العاهات والأمراض، لأنها شريعة الرحمة العامة بالعالمين من الجن والإنس، وشريعة الإنقاذ والأخذ بيد الضعيف، ليصبح في رتبة مساوية أو مقاربة لغيره، لا ينتقصه أحد شيئا من حقوقه، وإنما ينال حظه المقرر له في هذه الدنيا.
أما المستكبرون والمتجبرون أو العتاة والظلمة، فالقرآن يشفق عليهم، ويعالج أمراضهم إما بالتهديد والوعيد أحيانا، وإما بتذكيرهم بحقوق الآخرين عليهم، وإما بإثارة العواطف الإنسانية الخفية في مشاعرهم وإحساساتهم.
ومن مظاهر الظلم الدفين الذي يشيع أحيانا، ولا يحس الناس بخطره ولا نجد له علاجا اجتماعيا حاسما: إلحاق الظلم بحقوق النساء من الزوجات والبنات والأخوات في المواريث واقتسام التركات، فيكاد المستأثر بالحظ الأوفى هم الرجال، وحرمان النساء أو انتقاص حقوقهن، لذا قال الله تعالى مبينا علاج هذه الظاهرة:
[سورة النساء (٤) :آية ١٢٧]
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧)
«١» [النساء: ٤/ ١٢٧].
نزلت هذه الآية بسبب سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء وأحكامهن في المواريث وغير ذلك.
روى البخاري عن عائشة في سبب نزول هذه الآية قالت: هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها، قد شركته في مالها، حتى في العذق (النخلة بحملها) فيرغب عن أن ينكحها، ويكره أن يزوجها رجلا، فيشركه في مالها، فيعضلها (يمنعها عن الزواج) فنزلت.
وروى ابن أبي حاتم عن السدّي: كان لجابر بنت عم دميمة، ولها مال ورثته عن أبيها، وكان جابر يرغب عن نكاحها، ولا ينكحها خشية أن يذهب الزوج بمالها، فسأل النبي صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك، فنزلت.
(١) بالعدل.
ومعنى الآية: يطلب الفتوى منك أيها النبي النساء، في حقوقهن الشاملة للميراث وحقوق الزوجية المالية وغيرها، كالعدل في المعاملة بين الزوجات، والعشرة الطيبة، وعلاج حالة النشوز، فأمر الله نبيه أن يقول لهم: اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ أي يبين لكم حكم ما سألتم عنه، ويوضح لكم أيضا أحكاما أخرى في المتلو عليكم في القرآن الكريم، مثلما تقدم في أوائل سورة النساء من وحدة الناس في الإنسانية، ما داموا قد خلقوا من نفس واحدة هي آدم عليه السلام، وأحكام معاملة النساء في المواريث، وتعدد الزوجات في قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [النساء: ٤/ ٣] وأحكام إيتاء أموال اليتامى عند البلوغ من غير تردد ولا تباطؤ في قوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢) [النساء: ٤/ ٢] أي إثما عظيما.
ويبين الله لكم ما يتلى عليكم في شأن اليتيمات المستضعفات اللاتي لا تعطونهن ما فرض لهن من ميراث ومهر (صداق). وهذا نهي صريح وتحريم لما كانت العرب تفعله من ضم اليتيمة الجميلة الغنية من دون ما تستحقه من المهر، ومن منع (عضل) الدميمة الفقيرة أو الغنية من الزواج أبدا حتى تموت، فيرثها الولي العاضل (المانع لها من الزواج) بقصد تحقيق منفعة نفسه، لا نفع اليتيمة. والذي كتب (فرض) الله لهن:
هو توفية ما تستحقه من مهر، وإلحاقها بأقرانها.
ويبين الله لكم كذلك ما يتلى عليكم في شأن المستضعفين من الأولاد الذين لا تعطونهن حقهم في الميراث في قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: ٤/ ١١].
والله يرشدكم إلى القيام بأداء حقوق هؤلاء اليتامى من هؤلاء النساء، والولدان الضعفاء بالحق والعدل، وأن تعتنوا بهم عناية خاصة، وما تفعلوا من خير قليل أو
كثير، فإن الله به عليم، فسيجازيكم عليه أحسن الجزاء، وما تفعلوا من شر قليل أو كثير، فإن الله به عليم أيضا، ومجازيكم عليه.
يذكّر الله تعالى بالآيات السابقة ليتدبر الناس معناها، ويوجب عليهم معاملة اليتامى والضعفاء بمبدإ العدل، والإسلام في كل ما شرع وحكم: دين العدل والإنصاف، وعلى المؤمنين التزام هذا المبدأ في القضاء والأحكام وفي المعاملات الخاصة بالإشراف على شؤون المستضعفين والصغار والنساء.
الإصلاح بين الزوجين والعدل بين النساء
كثيرا ما يقع النزاع وسوء التفاهم بين الزوجين، لا سيما في السنة الأولى وما بعدها عقب الزواج، وطريق إزالة الخلاف تقريب وجهات النظر والإصلاح بين الزوجين من قبل أنفسهما أو غيرهما بالحكمة والحق والعدل دون إلحاق جور بأحدهما أو ميل له، فإن العدل أساس سلامة الحل ودوام العشرة الزوجية دون نزاع أو خصام يذكر.
كذلك تعد المعاملة الطيبة الكريمة والكلمة الحسنة اللطيفة أمرا مطلوبا شرعا لا يستغنى عنه.
والله تعالى أنزل في القرآن الكريم ما يرشد إلى الصلح والعدل في معاملة النساء، فقال سبحانه:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٢٨ الى ١٣٠]
وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (١٣٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥»
(١) زوجها.
(٢) نفورا ظلما.
(٣) أي لا إثم.
(٤) البخل مع الحرص.
(٥) لن تتمكنوا من العدل التام. [..... ]
«١» [النساء: ٤/ ١٢٨- ١٣٠].
وسبب نزول آية وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً: ما
روى الترمذي عن ابن عباس أنها نزلت بسبب سودة بنت زمعة- زوجة النبي صلّى الله عليه وسلّم، قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت: لا تطلقني وأمسكني، واجعل يومي منك لعائشة، ففعل، فنزلت: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً
فما اصطلحا عليه فهو جائز.
هذه الآية حكم من الله تعالى في أمر المرأة التي تكون متقدمة في السن أو دميمة أو نحو ذلك مما يرغب زوجها عنها، فإذا أرادت المرأة الصبر والبقاء في عصمة الزوج، ولا تتضر بذلك، فلها أن تتصالح مع الرجل على أمر ما، لإبقاء رابطة الزواج المقدسة، ولأن الطلاق أبغض الحلال إلى الله، وقد يكون الصلح بتنازل المرأة عن بعض حقوقها أو كل حقوقها، لتبقى في عصمة زوجها، أو تمنحه شيئا من مالها ليطلقها من طريق ما يسمى بالخلع أو عوض الخلع: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ والصلح خير من الفراق والطلاق، أو من النشوز والإعراض وسوء العشرة، بل هو خير من الخصومة في كل شيء حفاظا على الرابطة الزوجية، ومنعا من هدم كيان الأسرة وإلحاق الضرر بالأولاد.
وإن تحسنوا أيها الأزواج البقاء مع نسائكم وإن كرهتموهن، وتصبروا على ما تكرهون، مراعاة لحق الصحبة، وتحسنوا المعاشرة فيما بينكم، وتتقوا النشوز والإعراض، وما يؤدي إلى الأذى والخصومة، فإن الله كان بما تعملون من الإحسان والتقوى خبيرا عليما لا يخفى عليه شيء، فيجازيكم ويثيبكم عليه.
(١) لا هي زوجة ولا مطلقة.
ثم أبان الله تعالى أن الإنسان عاجز عن تحقيق العدل التام على الإطلاق، المستوي في الأفعال والأقوال والمحبة وغير ذلك، فخفف الله التكليف بالعدل التام، وطالب الرجال بقدر الاستطاعة، ففي الأمور المادية كالمبيت والنفقة والكسوة والكلمة الطيبة يتمكن الرجل من تحقيق العدل فيها، أما الأمور غير المادية كالحب والميل لامرأة دون أخرى وغير ذلك مما يرجع إلى الشعور النفسي وميل القلب، فلا يستطيع الرجل تحقيق العدل فيها، فكلف الله الرجال بما يستطيعونه وهو العدل المادي، ورفع عنهم الحرج والمشقة فيما لا يستطيعونه من الحب والاشتهاء والأمور النفسية، فإن الحب والبغض غير مقدور للإنسان، فلا يكون مكلفا به،
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أصحاب السنن الأربعة: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك».
ولكن لا تميلوا كل الميل أيها الرجال، بحيث تترك المرأة الثانية كالمعلّقة لا هي مطلقة، ولا هي متزوجة، بل عليكم إرضاؤها وحسن عشرتها ومحاربة الميول الجارفة لضرّتها، حتى لا تتألم.
وإن لم ينفع الصلح وعلاج سوء التفاهم واستعصت الحلول، فلا مانع من الفراق، والله يتكفل كلا من الزوجين بالتعويض عما لحق به من أذى، فيغني الرجل عن المرأة، ويغنيها عنه، بأن يعوضه الله من هو خير له منها، ويعوضها عنه بمن هو خير لها منه، وكان الله واسع الفضل، عظيم المن والإكرام والإحسان، حكيما في جميع أفعاله وأقداره وشرعه.
كمال القدرة الإلهية
لا يمكن للعقل الإنساني أن يحيط بتمام وكمال القدرة الإلهية لأن عقل الإنسان محدود، والقدرة الإلهية غير محدودة، والعقل قاصر، وقدرة الله تامة شاملة، وإنما
قرّب القرآن الكريم كيفية تصور القدرة الإلهية بما يحيط بنا من العالم المشاهد المحسوس الذي ندركه، ونتعامل معه ونحس به، ويكفينا تقريب المفاهيم لنعلم أن الله جل جلاله هو خالق الكون، المتصف بالتوحيد، القوي القادر القاهر الذي لا يغلب، المحيط علمه بجميع المخلوقات صغيرها وكبيرها.
قال الله تعالى مدللا على عظمته وقدرته التامة:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٣١ الى ١٣٤]
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (١٣١) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (١٣٣) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (١٣٤)
[النساء: ٤/ ١٣١- ١٣٤].
يخبر الله تعالى: أنه مالك السماوات والأرض، والحاكم المتصرف فيهما، وأن جميع ما فيهما له سبحانه ملكا وخلقا وإيجادا وتصريفا وعبيدا، له الحكم المطلق ولله الأمر جميعا، والخلق في نهاية العالم راجعون إليه للحساب والجزاء، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
ولقد أمر الله أهل الكتاب أصحاب التوراة والإنجيل والزبور، وأمر جميع المسلمين والمؤمنين في هذا العالم بتقوى الله عز وجل، بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، وهذا الأمر لعباد الله أو الوصية الإلهية بالتقوى لم يزل ولم تزل موجودين، فالوصية بذلك قائمة منذ أوجد الله الخلق، وهذا دليل واضح على أن الأديان كلها متفقة على مبدأ التوحيد وتقوى الله، ومختلفة في الجزئيات والفروع تبعا للزمان والمكان.
ثم هدد الله جميع العباد بأنهم إن كفروا بالله، فليعلموا أن لله جميع ما في
السماوات والأرض، وهو سبحانه الغني عن خلقه وعن كل شيء، وعن عبادتهم جميعا، وهو المستحق لأن يحمد بذاته وكمال صفاته لكثرة نعمه، وإن لم يحمد أحد منهم: قال الله تعالى: ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) [الذاريات: ٥١/ ٥٧- ٥٨].
ثم أكد الله تعالى القول والتنبيه للعباد بأنه المالك المتفرد لجميع السماوات والأرض خلقا وملكا يتصرف فيهما كيف شاء إيجادا وإعداما، إحياء وإماتة، وكفى بالله وكيلا، أي قائما بالأمور كلها، المنفذ فيها ما رآه في سائر شؤون العباد.
والمراد بقوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي أن من كان بسعيه وعمله وجهاده يريد ثواب الدنيا، أي نعيمها بالمال والجاه والمتع الدنيوية، ولا يعتقد أن هناك نعيما سواه، فليس الأمر كما يظن، بل عند الله ثواب الدارين: الدنيا والآخرة، فمن قصد الدنيا فقط، أعطاه الله من الدنيا ما قدّر له، وكان له في الآخرة العذاب، كالمجاهد الذي يريد بجهاده الغنيمة فقط أو نصرة راية غير إسلامية، فيأخذ الغنيمة ويحقق المطمع الدنيوي الرخيص، وليس له في عالم القيامة إلا النار، وكان الله سميعا لكل قول، بصيرا بكل قصد وعمل، فعلى الإنسان أن يخلص في عمله لله تعالى، ويكون قصده إرضاء الله عز وجل، ولا مانع أن يقصد بعمله وجهاده معا ثواب الدنيا ومكافأتها، وثواب الآخرة ونعيمها الخالد في الجنة.
وهذه الآية مثل قوله تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ «١» (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠١) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢)
(١) أي نصيب.
[البقرة: ٢/ ٢٠٠- ٢٠٢]. وقال سبحانه أيضا: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) [الشورى: ٤٢/ ٢٠].
والدعوة للعمل لخيري الدنيا والآخرة دليل على أن الإسلام كفل لأتباعه وكل من سار على هديه سعادة الدنيا والآخرة، وهذا المنهاج المتوازن والخط المعتدل هو قوام الحياة الإسلامية- القرآنية التي تعتمد الدنيا وسيلة ومزرعة، والآخرة مقصدا وغاية، والله يحب المحسنين أعمالهم في دنياهم، وينشدون ثواب الله في آخرتهم.
واجب الشهود في شهاداتهم
لم نجد كالإسلام دينا يركز على مبدأ الحق والعدل في كل شيء، في المعاملة والتعاقد، والقضاء والشهادة، والحكم بين الناس لأن قوام المجتمع لا يكون إلا بالعدل، وسعادة الأفراد والجماعات لا تتوفر إلا بالعدل، ولن يحفظ النظام وتنضبط شؤون الملك والدنيا وأحوال أهلها إلا بالعدل، فالعدل أساس الملك الدائم، وقاعدة الاطمئنان والاستقرار.
والعدل في القرآن الكريم قائم على قاعدة الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، إذ لا ثواب عند الله تعالى ولا احترام لمبدأ الحق والعدل إلا إذا كان العمل كله مبنيّا على أصول الإيمان التي ذكرناها.
قال الله تعالى آمرا القضاة والشهود بالعدل، ومذكّرا بالإيمان وقواعده:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٣٥ الى ١٣٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١٣٦)
«١»
(١) مبالغين في القيام بالشيء على أتم وجه.
«١» «٢» [النساء: ٤/ ١٣٥- ١٣٦].
قال السّدّي: لما نزلت آية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ في النّبي صلّى الله عليه وسلّم اختصم إليه رجلان: غني وفقير، وكان صلّى الله عليه وسلّم مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغني، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير.
الأمر بالعدل إذن عام شامل الناس جميعا، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين عالم وجاهل، ولا بين مسلم وغير مسلم، ولا بين كبير وصغير، يأمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يلتزموا العدل في كل شيء، في أقوالهم وأفعالهم، وأن يتعاونوا ويتعاضدوا في إقامة العدل، دون أن تأخذهم في الله لومة لائم.
ومن أخصّ ما يطلب فيه العدل: الحكم بين الناس، والقضاء في الخصومات، وأداء الشهادات أمام القاضي وغيره، فعلى القائمين بهذه الوظائف أن يعملوا بالحق، ويشهدوا بالحق، ويتحرّوا الحق الذي يرضي الله تعالى، ويؤدّوا العمل أو الشهادة ابتغاء وجه الله، لتكون الشهادة صحيحة عادلة حقّا، من غير مراعاة أحد ولا محاباة.
إن نبراس العمل وأساس الشهادة بالحق المجرد، ولو كانت الشهادة على النفس والأقربين، ويكون ذلك بالإقرار بالحق وعدم كتمانه، فمن أقرّ على نفسه بحق، فقد شهد عليها لأن الشهادة إظهار الحق.
(١) كراهة أن تعدلوا عن الحق.
(٢) تتركوا إقامتها.
والشهادة بالحق على النفس والوالدين والأقارب أمر واجب، ولو عاد ضررها على هؤلاء لأن الإحسان إلى النفس والقرابة وبرّ الوالدين، لا يكون بالظلم والانحراف عن الحق، بل الإحسان والخير والبر وصلة القرابة في الحق والمعروف.
وليس للشاهد أن يراعي غنيّا لغناه أو يرحم فقيرا لفقره، بل يترك الأمر كله لله، فالله يتولى أمر الغني والفقير.
وليس للشهود اتّباع الهوى والمحاباة، لئلا يعدلوا عن الحق إلى الباطل، إذ في الهوى والمحاباة الزّلل والضّرر، فلا يجوز أن تؤدي العصبية وهوى النفس وبغض الناس إلى الظلم وترك العدل في الأمور والشؤون كلها، وإنما الواجب التزام العدل على أي حال، كما قال تعالى مبيّنا وجوب العدل حتى مع الأعداء: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ «١» عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى. [المائدة: ٥/ ٨].
وإن تلووا ألسنتكم بالشهادة وتحرّفوها أو تعرضوا عن إقامة الشهادة وتكتموها، فاعلموا أن الله خبير بأعمالكم ومجازيكم عليها.
ثم أمر الله المؤمنين بالثبات والدوام على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، دون تفرقة بين الكتب السابقة والقرآن العظيم لأن جميع الكتب الإلهية منزّلة من عند الله تعالى، ومن يجحد وينكر وجود الله ووحدانيته، ولا يصدق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فقد ضلّ ضلالا بعيدا، وانحرف عن جادة الحق، ونور الهدى، وخرج عن المطلوب خروجا شديدا وبعيدا كل البعد عن الصواب والسّداد.
(١) أي لا يحملنكم كراهية قوم على ترك العدل معهم.
صفات المنافقين
قصّ الله تعالى علينا في قرآنه المجيد أخبار المنافقين وذكر صفاتهم، حتى نحذرها ولا نتشبّه بهم ولا نتورّط بمثل أعمالهم الشنيعة، فمن صفات المنافقين التي هي أشدّ ضررا على المؤمنين: موالاتهم ومناصرتهم الكفار، وتركهم ومعاداتهم المؤمنين، نبّه سبحانه على فساد ذلك ليدعه من يقع في نوع منه غفلة أو جهالة أو مسامحة. وأرشد الله تعالى إلى سبب توبيخهم ونقطة ضعفهم: وهو طلب العزة والاستكثار والتقوّي بغير المؤمنين، والأمر ليس كذلك، بل العزّة كلها لله تعالى، يؤتيها من يشاء، وقد وعد بها المؤمنين، وجعل العاقبة للمتقين.
قال الله تعالى مبيّنا صفات المنافقين القبيحة:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٣٧ الى ١٤١]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (١٤١)
«١» «٢» «٣» «٤» [النساء: ٤/ ١٣٧- ١٤١].
عجيب وغريب أمر هؤلاء المنافقين، لا يحترمون أنفسهم، وكأنهم وحدهم يعيشون في هذا العالم، في سطحية وسذاجة، فهم أغرار وجهلاء بالحقيقة، يتذبذبون ويتردّدون بين أهل الإيمان وأهل الكفر، لا مرة واحدة، بل مرات متعددة، فتراهم
(١) المنعة والقوة.
(٢) ينتظرون بكم الأحداث.
(٣) نصر.
(٤) نغلبكم.
يؤمنون أحيانا بالله ورسوله، ثم يكفرون، ثم يؤمنون ثم يكفرون، ثم يزدادون كفرا ويتغالون ويتمادون في الكفر، ثم يموتون على الكفر، فهؤلاء طبعا وعقلا وشرعا لا يغفر الله لهم، ولا يرشدهم ولا يهديهم إلى الخير.
وأنذر يا محمد هؤلاء المنافقين بأن لهم عذابا مؤلما في الدّرك الأسفل من النار، وإنما قال الله: بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ والمراد أنذر، وذلك على سبيل التّهكم بهم.
ومن صفات المنافقين أيضا: أنهم كانوا يتخذون الكافرين أولياء وأنصارا وأعوانا، ويتجاوزون ولاية المؤمنين ويتركونها، ظنّا منهم أن الغلبة ستكون للكفار، ولم يدروا أن العاقبة للمتقين لأن الله معهم، أيطلبون الاعتزاز والاستكثار بالكفار؟ ليس الأمر كذلك، لقد كذبوا وافتروا، بل العزة كلها لله، أي القوة والمنعة والمجد لله في الدنيا والآخرة، وهو يؤتيها من يشاء، والمراد أن العزة في النهاية تكون لأولياء الله الذين كتب لهم العز والغلبة والنصرة على الأعداء.
ثم حذّر الله جميع الناس من تجاوز آيات الله وأحكامه، فقد أنزل الله على جميع من أظهر الإيمان من محقق صادق ومنافق كاذب أنه ينبغي عليهم عند سماع الاستهزاء بآيات الله والكفر بها أن لا يجلسوا في مجالس الكافرين، ولا يتكلموا معهم حتى يتحدثوا في حديث آخر، فإنهم إن جلسوا في هذه المجالس، كانوا شركاء في الكفر، لرضاهم بكلامهم، وسكوتهم عن إنكار منكرهم، كما قال الله تعالى في آية أخرى:
وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام: ٦/ ٦٨].
إن هذا التحذير من مجالسة المستهزئين بآيات الله تنبيه مخلص لأهل الإيمان الحق، لأن الله جامع الكافرين والمنافقين في جهنم جميعا.
ومن صفات المنافقين: أنهم ينتظرون ما يحدث للمؤمنين من خير أو شرّ، فإن تحقق نصر للمؤمنين وفتح وغنيمة قالوا زاعمين: إنا كنا معكم مؤيّدين ومظاهرين،
فأعطونا من الغنائم، وإن كان للكافرين نصيب من الظفر، كما حصل يوم أحد، قالوا لهم: ألم نغلبكم على أمركم ونتمكّن من قتلكم وأسركم، فأبقينا عليكم، وحميناكم ومنعناكم من المؤمنين بتخذيلهم وإذاعة الأخبار التي تثبط قلوبهم وتلقي الرّعب فيهم، لكن ذلك لا يخفى على الله، فالله يحكم بينكم يوم القيامة، فيجازي كلّا على عمله، فريق في الجنة، وفريق في السعير، ثم بشّرنا الله بأنه لن يمكّن الكافرين من استئصال المؤمنين، والتّغلب على أمرهم. وهذا يعني أنه إن تحقق الإيمان الحق، تحقق وعد الله بالنصر والغلبة على الأعداء، والله مع الصابرين.
أسباب ذمّ المنافقين
الإيمان بالله والإسلام قوة ورجولة، والكفر والنفاق ضعف وانهزام، وليس أسوأ على الرجل من فقد الرجولة وضعف الشخصية، وانعدام الأصالة والجرأة، لذا وجّه الله تعالى أقبح وأشدّ اللوم للمنافقين، وكانت أهم المطاعن فيهم افتقاد الهوية الشخصية والرجولة والكرامة والإباء، بالإضافة إلى معايب أخرى تتمثل في أنهم يخادعون الله والناس، وهم لا يدركون أن خداعهم مكشوف مفضوح، وأنهم سطحيون بلهاء، وكسالى لا يغطّون انهزامهم الداخلي بشيء من إثبات الذات وسلامة الأفعال، وقوة المواقف، قال الله تعالى مبيّنا سطحية المنافقين وسذاجتهم، وكسلهم وخمولهم، وتذبذب مواقفهم، وضعف شخصيتهم ومراءاتهم في أعمالهم:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٤٢ الى ١٤٣]
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (١٤٣)
«١» [النساء: ٤/ ١٤٢- ١٤٣].
(١) مردّدين بين الكفر والإيمان.
إن هؤلاء المنافقين لجهلهم وقلّة علمهم وسوء تقديرهم يفعلون ما يفعل المخادع، حيث يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، كما قال تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ٢/ ٩] ولم يدروا أن الله تعالى مطّلع على أعمالهم وسرائرهم ونيّاتهم الخبيثة، فيعاقبهم عقابا أليما شديدا لأن الله لا يخادع لأنه سبحانه العالم بالسّر وأخفى، والمراد بقوله تعالى: وَهُوَ خادِعُهُمْ
أي مجازيهم على خداعهم لأن الجزاء من جنس العمل، والله يستدرجهم في ضلالهم وطغيانهم، ويخذلهم ويبعدهم عن الحق والهداية والنور لأنهم آثروا الانحراف والابتعاد عن جادة الاستقامة، فاستحقوا العقاب والتعذيب، والطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى.
ومن عيوب المنافقين: سيطرة الكسل والخمول على نفوسهم، فتراهم متباطئين متثاقلين في القيام بأشرف الأعمال وأفضلها: وهي الصلاة التي تقرّبهم إلى الله، وتهذّب نفوسهم، وتبعدهم عن الفواحش والمخازي والمنكرات.
وإذا كانت ظواهرهم فاسدة، فكذلك بواطنهم وقلوبهم ونواياهم فاسدة أيضا، فهم لا يخلصون في أعمالهم، ويراءون الناس في أفعالهم، ويستخفون من الناس، والله معهم، لذا فإنهم يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يرون فيها غالبا كصلاة العشاء وصلاة الصبح، كما
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيما يرويه أحمد: «أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا».
وإذا قاموا إلى الصلاة خشية من الناس، لا يذكرون الله إلا قليلا، فلا خشية في صلاتهم، ولا يدرون ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون عابثون، قلوبهم مقفرة من الإيمان، وألسنتهم لا تتحرك بذكر الله إلا قليلا، فإذا لم يرهم أحد لم يصلّوا. وهم ضعاف الشخصية، مذبذبون، مضطربون دائما، مترددون بين الإيمان والكفر، فليسوا مع المؤمنين حقيقة، ولا مع الكافرين حقيقة، بل ظواهرهم مع
المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين، ويميلون مع الطرف الأقوى، فإن رأوا الكفار أقوياء مالوا إليهم وتعاطفوا معهم، وتواطؤوا معهم ضدّ المؤمنين، وإن رأوا المؤمنين أقوياء، تظاهروا بالانضمام إليهم، للمنفعة المادية، والمساهمة في الغنائم الحربية، والاستفادة من مظاهر الدنيا وزخارفها.
ومثل هؤلاء، هل ينتظرون هداية وتوفيقا من الله تعالى؟ إنهم بانحراف سلوكهم، وانغماسهم في مستنقع الضلالة، لن يتعرضوا لفضل الله ورحمته، وكانوا أجدر بالضلال، والخذلان والبعد عن توفيق الله، ومن يصرفه الله عن الهداية، بسبب أعماله وشذوذه وانحرافه، فلن تجد له طريقا إلى الخير والسّداد والرشاد.
إن هذه الآيات تحذير للمؤمنين من الاتّصاف بأخلاق المنافقين، وجاءت الوصايا النّبوية تؤيّد هذا التحذير،
قال ابن مسعود- فيما رواه الطبراني في الكبير-: «لا يكونن أحدكم إمّعة، تقول: إنما أنا مع الناس، إن اهتدوا اهتديت، وإن ضلّوا ضللت، ألا ليوطنن أحدكم نفسه، ألا إن كفر الناس أن لا يكفر».
التّحذير من موالاة المنافقين
الإيمان عصمة ومنعة وقوة، والمؤمنون أجدر الناس بأن يتحصنوا بحصن الاعتزاز بإيمانهم، والاعتماد على ربّهم، والبعد عن ذوبان الشخصية، والاختلاط بالمنافقين والانهزاميين لأن في ذلك تضييعا لوجودهم واهتزازا لكيانهم، وصهرا لقيمهم وعقائدهم وأخلاقهم.
وجاءت التحذيرات القرآنية الكثيرة من موالاة المنافقين والكافرين ومناصرتهم من أجل الحفاظ على كرامة المؤمنين وتوفير العزّة والقوة لهم، قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٤٤ الى ١٤٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (١٤٤) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (١٤٦) ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (١٤٧)
«١» «٢» «٣».
[النساء: ٤/ ١٤٤- ١٤٧].
لقد حذّر الله المؤمنين في هذه الآيات من أن يفعلوا فعل المنافقين، وأن يوالوا الكافرين والمعادين، أي لا تتخذوهم نصراء وأعوانا تصادقونهم وتصاحبونهم، وتصافونهم، وتسرّون إليهم بالمودة، وتفشون إليهم بأسراركم وأموركم الذاتية، تبغون من ذلك الاعتزاز بهم، ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين، وهذا ليس من أخلاق المؤمنين، وإنما هو من أخلاق المنافقين.
أتريدون بهذه المصانعة والمداراة والمجاملة أن تجعلوا لله على أعمالكم حجة بيّنة في استحقاق العذاب، إذا اتخذتم المنافقين أولياء وأعوانا؟! إن هذا التّملق لا يصدر إلا من منافق، والمنافقون لسوء أعمالهم، وفساد عقائدهم وأرواحهم ونيّاتهم، يكونون يوم القيامة في الدرك الأسفل من النار، والنار سبع دركات سفلية، والجنة درجات علوية بعضها أعلى من بعض، والمنافقون في الطبقة السفلى من النار. ولن تجد لهم ناصرا أبدا ينصرهم وينقذهم من العذاب أو يخففه عنهم، فهو عذاب أبدي دائم.
والمؤمنون العارفون المخلصون بعيدون عن موالاة الكافرين، وأما المنافقون فلم يهملهم القرآن، وإنما فتح أمامهم باب الأمل وطريق الإصلاح، وذلك بالتوبة من النّفاق بشروط أربعة ذكرتها الآية في قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ أي لا بدّ من الندم على الفعل السابق، والاجتهاد في
(١) أصدقاء وأنصارا.
(٢) حجة ظاهرة في العذاب.
(٣) الطبقة السفلى. [..... ]
صالح الأعمال التي تغسل أدران النفاق، والاعتصام بالله، أي الثقة به والتمسك بكتابه والاهتداء بهدي نبيّه المصطفى، صلوات الله وسلامه عليه، والشرط الرابع هو إخلاص الدين والعمل لله، بأن يدعوه الإنسان وحده، ويتجه إليه اتّجاها خالصا، لا يستمدّ العون من غيره، ولا يلجأ لأحد سواه في كشف الضّر، وجلب النفع، كما قال الله تعالى محددا شعار الإخلاص: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
هذه شروط قبول توبة المنافق، أما الكافر فشرط توبته فقط هو الانتهاء عن الكفر، كما قال الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٨/ ٣٨]. والمنافق: هو من أظهر الإيمان وأبطن الكفر، والكافر: من أعلن الكفر صراحة.
هؤلاء التائبون هم مع المؤمنين، أي أصحاب المؤمنين ورفاقهم في الدنيا والآخرة، وفي زمرتهم ولهم ثوابهم يوم القيامة.
وسوف يعطي الله المؤمنين أجرا عظيما لا يعرف قدره، فيشاركونهم فيه، كما قال الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) [السّجدة: ٣٢/ ١٧].
ثم أبان الله تعالى سبب تعذيب المنافقين والكفار: وهو كفرهم بأنعم الله، فقال سبحانه مستفهما استفهاما إنكاريّا: ماذا يريد الله بعذابكم أيها الناس؟ إنه يعذبكم لا من أجل الانتقام والثأر، ولا من أجل دفع ضرّ وجلب خير له لأن الله غني عن كل الناس، وهو الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك، لتنزهه عن كل صفات النقص، وهو الذي لا يثأر ولا يريد الشّر لعباده، ولكنه أيضا عادل حكيم، لا يسوي بين الصالح والطالح، والمؤمن والكافر، فمن شكر نعم الله تعالى، وأدّى حقوق الله
وواجباته، وآمن بالله ربّا واحدا لا شريك له، شكر الله له صنعه وأثابه ثوابا عظيما، والله شاكر، يجازي من شكر، عليم بخلقه، لا يخفى عليه شيء، قال الله سبحانه: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧) [إبراهيم: ١٤/ ٧].
الجهر بالسوء
إن عفّة اللسان وطيب القول والكلام هو من شأن الإنسان القوي المؤمن، فلا يكون المؤمن طعّانا ولا لعّانا سبّابا، ولا يؤذي غيره بفحش القول، وخبث الكلام، وكلما ضبط الإنسان لسانه وأمسك عن النطق، كما كان حكيما عاقلا، فلا يندم يوما على فلتات لسانه، ولا يحتاج إلى الاعتذار من غيره، ويظل كريما على الناس، مهيبا ذا وقار واحترام، ومحبة وتقدير من الآخرين. وكم من عثرة لسان وتكلم بكلمة قبيحة فاحشة أعقبت ندما طويلا، وولّدت أحقادا وبغضاء وخصومات ومنازعات.
وكان من أهم مقاصد الدين وشريعة الله حمل الناس على التكلم بالكلمة الطيبة، وتجنّب التّفوه بالكلمة الخبيثة. قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٤٨ الى ١٤٩]
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (١٤٩)
[النساء: ٤/ ١٤٨- ١٤٩].
سبب نزول هاتين الآيتين: ما قاله مجاهد- فيما أخرجه هنّاد بن السّري-:
أنزلت آية لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ في رجل أضاف رجلا بالمدينة، فأساء قراه، فتحوّل عنه، فجعل يثني عليه بما أولاه، فرخّص له أن يثني عليه بما أولاه، أي نزلت هذه الآية رخصة في أن يشكو.
والمعنى: يعاقب الله تعالى المجاهر بسوء القول، أي بذكر عيوب الناس وتعداد سيئاتهم لأنه يؤدي إلى إثارة العداوة، والكراهة والبغضاء، ويزرع الأحقاد، ويسيء أيضا إلى السامعين، فيجرّئهم على اقتراف المنكر، وتقليد المسيء، ويوقعهم في الإثم لأن سماع السّوء كعمل السّوء.
وكذلك الإسرار بسوء القول محرّم ومعاقب عليه أيضا كالجهر بالقبيح، إلا أن الآية نصّت على حالة الجهر لأن ضرره أشد، وفحشه أكبر، وفساده أعم وأخطر، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩) [النّور: ٢٤/ ١٩].
ثم استثنى الله تعالى حالة يجوز فيها إعلان السوء من القول: وهي حالة الشكوى المحقة من ظلم الظالم أمام حاكم أو قاض أو غيرهما ممن يرجى منه رفع الظلامة وإغاثة المظلوم، ومساعدته في إزالة الظلم، والشكوى على الظالم أمر جائز شرعا، إذ لا يحبّ الله لعباده أن يسكتوا على الظلم، أو أن يخضعوا لصنوف الأذى والضيم، أو أن يقبلوا المهانة، ويسكتوا على مضض على الذّل والتّحقير. روى الإمام أحمد حديثا: «إن لصاحب الحق مقالا». والشكوى حينئذ تكون من قبيل ارتكاب أخفّ الضّررين، ودفع أعظم الشّرّين.
وكل من حالتي جواز الجهر بالسوء من القول، وعدم الجواز، في ظل رقابة دقيقة من الله تعالى، فهو سبحانه سميع لكل ما يقال، مطّلع على البواعث والنّيات المؤدية للأقوال، عليم بكل ما يصدر عن المخلوقات من أفعال وتصرّفات، فيثيب الله المحق، ويعاقب المبطل، ويعين على دفع الظلم، ويجازي كل ظالم على ظلمه.
ولا مانع أيضا من العفو عن المسيء، والتّرفع عن المؤذي، بل إن العفو أفضل عند الله من الجزاء، ومرغب فيه شرعا، ليظهر ميدان الإحسان ويتعلم الناس أن من
أحسن إلى غيره ولم يقابله بإساءته، فهو أرفع درجة عند الله وعند خلقه، لذا ذكرت الآية الثانية: أن إبداء الخير من قول أو فعل، أو إخفاءه، أو العفو عمن أساء، يجازي الله تعالى عليه خيرا، بل يرغّب فيه، فالله تعالى يحبّ فعل الخير، ويعفو عن السّيئات، وهذا وعد كريم من الله بإثابة العافين عن الناس، والمحسنين إليهم لأن الله سبحانه قادر تمام القدرة على معاقبة المسيء في الدنيا والآخرة، لكن يظل للعفو مكانته، وما أجمل الجمع في نهاية الآية بين العفو والمقدرة في قوله سبحانه: فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً وهو إرشاد إلى أن القدرة على العقاب لا تمنع العفو والمغفرة، ويكون التّخلق بأخلاق الله تعالى أمرا حسنا مرغّبا فيه، ففي العفو خير وبركة وإحسان.
ضابط الكفر والإيمان
الكفر والإيمان أمران متعارضان لا يجتمعان عند إنسان، فإما أن يكون الإنسان مؤمنا أو غير مؤمن لأن الإيمان لا يتجزأ، وليس هناك أنصاف حلول في قضايا الإيمان وترك الإيمان، فكل من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشرّه، فهو مؤمن، وكل من كفر وجحد بأحد هذه الأركان أو العناصر السّتة، فهو كافر غير مؤمن ولا يقبل من أحد بعد هذا: الادّعاء بأنه مؤمن إذا افتقد ركنا من هذه الأركان، وعليه أن يسلم قلبه لله تعالى، فيقرّ بوجوده ووحدانيته، ويصدق بجميع الملائكة والكتب الإلهية المنزلة والرّسل والأنبياء الكرام جميعهم، ومن آمن ببعض هؤلاء وكفر بالبعض الآخر، فهو غير مؤمن في ميزان الدين الإلهي والعدل الرّباني.
قال الله تعالى مبيّنا ضابط الإيمان والكفر صراحة:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٥٠ الى ١٥٢]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٥٢)
[النساء: ٤/ ١٥٠- ١٥١].
نزلت هذه الآيات في شأن من آمن ببعض الرّسل، وكفر بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، فمن كفر بخاتم الأنبياء، فكأنه كفر بجميع الرّسل، والكفر بالرّسل كفر بالله، وتفريق بين الله ورسله في أنهم قالوا: نحن نؤمن بالله، ولا نؤمن بفلان وفلان من الأنبياء.
يتوعّد الله تعالى في هذه الآيات الكافرين به وبرسله، حيث فرّقوا في الإيمان بين الله ورسله، فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، تعصّبا وتمسّكا بالموروث، واعتصاما بالأهواء والشهوات، وحفاظا على المراكز والمصالح.
ومن أنكر وجود الله، أو أقرّ بوجوده ولكنه كفر بالرّسل وكتبهم، ولم يعترف بوجود ظاهرة الوحي من الله لبعض عباده الذين اصطفاهم، فهؤلاء أيضا من فئة الكفار.
وإن من آمنوا بنبي أو رسول، وجحدوا نبوّة أو رسالة رسول آخر، فهم كفار، فرّقوا بين الله ورسله في الإيمان، واتّخذوا سبيلا وسطا بين الإيمان والكفر، واخترعوا دينا مبتدعا بين الأديان، إنهم هم الكافرون الكاملون في الكفر، الراسخون في الضلال، فالدين دين الله، وما يقرّه الله فهو الحق، وما يبطله فهو الباطل، ولو كان هؤلاء مؤمنين حقّا بما أمر الله به، لما أوجدوا هذه التفرقة ولا تلك الضلالة، وأعتد الله وهيّأ للكافرين جميعا من هؤلاء وأمثالهم عذابا فيه ذلّ وإهانة لهم في الدنيا والآخرة، جزاء كفرهم.
يتبين من هذا أن الكفر بالرسل نوعان: كفر بجميع الرّسل، وأصحابه لا يؤمنون بأحد من الأنبياء، لإنكارهم النّبوات، وكفر ببعض الرّسل دون بعض، وكلا
الفريقين سواء في استحقاق العذاب، فمن آمن برسول وجب عليه الإيمان ببقية الرّسل لأن الإيمان ليس بحسب الهوى والمزاج، وإنما بحسب ما يرتضيه الله، ومن كان محبّا للناس، رحيما بهم، حرص على سعادتهم وإيمانهم، لإنقاذهم من العذاب.
ولا يتصور إيمان بالله، وكفر بالرّسل كلهم أو بعضهم.
وأما أهل الإيمان: فهم الذين صدقوا وآمنوا بالله ورسله، ولم يفرّقوا بين أحد من رسله إيمانا خالصا لله سبحانه، كما قال جلّ وعلا: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢/ ٢٨٥].
هؤلاء المؤمنون الصادقون في إيمانهم الذين آمنوا بالله ورسله جميعا، ومنهم محمد صلّى الله عليه وسلّم، وعدهم الله تعالى وعدا قاطعا بجنان الخلد والرّضوان الإلهي، وسوف يؤتيهم ربّهم أجورهم كاملة يوم القيامة، وكان الله وما يزال غفورا لمن يأتي بهفوة مع الإيمان الصحيح، رحيما بعباده التائبين، حيث أرسل الله لهم الرّسل لهدايتهم، وقبلوا عن الله ما أراده وما وضعه لهم من مناهج الإيمان لتحقيق سعادتهم الأبدية.
تعنّت اليهود
التّعنّت والعناد شأن الذين يعرفون الحق والصواب، ثم يحيدون عنه، وهذا الوصف واضح في الكفار لا في المنافقين الجبناء الذين شأنهم التذبذب بين الكفر والإيمان دون استقرار على حال واحدة، فلا تعنّت عندهم، وإنما يوصفون بالاضطراب والقلق.
وقد حكى القرآن الكريم بعض أخبار أهل التّعنت والعناد، فقال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٥٣ الى ١٥٩]
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (١٥٣) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (١٥٤) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧)
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [النساء: ٤/ ١٥٣- ١٥٩].
نزلت هذه الآيات في ناس من أهل الكتاب طلبوا من النّبي محمد صلّى الله عليه وسلّم بعض المطالب التعجيزية، طلبوا منه أن يأتي بالألواح من عند الله كما أتى بها موسى، وأن يأتي بكتاب من السماء جملة، إن كان نبيّا صادقا وأن يصعد في السماء، وهم يرونه، فينزل عليهم كتابا مكتوبا فيما يدّعيه على صدقه دفعة واحدة، كما أتى موسى بالتوراة، تعنّتا له صلّى الله عليه وسلّم.
طالبوا النّبي أن ينزل عليهم كتابا مكتوبا بخط سماوي يشهد أن محمدا رسول الله، وكانوا قد سألوا موسى أعظم من هذا، فقالوا: أرنا الله جهرة عيانا، بلا حواجز ولا حجب، ظانّين أن الله جسم محدود تدركه الأبصار.
وكان عقابهم على هذا الطلب المصحوب بالتعجيز والمراوغة: نزول الصاعقة التي أماتتهم، ثم أحياهم الله للعبرة والاتّعاظ. وبعد هذا الإحياء اتّخذوا العجل إلها من
(١) عيانا بالرؤية البصرية.
(٢) نار نزلت عليهم من السماء.
(٣) لا تعتدوا بالاصطياد فيه.
(٤) عهدا وثيقا بطاعة الله.
(٥) مغطاة بأغطية لا تعي.
(٦) ختم عليها.
(٧) كذبا وافتراء.
بعد ما رأوا الآيات الباهرة ومعجزات موسى الظاهرة من عبور الإسرائيليين البحر، وإغراق عدوّهم فرعون وجنوده، وانقلاب العصا حية، واليد البيضاء، وذلك سلطان مبين لموسى عليه السلام أي حجة ظاهرة، ثم عفا الله عنهم بما امتحنهم به من القتل لأنفسهم وقتل بعضهم بعضا، حتى قيل لهم: كفّوا، فكان ذلك شهادة للمقتول، أي استشهادا، وتوبة للحي.
وكان من عجائب أحوالهم وأساليب تأديبهم: أن الله تعالى رفع فوقهم جبل طور سيناء، كأنه ظلّة، وهم في واد، بسبب ميثاقهم أن يعملوا بالتوراة، فامتنعوا من التزام أحكام الشريعة، وأبو إطاعة موسى عليه السّلام، فأجبروا على الطاعة قهرا، وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم خشية أن يسقط الجبل عليهم. وأمروا أن يدخلوا باب بلدة سجّدا طائعين خاضعين، شكرا لله تعالى على نعمه وأفضاله، وهو نوع من سجدة الشكر التي فعلها كثير من العلماء، ورويت مشروعيتها عن نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم.
وأوصاهم الله بالتزام حرمة يوم السبت، فلا يعملوا فيه عملا دنيويا، ولا يتجاوزوا حرمته، فخالفوا واحتالوا بحيلتهم المعروفة في صيد الأسماك، من طريق بناء الأحواض على شاطئ البحر ليبقى السمك محجوزا فيها أثناء المدّ والجزر البحري.
وأخذ الله عليهم ميثاقا غليظا: وهو ما جاء على لسان موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء بأنهم يأخذون التوراة بقوة ويعملون بجميع ما فيها، فخالفوا وعصوا وتحايلوا على ارتكاب ما حرم الله عليهم.
وقد عذّبهم الله ولعنهم وأذلّهم بمجموع عدة أمور: هي نقض ميثاق العمل بالتوراة، وكفرهم بآيات الله الدّالة على صدق أنبيائه، وقتلهم الأنبياء بغير ذنب كزكريا ويحيى عليهما السلام، وقولهم: قلوبنا مغلفة بغلاف، فلا يصل إليها شيء من دعوة الأنبياء، ولكن الله ختم عليها فلا يصلها خير، ولا ينفذ إليها الإيمان،
وكفروا بعيسى عليه السّلام وبالإنجيل، واتّهموا أمه مريم البتول العذراء الطاهرة بالفاحشة، وزعموا أنهم صلبوا المسيح، وما صلبوه وما قتلوه ولكن شبّه لهم، وإنما أنجاه الله من أيديهم، وتوفّاه ورفعه إليه، والله قوي قاهر لا يغلب، حكيم في صنعه وتدبيره وتقديره، وظل الخلاف قائما بين المحاولين لأخذه أهو عيسى أم غيره؟ وما من أحد من أهل الكتاب قبل موته إلا ليؤمنن بعيسى إيمانا صحيحا لا انحراف فيه، ويعلم أنه نبي بشر، لكنه إيمان لا ينفع حينئذ، ويوم القيامة يشهد عيسى عليه السّلام على من كذبه أو وصفه بغير حقيقته.
تحريم الرّبا وبعض الطّيبات على اليهود
إن مصدر التشريع في الأديان ومنبع بيان الحلال والحرام هو واحد غير متعدد، وهو الله جلّ جلاله الذي يشرع لكل قوم ولكل زمان ومكان ما يناسب ويحقق مصالح العباد، وقد تتفق الشرائع الإلهية في بعض الأحكام وهي الأحكام الأساسية المتعلقة بأصول العقيدة والفضائل والأخلاق، كالإيمان بالله وحده لا شريك له، والصدق والوفاء بالعهد، وتحريم الظلم والرّبا والكذب والغدر والخيانة، وقد تختلف الشرائع الإلهية في بعض الأحكام الجزئية، كتحريم بعض المطعومات على من قبلنا، وإباحتها في شرعنا، والمؤمن حقا يؤمن بكل ما شرع الله وأنزل في كتبه على أنبيائه ورسله.
وهذا أنموذج من أحوال الوفاق والاختلاف بين الشرائع، قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٦٠ الى ١٦٢]
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢)
«١»
(١) أي أخصّ وأعني المقيمين الصلاة، وأمدحهم.
[النساء: ٤/ ١٦٠- ١٦٢].
يخبر الله تعالى أنه بسبب ظلم الذين هادوا بما اقترفوا من آثام عظيمة، ومنكرات قبيحة، وبسبب صدّهم الناس وأنفسهم عن اتّباع الحق، حرّم الله عليهم طيّبات كانت حلالا لهم، لعلهم يرجعون إلى جادة الاستقامة وطريق الهداية القويمة. لقد حرّم الله عليهم كل ما له ظفر من الحيوانات كالإبل والأوز والبط، وحرّم عليهم شحوم الأبقار والأغنام، قال الله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا «١» أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦) [الأنعام: ٦/ ١٤٦] أي إنما حرّمنا عليهم ذلك، لأنهم يستحقون التحريم بسبب بغيهم وطغيانهم ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه.
ومن ألوان ظلمهم: صدّهم أنفسهم وغيرهم من الناس عن الإيمان بالله، وعنادهم وعصيانهم موسى عليه السّلام، وأمرهم بالمنكر، ونهيهم عن المعروف، وكتمانهم البشارة بالنّبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، وجحدهم أمره وإنكارهم رسالته.
ومن مظالمهم: أخذهم الرّبا الذي نهاهم الله عنه على ألسنة أنبيائهم، والرّبا: هو بيع الدرهم بدرهمين إلى أجل في المستقبل، ونحو ذلك مما هو مفسدة ومضرّة واستغلال، نهوا عن ذلك، فاحتالوا عليه بأنواع الحيل، وأكلوا أموال الناس بالباطل كالرّشاوى والخيانات وأنواع الغشّ والنّصب وغير ذلك مما لا مقابل له، كما قال الله تعالى يصفهم: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [المائدة: ٥/ ٤٢] والسّحت: المال أو الكسب الحرام.
(١) أي الأمعاء.
وكان جزاؤهم على تلك المظالم وظلمهم أنفسهم وغيرهم: أن الله هيّأ لهم ولأمثالهم من الكافرين عذابا مؤلما ذا إهانة وذلّ في نار جهنم.
ثم استثنى الله تعالى من استحقاق العذاب فئة متنورة مؤمنة هم الراسخون في علم التوراة الذين اطّلعوا على حقائق الدين، وتحققوا من أمر محمد عليه الصلاة والسلام وعلاماته، وآمنوا إيمانا صادقا بالله، وبما أنزل إلى محمد وبقية الرّسل الكرام قبله كموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وهي القرآن والتوراة والإنجيل، وصدقوا بالبعث بعد الموت وبالجزاء العادل على الأعمال، وأدّوا زكاة أموالهم للمستحقين، وأطاعوا أوامر ربّهم، وأقاموا الصلاة على وجهها الصحيح المشروع، تامة الأركان، مستوفية الشروط القلبية بالخشوع والاطمئنان، والشروط العضوية بممارسة الأركان القولية والفعلية، هؤلاء الموصوفون بما تقدم من الصفات وهي صفات المؤمنين إيمانا حقيقيّا في هذا العالم، سيؤتيهم ربّهم أجرا عظيما هو الجنة، لا يدرك حقيقته ووصفه إلا الله تعالى.
روى ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أن الآية: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ.. أنزلت في عبد الله بن سلام، وأسيد بن سعية، وثعلبة بن سعية، وأسد بن عبيد، حين فارقوا اليهود وأسلموا، أي دخلوا في الإسلام، وآمنوا بالقرآن وبما أرسل الله به محمدا صلّى الله عليه وسلّم. ومنهم مخيريق أيضا، كان هؤلاء من علماء اليهود وأحبارهم، وكان مخيريق غنيّا كثير الأموال، أسلم وأوصى بأمواله للنّبي صلّى الله عليه وسلّم، مات في غزوة أحد. فرضي الله عن مواكب الإيمان، وفتيان الإسلام، وجند الحق والفضيلة والاستقامة إلى يوم الدين.
أسباب إرسال الرّسل ووحدة رسالاتهم
إن أعظم هدية من الله تعالى على بني الإنسانية نعمتان جليلتان: وهما إنزال الكتب الإلهية، وإرسال الرّسل، لإنقاذ الناس من ضلالاتهم، والأخذ بأيديهم وتوجيههم نحو طريق السعادة والنجاة والطمأنينة في عالم الدنيا والآخرة.
ومن البديهي أن تتّحد الكتب ورسالات الرّسل والأنبياء لأن مصدرها واحد، ومهمتها واحدة، ومقاصدها واحدة، وهي إثبات وجود الله تعالى ووحدانيته، والإرشاد لعبادته الصحيحة المخلصة لله سبحانه، والدعوة إلى أصول الأخلاق الكريمة والفضائل القويمة، وتصحيح المعاملات، وتنمية العلاقات الاجتماعية وجعلها سامية كريمة.
وهذا ما نبّه إليه القرآن المجيد في قول الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٦٣ الى ١٦٦]
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥) لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (١٦٦)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ١٦٣- ١٦٦].
روي عن عبد الله بن عباس: أن سبب هذه الآية (الأولى) أن سكينا الحبر وعديّ بن زيد قالا: يا محمد، ما نعلم أن الله أنزل على بشر شيئا بعد موسى، ولا أوحى إليه، فنزلت هذه الآية تكذيبا لقولهما.
(١) أولاد يعقوب وأحفاده الاثني عشر.
(٢) كتابا للمواعظ.
وحقيقة الوحي الإلهي: عرفان يجده الشخص من نفسه، مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة. وقد أبانت الآيات أن الإيحاء لنبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم مثل الإيحاء للأنبياء السابقين، كالمشهورين مثل نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب المسمى إسرائيل، والأسباط (وهم أولاد يعقوب وذريته) وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان، وداود الذي أنزل الله عليه كتاب الزّبور: وهو مائة وخمسون سورة ليس فيها أحكام، وإنما هي حكم ومواعظ وتمجيد وثناء على الله تعالى.
ومن هؤلاء الرسل المكرمين عند الله تعالى: موسى الذي خصّه الله بتكليمه وشرفه بكلامه مباشرة من غير واسطة، وذلك بكيفية وخواص، الله أعلم بها، فهو كلام دون تكييف ولا تحديد ولا تجويز حدوث ولا حروف ولا أصوات. وكلام الله هو المعنى القائم في النفس، ويخلق الله لموسى أو جبريل إدراكا من جهة السمع يتحصل به الكلام، وكما أن الله تعالى موجود لا كالموجودات، معلوم لا كالمعلومات، فكذلك كلامه لا كالكلام المعهود المألوف بين البشر.
والرّسل منهم من أخبر الله نبيّه محمدا صلّى الله عليه وسلّم بأسمائهم ومعجزاتهم ومنهم من لم يخبره بشيء عن سيرتهم وزمانهم ومكانهم.
ومهمة الرّسل والأنبياء واحدة هي تبشير من آمن بالله وأطاع بالجنة، وإنذار من كفر وعصى بالنار. والحكمة من إرسالهم إرشاد الناس إلى طريق الحق والإيمان والاستقامة، وأراد الله تعالى أن يقطع بالرسل احتجاج من يقول: لو بعث إلي لآمنت، والله تعالى عزيز لا يغالبه شيء، ولا حجة لأحد عليه، وهو مع ذلك حكيم تصدر أفعاله عن حكمة بالغة، يضع الشيء في موضعه المناسب، فلذلك تحقق بهذا الإرسال للرّسل قطع الحجة، وكان إرسال الرّسل حكمة من الله تعالى.
وقوله تعالى: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ.. سببه قول اليهود: (ما أنزل
الله على بشر من شيء) وقال بعضهم لمحمد عليه الصلاة والسلام: ما نعلم يا محمد أن الله أرسل إليك ولا أنزل عليك شيئا، فردّ الله عليهم بقوله: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً. كفى بشهادة الله وشهادة ملائكته على صدق إنزال القرآن على النّبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، أنزله الله بعلمه الخاص الذي لا يعلمه سواه، كما قال سبحانه في مطلع سورة البقرة: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) [البقرة: ٢/ ٢]. وهو الذي تحدى الله به البشرية أن يأتوا بمثله فعجزوا: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) [الإسراء: ١٧/ ٨٨]. وقوله سبحانه: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ دليل قاطع واضح على إثبات علم الله تعالى، فهو يعلم إنزال القرآن ونزوله، وعجيب قول المعتزلة: عالم بلا علم، ومعنى الآية عندهم:
أنزله مقترنا بعلمه، أي فيه علمه من غيبيات وأوامر ونحو ذلك، فالعلم عندهم:
عبارة عن المعلومات التي في القرآن.
ضلال الكافرين وجزاؤهم
ليس في هذا العالم بالنسبة للهدي الإلهي إلا طريقان: طريق الضلال والكفر، وطريق الهداية والإيمان، فمن سلك طريق الضلالة فقد رشده ودمر نفسه، ومن أخذ بطريق الهداية وآمن بما أنزل الله على رسله الكرام، سار في منهج صحيح، وأعمل عقله وفكره السوي، وأنقذ نفسه من أخطر العواقب الوخيمة.
وحرصا من الله تعالى على مصلحة عباده، وحبّا لهم وإرادة لجلب الخير لأنفسهم، أنذر الضّالين المنحرفين بالعذاب الشديد، ودعا إلى الإيمان الصحيح برسالة خاتم الأنبياء والمرسلين.
قال الله تعالى منذرا ومبيّنا:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٦٧ الى ١٧٠]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (١٦٩) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧٠)
[النساء: ٤/ ١٦٧- ١٧٠].
أخبر الله تعالى عن الكافرين الذين يصدّون عن سبيل الله: أنهم قد بعدوا عن الحق، وضلّوا ضلالا بعيدا عن الصواب، لا أمل في رجوعهم عنه، ولا تخلصهم منه، إنهم بكفرهم وجحودهم بالله ورسوله، وصدهم أنفسهم وغيرهم عن ساحة الإيمان، ومقاومتهم لسبيل الدعوة الصحيحة إلى الله، إنهم بهذا أخطئوا الطريق.
وهم أيضا ظلموا أنفسهم باتباعهم الشيطان ووضعهم الشيء في غير موضعه، وهو الكفر بالله وجحود نعمته عليهم، سواء النعمة الظاهرة أو الباطنة.
لقد صاروا بكفرهم وصدّهم عن سبيل الله وظلمهم أنفسهم في وضع سيء، وفي شأن وحال لم يكن الله تعالى ليغفر لهم، فالله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. واستحقوا بإصرارهم على كفرهم ألا يهديهم الله ولا يوفقهم إلى خير أبدا لأنهم ملؤوا أنفسهم وقلوبهم بظلام الكفر والضلال، حتى لم يعد يتسع للنور والهداية الإلهية.
ولا يوفقهم ويدلّهم إلا على طريق جهنم الذي سلكوه، فكانوا في النار خالدين فيها أبدا على الدوام، جزاء ما قدموا من أعمال قبيحة، وما اختاروا في حياتهم من سلوك دروب الغواية والانحراف، وكان إدخالهم جهنم أمرا هينا وسهلا ويسيرا كل اليسر على الله تعالى، فلا يعجزه أحد في الأرض ولا في السماء، ولا يبالي الله بهم، كما ورد في الحديث عند البخاري: «يذهب الصالحون، الأول فالأول، ويبقى
حفالة كحفالة الشعير أو التمر، لا يباليهم الله بالة» والحفالة: النفاية والرديء من كل شيء، والبالة: المبالاة.
وبعد هذا الإنذار الشديد لأهل الضلالة وبيان جزائهم، دعا القرآن إلى الإيمان الحق، تذكيرا للناس، وهذا من أسلوب القرآن الذي يقرن بين الأشياء المتعارضة، وبضدّها تتميز الأشياء. والدعوة إلى الإيمان عامة شاملة للناس جميعا دون تمييز ولا تعصب ولا انغلاق، وإنما بانفتاح ومحبة الخير للجميع. ومضمون هذه الدعوة:
يا أيها الناس جميعا، قد جاءكم الرسول محمد بالقرآن والحق والخير والهدى والفلاح، فآمنوا برسالته، يكن الإيمان خيرا لكم لأنه يزكيكم ويطهركم من الأدناس والأرجاس، ويرشدكم لما فيه السعادة في الدنيا والآخرة، والحق الذي أتى به محمد من ربّه: هو القرآن المعجز، والدعوة إلى عبادة الله وحده، والإعراض عن غيره.
وإن تكفروا أيها الناس، فإن الله غني عنكم وعن إيمانكم، وقادر على عقابكم، ولا يتضرر بكفرانكم، فإن لله جميع ما في السماوات والأرض ملكا وخلقا وتصريفا وعبيدا، وشأن العبيد الخضوع لحكم الله، وأمره، كما قال الله تعالى: وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) [إبراهيم: ١٤/ ٨].
والله تعالى معذبكم ومجازيكم على كفركم في الآخرة. فليس وراء الموت إلا الجنة أو النار، والله سبحانه عليم بشؤون خلقه، حكيم في صنعه، لا يحكم إلا بالحق والعدل، ولا يجازي إلا من ظلم وكفر، وعصى وجحد.
أوصاف المسيح في القرآن
ينبغي أن تسود في الوسط العلمي الحقائق العلمية المجردة، دون تميز ولا تعصب ولا تأثر بميراث معين، ولقد أبرز القرآن المجيد الحقائق في كل شيء، سواء ما يتعلق منها بأصول العقيدة، وإنزال القرآن، أم ما يتصل بالأحكام الشرعية، والوقائع التاريخية، إظهارا للحق، وبيانا للصدق والواقع.
وهذا هو شأن القرآن العظيم في تبيان أوصاف المسيح عيسى ابن مريم عليه السّلام، قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٧١ الى ١٧٣]
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧٣)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ١٧١- ١٧٣].
يطالب القرآن الكريم أهل الكتاب بترك المغالاة في الدين وتجاوز الحدود فيه، وألا يقولوا على الله إلا القول الحق الثابت الموافق للواقع، فما المسيح عيسى ابن مريم إلا رسول مرسل من عند الله إلى بني إسرائيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويأمرهم بعبادة الله وحده، ووجود المسيح إنما كان بكلمة من الله التكوينية وهي (كن) لا بمادة أخرى كبقية الناس، ألقاها الله سبحانه إلى مريم الطاهرة البتول القديسة، وهو البشارة التي بعث الملك بها إليها، ونفخ الله فيه الروح من عنده، فهو
(١) لا تتجاوزوا الحدّ.
(٢) لن يترفّع.
من جملة مخلوقات الله، ونفخة من الله، بواسطة جبريل عليه السلام، لا جزءا ولا بعضا من الله تعالى، ووصف بهاتين الصّفتين (كلمة الله وروح منه) على وجه التشريف والتكريم، وهو مجرد رسول كبقية الرّسل الكرام، علما بأن جميع البشر من روح الله.
فآمنوا أيها الناس بالله تعالى وحده، وبرسله جميعا دون تفرقة، فهم جميعا عبيد لله، لهم مهام وخصائص، فوضهم الله بها لتبليغها إلى الناس من أجل إسعادهم وتوضيح طريق الحق والهداية لهم.
ولا تقولوا: الله ثالث ثلاثة، أو الآلهة ثلاثة أو أكثر، إنما الله خالق الكون والمخلوقات إله واحد، تنزه وتعاظم وتقدّس أن يكون له ولد، فهو الواحد الفرد الصّمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، وهو مالك السماوات، والأرض وما فيهما، الكل ملكه وخلقه، وجميع ما فيهما عبيده، وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على كل شيء وقدير، وبيده سلطان كل شيء، لا فرق في ذلك بين الملائكة والنّبيين أجمعين، وكفى بالله سبحانه متصرفا في هذا العالم ومهيمنا عليه.
لن يتكبر أو يأنف المسيح أن يكون عبدا من عباد الله، ولا عن العبودية لله، ولا عن عبادة الله وحده، لعلمه بعظمة الله، وما يستحقه من العبودية والشكر، وكذلك الملائكة المقرّبون لن يترفّعوا عن أن يكون أحدهم عبدا لله تعالى. ومن يتكبر عن عبادة الله، ويمتنع من طاعة الله، فسيجمعهم الله جميعا في المحشر يوم القيامة، ويعذبهم عذابا مؤلما شديدا في النار حسبما يستحقون، ولا يجدون لهم من غير الله تعالى ناصرا ينصرهم أو يمنعهم من بأس الله وعذابه.
وأما المؤمنون بالله ورسله، الذين يعملون الأعمال الصالحة وهي التي أمر الله بها، فيعطيهم أجورهم وثواب أعمالهم كاملة غير منقوصة، على قدر أعمالهم،
ويزيدهم على ذلك من فضله وإحسانه، ورحمته وامتنانه، فهو سبحانه واسع الفضل والرحمة، كثير الخير والمنّة والنعمة، وهو ولي التوفيق.
التّمسك بالنّور المبين
تعددت ألوان الهداية للبشرية في القرآن الكريم، فهناك في آية سابقة هداية التوفيق.
والإرشاد إلى الإيمان الصحيح المأمور به في قول الله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: ٤/ ١٧٣].
وفي هذه الآية التالية هداية طريق الجنان، بالتّمسك بالنّور المبين: وهو القرآن المجيد. قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) :الآيات ١٧٤ الى ١٧٥]
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥)
[النساء: ٤/ ١٧٤- ١٧٥].
أوضح الله تعالى للناس قاطبة في هاتين الآيتين طريق الإنقاذ والنجاة، وأخبرهم أنه قد جاءهم برهان واضح وحجة نيّرة تعطي اليقين التام، وتبين حقيقة الإيمان بالله، وهو النّبي محمد صلّى الله عليه وسلّم النّبي العربي الأمّي، الذي لم يتعلّم في مدرسة ولا جامعة، ولكن الله سبحانه أعدّه إعدادا خاصّا لتبليغ أعظم رسالة في الوجود إلى كل إنسان.
ومعنى الآية: لقد جاءكم أيها الناس محمد مقترنا ببرهان من الله تعالى على صحة ما يدعوكم إليه، وفساد ما أنتم عليه من النّحل الدينية والملل الوثنية. وذلكم البرهان الإلهي على صدق دعوته هو القرآن الكريم، أو هو النّبي محمد نفسه، والقرآن هو النّور المبين، أي الضياء الواضح على الحق، فيه بيان كل شيء، وهو الواعظ الزاجر، الناهي الآمر.
جاء هذا القرآن لتصحيح العقيدة والنظام، فقرّر مبدأ التوحيد الخالص لله،
وحارب الوثنية والشّرك، وأبان زيف الديانات الشائعة، وأوضح طريق العبادة الصحيحة لله تعالى، ووضع أسس الأخلاق وأنظمة الحياة الرشيدة في السياسة والاقتصاد، والحرب والسّلم، والاجتماع والحضارة والعمران وعلوم الكون، فكان القرآن المحكم التّنزيل بهذه الشرائع برهانا واضحا للنّبي صلّى الله عليه وسلّم على كون رسالته رسالة الحق، ودينه دين الحق الذي لا معدل عنه ولا مثيل له.
وكانت هذه المقومات لكتاب الله الخالد سببا في إيجاد أنموذج واضح لأمة الإيمان ومواكب المؤمنين في العالم. وإذا كان الله تعالى قد أوعد بالنار والعذاب الأليم في آية سابقة كل من كفر به وجحد بتعاليمه، فإنه في هذه الآية: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ.. وعد المؤمنين بالله، المعتصمين به، المتمسكين بالقرآن دستورا ومنهج حياة بإدخالهم جنان الخلد وإحاطتهم برحمة الله، وإسباغ الفضل العظيم عليهم، وهدايتهم إلى الصراط المستقيم والمنهج القويم في الحياة، فمن يعمل بالقرآن وأحكامه وشرائعه، فاز بالسعادة الأبدية، وكانت له العزّة الكاملة في الدنيا، وتمتع في الآخرة بالجنة والرّضوان الإلهي، والسلامة من كل سوء أو مكروه.
والمراد بالبرهان العظيم من الله لعباده: هو محمد صلّى الله عليه وسلّم، وسمي برهانا لأن معه البرهان وهو المعجزة أو الحجة، فإن معجزاته كلها حجة نيّرة واضحة على صدق رسالته واليقين التام بصحة دعوته.
والنور المبين: أهم معجزات النّبي صلّى الله عليه وسلّم وهو القرآن الكريم، وسمي نورا لأن به تتبين الأحكام التشريعية السديدة، ويهتدى به من الضلالة، فهو نور مبين، أي واضح بيّن مشرق كالشمس،
قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم مفسّرا ذلك فيما ورد في كنز العمال ورواه الترمذي عن علي رضي الله عنه: «القرآن حبل الله المتين، من تمسك به عصم».
والاعتصام بالله: هو التمسك بما دلّ عليه، والاعتزاز به، وطلب النجاة والمنعة به، فهو سبحانه يعصم من الأخطاء والمعاصي كما تعصم المعاقل والحصون.
والمراد بالرحمة في قوله تعالى: فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ: الجنة، وأما الفضل: فهو ما يتفضل به الله على المؤمنين في الجنة من النعيم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
والهداية إلى الصراط المستقيم: هي هداية طريق الجنان، والهداية إلى هذا الفضل الإلهي العميم كما قال تعالى: سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥). جعلنا الله تعالى ممن يظفرون برحمته وفضله وجنّته، ومن الموفقين إلى طريقه القويم.
ميراث الكلالة أو الإخوة
لقد أنزل الله تعالى في أوائل سورة النّساء وأواخرها نظاما مفصّلا للميراث، فيه الحق والخير والعدل، يعتمد على قوة القرابة من نسب وزواج، والنّسب يشمل الآباء والأجداد، والأبناء والبنات، والإخوة والأخوات، والأعمام وأولادهم والعمات، والأخوال والخالات. ورابطة الزوجية تقتصر على الزوجين: الرجل والمرأة. وفي آخر سورة الأنفال بيان ميراث ذوي الأرحام.
قال الخطابي: أنزل الله في الكلالة آيتين: إحداهما في الشتاء وهي التي في أول سورة النّساء وفيها إجمال وهي قوله تعالى: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً [النساء: ٤/ ١٢]، ثم أنزلت الأخرى في الصيف، وفيها كمال البيان، وقيل: إنها من آخر الآيات نزولا، وهي قوله تعالى: «١»
[سورة النساء (٤) :آية ١٧٦]
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)
(١) الميت، لا ولد ولا والد. [..... ]
[النساء: ٤/ ١٧٦].
روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السّنن عن جابر بن عبد الله قال: «دخل علي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأنا مريض لا أعقل، ثم صبّ علي فعقلت، فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة «١»، فكيف الميراث؟ فنزلت آية الميراث» يريد هذه الآية.
وفي رواية: اشتكيت، فدخل علي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعندي سبع أخوات.
وكان أمر الكلالة عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه مشكلا، فقال: «ما راجعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في شيء مراجعتي إياه في الكلالة، ولوددت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يمت حتى يبيّنها»
وقال على المنبر- فيما أخرجه ابن ماجه وعبد الرزاق والطيالسي والبيهقي والحاكم والسعدني والساجي وابن جرير-: «ثلاث لو بيّنها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لكان أحب إلي من الدنيا: الجد والكلالة والخلافة، وأبواب من الرّبا».
ومعنى هذه الآية، وهي آية الصيف، : يطلب الفتيا منك أيها الرسول أناس فيمن يورث كلالة، وهي ما عدا الوالد والولد، أي الإخوة الأشقاء أو لأب والأخوات الشقيقات أو لأب، كجابر بن عبد الله الذي لم يكن له عند وفاته والد ولا ولد، وإنما له إخوة أشقاء من أب وأم، وهم عصبات لم يفرض لهم شيء من فرائض الإرث، فإن كان للمتوفى أخ لأم فقط، فنصيبه السّدس، وإن زاد عن ذلك فكانوا إخوة لأم، فنصيبهم الثّلث فقط كنصيب الأم، سواء كانوا، اثنين فأكثر، وقد تقدّم بيان نصيبهم في الآية (١١) من أوائل سورة النّساء.
(١) أي إخوة وأخوات.
وإن كان للمتوفى أخت شقيقة أو لأب، فلها نصف التّركة (ما ترك) مع عدم الولد، والرجل يرث أخته بالتّعصيب إن لم يكن لها ولد ذكر أو أنثى، وهو يستغرق جميع التّركة إن كان أخا شقيقا أو لأب، فإن كان أخا لأم، فلا يستغرق الميراث، وإنما فرضه السّدس.
فإن كان للمتوفى أختان فأكثر شقيقتان أو لأب، فلهما الثّلثان مما ترك أخوهما، أما الأختان لأم فأكثر فلهما الثّلث فقط، والباقي لمن يوجد من العصبة.
وإن كان الإخوة الوارثون ذكورا وإناثا، فللذكر مثل حظّ الأنثيين، أما الإخوة لأم فهم شركاء في الثّلث.
ثم أبان الله تعالى سبب هذا التوزيع وقيامه على الحق والعدل، فذكر أنه سبحانه يبين لكم أيها المؤمنون أمور دينكم وجميع الأحكام الشرعية من حلال وحرام، لتعرفوها وتعملوا بها، لئلا تضلّوا عن الحق بعد البيان في قسمة التّركات وغيرها، وإن ما شرعه الله لكم من الأحكام فيه الخير والمصلحة لكم، وهو صادر عن علم واسع لله، فيكون بيانه حقّا، وتعريفه صدقا، فعليكم الالتزام بهذه الأحكام لأنها قائمة على الحق والخير والبركة لكم، وتقدير مسئولية الرجال في الإنفاق على النّساء والأسرة، دون أن تطالب المرأة بشيء من النّفقات.
ألا إن الهدى والخير فيما شرعه الله، والضلال والشّرّ في الإعراض عن شرع الله، والله على كل شيء رقيب.
السورة التالية
Icon