0:00
0:00

[ ١ ] تعدد الزوجات وحكمته في الإسلام
التحليل اللفظي
﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا ﴾ :معناه نشر وفرّق على سبيل التناسل والتوالد، ومنه ﴿ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ﴾ [ الغاشية :١٦ ] أي مبسوطة، أو مفرقة في المجالس، وأصل البث :التفريق وإثارة الشيء.
﴿ تَسَآءَلُونَ بِهِ ﴾ :معناه يسأل بعضكم بعضاً به مثل :أسألك بالله، وأنشدك الله، والمفاعلة على ظاهرها أو بمعنى تسألون كثيراً.
قال الزجاج :الأصل تتساءلون حذفت الثانية تخفيفاً.
﴿ والأرحام ﴾ :جمع رحم وهو في الأصل مكان تكون الجنين في بطن أمه، ثم أطلق على القرابة مطلقاً.
﴿ رَقِيباً ﴾ :الرقيب :الحفيظ المطلّع على الأعمال والمَرْقب :المكان العالي الذي يشرف عليه الرقيب، والمراد في الآية أنه تعالى مشرف على أعمالنا، مطلع على أفعالنا، لا تخفى عليه خافية، وهذا إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب جل وعلا.
﴿ اليتامى ﴾ :جمع يتيم وهو الذي فقد أباه مشتق من اليتم وهو الانفراد ومنه ( الدرة اليتيمة ).
قال في « اللسان » :اليتيم :الذي يموت أبوه، والعجيّ :الذي تموت أمه، واللطيم :الذي يموت أبواه، وهو يتيم حتى يبلغ، فإذا بلغ زال عنه اسم اليتم.
﴿ حُوباً ﴾ :الحُوب :الإثم قال الفراء :أهل الحجاز يقولون :حُوب بالضم، وتميم يقولونه بالفتح ( حَوْب ) قال الراغب :الحُوب الإثم، والحَوْبُ المصدر منه، وروي ( طلاق أم أيوب حُوْب ) وتسميته بذلك لكونه مزجوراً عنه.
قال القرطبي :وأصله الزجر للإبل، فسمي الإثم به لأنه يزجر عنه وفي الحديث « اللهم اغفر حوبتي » أي إثمي.
﴿ تُقْسِطُواْ ﴾ :يُقال :أقسط الرجل إذا عدل، ومنه قول النبي ﷺ : « المقسطون في الدنيا على منابر من لؤلؤ يوم القيامة » ويقال :قسط الرجل إذا جار ومنه قوله تعالى : ﴿ وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً ﴾ [ الجن :١٥ ].
فالرباعي بمعنى العدل، والثلاثي بمعنى الظلم.
﴿ تَعُولُواْ ﴾ :معناه تميلوا وتجوروا يقال :عُلْتَ عليّ أي جُرت عليّ، ومنه العول في الفريضة، والعول في الأصل :الميل المحسوس، يقال :عال الميزان إذا مال ثم نقل إلى الميل المعنوي وهو الجور.
وفسّر الإمام الشافعي رحمه الله ﴿ أَلاَّ تَعُولُواْ ﴾ بمعنى ألا تكثر عيالكم.
﴿ صدقاتهن ﴾ :يعني مهورهن جمع صَدُقة بفتح الصاد وضم الدال، وهي كالصداق بمعنى المهر، قال ابن قتيبة :وفيها لغةٌ أخرى :صَدْقة.
﴿ نِحْلَةً ﴾ :النحلة :الهبة والعطيّة عن طيب نفس أي لا تعطوهن مهورهن وأنتم كارهون، قاله أبو عبيدة، وفسّر بعضهم النّخْلة بمعنى الفريضة والمعنى :وأعطوا النساء مهورهن فريضة من الله محتومة.
﴿ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ :صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ، إذا انساغ وانحدر إلى المعدة بدون ضرر.
المعنى الإجمالي
افتتح الله جل ثناؤه سورة النساء بخطاب الناس جميعاً ودعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، منبهاً لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة وهي ( آدم )، وخلق منها زوجها وهي ( حواء )، ونشر من تلك النفس وزوجها المخلوقة منها خلائق كثيرين، فالناس جميعاً من أبٍ واحد، وهم إخوة في الإنسانية والنسب، فعلى القوي أن يعطف على الضعيف، وعلى الغني أن يساعد الفقير، حتى يتم بنيان المجتمع الإنساني.
وقد أكد تعالى الأمر بتقوى الله في موطنين :في أول الآية وفي آخرها ليشير إلى عظم حق الله على عباده، كما قرن تعالى بين التقوى وصلة الرحم ﴿ واتقوا الله الذي تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام ﴾ ليدل على أهمية هذه الرابطة العظيمة ( رابطة الرحم ) فعلى الإنسان أن يرعي هاتين الرابطتين :رابطة الإيمان بالله، ورابطة القرابة والرحم، ولو أدرك الناس هذا لعاشوا في سعادة وأمان، ولما كان هناك حروب طاحنة مدمرة، تلتهب الأخضر واليابس، وتقضي على الكهل والوليد!
وقد عقّب تعالى في الآية الثانية على ( حق اليتامى ) فأمر بالمحافظة على أموالهم، وعدم الاعتداء عليها لأنهم بحاجة إلى رعاية وحماية، وإلى مساعدة ومواساة، فإن الطفل اليتيم ضعيف، وظلم الضعيف ذنب عظيم عند الله.
ثم أمر تعالى الرجال إذا كان في حجْر أحدهم يتيمة، ورغب في الزواج بها، وخاف ألا يعطيها مهر مثلها، أو يعدل إلى ما سواها من النساء، فلم يضيّق الله عليه، وأباح له أن يتزوج اثنتين، وثلاثاً، إلى أربع، فإذا خشي عدم العدل فعليه أن يقتصر على واحدة.
وختم تعالى هذه الآيات بأمر الرجال بإعطاء النساء مهورهن عن طيب نفس، عطّية وهبة بسخاء، لا منّة فيها ولا استعلاء، فإذا طابت نفوسهن عن شيء منه فليأكله الزوج حلالاً طيباً.
سبب النزول
أولاً :روي أن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ يتيم، فلما بلغ طلب ماله فمنعه، فخاصمه إلى النبي ﷺ فنزلت الآية ﴿ وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ... ﴾ قاله سعيد بن جبير.
ثانياً :عن عائشة رضي الله عنها :« أن رجلاً كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عذق، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت فيه ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى... ﴾.
ثالثاً :وروى البخاري عن ( عروة بن الزبير ) أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى ﴾ فقالت :يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن ذلك إلاّ أن يقسطوا لهن، ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن.. وإن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فأنزل الله ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النسآء... ﴾ [ النساء :١٢٧ ] الآية.
وجوه القراءات
١ - قرأ الجمهور ﴿ تَسَآءَلُونَ بِهِ ﴾ بالتخفيف، وقرأ ابن كثير ونافع ( تَسّاءلون به ) بالتشديد.
قال الزجاج :فمن قرأ بالتشديد أدغم التاء في السين لقرب مكانهما، ومن قرأ بالتخفيف حذف التاء الثانية لاجتماع التاءين.
٢ - قرأ الجمهور ﴿ والأرحام ﴾ بالنصب على معنى واتقوا الأرحام، وقرأ الحسن وحمزة ( والأرحامِ ).
قال الزجاج :الخفض في ( الأرحام ) خطأ في العربية لا يجوز إلا في اضطرار الشعر، وخطأ في الدين لأن النبي ﷺ قال : « لا تحلفوا بآبائكم » وإليه ذهب الفراء.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى :إنما سميت هذه السورة ( سورة النساء ) لأن ما نزل منها في أحكامهن أكثر ممّا نزل في غيرها من السور، وفي الافتتاح بتذكير الناس أنهم خلقوا من نفسٍ واحدة، تمهيد جميل وبراعة مطلع لما في السورة من أحكام الأنكحة، والمواريث، والحقوق الزوجية، وأحكام تتعلق بالنسب والمصاهرة وغيرها من الأحكام الشرعية.
اللطيفة الثانية :الناس جميعاً يجمعهم نسب واحد، ويرجعون إلى أصل واحد هو ( آدم ) عليه السلام، ونظرية ( النشوء والتطور ) التي اخترعها اليهودي ( داروين ) تعارض صريح القرآن، القائل ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ فقد زعم ( داروين ) أن الإنسان بدأت حياته بجرثومة ظهرت على سطح الماء، ثم تحولت إلى حيوان صغير، ثم تدرّج هذا الحيوان فأصبح ضفدعاً، فسمكة، فقرداً، ثم ترقى هذا القرد فصار إنساناً.. إلخ فهذه النظرية مجرد افتراضات وهمية، ردّها العلماء بالأدلة القاطعة.
اللطيفة الثالثة :سميت حواء لأنها خلقت من حي كما قال تعالى : ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ وهذا رأي الجمهور، وأنكر ( أبو مسلم ) خلقها من ضلع آدم وقال :أي فائدة في خلقها من الضلع والله قادر على أن يخلقها من التراب؟ وزعم أن قوله تعالى : ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا ﴾ أي من جنسها، وإلى هذا الرأي ذهب الشيخ ( محمد عبده ) في « تفسير المنار »، وهو باطل إذ لو كان تأويل الآية كذلك لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفسٍ واحدة، وهو خلاف النص، وخلاف ما نطقت به الأحاديث الصحيحة « إنّ المرأة خلقت من ضلع أعوج ».
وأما الفائدة فهي بيان قدرة الله تعالى أنه قادر على أن يخلق حياً من حي لا على سبيل التوالد، كما أنه قادر على أن يخلق حياً من جماد كذلك، فآدم خلق من تراب، وعيسى خلق من أنثى بدون رجل، وحواء خلقت من رجل بدون أنثى، والله على كل شيء قدير.
اللطيفة الرابعة :التعبير عن الحلال والحرام بالخبيث والطيب ﴿ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب ﴾ للتنفير من أكل أموال اليتامى والترغيب فيما رزقهم الله من الكسب الحلال بالاكتفاء به وعدم التشوف إلى مال اليتيم فإنه ظلم وسحت.
اللطيفة الخامسة :قال أبو السعود : « أوثر التعبير عن الكبار باليتامى ﴿ وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ ﴾ لقرب العهد بالصغر وللإشارة إلى وجوب المسارعة والمبادرة بدفع أموالهم إليهم، حتى كأنّ اسم اليتيم باق غير زائل عنهم ».
أقول :وهذا الإطلاق يسمى عند علماء البيان ( المجاز المرسل ) وعلاقته اعتبار ما كان، أي الذين كانوا يتامى.
اللطيفة السادسة :أكل مال اليتيم حرام، وإن لم يضمّ إلى مال الوصي، والتقييد في الآية الكريمة ﴿ وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ ﴾ لزيادة التشنيع عليهم لأن أكل مال اليتيم مع الاستغناء عنه أقبح وأشنع فلذلك خُصّ النهيُ به.
اللطيفة السابعة :وجه المناسبة بين ذكر اليتامى ونكاح النساء في قوله تعالى : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء ﴾ هو أن النساء في الضعف كاليتامى، ومن ناحية أخرى فقد كانت اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينكحها بدون أن يعدل معها في الصداق فنهوا عن ذلك، وقد تقدم حديث عائشة.
قال أبو السعود : « وفي إيثار الأمر بنكاحهن على النهي عن نكاح اليتامى مع أنه المقصود بالذات، مزيد لطف في استنزالهم عن ذلك، فإن النفس مجبولة على الحرص على ما منعت منه ».
الأحكام الشرعية
الحكم الأول :ما هو حكم التساؤل بالأرحام؟
دلّ قوله تعالى : ﴿ واتقوا الله الذي تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام ﴾ على أن التساؤل بالرحم جائز ولا سميا على قراءة ( حمزة ) الذي قرأها بالجر ( والأرحامِ ) وبهذا قال بعض العلماء، لأنه ليس بقسم وإنما هو استعطاف فقول الرجل للآخر :أسألك بالرحم أن تفعل كذا لا يراد منه الحلف الممنوع، وإنما هو سؤال بحرمة الأرحام التي أمر الله بصلتها، واستدلوا بحديث « اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا... » الحديث.
وكره بعضهم ذلك وقال :إن الحديث الصحيح يردّه : « من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت » فاعتبره نوعاً من أنواع القسم، وهو قول ابن عطية.
قال الزجاج :قراءة حمزة مع ضعفها وقبحها في اللغة العربية، خطأ عظيم في أصول الدين، لأن النبي ﷺ قال : « لا تحلفوا بآبائكم » فإذا لم يجز الحلف بغير الله فكيف يجوز بالرحم؟.
ونقل القرطبي عن ( المبرّد ) أنه قال : « لو صليت خلف إمام يقرأ ﴿ واتقوا الله الذي تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام ﴾ لأخذت نعلي ومضيتُ ».
قال القشيري :ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين، لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي ﷺ تواتراً يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبي ﷺ فمن ردّ ذلك فقد ردّ على النبي واستقبح ما قرأ به، وهذا مقام محذور ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو، فإن العربية تتلقى من النبي ﷺ ولا يشك أحد في فصاحته. ثم النهي إنما جاء في الحلف بغير الله، وهذا توسل إلى الغير بحق الرحم فلا نهي فيه «.
الحكم الثاني :هل يعطى اليتيم ماله قبل البلوغ؟
دلّ قوله تعالى : ﴿ وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ ﴾ على وجوب دفع المال لليتيم، وقد اتفق العلماء على أن اليتيم لا يعطى ماله قبل البلوغ لقوله تعالى في الآيات التالية
﴿ وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ [ النساء :٦ ] فقد شرطت البلوغ، وإيناس الرشد، والحكمة أن الصغير لا يحسن التصرف في ماله وربما صرفه في غير وجوه النفع، وللعلماء في تفسير هذه الآية وجهان :
الوجه الأول :أن يكون المراد باليتامى البالغين الذين بلغوا سن الرشد، وسمّوا يتامى ( مجازاً ) باعتبار ما كان أي الذين كانوا أيتاماً.
الوجه الثاني :أن المراد باليتامى الصغار، الذين هم دون سن البلوغ، والمراد بالإيتاء الإنفاق عليهم بالطعام والكسوة، أو المراد بالإيتاء ترك الأموال وحفظها لهم وعدم التعرض لها بسوء. وهذا الوجه قوي وذلك أن بعض الأوصياء كانوا يتعجلون في إنفاق مال اليتيم وتبذيره، فأمروا بالحفاظ عليه واستثماره فيما يعود بالنفع على اليتيم، حتى إذا بلغ سن الرشد سلّموه له تاماً موفوراً، ولعلّ الوجه الأول أقوى وأرجح والله أعلم.
الحكم الثالث :هل الأمر في قوله تعالى : ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ للوجوب أم للإباحة؟
ذهب الجمهور إلى أن الأمر في قوله تعالى : ﴿ فانكحوا ﴾ للإباحة مثل الأمر في قوله تعالى : ﴿ وَكُلُواْ واشربوا ﴾ [ البقرة :١٨٧ ] وفي قوله : ﴿ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [ البقرة :٥٧ ].
وقال أهل الظاهر :النكاح واجب وتمسكوا بظاهر هذه الآية، لأن الأمر للوجوب، وهم محجوبون بقوله تعالى : ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً ﴾ إلى قوله : ﴿ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ [ النساء :٢٥ ].
قال الإمام الفخر : « فحكَمَ تعالى بأن ترك النكاح في هذه الصورة خيرٌ من فعله، فدل ذلك على أنه ليس بمندوب فضلاً عن أنه واجب ».
الحكم الرابع :ما معنى قوله تعالى : ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ ؟
اتفق علماء اللغة على أن هذه الكلمات من ألفاظ العدد، وتدل كل واحدة منها على المذكور من نوعها، فمثنى تدل على اثنين اثنين، وثُلاث تدل على ثلاثة ثلاثة، ورُباع تدل على أربعة أربعة، والمعنى :انكحوا ما اشتهت نفوسكم من النساء، ثنتين ثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً حسبما تريدون.
قال الزمخشري :ولما كان الخطاب للجميع وجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد، كما تقول للجماعة :اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم :درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، ولو أفردت لم يكن له معنى. أي لو قلت للجَمع اقتسموا المال الكثير درهمين لم يضح الكلام، فإذا قلت :درهمين درهمين كان المعنى أن كل واحد يأخذ درهمين فقط لا أربعة دراهم.
وفي هذه الآية دلالة على حرمة الزيادة على أربع، وقد أجمع العلماء والفقهاء على ذلك ولا يقدح في هذا الإجماع ما ذهب إليه بعض المبتدعة من جواز التزوج بتسع نسوة بناء على أن الواو للجمع وأن المراد أن يجمع الإنسان اثنتين وثلاثاً وأربعاً.
قال العلامة القرطبي : « إعلم أن هذا العدد ( مثنى وثلاث ورباع ) لا يدل على إباحة تسع كما قاله مَنْ بَعُد للكتاب والسنة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة، وزعم أن الواو جامعة، وعَضَد ذلك بأن النبي ﷺ نكح تسعاً وجمع بينهن في عصمته، والذي صار إلى هذه الجهالة، وقال هذه المقالة، والرافضةُ وبعض أهل الظاهر، وذهب بعضهم إلى أقبح من ذلك، فقالوا بإباحة الجمع بين ( ثمان عشرة ) وهذا كله جهل باللسان والسنة، ومخالفة لإجماع الأمة، إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة والتابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع، وقد أسلم ( غيلان ) وتحته عشر نسوة فأمره عليه السلام أن يختار أربعاً منهن ويفارق سائرهن.
وقد خاطب تعالى العرب بأفصح اللغات، والعرب لا تدع أن تقول ( تسعة وتقول :اثنين وثلاثة وأربعة، وكذلك تستقبح ممن يقول :أعط فلاناً أربعة، ستة، ثمانية، ولا يقول ( ثمانية عشر ) »
.
أقول :إن الإجماع قد حصل على حرمة الزيادة على أربع، وانقضى عصر المجمعين قبل ظهور هؤلاء الشذّاذ المخالفين، فلا عبرة بقولهم فإنما هو محض جهل وغباء وكما يقول الشاعر :
ومن أخذ العلوم بغير شيخ يضل عن الصراط المستقيم
وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من « الفهم السقيم »
أعاذنا الله من حماقة السفهاء وتطاول الجهلاء؟!
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
١ - البشر جميعاً يرجعون إلى أصل واحدٍ، وينتسبون إلى أبٍ واحد، هو آدم عليه السلام.
٢ - جواز التساؤل بالله تعالى كقولهم :أسألك بالله، وأنشدك بالله.
٣ - حق الرحم عظيم ولهذا أمر الله تعالى بصلة الأرحام وعدم قطيعتها.
٤ - وجوب رعاية اليتيم والحفاظ على ماله ودفعه إليه عند البلوغ.
٥ - إباحة نكاح النساء في حدود أربع من الحرائر وبشرط العدل بينهن في القسمة.
٦ - وجوب الاقتصار على واحدة إذا خشي الإنسان عدم العدل بين نسائه.
خاتمة البحث :
حكمة التشريع
مسألة « تعدد الزوجات » ضرورة اقتضتها ظروف الحياة، وهي ليست تشريعاً جديداً انفرد به الإسلام، وإنما جاء الإسلام فوجده بلا قيود ولا حدود، وبصورة غير إنسانية، فنظّمه وشذّبه وجعله دواءً وعلاجاً لبعض الحالات الاضطرارية التي يعاني منها المجتمع. جاء الإسلام والرجال يتزوجون عشرة نسوة أو أكثر أو أقل - كما مرّ في حديث غيلان حين أسلم وتحته عشر نسوة - بدون حدّ ولا قيد، فجاء ليقول للرجال :إن هناك حداً لا يحل تجاوزه هو ( أربع ) وإن هناك قيداً وشرطاً لإباحة هذه الضرورة في ( العدل بين الزوجات ) فإذا لم يتحقق ذلك وجب الاقتصار على واحدة ﴿ فواحدة أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾.
فهو إذاً نظام قائم وموجود منذ العصور القديمة، ولكنه كان فوضى فنظّمه الإسلام، وكان تابعاً للهوى والاستمتاع باللذائذ، فجعله الإسلام سبيلاً للحياة الفاضلة الكريمة.
والحقيقة التي ينبغي أن يعلمها كل إنسان أن « إباحة تعدد الزوجات » مفخرة من مفاخر الإسلام، لأنه استطاع أن يحل مشكلة عويصة من أعقد المشاكل، تعانيها الأمم والمجتمعات اليوم فلا تجد لها حلاً إلا بالرجوع إلى حكم الإسلام، وبالأخذ بنظام الإسلام.
إن هناك أسباباً قاهرة تجعل التعدد ضرورة كعقم الزوجة، ومرضها مرضاً يمنع زوجها من التحصن، وغير ذلك من الأسباب التي لا نتعرض لذكرها الآن، ولكن نشير إلى نقطة هامة يدركها المرء ببساطة.
إن المجتمع في نظر الإسلام كالميزان يجب أن تتعادل كفتاه، ومن أجل المحافظة على التوازن يجب أن يكون عدد الرجال بقدر عدد النساء، فإذا زاد عدد الرجال على عدد النساء، أو بالعكس فكيف نحل هذه المشكلة؟
ماذا نصنع حين يختل التوازن ويصبح عدد النساء أضعاف عدد الرجال؟
أنحرم المرأة من ( نعمة الزوجية ) و ( نعمة الأمومة ) ونتركها تسلك طريق الفاحشة والرذيلة كما حصل في أوربا من جراء تزايد عدد النساء بعد الحرب العالمية الأخيرة؟ أم نحل هذه المشكلة بطرقٍ شريفة فاضلة نصون فيها كرامة المرأة، وطهارة الأسرة، وسلامة المجتمع؟ أيهما أكرم وأفضل لدى العاقل أن ترتبط المرأة برباط مقدس تنضم فيه مع امرأة أخرى تحت حماية رجل بطريق شرعي شريف، أم نجعلها خدينةً وعشيقة لذلك الرجل وتكون العلاقة بينهما علاقة إثم وإجرام؟!
لقد اختارت ألمانيا ( المسيحية ) التي يحرم دينها التعدد، فلم تجد خيرة لها إلاّ ما اختاره الإسلام فأباحت تعدد الزوجات رغبة في حماية المرأة الألمانية من احتراف البغاء، وما يتولد عنه من أضرار فادحة وفي مقدمتها كثرة اللقطاء.
تقول أستاذة ألمانية في الجامعة :( إن حل مشكلة المرأة الألمانية هو في إباحة تعدد الزوجات... إنني أفضل أن أكون زوجة مع عشر نساء لرجل ناجح على أن أكون الزوجة الوحيدة لرجل فاشل تافه.. إن هذا ليس رأي وحدي بل هو رأي نساء كل ألمانيا ).
وفي عام ١٩٤٨ ميلادية أوصى مؤتمر الشباب العالمي في ( ميونخ ) بألمانيا بإباحة تعدد الزوجات حلاً لمشكلة تكاثر النساء وقلة الرجال بعد الحرب العالمية الثانية.
ولقد حلّ الإسلام المشكلة بأشرف وأكرم الطرق، بينما وقفت المسيحية مكتوفة الأيدي لا تبدي ولا تعيد، أفلا يكون للإسلام الفضل الأكبر لحل مثل هذه الظاهرة التي تعاني منها أمم لا تدين بدين الإسلام؟!
ويجدر بي أن أنقل هنا بعض فقرات لشهيد الإسلام ( سيد قطب ) من كتابه « السلام العالمي في الإسلام » حيث قال تغمده الله بالرحمة :
« إن ثرثرةً طويلةً عريضة تتناثر حول حكاية » تعدد الزوجات « في الإسلام، فهل هي حقيقة تلك الآفة الخطرة في حياة المجتمع؟
إنني أنظر فأرى كل مشكلة اجتماعية قد تحتاج إلى تدخل من التشريع إلاّ مسألة تعدد الزوجات فإنها تحل نفسها بنفسها.
. إنها مسألة تتحكم فيها الأرقام، ولا تتحكم فيها النظريات ولا التشريعات.
في كل أمة رجال ونساء، ومتى توازن عدد الرجال مع عدد النساء فإنه يتعذر عملياً أن يحصل رجل واحد على أكثر من امرأة واحدة.
فأما حين يختل توازن الأمة، فيقل عدد الرجال عن النساء كما في الحروب، والأوبئة التي يتعرض لها الرجال أكثر، فهنا فقط يوجد مجال لأن يستطيع رجل تعديد زوجاته.
فلننظر إذاً في هذه الحالة وأقر الأمثلة لها الآن ( ألمانيا ) حيث توجد ثلاث فتيات مقبال كل شاب، وهي حالة اختلال اجتماعي، فكيف يواجهها المشرع؟!
إن هناك حلاً من حلول ثلاثة :
الحل الأول :أن يتزوج كل رجل امرأة، وتبقى اثنتان لا تعرفان في حياتهما رجلاً، ولا بيتاً، ولا طفلاً، ولا أسرة.
والحل الثاني :أن يتزوج كل رجل امرأة فيعاشرها زوجته، وأن يختلف إلى الأخريين أو واحدة منهما لتعرف الرجل دون أن تعرف البيت أو الطفل، فإذا عرفت الطفل عرفته عن طريق الجريمة، وحملته ذلك العار والضياع.
والحل الثالث :أن يتزوج الرجل أكثر من امرأة، فيرفعها إلى شرف الزوجية، وأمان البيت، وضمانة الأسرة، ويرفع ضميره عن لوثة الجريمة، وقلق الإثم، وعذاب الضمير، ويرفع المجتمع عن لوثة الفوضى واختلاط الأنساب.
أي الحلول أليق بالإنسانية، وأحق بالرجولة، وأكرم للمرأة ذاتها وأنفع؟! «.
﴿ السفهآء ﴾ :أصل السفه في اللغة الخفة والحركة، يقال :تسفهت الريح الشجر إذا أمالته، ورجل سفيه إذا كان ناقص التفكير خفيف الحلم، والمراد به هنا الذي لا يحسن التصرف في ماله، أو يبذره في غير الطرق المشروعة.
قال في « الكشاف » : « السفهاء المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي ولا يد لهم بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها ».
﴿ قياما ﴾ :أي به معاشكم وقوام حياتكم.
قال ابن قتيبة :قياماً وقواماً بمنزلة واحدة تقول :هذا قوام أمرك وقيامه أي ما يقوم به أمرك.
﴿ وابتلوا ﴾ :الابتلاء :الاختبار أي اختبروا عقولهم وتصرفهم في أموالهم.
﴿ آنَسْتُمْ ﴾ :أي علمتم وقيل :رأيتم، وأصل الإيناس :الإبصار ومنه قوله تعالى : ﴿ آنَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً ﴾ [ القصص :٢٩ ] قال الأزهري :تقول العرب اذهب فاستأنس هل ترى أحداً؟ أي تبصّر.
﴿ رُشْداً ﴾ :الرشد الاهتداء إلى وجوه الخير، والمراد به هنا الاهتداء إلى حفظ الأموال.
﴿ إِسْرَافاً ﴾ :الإسراف مجاوزة الحد والإفراط في الشيء، والسرف والتبذير.
﴿ وَبِدَاراً ﴾ :معناه مبادرة أي مسارعة، والمراد أن يسارع في أكل مال اليتيم خشية أن يكبر فيطالبه به.
﴿ فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ :استعفّ عن الشيء كفّ عنه وتركه، وهو أبلغ من ( عفّ ) كأنه طلب زيادة العفة.
﴿ حَسِيباً ﴾ :أي محاسباً لأعمالكم ومجازياً لكم عليها.
قال الأزهري :يحتمل أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب، وأن يكون بمعنى الكافي، ومن الثاني قولهم :حسبك الله أي كافيك الله. قال تعالى : ﴿ ياأيها النبي حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين ﴾ [ الأنفال :٦٤ ].
﴿ القسمة ﴾ :المراد بالقسمة في الآية قسمة التركة بين المستحقين من الأقرباء.
﴿ أُوْلُواْ القربى ﴾ :المراد بهم الأقرباء الذين لا يرثون لكونهم محجوبين، أو لكونهم من ذوي الأرحام.
﴿ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ :أي قولاً طيباً لطيفاً فيه نوع من الاعتذار، وتطييب الخاطر، قال سعيد بن جبير :يقول الولي للقريب :خذ بارك الله فيك، إني لست أملك هذا المال إنما هو للصغار.
﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾ :أي سيدخلون ويذوقون ناراً حامية مستعرة يصطلي الإنسان بحرّها ولهبها.
المعنى الإجمالي
نهى الله سبحانه وتعالى الأولياء عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال، التي جعلها الله للناس قياماً، تقوم بها حياتهم ومعايشهم، وأمر بالإنفاق عليهم بشتى أنواع الإنفاق من الكسوة والإطعام وسائر الحاجات، كما أمر تعالى باختبار اليتامى حتى إذا رأوا منهم صلاحاً في الدين، وحفظاً للأموال، فعلى الأوصياء أن يدفعوا إليهم أموالهم من غير تأخير، وعليهم ألاّ يبذّروها ويفرطوا في انفاقها، ويقولوا :ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا، فمن كان غنياً فليكفّ عن مال اليتيم، ومن كان فقيراً فليأكل بقدر الحاجة، فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم لئلا يجحدوا تسلمها وكفى بالله محاسباً ورقيباً. ثم بيّن تعالى أن للرجال نصيباً من تركة أقربائهم، كما للنساء، فرضها الله لهم بشرعه العادل وكتابه المبين، وأمر بإعطاء أولي القربى واليتامى والمساكين من غير الوارثين شيئاً من هذه التركة تطييباً لخاطرهم وإحساناً إليهم.
ثم حذَّر تعالى الأوصياء من الظلم للأيتام الذين جعلهم الله تحت رعايتهم ووصايتهم، وأمرهم بالإحسان إليهم، فكما يخشى الإنسان على أولاده الصغار الضعاف بعد موته، عليه أن يتقي الله في هؤلاء الأيتام فكأنه تعالى يقول :افعلوا باليتامى، كما تحبون أن يفعل بأولادكم من بعدكم.
ثم ختم تعالى الآيات ببيان جزاء الظالمين الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً وعدواناً، وبيّن أنهم إنما يأكلون ناراً تتأجج في بطونهم يوم القيامة، وسيدخلون السعير وهي نار جهنم المستعرة أعاذنا الله منها.
سبب النزول
أولاً :كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء، ولا الولدان الصغار شيئاً، ويجعلون الميراث للرجال الكبار فأنزل الله ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون... ﴾ الآية.
ثانياً :وروي عن ابن عباس أنه قال : « كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات ولا الصغار الذكور حتى يدركوا، فمات رجل من الأنصار يقال له :( أوس بن ثابت ) وترك ابنتين وابناً صغيراً فجاء ابنا عمه فأخذوا ميراثه كله. فقالت امرأته لهما تزوجا بهما - وكان بهما دمامة - فأبيا فأتت رسول الله ﷺ فأخبرته فنزلت الآية : ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون ﴾ فأرسل الرسول ﷺ إليهما فقال لهما :لا تحركا من الميراث شيئاً فقد أخبرت أن للذكر والأنثى نصيباً، ثم نزل قوله تعالى : ﴿ يُوصِيكُمُ الله في أولادكم ﴾ [ النساء :١١ ].
وجوه القراءات
١ - قرأ الجمهور ﴿ التي جَعَلَ الله لَكُمْ قياما ﴾، وقرأ نافع وأهل المدينة ( قِيَماً ) بدون ألف.
٢ - قرأ الجمهور ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً ﴾ بضم الراء، وقرأ السلمي ( رَشَداً ) بفتح الراء والشين.
٣ - قرأ الجمهور ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾ وقرأ ابن عامر وعاصم ( وسَيُصْلُون ) بالبناء للمجهول.
وجوه الإعراب
أولاً :قوله تعالى : ﴿ إِسْرَافاً وَبِدَاراً ﴾ مفعول لأجله ويجوز أن تعرب حالاً أي لا تأكلوها مسرفين ومبادرين كبرهم، وقوله ( أن يكبروا ) في محل نصب ب ( بداراً ).
ثانياً :قوله تعالى : ﴿ وكفى بالله حَسِيباً ﴾ الباء زائدة ولفظ الجلالة فاعل و ( حسبباً ) تمييز.
ثالثاً :قوله تعالى : ﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ نصيباً منصوب على المصدر و ( مفروضاً ) صفة له.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى :أضاف أموال اليتامى إلى الأوصياء مع أنها أموال اليتامى للتنبيه إلى التكافل بين أفراد الأمة، والحث على حفظ الأموال وعدم تضييعها، فإن تبذير السفيه للمال فيه مضرة للمجتمع، وهو كقوله تعالى : ﴿ وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ [ النساء :٢٩ ] عبّر عن قتل الغير بقتل النفس لهذه الرابطة بين أفراد المجتمع. قال الفخر الرازي :»
المال شيء ينتفع به نوع الإنسان ويحتاج إليه، فلأجل هذه ( الوحدة النوعية ) حسنت إضافة أموال السفهاء إلى الأولياء «.
اللطيفة الثانية :لمّا كان المال سبباً لبقاء الإنسان وقيام شؤون حياته ومعاشه، سمّاه تعالى بالقيام إطلاقاً لاسم ( المسبَّب ) على ( السبب ) على سبيل المبالغة. ولهذا كان السلف يقولون :المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالاً يحاسبني الله عليه خيرٌ من أن أحتاج إلى الناس.
اللطيفة الثالثة :قال صاحب « الكشاف » : « الفائدة في تنكير الرشد التنبيه على أن المعتبر هو الرشد في التصرف والتجارة، أو على أن المعتبر هو حصول طرفٍ من الرشد، وظهور أثر من آثاره حتى لا ينتظر به تمام الرشد ».
اللطيفة الرابعة :لفظ ( استعفّ ) أبلغ من ( عفّ ) كأنه يطلب زيادة العفة قاله أبو السعود. وفي لفظ الاستعفاف، والأكل بالمعروف، ما يدل على أن للوصي حقاً لقيامه بتدبير مال اليتيم، وقد روي أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال له : « إنّ في حجْري يتيماً أفآكل من ماله؟ قال :بالمعروف، غير متأثل مالاً، ولا واقٍ مالك بماله، قال :أفأضربه؟ قال :ممّا كنت ضارباً منه ولدك ».
اللطيفة الخامسة :في اختيار هذا الأسلوب التفصيلي، مع أنه كان يكفي أن يقول :للرجال والنساء نصيبُ مما ترك الوالدان والأقربون... إلخ للاعتناء بأمر النساء، والإيذان بآصالتهن في استحقاق الإرث، والمبالغة في إبطال حكم الجاهلية، فإنهم ما كانوا يورثون النساء والأطفال ويقولون :كيف نعطي المال من لا يركب فرساً، ولا يحمل سلاحاً، ولا يقاتل عدواً؟ فلهذا فصّل الله تعالى الحكم بطريق ( الإطناب ) فتدبر أسرار الكتاب المجيد.
اللطيفة السادسة :ذكر البطون مع أن الأكل لا يكون إلا فيها للتأكيد والمبالغة، فهو كقول القائل :أبصرتُ بعيني، وسمعتُ بأذني وكقوله تعالى : ﴿ ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور ﴾ [ الحج :٤٦ ] وقوله : ﴿ ذلكم قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ﴾ [ الأحزاب :٤ ] وقوله : ﴿ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴾ [ الأنعام :٣٨ ] والغرض من كل ذلك التأكيد والمبالغة، وفي الآية أيضاً تشنيع على آكل مال اليتيم حيث صرف المال في أخس الأشياء.
اللطيفة السابعة :قال القرطبي : « سمي المأكول ناراً باعتبار ما يؤول إليه كقوله تعالى : ﴿ إني أراني أَعْصِرُ خَمْراً ﴾ [ يوسف :٣٦ ] أي عنباً يؤول إلى الخمر، وقيل :المراد بالنار الحرام لأن الحرام يوجب النار فسمّاه الله تعالى باسمه ».
اللطيفة الثامنة :قال الفخر الرازي : « وما أشد دلالة هذا الوعيد ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾ على سعة رحمته تعالى وكثرة عفوه وفضله، لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى، وذلك كله من رحمة الله تعالى باليتامى ».
الأحكام الشرعية
الحكم الأول :ما المراد بالسفهاء في الآية الكريمة؟
اختلف المفسرون في المراد بالسفهاء في الآية الكريمة، فقال بعضهم :المراد به الصبيان والأولاد الصغار الذين لم يكتمل رشدهم وهو منقول عن الزهري وابن زيد.
وقال بعضهم :المراد به النساء المسرفات سواءً كنّ أزواجاً أو أمهات أو بنات وهو منقول عن مجاهد والضحاك. وقيل :المراد به النساء والصبيان وهو قول الحسن وقتادة وابن عباس.
وقال آخرون :المراد بالسفهاء كل من لم يكن له عقل يفي بحفظ المال، ويدخل فيه النساء والصبيان والأيتام وكل من كان موصوفاً بهذه الصفة، وهذا القول أصح وهو اختيار الطبري لأن اللفظ عام والتخصيص بغير دليل لا يجوز.
قال الطبري : « إن الله جل ثناؤه عمّم، فلم يخص سفيهاً دون سفيه، فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيهاً ماله، صبياً صغيراً كان، أو رجلاً كبيراً، ذكراً كان أو أنثى، والسفيه الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله، هو المستحق الحجر بتضييعه ماله، وفساده وإفساده، وسوء تدبيره ».
الحكم الثاني :هل يحجر على السفيه؟
استدل الفقهاء بهذه الآية الكريمة على وجوب ( الحجر على السفيه ) لأنّ الله تعالى نهانا عن تسليم السفهاء أموالهم حتى نأنس منهم الرشد، ويبلغوا سنّ الاحتلام.
والحجر على أنواع :فتارة يكون ( الحجر للصغر ) فإن الصغر قاصر النظر مسلوب العبارة.
وتارة يكون ( الحجر للجنون ) فإن المجنون فاقد الأهلية في العقود لعدم العقل.
وتارة يكون ( الحجر للسفه ) كالذي يبذّر المال، أو يسيء التصرف في ماله لنقض عقله ودينه.
وتارة يكون ( الحجر للإفلاس ) كالذي تحيط الديون به ويضيق ماله عن وفائها، فإذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه حجر عليه، فكل هؤلاء يحجر عليهم للأسباب التي ذكرناها.
وقد اتفق الفقهاء على أن الصغير لا يدفع إليه ماله حتى يبلغ سنّ الاحتلام، ويؤنس منه الرشد لقوله تعالى : ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ فقد شرطت الآية شرطين :الأول :البلوغ، والثاني :الرشد وهو حسن التصرف في المال، وقال الشافعي :لا بدّ أن ينضم الصلاح في الدين، مع حسن الصلاح في المال، فالفاسق يحجر عليه عند الشافعي خلافاً لأبي حنيفة.
وسبب الخلاف يرجع إلى معنى ( الرشد ) وقد نقل ابن جرير أقوال السلف في تفسير الرشد كقول مجاهد هو ( العقل ) وقول قتادة هو الصلاح في ( العقل والدين ) وقول ابن عباس هو ( الصلاح في الأموال ) ثم قال :
« وأولى هذه الأقوال عندي في معنى الرشد ( العقل وإصلاح المال ) لإجماع الجميع على أنه إذا كان كذلك لم يكن ممن يستحق الحجر عليه في ماله، وحوز ما في يده عنه وإن كان فاجراً في دينه ».
أقول :ليس كل فاسق يحجر عليه لأن في الحجر إهداراً للكرامة الإنسانية، وإنما يقال :إذا كان فسقه ممّا يتناول الأموال المالية، كإتلاف المال بالإسراف في الخمور والفجور وجب الحجر عليه، وإن كان يتعلق بأمر الدين خاصة كالفطر في رمضان مثلاً فلا يجب الحجر، وهذا هو نفس ما رجحه شيخ المفسرين الطبري وأرشدت إليه الآية الكريمة بطريق الإشارة، حيث جاء لفظ الرشد منكّراً، ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً ﴾ أي نوعاً من الرشد وهو حسن التصرف في أمور المال، ولم يأت معرفاً والمقصود الأكبر في هذا الباب إنما هو الرشد الذي ينافي الإسراف في المال، فما اختاره ابن جرير قوي من هذه الوجهة والله أعلم.
الحكم الثالث :هل يحجر على الكبير؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن الكبير يحجر عليه كما يحجر على الصغير إذا كان سفيهاً.
وذهب أبو حنيفة إلى أن من بلغ خمساً وعشرين سنة سلّم له ماله سواءً كان رشيداً أو غير رشيد.
قال العلامة القرطبي : « واختلفوا في الحجر على الكبير، فقال مالك وجمهور الفقهاء يحجر عليه، وقال أبو حنيفة :لا يحجر على من بلغ عاقلاً إلاّ أن يكون مفسداً لماله، فإذا كان كذلك منع من تسليم المال إليه حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة، فإذا بلغها سلم إليه بكل حال، سواء كان مفسداً أو غير مفسد لأنه يصير جَدّاً، وأنا أستحيي أن أحجر على من يصلح أن يكون جداً ».
أقول :الصحيح ما ذهب إليه الجمهور، وهو مذهب الصاحبين ( أبي يوسف ومحمد ) أيضاً، ولا عبرة بكبر السن فرب رجل يبلغ الخمسين من العمر وهو سفيه الحلم يسرف ماله ويبذره فيجب الحجر عليه، وذلك أن الصبي إنما منع من ماله لفقد العقل الهادي إلى حفظ المال، وكيفية الانتفاع به، فإذا كان هذا المعنى قائماً بالشيخ والشاب، كانا في حكم الصبي فوجب أن يمنع دفع المال إليه ما لم يؤنس منه الرشد لظاهر الآية الكريمة.
وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما : « إن الرجل لتنبت لحيته ويشيب وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف العطاء فيها ».
الحكم الرابع :هل يباح للوصي أن يأكل من مال اليتيم؟
دلّ قوله تعالى : ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ على أن للوصي أن يأكل من مال اليتيم إذا كان فقيراً بمقدار الحاجة من غير إسراف، وإذا كان غنياً وجب عليه أن يتعفف عن مال اليتيم، ويقنع بما رزقه الله من الغنى، وقد اتفق العلماء على جواز أخذ قدر الكفاية بالمعروف عند الحاجة واختلفوا هل عليه الضمان إذا أيسر؟
فذهب بعضهم إلى أنه لا ضمان عليه لأن الله تعالى أباح له الأكل بالمعروف فكان هذا مثل الأجرة، وهذا مروي عن الإمام أحمد رحمه الله.
وذهب آخرون إلى وجوب الضمان واستدلوا بما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : « ألا إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة الولي من مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرتُ قضيت ».
وقال الحنفية فيما رواه الجصاص عنهم أنه لا يأخذ على سبيل القرض، ولا على سبيل الابتداء سواءً كان غنياً أو فقيراً، واحتجوا بعموم الآيات ﴿ وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ ﴾ [ النساء :٢ ]، ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ﴾، ﴿ وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط ﴾ [ النساء :١٢٧ ] ﴿ وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل ﴾ [ البقرة :١٨٨ ].
قال الجصاص فهذه محكم حاصرة لمال اليتيم على وصيّه، وقوله : ﴿ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ متشابه محتمل فوجب رده إلى تلك المحكمات.
وروي عن ابن عباس أنه قال : ﴿ وَمَن كَانَ فَقِيراً ﴾ الآية نسختها ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً ﴾ إلخ.
الترجيح :وقد جرح الطبري القول الأول وهو جواز الأخذ على وجه الاستقراض حيث قال : « وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال ﴿ فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ المراد أكل مال التيم عند الضرورة والحاجة إليه، على وجه الاستقراض منه فأما على غير ذلك الوجه فغير جائز له أكله ».
أقول :ولعلَّ هذا القول أرجح، لأنه جمع بين النصوص والله أعلم.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
١ - وجوب الحجر على السفهاء حتى يتبيّن رشدهم وإصلاحهم للأموال.
٢ - الانفاق على المحجور عليه بالطعام والكسوة وسائر وجوه الإنفاق.
٣ - اختبار حال الأيتام عند البلوغ قبل تسليمهم المال لمعرفة دلائل الرشد.
٤ - ضرورة الإشهاد عند تسليم اليتامى أموالهم خشية الجحود والإنكار.
٥ - تقرير الإسلام لمبدأ الميراث وجعله حقاً للذكور والإناث في مال الأقرباء.
٦ - وجوب الإحسان إلى اليتامى والخشية عليهم كما يخشى الإنسان على أولاده من بعده.
٧ - الإعتداء على أموال اليتامى من الكبائر التي توجب عذاب النار.
[ ٣ ] المحرمات من النساء
التحليل اللفظي
﴿ كَرْهاً ﴾ :الكَره بفتح الكاف بمعنى الإكراه يقال :افعل هذا طوعاً أو كَرْهاً، وبضم الكاف ( كُرْهاً ) بمعنى المشقة قال تعالى ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً ﴾ [ الأحقاف :١٥ ].
قال الكسائي :هما لغتان بمعنى واحد.
وقال الفراء :الكَرْهُ بالفتح الإكراه، وبالضم المشقة، فما أكره عليه فهو ( كَرْه ) بالفتح، وما كان من قبل نفسه فهو ( كُره ) بالضم.
﴿ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ :العضل في اللغة :المنع ومنه الداء العضال، وقد تقدم بيانه بالتفصيل.
﴿ قِنْطَاراً ﴾ :القنطار المال الكثير، وهو تمثيل على جهة المبالغة في الكثرة.
﴿ بُهْتَاناً ﴾ :البهتانُ الكذب الذي يتحير منه صاحبه ثم صار يطلق على الباطل.
﴿ أفضى ﴾ :أي وصل، وأصله من الفضاء الذي هو السعة.
قال في « اللسان » :وأفضى فلان إلى فلان وصل إليه، وأصله أنه صار في فرجته وفضائه، والفضاء المكان الواسع من الأرض.
وقال الجوهري :أفضى الرجل إلى امرأته باشرها وجامعها وقال الفراء :الإفضاء الخلوة وإن لم يجامعها.
قال ابن عباس :الإفضاء في هذه الآية الجماع ولكنّ الله كريم يكني.
﴿ مِّيثَاقاً غَلِيظاً ﴾ :أي عهداً شديداً مؤكداً، وهو عقد النكاح الذي ربط الزوجين برباط شرعي مقدس.
﴿ سَلَفَ ﴾ :أي مضى وانقضى، والسلفُ من تقدم من الآباء وذوي القربى.
﴿ فَاحِشَةً ﴾ :الفاحشة في اللغة :النهاية في القبح سميت فاحشة لأنها تناهت في القبح والشناعة.
﴿ وَمَقْتاً ﴾ :أصل المقت :البغضُ من مقته إذا أبغضه.
قال الراغب :المقت البغض الشديد لمن تعاطى القبح، وكان يسمى تزوجُ الرجل امرأة أبيه ( نكاح المقت ).
﴿ وَرَبَائِبُكُمُ ﴾ :جمع ربيبة وهي بنت المرأة من زوج آخر، سميت بذلك لأنها تتربى في حجر الزوج فهي مربوبة، فعيلة بمعنى ( مفعولة ).
قال الرازي :الربيبة بنت امرأة الزوج من غيره ومعناها مربوبة لأن الرجل هو الذي يقوم بتربيتها.
﴿ حُجُورِكُمْ ﴾ :الحَجِرّ بالفتح والكسر :الحضن وهو مكان ما يحجره الإنسان ويحوطه بين عضديه وساعديه، ويقال فلان في حَجْر فلان أي في كنفه ورعايته وفي تربيته، والسبب في هذه الاستعارة أنّ كل من ربي طفلاً أجلسه في حجره، فصار الحجر عبارة عن التربية كما يقال :فلان في حضانة فلان، وأصله من الحضن.
﴿ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ :قال في « القاموس » : « ودخل بامرأته كناية عن الجماع، وغلب استعماله في الوطء الحلال، والمرأة مدخول بها، ومنه الدخلة ليلة الزفاف ».
﴿ وحلائل ﴾ :أي زوجات جمع حليلة سميت بذلك لأنها تحل لزوجها ويحل لها فكلٌ منهما حلال للآخر، ويقال للزوج :حليل.
﴿ والمحصنات ﴾ :يعني ذوات الأزواج، وأصل الإحصان في اللغة المنع، والحَصَان بالفتح المرأة العفيفة قال تعالى : ﴿ والتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ﴾ [ الأنبياء :٩١ ] وستأتي معاني الإحصان في سورة النور إن شاء الله.
﴿ مُّحْصِنِينَ ﴾ :أي متعففين عن الزنى.
﴿ مسافحين ﴾ :السفاح والمسافحة الفجور، وأصله في اللغة من السفح وهو الصب، قال تعالى
﴿ أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً ﴾ [ الأنعام :١٤٥ ] ويقال :فلان سفّاح أي سفاك للدماء، وسمى الزنى سفاحاً لأنه لا غرض للزاني إلا سفح النطفة.
المعنى الإجمالي
يقول الله جل ثناؤه ما معناه :يا أيها المؤمنون لا يحل لكم أن ترثوا نكاح النساء على كره منهن، ولا أن تمنعوهن من الزواج بعد تطليقكم لهن، أو تضيقوا عليهن حتى تذهبوا ببعض ما آتيتموهن من ميراث أو صداق، إلاّ إذا أتين بفاحشة من الفواحش كالبذاءة باللسان، والنشوز على الزوج، والوقوع في المنكرات كالزنى وغيره فلكم حينئذٍ أن تعضلوهن حتى يفتدين أنفسهن منكم، لأن الله لا يحب الظلم أياً كان مصدره. ثم أمر تعالى بحسن الصحبة والمعاشرة للأزواج بالمعروف، فإذا كره الرجل زوجته فليصبر عليها، وليستمرّ في إحسانه إليها، فعسى أن يرزقه الله منها ولداً تقر به عينه، وعسى أن يكون في هذا الشيء المكروه الخير الكثير، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
وإن أردتم أيها المؤمنون نكاح امرأة مكان امرأة طلقتموها، وكنتم قد أعطيتم المطلّقة مهراً كبيراً يبلغ قنطاراً، فلا تأخذوا منه شيئاً، أتأخذونه ظلماً وعدواناً؟ وكيف يباح لكم أخذه وقد استمتعتم بهن بالمعاشرة الزوجية، وبالاتصال الجنسي ( الجماع ) واستحللتم فروجهن بكلمة الله ( عقد النكاح ) فكيف تأخذون ما دفعتم لهن من المهور بعد هذا الميثاق؟ ثم بين تعالى ما يحرم على الرجال نكاحهن من المحارم، وهنّ ( المحرمات من النساء ) فبدأ بحلائل الآباء، وأبطل ما كان العرب يفعلونه في جاهليتهم من نكاح الولد لزوجة أبيه، لأنه أمر قبيح قد تناهى في القبح والشناعة، وبلغ الذروة العليا في الفظاعة والبشاعة، إذ كيف يليق بالإنسان أن يتزوج امرأة أبيه وأن يعلوها بعد وفاته وهي مثل أمه؟ ثم عدّد تعالى المحرمات بالنسب وهن ( الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت ) والمحرمات من الرضاعة وذكر منهن ( الأمهات والأخوات ) والمحرمات بالمصاهرة وهن ( أم الزوجة، وبنت الزوجة، وزوجة الابن، والجمع بين الأختين ) وأحل ما سوى ذلك من النساء كما سنوضحه بالتفصيل عند ذكر الأحكام إن شاء الله تعالى.
في الآيات السابقة من أول سورة النساء نهى الله جل ثناؤه عن كثير من عادات الجاهلية في أمر اليتامى والأموال ونكاح اليتيمات من غير صداق، وعن الظلم الذي كانو عليه في أمر الميراث حيث كانوا يحرمون المرأة والصغير من الميراث بحجة أن هؤلاء لا يستطيعون الذود عن العشيرة، ولا حمل السلاح إلى آخر ما هنالك من مظالم اجتماعية، وقد جاءت هذه الآيات الكريمة لبيان نوع آخر من الظلم كانت تتعرض له النساء في الجاهلية وهو اعتبارهن كالمتاع ينتقل بالإرث من إنسان إلى آخر، فقد كانوا يرثون زوجة من يموت منهم كما يرثون ماله، فحرّم الله ذلك وأمر بإحسان معاشرتهن وصحبتهن، ودعا إلى إنصافهن من ذلك الظلم الصارخ والعدوان المبين.
سبب النزول
أولاً :روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال :كان أهل الجاهلية إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية ﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً ﴾.
ثانياً :وروي أنّ أهل الجاهلية كانوا إذا مات الرجل، جاء ابنه من غيرها أو وليه فورث امرأته كما يرث ماله، وألقى عليها ثوباً، فإن شاء تزوجها بالصداق الأول، وإن شاء زوّجها غيره وأخذ صداقها فنهوا عن ذلك ونزل ﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً ﴾.
ثالثاً :وروي أن ( أبا قيس بن الأسلت ) لما توفي خطب ابنه ( قيس ) امرأته فقالت :إنما أعدّك ولداً وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول الله ﷺ واستأمره، فأتت رسول الله ﷺ تستأذنه وقالت :إنما كنت أعده ولداً فما ترى؟ فقال لها :ارجعي إلى بيتك، فنزلت هذه الآية ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء ﴾ الآية.
وجوه القراءات
١ - قرأ الجمهور ﴿ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً ﴾ بفتح الكاف، وقرأ حمزة والكسائي ( كُرْهاً ) بضمها.
٢ - قرأ الجمهور ﴿ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ بكسر الياء، وقرأ ابن كثير وعاصم ( مبيَّنة ) بفتح الياء.
٣ - قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ ﴾ بالضم وكسر الحاء، وقرأ الباقون بفتح الهمزة والحاء.
أولاً :قوله تعالى : ﴿ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً ﴾ أن ترثوا في موضع رفع فاعل يحل و ( كرهاً ) مصدر في موضع نصب على الحال من المفعول والتقدير :لا يحل لكم إرث النساء مكرهاتٍ.
ثانياً :قوله تعالى : ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ ﴾ استثناء منقطع وقيل هو استثناء متصل تقديره :ولا تعضلوهن في حال من الأحوال إلا في حال إتيانهن بفاحشة مبينة.
ثالثاً :قوله تعالى : ﴿ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ﴾ المصدران منصوبان على الحال بتأويل الوصف أي اتأخذونه باهتين وآثمين و ( مبيناً ) صفة منصوب.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى :التعليل في قوله تعالى : ﴿ فعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾ إطماع للأزواج بالصبر على نسائهن وحسن معاشرتهن حتى في حالة الكراهية لهن، فربّ شيء تكرهه النفس يكون فيه الخير العظيم، وقد أرشدت الآية إلى قاعدة عامة لا في النساء خاصة بل في جميع الأشياء، وهذا هو السر في قوله : ﴿ وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً ﴾ ولم يقل :وعسى أن تكرهوا امرأة مع أن الوصية في الآية حول الإحسان إلى النساء، فتدبره فإنه دقيق.
اللطيفة الثانية :كنى الله تعالى عن الجماع بلفظ الإفضاء ﴿ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ وهي كناية لطيفة مثل ( الملامسة، والمماسة، والقربان، والغشيان ) وكلها كنايات عن الجماع، وفي ذلك تعليم للأمة الأدب الرفيع ليتخلقوا بأخلاق القرآن قال ابن عباس : « الإفضاء في هذه الآية الجماع ولكنّ الله كريم يكني » والكناية إنما تكون فيم لا يحسن التصريح به.
اللطيفة الثالثة :قال القرطبي : « خطب عمر رضي الله عنه فقال :» أيها الناس لا تغالوا في صدقات النساء ( مهورهن ) فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ، ما أصدق امرأة من نسائه ولا أحداً من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، فقامت إليه امرأة فقالت :يا عمر، يعطينا الله وتحرمنا؟ يقول الله سبحانه وتعالى ﴿ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً ﴾ فقال رضي الله عنه :أصابت امرأة وأخطأ عمر، كلّ الناس أفقه منك يا عمر وترك الإنكار «.
اللطيفة الرابعة :قال صاحب »
الكشاف « :» الميثاق الغليظ حق الصحبة والمضاجعة، ووصفه بالغلظة لقوته وعظمته، فقد قالوا :صحبة عشرين يوماً قرابة، فكيف بما جرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج... «
قال الشهاب الخفاجي :بل صحبة يوم قرابة وقد قالوا :
صحبةُ يوم نسبٌ قريبُ وذمةٌ يعرفها اللبيبُ
اللطيفة الخامسة :قال الرازي :»
مراتب القبح ثلاثة، القبح في العقول، وفي الشرائع، وفي العادات، فقوله ( إنه كان فاحشة ) إشارة إلى القبح العقلي، وقوله ( مقتاً ) إشارة إلى القبح الشرعي، وقوله ( وساء سبيلاً ) إشارة إلى القبح في العرف والعادة، ومتى اجتمعت فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية في القبح «.
الأحكام الشرعية
الحكم الأول :ما هو مقدار المهر المفروض في الشريعة الإسلامية؟
المهر في الشريعة الإسلامية هبة وعطية، وليس له قدر محدّد، إذ الناس يختلفون في الغنى والفقر، ويتفاوتون في السعة والضيق، فتركت الشريعة التحديد ليعطي كل واحد على قدر طاقته وحسب حالته، وقد اتفق الفقهاء على أنه لا حدّ لأكثر المهر لقوله تعالى : ﴿ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً ﴾.
قال العلامة القرطبي :»
في هذه الآية دليل على جواز المغالاة في المهور، لأن الله تعالى لا يمثّل إلاّ بمباح، وذكر قصة عمر وفيها قوله « أصابت امرأة وأخطأ عمر » وقال قوم :لا تعطي الآية جواز المغالاة في المهور، لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة، كأنه قال :وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد، وهذا كقوله ﷺ : « من بنى مسجداً لله ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة » ثم قال :وأجمع الفقهاء على ألا تحديد في أكثر الصداق «.
وأمّا أقل المهر فقد اختلفوا فيه على أقوال :
أ - أقلة ثلاثة دراهم ( ربع دينار ) وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى.
ب - أقله عشرة دراهم ( دينار ) وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
ج - لا حدّ لأقله ويجوز بكل شيء له قيمة وهو مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله.
قال الحافظ وقد وردت أحاديث في أقل الصداق لا يثبت منها شيء.
قال العلامة القرطبي : « تعلق الشافعي بعموم قوله تعالى : ﴿ بأموالكم ﴾ في جواز الصداق بقليل وكثير، وهو الصحيح ويعضده قوله عليه السلام » لو أن رجلاً أعطى ملء يديه طعاماً كانت به حلالاً « وأنكح سعيد بن المسيب ابنته من ( عبد الله بن وَدَاعة ) بدرهمين.
قال الشافعي :كل ما جاز أن يكون ثمناً لشيء أو جاز أن يكون أجرة جاز أن يكون صداقاً، وهذا قول جمهور أهل العلم وأهل الحديث، كلهم أجاز الصداق بقليل المال وكثيره »
.
حجة المالكية والأحناف :أن الشيء الحقير لا يصلح مهراً، ولا بدّ في المهر من قدر معلوم من المال، ولما كانت يد السارق لا تقطع إلاّ في دينار ( على قول أبي حنيفة ) وفي ربع دينار ( على قول مالك ) اعتبر هذا القدر في المهر قياساً على حد السرقة.
واستدل أبو حنيفة :بما رواه جابر أن رسول الله ﷺ قال : « لا صداق دون عشرة دراهم ».
الترجيح :أقول ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة أرجح فقد زوّج عليه السلام أحد الصحابة على ما يحفظه من القرآن ( زوجتكها بما معك من القرآن ) وقال لشخص :( التمس ولو خاتماً من حديد )، وزوج سيد التابعين ( سعيد بن المسيب ) ابنته على درهمين ولم ينكر عليه أحد، والأصل في المقادير إثباتها بطريق الشرع، وليس ثمة حديث صحيح في أقل الصداق يصلح حجة كما قال الحافظ والله أعلم.
الحكم الثاني :ما المراد بالميثاق الغليظ في الآية الكريمة؟
قال الضحاك وقتادة :هو العهد الذي أخذ عليهم من إحسان العشرة إلى النساء في قوله تعالى : ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان ﴾ [ البقرة :٢٢٩ ].
وقال مجاهد وعكرمة :المراد بالميثاق الغليظ هو ( عقد النكاح ) وقد دل عليه قوله عليه السلام : « اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ».
الحكم الثالث :ما هي المحرمات التي أرشدت إليها الآية الكريمة؟
المحرمات التي يحرم الزواج بهن ثلاثة أنواع وهن كالآتي :
١ - محرمات بالنسب ٢ - محرمات بالرضاع ٣ - محرمات بالمصاهرة.
المحرمات من النسب :
أشارت الآية الكريمة إلى تحريم سبعة من النسب وهنّ :( الأمهات، البنات، الأخوات، العمات، الخالات، بنات الأخ، بنت الأخت ) وهؤلاء يحرم الزواج بهن على التأبيد، أي أنه لا يحل الزواج بهن بحال من الأحوال، ويدخل في الأمهات الجدات وإن علون، كما يدخل في البنات بناتهن وإن سفلن، وكذلك الأخوات سواء كنّ شقيقات أو لأب أو لأم، والعمات والخالت وإن علون سواء كنّ شقيقات أو لأب أو لأم، والعمات والخالات وإن علون سواء كن من جهة الأب أو الأم.
المحرمات من الرضاع :
والمحرمات من الرضاع سبع أيضاً كما هو الحال في النسب لقوله ﷺ : « يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب » والآية الكريمة لم تذكر من المحرمات بالرضاع سوى ( الأمهات، والأخوات ) والأم أصل والأخت فرع، فنبّه بذلك على جميع الأصول والفروع، ووضحت السنة النبوية ذلك بالتفصيل وبصريح العبارة كما في الحديث السابق، وقد ثبت في الصحاح عنه ﷺ أنه قال عن ابنة حمزة « إنها ابنة أخي من الرضاعة ».
المحرمات بسبب المصاهرة :
وأما المحرمات بسبب المصاهرة فقد ذكرت الآية الكريمة منهن أربعاً وهنّ كالتالي :
أ - زوجة الأب لقوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء ﴾.
ب - زوجة الابن لقوله تعالى : ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم ﴾.
ج - أم الزوجة لقوله تعالى : ﴿ وأمهات نِسَآئِكُمْ ﴾.
د - بنت الزوجة إذا دخل بأمها لقوله تعالى : ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ الاتي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ الاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾.
والأصل في هذا أن أم الزوجة تحرم بمجرد العقد على البنت، ولا تحرم البنت إلا بالدخول بالأم الآية الكريمة ﴿ الاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ وقد استنبط العلماء من ذلك هذه القاعدة الأصولية وهي :( العقد على البنات يحرّم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات ).
تنبيه :الربيبة ( بنت الزوجة ) التي دخل بأمها تحرم على الزوج سواء كانت في حَجْره أو لم تكن في حجره، والتقييد في قوله ﴿ الاتي فِي حُجُورِكُمْ ﴾ ليس للشرط أو للقيد وإنما هو لبيان الغالب، لأن الغالب أنها تكون مع أمها ويتولى الزوج تربيتها وهذا بإجماع الفقهاء فتدبره.
المحرمات حرمة مؤقتة
وقد أشارت الآية الكريمة إلى من يحرم الزواج بهن حرمة مؤقتة وذكرت نوعين :
أ - الجمع بين الأختين لقوله تعالى : ﴿ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأختين ﴾ وألحقت السنة المطهرة ( الجمع بين المرأة وعمتها ) و ( الجمع بين المرأة وخالتها ) زيادة على الجمع بين الأختين.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها.
والحكمة في ذلك خشية القطيعة لحديث ابن عباس :نهى رسول الله ﷺ أن يتزوج الرجل المرأة على العمة أو على الخالة وقال : « إنكم إذا فعلتم ذلك قطّعتم أرحامكم ».
ب - زوجة الغير أو معتدته رعاية لحق الزوج لقوله تعالى : ﴿ والمحصنات مِنَ النسآء ﴾ أي المتزوجات من النساء، والمعتدة حكمها حكم المتزوجة ما دامت في العدة، وقد مر حكمها سابقاً في سورة البقرة [ ٢٣٥ ] في قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تعزموا عُقْدَةَ النكاح حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ ﴾ وبينّا الحكمة في ذلك فارجع إليها هناك والله يتولاك.
الحكم الرابع :هل وطء أم الزوجة يحرّم الزوجية؟
اختلف العلماء في الزنى بأم الزوجة أو بنتها هل يحرّم الزوجية أم لا؟
فذهب أبو حنيفة والصاحبان إلى القول بالتحريم، وهو قول الثوري والأوزاعي وقتادة.
وذهب الشافعي إلى القول بعدم التحريم لأن الحرام لا يحرّم الحلال وهو قول الليث والزهري ومذهب ( مالك ) رحمه الله وهي رواية « الموطأ ».
وسبب الخلاف هو اختلافهم في لفظ النكاح هل هو حقيقة في الوطء أم في العقد؟ فمن قال :إن المراد به في الآية الوطء حرّم من وطئت ولو بزنى، ون قال :إن المراد به العقد لم يحرم الزنى.
فالحنفية رجحوا أن يكون المراد بالنكاح الوطء، وقالوا :إن النكاح في الوطء حقيقة، وفي العقد مجاز، والحمل على الحقيقة أولى حتى يقوم الدليل على المجاز، وإذا كان المراد به الوطء فلا فرق بين الوطء الحلال، والوطء الحرام.
والشافعية رجحوا أن يكون المراد بالنكاح العقد، وقالوا :مما يدل له من جهة النظر أن الله جعل الحرمة للمصاهرة تكريماً لها، كما جعل الحرمة من النسب تكريماً للنسب، فكيف تجعل هذه الحرمة للزنى وهو فاحشة ومقت؟!
قال الشافعي في « الأم » : « فإن زنى بامرأة أبيه، أو أم امرأته فقد عصى الله ولا تحرم عليه امرأته ولا على أبيه ولا على ابنه، لأن الله إنما حرّم بحرمة الحلال تعزيزاً لحلاله، وزيادة في نعمته بما أباح منه، وأثبت به الحرم التي لم تكن قبله وأوجب بها الحقوق، والحرام خلاف الحلال ».
الترجيح :ولعل ما ذهب إليه الشافعية يكون أرجح لقوة دليلهم فقد روى عكرمة عن ابن عباس في الرجل يزنى بأم امرأته بعدما يدخل بها فقال :تخطّى حرمتين ولم تحرم عليه امرأته، وروي أنه قال :لا يحرم الحرام الحلال.
الحكم الخامس :حكم المتعة وآراء الفقهاء فيها.
تعريف المتعة :المتعة هي أن يستأجر الرجل المرأة إلى أجل معين بقدر معلوم، وقد كان الرجل ينكح امرأة وقتاً معلوماً شهراً أو شهرين، أو يوماً أو يومين ثم يتركها بعد أن يقضي منها وطره، فحرمت الشريعة الإسلامية ذلك، ولم تبح إلا النكاح الدائم الذي يقصد منه الدوام والاستمرار، وكل نكاح إلى أجل فهو باطل، لأنه لا يحقّق الهدف من الزواج.
وقد أجمع العلماء وفقهاء الامصار قاطبة على حرمة ( نكاح المتعة ) لم يخالف فيه إلاّ الروافض والشيعة، وقولهم مردود لأنه يصادم النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، ويخالف إجماع علماء المسلمين والأئمة المجتهدين.
وقد كانت المتعة في صدر الإسلام جائزة ثم نسخت واستقر على ذلك النهي والتحريم، وما روي عن ابن عباس من القول بحلها فقد ثبت رجوعه عنه كما أخرج الترمذي عنه رضي الله عنه أنه قال : « إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه مقيم، فتحفظ له متاعه وتصلح له شأنه » حتى نزلت الآية الكريمة
﴿ إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ [ المعارج :٣٠ ] فكل فرج سواهما فهو حرام.
فقد ثبت رجوعه عن قوله وهو الصحيح. وحكي أنه إنما أباحها حالة الاضطرار، والعنت في الأسفار، فقد روي عن ابن جبير أنه قال :قلت لابن عباس :لقد سارت بفتياك الركبان، وقال فيها الشعراء، قال :وما قالوا؟ قلت قالوا :
قد قلت للشيخ لا طال مجلسه يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس
هل لك في رخصة الأطراف آنسة تكون مثواك حتى مصدر الناس
فقال :سبحان الله ما بهذا أفتيت!! وما هي إلاّ كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، ولا تحل إلاّ للمضطر.
ومن هنا قال الحازمي :إنه ﷺ لم يكن أباحها لهم وهم في بيوتهم وأوطانهم، وإنما أباحها لهم في أوقات بحسب الضرورات، حتى حرّمها عليهم في آخر الأمر تحريم تأبيد.
الأدلة الشرعية والعقلية على تحريم المتعة
احتج أهل السُنَّة على حرمة المتعة بوجوه نلخصها فيما يلي :
أولاً :إن الوطء لا يحل إلاّ في الزوجة أو المملوكة لقوله تعالى : ﴿ والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ [ المؤمنون :٥-٦ ] وهذه ليست زوجة وليست مملوكة، لأنها لو كانت زوجة لحصل التوارث، وثبت النسب ووجبت العدة، وهذه لا تثبت باتفاق فيكون باطلاً.
ثانياً :إن الأحاديث الشريفة جاءت مصرحة بتحريمه، منها ما رواه مالك عن الزهري بسنده عن علي كرم الله وجهه أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء، وعن أكل لحوم الحمر الأهلية.
ثالثاً :ما رواه ابن ماجة أن رسول الله ﷺ حرّم المتعة فقال : « يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع، ألا وإن الله قد حرمها إلى يوم القيامة ».
رابعاً :أن عمر رضي الله عنه حرمها وهو على المنبر أيام خلافته، وأقره الصحابة رضي الله عنهم، وما كانوا ليقروه على خطأ لو كان مخطئاً فكان ذلك منهم إجماعاً.
خامساً :إن نكاح المتعة لا يقصد به إلاّ قضاء الشهوة، ولا يقصد به التناسل، ولا المحافظة على الأولاد، وهي المقاصد الأصلية للزواج، فهو يشبه الزنى من حيث قصد الاستمتاع دون غيره، وقد قال الله تعالى : ﴿ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين ﴾ وليس مقصود المتمتع إلا قضاء الشهوة، وصب الماء، واستفراغ أوعية المني، فبطلت المتعة بهذا القيد.
قال الخطابي :تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة، ولا يصح على قاعدتهم في الرجوع في المخالفات إلى ( علي ) رضي الله عنه فقد صحّ عنه أنها نسخت، ونقل البيهقي عن ( جعفر بن محمد ) أنه سئل عن المتعة فقال :هي الزنى بعينه، فبطل بذلك كل مزاعم الشيعة.
تحقيق العلامة الشوكاني
قال الشوكاني :( وعلى كل حال فنحن متعبدون بما بلغنا عن الشارع، وقد صح لنا عنه التحريم المؤبد، ومخالفة طائفة من الصحابة له غير قادحة في حجيته، ولا قائمة لنا بالمعذرة عن العمل به، كيف والجمهور من الصحابة قد حفظوا التحريم وعملوا به ورووه لنا، حتى قال ابن عمر :إن رسول الله ﷺ أذن لنا في المتعة ثلاثاً ثم حرمها، واللهِ لا أعلم أحداً تمتَّع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة ).
وقال ابن الجوزي : « وقد تكلف قوم من المفسّرين فقالوا :المراد بهذه الآية نكاح المتعة، ثم نسخت بما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن متعة النساء، وهذا تكلف لا يحتاج إليه، لأن النبي ﷺ أجاز المتعة ثم منع منها فكان قوله منسوخاً بقوله ( يعني بالسنة ) وأما الآية فإنها لا تتضمن جواز المتعة وإنما المراد بها الاستمتاع في النكاح ».
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
١ - تحريم الاعتداء على النساء بالظلم والاستبداد، ووجوب الإحسان إليهن وصحبتهن بالمعروف.
٢ - الصبر على المرأة عند الكراهية، وعدم التضييق عليها حتى تفتدي نفسها بالمال.
٣ - تحريم أخذ شيء من مهر المرأة عند الطلاق بدون مسوّغ شرعي يبيحه الإسلام.
٤ - إبطال بعض عادات الجاهلية ومنها الزواج بامرأة الأب بعد الوفاة.
٥ - المحرمات من النساء اللواتي يحرمن على الرجل بالنسب، والرضاع، والمصاهرة.
خاتمة البحث :
حكمة التشريع
حرّم الباري جلّ وعلا نكاح المحارم من النساء سواء كانت القرابة عن طريق النسب، أو الرضاع، أو المصاهرة، وجعل هذه الحرمة مؤبدة لا تحل بحال من الأحوال، وذلك لحكم عظيمة جليلة نبينها بإيجاز فيما يلي :
أما تحريم النساء من النسب فإن الله جل ثناؤه جعل بين الناس ضروباً من الصلة يتراحمون بها، ويتعاونون على جلب المنافع ودفع المضار، وأقوى هذه الصلات صلة القرابة ولما اقتضت طبيعة الوجود ( تكوين الأسرة ) وكانت الأسرة محتاجة إلى الاختلاط بين أفرادها بسبب هذه الصلة القوية ( صلة النسب ) فلو أبيح الزواج من المحارم لتطلعت النفوس إليهن، وكان فيهن مطمع، والنفوس بطبعها مجبولة على الغيرة، فيغار الرجل من ابنه على أمه وأخته، وذلك يدعو إلى النزاع والخصام، وتفكك الأسرة، وحدوث القتل الذي يدمّر الأسرة والمجتمع.
ثم إنّ الوليد يتكون جنيناً من دم الأم، ثم يكون طفلاً يتغذى من لبنها، فيكون له مع كل مصَّة من ثديها عاطفة جديدة يستلها من قلبها، والطفل لا يحب أحداً في الدنيا مثل أمه، أفليس من الجناية على الفطرة أن يزاحم هذا الحب العظيم بين الوالدين والأولاد حب الاستمتاع بالشهوة فيزحمه ويفسده وهو خير ما في هذه الحياة؟!
ولأجل هذا كان تحريم نكاح الأمهات هو الأشد المقدم في الآية، ويليه تحريم البنات ثم الأخوات ثم العمات والخالات إلخ.
وقد أودع الله في الإنسان فطرة نقية تحجزه عن التفكير في محارمه فضلاً عن حب الاستمتاع بهن، ولولا ما عهد في الإنسان من الشذوذ والجناية على الفطرة، والعبث بها لكان للمرء أن يتعجب من تحريم الأمهات والبنات لأن هذا من قبيل المستحيلات في نظر الإنسان العاقل، سليم الفطرة والتفكير.
ثم إن هناك حكمة جسدية حيوية عظيمة، وهي أن تزوج الأقارب بعضهم ببعض يكون سبباً لضعف النسل، فإذا تسلسلت واستمرت يتسلسل الضعف والضوى ( النحافة ) حتى ينقرض النسل، وهذا ما أشار إليه الإمام الغزالي رحمه الله في كتابه « الإحياء » حيث قال : « إنّ من الخصال التي تطلب مراعاتها في المرأة أن لا تكون من القرابة القريبة، فإن الولد يُخْلق ضاوياً أي ( نحيفاً ) وعلّل ذلك بأن الشهوة إنما تنبعث بقوة الإحسان بالنظر أو اللمس، وإنما يقوى الإحساس بالأمر الغريب الجديد، فأما المعهود فإنه يضعف الحسّ ولا تنبعث به الشهوة » وهو تعليل دقيق أقره العلم الحديث.
وأمّا المحرمات بالمصاهرة فإن الله تعالى أكرم البشرية بهذه الرابطة الإنسانية، وامتنّ على الناس بقرابة الصهر، التي تجمع بين النفوس المتباعدة المتنافرة بروابط الألفة والمحبة ﴿ وَهُوَ الذي خَلَقَ مِنَ المآء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً ﴾ [ الفرقان :٥٤ ] فإذا تزوج الرجل من عشيرة صار كأحد أفرادها، فينبغي أن تكون أم زوجته بمنزلة أمه في الاحترام، وبنتها التي في حجره كبنته من صلبه، وكذلك ينبغي أن تكون زوجة ابنه بمنزلة ابنته وهكذا.
ومن القبح جداً أن تكون البنت ضرة لأمها، والابن طامعاً في زوجة أبيه، فإن ذلك ينافي حكمة المصاهرة، ويكون سبب فساد العشيرة.
وأما المحرمات بالرضاع فإن الحكمة فيهن ظاهرة، وهي أن من رضع من امرأة كان بعض بدنه جزءاً منها، لأن تكوّن من لبنها فصارت في هذا كأمه التي ولدته، وصار أولادها إخوة له لأن لتكوين أبدانهم أصلاً واحداً هو ذلك اللبن والله تعالى أعلم.
[ ٤ ] وسائل معالجة الشقاق بين الزوجين
التحليل اللفظي
﴿ قوامون ﴾ :قوّام :صيغة مبالغة من القيام على الأمر بمعنى حفظه ورعايته، فالرجل قوام على امرأته كما يقوم الوالي على رعيته بالأمر والنهي، والحفظ والصيانة.
﴿ قانتات ﴾ :أصل القنوت دوام الطاعة، ومنه القنوت في الصلاة والمراد أنهن مطيعات لله ولأزواجهن.
﴿ نُشُوزَهُنَّ ﴾ :عصيانهن وترفعهن عن طاعتكم، وأصل النشز المكان المرتفع ومنه تلّ ناشز أي مرتفع.
قال في « اللسان » :النشوز يكون بين الزوجين، وهو كراهة كل واحد منهما صاحبه، واشتقاقه من النَشَز وهو ما ارتفع من الأرض، ونشز الرجل إذا كان قاعداً فنهض قائماً ومنه قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا قِيلَ انشزوا فَانشُزُواْ ﴾ [ المجادلة :١١ ].
﴿ فَعِظُوهُنَّ ﴾ :أي ذكّروهن بما أوجب الله عليهن من الطاعة وحسن العشرة للأزواج.
﴿ المضاجع ﴾ :المراد بهجر المضاجع هجر الفراش والمضاجعة.
قال ابن عباس :الهجر في المضاجع هو أن يضاجعها ويوليها ظهره ولا يجامعها. وقيل :أن يعزل فراشه عن فراشها.
﴿ شِقَاقَ ﴾ :الشقاق :الخلاف والعداوة وهو مأخوذ من الشق بمعنى الجانب، لأن كلاً من المتخالفين يكون في شق غير شق الآخر بسبب العداوة والمباينة.
﴿ حَكَماً ﴾ :الحكم من له حق الحكم والفصل بين الخصمين المتنازعين.
﴿ والجار الجنب ﴾ :الجار البعيد أو الذي ليس له قرابة تربطه بجاره وأصله من الجنابة ضد القرابة.
﴿ والصاحب بالجنب ﴾ :هو الرفيق في السفر، أو طلب العلم، أو الشريك وقيل :هي الزوجة.
﴿ مُخْتَالاً فَخُوراً ﴾ :قال ابن عباس :المختال البطر في مشيته، والفخور المفتخر على الناس بكبره.
المعنى الإجمالي
يقول الله جل ثناؤه ما معناه :الرجال لهم درجة الرياسة على النساء، بسبب ما منحهم الله من العقل والتدبير، وخصّهم به من الكسب والإنفاق، فهم يقومون على شؤون النساء كما يقوم الولاة على الرعايا بالحفظ والرعاية وتدبير الشؤون. ثمّ فصّل تعالى حال النساء تحت رياسة الرجل، وذكر أنهن قسمان :قسم صالحات مطيعات، وقسم عاصيات متمردات، فالنساء الصالحات مطيعات للأزواج، حافظات لأوامر الله، قائمات بما عليهن من حقوق، يحفظن أنفسهن عن الفاحشة، وأموال أزواجهن عن التبذير في غيبة الرجال، فهنّ عفيفات، أمينات، فاضلات.
وأما القسم الثاني وهنّ النساء الناشزات المتمردات المترفعات على أزواجهن، اللواتي يتكبرن ويتعالين عن طاعة الأزواج، فعليكم أيها الرجال أن تسلكوا معهن طريق النصح والإرشاد، فإن لم يجد الوعظ والتذكير فعليكم بهجرهن في الفراش مع الإعراض والصد، فلا تكلموهن ولا تقربوهن، فإذا لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران فلكم أن تضربوهن ضرباً غير مبّرح، ضرباً رفيقاً يؤلم ولا يؤذي، فإن أطعنكم فلا تلتمسوا طريقاً لإيذائهن، فإن الله تعالى العلي الكبير أعلى منكم وأكبر، وهو وليهن ينتقم ممن ظلمهم وبغى عليهن.
ثمّ بيّن تعالى حالةً أخرى، وهي ما إذا كان النفور لا من الزوجة فحسب بل من الزوجين، فأمر بإرسال ( حكمين ) عدلين، واحد من أقربائها والثاني من أقرباء الزوج، ليجتمعا وينظرا في أمرهما ويفعلا ما فيه المصلحة، إن رأيا التوفيق وفّقا، وإن رأيا التفريق فرّقا، فإذا كانت النوايا صحيحة، والقلوب ناصحة بورك في وساطتهما، وأوقع الله بطيب نفسهما وحسن سعيهما الوفاق والألفة بين الزوجين، وما شرعه الله إنما جاء وفق الحكمة والمصلحة لأنه من حكيم خبير.
ثم ختم تعالى هذه الآيات بوجوب عبادته تعالى وعدم الإشراك به، وبالإحسان إلى الوالدين، وإلى الأقرباء واليتامى والمساكين، ومن له حق الجوار من الأقارب والأباعد.
سبب النزول
نزلت الآية الكريمة في ( سعد بن الربيع ) مع امرأته ( حبيبة بنت زيد ) وكان سعد من النقباء وهما من الأنصار، وذلك أنها نشزت عليه فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي ﷺ فقال : « أفرشته كريمتي فلطمها، فقال النبي ﷺ :» لتقتصّ من زوجها « فانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه، فقال النبي ﷺ ارجعوا هذا جبريل أتاني وأنزل الله ﴿ الرجال قوامون عَلَى النسآء ﴾ فقال النبي ﷺ :» أردنا أمراً، وأراد الله أمراً، والذي أراد الله خير « ورفع القصاص.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى :علّل تعالى قوامة الرجال على النساء بتعليلين :
أحدهما :وهبي، والآخر كسبي، وأورد العبارة بصيغة المبالغة ﴿ قوامون عَلَى النسآء ﴾، للإشارة إلى كامل الرئاسة والولاية عليهن كما يقوم الولاة على الرعايا، فلهم حق الأمر، والنهي، والتدبير والتأديب، وعليهم كامل المسؤولية في الحفظ والرعاية والصيانة، وهذا هو السر في مجيء الجملة اسمية.
اللطيفة الثانية :قال صاحب »
الكشاف « :ذكروا في فضل الرجال أموراً منها :العقل، والحزم، والعزم، والقوة، وأن منهم الأنبياء، وفيهم الإمامة الكبرى، والصغرى، والجهاد، والأذان، والخطبة، والشهادة في الحدود، والقصاص، والزيادة في الميراث، والولاية في النكاح، وإليهم الانتساب، وغير ذلك.
اللطيفة الثالثة :ورد النظم الكريم ﴿ بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ﴾ ولو قال »
بما فضلهم عليهن « أو قال » بتفضيلهم عليهن « لكان أوجز وأخصر، ولكنّ التعبير يورد بهذه الصيغة لحكمة جليلة، وهي إفادة أن المرأة من الرجل، والرجل من المرأة بمنزلة الأعضاء من جسم الإنسان، فالرجل بمنزلة الرأس، والمرأة بمنزلة البدن، ولا ينبغي أن يتكبر عضو على عضو لأن كل واحد يؤدي وظيفته في الحياة، فالأذن لا تغني عن العين، واليد لا تغني عن القدم، ولا عار على الشخص أن يكون قلبه أفضل من معدته، ورأسه أشرف من يده، فالكل يؤدي دوره بانتظام، ولا غنى لواحدٍ عن الآخر. ثم للتعبير حكمة أخرى وهي الإشارة إلى أن هذا التفضيل إنما هو للجنس، لا لجميع أفراد الرجال على جميع أفراد النساء، فكم من امرأة تفضل زوجها في العلم، والدين، والعمل، وكما يقول الشاعر :
ولو كان النساء كمن ذكرنا لفضلت النساء على الرجال
وبهذين المعنيين اللذين ذكرناهما ظهر أن الآية في نهاية الإيجاز والإعجاز.
اللطيفة الرابعة :لم يذكر الله تعالى في الآية إلاّ ( الإصلاح ) ولم يذكر ما يقابله وهو ( التفريق ) بين الزوجين، وفي ذلك لطيفة دقيقة، وإرشاد من الله تعالى للحكمين إلى أنه ينبغي أن لا يدَّخراً وسعاً في الإصلاح، فإن في التفريق خراب البيوت، وفي التوفيق الألفة والمودة والرحمة، وغرضُ الإسلام جمع القلوب على المحبة والوئام.
اللطيفة الخامسة :قال الزمخشري : « وإنما كان الحكمان من أهلهما، لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للصلاح، وإليهم تسكن نفوس الزوجين، ويبرز إليهم ما في ضمائرهما من الحب والبغض، وإرادة الصحبة والفرقة، وموجبات ذلك ومقتضياته، وما يزويانه عن الأجانب، ولا يحبان أن يطلعوا عليه ».
اللطيفة السادسة :ذكر الشعبي أن شريحاً تزوج امرأة من بني تميم يقال لها ( زينب ) فلما تزوجها ندم حتى أراد أن يرسل إليها بطلاقها، ثم قال :لا أعجل حتى يجاء بها، فلما جيء بها تشهّدت ثم قالت :أما بعد فقد نزلنا منزلاً لا ندري متى نظعن منه، فانظر الذي تكره، هل تكره زيارة الأخْتان؟ فقلت :إني شيخ كبير لا أكره المرافقة، وإني لأكره ملال الأخْتان، قال :فما شرطتُ شيئاً إلاّ وفت به، فأقامت سنة ثم جئت يوماً ومعها في الحَجَلة إنس، فقلت :إنّا لله، فقالت :أبا أمية إنها أمي، فسلّم عليها فقالت :انظر فإن رابك شيء منها فأوجع رأسها، قال :فصحبتني ثم هلكت قبلي، قال :فوددت أني قاسمتها عمري، أو مت أنا وهي في يوم واحد، وأنشد شريح :
رأيت رجالاً يضربون نساءهم فشلّت يميني حين أضرب زينباً
الحكم الأول :ما هي الخطوات التي أرشد إليها الإسلام لمعالجة نشوز المرأة؟
أرشدت الآية الكريمة إلى الطريقة الحكيمة في معالجة نشوز المرأة ودعت إلى الخطوات التالية :
أولاً :النصح والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة لقوله تعالى : ﴿ فَعِظُوهُنَّ ﴾.
ثانياً :الهجران بعزل فراشه عن فراشها وترك معاشرتها لقوله تعالى : ﴿ واهجروهن فِي المضاجع ﴾.
ثالثاً :الضرب غير المبرح بسواك ونحوه تأديباً لها، لقوله تعالى : ﴿ واضربوهن ﴾.
رابعاً :إذا لم تُجْد كل هذه الوسائل فينبغي التحكيم لقوله تعالى : ﴿ فابعثوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ ﴾.
وأما الضرب فقد وضّحه عليه السلام بقوله : « فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبّرح ».
قال ابن عباس وعطاء :الضرب غير المبّرح بالسواك، وقال قتادة :ضرباً غير شائن.
وقال العلماء :ينبغي أن لا يوالي الضرب في محل واحد وأن يتقي الوجه فإنه يجمع المحاسن، ولا يضربها بسوط ولا عصا، وأن يراعي التخفيف في هذا التأنيب على أبلغ الوجوه.
وقد « سئل عليه السلام :ما حق امرأة أحدنا عليه؟ فقال :» أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبّح، ولا تهجر إلا في البيت « ».
ومع أن الضرب مباح فقد اتفق العلماء على أن تركه أفضل لقوله عليه السلام : « ولن يضرب خياركم ».
الحكم الثاني :هل هذه العقوبات مشروعة على الترتيب؟
اختلف العلماء في العقوبات الواردة في الآية الكريمة هل هي مشروعة على الترتيب أم لا؟
فقال جماعة من أهل العلم إنها على الترتيب، فالوعظ عند خوف النشوز، والهجر عند ظهور النشوز، ثم الضرب، ولا يباح الضرب عند ابتداء النشوز، وهذا مذهب أحمد، وقال الشافعي :يجوز ضربها في ابتداء النشوز.
ومنشأ الخلاف بين العلماء اختلافهم في فهم الآية، فمن رأى الترتيب قال إن ( الواو ) لا تقتضي الترتيب بل هي لمطلق الجمع، فللزوج أن يقتصر على إحدى العقوبات أياً كانت، وله أن يجمع بينها.
ومن ذهب إلى وجوب الترتيب يرى أن ظاهر اللفظ يدل على الترتيب، والآية وردت على سبيل التدرج من الضعيف إلى القوي ثم إلى الأقوى فإنه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران، ثم ترقى منه إلى الضرب، وذلك جار مجرى التصريح بوجوب الترتيب، فإذا حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشد.
أقول :لعل هذا هو الأرجح لظاهر الآية الكريمة والله أعلم.
قال ابن العربي :( من أحسن ما سمعت في تفسير هذه الآية قول ( سعيد بن جبير ) فقد قال : « يعظها فإن هي قبلت وإلاّ هجرها، فإن هي قبلت وإلاّ ضربها، فإن هي قبلت وإلا بعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها، فينظران ممن الضرر وعند ذلك يكون الخلع ).
وروي عن علي كرم الله وجهه ما يؤيد ذلك فإنه قال :»
يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين «.
الحكم الثالث :هل يجوز في الحكمين أن يكونا من غير الأقارب؟
ظاهر الآية أنه يشترط في الحكمين أن يكونا من الأقارب لقوله تعالى : ﴿ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ ﴾ وأن ذلك على سبيل الوجوب، ولكن العلماء حملوه على وجه الاستحباب، وقالوا :إذا بعث القاضي حكمين من الأجانب جاز، لأن فائدة الحكمين التعرف على أحوال الزوجين وإجراء الصلح بينهما، والشهادة على الظالم منهما، وهذا الغرض يؤديه الأجنبي كما يؤديه القريب، إلا أن الأقارب أعرف بحال الزوجين، طلباً للإصلاح من الأجانب، وأبعد عن التهمة بالميل لأحد الزوجين، لذلك كان الأولى والأوفق أن يكون أحد الحكمين من أهل الزوج والآخر من أهل الزوجة.
قال الألوسي :»
وخُصّ الأهل لأنهم أطلب للصلاح، وأعرف بباطن الحال، وهذا على وجه الاستحباب، وإن نصّبا من الأجانب جاز «.
الحكم الرابع :من المخاطب في الآية الكريمة ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾.
الخطاب في الآية السابقة للأزواج لقوله تعالى : ﴿ واهجروهن فِي المضاجع ﴾ وهذا من حق الزوج، والخطاب هنا للحكام، فإنه تعالى لما ذكر نشوز المرأة، وأن للزوج أن يعظها ويهجرها في المضجع ويضربها، بيّن تعالى أنه إذا لم يبق بعد الضرب إلا المحاكمة إلى من ينصف المظلوم من الظالم ويتوجه حكمه عليهما وهو السلطان الذي بيده سلطة الحكم والتنفيذ.
وروي عن السُدّي أن الخطاب للزوجين. وهذا القول مرجوح.
وظاهر الأمر في قوله تعالى : ﴿ فابعثوا ﴾ أنه للوجوب وبه قال الشافعي رحمه الله، لأنه من باب رفع الظُّلامات وهو من الفروض العامة الواجبة على الولاة.
الحكم الخامس :هل للحكمين أن يفرقا بين الزوجين بدون إذنهما؟
اختلف الفقهاء في الحكمين هل لهما الجمع والتفريق بدون إذن الزوجين أم ليس لهما تنفيذ أمر بدون إذنهما؟
فذهب أبو حنيفة وأحمد إلى أنه ليس للحكمين أن يفرقا إلا برضى الزوجين لأنهما وكيلان عنهما، ولا بدّ من رضى الزوجين فيما يحكمان به، وهو مروي عن ( الحسن البصري ) و ( قتادة ) و ( زيد بن أسلم ).
وذهب مالك إلى أن لهما أن يلزما الزوجين بدون إذنهما ما يريا فيه المصلحة، فإن رأيا التطليق طلّقا، وإن رأيا أن تفتدي المرأة بشيء من مالها فعلا، فهما حاكمان موليان، من قبل الإمام وينفذ حكمهما في الجمع والتفرقة وهو مروي عن ( علي ) و ( ابن عباس ) و ( الشعبي ).
وللشافعي في المسألة قولان.
وليس في الآية ما يرجح أحد الرأيين على الآخر، بل فيها ما يشهد لكلٍ من الرأيين.
فالحجة للرأي الأول :أن الله تعالى لم يضف إلى الحكمين إلا الإصلاح ﴿ إِن يُرِيدَآ إصلاحا ﴾ وهذا يقتضي أن يكون ما وراء الإصلاح غير مفوض إليهما، ولأنهما وكيلان ولا ينفذ حكمهما إلا برضى الموكل.
والحجة للرأي الثاني :أن الله تعالى سمّى كلاً منهما حكماً ﴿ فابعثوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ ﴾ والحكم هو الحاكم، ومن شأن الحاكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه رضي أم سخط.
قال الجصاص : « قال أصحابنا :ليس للحكمين أن يفرقا إلاّ أن يرضى الزوج، وذلك لأنه لا خلاف أن الزوج لو أقر بالإساءة إليها لم يفرق بينهما، ولم يجبره الحاكم على طلاقها قبل تحكيم الحكمين، وكذلك لو أقرت المرأة بالنشوز لم يجبرها الحاكم على خلع، ولا على ردّ مهرها، فكذلك بعد بعث الحكمين لا يجوز إلا برضى الزوجين » وهو اختيار الطبري.
قال الطبري : « وليس للحكمين ولا لواحد منهما الحكم بالفرقة بينهما، ولا بأخذ مال إلا برضى المحكوم عليه بذلك ».
أقول :ولعلّ الرأي الأول هو الأرجح لقوة الدليل وهذا ما اختاره الطبري رحمه الله والله أعلم.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
١ - للزوج حق تأديب زوجته ومنعها من الخروج من المنزل إلا بإذنه.
٢ - على الزوجة طاعة زوجها في حدود ما أمر الله لا في المعصية.
٣ - ضرورة التحكيم إذا لم تُجْد جميع وسائل الإصلاح من قبل الزوج.
٤ - على الحكمين أن يبذلا أقصى ما في وسعهما للإصلاح بين الزوجين.
خاتمة البحث
حكمة التشريع
قضت السنة الكونية وظروف الحكياة الاجتماعية، أن يكون في الأسرة قيّم، يدير شؤونها، ويتعهد أحوالها، وينفق من ماله عليها، لتؤدي رسالتها على أكمل الوجوه، ولتكون نواة للمجتمع الإنساني الذي ينشده الإسلام، إذ في صلاح الأسرة صلاح المجتمع، وفي فساد الأسرة وخرابها خراب المجتمع.
ولما كان الرجل أقدر على تحمل هذه المسؤولية من المرأة، بما وهبه الله من العقل، وقوة العزيمة والإرادة، وبما كلّفه من السعي والإنفاق على المرأة والأولاد، كان هو الأحق بهذه القوامة، التي هي في الحقيقة درجة ( مسؤولية وتكليف ) لا درجة ( تفضيل وتشريف ) إذ هي مساهمة في تحمل الأعباء، وليست للسيطرة والاستعلاء، إذ لا بدّ لكل أمر هام من رئيس يتولى شؤون التدبير والقيادة. وقد جعل الله للرجال حق القيام على النساء بالتأديب والتدبير، والحفظ والصيانة، ولعل أخبث ما يتخذه أعداء الإسلام ذريعة للطعن في دين الله، زعمهم أن الإسلام أهان المرأة حين سمح للرجل أن يضربها ويقولون :كيف يسمح الله بضرب النساء، وكيف يحوي كتابه المقدس هذا النص ﴿ فَعِظُوهُنَّ واهجروهن فِي المضاجع واضربوهن ﴾ ؟! أفليس هذا اعتداء على كرامة المرأة!!
والجواب :نعم لقد سمح القرآن بضرب المرأة ولكن متى يكون الضرب؟ ولمن يكون؟
إن هذا الأمر علاج، والعلاج إنما يحتاج إليه عند الضرورة، فالمرأة إذا أساءت عشرة زوجها، وركبت رأسها، وسارت وراء الشيطان وبقيادته، لا تكف ولا ترعوي عن غيّها وضلالها، فماذا يصنع الرجل في مثل هذه الحالة؟ أيهجرها، أم يطلقها، أم يتركها تصنع ما تشاء؟
لقد أرشد القرآن الكريم إلى الدواء، أرشد إلى اتخاذ الطرق الحكيمة في معالجة هذا النشوز والعصيان، فأمر بالصبر والأناة، ثم بالوعظ والإرشاد، ثمّ بالهجر في المضاجع، فإذا لم تنفع كل هذه الوسائل فلا بدّ أن نستعمل آخر الأدوية، وكما يقولون في الأمثال :( آخر الدواي الكيّ ).
فالضرب بسواك وما أشبهه أقل ضرراً من إيقاع الطلاق عليها، لأن الطلاق هدم لكيان الأسرة، وتمزيق لشملها، وإذا قيس الضرر الأخف بالضرر الأعظم، كان ارتكاب الأخف حسناً وجميلاً، وكما قيل :( وعند ذكر العمى يستحسن العور ).
فالضرب ليس إهانة للمرأة - كما يظنون - وإنما هو طريق من طرق العلاج، ينفع في بعض الحالات مع بعض النفوس الشاذة المتمردة، التي لا تفهم الحسنى، ولا ينفع معها الجميل.
العبد يقرع بالعصا... والحر تكفيه الإشارة
وإن من النساء، بل من الرجال من لا يقيمه إلا التأديب، ومن أجل ذلك وضعت العقوبات وفتحت السجون.
يقول السيد رشيد رضا في تفسيره « المنار » : « وأما الضرب فاشترطوا فيه أن يكون غير مبرح، والتبريح الإيذاء الشديد، وقد روى عن ابن عباس تفسيره بالضرب بالسواك ونحوه أي كالضرب باليد، أو بقصبة صغيرة ونحوها.
ثم قال :يستكبر بعض مقلدة الافرنج في آدابهم منا مشروعية ضرب المرأة الناشز، ولا يستكبرون أن تنشز وتترفع عليه، فتجعله وهو رئيس البيت مرءوساً بل محتقراً، وتصر على نشوزها حتى لا تلين لوعظه ونصحه، ولا تبالي بإعراضه وهجره، ولا أدري بم يعالجون هؤلاء النواشز؟ وبم يشيرون على أزواجهن أن يعاملوهن به؟
إن مشروعية ضرب النساء ليست بالأمر المستنكر في العقل أو الفطرة فيحتاج إلى التأويل، فهو أمر يحتاج إليه في حال ( فساد البيئة ) وغلبة الأخلاق الفاسدة، وإنما يباح إذا رأى الرجل أن رجوع المرأة عن نشوزها يتوقف عليه، وإذا صلحت البيئة، وصار النساء يعقلن النصيحة، ويستجبن للوعظ، أو يزدجرن بالهجر فيجب الاستغناء عن الضرب، فلكل حال حكم يناسبها في الشرع، ونحن مأمورون على كل حال بالرفق بالنساء »
.
أقول :إن أمر الضرب في شريعة الله ليس إلا طريقاً من طرق الإصلاح، وقد روي عن عطاء أنه قال :لا يضربْ زوجه وإن أمرها أو نهاها فلم تطعه، ولكنْ يغضب عليها، وقال عليه السلام « ولن يضرب خياركم » ومع ذلك فهو علاج في بعض الحالات الشاذَّة ﴿ فَمَالِ هؤلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ [ النساء :٧٨ ].
[ ٥ ] حرمة الصلاة على السكران والجنب
التحليل اللفظي
﴿ سكارى ﴾ :قال في « اللسان » :السّكر نقيض الصحو، وأسكره الشراب، والجمع سُكارى وسَكْرى، شبّه بالنّوْكى، والحمقى، والهلْكَى لزوال عقل السكران.
وقال الراغب :السّكْر حالة تعرض بين المرء وعقله، وأكثر ما يستعمل في الشراب، وقد يعتري من الغضب والعشق ولذلك قال الشاعر :
سُكْرانِ سُكْرُ هَوى وسكرُ مُدام... وأصل السُّكْلا من السِّكر وهو سد مجرى الماء، فالبسّكْر ينسد طريق المعرفة، وسكرةُ الموت شدته.
﴿ جُنُباً ﴾ :الجنب اسم يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمفرد والجمع يقال :رجل جنب، ورجال جنب، وأصل الجنابة البعد، ويقال للذي يجب عليه الغسل من حدث الجنابة جنب، لأن جنابته تبعده عن الصلاة وعن المسجد وقراءة القرآن حتى يتطهر.
﴿ عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ :العابر من العبور يقال :عبرت نهر والطريق إذا قطعته من الجانب إلى الجانب الآخر، السبيلُ :الطريقُ ويراد يعابر السبيل المسافر، أو الذي يعبر بالمسجد أي يمر به.
﴿ الغآئط ﴾ :الغائط المكان المطئن من الأرض، وكان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب منخفضاً من الأرض لغيب عن عيون الناس، ثمّ كثر ذلك حتى قالوا للحدث غائطاً، فكنّوا به عن الحدث تسمية للشيء باسم مكانه.
﴿ لامستم النسآء ﴾ :اللمس حقيقته المس باليد، وإذا أضيف إلى النساء يراد به الجماع، وقد كثر هذا الاستعمال في الغة العرب، والقرآن قد كنى بالمباشرة والمس عن الجماع في آيات عديدة قال تعالى : ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ﴾ [ المجادلة :٣ ] وقال تعالى : ﴿ وَلاَ تباشروهن وَأَنْتُمْ عاكفون فِي المساجد ﴾ [ البقرة :١٨٧ ].
﴿ فَتَيَمَّمُواْ ﴾ :التيمم في اللغة :القصد يقال :تيممته برمحي أي قصدته دون غيره، وأنشد الخليل :
يمّمتُه الرمح شَزْراً ثم قلتُ له... هذي البسالةُ لا لعبُ الزحاليق
وتيمّم البلدة قصد التوجه إليها قال الشاعر :
وما أدري إذا يمّمتُ أرضاً... أريدُ الخير أيّهما يليني
وفي الشرع :مسح الوجه واليدين بالتراب بقصد الطهارة، وقد جمع الشاعر المعنيين بقوله :
تيمّمتُكُم لمّا فقدتُ أولي النّهى... ومن لم يجد ( ماءً ) تيمَّمَ بالترب
﴿ صَعِيداً طَيِّباً ﴾ :قال الزجاج :الصعيد وجه الأرض تراباً كان أو غيره، قال تعالى ﴿ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ﴾ [ الكهف :٨ ] وقال تعالى : ﴿ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً ﴾ [ الكهف :٤٠ ] أي أرضاً ملساء تنزلق عليها الأقدام، وسمي صعيداً لأنه يصعد من الأرض.
قال صاحب « القاموس » :الصعيد التراب، ووجه الأرض.
قال ابن قتيبة :ومعنى ﴿ صَعِيداً طَيِّباً ﴾ أي تراباً نظيفاً.
﴿ فامسحوا ﴾ :قال في « اللسان » :المسحُ إمرارك يدك على الشيء تريد إذهابه، كمسحك رأسك من الماء، وجبينك في الرّشح، مسحه مسحاً وتمسَّح منه وبه.
﴿ عَفُوّاً غَفُوراً ﴾ :أي مسامحاً لعباده، متجاوزاً عمّا صدر منهم من خطأٍ وتقصير.
المعنى الإجمالي
نهى الله عباده المؤمنين عن أداء الصلاة في حالة السكر، لأن هذه الحالة لا يتأتى معها الخشوع والخضوع بمناجاته تعالى بكتابه وذكره ودعائه، وقد كان هذا قبل أن تحرم الخمر، وكان تمهيداً لتحريمه تحريماً باتاً، إذ لا يأمن من شرب الخمر في النهار أن تدركه الصلاة وهو سكران، وقد ورد أنهم كانوا بعد نزولها يشربون بعد العشاء فلا يصبحون إلا وقد زال عنهم السكر.
والمعنى :يا أيها المؤمنون لا تصلوا في حالة السكر حتى تعلموا ما تقولون وتقرؤون في صلاتكم، ولا تقربوا الصلاة في حال الجنابة إلاّ إذا كنتم مسافرين فإذا اغتسلتم فصلوا. وإن كنتم مرضى ويضركم استعمال الماء، أو مسافرين ولم تجدوا الماء، أو أحدثتم ببول أو غائط حدثاً أصغر، أو غشيتم النساء حدثاً أكبر، ولم تجدوا ماءً تتطهرون به، فاقصدوا صعيداً طيباً من وجه الأرض فتطهروا به، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ثم صلوا، ذلك رحمة من ربكم وتيسير عليكم، لأن الله يريد بكم اليسر، وكان الله عفواً غفوراً.
سبب النزول
روى الترمذي عن علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه أنه قال : « صنع لنا ( عبد الرحمن بن عوف ) طعاماً فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت » قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون « قال، فأنزل الله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاوة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ﴾ قال الترمذي :هذا حديث حسن صحيح.
قال الفخر الرازي :فكانوا لا يشربون في أوقات الصلوات، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلاّ وقد ذهب عنهم السكر، ثم نزل تحريمها على الإطلاق في المائدة.
وجوه القراءات
قرأ الجمهور ﴿ أَوْ لامستم النسآء ﴾ وقرأ حمزة والكسائي ( لَمَسْتُم النّسَاءَ ) بغير ألف.
وجوه الإعراب
١ - قوله تعالى : ﴿ وَأَنْتُمْ سكارى ﴾ مبتدأ وخبر والجملة حال من ضمير الفاعل في تقربوا.
٢ - قوله تعالى : ﴿ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً ﴾ صعيداً مفعول تيمموا أي قصدوا صعيداً، وقيل منصوب بنزع الخافض أي بصعيد.
٣ - قوله تعالى : ﴿ فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ ﴾ قال العكبري :الباء زائدة أي امسحوا وجوهكم به.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى :ورد التعبير بالنهي عن قربان الصلاة في حالة السكر ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاوة وَأَنْتُمْ سكارى ﴾ والنهي بهذه الصيغة أبلغ من قوله :»
لا تصلوا وأنتم سكارى « فإذا حرم قربان الصلاة ففعلها وأداوها يكون ممنوعاً من باب أولى فهو كقوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى ﴾ [ الإسراء :٣٢ ] وقوله : ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [ الأنعام :١٥٢ ].
قال أبو السعود :»
وتوجيه النهي إلى قربان الصلاة مع أن المراد هو النهي عن إقامتها للمبالغة في ذلك، وقيل :المراد النهي عن قربان المساجد ويأباه قوله تعالى : ﴿ حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ﴾.
اللطيفة الثانية :التدرج في تحريم الخمر بهذه الطريقة الحكيمة التي سلكها القرآن الكريم برهان ساطع على عظمة الشريعة الغراء، فإن العرب كانوا يشربون الخمر كما يشرب أحدنا الماء الزلال، فلو حرّمت عليهم دفعة واحدة لثقل عليهم تركها، ولما أمكن اقتلاع جذورها من قلوبهم، وقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها : « أول ما نزل من القرآن من القرآن آيات من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، فلما ثاب الناس للإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول ما نزل لا تشربوا الخمرة لقالوا :لا ندع الخمرة أبداً ».
اللطيفة الثالثة :التعليل بقوله تعالى : ﴿ حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ﴾ فيه إشارة لطيفة إلى أن المصلي ينبغي عليه أن يكون خاشعاً في صلاته يعرف ما يقوله من تلاوة، وذكر، وتسبيح، وتمجيد، فقد نهى سبحانه السكران عن الصلاة لأنه فاقد التمييز لا يعرف ماذا قرأ؟ فإذا لم يعرف المصلي المستغرق بهموم الدنيا كم صلى، وماذا قرأ؟ فقد أشبه السكران، ولهذا ورد عن بعضهم تفسير السكر بأنه السكر من النوم والنعاس، وهو صحيح في المعنى ولكنه بعيد في التفسير لا يناسبه سبب النزول.
اللطيفة الرابعة :طريقة القرآن الكريم ( الكناية ) عمّا لا يحسن التصريح به من الألفاظ، وهذا أدب من آداب القرآن لإرشاد الأمة إلى سلوكه عند تخاطبهم، فقد كنّى عن الحدث بالمجيء من الغائط، والغائط هو المكان المنخفض من الأرض يقصده الإنسان لقضاء حاجته تستراً واستخفاءً عن الأبصار، ثم صار حقيقة عرفية في الحدث لكثرة الاستعمال، وملامسة النساء كناية عن غشيانهن ومجامعتهن، ولمّا كان لفظ الجماع لا يجمل التصريح به فقد أورده بالكناية ﴿ أَوْ لامستم النسآء ﴾.
ففي الآية الكريمة كنايتان وهما من لطيف العبارة ورائع البيان.
اللطيفة الخامسة :قال في « البحر المحيط » : « وفي الآية تغليب الخطاب، إذ قد اجتمع خطاب وغيبة فالخطاب ﴿ كُنْتُمْ مرضى ﴾ و ﴿ لامستم النسآء ﴾ والغيبة قوله : ﴿ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ ﴾ وما أحسن ما جاءت هذه الغيبة لأنه لما كنّى عن الحاجة بالغائط كره إسناد ذلك إلى المخاطبين، فنزع به إلى لفظ الغائب بقوله : ﴿ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ ﴾ وهذا من أحسن الملاحظات، وأجمل المخاطبات، ولمّا كان المرض والسفر ولمس النساء لا يفحش الخطاب بها جاءت على سبيل الخطاب » فتدبر هذا السر الدقيق.
اللطيفة السادسة : « روي أن الصحابة كانوا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، وانقطع عقد لعائشة رضي الله عنها، فأقام النبي ﷺ على التماسه والناس معه وليس معهم ماء، فأغلظ ( أبو بكر ) على عائشة وقال :حبست رسول الله ﷺ والناس وليس معهم ماء؟ فنزلت الآية، فلما صلّوا بالتيمم وأرادوا السير بعثوا الجمل فوجدوا العقد تحته »، فقال ( أسيد بن حضير ) ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، يرحمك الله يا عائشة فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيراً وفرجاً.
الأحكام الشرعية
الحكم الأول :ما المراد من قوله تعالى : ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاوة وَأَنْتُمْ سكارى ﴾.
اختلف العلماء في المراد من الصلاة في الآية الكريمة، فذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد بها حقيقة الصلاة، وهو مذهب ( أبي حنيفة ) ومروي عن ( علي ) و ( مجاهد ) و ( قتادة ).
وذهب بعض العلماء إلى أن المراد مواضع الصلاة وهي المساجد، وأن الكلام على حذف مضاف، وهو مذهب ( الشافعي ) ومروي عن ابن مسعود، وأنس، سعيد بن المسيب.
استدل الفريق الأول بأنّ الله تعالى قال : ﴿ حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ﴾ فإنه يدل على أن المراد لا تقربوا نفس الصلاة، إذ المسجد ليس فيه قول مشروع يمنع منه السكر، أما الصلاة ففيها أقوال مشروعة من قراءة، ودعاءٍ، وذكر، يمنع منها السكر، فكان الحمل على ظاهر اللفظ أولى.
واستدل الفريق الثاني بأن القرب والبعد أولى أن يكون في المحسوسات فحمله على المسجد أولى، ولأنّا إذا حملناه على الصلاة لم يصحّ الاستثناء في قوله ﴿ إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ وإذا قلنا إن المراد به المسجد صح الاستثناء، وكان المراد به النهي عن دخول الجنب للمسجد إلا في حالة العبور.
فسرّ الحنفية ( عابر السبيل ) بأن المراد به المسافر الذي لا يجد الماء فإنه يتيمم ويصّلي، وقد اختار الطبري القول الأول وهو الظاهر المتبادر لأن اللفظ إذا دار بين الحقيقة والمجاز كان حمله على الحقيقة أولى. ويؤيد ذلك ما ورد في سبب النزول.
قال في « تفسير المنار » : « والمراد بالصلاة حقيقتها لا موضعها وهو المساجد كما قال الشافعية، والنهي عن قربانها دون مطلق الإتيان بها لا يدل على إرادة المسجد، إذ النهي عن قربان العمل معروف في الكلام العربي، وفي التنزيل خاصة ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى ﴾ [ الإسراء :٣٢ ] والنهي عن العمل بهذه الصيغة يتضمن النهي عن مقدماته ».
وثمرة الخلاف بين الفريقين تظهر في حكم شرعي وهو هل يحل للجنب دخول المسجد؟
فعلى الرأي الأول لا يكون في الآية نص على الحرمة وإنما تثبت الحرمة بالسنة المطهرة كقوله عليه السلام : « فإني لا أحل المسجد لجنب ولا حائض » وغير ذلك من الأدلة.
وعلى الرأي الثاني تكون الآية نصاً في حرمة دخول الجنب للمسجد إلا في حالة العبور فإنه يجوز له أن يعبر دون أن يمكث.
الحكم الثاني :ما هي الأسباب المبيحة للتيمم؟
ذكرت الآية الكريمة أسباب التيمم وهي أربعة ( المرض، السفر، المجيء من الغائط، ملامسة النساء ) فالسفر يبيح التيمم عند عدم الماء، والمرض أياً كان نوعه مبيح للتيمم عند عدم الماء، وكذلك ملامسة النساء، والمجيء من الغائط عند عدم الماء، لقوله تعالى : ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً ﴾ فهذا القيد راجع إلى الكل، فالغالب في المسافر ألا يجد الماء، والمريض الذي يخشى على نفسه الضرر يباح له التيمم لأنه مع وجود الماء قد لا يستطيع الاستعمال فيكون كالفاقد للماء، فهو كمن يجد ماء في قعر بئر يتعذر عليه الوصول إليه فهو عادم للماء حكماً، ويدل عليه ما ورد في السنة المطهرة من حديث جابر رضي الله عنه قال :
« خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منّا حجرٌ فشجه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه فقال :هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا :ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك فقال :قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العيّ السؤال ».
ويدل عليه أيضاً ما روي « عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال :احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال :» يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت :إني سمعت الله يقول : ﴿ وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ [ النساء :٢٩ ] فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً « ».
قال ابن تيمية :في حديث عمرو من العلم أن التمسك بالعمومات حجة صحيحة.
بقي أنه ما الفائدة إذاً من ذكر السفر والمرض في جملة الأسباب ما دام المسافر والمريض والمقيم والصحيح، كلهم على السوء لا يباح لهم التيمم إلا عند فقد الماء؟
أجاب المفسّرون عن ذلك بأن المسافر لمّا كان غالب حاله عدم وجود الماء جاء ذكره كأنه فاقد الماء، وأما المريض فاللفظ يشعر بأن المرض له دخل في السببية والله أعلم.
الحكم الثالث :ما المراد بالملامسة في الآية الكريمة؟
اختلف السلف رضوان الله عليهم في المراد من الملامسة في قوله تعالى : ﴿ أَوْ لامستم النسآء ﴾ فذهب علي، وابن عباس، والحسن إلى أن المراد به الجماع، وهو مذهب الحنفية. وذهب ابن مسعود، وابن عمر، والشعبي إلى أن المراد به اللمس باليد، وهو مذهب الشافعية.
قال ابن جرير الطبري : « وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال :عنى الله بقوله : ﴿ أَوْ لامستم النسآء ﴾ الجماع دون غيره من معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قبّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ، ثم روى » عن عائشة قالت : « كان رسول الله ﷺ يتوضأ ثم يقبّل، ثم يصلي »، وعن عائشة أن رسول الله ﷺ قبّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قال عروة :قلتُ :من هي إلاّ أنت؟ فضحكت « ».
وقد اختلف الفقهاء في مسّ المرأة هل هو ناقض للوضوء أم لا؟ على أقوال.
أ - فذهب أبو حنيفة إلى أن مسّ المرأة غير ناقض للوضوء سواءً كان بشهوة أم بغير شهوة.
ب - وذهب الشافعي إلى أن مسّ المرأة ناقض للوضوء بشهوة أم بغير شهوة.
ج - وذهب مالك إلى أن المسّ إن كان بشهوة انتقض الوضوء، وإن كان بغير شهوة لم ينتقض.
دليل الحنفية :
استدل أبو حنيفة بأن المسّ ليس بحدث بما روي عن عائشة أنه ﷺ كان يقبّل نساءه ثم يصلي ولا يتوضأ. واستدل أيضاً بما روي عن عائشة أنها طلبت النبي ﷺ ذات ليلة، قالت :فوقعت يدي على أخمص قدمه وهو ساجد يقول :أعوذ برضاك من سخطك...
وأما الآية فهي كناية عن الجماع كما نقل عن ابن عباس، واللمس وإن كان حقيقة في اللمس باليد إلاّ أنه قد عهد في القرآن استعماله بطريق الكناية مثل قوله تعالى : ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ﴾ [ البقرة :٢٣٧ ] وقوله : ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ﴾ [ المجادلة :٣ ].
دليل الشافعية :
واستدل الشافعي بظاهر الآية الكريمة فقال :إن اللمس حقيقة في المس باليد، وفي الجماع مجاز أو كناية، والأصل حمل الكلام على حقيقته، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة، وقد ترجح ذلك بالقراءة الثانية ﴿ أو لمستم النساء ﴾ فكان حمله على ما قلنا أولى.
قال الإمام ابن رشد في « بداية المجتهد » : « وسبب اختلافهم في هذه المسألة اشتراك اسم اللمس في كلام العرب، فإن العرب تطلقه مرة على اللمس الذي هو بالليد، ومرة تكني به عن الجماع، فذهب قوم إلى أن اللمس الموجب للطهارة هو الجماع في قوله ﴿ أَوْ لامستم النسآء ﴾ وذهب آخرون إلى أنه اللمس باليد، وقد احتج من أوجب الوضوء من اللمس باليد بأن اللمس ينطلق حقيقة على اللمس باليد، وينطلق مجازاً على الجماع، وإذا تردّد اللفظ بين الحقيقة والمجاز، فالأولى أن يحمل على الحقيقة حتى يدل الدليل على المجاز.
وقال الآخرون :إن المجاز إذا كثر استعماله كان أدل على المجاز منه على الحقيقة، كالحال في اسم »
الغائط « الذي هو أدل على الحدث الذي هو مجاز منه على المطمئن من الأرض الذي هو فيه حقيقة.
ثم قال :والذي أعتقده أن اللمس وإن كانت دلالته على المعنيين إلاّ أنه أظهر عندي في الجماع، وإن كان مجازاً لأن الله تعالى قد كنى بالمباشرة والمس عن الجماع وهما في معنى اللمس »
.
الترجيح :ولعل هذا الرأي يكون أرجح، لأنّ به يمكن التوفيق بين الآية الكريمة والآثار السابقة، ولأنه قد تعورف عند إضافة المس إلى النساء معنى الجماع، حتى كاد يكون ظاهراً فيه، كما أن الوطء حقيقته المشي بالقدم، فإذا أضيف إلى النساء لم يفهم منه غير الجماع والله أعلم.
الحكم الرابع :ما المراد بالصعيد الطيب في الآية الكريمة؟
اختلف أهل اللغة في معنى الصعيد فقال بعضهم :إنه التراب، وقال بعضهم :إنه وجد الأرض تراباً كان أو غيره، وقال آخرون :هو الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا غراس. وبناءً على هذا الاختلاف اللغوي اختلف الفقهاء فيما يصح به التيمم.
أ - فقال أبو حنيفة :يجوز التيمم بالتراب وبالحجر وبكل شيء من الأرض ولو لم يكن عليه تراب.
ب - قال الشافعي :بل لا بدّ من التراب الذي يلتصق بيده، فإذا لم يوجد التراب لم يصح التيمم.
حجة أبي حنيفة :احتج أبو حنيفة بظاهر هذه الآية فقال :التيمم هو القصد، والصعيد ما تصاعد من الأرض فقوله تعالى : ﴿ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً ﴾ أي اقصدوا أرضاً طاهرة، فوجب أن يكون هذا القدر كافياً، واشترط تلميذه ( أبو يوسف ) أن يكون المتيمَم به تراباً أو رملاً.
حجة الشافعي :واحتج الشافعي من جهتين :الأول أن الله تعالى أوجب كون الصعيد طيباً، والأرض الطيبة هي التي تُنبت، بدليل قوله تعالى : ﴿ والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ [ الأعراف :٥٨ ] فوجب في التي لا تنبت أن لا تكون طيبة.
والثاني :أن الآية مطلقة هنا، ومقيدة في سورة المائدة بكلمة ( منه ) في قوله تعالى : ﴿ فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ ﴾ [ المائدة :٦ ] وكلمة ( من ) للتبعيض، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه فوجب ألا يصح التيمم إلا بالتراب.
الترجيح :ولعل ما ذهب إليه الشافعية يكون أرجح لا سيما وقد خصصه النبي عليه السلام به في قوله : « التراب طهور المسلم إذا لم يجد الماء ».
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
١ - تحريم الصلاة على السكران حال السكر حتى يصحو ويعود إليه رشده.
٢ - تحريم الصلاة وقراءة القرآن ودخول المسجد على الجنب حتى يغتسل.
٣ - المريض والمسافر والمحدث حدثاً أصغر أو أكبر يجوز لهم التيمم إذا فقدوا الماء.
٤ - التراب طهور المسلم عند فقد الماء ولو دام ذلك سنين عديدة.
٥ - التيمم يكون بمسح الوجه واليدين إلى المرفقين بالتراب الطاهر.
[ ٦ ] جريمة القتل وجزاؤها في الإسلام
التحليل اللفظي
﴿ فَتَحْرِيرُ ﴾ :التحرير من الحرية، وهو كما قال الراغب :جعل الإنسان حراً، وإخراج العبد من الرق إلى الحرية يسمى تحريراً، والحر في الأصل :الخالص، وسمي الإنسان حراً لأنه تخلّص مما يكدّر إنسانيته، ومنه قوله تعالى : ﴿ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ﴾ [ آل عمران :٣٥ ] أي مخلصاً للعبادة.
الدية :ما تعطى عوضاً عن دم القتيل إلى وليه، قال في « اللسان » :الدية حق القتيل، والهاء عوض عن الواو، تقول :وديتُ القتيل أدية دية إذا أعطيت ديته.
وفي « التهذيب » :ودى فلان فلاناً إذا أدّى ديته إلى وليه، وأصل الدية ودية فحذفت الواو، كما قالوا :شيه من الوشي. وقد خصص الشرع هذا اللفظ بما يؤدى في بدل النفس، دون ما الشرع هذا اللفظ بما يؤدى في بدل النفس، دون ما يؤدي في المتلفات وبدل الأطراف.
﴿ مُّسَلَّمَةٌ ﴾ :أي مدفوعة ومؤداة إلى أهل القتيل.
﴿ يَصَّدَّقُواْ ﴾ :أي يتصدقوا عليهم بالدية فأدغمت التاء في الصاد، والمعنى إلا أن يعفوا ويسقطوا حقهم في الدية، وسمي صدقة لأنه معروف وقد قال ﷺ : « كل معروف صدقة ».
﴿ مِّيثَاقٌ ﴾ :أي عهد وذمة، قال الراغب :الميثاق عقد مؤكد بيمين وعهد.
﴿ ضَرَبْتُمْ ﴾ :الضرب له معان :منها الضرب باليد، والعصا، والسيف، ومنها الضرب في الأرض بمعنى السفر، وسمي به لأن المسافر يضرب دابته بالعصا لتسير به، أو لأنه يضرب برجليه الأرض في سيره.
ومعنى الآية :إذا سافرتم في سبيل الله لجهاد أعدائكم.
﴿ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ :التبين طلب بيان الأمر، والمراد التأني واجتناب العجلة، ومنه البينة أي تثبتوا وتحققوا قال تعالى : ﴿ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فتبينوا ﴾ [ الحجرات :٦ ].
﴿ السلام ﴾ :السّلام والسّلْم بمعنى واحد وهو إلقاء السلاح والاستسلام، ومعنى الآية :لا تقولوا لمن انقاد لكم واستسلم لست مؤمناً فتقتلوه ابتغاء متاع الدنيا.
﴿ عَرَضَ ﴾ :سمي متاع الحياة الدنيا عَرضاً لأنه عارض زائل غير ثابت، وكل شيء يقل لبثه يسمى عرضاً وفي الحديث : « الدنيا عَرضٌ حاضر، يأكل منها البر والفاجر ».
وفي « اللسان » :العَرض بالتحريك متاع الدنيا وحطامها وفي التنزيل ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ﴾ [ الأعراف :١٦٩ ] وعرض الدنيا ما كان من مال قلّ أو كثر.
﴿ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ :المغانم جمع مغنم وهو ما يغنمه الإنسان من عدوه، والمراد به هنا الفضل الواسع والرزق الجزيل قال الطبري :المعنى : « لا تقولوا لمن استسلم لكم فلم يقاتلكم لست مؤمناً فتقتلوه ابتغاء عرض الحياة الدنيا، فإن عند الله مغانم كثيرة من رزقه وفواضل نعمه ».
المعنى الإجمالي
يقول الله جل ثناؤه ما معناه :« ما كان من شأن المؤمن ولا ينبغي له أن يقدم على قتل مؤمنٍ، إلا إذا وقع هذا القتل خطأ، فإذا حصل ووقع القتل بطريق الخطأ، فعلى القاتل عتق رقبة مؤمنة، ودية مسلّمة إلى أهل القتيل تدفعها عاقلته، إلاّ إذا عفوا عنه وأسقطوا الدية باختيارهم فلا تجب حينئذٍ، وإذا كان المقتول مؤمناً وأهله من أعدائهم فالواجب على قاتله عتق رقبة مؤمنة، ولا تجب الدية لأهله لأنهم أعداء محاربون، فلا يعطون من أموال المسلمين ما يستعينون به على قتالهم وأما إذا كان المقتول معاهداً أو ذمياً، فالواجب في قتله كالواجب في قتل المؤمن، دية مسلّمة إلى أهله تكون عوضاً عن حقهم، وعتق رقبة مؤمنة كفارة عن حق الله تعالى، فمن لم يجد الرقبة التي يحررها فعليه صوم شهرين قمريين متتابعين، توبة من الله على عباده المذنبين وكان الله عليماً بما يصلح الناس حكيماً في تشريعه.
ثم بين تعالى حكم قتل المؤمن عمداً، وغلّظ في العقوبة لأن جرمه عظيم، ولم يذكر له كفارة بل جعل عقابه أشد عقاب توعّد به الكافرين، وهو الخلود في جهنم، واستحقاق غضب الله ولعنته، عدا العذاب الشديد الذي أعده الله له يوم القيامة. وقد ختم الله هذه الآيات الكريمة بأمر المؤمنين إذا خرجوا مجاهدين في سبيل الله أن يتثبتوا في قتل من أشكل عليهم أمره، فلم يعلموا هل هو مسلم أم كافر؟ فلا يقدموا على قتله إلا بعد التحقق من كفره، وأمّا إذا استسلم وأظهر الإسلام فلا يحل قتله، طمعاً في متاع الدنيا الزائل، وقد ذكّرهم بأنهم كانوا مشركين كفاراً فمنّ الله عليهم بالهداية إلى الإسلام، وكفى بها نعمة!!
سبب النزول
١ - روي أن ( عيّاش بن أبي ربيعة ) - وكان أخاً لأبي جهل من أمه - أسلم وهاجر خوفاً من قومه إلى المدينة، فأقسمت أمه ألا تأكل ولا تشرب ولا تجلس تحت سقف حتى يرجع، فخرج أبو جهل ومعه ( الحارث بن يزيد ) فأتياه، فقال أبو جهل :أليس محمد يأمرك بصلة الرحم؟ انصرف وأحسن إلى أمك وأنت على دينك، فرجع فلما دنوا من مكة قيّدوا يديه ورجليه، وجلده أبو جهل مائة جلدة، وجلده الحارث مائة أخرى، فقال للحارث :هذا أخي فمن أنت؟ لله عليّ إن وجدتك خالياً أن أقتلك، فلما دخل على أمه حلفت ألا يزول عنه القيد حتى يرجع إلى دينه الأول، ففعل ثم هاجر بعد ذلك. وأسلم الحارث بن يزيد وهو لا يعلم بإسلامه، فلقيه عياش خالياً فقتله، فلما أُخبر أنه كان مسلماً ندم على فعله، وأتى رسول الله ﷺ وقال :قتلته ولم أشعر بإسلامه فنزلت هذه الآية ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً ﴾.
ب - وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال :« مرّ رجل من بني سليم ينفر من أصحاب رسول الله ﷺ وهو يسوق غنماً له فسلّم عليهم، فقالوا :ما سلّم علينا إلاّ ليتعوذ منا، فعمدوا له فقتلوه وأتوا بغنمه النبي ﷺ فنزلت هذه الآية { ياأيها الذين آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ.
.. }.
وجوه القراءات
١ - قرأ الجمهور ﴿ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ ﴾، وقرأ حمزة والكسائي ( فتثبتوا ) بالثاء.
٢ - قرأ الجمهور ﴿ لِمَنْ ألقى إِلَيْكُمُ السلام ﴾ بفتح السين مع الألف، وقرأ نافع وحمزة ( السّلم ) من غير ألف.
٣ - قرأ الجمهور ﴿ لَسْتَ مُؤْمِناً ﴾ بكسر الميم الثانية وقرأ عكرمة ( لست مُؤمناً ) بفتح الميم من الأمَان.
وجوه الإعراب
أولاً :قوله تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً... ﴾ أن يقتل في محل رفع اسم كان، ولمؤمن خبره وقوله ( إلاّ خطأً ) استثناء منقطع والمعنى :لكن إن قتل خطأً فحكمه كذا، ومثّل له الطبري بقول الشاعر :
من البيضِ لم تَظْعنْ بعيداً ولم تَطَأْ على الأرض إلاّ ريط بُرْد مُرحّل
ثانياً قوله تعالى : ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً ﴾ خطأً صفة لمفعول مطلق محذوف تقديره قتلاً خطأً، ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال تقديره :قتله خاطئاً.
ثالثاً :قوله تعالى : ﴿ تَوْبَةً مِّنَ الله ﴾ توبة مفعول لأجله أي شرع لكم ذلك توبة منه.
رابعاً :قوله تعالى : ﴿ لَسْتَ مُؤْمِناً ﴾ مؤمناً خبر ليس والجملة مقول القول، وجملة ( تبتغون عرض الحياة ) في محل نصب على الحال من فاعل تقولوا أي لا تقولوا ذلك مبتغين عرض الحياة.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى :النفي في مثل هذا الموطن يسمى ( نفي الشأن ) وهو أبلغ من نفي الفعل كقوله تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله ﴾ [ الأحزاب :٥٣ ] وقوله : ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله ﴾ [ التوبة :١٧ ] فهو استبعاد للفعل بطريق البرهان كأنه يقول :ليس من شأن المؤمن من حيث هو مؤمن أن يقتل أحداً من أهل الإيمان، إذ لا يتصور أن يصدر منه مثل هذا العفل لأن إيمانه - وهو الحاكم على تصرفه وإرادته - يمنعه من اجتراح القتل عمداً، ولكنه قد يقع منه ذلك خطأً.
اللطيفة الثانية :في قوله تعالى : ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ مجاز مرسل علاقته ( الجزئية ) أطلق الرقبة وقصد به المملوك من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل كقوله تعالى : ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴾ [ القصص :٨٨ ] وهو مجاز مشهور.
اللطيفة الثالثة :التعبير بهذا الأسلوب اللطيف ﴿ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ﴾ وتسمية العفو بالصدقة، فيه حثٌ على فضيلة العفو، وتنبيه الأولياء إلى أنّ عفوهم عن القاتل، وعدم أخذ الدية هو في نفسه صدقة وهو من مكارم الأخلاق التي يرغب فيها الإسلام.
اللطيفة الرابعة :وردت عقوبة قتل المؤمن عمداً في غاية التغليظ والتشديد ﴿ فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خالدا فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ﴾ فقد حكمت الآية على القاتل بعقوبات ثلاث :١ - الخلود في جهنم ٢ - واستحقاق الغضب واللعنة ٣ - والعذاب الشديد الذي أعده الله له في الآخرة، ولهذا جاء في الحديث الشريف :
« لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مؤمن » وفي الحديث أيضاً : « من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيسٌ من رحمة الله » ولهذا أفتى ابن عباس بعدم قبول توبة القاتل.
قال صاحب « الكشاف » : « والعجب من قوم يقرؤون هذه الآية ويرون ما فيها، ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة، وقول ابن عباس يمنع التوبة، ثم يطمعون في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبةٍ ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ ﴾ [ محمد :٢٤ ] »؟
اللطيفة الخامسة :الخلود في جهنم لقاتل المؤمن محمول على من استحلّ قتله، أو المراد بالخلود طول المكث لأن أهل اللغة استعملوا لفظ الخلود بمعنى طول المدة والبقاء قال زهير :
ألا لا أرى على الحوادث باقياً ولا خالداً إلا الجبال الرواسيا
والعرب تقول :خلّد الله ملكه، وتقول :لأخلدّن فلاناً في السجن، مع أنه لا شيء في الدنيا يدوم.
الأحكام الشرعية
الحكم الأول :ما هي أنواع القتل، وفي أيها تجب الكفارة؟
أوجب الله تعالى ( القصاص ) في القتل في آية البقرة ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى ﴾ [ البقرة :١٧٨ ] وأوجب ( الدية والكفارة ) في القتل الخطأ في الآية التي معنا، فيعلم أنّ الذي وجب فيه القصاص هو القتل العمد لا الخطأ.
ذهب مالك رحمه الله إلى أن القتل إمّا عمد، وإمّا خطأ، ولا ثالث لهما، لأنه إما أن يقصد القتل فيكون عمداً، أو لا يقصده فيكون خطأ، وقال :ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ.
وذهب جمهور فقهاء الأمصار إلى أن القتل على ثلاثة أقسام ( عمد، وخطأ، وشبه عمد ).
أما العمد :فهو أن يقصد قتله بما يفضي إلى الموت كسيفٍ، أو سكين، أو سلاح، فهذا عمد يجب فيه القود ( القصاص ) لأنه تعمد قتله بشيء يقتل في الغالب.
وأما الخطأ :فهو ضربان :أحدهما :أن يقصد رمي المشرك أو الطائر فيصيب مسلماً.
والثاني :أن يظنه مشركاً بأن كان عليه شعار الكفار فيقتله، والأول خطأ في الفعل والثاني خطأ في القصد.
وأما شبه العمد :فهو أن يضربه بعصا خفيفة لا تقتل غالباً فيموت فيه، أو يلطمه بيده، أو يضربه بحجر صغير فيموت، فهذا خطأ في القتل وإن كان عمداً في الضرب.
قال القرطبي :« وممن أثبت شبه العمد الشعبي، والثوري، وأهل العراق، والشافعي، وروينا ذلك عن عمر وعلي رضي الله عنهما وهو الصحيح، فإن الدماء أحق ما احتيط لها إذ الأصل صيانتها، فلا تستباح إلاّ بأمر بيّن لا إشكال فيه، وهذا فيه إشكال لأنه لما كان متردداً بين العمد والخطأ حكم له بشبه العمد، فالضرب مقصود، والقتل غير مقصود، فيسقط القَود وتغلّظ الدية، وبمثل هذا جاءت السنة، روى أبو داود من حديث ( عبد الله بن عمرو ) أن رسول الله ﷺ قال :
« ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها ».
حجة الجمهور :
وحجة الجمهور في إثبات ( شبه العمد ) أن النيات مغيبة عنا لا اطلاع لنا عليها، وإنما الحكم بما ظهر، فمن ضرب آخر بآلة تقتل غالباً حكمنا بأنه عامد، لأن الغالب أن من يضرب بآلة تقتل يكون قصده القتل، ومن قصد ضرب رجل بآلة لا تقتل غالباً كان متردّداً بين العمد والخطأ، فأطلقنا عليه شبه العمد، وهذا بالنسبة إلينا إلا بالنسبة إلى الواقع ونفس الأمر، إذ هو في الواقع إمّا عمد، وإمّا خطأ، وقد أشبه العمد من جهة قصد الضرب، وأشبه الخطأ من جهة أن الآلة لا تقتل غالباً، ولما لم يكن عمداً محضاً سقط القود، ولما لم يكن خطأ محضاً لأن الضرب مقصود بالفعل دون القتل وجبت فيه دية مغلّظة.
واستدلوا بالحديث السابق وبما رواه أحمد، وأبو داود والنسائي أن النبي ﷺ خطب يوم فتح مكة فقال : « ألا وإن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر فيه الدية مغلّظة.. » الحديث. الحكم الثاني :ما هو القتل العمد، وما هي عقوبته؟
القتل العمد يوجب القصاص، والحرمان من الميراث، والإثم وهذا باتفاق الفقهاء، أما الكفارة فقد أوجبها الشافعي ومالك، وقال أبو حنيفة لا كفارة عليه وهو مذهب الثوري.
قال الشافعي :إذا وجبت الكفارة في الخطأ فلأن تجب في العمد أولى.
وقال أبو حنيفة :لا تجب الكفارة إلا حيث أوجبها الله تعالى، وحيث لم تذكر في العمد فلا كفارة.
قال ابن المنذر : « وما قاله أبو حنيفة به نقول، لأن الكفارات عبادات وليس يجوز لأحد أن يفرض فرضاً يلزمه عباد الله إلا بكتابٍ، أو سنة، أو إجماع، وليس مع من فرض على القاتل عمداً كفارةً حجةٌ من حيث ذكرت ».
وقد اختلفوا في معنى العمد وشبه العمد على أقوال كثيرة أشهرها ثلاثة :
١- العمد ما كان بسلاح أو ما يجري مجراه مثل الذبح، أو بكل شيء محدّد أو بالنار وما سوى ذلك من القتل بالعصا أو بحجر صغيراً كان أو كبيراً فهو شبه العمد، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله.
٢ - العمد كل قتلٍ من قاتل قاصد للفعل بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بغير ذلك، بما يقتل مثله في العادة، وشبه العمد ما لا يقتل مثله، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
٣ - العمد ما كان عمداً في الضرب، والقتل، وشبه العمد ما كان عمداً في الضرب، خطأ في القتل أي ما كان ضرباً لم يقصد به القتل وهذا قول الشافعي رحمه الله.
الترجيح :ما ذهب إليه ( أبو حنيفة ) رحمه الله من جعل كل قتلٍ بغير الحديد شبه عمد ضعيفٌ، فإن من ضرب رأس إنسان بمثل ( حجر الرحى ) قتله وادّعى أنه ليس عامداً كان مكابراً، والمصلحة تقضي بالقصاص في مثله، لأن الله شرع القصاص صوناً للأرواح عن الإهدار، وما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد الشافعي هو الأصح والله أعلم.
الحكم الثالث :ما هي شروط الرقبة وعلى مَن تجب؟
أوجب الله في القتل الخطأ أمرين :١ - عتق رقبة مؤمنة. ب - ودية مسلّمة إلى أهله.
فأما الرقبة المؤمنة فقد قال ابن عباس والحسن :لا تجزئ الرقبة إلاّ إذا صامت وصلّت.
وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة :يجزئ الغلام والصبي إذا كان أحد أبويه مسلماً.
ونقل عن الإمام أحمد رحمه الله روايتان إحداهما تجزئ، والأخرى لا تجزئ إلا إذا صامت وصلت.
حجة الأولين :أن الله تعالى شرط الإيمان، فلا بدّ من تحققه، والصبي لم يتحقق منه ذلك.
وحجة الجمهور :أن الله تعالى قال : ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً ﴾ فيدخل فيه الصبي، فكذلك يدخل ف قوله ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾.
قال ابن كثير : « والجمهور أنه متى كان مسلماً صح عتقه عن الكفارة سواءً كان صغيراً أو كبيراً ».
وقد اتفق الفقهاء على أن الرقبة على القاتل، وأما الدية فهي على العاقلة.
الحكم الرابع :على مَن تجب الدية في القتل الخطأ؟
اتفق الفقهاء على أن الدية على عاقلة القاتل، تحملها عنه على طريق المواساة، وتلزم العاقلة في ثلاث سنين، كل سنة ثلثها، والعاقلة هم عصبته ( قرابته من جهة أبيه ).
قال في « المغني » : « ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن دية الخطأ على العاقلة ».
وقال ابن كثير : « وهذه الدية إنما تجب على عاقلة القاتل لا في ماله قال الشافعي :لم أعلم مخالفاً أن رسول الله ﷺ قضى بالدية على العاقلة، وهذا الذي أشار إليه رحمه الله قد ثبت في غير ما حديث، فمن ذلك ما ثبت في » الصحيحين « عن أبي هريرة قال :» اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى أن دية جنينها ( غرة ) عبدٌ أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها «.
تنبيه :فإن قيل :كيف يجني الجاني وتؤخذ عاقلته بجريرته والله تعالى يقول : ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا ﴾ [ الأنعام :١٦٤ ] ويقول : ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ [ الأنعام :١٦٤ ] ؟
فالجواب :أن هذا ليس من باب تحميل الرجل وزر غيره، لأن الدية على القاتل، وتحميل ( العاقلة ) إيّاها من باب المعاونة والمواساة له، وقد كان هذا معروفاً عند العرب وكانوا يعدونه من مكارم الأخلاق، والنبي ﷺ بُعث ليتمم مكارم الأخلاق، والمعاونة والمواساة والتناصر وتحمل المغارم، كل هذا ممّا يقوّي الألفة ويزيد في المحبة فلذلك أقره الإسلام.
الحكم الخامس :كم هو مقدار الدية في العمد والخطأ؟
اتفق العلماء على أن الدية في الخطأ تجب على العاقلة، وهي مائة من الإبل تؤخذ نجوماً على ثلاث سنين وتجب أخماساً لما رواه ابن مسعود قال :قضى رسول الله ﷺ في دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكوراً، وعشرين بنت لبون، وعشرين جذعة، وعشرين حقة «.
وأما دية شبه العمد فهي مثلّثة ( أربعون خلفة، وثلاثون حقة، وثلاثون جذعة ) وتجب على العاقلة أيضاً، وأما دية العمد فما اصطلح عليه عند أبي حنيفة ومالك على المشهور في قوله، وأما عند الشافعي فكدية شبه العمد، وتجب على مال القاتل.
قال القرطبي :»
أجمع العلماء على أن العاقلة لا تحمل دية العمد، وأنها في مال الجاني «.
وقال ابن الجوزي :»
والدية للنفس ستة أبدال :من الذهب ألف دينار، ومن الورق ( الفضة ) اثنا عشر ألف درهم، ومن الإبل مائة، ومن البقر مائتا بقرة، ومن الغنم ألفا شاة، وفي الحلل مائتا حلة، فهذه دية الذكر الحر المسلم، ودية الحرة المسلمة على النصف من ذلك «.
وهذا قول جمهور الفقهاء ووافقهم أبو حنيفة في ذلك إلا أنه قال في الفضة عشر آلاف درهم لا تزيد.
الحكم السادس :هل للقاتل عمداً توبة؟
ذهب بعض العلماء إلى أن قاتل المؤمن عمداً لا توبة له وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما.
روى البخاري عن سعيد بن جبير قال :»
اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها فقالت :نزلت هذه الآية ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ هي آخر ما نزل وما نسخها شيء «.
وروى النسائي عنه قال :»
سألت ابن عباس هل لمن قتل مؤمناً متعمداً من توبة؟ قال :لا، وقرأت عليه الآية التي في [ الفرقان :٦٨ ] ﴿ والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ ﴾ قال :هذه آية مكية نسختها آية مدنية ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خالدا فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ ﴾.
وروى ابن جرير بسنده عن ( سالم بن أبي الجعد ) قال :كنا عند ابن عباس بعد ما كُفّ بصره، فأتاه رجل فناداه :يا عبد الله بن عباس، ما ترى في رجل قتل مؤمناً متعمداً؟ فقال جزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه، وأعدّ له عذاباً عظيماً. قال :أفرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى؟ قال ابن عباس :ثكلته أمه وأنى له التوبة والهدى؟ فوالذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم ﷺ يقول :
« يجيء يوم القيامة معلّقاً رأسُه بإحدى يديه - إما بيمينه أو بشماله - آخذاً صاحبه بيده الأخرى، تشخب أوداجه حيال عرش الرحمن يقول :يا رب سل عبدك هذا علام قتلني؟ فما جاء نبيٌ بعد نبيكم، ولا نزل كتاب بعد كتابكم ».
وذهب الجمهور إلى أن توبة القاتل عمداً مقبولة، واستدلوا على ذلك ببضعة أدلة نلخصها فيما يلي :
أولاً :إن الكفر أعظم من القتل العمد، فإذا قبلت التوبة عن الكفر فالتوبة عن القتل أولى بالقبول.
ثانياً :قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [ النساء :٤٨ ] يدخل فيه القتل وغيره.
ثالثاً :قوله تعالى : ﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق... ﴾ إلى قوله ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ ﴾ [ الفرقان :٦٨-٧٠ ] ويه نصٌ في الباب.
رابعاً :حديث « الصحيحين » « بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق... ثم قال :فمن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه ».
خامساً :حديث مسلم في الشخص الذي قتل مائة نفس.. إلخ.
قال العلامة الشوكاني : « والحقّ أن باب التوبة لم يغلق دون كل عاص، بل هو مفتوح لكل من قصده ورام الدخول منه، وإذا كان الشرك وهو أعظم الذنوب وأشدها تمحوه التوبة إلى الله ويقبل من صاحبه الخروج منه والدخول في باب التوبة، فكيف بما دونه من المعاصي التي من جملتها القتل عمداً؟ والله أحكم الحاكمين، هو الذي يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون ».
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
١ - سفك دم المؤمن من الكبائر التي توجب الخلود في النار.
٢ - القتل الخطأ فيه الكفارة والدية وليس فيه القصاص.
٣ - إذا عفا أهل القتيل سقطت الدية عن القاتل دون الكفارة.
٤ - الكفارة عتق رقبة مؤمنة فإذا لم يجد فصيام شهرين متتابعين.
٥ - لا يجوز التعجل بقتل إنسان لمجرد الشبهة.
[ ٧ ] صلاة الخوف
التحليل اللفظي
﴿ ضَرَبْتُمْ ﴾ :الضرب في الأرض السيرُ فيها قال تعالى : ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض ﴾ [ المزمل :٢٠ ] أي سافرون.
﴿ تَقْصُرُواْ ﴾ :القصر النقصُ وهو يحتمل النقص من عددها، والنقص من صفتها وهيئتها.
قال الراغب :قصر الصلاة جعلها قصيرة بترك بعض أركانها ترخيصاً.
وقال أبو عبيد :فيها ثلاث لغات :قصَرتُ الصلاة، وقصّرتها، وأقْصَرتها ذكره القرطبي.
﴿ يَفْتِنَكُمُ ﴾ :الفتنة :الابتلاء والاختبار وتستعمل في الخير والشر قال تعالى : ﴿ وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً ﴾ [ الأنبياء :٣٥ ].
قال الراغب :والفتنة كالبلاء يستعملان في الشدة والرخاء وهما في الشدة أظهر.
﴿ عَدُوّاً مُّبِيناً ﴾ :أي أعداء ظاهري العداوة.
قال الطبرسي : « وإنما قال في الكافرين إنهم ( عدُوّ ) لأن لفظة فعول تقع على الواحد والجماعات ».
﴿ حِذْرَهُمْ ﴾ :الحِذْر بسكون الذال كالحَذر بفتحها معناه الاحتراز عن الشيء المخيف.
قال في « اللسان » :الحِذْر والحَذر الخيفة ومن خاف شيئاً اتقاه بالاحتراس من أسبابه.
قال الرازي :هما بمعنى واحد كالإِثْر والأثَر، والمِثْل والمَثَل، يقال :أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من الخوف. والمعنى احذروا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم.
﴿ تَغْفُلُونَ ﴾ :الغفلة :سهوٌ يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ، قاله الراغب.
﴿ جُنَاحٌ ﴾ :الجُناحُ :الإثم، وهو من جنحت إذا عدلت عن المكان وأخذت جانباً عن القصد.
﴿ قَضَيْتُمُ ﴾ :فرغتم وانتهيتم، وقيل :معناها أديتم قال تعالى : ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة ﴾ [ الجمعة :١٠ ] أي أديت.
﴿ اطمأننتم ﴾ :أمنتم وأصله السكون يقال :اطمأن القلب أي سكن، والمراد إذا زال الخوف عنكم فأقيموا الصلاة على الحالة التي تعرفونها، ويصح أن يكون المراد بالاطمئنان الإقامة.
﴿ كتابا مَّوْقُوتاً ﴾ :أي فرضاً محدوداً بأوقات لا يجوز التقديم أو التأخير فيها، والتوقيت :التحديد بالوقت.
قال ابن قتيبة : « موقوتاً أي موقّتاً يقال :وقِّته الله عليهم ووقَته أي جعله لأوقات معلومة ومنه ﴿ وَإِذَا الرسل أُقِّتَتْ ﴾ [ المرسلات :١١ ].
﴿ تَهِنُواْ ﴾ :تضعفوا وتتوانوا من الوهن بمعنى الضعف ﴿ قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي ﴾ [ مريم :٤ ].
﴿ ابتغآء القوم ﴾ :أي في طلبهم، يقال :ابتغى القوم أي طلبهم بالحرب، والمراد بالقوم هنا الكفار.
﴿ تَأْلَمونَ ﴾ :الألم الوجع، وهو من الأعراض التي تصيب الإنسان. قال في »
الكشاف « :المعنى » ليس ما تكابدون من الألم بالجرح والقتل مختصاً بكم، إنما هو أمر مشترك بينكم وبينهم، يصيبهم كما يصيبكم، ثم إنهم يصبرون عليه فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم مع أنكم أولى بالصبر منهم «.
﴿ وَتَرْجُونَ ﴾ :الرجاء معناه الأمل، قال الزجّاج :هو إجماع أهل اللغة الموثوق بعلمهم.
وقال الراغب :الرجاء ظنّ يقتضي حصول ما فيه مسرة، ويأتي بمعنى الخوف قال الشاعر :
إذا لسَعَتْه النَّحلُ لم يرجُ لسعها وحالفها في بيت نُوبٍ عوامل
﴿ خَصِيماً ﴾ :الخصيم بمعنى المخاصم أي المنازع والمدافع، والمعنى :لا تكن لأجل الخائنين مخاصماً للبريئين قاله الزمخشري.
وقال الطبري :المعنى : « لا تكن لمن خان مسلماً أو معاهداً تخاصم عنه وتدافع عنه من طالبه بحقه الذي خانه ».
﴿ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ :أي كثير المغفرة والرحمة لأن ( فعولاً ) و ( فعيلاً ) من صيغ المبالغة.
المعنى الإجمالي
إذا سافرتم أيها المؤمنون وسرتم في الأرض للجهاد أو التجارة أو السياحة أو غير ذلك، فليس عليكم حرج ولا إثم أن تقصروا من الصلاة المفروضة، فتصلّوا الرباعية ركعتين، لأن الإسلام دين اليسر والله تعالى يريد بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر، وخاصة إذا خفتم على أنفسكم من فتنة الكافرين، فهم أعداء مظهرون للعداوة، لا يراقبون الله ولا يخشونه فيكم، ولا يمنعكم فرصة اشتغالكم بمناجاة الله أن يقتلوكم، لأنهم أعداء لكم في كل حين وزمان.
وإذا كنت يا محمد مع أصحابك في الحرب، وأردت أن تصلي بهم إماماً فاقسمهم طائفتين :طائفة تقف معك في الصلاة، وطائفة أخرى تحرسك ومعهم أسلحتهم فإذا سجدت الطائفة الأولى وأدركوا ركعة فليتأخروا ولتتقدم الطائفة الأخرى التي كانت تتولى الحراسة فَلْيُصلوا معك كما فعل الذين من قبلهم، ثم يتمموا صلاتهم. ثم أخبر تعالى بأن الكافرين يتمنون أن يصيبوا من المؤمنين غفلة، حتى يأخذوهم على حين غرة ويحملوا عليهم حملة واحدة وهم مشغولون بالصلاة واضعون السلاح، ولهذا أمر الله تعالى بأخذ الحذر والحيطة، ثم أخبر بأنه لا إثم عليهم إن كانت بهم جراحات أو مرض وشق عليهم حمل السلاح أن يضعوا أسلحتهم مع أخذ الحذر الشديد من الأعداء، فإذا قضى المؤمنون الصلاة وأتموها فعليهم أن يكثروا من ذكر الله في حالة القيام والقعود والاضطجاع، فإذا ذهب عنهم الخوف واطمأنوا فليؤدوا الصلاة كما شرعها الله، لأن الصلاة كانت على المؤمنين فرضاً محدوداً بأوقات، ثابتة ثبوت الكتاب في اللوح.
ثم أمر تعالى المؤمنين بألاّ يضعفوا عن قتال الكفار، لأنهم يطلبون إحدى الحسنين :إما النصر والعزة، وإما الشهادة والجنة، وهم أحق بالثبات والصبر من المشركين.
وختم الله تعالى هذه الآيات الكريمة بأمر رسوله ﷺ بالحكم بين الناس بالحق والعدل الذي أعلمه به، وألاّ يكون من أجل المنافقين خصيماً للبريئين، وأن يستغفر الله من تحسين ظنه ببعض الناس الذين يتظاهرون بالتقى والدين وهم من المنافقين.
« وجه الارتباط بالآيات السابقة »
كان السياق في الآيات السابقة في أحكام الجهاد في سبيل الله، ثم في أحكام الهجرة من الوطن ابتغاء مرضاة الله، ولما كانت الصلاة فرضاً لازماً في كل حال، لا تسقط في وقت القتال، ولا في أثناء الهجرة، ولا غيرها من أيام السفر، ولكن قد تتعذر أو تتعسر في حالة الحرب والسفر لذلك وردت هذه الآيات الكريمة تبيّن طريقة الصلاة في حالة الخوف وتأمر بالمحافظة على الصلاة حتى في حالة لقاء العدو، وقد رخص لهم القصر في حالة الخوف والسفر تيسيراً على العباد، فناسب ذكر هذه الأحكام والله تعالى أعلم.
سبب النزول
أولاً :روى الإمام أحمد وأهل السنن عن أبي عيّاش الزّرقي قال : « كنّا مع رسول الله ﷺ بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلّى بنا رسول الله ﷺ الظهر، فقالوا :لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال :فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة ﴾ » الآية.
ثانياً :وروي أن ( طُعْمة بن أُبَيْرق ) سرق درعاً لقتادة بن النعمان، وكان الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتشر من خرق في الجراب، حتى انتهى إلى الدار ثم خبأها عند رجل من اليهود، فالتمست الدرع عند طُعمة فلم توجد عنده، وحلف مالي بها علمٌ، فقال أصحابها :بلى والله لقد دخل علينا فأخذها، وطلبنا أثره حتى دخل داره فرأينا أثر الدقيق، فلما حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهود فأخذوه، فقال :دفعها إليّ طعمة، فقال قوم طعمة :انطلقوا إلى رسول الله ﷺ وليجادل عن صحابنا فإنه بريء، فأتوه فكلّموه في ذلك فنزلت هذه الآيات ﴿ إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق ﴾.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى :التعبير بقوله تعالى : ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا ﴾ ليس للشرط وإنما خرج الكلام مخرج الغالب، إذ كان الغالب على المسلمين الخوف في الأسفار، ولهذا قال ( يَعْلَى بن أمية ) لعمر رضي الله عنه :ما لنا نقصر وقد أمّنا؟ فقال عمر :عجبتُ مما عجبتَ منه فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال : « صدقةٌ تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ».
اللطيفة الثانية :أمر تعالى المجاهدين حين شروعهم بالصلاة بعدم طرح الأسلحة، وعبّر عن ذلك بالأخذ ( وليأخذوا أسلحتهم ) للإيذان بالاعتناء بضرورة الحذر من الكافرين، والتنبيه على ضرورة اليقظة وعدم التساهل في الأخذ بالأسباب.
اللطيفة الثالثة : « روي أن النبي ﷺ غزا محاراً مع أصحابه، فنزلوا وادياً ولا يرون من العدوّ أحداً، فوضع الناس أسلحتهم وخرج رسول الله ﷺ لحاجة له، فلما قطع طرف الوادي بصرَ به ( غورث بن الحارث ) فانحدر من الجبل وهو السيف، فلم يشعر به رسول الله ﷺ إلا وهو قائم على رأسه يقول :قتلني الله إن لم أقتلك وقد سلّ سيفه من غمدة فقال يا محمد :من يعصمك منيّ الآن؟ فقال رسول الله ﷺ :الله تعالى، فأهوى بالسيف عن رسول الله ﷺ ليضربه فزلقت رجله وسقط على الأرض، فأخذ رسول الله ﷺ السيف وقال :من يمنعك مني الآن يا غورث؟ فقال :لا أحد، كن خير آخذ فعفا عنه الرسول عليه السلام، فرجع إلى قومه فقصّ عليهم قصته فآمن بعض قومه ودخلوا في الإسلام ».
اللطيفة الرابعة :قوله تعالى : ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَآ أَرَاكَ الله ﴾ أي بما عرّفك وأعلمك وأوحى إليك، سمي ذلك العلم بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جارياً مجرى الرؤية في القوة والظهور.
قال الزمخشري :كان عمر يقول : « لا يقولَّنّ أحدكم قضيتُ بما أراني الله، فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه ﷺ، ولكن ليجتهد رأيه، لأن الرأي من رسول الله ﷺ كان مصيباً، لأن الله كان يريه إياه، وهو منّا الظن والتكلف ».
اللطيفة الخامسة :قال الرازي :واعلم أن في الآية تهديداً شديداً، وذلك لأن النبي ﷺ لما مال طبعه قليلاً إلى جانب طُعْمة، وكان في علم الله أن ( طُعْمة ) كان فاسقاً، فالله تعالى عاتب رسوله على ذلك القدر من إعانة المذنب، فكيف حال من يعلم من الظالم كونه ظالماً ثم يعينه على ذلك الظلم، بل يحمله عليه ويرغّبه فيه أشد الترغيب؟.
اللطيفة السادسة :أمر الرسول ﷺ بالاستغفار لا يدل على وقوع المعصية منه عليه السلام وإنما هو لزيادة حسناته ورفع مقامه، قال القاضي عياض في « الشفا » :إن تصرف الأنبياء عليهم السلام بأمورٍ لم يُنهوا عنها، ولا أُمروا بها، ثم عوتبوا بسببها، إنما هي ذنوب بالإضافة إلى عليّ منصبهم، وإلى كمال طاعتهم، لا أنها كذنوب غيرهم ومعاصيهم، وأطال في هذا المقام وأطاب، ثم قال :وأيضاً فإن في التوبة والاستغفار معنى لطيفاً أشار إليه بعض العلماء وهو :استدعاء محبة الله، قال الله تعالى : ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين ﴾ [ البقرة :٢٢٢ ].
الأحكام الشرعية
الحكم الأول :قصر الصلاة في السفر.
دل قوله تعالى : ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاوة ﴾ على مشروعية قصر الصلاة في السفر لأن قوله ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض ﴾ معناه إذا سافرتم في البلاد، ولم يشرط الله تعالى أن يكون السفر للجهاد وإنما أطلق اللفظ ليعمّ كل سفر، وقد استدل العلماء بهذه الآية على مشروعية ( قصر الصلاة ) للمسافر ثم اختلفوا هل القصر واجب أم رخصة على مذهبين :
المذهب الأول :أن القصر رخصة فإن شاء قصر وإن شاء أتم، وهو قول الشافعي وأحمد رحمهما الله.
المذهب الثاني :أن القصر واجب وأن الركعتين هما تمام صلاة المسافر وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله.
وقال مالك :إن أتمّ في السفر يعيد ما دام في الوقت، والقصر عنده سنة وليس واجباً.
دليل المذهب الأول :
احتج الشافعية والحنابلة على عدم وجود القصر بأدلة نوجزها فيما يلي :
أ - إن ظاهر قوله تعالى : ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاوة ﴾ يشعر بعدم الوجوب، لأن رفع الجناح يدل على الإباحة لا على الوجوب، ولو كان القصر واجباً لجاء اللفظ بقوله :فعليكم أن تقصروا من الصلاة، أو فاقصروا الصلاة.
ب - ما روي أن عائشة اعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فلما قدمت مكة قالت يا رسول الله قصرتُ وأتممتُ، وصمتُ وأفطرت، فقال :أحسنتِ يا عائشة ولم يَعِبْ عليّ.
ج - وقالوا :إن عثمان كان يتم ويقصر ولم ينكر عليه أحد الصحابة فدل على أن القصر رخصة.
د - وقالوا مما يدل على ما ذكرناه أن رخص السفر جاءت على التخيير كالصوم والإفطار، فكذلك القصر.
دليل المذهب الثاني :
واستدل الحنفية على وجوب قصر الصلاة في السفر بأدلة نوجزها فيما يلي :
أ - ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال :صلاة السفر ركعتان تمامٌ غير قصر على لسان نبيكم ﷺ.
ب - إن النبي ﷺ التزم القصر في أسفاره كلها، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : « كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسافراً صلّى ركعتين حتى يرجع ».
ج - ما روي عن ( عمران بن حصين ) قال : « حججتُ مع النبي ﷺ فكان يصلي ركعتين حتى يرجع إلى المدينة، وأقام بمكة ثماني عشرة لا يصلي إلا ركعتين، وقال لأهل مكة :صلوا أربعاً فإنّا قوم سَفْرٌ ».
د - وقال ابن عمر :صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين، وصحبت أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم في السفر فلم يزيدوا على ركعتين حتى قبضهم الله تعالى، وقد قال الله تعالى : ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [ الأحزاب :٢١ ].
ه - وما روي عن عائشة الثابت في الصحيح « فرضت الصلاة ركعتين، ركعتين، فزيدت في الحضر وأُقرّت في السفر ».
قالوا :فهذه هي صلاة رسول الله ﷺ فوجب اتباعه وقد قال عليه السلام : « صلوا كما رأيتموني أصلي » فلمّا صلىّ في السفر ركعتين دلّ على أنه هو المفروض.
الحكم الثاني :السفر الذي يبيح قصر الصلاة.
اختلف الفقهاء في السفر الذي يبيح قصر الصلاة، فذهب بعضهم إلى أنه لا بدّ أن يكون ( سفر طاعة ) كالجهاد، والحج، والعمرة، وطلب العلم أو غير ذلك أو أن يكون مباحاً كالتجارة، والسياحة، وغير ذلك وهذا هو مذهب ( الشافعية والحنابلة ).
وقال مالك :كل سفر مباح يجوز فيه قصر الصلاة، فقد
« روي أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله :إني رجل تاجر أختلف إلى البحرين، فأمره أن يصلي ركعتين » قال ابن كثير هذا حديث مرسل.
وقال أبو حنيفة والثوري وداود :يكفي مطلق السفر سواء كان مباحاً أو محظوراً، حتى لو خرج لقطع الطريق وإخافة السبيل، وحجتهم في ذلك أن القصر فرضٌ معيَّنٌ للسفر لحديث عائشة السابق « فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فزيدت في الحضر وأقرت في السفر » ولم يخصّص القرآن سفراً دون سفر فكان مطلق السفر مبيحاً للقصر حتى ولو كان سفر معصية.
قال ابن العربي في « أحكام القرآن » : « وأما من قال إنه يقصر في سفر المعصية فلأنها فرضٌ معيّن للسفر فقد بينّا في كتاب » التلخيص « فساده، فإن الله سبحانه جعل في كتابه القصر تخفيفاً والتمام أصلاً، والرّخَص لا تجوز في سفر المعصية كالمسح على الخفين ».
أقول :ما ذهب إليه الجمهور من أن السفر المباح تقصر فيه الصلاة هو الأرجح لئلا نعينه على المعصية والله تعالى يقول : ﴿ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان ﴾ [ المائدة :٢ ].
الحكم الثالث :ما هو مقدار السفر الذي تقصر فيه الصلاة؟
١ - ذهب أهل الظاهر إلى أن قليل السفر وكثيره سواء في جواز القصر.
٢ - وذهب الشافعية والحنابلة والمالكية إلى أن أقله يومان، مسيرة ستة عشر فرسخاً.
٣ - وذهب الحنفية إلى أن أقله ثلاثة أيام، مسيرة أربعة وعشرين فرسخاً.
٤ - وقال الأوزاعي أقله مرحلة يوم، مسيرة ثمانية فراسخ. وقد مرت هذه الأقوال في آية الصوم مع الأدلة فارجع إليها هناك.
قال ابن العربي في الردّ على الظاهرية : « تلاعب قوم بالدين فقالوا :إنّ من خرج من البلد إلى ظاهره قصر الصلاة وأكل، وقائل هذا أعجميّ لا يعرف السفر عند العرب، أو مستخفّ بالدين، ولولا أن العلماء ذكروه ما رضيت أن ألمحه بمؤخر عيني، ولا أن أفكّر فيه بفضول قلبي، وقد كان من تقدم من الصحبة يختلفون في تقديره، فروي عن عمر، وابن عمر، وابن عباس أنهم كانوا يقدّرونه بيوم، وعن ابن مسعود أنه كان يقدّره بثلاثة أيام، يعلمهم بأن السفر كل خروج تُكلّف له وأدركت فيه المشقة ».
الحكم الرابع :كيف تصلى صلاة الخوف؟
ذهب الإمام أبو يوسف رحمه الله إلى أن ما اشتملت عليه الآية من الأحكام في صلاة الخوف، كان خاصاً بالرسول عليه السلام مع الجيش، أخذاً من ظاهر قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ ﴾.
وذهب الجمهور إلى أن صلاة الخوف مشروعة، لأن خطاب النبي ﷺ خطاب لأمته، وقد أمرنا باتباعه والتأسي به، والأئمة هم خلفاؤه من بعده يقيمون شريعته وملته، فلا موجب للقول بالخصوصية.
ثم اختلفوا في كيفية الصلاة على أقوال عديدة حسب اختلاف الروايات عن رسول الله ﷺ.
قال في « المغني » : « ويجوز أن يصلي صلاة الخوف على كل صفة صلاّها رسول الله ﷺ قال أحمد :كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز » وقد اختار الإمام أحمد حديث ( سهل بن أبي حثمة ) وقد رواه الجماعة ولفظه عند مسلم كما يلي « أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه صلاة الخوف، فصفهم خلفه صفين، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم قام فلم يزل قائماً حتى صلى الذين خلفهم ركعة، ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا قدامهم فصلى بهم ركعة، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة ثم سلّم »
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
١ - قصر الصلاة في السفر وفي الخوف مع الإمام وغيره.
٢ - وجوب الاستعداد وأخذ الحيطة والحذر من الأعداء.
٣ - الصلاة لها أوقات محدودة فلا يباح الإخلال بها.
٤ - ضرورة الصبر وعدم الوهن والجزع من مجابهة الأعداء.
السورة التالية
Icon