0:00
0:00

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة محمد صلى الله عليه و سلم
وهي مدنية، وهذه السورة تسمى سورة القتال، وسورة الأنفال تسمى سورة الجهاد، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قاتلوا العجم وغيرهم بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم قرءوا هاتين السورتين بين الصفين ؛ ليحرضوا المسلمين على القتال.

قوله تعالى :( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم ) أي :أحبط أعمالهم. قال المفسرون :نزلت الآية في المطعمين يوم بدر، وهو اثنا عشر نفرا، كان كل واحد منم ينحر كل يوم عشرا من الجزور، هذا هو القول المشهور، و( أعمالهم ) إطعامهم، أحبطها الله تعالى ولم يقبلها منهم. ويقال :إن الآية في جميع أهل مكة من الكفار.
قوله تعالى :( والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ) القول المشهور في الآية :أن المراد بهم الأنصار، وقيل :إنه في جميع من آمن مع النبي صلى الله عليه و سلم.
وقوله :( وهو الحق من ربهم ) أي :آمنوا بما هو الحق من ربهم.
وقوله :( كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ) أي :حالهم، [ يقال ]١ :ما بالك وما حالك بمعنى واحد.
١ - في ((الأصل، وك)) :فقال..
قوله تعالى :( ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ) أي :ذلك الذي فعلناه من إحباط ( أعمال )١ الكفار، وقبول أعمال المؤمنين وتكفير سيئاتهم وإصلاح بالهم، كان بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل، وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم.
وقوله :( كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ) أي :أمثال سيئات الكفار وحسنات المؤمنين، يقال :ضربت لفلان مثلا أي :ذكرت له نوعا من الكلام لمعنى معلوم.
١ - في ((ك)) :عمل..
قوله تعالى :( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ) أي :فاضربوا الرقاب، وضرب الرقاب جزها وقطعها.
وفي التفسير :" أن قوما من المسلمين كان بعثهم النبي صلى الله عليه و سلم لقتال قوم من الكفار، فأحرقوا بعض الكفار ؛ فبلغ النبي صلى الله عليه و سلم فأنكره، وقال :" إني ما بعثت لأعذب بعذاب الله أحدا " ١. فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعلمهم كيفية القتل.
وقوله :( حتى إذا أثخنتموهم ) الإثخان :بلوغ الغاية في النكاية، ويقال :الاستكثار من القتل.
وقوله :( فشدوا الوثاق ) أي :فأسروهم وشدوهم. وسئل الأوزاعي كيف نشد الأسير ؟ قال :بحبل، قيل :هل نشد بالقد ؟ قال :ذاك عظيم، وقيل له :نشد المرأة ؟ قال :نعم.
وقوله :( فإما منا بعد وإما فداء ) في الآية أقوال :أحدها :أنها محكمة، وهو المعروف. قال مجاهد وغيره :والإمام بالخيار في الأسرى ؛ إن شاء قتل، وإن شاء فادى، وإن شاء من، وإن شاء استرق، وحكى هذا عن ابن عباس، والذي ذكرناه قول الشافعي وكثير من الأئمة. والقول الثاني :أن الآية منسوخة بقوله تعالى :( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم )٢ قاله قتادة والسدى وغيرهما.
والقول الثالث :أن الآية ناسخة لقوله تعالى :( فاقتلوا المشركين )٣ ذكره الضحاك، ولا يجوز في الأسر القتل. والأول أولى الأقاويل ؛ لأنه قد ثبت بروايات كثيرة " أن النبي صلى الله عليه و سلم فادى كثيرا من الأسارى، ومن على كثير من الأسارى " على ما ذكر في الكتب الصحيحة٤.
وقوله :( حتى تضع الحرب أوزارها ) قال قتادة :حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم وقال سعيد بن جبير :حتى ينزل عيسى [ ابن مريم ]٥ من السماء، ويكسر الصليب، ويسلم كل كافر. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق حتى تقوم الساعة " ٦. وفي رواية أخرى :" حتى يكون آخر من يقاتلون الدجال٧ وفي الجملة لا تضع الحرب أوزارها ما بقي في العالم كافر حربي.
قوله تعالى :( ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ) أي :فانتصر منهم بجند من الملائكة، أو بأي جند أراد، والانتصار هاهنا هو الانتقام، ومعناه :أنه لو يشاء لم يأمركم بقتال الكفار، وانتقم بنفسه منهم ( ولكن ليبلو بعضكم ببعض ) أي :ليبلو المسلمين بالكافرين، والكافرين بالمسلمين، مرة تكون النصرة للمؤمنين، ومرة تكون النصرة للكافرين مثل ما كان ببدر وأحد، وهو تبلية الله كيف يشاء لمن يشاء. وقوله :( والذين قتلوا في سبيل الله ) أي :الشهداء.
وقوله :( فلن يضل أعمالهم ) أي :يثيبهم على أعمالهم.
١ - رواه ابن أبي شيبة ( ١٢/٣٩٠) و وابن جرير ( ٩/٣٢) كلاهما عن التقاسم بن عبد الرحمان مرسلا، بدون نزول الأية..
٢ - التوبة :٥..
٣ - التوبة :٥..
٤ - انظر التلخيص الحبير ( ٤/٢٠٢-٢٠٥ رقم ٢٢٤٢-٢٢٤٦)، وتخريج الكشاف ٣/٢٩٥-٢٩٧ رقم ١١٩٧)، و الدر المنثور ( ٦/٥١-٥٢)..
٥ - من ((ك))..
٦ - رواه مسلم ( ١٣/٩٨-٩٩ رقم ١٩٢٢)، وأحمد ( ٥/٩٨، ١٠٣، ١٠٦، ١٠٨)، و الطبراني ( ٢/٢١٧ رقم ١٨٩١ )، وابن حيان ( ١٥/٢٥١ رقم ٦٨٣٧ ) عن جابر بن سمرة، وهو يعد من الأحاديث المتواثرة، وانظر نطم المتناثرة ( ١٤٥ رقم ١٤٦).
.

٧ -رواه أبو داود ( ¾ رقم ٢٤٨٤)، وأحمد ( ٤/٤٦٩، ٤٣٧)، و الحاكم ( ٤/٤٥) و صححه على شرط مسلم، وغيره عن عمران بن حصين مرفوعا به..
وقوله :( سيهديهم ويصلح بالهم ) أي :حالهم.
وقوله :( ويدخلهم الجنة عرفها لهم ) القول المشهور أن معناه :عرفهم منازلهم، ومعنى قوله :( عرفها لهم ) أي :بينا لهم، فيكونون أهدى إلى منازلهم من القوم يعودون من الجمعة إلى دورهم. قال سلمة بن كهيل :عرفهم ( طرق )١ منازلهم في الجنة. ويقال :عرفها لهم أي :طيبها لهم. وقيل :عرفها لهم أي :رفعها لهم، والعرف :هو الريح. وفي الخبر " أن من أعان على قتل أخيه بشطر كلمة لم يجد عرف الجنة، وأن ريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام ". وهذا القول محكي عن ابن عباس. وعن مقاتل أنه قال :إذا حشر المؤمن وأمر به إلى الجنة يقدمه الملك الذي كان يكتب عمله ويطوف به في الجنة، ويريه منازله حتى إذا بلغ أقصى منازله ورأى جميعها انصرف الملك، وترك المؤمن في قصوره يتنعم فيها كما يشاء بما شاء.
وعن مجاهد أنه قال :لا يحتاج المؤمن إلى دليل إلى قصوره ومنازله، بل يكون عارفا بها كما يكون عالما بمنزله في الدنيا.
١ - في ((ك)) ك طريق..
قوله تعالى :( ياأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ) معناه :إن تنصروا نبي الله أو دين الله ينصركم. والنصرة من الله :هو الحفظ والهداية. وعن قتادة قال :من ينصر الله ينصره، ومن يسأله يعطه، ويقال :ينصركم بتغليبكم على عدوكم وإعلائكم عليهم.
وقوله :( ويثبت أقدامكم ) أي :في القتال. ويقال :يثبت أقدامكم على الصراط، وقد حكى هذا عن ابن عباس.
وقوله :( والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم ) أي :بعدا لهم. والتعس في اللغة هو العثور والسقوط. وقال ثعلب :التعس :الهلاك.
قال ابن السكيت :التعس أن [ يخر ]١ على وجهه، والنكس أن يخر على رأسه. ويقال :فتعسا لهم أي :شرا لهم وتبا لهم. والذي جاء في الخبر " تعس وانتكس "، قد بينا معنى تعس. وأما معنى قوله :انتكس أي :انقلب أمره وفسد، وهذا على معنى الدعاء.
وقوله :( وأضل أعمالهم ) أي :أضل الله أعمالهم بمعنى :أحبطها، فإن قيل :وأي عمل للكفار حتى يحبطه الله تعالى ؟ والجواب :أنهم كانوا يعملون أعمالا على فضل الخير والتقرب إلى الله تعالى مثل :الصدقة، وصلة الرحم، والحج، والطواف، وما أشبه ذلك، ويظنون أن الله تعالى يثيبهم عليها، فأخبر الله تعالى أنه يحبطها بكفرهم.
١ -في ((الأصل، وك)) :يجر، وهو سبق قلم القرطبي ( ١٦/٢٣٣)، لسان العرب ( ٦/٣٣)..
قوله تعالى :( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ) أي :كرهوا نبوة محمد وماأنزله الله من القرآن.
قوله تعالى :( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم ) أي :أهلكهم بكفرهم.
وقوله :( وللكافرين أمثالها ) أي :لهؤلاء الكافرين من سوء العاقبة مثل ما لأولئك الكفار.
وقوله :( ذلك بأن الله مولى الذين أمنوا ) أي :ولي الذين آمنوا، وهو كذا في قراءة ابن مسعود.
وقوله :( وأن الكافرين لا مولى لهم ) أي :لا يتولاهم الله تعالى، بمعنى :أنه لا يهديهم ولا ينصرهم. وفي بعض الآثار :أن عليا رضي الله عنه سأل ابن الكوا فقال :من رب العالمين ؟ قال :الله. قال :صدقت قال من مولى الناس قال الله قال كذبت، وتلا قوله تعالى :( ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ) وعن قتادة قال :" نزلت الآية في حرب أحد، فإنه لما فشا القتل والجراحات في أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم، وفعل بالنبي صلى الله عليه و سلم ما فعل، نادى المشركون :يوم بيوم بدر والحرب سجال، ثم قالوا :لنا العزى، ولا عزى لكم، فقال صلى الله عليه و سلم :قولوا :الله مولانا ولا مولى لكم، ولا سواء ؛ قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار " ١.
١ - رواه ابن جرير ( ٢٦/٢٨) عن قتادة مرسلا به، و عزاه السيوطي في الدار ( ٦/٥٣) لعبد الرزاق، و عبد بن حميد، ابن جرير، وابن أبي حاتم.
و أصل الحديث ثابث من حديث البراء مرفوعا، و رواه البخاري ( ٧/٤٠٥ رقم ٤٠٤٣) و وأحمد ( ٤/٢٩٣) و سعيد بن منصور ( ٣/٢/٣٥٦-٣٥٧ رقم ٢٨٥٣)، و البيهقي في الدلائل ( ٣/٢٢٩-٢٣٠)، والبغوي في تفسير ( ٤/٣٥٥-٣٥٦). وفي الباب عن ابن عباس..

قوله تعالى :( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ) يعني :لا يخافون عقابا، ولا يرجون ثوابا. وقيل :ليس لهم هم إلا التمتع والأكل كالأنعام.
وقوله :( والنار مثوى لهم ) أي :منزل لهم.
قوله تعالى :( وكأين من قرية ) " وكائن من قرية "، بالتخفيف.
وأنشد الأخفش قول لبيد :
وكائن رأينا من ملوك وسوقة ومفتاح قيد للأسير المكبل
ومعناه :وكم من أهل قرية هم أشد قوة من أهل قريتك التي أخرجتك أي :أخرجك أهلها.
وقوله :( أهلكناهم فلا ناصر لهم ) أي :لم يكن لهم أحد يمنعهم من عذابنا.
قوله تعالى :( أفمن كان على بينة من ربه ) أي :على يقين من أمر ربه. ويقال :المراد من الآية محمد صلى الله عليه و سلم.
وقوله :( كمن زين له سوء عمله ) هو أبو جهل، وقيل :الآية في جميع المؤمنين والكفار. ومعنى الآية :أن الفريقين لا يستويان، فحذف هذا لفهم المخاطب، وهذا كالرجل يقول :من فعل الخيار سعد، ومن فعل السيئات شقي. ثم يقول :أفمن سعد كمن [ شقي ]١، يعني :لايكون، وحذف لفهم المخاطب. وقيل :الألف في قوله :( أفمن ) ألف توقيف وتقرير لما علم المخاطب منه.
وقوله :( واتبعوا أهواءهم ) أي :اتبعوا أهواءهم في اتباع الكفر.
١ - في ((الأصل )) :يشقى..
قوله تعالى :( مثل الجنة التي وعد المتقون ) في قراءة علي رضي الله عنه :" أمثال الجنة التي وعد المتقون " والمعنى :صفة الجنة التي وعد المتقون أي :صفات الجنة التي وعد المتقون، ومعناه :وعد المتقون من ( الشرك )١. وقوله :( فيها أنهار من ماء غير الخير آسن ) أي :غير متغير. يقال :أسن الماء يأسن إذا تغير، وأجن يأجن إذا تغير أيضا، وإنما قال ذلك لأن الماء يتغير بطول المكث، وماء الجنة لا يتغير بطول المكث.
وقوله :( وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ) أي :يحمض. وإنما قال ذلك لأن اللبن إذا مر عليه الزمان يتغير ويحمض، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" أوتيت بإناءين ليلة المعراج في أحدهما خمر، وفي الآخر لبن، فأخذت اللبن وشربته، فقال جبريل عليه السلام :أصبت الفطرة " ٢.
ومن المعروف أيضا " أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا أكل طعاما شكر الله تعالى، وسأل [ الله ]٣ أن يرزقه خيرا منه إلا اللبن، فإنه كان إذا شرب اللبن شكر الله تعالى ولم يقل وارزقنا خيرا منه " ٤.
وقوله :( وأنهار من خمر لذة للشاربين ) واللذة :طيبة النفس في الشرب، وقد بينا وصف خمر الجنة قبل هذا.
وقوله :( وأنهار من عسل مصفى ) أي :منقى من الكدر والعكر.
ويقال :مصفى من الشمع ألا يكون فيه شمع.
وقوله :( ولهم فيها من كل الثمرات ) أي :الفواكه.
وقوله :( ومغفرة من ربهم ) أي :العفو من ربهم.
وقوله :( كمن هو خالد في النار ) أي :من يعطي مثل هذه النعم يكون حاله كحال من هو خالد في النار.
وقوله :( وسقوا ماء حميما ) الحميم :هو الماء الذي تناهى في الحر، وفي التفسير :أنه ماء سعرت عليه نيران جهنم منذ خلقت، فإذا قربه الكافر إلى وجهه للشرب شوى وجهه، وسقطت جلدة وجهه وفروة رأسه.
وفي بعض المسانيد برواية أبي أمامة الباهلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إذا شرب الكافر الحميم ؛ قطع أمعاءه فخرجت من دبره، ثم تلا قوله تعالى :( وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم )٥.
وفي بعض الحكايات عن محمد بن عبيد الله الكاتب قال :رجعت من مكة فمررت بطيزناباد وهو موضع بين الكوفة وبغداد فرأيت كرما فيه عنب كثير، فذكرت قول أبي نواس :
بطيزناباد كرم ما مررت به إلا تعجبت ( ممن )٦ يشرب الماء
فسمعت قائلا يقول أسمع صوته ولا أراه :
وفي الجحيم حميم ما تجرعه خلق فأبقى له في البطن أمعاء
١ - كذا..
٢ - تقدم تخريجه..
٣ - من ((ك))..
٤ - رواه أبو داود ( ٣/٣٣٩ رقم ٣٧٧٣). و الترمذي ( ٥/٤٧٢-٤٧٣ رقم ٣٤٥٥) وقال :حسن، و في الشمائل ( ١٧٤ رقم ١٩٦) و والنسائي في الكبرى ( ٦/٧٩ رقم ١٠١١٨، ١٠١١٩)، و لبن ماجة ( ٢/١١٠٣ رقم ٣٣٢٢)، وأحمد ( ١/٢٢٥، ٢٨٤)، و الطاليسى (٣٥٥-٣٥٦ رقم ٢٧٢٣)، و الحميدي ( ١/٢٢٥-٢٢٦ رقم ٤٨٢) من حديث ابن عباس مرفوعا بنحوه.
وروي من فعله صلى الله عليه و سلم من حديث عائشة بنحو رواية المصنف، رواه ابن الجوازى في الموضوعات ( ٢/٢٩٣) و نقل عن أبي حاتم قوله :ولا أصل له من حدبث رسول الله صلى الله عليه وسلم..

٥ - رواه الترمذي ( ٤/٦٠٨ رقم ٢٥٨٣) و قال :غريب، والنسائي في الكبرى ( ٦/٣٧١-٣٧٢ رقم ١١٢٦٣)، وأحمد ( ٥/٢٦٥)، وابن جرير ( ١٣/١٣١ )، ونعيم بن حماد في زوائد الزهد ( ٨٩ رقم ٣١٤ )، و الطبراني في الكبير ( ٨/٩٠ رقم ٧٤٦٠)، و الحاكم ( ٢/٣٥١، ٣٦٨-٣٦٩) و صححه على شرط مسلم، و البيهقي في العبث ( ٢٩٢-٢٩٣ رقم ٦٠٢ ) و و أبو نعيم في الحلية ( ٨/١٨٢)..
٦ - في ((ك)) :فمن..
قوله تعالى :( ومنهم من يستمع إليك ) يعني :ومن الكفار من يستمع إليك أي :يستمع إلى قولك.
وقوله :( حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ) قال عبد الله بن بريدة وجماعة :هو عبد الله بن مسعود، وقيل :إنه أبو الدرداء.
وفي الآية قول آخر :أنه جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم. وقوله :( ماذا قال آنفا ) أي :ماذا قال الآن صاحبكم ؟ وآنفا :قريبا، وكانوا يقولون هذا على طريق الاستهزاء يعني :إنا شغلنا عن سماع كلامه، فماذا قال ؟ وقوله :( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ) أي :ختم الله على قلوبهم، ولم يهدهم لقبول قول رسوله. وقال ابن الأعرابي :الختم على القلب ( من )١ فهم القول.
وقوله :( واتبعوا أهوائهم ) أي :هواهم. والمراد من الآية وفائدتها :هو منع المسلمين أن يكونوا مثل هؤلاء، وبيان حالهم للمؤمنين.
١ - كذا، والأولى، عن..
قوله تعالى :( والذين اهتدوا زادهم هدى ) أي :زادهم بيانا ورشدا، ويقال :زادهم هدى أي :العمل بالناسخ بعد العمل بالمنسوخ، ويقال :الأخذ بالعزائم بعد العمل بالرخص.
وقوله :( وآتاهم تقواهم ) أي :جزاء تقواهم.
قوله تعالى :( فهل ينظرون إلا الساعة ) أي :فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة أي :تجيئهم فجأة.
وقوله :( فقد جاء أشراطها ) أي :علاماتها. وفي التفسير :أن قوله :( فقد جاء أشراطها ) هو محمد صلى الله عليه و سلم. وقد روي عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال :" بعثت والساعة كهاتين، وأشار إلى السبابة والوسطى فسبقتها كما سبقت هذه " ١ وفي رواية :كادت تسبقني. وقد اختلفت الروايات في أول أشراط الساعة عن بعض الأخبار " أن أول أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها، وحينئذ يغلق باب التوبة، و( لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل )٢ على ما قال الله تعالى " ٣. وفي خبر آخر :" أن أول أشراط الساعة نار تخرج من المشرق فتسوق الناس إلى المغرب " ٤. ويقال :" أول أشراطها خروج الدابة " ٥، وفي الأخبار : [ أن ]٦ هذه الأشراط تكون في مدة قريبة، ويتتابع بعضها في إثر بعض ". وقيل :" كلؤلؤ العقد إذا انحل نظامه، كان بعضه في إثر بعض " ٧.
وقوله :( فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ) معناه :فأين لهم المفر والملجأ إذا جاءهم ما يذكرهم ؟ يعني :إذا عاينوا الأمر وحضرت هذه الأشراط. وقال قتادة معناه :" فأنى لهم إذا جاءتهم " أي :الساعة " ذكراهم " أي :أنى لهم التذكر ؟ أي :منفعة التذكر لو طلبوه إذا جاءتهم الساعة، والمقصود فوات منفعة التذكر عند حضور الأمر.
١ - منتفق عليه من حديث سهل بن سعد، رواه البخاري ( ٨/٥٦٠ رقم ٤٩٣٦، و طرفاه :٥٣٠١، ٦٥٠٣ و مسلم ( ١٨/١١٨ رقم ٢٩٥٠..)
و في الباب عن أنس، و لأبي هريرة و جابر..

٢ - الأنعام :١٥٨..
٣ - رواه مسلم (١٨/١٠٢-١٠٣ رقم ٢٩٤١)، و أيو داود ( ٤/١١٤ رقم ٤٣١٠)، و ابن ماجة ( ٢/١٣٥٣ رقم ٤٠٦٩ )، و أحمد (٢/١٦٤، ٢٠١)، و الطالبسى ( رقم ٢٢٤٨)، و ابن أبي شيبة ( ١٤/١٢٤-١٢٥ رقم ١٧١٩)، والحاكم ( ٤/٥٠٠-٥٠١، ٥٤٧-٥٤٨) جميعهم عن عبد الله بن عمرو مرفوعا :(( إن أول الآيات خوجا طلوع الشمس من مغربها و الخروج الدابة على الناس ضحى، و ايهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا )). و اللفظ لمسلم..
٤ - رواه البخاري (٦/٤١٧-٤١٨ رقم ٣٣٢٩، و أطرافه :٣٩١١، ٣٩٣٨، ٤٤٨)، و النسائي في الكبرى ( ٥/٣٣٨-٣٣٩ رقم ٩٠٧٤ )، و احمد (٣/١٠٨)، و أبو يعلى ( ٦/٤٥٨ -٤٥٩ رقم ٣٨٥٦)، و ابن حبان ( ١٦/١١٨ رقم ٧١٦١ )، و البيهقي في الدلائل ( ٥٢٨ -٥٢٩)، و البغوي في تفسيره (٤/١٦٥) من حديث عبد الله بن سلام، و فيه قصة إسلامه..
٥ - تقدم تخريجه..
٦ - في الأصل، و ك )): إلى، و سبق قلم..
٧ - رواه أحمد ( ٢ ٢١٩)، و ابن أبي شيبة في مصنفه ( ١٥/٦٣)، و الأمرامهرمزي في الأمثال ( ١٩٦ رقم ٨٩)، و الحاكم ( ٤/٤٧٣، ٤٧٤ )، و أبو الشيخ في الأمثال ( ١٧١ رقم ٢٦٤) جميعهم عن عبد الله بن عمرو مرفوعا بنحوه. و فب الباب عن أنس، و رواه الحاكم ( ٤/٥٤٦)، صححه شرط مسلم.
و عن أبي هريرة رواه الطبراني في الأوسط ( ٧/٢٩٠٢٨٩ رقم ٤٤٧٠ مجمع البحرين )، و لبن حبان ( ١٥/٢٤٨ رقم ٦٨٣٣)..

قوله تعالى :( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) فإن قيل :كيف قال :فاعلم أنه لا إله إلا الله وقد علم ؟ والجواب من وجهين :أحدهما :أن المراد منه هو الثبات على العلم لا ابتداء العلم. والثاني :أن معناه :فاذكر أنه لا إله إلا الله، فعبر عن الذكر بالعلم لحدوثه عنده. ويقال :الخطاب مع الرسول، والمراد منه الأمة.
وقوله :( واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) قد ثبت برواية الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة "، وفي رواية :" مائة مرة " ١.
فإن قيل :كيف أمره بالاستغفار وكان معصوما من الذنوب ؟ والجواب :أنه كان لا يخلو من الخطأ والزلل وبعض الذنوب التي هي من الصغائر، فأمره الله تعالى بالاستغفار منها، وأمره بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، وكان يدعو لهم ويستغفر لهم.
وفي المشهور من الخبر أن النبي صلى الله عليه و سلم لما ابتدأ به المرض الذي توفى فيه خرج إلى أحد، واستغفر لشهداء أحد، ثم استغفر للمؤمنين والمؤمنات " ٢. . . والخبر فيه طول. وقوله :( والله يعلم متقلبكم ومثواكم ) أي :منصرفكم وموضع مقامكم، ويقال :متقلبكم بالنهار ومثواكم بالليل. وقيل :متقلبكم ومثواكم أي :يعلم جميع ما أنتم عليه في جميع أحوالكم. ويقال :يعلم متقلبكم أي :منصرفكم في الدنيا، ومثواكم أي :منقلبكم في الآخرة، وإما إلى الجنة، وإما إلى النار. وقد ثبت برواية حمران عن عثمان أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :" من مات وهو يعلم أن لاإله إلا الله دخل الجنة٣.
وعن عبيد بن المغيرة قال :قال حذيفة بن اليمان :قوله :( واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) ثم قال :كنت رجلا ذرب اللسان على أهلي فقلت :يارسول الله، إني أخاف أن يدخلني لساني النار. فقال :أين أنت [ من ]٤ الاستغفار ؟ إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة " ٥. وفي بعض الأخبار عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال :" خير العمل لا إله إلا الله، وخير الدعاء أستغفر الله " ٦. وفي بعض الآثار :" أن الرجل إذا استغفر للمؤمنين والمؤمنات رد الله تعالى عليه عن كل مؤمن ومؤمنة " ٧.
١ - تقدم تخريجه..
٢ - في استغفار النبي صلى الله عليه و سلم لشهداء أحد قبل موته أحاديث، منهل حديث عائشة مرفوعا، و رواه الدرامي في سننه ( ١/٥١ -٥٢ رقم ٨١ )، و قال العراقي في المغنى ( ٤/٣٩٩) و فيه :إبراهيم بن المختار مختلف فيه، و عن محمد بن إسحاق، و هو مدلس، و قد رواه بالعنعنة.
و عن أم سلمة، رواه البيهقي في الدلائل (٧/١٧٨) بإسناد فيه الواقدى بنحوه حديث عائشة. و عن أيوب بن بشير مرسلا بنحوه أيضا، رواه البيهقي في الدلائل ( ٧/٠١٧٧- ١٧٨).
وروى مسلم أيضا في صحيحه من حديث عقبة بن عامر، و فيه صلاة النبي صلى الله عليه و سلم على أهل أحد قبل موته بقليل..

٣ - رواه مسلم ( ١/٢٩٩ رقم ٣٠٢ رقم ٢٦)، و النسائي في الكبرى ( ٦/٢٧٤ رقم ١٠٩٥٢- ١٠٩٥٤ )، و أحمد ( ١/٦٥، ٦٩)، و أبو عوانة ( ١/٦،٧) و ابن أبي شيبة ( ٣/٢٣٨)، و ابن حبان ( ١/٤٣٠-٤٣١ رقم ٢٠١ )، و ابو نعيم في الحلية ( ٧/١٧٤)..
٤ - في ((الأصل، وك)) :عن..
٥ - رواه النسائي في الكبرى ( ٦/١١٧ -١١٨ رقم ١٠٢٨٢ – ١٠٢٨٧)، و ابن ماجة ( ٢/١٢٥٤ رقم ٣٨١٨)، و أحمد ( ٥/٣٩٤، ٣٩٦، ٤٠٢)، و الطيالسي (٥٧ رقم ٤٢٧ )، و ابن لأبي شيبة ( ١٠/٢٩٧ رقم ٩٤٩٠، ١٣ /٤٦٣ رقم ١٦٩٢٨)، و الدارمى ( ٢/ ٣٩١ رقم ٢٧٢٣)، و ابن أبي عاصم في الزهد ( ٥٢ -٥٣ رقم ١١٠)، و ابن أبي الدنيا في الثوبة رقم (١٧٦)، و ابن حبان ( ٣ /٢٠٥ -٢٠٦ رقم ٩٢٦)، و الحاكم ( ١/ ٥١٠، ٥١١) و صححه على شرطهما، و ابن السنى ( ١٢٨ رقم ٣٦٤) و أبو النعيم في الحلية ( ١/٢٧٦ )، و البيهقي في الشعب ( ٢/٥٤٣ – ٥٤٤ رقم ٦٣٤، ٦٣٥)، و الخطيب في تاريخه ( ١٢/٤٨١)..
٦ - عزاه في الكنز ( ١/٤٨٣ رقم ٢١١٢) للحاكم في تاريخه عن على، و لفظه (( خير الدعاء الاستغفار، و خير العبادة قول لا إله إلا الله )).
و هو فردوس للديلمي أيضا ( ٢ / ١٧٩ رقم ٢٨٩٧).
و في الباب أحاديث..

٧ - رواه البخاري في الكبير ( ٤/ ٢١٩ )، و العقيلي في الضعفاء ( ٢/ ١٨٢) عم أنس مرفوعا به ((... رد الله عليه من آدم فما دونه )). و قال البخاري :و شعيب لا يعرف له سماع عن أنس، و لا يتايع عليه. وعزاه العراقي المغنى ( ١/٢٩٠ ) لأبي الشيخ في الثواب، و المستغفري في الدعوات، و قال :إسناده ضعيف..
قوله تعالى :( ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة ) أي :هلا أنزلت سورة، وفي التفسير :أنهم كانوا يأنسون بالوحي إذا نزل ويستبطئونه إذا تأخر. وقوله :( فإذا أنزلت سورة محكمة ) وفي قراءة ابن مسعود :" محدثة " وفي قوله :( محكمة ) وجهان :أحدهما :محكمة أي :محكمة بذكر الجهاد والقتال مع الكفار، والجهاد والقتال أشد الأوامر على النفس.
والوجه الثاني :محكمة بالأوامر والنواهي.
وقوله :( رأيت الذين في قلوبهم مرض ) أي :نفاق، فإن قيل :كيف أخبر عن المؤمنين في ابتداء الآية ثم قال :( رأيت الذين في قلوبهم مرض ) وهم المنافقون، والمنافق لا يكون مؤمنا ؟ والجواب عنه :أن في الآية حذفا، ومعناه :فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال، فرح المؤمنون واستأنسوا بها. و( رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ) أي :شخصوا بأبصارهم نحوك، ونظروا نظرا شديدا، شبه الشاخص بصره عند الموت، وإنما أصابهم مثل هذا١ ؛ لأنهم إن قاتلوا خافوا الهلاك، وإن لم يقاتلوا خافوا ظهور النفاق.
والآية في عبد الله بن أبي سلول، ورفاعة بن الحارث، وسائر المنافقين. وقوله :( فأولى لهم ) هذا وعيد وتهديد. قال ابن عباس :هو لمن كرهها، والعرب تقول لمن قرب من عطب ونجا :أولى لك، ويريدون به تحذيره من مثل ذلك. وعن محمد ابن الحنفية أنه كان إذا مات ميت بعقوته٢ أي :بقرب منه، قال لنفسه :أولى لك، كدت تكون السواد المخترم٣.
١ - في ((ك)) :ذلك..
٢ - العقوة :هي ساحة الدار و ما حولها.لسان العرب ( ١٥/٧٩). و في ((ك)) :بعقوفه، و هو الخطأ..
٣ - انظر هذا القول في لسان العرب ( ١٥/ ٤١٢).
.

وقوله :( طاعة وقول معروف ) فيه أقوال :أحدها :أنه بمعنى الأمر، ومعناه :قولوا آمنا طاعة وقول معروف.
والقول المعروف هو الإجابة بالسمع والطاعة. والقول الثاني :أن قوله :( طاعة وقول معروف ) أي :طاعة وقول معروف أحسن وأميل لهم. والقول الثالث :أن هذه حكاية منهم قبل نزول آية القتال، كانوا يقولون على هذا الوجه فإذا نزلت آية القتال كرهوا وجزعوا. ويقال :وقوله :( طاعة وقول معروف ) اعتراض في الكلام المنسوق١ على الأول.
وقوله :( فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم ) ومعنى قوله :( فإذا عزم الأمر ) أي :جهد الأمر ولزم فرض القتال. ( فلو صدقوا الله ) أي :لو وفوا بما وعدوه من الجهاد، وقابلوا أمر الله بالامتثال لكان خيرا لهم.
١ - في ((ك)) :المسوق..
قوله تعالى :( فهل عسيتم إن توليتم ) فيه قولان :أحدهما :إن توليتم ولاية أي :كانت لكم ولاية. والثاني :إن توليتم عن الإيمان بالرسول وبالقرآن أي :أعرضتم، فهل يكون منكم سوى أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ؟ وقيل على القول الأول :أنه قد كان هذا في صدر الإسلام ؛ فإن قريشا لما تولوا الأمر أفسدوا في الأرض وقطعوا الأرحام، وذلك من قتل بني هاشم قريشا، وقتل قريش بني هاشم.
وقوله :( أولئك الذين لعنهم الله ) أي :طردهم الله.
وقوله :( فأصمهم ) أي :جعلهم بمنزلة الصم. وقوله :( وأعمى أبصارهم ) أي :بمنزلة العمى.
قوله تعالى :( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) التدبير :هو التفكر والنظر فيما يؤول إليه عاقبة الأمر.
وقوله :( أم على قلوب أقفالها ) معناه :بل على قلوب أقفالها، وهو على طريق المجاز، فذكر القفل بمعنى انغلاق القلب عن فهم القرآن. وفي التفسير :" أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقرئ شابا هذه الآية، فقال ذلك الشاب :بل على قلوب أقفالها حتى يفتحها الله، فقال النبي صلى الله عليه و سلم له :صدقت " ١.
وعن بعضهم :مثل قفل الحديد على الباب.
١ - رواه الطبري في تفسيره ( ٢٦/٣٧) و و البغوي (٤/١٨٤) عن عروة بن الزبير مرسلا به، و زاد السيوطي في الدار ( ٦/٧٣) :إسحاق بن راهويه، و ابن المنذر، و ابن مردويه، جميعهم عن عروة به..
وقوله :( إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ) الهدى هو البيان المؤدي إلى الحق.
وقوله :( الشيطان سول لهم ) أي :زين لهم.
وقوله :( وأملى لهم ) أي :أمهلهم بالمد لهم في العمر، وهو راجع إلى الله تعالى ومعناه :وأملى لهم الله تعالى، وقرئ :" وأملي لهم " على مالم يسم فاعله، وقرئ في الشاذ " وأملي لهم " ١ بتسكين الياء، أي :وأنا أملي لهم.
١ -(( انظر النشر)) ( ٢/٣٧٤).
وقوله تعالى :( ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما أنزل الله ) في الآية قولان :أحدهما :أنه قول اليهود للمنافقين، قالوا للمنافقين :سنطيعكم في بعض الأمر أي :في كتمان صفة محمد صلى الله عليه و سلم مع علمنا بأنه رسول. والقول الثاني وهو الأظهر أنه قول المنافقين لليهود.
وقوله :( كرهوا ما أنزل الله ) هم اليهود، وإنما كرهوا حسدا وبغيا. وقوله :( سنطيعكم في بعض الأمر ) أي :في بغض محمد والعداوة معه. وقوله :( والله يعلم إسرارهم ) أي :ما أسر بعضهم إلى بعض، وهذا القول أولى ؛ لأن الآيات المتقدمة في المنافقين.
قوله تعالى :( فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ) أي :يضربون وجوههم عند الموت بصحائف الكفر، وقيل :في القيامة.
وقوله :( وأدبارهم ) أي :يضربون أدبارهم عند سوقهم إلى النار، وهذا في القيامة. وفي بعض التفاسير :مامن عاص يموت إلا وتضرب الملائكة وجهه ودبره عند إدخاله القبر.
قوله تعالى( ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالكم أي :أبطلها، وقد بينا معناه من قبل.
قوله تعالى :( أم احسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ) الأضغان :جمع ضغن، وهو بمعنى :الحقد والغل والغش، ومعنى الآية :أي :أحسب المنافقون والكفار أن لن يظهر ما في قلوبهم لرسوله صلى الله عليه و سلم وللمؤمنين.
قال الشاعر في الضغن :
قل ( لأبي )١ هند ما أردت بمنطق ساء الصديق ( وسود )٢ الأضغان
أي :الأحقاد.
١ - في تفسير القرطبي ( ١٦/٢٥١) :لابن....وشبد..
٢ - في تفسير القرطبي ( ١٦/٢٥١) :لابن....وشبد.
قوله تعالى :( ولو نشاء لأريناكهم ) أي :لعرفناهم إياك.
وقوله :( فلعرفتهم بسيماهم ) أي :جعلنا لهم في وجوههم سمة تعرفهم بها. وقوله :( ولتعرفنهم في لحن القول ) أي :في فحوى القول ومقصده ومغزاه. وعن بعضهم :قول الإنسان وفعله دليل على نيته. ويقال :لحن في القول إذا ترك الصواب، واللحن هاهنا :هو قول يفهم المخاطب معناه مع إخفاء القائل المراد فيه، قال الشاعر :
منطق صائب ويلحن أحيانا وخير القول ما كان لحا
وفي الخبر المعروف أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" إنكم لتختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض " ١ أي :أفطن. وعن بعضهم :عجبت لمن يعرف لحن الكلام كيف يكذب. وفي التفسير :أنه لم يخف منافق بعد هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه و سلم، وكان
يعرفهم في لحن كلامهم.
وقوله تعالى :( والله يعلم أعمالكم ) يعني :التي تعملونها.
١ - متفق عليه من حديث أم سلمة، رواه البخاري ( ٥/٣٤٠ رقم ٢٦٨٠)، مسلم ( ١٢/١٠٧ رقم ١٧١٣).
.

قوله تعالى :( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ) أي :نعلم علم الشهادة، وهو العلم الذي يقع عليه الوعد والوعيد. ويقال : [ لنعاملكم ]١ معاملة من يريد أن يعلم أعمالكم. ويقال معناه :حتى تعلموا أنا علمنا أعمالكم.
وقوله :( والصابرين ونبلوا أخباركم ) أي :نعلم الصابرين، ونعلم أخباركم. وكان مجاهد إذا بلغ إلى هذه الآية قال :اللهم إنا نسألك أن لا تبلو أخبارنا فإنا نفتضح.
١ - في ((الأصل)) :لنعامل معكم، و في ((ك)) :لنعاملن منكم، و ما أثبتناه هو الأنسب و الأفصح..
قوله تعالى :( إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله )أي :منعوا الناس عن الإيمان بالله.
وقوله :( وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ) أي :خالفوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى.
وقوله :( لن يضروا الله شيئا ) أي :ينقصوا الله شيئا.
وقوله :( وسيحبط أعمالهم ) أي :يبطل أعمالهم.
قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ) عن أبي العالية الرياحي قال :كانوا يقولون أي :الصحابة لن يضر مع الإيمان شيء كما لا ينفع مع الكفر شيء، حتى أنزل الله تعالى هذه لآية :( ولا تبطلوا أعمالكم ) بالشك والنفاق، ويقال :بالمكر والخداع، والمعروف بالكبائر.
قوله تعالى :( إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ) ظاهر المعنى.
قوله تعالى :( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم ) أي :( لا تضعفوا )١.
وقوله :( وتدعوا إلى السلم ) أي :إلى الصلح، نهى الله تعالى المسلمين أن يطلبوا الصلح مع الكفار إذا أمكنهم القتال.
وقوله :( وأنتم الأعلون ) أي :الغالبون القاهرون.
وقوله تعالى :( والله معكم ) أي :بالنصرة والحفظ.
وقوله تعالى :( ولن يتركم أعمالكم ) أي :لن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال :" مامن ساعة تمر على العبد المسلم لا يذكر الله فيها إلا كانت عليه ترة يوم القيامة " أي :نقص.
١ - رواه الطبراني في الأوسط ( ٧/٣٢٠ رقم ٤٥٢٤ – مجمع البحرين )، و ابو نعيم في الحلية ( ٥ /٣٦١ – ٣٦٢) و قال :غريب، و تفرد به ابن علاثة، و البيهقي في الشعب ( ٢/ ٤٠٧ -٤٠٨ رقم ٥٠٨) و قال :في هذا الاسناد ضعف، غير أن شواهد من حديث معاذ. و قال الهيثمي ( ١٠/٨٣) :رواه الطبراني في الأوسط و فيه عمرو بن الحصين العقيلي، و متروك..
قوله تعالى :( إنما الحياة لدنيا لعب ولهو ) أي :ما يلهى ويلعب به.
وقوله :( وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم ) فيه أقوال :أحدها :ولا يسألكم جميع أموالكم، إنما يسألكم قدر الزكاة، وهو المعروف. والقول الثاني :لا يسألكم أموالكم لنفسه، إنما يسألكم لكم. والقول الثالث :ولا يسألكم أموالكم ؛ لأنها ليست لكم في الحقيقة، إنما هي له.
وقوله تعالى :( إن يسألكموها فيحفكم ) أي :يبالغ في مسألتكم، ويقال :يلح عليكم ويجهدكم. وفي بعض أمثال العرب :ليس للسائل المحفي مثل منع ( الخامس )١.
وفي بعض الأخبار عن النبي صلى الله عليه و سلم :" إن الله يحب الحيي المتعفف، ويبغض السائل الملحف " ٢.
قوله ( تبخلوا ) أي :تمنعوا ١٨٥٠.
و قوله :( ويخرج أضغانكم ) أي :ويخرج الإحفاء أضغانكم، ويظهر ما في بواطنكم من البخل والإمساك والنفاق والشك. وفي بعض الأخبار عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال :" أخبر تقله " ٣ أي :أخبر الإنسان ببغضه، وعن بعضهم أنه قال :" أقله بخبر، يعني :ابغضه، فهو المختبر. وفي بعض الحكايات أن مخارقا غني للمأمون.
( إني لمشتاق إلى ظل صاحب يرق ويصفو إن كدرت عليه )
فقال المأمون :خذ مني الخلافة وأتني بهذا الصاحب.
١ - كذا..
٢ - رواه السهمي في تاريخ جرجان (٢، ١) و أبو نعيم في أخبار أصبهان ( ١/٧٨) من حديث أبي هريرة مرفوعا بنحوه. وزاد الزيغلي في تخريجه( ١/ ١٦٤ تخريج الكشاف ) :البزاز في مسنده، و إسحاق بن راهوية في مسنده، و الطبراني في مسند الشاميين من طريق عن أبي هريرة. و في الباب عن مسعود، و قتادة مرسلا، و غيرهما، و انظر الحلم لابن أبي الدنيا ( ٤٩ -٥٠ رقم ٥٤)، و تخريج الكشاف، و الصحيحة ( ٣/٣١٠ – ٣١٢ رقم ١٣٢٠)..
٣ - قال ابن الأثير في النهاية ( ٤/ ١٥٠ ) القلي :البعض :.... يقول :جرب الناس فإنك إذا جربتهم قايتهم، و تركتهم لما يظهر لك من بواطن سرائرهم. و الحديث رواه ابن عدي في الكامل ( ٢/٣٨)، و الطبراني في مسند الشامين ( ٢/ ٣٨٥ رقم ١٤٩٣)، و أبو الشيخ في الأمثال ( ٧٢ رقم ١١٧)، و أبو النعيم في الحلية ( ٥/١٥٤)، و القضاعي في الشهاب ( ١/ ٦٣٥، ٦٣٦ )، و ابن الجوزى في العلل المتناهية ( ٧٢٣ رقم ١٢٠٥) جميعهم من حديث أبي الدرداء مرفوعا به.و عزاه السخاوي في المقاصد ( ٦٨ رقم ٣٨) لأبي يعلى، و العسكري في الأمثال، و الطبراني، و الحسن بن سفيان، و أبي نعيم، ثم قال :و كلها ضعيفة، و فابن أبي مريم و بقية ضعيفان، وقال الهيثمي في المجمع ( ٨/٩٣): رواه الطبراني و فيه أبوبكر بن أبي مريم، وهو ضعيف..
قوله تعالى :( ها أنتم هؤلاء ) أي :ياهؤلاء ( تدعون لتنفقوا في سبيل الله ) أي :في الجهاد. وقوله :( فمنكم من يبخل ) أى يمنع. وقوله ( ومن يبخل فإنماعن نفسه ) أي :يفوت حظ نفسه. وقوله :( والله الغني وأنتم الفقراء ) أي :الغني عنكم، وأنتم الفقراء إليه.
وقوله :( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ) أي :إن تعرضوا.
وقوله :( قوما غيركم ) فيه أقوال أحدها :ملائكة السماء، وهذا أشد الأقوال. والقول الثاني :إن تتولوا يامعشر قريش يستبدل قوما غيركم أي :أهل اليمن، وقد كان الأنصار منهم، فإن الأوس والخزرج حيان من اليمن، وقد قال الشاعر :
*** ولله أوس آخرون وخزرج ***
والقول الثالث :وهو المعروف، وإن تتولوا يا معشر العرب يستبدل قوما غيركم أي :العجم. وفي الخبر المعروف :أن قوما سألوا النبي صلى الله عليه و سلم عن معنى هذه الآية وقالوا :من الذين يستبدلهم بنا١ ؟ وكان سالما جالسا بجنبه فقال :هذا وقومه ثم قال :" لو كان الدين معلقا بالثريا لناله رجال من فارس " ٢.
وقوله :( ثم لا يكونوا أمثالكم ) أي :يكونوا خيرا منكم وأطوع لي، ومعناه :لايكونوا أمثالكم في مخالفة الأوامر، والله أعلم.
١ - في ((ك)) : منا.
.

٢ - رواه الترمذي ( ٥/ ٣٥٨ رقم ٣٢٦٠ مختصرا، ٣٢٦١) و قال :غريب في ‘سناد مقال، و ابن جرير الطبري (٢٦/٤٢ )، و ابن حبان ( ١٦/ ٦٢ -٦٣ رقم ٧١٢٣ )، و الطحاوي في المشكل ( ٣/٣١-٣٢)، و الحاكم ( ٢/٤٥٨ مختصرا ) و صححه على شرط مسلم، و البيهقي في الدلائل ( ٦/ ٣٣٣-٣٣٤ )، و البغوي في تفسير ( ٤ / ٢٦١- ٢٦٢ رقم ٦٦١) و صححه، و ابن عساكر في تاريخ دمشق ( ٢١ / ٤١٦ رقم ٤٨٤١ ) من حديث أبي هريرة مرفوعا به..
السورة التالية
Icon