0:00
0:00

قوله عز وَجل : ﴿ فَضَرْبَ الرِّقَابِ ﴾.
نصب على الأمر، وَالذي نصب به مضمر، وَكذلك كل أمر أظهرَتَ فيه الأسماء، وَتركت الأفعال فانصب فيه الأسماء، وَذكر :أنه أدبٌ من الله وتعليم للمؤمنين للقتال.
وقوله : ﴿ فَإِما مَنا بَعْدُ وَإِما فِدَاء ﴾.
منصوب أيضاً على فعل مضمر، فإما أن تمنُّوا، وَإما أن تفدوا، فالمن :أن تترك الأسير بغير فداء، وَالفداء :أن يفدىَ المأسورُ نفسه.
وقوله : ﴿ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَها ﴾.
آثامها وَشركها حتى لا يبقى إِلاّ مسلم، أو مسالم. وَالهاء التي في أوزارها تكون للحرب وَأنت تعنى :أوزار أهلها، وَتكون لأهل الشرك خاصةً، كقولك :حتى تنفي الحرب أوزار المشركين.
وقوله : ﴿ ذَلِكَ وَلَوْ يشاء اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ﴾.
بملائكة غيركم، ويقال :بغير قتال :ولكن ليبلو بعضكم ببعض، المؤمن بالكافر، والكافر بالمؤمن.
وقوله : ﴿ وَالَّذِينَ قَاتَلوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾.
قرأها الأعمش وعاصم وزيد بن ثابت [ حدثنا محمد ] حدثنا الفراء قال :حدثني بذلك محمد بن الفضل الخراساني عن [ عطاء عن أبي ] عبد الرحمن عن زيد بن ثابت :قاتَلوا، وقرأها الحسن :قُتِّلوا مشددة، وقد خففها بعضهم فقال :قُتِلوا مخفف، وكل ذلك صواب.
وقوله : ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾.
يعرفون منازلهم إذا دخلوها، حتى يكون أحدهم أعرف بمنزله في الجنة منه بمنزله إذا رجع من الجمعة.
وقوله : ﴿ فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ﴾.
كأنه قال :فأتعسهم الله وأضل أعمالهم ؛ لأنّ الدعاء قد يجرى مجرى الأمر والنهي، ألا ترى أنّ أضل فعل، وأنها مردودة على التعس، وهو اسم لأن فيه معنى أتعسهم، وكذلك قوله : ﴿ حتّى إِذَا أَثْخَنْتُموهمْ فَشُدُّوا ﴾ مردودة [ ١٧٧/ب ] على أمر مضمر ناصبٍ لضرب الرقاب.
وقوله : ﴿ كَرِهُواْ ما أَنزَلَ اللَّهُ ﴾ كرهوا القرآن وسخطوه.
وقوله : ﴿ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُها ﴾
يقول :لأهل مكة أمثال ما أصاب قوم لوط وعاد وثمود وعيدٌ من الله.
وقوله : ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُواْ ﴾
يريد :وَلِيّ الذين آمنوا، وكذلك هي في قراءة عبدالله «ذلك بأن الله ولِيّ الذين آمنوا » وهي مثل التي في المائدة في قراءتنا : ﴿ إنما وَلِيّكم اللهُ ورسولُه ﴾، ومعناهما واحد، والله أعلم.
وقوله : ﴿ وَالنارُ مَثْوًى لَّهُمْ ﴾.
ترفع النار بالمثوى، ولو نصبت المثوى، ورفعت النار باللام التي في ( لهم ) كان وجها.
وقوله : ﴿ مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ ﴾.
يريد :التي أخرجك أهلها إلى المدينة، ولو كان من قريتك التي أخرجوك كان وجها، كما قال : ﴿ فَجاءها بَأْسُنا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قائلون ﴾، فقال :( قائلون )، وفي أول الكلمة :( فجاءها ).
وقوله : ﴿ فَلاَ ناصِرَ لَهُمْ ﴾.
جاء في التفسير :فلم يكن لهم ناصر حين أهلكناهم، فهذا وجه، وقد يجوز إضمار كان، وإن كنت قد نصبت الناصر بالتبرية، وبكون :أهلكناهم فلا ناصر لهم الآن من عذاب الله.
وقوله : ﴿ أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ ﴾ ولم يقل :واتبع هواه، وذلك أنّ من تكون في معنى واحد وجميع، فرُدّت أهواؤهم على المعنى، ومثله : ﴿ وَمِنَ الشياطِينِ مَنْ يَغُوصُون له ﴾، وفي موضع آخر : ﴿ ومِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمعُ إِلَيكَ ﴾، وفي موضع آخر : ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ﴾.
وقوله : ﴿ مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ﴾.
[ حدثنا أبو العباس قال :حدثنا محمد قال : ] حدثنا الفراء قال :أخبرني حبّان بن على عن الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس قال :
مثل الجنة، أمثال الجنة، صفات الجنة. قال ابن عباس :وكذلك قرأها علي بن أبي طالب :أمثال.
وقوله : ﴿ مِّن ماء غَيْرِ آسِنٍ ﴾.
غير متغير، غير آجن.
وقوله : ﴿ وَأَنْهارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ﴾ لم يخرج من ضروع الإِبل ولا الغنم برغوته.
وقوله : ﴿ وَأَنْهارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾.
اللذة مخفوضة، وهي الخمر بعينها، وإن شئت جعلتها تابعة للأَنهار، وأنهارٌ لذةٌ، وإن شئت نصبتها على يتلذذ بها لذة، كما تقول :هذا لك هبةً وشبهه، ثم قال : ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ ﴾ لم يقل :أمَن كان في هذا كَمَن هو خالد في النار ؟ ولكنه فيه ذلك المعنى فَبُني عليه.
وقوله : ﴿ وَمِنْهُمْ مَن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾.
يعنى خطبتك في الجمعة [ ١٧٨/ا ] فلا يستمعون ولا يعون [ حتى ] إذا انصرفوا، وخرج الناس قالوا للمسلمين :ماذا قال آنفا، يعنون النبي صلى الله عليه وسلم استهزاء منهم.
قال الله عز وجل : ﴿ أُولئك الَّذِينَ طَبعَ اللهُ على قُلوبهم ﴾.
وقوله : ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوا زَادَهُمْ هُدًى ﴾.
زادهم استهزاؤهم هدى، وآتاهم الله تقواهم، يقال :أثابهم ثواب تقواهم، ويقال :ألهمهم تقواهم، ويقال :آتاهم تقواهم من المنسوخ إذا نزل الناسخ.
وقوله : ﴿ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُها ﴾.
( أنْ ) مفتوحة في القراءة كلها. حدثنا الفراء قال :وَحدثني أبو جعفر الرؤاسي قال :قلت لأبى عمرو بن العلاء :ما هذه الفاء التي في قوله : ﴿ فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُها ﴾ ؟ قال :جواب للجزاء. قال :قلت :إنها ﴿ أَنْ تأتيهم ﴾ مفتوحة ؟ قال :فقال :معاذ الله إنما هي ( إِنْ تَأْتِهِمْ ). قال الفراء :فظننت أنه أخذها عن أهل مكة ؛ لأنه عليهم قرأ، وهي أيضاً في بعض مصاحف الكوفيين :تأتهم بسينة واحدة، ولم يقرأ بها أحد منهم، وهو من المكرّر :هل ينظرون إلا الساعة، هل ينظرون إلا أَن تأتيهم بغتة. والدليل على ذلك أن التي في الزخرف في قراءة عبد الله : ﴿ هَلْ يَنْظُرونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتيهم الساعةُ ﴾، ومثله : ﴿ وَلَوْلاَ رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساء مؤمِناتٌ ﴾ لولا أن تطْئوهم فإن في موضع رفع عند الفتح، وأن في الزخرف وههنا نصب مردودة على الساعة، والجزم جائز تجعل :هل ينظرون إلا الساعة مكتفيا، ثم تبتدئ :إِن تأتهم، وتجيئها بالفاء على الجزاء، والجزم جائز.
وقوله : ﴿ فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ﴾.
«ذكراهم » في موضع رفع بلهم، والمعنى :فأنى لهم ذكراهم إذا جاءتهم الساعة ؟ ومثله : ﴿ يَوْمَئذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرَى ﴾ أي :ليس ينفعه ذكره، ولا ندامته.
وقوله : ﴿ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ ﴾.
وفي قراءة عبد الله :سُورةٌ مُحْدَثةٌ. كان المسلمون إذا نزلت الآية فيها القتال وذِكْره شق عليهم وتواقعوا أن تنسخ، فذلك قوله : «لولا نزلت سورة » أي هلاّ أنزلت سوى هذه، فإذا نزلت وقد أُمروا فيها بالقتال كرهوها، قال الله : ﴿ فَأَوْلَى لَهُمْ ﴾ لمن كرهها، ثم وصف قولهم قبل أن تنزَّل :سمع وطاعة، قد يقولون :سمع وطاعة، فإذا نزل الأمر كرهوه، فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم، فالطاعة مرفوعة في كلام العرب إذا قيل لهم :افعلوا كذا وكذا، فثقل عليهم أو لم يثقل قالوا :سمع وطاعة.
[ حدثنا أبو العباس قال :حدثنا محمد قال ] :حدثنا الفراء قال :أخبرني حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال :
قال الله عزّ وجل : ﴿ فَأَوْلَى ﴾ ثم قال لَهُمْ لِلَّذِين آمنوا مِنْهم طاعةٌ وَقَوْلٌ مَعْروف، فصارت :فأولى وعيدا لمن كرهها، واستأنف الطاعة بلهم، والأول عندنا كلام العرب، وقول الكلبي هذا غير مردود.
وقوله : [ ١٧٨/ب ] ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ ﴾.
قرأها العوام بنصب السين، وقرأها نافع المدني :فهل عَسِيْتُم، بكسر السين، ولو كانت كذلك لقال :عَسِيَ [ في موضع عسى ]. ولعلها لغة بادرة، وربما اجترأت العرب على تغيير بعض اللغة إذا كان الفعل لا يناله قد. قالوا :لُسْتُم يُريدون لستُم، ثم يقولون :لَيْسَ وليسُوا سواء، لأنه فعل لا يتصرف ليس له يفعل وكذلك عسى ليس له يفعل فلعله اجترى عليه كما اجترى على لستم.
وقوله : «هَلْ عَسَيْتُم »... إن توليتم أمور الناس أن تفسدوا في الأرض، وتُقطعوا أرحامكم، ويقال :ولعلكم إن انصرفتم عن محمد صلى الله عليه وسلم، وتوليتم عنه أن تصيروا إلى أمركم الأول من قطيعة الرحم والكفر والفساد.
وقوله : ﴿ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ ﴾.
زين لهم وأملى لهم الله، وكذلك قرأها الأعمش وعاصم، وذُكر عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وزيد بن ثابت ( رحمهم الله ) أنهم قرءوها كذلك بفتح الألف.
وذُكر عن مجاهد أنه قرأها :( وأُمْليِ لهم ) مرسلة الياء، يخبر الله جل وعز عن نفسه، وقرأ بعض أهل المدينة :وأُمْلِيَ لهم بنصب الياء وضم الألف، يجعله فعلاً لم يسمّ فاعله، والمعنى متقارب.
وقوله : ﴿ إِسْرَارَهُمْ ﴾.
قرأها الناس :أسرارهم :جمع سر، وقرأها يحيى بن وثاب وحده :إسرارهم بكسر الألف، واتبعه الأعمش وحمزة والكسائي، وهو مصدر، ومثله : ﴿ وإِدْبَارَ السجود ﴾.
وقوله : ﴿ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ﴾ يقول :أنْ لن يبدي الله عدواتهم وبغضهم لمحمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله : ﴿ وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْناكَهُمْ ﴾.
يريد :لعرفناكهم، تقول للرجل :قد أريتك كذا وكذا، ومعناه عرفتكه وعلمتكه، ومثله : ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْنِ الْقَوْلِ ﴾، في نحو القول، وفي معنى القول.
وقوله : ﴿ فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى السَّلْمِ ﴾.
كلاهما مجزومتان بالنهي :لا تهنوا ولا تدعوا، وقد يكون منصوباً على الصرف يقول :لا تدعوا إلى السلم، وهو الصلح، وأنتم الأعلون، أنتم الغالبون آخر الأمر لكم.
وقوله : ﴿ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ ﴾.
من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا، أو أخذت له مالا فقد وترته. وجاء في الحديث :( من فاتته العصر فكأنما وتر أهله وماله ) قال الفراء، وبعض الفقهاء يقول :أوتر، والصواب وتر.
وقوله : ﴿ إِن يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ ﴾.
أي يجهدكم تبخلوا ويخرج أضغانكم، ويخرج ذلك البخل عداوتكم، ويكون يخرج الله أضغناكم أحفيت الرجل :أجهدته.
السورة التالية
Icon