0:00
0:00

قوله تعالى : ﴿ فَإذَا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ - إلى قوله - فَإِمّا مَناً بَعْدُ وإمّا فِدَاءً حَتّى تَضَعَ الحرْبُ أوْزَارَها ﴾ الآية : [ ٤ ] :
فيه بيان كيفية الجهاد، وما يجب التمسك به في محاربتهم، فبين أولاً ما يجب عند لقاء الكفار، والمنعَة قائمة، وهو ضرب الرقاب، لأن عند ذلك تجب هذه الطريقة، ثم بين الحكم إذا نحن أثخناهم وبنّنّا امتناعهم١، فأمر أن نشدهم في الوثاق فإما أن نمن أو نفادى، وهذا لأنه تعالى كان قد حرم الأسر بقوله : ﴿ مَا كَانَ لِنَبِي أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتّى يُثْخِنَ في الأَرْضِ٢ :
فأباح بهذه الآية أسرهم إذا أثخناهم بالجراح وغيره، وبين أن أمرهم إلى الإمام، فإن شاء منَّ عليهم بإطلاق من غير فداء، وإن شاء فادى، وإن شاء قتل، على ما يراه الأصلح للإسلام والمسلمين.
ودل بقوله : ﴿ حَتّى تَضَعَ الحرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ :أن ذلك غاية فيما تقدم ذكره، ولا يجوز أن يكون غاية في حكم الأسرى، فإذاً يجب أن يكون غاية في حكم، ما كان يجب أن يكون غاية في المقاتلة، فكأنه بين أن أثقال الحرب من قبلهم إذا زالت، فللمؤمنين مفارقة السلاح، ويدعوا الحرب إلى حال أخرى.
قال الحسن :في الآية تقديم وتأخير، فكأنه قال :فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها، ثم قال :حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق.
وزعموا أنه ليس للإمام إذا حصل الأسير في يده أن يقتله بل هو بالخيار في ثلاثة مراتب :إما أن يمن أو يفادى أو يسترق.
وقال السدي فيما رواه إسماعيل بن إسحاق :إن ذلك منسوخ بقوله تعالى : ﴿ اقتُلُوا المُشْرِكِينَ حيثُ وَجَدْتمُوهُم٣.
وقال قتاده مثله، وجعل ناسخه قول تعالى : ﴿ فإمّا تَثْقَفَنّهُم في الحَرْبِ فشَرِّدْ بِهِم مَنْ خَلْفَهُمْ٤.
وقال إسماعيل بن إسحاق :المن والفداء حقه في الأسير إذا تمكن منه٥، ولا يمنع ذلك من القتل الذي سنه الله تعالى في الكفار، فكأن الله تعالى حرم المن والفداء قبل التمكن، وأذن فيهما بعد التمكن، والقتل في الحالتين من حيث الكفر سائغ.
وروى في قوله تعالى : ﴿ حتّى تَضَعَ الحرْبُ أوْزَارَهَا ﴾ أقوال :
روي عن الحسن :حتى يعبد الله ولا يشرك به، وعن مجاهد :حتى لا يكون دين إلا الإسلام.
وعن سعيد بن جبير ومجاهد في رواية أخرى :حتى يخرج عيسى بن مريم فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة، وتأمن الشاة من الذئب.
١ - أي حجزنا امتناعهم وأوقفناه، قال في القاموس: وبنن ارتبط الشاة ليسمنها..
٢ - سورة الأنفال، آية ٦٧..
٣ - سورة التوبة، آية ٥..
٤ - سورة الأنفال، آية ٥٧..
٥ - انظر تفسير الدر المنثور للسيوطي..
قوله تعالى : ﴿ أَطِيعُوا اللهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ ولاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم ﴾، الآية : [ ٣٣ ] :
احتج به قوم في أن التحلل من التطوع، صلاة كان أو صوماً بعد التلبس به لا يجوز، لأن فيه إبطال العمل، وقد نهى الله تعالى عنه.
والجواب عنه :أن المراد بذلك إبطال ثواب العمل المفروض، وذلك العمل المفروض ينهى الرجل عن إحباط ثوابه، فأما ما كان فعلاً فلا، فإنه ليس واجباً عليه.
فإن زعموا أن اللفظ عام، قلنا :العام يجوز تخصيصه ووجه تخصيصه أن الفعل تطوع والتطور يقتضي تخيراً، وهذا مستقصى في كتب الفقه١.
١ - انظر أحكام القرآن للجصاص، وأحكام القرآن للقرطبي..
قوله تعالى : ﴿ فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلَى السَّلْمِ وأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ الآية : [ ٣٥ ] :
فيه دليل على منع مهادنة الكفار إلا عند الضرورة، وتحريم ترك الجهاد إلا عند العجز عن مقابلتهم، لضعف يكون بالمسلمين والعياذ بالله.
وهذا إتمام ما أردناه في هذه السورة.
السورة التالية
Icon