0:00
0:00

سورة محمد مدنية وقيل مكية
وهي ثماني أو تسع وثلاثون آية وأربع ركوعات

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ الذين كفروا وصدوا ﴾ :أعرضوا، أو منعوا الناس، ﴿ عن سبيل الله ﴾ :عن الدخول في الإسلام، ﴿ أضل١ أعمالهم ﴾ :أبطلها، وما جعل لها ثوابا كتصدقهم وصلة أرحامهم،
١ فهو من ضل عني إذا ضاع لا من الإضلال المقابل للهداية/١٢ وجيز..
﴿ والذين١ آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ تخصيص بعد التعميم تعظيما لشأنه، وأكده بالجملة الاعتراضية يعني قوله : ﴿ وهو الحق من ربهم ﴾، الظرف حال من ضمير الحق، ﴿ كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ﴾ :حالهم وأمرهم،
١ لما بين حال الكفار بين حال المؤمنين، فقال: ﴿والذين آمنوا﴾ الآية/١٢ كبير..
﴿ ذلك ﴾ أي :الإضلال والتكفير، ﴿ بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ﴾ :الشيطان، ﴿ وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق ﴾ :القرآن، ﴿ من ربهم ﴾ حال من الحق، ﴿ كذلك١ :مثل ذلك الضرب، ﴿ يضرب الله للناس٢ أمثالهم ﴾ أي :لأجل الناس أمثال الفريقين، أو أمثال الناس للناس بأن جعل إتباع الباطل والإضلال مثلا للكفار، وإتباع الحق والتكفير مثلا للمؤمنين٣،
١ قوله: ﴿كذلك﴾ لا يستدعي أن يكون هناك مثل مضروب، بل معناه أنه تعالى لما بين حال الكافر وإضلال أعماله، وحال المؤمن وتكفير سيئاته، وبين السبب فيهما كان ذلك غاية الإيضاح، فقال: ﴿كذلك﴾ أي: مثل هذا البيان يضرب الله للناس أمثالهم ويبين لهم أحوالهم/١٢ كبير..
٢ ولما بين سبحانه حال الفريقين أمر بجهاد الكفار فقال: ﴿فإذا لقيتم﴾ الآية/١٢ فتح..
٣ فالمشار إليه في ذلك لا يقتضي مشارا إليه مغايرا لمضمون يضرب الله للناس أمثالهم، لكن لا من ضرب مثل في الجملة/١٢ وجيز..
﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا ﴾ :حاربتموهم، ﴿ فضرب الرقاب ﴾ أي :فاضربوا رقابهم ضربا قدم المصدر مضافا إلى المفعول بعد حذف فعله، والمراد منه القتل بأي وجه كان، ﴿ حتى إذا أثخنتموهم ﴾ :أغلظتم قتلهم، وجعلتموه كثيرا كثيفا قال تعالى : ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ﴾[ الأنفال :٢٧ ] ﴿ فشدوا الوثاق ﴾ أي :فأسروهم، والوثاق ما يوثق به، ﴿ فإما منا بعد وإما فداء ﴾ أي :تمنون منا بعد الأسر، أو يفدون فداء أراد التخيير بين الإطلاق بلا عوض وبين العوض، وعند بعض السلف أنها منسوخة بقوله ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ الآية [ التوبة :٥ ]، والأكثرون على أنها محكمة، ثم قال بعضهم التخيير بين القسمين فلا يجوز قتله، والأكثرون منهم وهو قول أكثر السلف على التخيير بين المن والمفاداة والقتل والاسترقاق، ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ :أثقالها وآلاتها أي :لا يبقى حرب، وهو بأن لا يبقى كافر ﴿ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله ﴾[ الأنفال :٣٩ ] قيل :حتى تضع الحرب آثام أهلها بأن يتوبوا، أو شرك أهلها وقبائحهم، ﴿ ذلك ﴾ أي :الأمر ذلك، ﴿ ولو يشاء الله لانتصر ﴾ :لانتقم، ﴿ منهم ﴾ :بأن أهلكهم من غير قتال، ﴿ ولكن ﴾ شرع لكم الجهاد، ﴿ ليبلو ﴾ :الله تعالى : ﴿ بعضكم ببعض ﴾ :فيمحص ويخلص المؤمنين بالجهاد، ويمحق الكافرين فهو من البلية، أو من الابتلاء أي :الاختبار قال تعالى : ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولم يعلم الله ﴾ الآية [ آل عمران :١٤٢ ]، ﴿ والذين قتلوا١ :جاهدوا، ﴿ في سبيل الله فلن يضل ﴾ :يضيع، ﴿ أعمالهم ﴾
١ قرأ الجمهور"قاتلوا" مبينا للفاعل، وقرئ "اقتلوا" مخففا ومشددا مبينا للمفعول، وقرئ قتلوا على البناء للفاعل مع التخفيف من غير ألف، والمعنى على الأولى والرابعة أن المجاهدين في سبيل الله ثوابهم غير ضائع، وعلى الثانية والثالثة أن المقتولين في سبيل الله كذلك لا يضيع الله سبحانه أجرهم /١٢ فتح..
﴿ سيهديهم ﴾ :إلى سبل السلام، ﴿ ويصلح بالهم ﴾ :حالهم فيما بقى من عمرهم، وفي الآخرة،
﴿ ويدخلهم الجنة عرفها لهم ﴾ :بينها لهم فكل منهم يعرف منزله، وفي البخاري " والذي نفس محمد بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى به بمنزله كان في الدنيا " وعن بعض :طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة١ قيل :عرفها لهم في الدنيا حتى اشتاقوا إليها،
١ ومنه قوله- صلى الله عليه وسلم:"من تعلم علما مما يبغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" يعني: ريحها أخرجه أبو داود وابن ماجه وغيرهما، وانظر صحيح سنن ابن ماجه..
﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ﴾ أي :في دينه، ﴿ ينصركم ﴾ :على عدوكم، ﴿ ويثبت أقدامكم ﴾ :في الجهاد والطاعات،
﴿ والذين كفروا فتعسا لهم ﴾، مفعول مطلق وجب حذف فعله أي :تعس أو أتعسه الله تعالى تعسا أي :أهلكه إهلاكا، والجملة خبر الذين كفروا كأنه قال والذين كفروا أهلكهم١ الله ﴿ وأضل أعمالهم٢، عطف على ناصب تعسا،
١ فهذا مجاز عن الإهلاك، ولا قول هناك ولا دعاء، ولذلك جاز أن يكون خبرا للمبتدأ من غير حاجة إلى تقدير قول، فإن حقيقة الجملة خبرية، وإن كان لفظها دعائية إنشائية، وعلى هذا قوله ﴿وأضل أعمالهم﴾ جاز عطفه، وهو خبر على الإنشاء صورة/١٢ وجيز..
٢ كصدقتهم، وصلة أرحامهم/١٢..
﴿ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ﴾ :القرآن، ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾
﴿ أفلم يسيروا١ في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر ﴾ :استأصل، ﴿ الله عليهم وللكافرين أمثالها ﴾ أي :ولمطلق الكافرين أمثال تلك العاقبة، فيه وعيد لقريش،
١ تعجيب وتحضيض على السير والتأمل/١٢..
﴿ ذلك بأن الله مولى ﴾ :ناصر، ﴿ الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ :لا ناصر لهم، ولكن هو مولاهم بمعنى مالكهم١.
١ فلا تناقض بين تلك الآية، وقوله تعالى في الكفار: ﴿وردوا إلى الله مولاهم الحق﴾(يونس:٣٠)؛ لأن المراد من المولى في تلك الآية الناصر، وفي هذه الآية المالك/١٢ منه..
﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ﴾ :في الدنيا بها، ﴿ ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴾ :لا يهتمون بالحل، والحرمة، ولا بالقلة والكثرة لا شكر ولا حمد١، ﴿ والنار مثوى ﴾ :منزل،
١ في آخره ولا بسملة في أوله/١٢ وجيز..
﴿ لهم وكأين من قرية ﴾ أي :وكم من أهل قرية، ﴿ هي أشد قوة من قريتك ﴾ :مكة، أي :من أهلها، ﴿ التي أخرجتك ﴾ :كانوا سبب خروجك، ﴿ أهلكناهم ﴾ :بأنواع العذاب، ﴿ فلا ناصر لهم ﴾، معناه على المضي أي :لم يكن لهم ناصر فهو كالحال المحكية نزلت حين قال- عليه السلام- في الغار ملتفتا إلى مكة :" أنت أحب بلاد الله إلى الله وأحب بلاد الله إلي ولو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك "، فأعدى الأعداء من عدا على الله في حرمه، أو قتل غير قاتله١،
١ ذكره ابن كثير في "التفسير" (٤/١٧٥) من طريق ابن أبي حاتم بإسناد رجاله ثقات خلا حنش فإنه لا بأس به، وفي الصحيح ما يشهد له..
﴿ أفمن كان على بينة ﴾ :حجة، ﴿ من ربه ﴾ :كالقرآن والدلائل، ﴿ كمن زين له سوء عمله واتبعوا ﴾، جمع الضمير باعتبار المعنى، ﴿ أهواءهم ﴾ :لا حجة لهم أصلا،
﴿ مثل١ الجنة التي وعد المتقون ﴾ أي :وعدها، ﴿ فيها أنهار من ماء غير آسن ﴾ :غير متغير طعمه ولا ريحه، ﴿ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ﴾ :لم يصر حامضا ولا قارصا، ﴿ وأنهار من خمر لذة للشاربين ﴾ :طيبة الطعم والرائحة لا فيها غول، وهي تأنيث لذ، وهو اللذيذ أو مصدر وصف به للمبالغة، ﴿ وأنهار من عسل مصفى٢ :من الشمع الوسخ، ﴿ ولهم فيها من كل الثمرات ﴾ أي :بعضه، ﴿ ومغفرة ﴾، عطف على معنى من كل الثمرات، ﴿ من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ﴾ :من شدة الحرارة، واعلم أن " مثل الجنة " مبتدأ خبره " كمن هو خالد " بتقدير في الخبر والمبتدأ على حاله أي :كمثل جزاء من هو خالد أو في المبتدأ، أو الخبر على حاله أي :مثل أهل الجنة كمن هو خالد وقوله " فيها أنهار " إما صلة لا بعد صلة، أو استئناف، أو مثل مبتدأ، وفيه أنهار خبره من غير احتياج بتقدير أي :صفتها هذه، أو مبتدأ خبره محذوف أي :فيما قصصنا عليكم مثل الجنة ثم أخذ يبين، وعلى هذين الوجهين كمن هو خالد خبر محذوف أي :المنفي الذي له تلك الجنة كمن هو خالد، والقرينة وعد المتقون،
١ ولما بين سبحانه الفرق بين الفريقين في الاهتداء والضلال بين الفرق بين مرجعهما ومآلهما، فقال: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون﴾الآية/١٢ فتح..
٢ عن معاوية بن حيدة قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول:" في الجنة بحر اللبن، وبحر الماء، وبحر العسل، وبحر الخمر لم تشقق الأنهار منها بعد" أخرجه أحمد، والترمذي وصححه، وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في البعث [صحيح، انظر صحيح الجامع (٢١٢٢)]/١٢ فتح..
﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ :المنافقون يحضرون ويسمعون كلامه الأشرف، ﴿ حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ﴾ :علماء الصحابة، ﴿ ماذا قال ﴾ :محمد، ﴿ آنفا ﴾ :الساعة استهزاء وإعلاما بأنا ما كنا ملتفتين إليه مستمعين له، آنفا ظرف بمعنى أول وقت يقرب منا، ﴿ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ﴾ :ختم عليها فلا يدخل فيها الهدى، ﴿ واتبعوا أهواءهم ﴾
﴿ والذين اهتدوا زادهم ﴾ :الله، أو قول الرسول، ﴿ هدى ﴾ :وفقهم على تكثير الحسنات وتقليل السيئات، ﴿ وآتاهم تقواهم١ :أعانهم على التقوى أو أعطاهم ثواب التقوى أو بين لهم ما يتقون،
١ ولما ذكر حال المنافقين، والكلام في شأنهم وقوله: ﴿والذين اهتدوا﴾ في البين للمقابلة كما هو طور القرآن رجع إلى الكلام في أمرهم فقال: ﴿فهل ينظرون﴾الآية/١٢ وجيز..
﴿ فهل ينظرون ﴾ :ينتظرون، ﴿ إلا الساعة ﴾ أي :لا يؤخرون الإيمان إلا لانتظار١ القيامة، ﴿ أن تأتيهم بغتة ﴾، بدل اشتمال من الساعة، ﴿ فقد جاء أشراطها ﴾ كالعلة كأنه قال لا ينتظرون إلا إتيانها بغتة ؛ لأنه قد جاء أشراطها، وبعد مجيء الأشراط لابد من وقوع الساعة، ومن أشراطها مبعث رسول الله- صلى الله عليه وسلم ﴿ فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ﴾ :فمن أين لهم التذكر والاتعاظ إذا جاءتهم الساعة ؟ يعني حينئذ لا تنفعهم،
١ حاصل أنهم، وإن لم يؤمنوا بالقيامة، ولم ينظروها، لكن لما كانت القيامة متحققة الوقوع وهم يؤخرون الإيمان فكأنهم ينتظرون القيامة/١٢ منه..
﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله ﴾ أي :إذا علمت حال الفريقين فاثبت على التوحيد، ﴿ واستغفر لذنبك ﴾، ذكره للتوطئة والتمهيد لقوله : ﴿ وللمؤمنين والمؤمنات١، فالمقصود الاستغفار لهم، وأمره به لتستن به أمته، ﴿ والله يعلم متقلبكم ﴾ :متصرفكم بالنهار، ﴿ ومثواكم ﴾ :مستقركم٢ في الليل، أو متقلبكم في الدنيا ومثواكم في الآخرة، أو متقلبكم من ظهر إلى بطن، ومثواكم مقامكم في الأرض أو في القبور.
١ قال شيخ الإسلام أبو العباس الحراني- في شرح دعاء ذي النون عليه السلام: إن الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة، ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه، كما قال تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ الآية:(البقرة:١٣٦)، بخلاف غير الأنبياء فإنهم ليسوا بمعصومين كما عصم الأنبياء، ولو كانوا أولياء الله، ولهذا من سب نبيا من الأنبياء قتل باتفاق الفقهاء، ومن سب غيرهم لم يقتل، وهذه العصمة الثابتة للأنبياء هي التي بها يحصل مقصود النبوة والرسالة، فإن النبي هو المنبئ عن الله، والرسول هو الذي أرسله الله تعالى، وكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا، والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة فلا تستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين، ثم أطال الكلام إلى أن قال: وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة فللناس فيه نزاع هل هو ثابت بالعقل، أو بالسمع، ويتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر، أو من بعضها أم هل العصمة إنما هي في الإقرار عليها في فعلها أم لا يجب القول بالعصمة إلا في التبليغ فقط، وهل تجب العصمة من الكفر والذنوب قبل البعثة أم لا والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع، والقول الذي عليه جمهور الناس، وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف فيقع في الكفر بهم [كذا بالأصل] إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقا، والرد على من يقول: إنه يجوز إقرارهم عليها، وحجج القائلين بالعصمة إذا حررت إنما تدل على هذا القول إلى أن قال: ونصوص الكتاب والسنة في هذا الباب كثيرة متظاهرة، والآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين، وعلماء المسلمين كثيرة ولكن المنازعون يتأولون هذه النصوص من جنس تأويلات الجهمية والباطنية كما فعل ذلك من صنف في هذا الباب وتأويلهم تتبين لمن تدبرها أنها فاسدة من باب تحريف الكلام عن مواضعه، وهؤلاء يقصد أحدهم تعظيم الأنبياء فيقع في تكذيبهم، ويريد الإيمان بهم، وقال في بحث: إن الاعتبار بكامل النهاية لا بما جرى في البداية والأعمال بخواتيمها، وساق الدلائل في ذلك إلى أن قال: وبهذا يظهر جواب شبهة من يقول: إن الله لا يبعث نبيا إلا من كان معصوما ما قبل النبوة، كما يقول ذلك طائفة من الرافضة وغيرهم، وكذلك من قال: إنه لا يبعث نبيا إلا من كان مؤمنا قبل النبوة، فإن هؤلاء توهموا أن الذنوب تكون نقصا وإن تاب التائب منها، وهذا منشأ غلطهم، فمن ظن أن صاحب الذنوب مع التوبة النصوح يكون ناقصا فهو غالط غلطا عظيما، فإن الذم والعقاب الذي يلحق أهل الذنوب لا يلحق التائب منها شيء أصلا، لكن إن قدم التوبة لم يلحقه شيء وإن أخر التوبة فقد يلحقه ما بين الذنوب والتوبة من الذم، والعقاب ما يناسب حاله، والأنبياء- صلوات الله عليهم وسلامه- كانوا لا يؤخرون التوبة؛ بل يسارعون ويسابقون إليها لا يؤخرون ولا يصرون على الذنب؛ بل هم معصومون من ذلك ومن أخر ذلك زمنا قليلا كفر الله ذلك بما يبتليه به كما فعل بذي النون- عليه السلام- هذا هو المشهور أن إلقاءه كان بعد النبوة، وأما من قال: إن إلقاءه كان قبل النبوة، فلا يحتاج إلى هذا، والتائب من الكفر والذنوب قد يكون أفضل ممن لم يقع في الكفر والذنوب، وإذا كان قد يكون أفضل حالا [في الأصل: مالا، وما ذكرناه أقرب للمعنى] فضل أحق بالنبوة ممن ليس مثله في الفضيلة انتهى ملتقطا/١٢..
٢ هو على العموم في كل متقلب ومثوى أي: موضع سكوت، ولما قال: ﴿والله يعلم متقلبكم ومثواكم﴾ عطف على عليه ما هو من المعلومات فقال: ﴿ويقول الذين آمنوا﴾ /١٢ وجيز..
﴿ ويقول الذين آمنوا١ لولا ﴾ :هلا، ﴿ نزلت سورة ﴾ :تأمرنا بالجهاد، ﴿ فإذا أنزلت سورة محكمة ﴾ :غير منسوخة٢، ﴿ وذكر فيها القتال ﴾ :الأمر به، ﴿ رأيت الذين في قلوبهم مرض ﴾ :من٣ كان له ضعف دين، ﴿ ينظرون إليك ﴾ :عند الموت، ﴿ نظر المغشي عليه من الموت ﴾ أي :كنظر من أصابته الغشية عند الموت من رعبهم وجبنهم،
١ الظاهر أنهم الموحدون المخلصون/١٢ وجيز..
٢ وغير متشابه لا يحتمل إلا وجوب القتال/١٢ وجيز..
٣ وهذا كما قال الله: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم﴾ الآية [النساء:٧٧]/١٢ وجيز..
﴿ فأولى لهم طاعة وقول معروف ﴾ أي :كان الأولى١ بهم طاعة الله، وقول معروف٢ بالإجابة، أو معناه فالويل لهم٣ من الولي، وأصله أولاه الله ما يكرهه، واللام مزيدة أي :هذا الويل لهم، ثم قال ﴿ طاعة ﴾ أي :أمرهم طاعة أو طاعة خير لهم، ﴿ فإذا عزم ﴾ :جد، ﴿ الأمر ﴾ :وفرض القتال، ﴿ فلو صدقوا الله ﴾ :في الإيمان والطاعة، ﴿ لكان ﴾ :الصدق، ﴿ خيرا لهم ﴾، وعن بعضهم إذا عزم الأمر حضر القتال فلو صدقوا الله :أخلصوا له النية لكان خيرا لهم،
١ إشارة إلى أن اللام في"لهم" بمعنى الباء/١٢..
٢ رد حسن بالإجابة والسمع والطاعة/١٢ منه، وفي الصحاح، قول العرب: أولى لك: تهديد، وتوعيد/١٢ منه..
٣ وهذا هو المحكى أيضا عن ابن عباس/١٢..
﴿ فهل عسيتم ﴾ :يتوقع منكم، ﴿ إن توليتم ﴾ :بمعنى الإعراض أي :أعرضتم عن الدين أو رجعتم عن الجهاد، ﴿ أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ﴾ :أن تعودوا إلى أمر الجاهلية، أو بمعنى الولاية أي :تأمرتم أن تظلموا ولم تعدلوا فدخلت هل على ما يتضمنه عسى من معنى التوقع يعني :هم لضعف دينهم بحيث يتوقع من عرفهم ذلك منهم، ويقول لهم هل عسيتم
﴿ أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ﴾ :فلا يستمعون الحق ولا يهتدون،
﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ :فيتعظون بمواعظه، ﴿ أم على قلوب أقفالها ﴾ أي :أم يتدبرون لكن عليها القفل، فلا يدخل فيها الحق، وتنكير قلوب للتهويل كأنه قيل لا يقادر قدرها في القسوة والإقفال، أو لأن المراد قلوب بعض، وإضافة الأقفال للدلالة على أقفال مناسبة لها لا تجانس الأقفال المعهودة، وقيل :أم منقطعة والهمزة للتقرير،
﴿ إن الذين ارتدوا على أدبارهم ﴾ :رجعوا إلى كفرهم وهم المنافقون، ﴿ من بعد ما تبين لهم الهدى ﴾ :بالمعجزات، أو هم كفار أهل الكتاب كفروا بمحمد- عليه الصلاة والسلام- بعد ما عرفوه من كتابهم، ﴿ الشيطان سول ﴾ :زين وسهل، ﴿ لهم وأملى لهم ﴾ :مد لهم في الآمال، أو أمهلهم الله تعالى، وقراءة أملى على فعل المتكلم يدل على الثاني أي :وأنا أمهلهم ولا أعجلهم بالعقوبة،
﴿ ذلك بأنهم ﴾ :المنافقين، ﴿ قالوا ﴾ :سرا، ﴿ للذين كرهوا ما نزل الله ﴾، هم المشركون، أو كفار أهل الكتاب، أو قال كفار أهل الكتاب للمشركين : ﴿ سنطيعكم في بعض الأمر ﴾ :بعض أموركم في عداوة الإسلام، ﴿ والله يعلم إسرارهم ﴾ :أفشا الله تعالى أسرارهم وأفضحهم،
﴿ فكيف ﴾ :يعملون١، ﴿ إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ :ليستخرجوا أرواحهم بالقهر،
١ ويحتالون حينئذ/١٢..
﴿ ذلك ﴾ :التوفي بالموصوف ﴿ بأنهم اتبعوا ما أسخط١ الله ﴾ :من الكفر وعداوة الإسلام، ﴿ وكرهوا٢ رضوانه ﴾ :ما يرضاه، ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ :حسناتهم التي عملوا.
١ فوجهوا وجوههم إليه فضربوا وجوههم/١٢ وجيز..
٢ فتولوا عنه فضربوا أدبارهم ففي ذلك مقابلة أمرين بأمرين/١٢ وجيز..
﴿ أم حسب الذين في قلوبهم مرض ﴾ :نفاق، ﴿ أن لن يخرج الله ﴾ :يبرز ويظهر، ﴿ أضغانهم ﴾ :أحقادهم، وأم منقطعة، والهمزة للإنكار،
﴿ ولو نشاء لأريناكهم ﴾ :عرّفناهم بأشخاصهم، ﴿ فلعرفتهم بسيماهم ﴾ :بأن جعلنا على المنافقين علامة تعرفهم بها، لكن لم يفعل سترا منه على خلقه، وعن ابن عباس- رضي الله عنهما- ما خفى على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد نزول هذه الآية أحد من المنافقين يعرفهم بسيماهم، فكأنه- رضي الله عنه- حمله على أنه وعد بالوقوع دال على الامتناع فيما سلف، ولام الجواب كررت في المعطوف، ﴿ ولتعرفنهم في لحن القول ﴾ هو إزالة الكلام عن جهته١ إلى تورية فكان بعد ذلك ما تكلم منافق عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلا استدل بفحوى كلامه على فساد باطنه، وهو جواب قسم محذوف، والواو لعطف٢ القسمية على الشرطية، ﴿ والله يعلم أعمالكم ﴾
١ مثل قولهم: راعنا/١٢ وجيز..
٢ والواو لعطف القسمية على الشرطية، وقال في الوجيز: ولام فلعرفتهم قسمية بقرينة عطف قوله: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾ عليه فإن المضارع سيما مع نون التأكيد ينافي أن يكون جواب لو، وهذه الطريقة التي اخترناها في بيان تلك الآية كأنها ضالة الحكيم، وفوق كل ذي علم عليم/١٢ وجيز..
﴿ ولنبلونكم ﴾ :نعاملكم معاملة المختبر بالتكاليف، ﴿ حتى نعلم ﴾ :نرى ونميز، ﴿ المجاهدين منكم والصابرين ﴾ :على مشاقها، ﴿ ونبلو أخباركم ﴾ :نعلم أو تطهر أحوالكم وأعمالكم أو نختبر أخباركم عن الإيمان أنه عن صدق القلب أو عن اللسان وحده،
﴿ إن الذين كفروا وصدوا ﴾ :الناس : ﴿ عن سبيل الله وشاقوا الرسول ﴾ :خاصموه، ﴿ من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا ﴾ :من المضرة إنما يضرون أنفسهم، ﴿ وسيحبط أعمالهم ﴾ :ثواب حسناتهم،
﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ﴾ :بالردة، والنفاق أو بالرياء والمن والأذى أو بالكبائر، وعن أبي العالية :كنا معاشر الصحابة نرى أنه لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت ﴿ ولا تبطلوا أعمالكم ﴾، فخفنا أن يبطل الذنب العمل، وعن ابن عمر- رضي الله عنهما- قريب منه،
﴿ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ﴾، دل بمفهومه على أنه قد يغفر الذنوب لمن لم يمت على الكفر،
﴿ فلا تهنوا ﴾ :تضعفوا، ﴿ وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون ﴾ :ولا تدعوهم إلى الصلح حال كونكم الأغلبين، ﴿ والله معكم ﴾ :بالنصر، ﴿ ولن يتركم١ أعمالكم ﴾، منصوب بنزغ الخافض أي :لن يفردكم الله منها بأن يضيع، أو بالمفعول لتضمين معنى السلب،
١ من الوتر وهو الفرد، وقد ورد في الحديث " من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" [أخرجه مسلم وغيره]/١٢ وجيز..
﴿ إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ﴾ :لا أصل لها ولا ثبات، ﴿ وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ﴾ :ثواب أعمالكم، ﴿ ولا يسألكم ﴾ :ربكم، ﴿ أموالكم ﴾ أي :شيئا منها، فإنه غني عنها، والأمر بالصدقات لنفعكم ما أريد منهم رزق، أو جميع أموالكم، بل يسأل شيئا يسيرا منها،
﴿ إن يسألكموها فيحفكم ﴾ :يطلب منكم جميعه١، ﴿ تبخلوا ﴾ :فلا تعطوا، ﴿ ويخرج ﴾ :الله، ﴿ أضغانكم ﴾ :عداوتكم على من يطلب منكم،
١ من أحفى شاربه: استأصل/١٢ وجيز..
﴿ هأنتم هؤلاء ﴾، مبتدأ وخبر أي :أنتم هؤلاء الموصوفون وحينئذ قوله : ﴿ تدعون لتنفقوا ﴾، استئناف مقرر لذلك، أو هؤلاء موصول، وتدعون صلته، ﴿ في سبيل الله ﴾ :طرق الخير، ﴿ فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ﴾ :ضرر البخل راجع إليها، ﴿ والله الغني وأنتم الفقراء ﴾ :فلا يأمركم إلا بما يسد احتياجكم، ﴿ وإن تتولوا ﴾، عطف على وإن تؤمنوا، ﴿ يستبدل قوما غيركم ﴾ :يقم مقامكم قوما آخرين، ﴿ ثم لا يكونوا أمثالكم١ :في التولي ؛ بل سامعين طائعين، وفي الحديث " من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لا يكونا أمثالنا، فضرب عليه السلام يده على كتف سلمان، ثم قال :هذا وقومه، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس " ٢ وعن الحسن :هم العجم، وعن عكرمة :فارس والروم.
ولله الحمد والمنة.
١ وقوله: ﴿ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ فيه مسألة نحوية يتبين منها فوائد عزيزة، وهي أن النحاة قالوا: يجوز في المعطوف على جواب الشرط بالواو والفاء وثم الجزم والرفع جميعا قال الله تعالى هاهنا ﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ بالجزم، وقال في موضع آخر، ﴿وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون﴾[آل عمران:١١١] بالرفع بإثبات النون وهو مع الجواز ففيه تدقيق، وهو أن هاهنا لا يكون متعلقا بالتولي لأنهم إن لم يتولوا يكونون ممن يأتي بهم الله على الطاعة، وإن تولوا لا يكونون مثلهم لكونهم عاصين، وكون من يـأت بهم مطيعين وأما هناك سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا لا ينصرون، فلن يكون للتعليق هناك وجه، فرفع بالابتداء، وهاهنا جزم للتعليق/١٢ كبير..
٢ "صحيح" أخرجه الترمذي والطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل وغيرهم، وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٩٩)..
السورة التالية
Icon