0:00
0:00

سورة محمد
سورة محمد صلى الله عليه وسلم.
في هذه السورة تنديد بالكفار وكفرهم وصدهم عن سبيل الله. وحض للمؤمنين على قتالهم على أن لا يكون قتل إبادة، وتشريع بحق أسراهم، ومقايسات بين المسلمين والكفار ومصائر كل من الفريقين وتنديد بمرضى القلوب، وصور عن مواقفهم وتآمرهم مع اليهود، وحث للمسلمين على طاعة الله ورسوله والجهاد والبذل في سبيله، وتنديد بمن يبخل أو يتهاون مع الأعداء وقد روى بعض المفسرين١ اسما آخر لها هو ( سورة القتال ) لما فيها من حض على قتال الكفار كما هو المتبادر.
وأسلوب السورة النظمي فريد. ويسوغ القول بوحدة نزولها أو تتابع فصولها حتى تمت. وقد روى المصحف الذي اعتمدناه أن الآية ( ١٣ ) نزلت لحدتها في طريق هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وانسجامها مع الآيات يحمل على التوقف في الرواية.
وترتيب هذه السورة في روايات ترتيب النزول التي يرويها المصحف الذي اعتمدنا عليه وغيره٢ بعد سورة الحديد التي جاء ترتيبها في الروايات المذكورة بعد سورة النساء، ولما كان محتوى سورة الحديد يدل على أنها نزلت بعد الفتح المكي فقد أخرنا تفسيرها، فصار ترتيب هذه السورة بعد سورة النساء مباشرة، وبين بعض فصول سورة النساء وفصول هذه السورة تماثل غير يسير.
١ انظر تفسير الطبري والزمخشري وابن كثير.
٢ انظر الجزء الثاني من كتابنا سيرة الرسول ص٩.

( ١ ) أضل أعمالهم :أحبطها أو لم يوفقهم فيها إلى الرشاد أو أبطل كيدهم
﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ( ١ ) ( ١ ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ( ٢ ) ( ٢ ) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ ( ٣ ) ﴾.

في الآيات :

( ١ ) تنديد بالكافرين الذين يصدون عن سبيل الله بالإضافة إلى كفرهم، وإيذان بأن الله أبطل كيدهم وأحبط أعمالهم.
( ٢ ) وتنويه بالمؤمنين الصالحي الأعمال، المصدقين برسالة النبي وما أنزل عليه وإيذان بتكفير الله عنهم سيئاتهم وبإصلاحه لأمورهم وتهدئته لروعهم.
( ٣ ) وتعليل للتنديد والتوبة والإيذان. فالكفار ضالون متبعون للباطل والمؤمنون مهتدون متبعون للحق. وكل ينال ما يطابق خطته وعمله، وهذا جريا على عادة الله في ضربه الأمثال للناس للتذكير والموعظة.
ولم يرو المفسرون فيما اطلعنا عليه رواية خاصة في مناسبة نزول الآيات. وإنما رووا عن ابن عباس أن الآية الأولى نزلت في كفار مكة والثانية في الأنصار.
ووصف الكفار بأنهم الذين صدوا عن سبيل الله قد يجعل صرف الآية الأولى إلى كفار مكة صوابا ووجيها، غير أن الآية الثانية من شأنها أن تكون شاملة لمؤمني الأنصار والمهاجرين معا. ومهما يكن من أمر فالمتبادر المستلهم من روحها وروح الآيات التالية أن الآيات مقدمة لما بعدها.
ولقد قال المفسرون١ :إن جملة ﴿ أضل أعمالهم ﴾ تعني أنه أذهب فضل وثواب ما كان الكفار يفعلونه من المكرمات هباء بسبب كفرهم، وعزوا ذلك إلى بعض التابعين، وإلى هذا فإن البغوي عزا إلى الضحاك تأويلا آخر وهو أن معناها ( أبطل الله كيدهم ومكرهم بالنبي وجعل الدائرة تدور عليهم ) ٢ وهذا أوجه وأرجح فيما هو المتبادر.
هذا، وعبارة الآيات المطلقة تشمل في الوقت ذاته كل كافر حاد عن سبيل الله، وكل مؤمن صالح العمل في كل ظرف وعلى هذا الاعتبار ينطوي فيها أولا تعليل لما يحل بالكافرين من سخط الله، ولما يناله المؤمنون من عفوه ورضائه، وهو تعليل متسق مع ما جاء من ذلك في مناسبات كثيرة سابقة، ومع المبدأ القرآني المحكم المتكرر بأن كل فئة تنال من الجزاء حسب ما تختاره وتسير فيه من طريقي الضلال والهدى وثانيا :تلقين مستمر المدى بتقبيح الباطل وأهله، وتقرير لما ينتج عن أعمالهم من شر وضرر عليهم وتحسين الحق ومتبعيه وتقرير لما ينتج عن أعمالهم من خير وفائدة، وهو ما تكرر في القرآن بأساليب عديدة.
ومع ما قلناه فإننا نكرر هنا ما ذكرناه في مناسبات سابقة أن ما ذكر من أمر الكافرين بالنسبة لظروف الآيات هو من قبيل تسجيل الواقع، وليس هو على التأييد إلا بالنسبة لمن يستمر على كفره وصده عن سبيل الله.
وكالعادة وقف مفسرو الشيعة عند الآية الثالثة، وفسروا ﴿ الذين كفروا اتبعوا الباطل ﴾ بأنهم أعداء علي وآل الرسول رغم الصراحة القطعية على أنها في صدد الكافرين بالله مقابل الذين آمنوا... ٣.
( ٢ ) أصلح بالهم :أصلح أمورهم أو سكن روعهم
﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ( ١ ) ( ١ ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ( ٢ ) ( ٢ ) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ ( ٣ ) ﴾.

في الآيات :

( ١ ) تنديد بالكافرين الذين يصدون عن سبيل الله بالإضافة إلى كفرهم، وإيذان بأن الله أبطل كيدهم وأحبط أعمالهم.
( ٢ ) وتنويه بالمؤمنين الصالحي الأعمال، المصدقين برسالة النبي وما أنزل عليه وإيذان بتكفير الله عنهم سيئاتهم وبإصلاحه لأمورهم وتهدئته لروعهم.
( ٣ ) وتعليل للتنديد والتوبة والإيذان. فالكفار ضالون متبعون للباطل والمؤمنون مهتدون متبعون للحق. وكل ينال ما يطابق خطته وعمله، وهذا جريا على عادة الله في ضربه الأمثال للناس للتذكير والموعظة.
ولم يرو المفسرون فيما اطلعنا عليه رواية خاصة في مناسبة نزول الآيات. وإنما رووا عن ابن عباس أن الآية الأولى نزلت في كفار مكة والثانية في الأنصار.
ووصف الكفار بأنهم الذين صدوا عن سبيل الله قد يجعل صرف الآية الأولى إلى كفار مكة صوابا ووجيها، غير أن الآية الثانية من شأنها أن تكون شاملة لمؤمني الأنصار والمهاجرين معا. ومهما يكن من أمر فالمتبادر المستلهم من روحها وروح الآيات التالية أن الآيات مقدمة لما بعدها.
ولقد قال المفسرون١ :إن جملة ﴿ أضل أعمالهم ﴾ تعني أنه أذهب فضل وثواب ما كان الكفار يفعلونه من المكرمات هباء بسبب كفرهم، وعزوا ذلك إلى بعض التابعين، وإلى هذا فإن البغوي عزا إلى الضحاك تأويلا آخر وهو أن معناها ( أبطل الله كيدهم ومكرهم بالنبي وجعل الدائرة تدور عليهم ) ٢ وهذا أوجه وأرجح فيما هو المتبادر.
هذا، وعبارة الآيات المطلقة تشمل في الوقت ذاته كل كافر حاد عن سبيل الله، وكل مؤمن صالح العمل في كل ظرف وعلى هذا الاعتبار ينطوي فيها أولا تعليل لما يحل بالكافرين من سخط الله، ولما يناله المؤمنون من عفوه ورضائه، وهو تعليل متسق مع ما جاء من ذلك في مناسبات كثيرة سابقة، ومع المبدأ القرآني المحكم المتكرر بأن كل فئة تنال من الجزاء حسب ما تختاره وتسير فيه من طريقي الضلال والهدى وثانيا :تلقين مستمر المدى بتقبيح الباطل وأهله، وتقرير لما ينتج عن أعمالهم من شر وضرر عليهم وتحسين الحق ومتبعيه وتقرير لما ينتج عن أعمالهم من خير وفائدة، وهو ما تكرر في القرآن بأساليب عديدة.
ومع ما قلناه فإننا نكرر هنا ما ذكرناه في مناسبات سابقة أن ما ذكر من أمر الكافرين بالنسبة لظروف الآيات هو من قبيل تسجيل الواقع، وليس هو على التأييد إلا بالنسبة لمن يستمر على كفره وصده عن سبيل الله.
وكالعادة وقف مفسرو الشيعة عند الآية الثالثة، وفسروا ﴿ الذين كفروا اتبعوا الباطل ﴾ بأنهم أعداء علي وآل الرسول رغم الصراحة القطعية على أنها في صدد الكافرين بالله مقابل الذين آمنوا... ٣.
( ١ ) أثخنتموهم :أكثرتم فيهم القتل وقهرتموهم وانتصرتم عليهم
( ٢ ) فشدوا الوثاق :ائسروهم وقيدوهم بالقيود
( ٣ ) فإما منا بعد وإما فداء :فإما أن تمنوا عليهم فتطلقوهم بدون فداء وإما أن تطلقوهم بفداء بعد ذلك.
( ٤ ) حتى تضع الحرب أوزارها :حتى تنتهي حالة الحرب ويخلص الناس من أثقالها
﴿ فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ( ١ ) فَشُدُّوا الْوَثَاقَ( ٢ ) فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء( ٣ ) حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا( ٤ ) ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ( ٤ ) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ( ٥ ) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ( ٥ ) ( ٦ ) ﴾.
الخطاب في الآيات موجه إلى المسلمين كما هو المتبادر وقد تضمنت :
( ١ ) أمرا لهم بأن عليهم إذا لقوا الكافرين في الحرب أن يصدقوا في قتالهم حتى إذا أكثروا فيهم القتل وقهروهم، وضمنوا لأنفسهم الغلبة عليهم جنحوا إلى أسر ما بقي منهم، ويظل أمرهم معهم على هذا المنوال حتى تنتهي حالة الحرب، ويتخلص الناس من أعبائها.
( ٢ ) وتشريعا في حق الأسرى، فالمسلمون مخيرون فيهم بعد ذلك :فإما أن يمنوا ويتفضلوا عليهم فيطلقوهم بدون فداء، وإما أن يطلقوهم بفداء.
( ٣ ) واستطرادا تنبيهيا بأن الله قادر على التنكيل بالكفار والانتصار للمسلمين منهم بدون حاجة إلى قتالهم، ولكن حكمته شاءت أن يبلو بعضهم ببعض.
( ٤ ) وبشارة وتطمينا بأن الله تعالى لن يضيع أجر الذين قتلوا في سبيله. وأنه سيهدئ روعهم ويقر عيونهم ويدخلهم الجنة التي وصفها لهم
وقد أول الزمخشري جملة ﴿ ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض ﴾ بمعنى :أن الله شاءت حكمته بدلا من الانتقام منهم بدون قتال أن يبلو المؤمنين بالكافرين فيجاهدوا ويصبروا حتى يستوجبوا الثواب. والكافرين بالمؤمنين ليعاجلهم على أيديهم ببعض ما وجب لهم من العذاب. وقال غيره في تأويلها :ليصير المؤمنون إلى الثواب والكافرون إلى العذاب. وكلا القولين وارد ووجيه.
وقد يصح أن يضاف إلى هذا أن الجملة انطوت على تقرير كون قتال المسلمين للكفار هو الأكثر اتساقا مع طبائع الأشياء والأدعى إلى إيقاع هيبة المسلمين في قلوب الكفار، أو أنها رمت إلى معالجة جوابية لما يمكن أن يقوم في أذهان بعض المسلمين من تساؤل عما إذا لم يكن الأولى أن يبطش الله بالكفار وينتقم منهم دون تعريض المسلمين لشدة الحرب وخسارة الأرواح. ومثل هذه المعالجة سبق في سورتي الأنفال وآل عمران.
ولقد أورد ابن كثير على هامش الآيات ( ٤ـ٦ ) أحاديث نبوية عديدة في فضل الشهيد وثوابه عند الله عز وجل. ولقد أوردناه مع طائفة أخرى من الأحاديث من بابها في سياق آية سورة البقرة ( ١٥٤ ) فنكتفي بهذه الإشارة.
تعليق على الآية
﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب... ﴾الخ
والآيتين التاليتين لها ومسألة أسرى الحرب والرق.
ولم نطلع على مناسبة خاصة للآيات والمتبادر المستلهم من مضمونها وروحها أنها خطاب عام في معرض الحض على قتال الكفار مطلقا.
وإضافة تعبير ( وصدوا عن سبيل الله } إلى جملة ﴿ الذين كفروا ﴾ في الآية الأولى من السورة تدل على أن الأمر الذي احتوته الآية الأولى من الآيات التي نحن بصددها أي الآية الرابعة بقتال الكفار وضرب رقابهم حينما يلقاهم المسلمون هو صد الكفار الناس عن سبيل الله مع كفرهم. يتناول تعطيل الدعوة والكيد لها والعدوان على المسلمين وتعبير ﴿ لانتصر منهم ﴾ مما يؤيد ذلك ؛ لأن الانتصار هو رد العدوان ومقابلته بالمثل. وهكذا يكون الأمر بالقتال هنا متسقا مع المبادئ الجهادية التي انطوت عليها الآيات القرآنية وهي قتال المعتدي وليس قتال الكافر إطلاقا على ما شرحناه في مناسبات سابقة شرحا يغني عن التكرار.
وينطوي في جملة ﴿ إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ﴾ حكم قرآني في هدف القتال وهو أنه ليس لللإبادة وإنما هو للتأديب والتنكيل والقهر. فحينما تتحقق هذه الغاية وجب الكف عن القتل والجنوح إلى الأسر.
وليس من تعارض بين هذا الحكم وبين ما ورد في جملة ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ﴾ الواردة في آية الأنفال ( ٦٧ ) بل وبينهما توافق. فهذه الجملة لم تمنع الأسر وإنما نبهت إلى أنه لا ينبغي أن يكون إلا بعد أن تكون هيبة النبي وقوته قد توطدتا في قلوب الأعداء ولم يبق من حرج في الأسر منهم بدلا من إبادتهم بالقتل، وحكم الجملة التي نحن في صددها قد سمحت بالأسر إذا ما أثخن المسلمون في أعدائهم وقهورهم، وتحققت لهم الغلبة عليهم.
وقد أورد المفسرون١ أقوالا معزوة إلى ابن عباس وعلماء التابعين في صدد تأويل الجملة ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ منها أنها بمعنى حتى تنتهي الحرب القائمة مع الكفار بتوبتهم وإسلامهم والانتهاء عن الشرك. ومنها أنها بمعنى الاستمرار في حرب الكفار إلى أن يكون في الأرض شرك أو حتى ينزل عيسى عليه السلام ويدخل الناس في دين الإسلام وقد أورد البغوي في تأييد هذا القول حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه ( الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال ).
ونحن نتوقف في التسليم بهذا التأويل على إطلاق. لأن هناك أحداثا يقينية الوقوع في العهد المدني تعارضه. منها أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الفداء من أسرى بدر وأطلقهم وهم كفار وعادوا إلى مكة. وهذا ما انطوى في آيات سورة الأنفال ( ٦٧ـ ٦٩ ) التي مر شرحها، ومنها مصالحة النبي صلى الله عليه وسلم المشركين مع بقائهم على شركهم في صلح الحديبية الذي انطوى خبره في سورة الفتح المتأخرة كثيرا عن هذه السورة، وقد دخل نتيجة لذلك بنو بكر في صلح قريش وبنو خزاعة في صلح النبي مع بقائهم على شركهم. وهذا يسوغ القول :إن الجملة المذكورة تعني ( حتى تنتهي حالة الحرب بإسلام الكفار الذين كانت بينهم بين المسلمين حالة عداء وحرب أو التصالح معهم ووقوف حالة الحرب بينهم وبين المسلمين ولو بقوا مشركين.
وقياسا على هذا القول الذي نرجو أن يكون هذا الصواب فيمكن القول :إنه يشمل كل حالة حرب تكون بين المسلمين والأعداء المستحقين للقتال من الكفار كما هو المتبادر. ولقد أورد البغوي قولا للكلبي لجملة ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ إنها بمعنى حتى يسلموا أو يسالموا وقولا للفراء إنها بمعنى حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم والتأويلان يدعمان تأويلنا كما هو واضح.
وجملة ﴿ فإما منا بعد وإما فداء ﴾ صريحة في أنها تجعل للمسلمين الخيار في الأسرى الذين يأسرونهم من الكفار بعد أن تنتهي حالة الحرب بأحد الشكلين السابقين بين المن والتسريح بدون فداء، والتسريح بالفداء. وصاحب الخيار هو ولي المسلمين بطبيعة الحال.
وهذه هي المرة الثالثة التي يرد فيها حكم قرآني في صدد أسى الأعداء وكانت المرة الأولى في آيات الأنفال ( ٦٧ـ ٦٩ ) أما آية سورة الأحزاب ( ٢٦ ) فإنها لم تحتو على حكم قرآني، وإنما احتوت على حكاية ما فعله المسلمون ببني قريظة حكاية قد تنطوي على إقرار ذلك. ولسنا نرى تناقضا أو تعارضا بين آيات الأنفال والآية الرابعة التي نحن في صددها فآيات الأنفال تنبه على أنه لم يكن من مصلحة الإسلام والمسلمين أخذ أسرى من الأعداء قبل أن يثخن فيهم ويوقع الرعب في قلوبهم. وهذه الآيات تجيز ذلك في حال تحقيق الإثخان والرعب. ويكون كل من آيات السورتين مستمر المدى والتلقين حسب ظروف الأحداث ومصلحة المسلمين العامة وحالة المسلمين والعدو المادية والمعنوية.
ولقد كانت جملة ﴿ فإما منا بعد وإما فداء ﴾ مما تعددت الأقوال في حكمها ومداها في كتب المفسرين٢ عزوا إلى ابن عباس ومجاهد والضحاك والشافعي وأبي يوسف وغيرهم. منها أن حكم هذه الجملة منسوخ بآية التوبة هذه ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ﴾، وأنه لا يجوز المن على الأسير الكافر ولا الفداء بل القتل أو الاسترقاق. ومنها أن الآية محكمة، وأنها جعلت الخيار للإمام في المن والفداء.
وأن له أن يقتل أيضا ؛ لأن ذلك أبيح له في آية التوبة المذكورة آنفا. ومنها أن الآية لا تبيح القتل وحكمها هذا محكم وللإمام أن يمن أو يفادي أو يسترق. ويلحظ أن هذه التأويلات هي اجتهادية. وغير متسقة مع فحوى الجملة التي تحصر الحكم بين المن والفداء ؛ حيث يكون قائلوها قد مزجوا بينها وبين أحكام قرآنية ونبوية أخرى. ولقد مارس النبي صلى الله عليه وسلم أربع طرق مع الأسرى. وهي المن والفداء والاسترقاق والقتل على ما شرحناه في سياق تفسير آيات سورة الأنفال والأحزاب في أسرى بدر وبني قريظة. ومن صور المفاداة التي مارسها مفاداة مسلم بابن أبي سفيان وإيجاب تعليم بعض أبناء المسلمين على أسرى قريش الذين لم يكن معهم ما يفتدون به أنفسهم على ما ذكرناه في سياق تفسير آيات الأنفال. ولقد روى الترمذي عن عمران ابن الحصين ( أن النبي صلى الله عليه وسلم فد رجلين من المسلمين برجلين من المشركين٣ ) ولقد روى الشيخان والترمذي عن أبي هريرة حديثتا فيه حادث من نبوي غير أسرى بدر وقريظة في سياق طريف رأينا إيراده جاء فيه قال أبو هريرة ( بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيل قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له :ثمامة ابن أثال سيد أهل اليمامة فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه رسول الله فقال :ما عندك يا ثمامة ؟ فقال :عندي يا محمد خير. إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر. وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه النبي حتى كان بعد الغد فقال :ما عندك يا ثمامة ؟ فقال :عندي ما قلت لك. فقال رسول الله :أطلقوا ثمامة، فذهب إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد فقال :أشهد أن لا إلاه إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي. والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي. وإن خيلك قد أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى ؟ فبشره النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل :أصبوت ؟ قال :لا ولكني أسلمت مع رسول الله. ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى البخاري وأبو داود عن مروان حديثا فيه حادث من آخر لسبي هوازن بعد أن تقرر استرقاقه وقسم على المسلمين. وفيه صورة رائعة من صور مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين واسترضائه إياهم جاء فيه ( جاء وفد هوازن مسلمين إلى النبي وسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم ( وكان المسلمون استولوا عليها في يوم حنين ) فقال لهم :أحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال، وقد كنت استأنيت بهم، فكان النبي انتظر آخرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف. قالوا :إنا نختار سبينا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال :أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤوا تائبين، وإني لرأيت أن أرد إليهم سيبهم. من أحب أن يطيب فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل فقال الناس :طيبنا ذلك لهم يا رسول الله. فقا
( ٥ ) عرفها لهم :وصفها لهم أو أخبرهم بمنازلهم فيها
﴿ فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ( ١ ) فَشُدُّوا الْوَثَاقَ( ٢ ) فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء( ٣ ) حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا( ٤ ) ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ( ٤ ) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ( ٥ ) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ( ٥ ) ( ٦ ) ﴾.
الخطاب في الآيات موجه إلى المسلمين كما هو المتبادر وقد تضمنت :
( ١ ) أمرا لهم بأن عليهم إذا لقوا الكافرين في الحرب أن يصدقوا في قتالهم حتى إذا أكثروا فيهم القتل وقهروهم، وضمنوا لأنفسهم الغلبة عليهم جنحوا إلى أسر ما بقي منهم، ويظل أمرهم معهم على هذا المنوال حتى تنتهي حالة الحرب، ويتخلص الناس من أعبائها.
( ٢ ) وتشريعا في حق الأسرى، فالمسلمون مخيرون فيهم بعد ذلك :فإما أن يمنوا ويتفضلوا عليهم فيطلقوهم بدون فداء، وإما أن يطلقوهم بفداء.
( ٣ ) واستطرادا تنبيهيا بأن الله قادر على التنكيل بالكفار والانتصار للمسلمين منهم بدون حاجة إلى قتالهم، ولكن حكمته شاءت أن يبلو بعضهم ببعض.
( ٤ ) وبشارة وتطمينا بأن الله تعالى لن يضيع أجر الذين قتلوا في سبيله. وأنه سيهدئ روعهم ويقر عيونهم ويدخلهم الجنة التي وصفها لهم
وقد أول الزمخشري جملة ﴿ ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض ﴾ بمعنى :أن الله شاءت حكمته بدلا من الانتقام منهم بدون قتال أن يبلو المؤمنين بالكافرين فيجاهدوا ويصبروا حتى يستوجبوا الثواب. والكافرين بالمؤمنين ليعاجلهم على أيديهم ببعض ما وجب لهم من العذاب. وقال غيره في تأويلها :ليصير المؤمنون إلى الثواب والكافرون إلى العذاب. وكلا القولين وارد ووجيه.
وقد يصح أن يضاف إلى هذا أن الجملة انطوت على تقرير كون قتال المسلمين للكفار هو الأكثر اتساقا مع طبائع الأشياء والأدعى إلى إيقاع هيبة المسلمين في قلوب الكفار، أو أنها رمت إلى معالجة جوابية لما يمكن أن يقوم في أذهان بعض المسلمين من تساؤل عما إذا لم يكن الأولى أن يبطش الله بالكفار وينتقم منهم دون تعريض المسلمين لشدة الحرب وخسارة الأرواح. ومثل هذه المعالجة سبق في سورتي الأنفال وآل عمران.
ولقد أورد ابن كثير على هامش الآيات ( ٤ـ٦ ) أحاديث نبوية عديدة في فضل الشهيد وثوابه عند الله عز وجل. ولقد أوردناه مع طائفة أخرى من الأحاديث من بابها في سياق آية سورة البقرة ( ١٥٤ ) فنكتفي بهذه الإشارة.
تعليق على الآية
﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب... ﴾الخ
والآيتين التاليتين لها ومسألة أسرى الحرب والرق.
ولم نطلع على مناسبة خاصة للآيات والمتبادر المستلهم من مضمونها وروحها أنها خطاب عام في معرض الحض على قتال الكفار مطلقا.
وإضافة تعبير ( وصدوا عن سبيل الله } إلى جملة ﴿ الذين كفروا ﴾ في الآية الأولى من السورة تدل على أن الأمر الذي احتوته الآية الأولى من الآيات التي نحن بصددها أي الآية الرابعة بقتال الكفار وضرب رقابهم حينما يلقاهم المسلمون هو صد الكفار الناس عن سبيل الله مع كفرهم. يتناول تعطيل الدعوة والكيد لها والعدوان على المسلمين وتعبير ﴿ لانتصر منهم ﴾ مما يؤيد ذلك ؛ لأن الانتصار هو رد العدوان ومقابلته بالمثل. وهكذا يكون الأمر بالقتال هنا متسقا مع المبادئ الجهادية التي انطوت عليها الآيات القرآنية وهي قتال المعتدي وليس قتال الكافر إطلاقا على ما شرحناه في مناسبات سابقة شرحا يغني عن التكرار.
وينطوي في جملة ﴿ إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ﴾ حكم قرآني في هدف القتال وهو أنه ليس لللإبادة وإنما هو للتأديب والتنكيل والقهر. فحينما تتحقق هذه الغاية وجب الكف عن القتل والجنوح إلى الأسر.
وليس من تعارض بين هذا الحكم وبين ما ورد في جملة ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ﴾ الواردة في آية الأنفال ( ٦٧ ) بل وبينهما توافق. فهذه الجملة لم تمنع الأسر وإنما نبهت إلى أنه لا ينبغي أن يكون إلا بعد أن تكون هيبة النبي وقوته قد توطدتا في قلوب الأعداء ولم يبق من حرج في الأسر منهم بدلا من إبادتهم بالقتل، وحكم الجملة التي نحن في صددها قد سمحت بالأسر إذا ما أثخن المسلمون في أعدائهم وقهورهم، وتحققت لهم الغلبة عليهم.
وقد أورد المفسرون١ أقوالا معزوة إلى ابن عباس وعلماء التابعين في صدد تأويل الجملة ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ منها أنها بمعنى حتى تنتهي الحرب القائمة مع الكفار بتوبتهم وإسلامهم والانتهاء عن الشرك. ومنها أنها بمعنى الاستمرار في حرب الكفار إلى أن يكون في الأرض شرك أو حتى ينزل عيسى عليه السلام ويدخل الناس في دين الإسلام وقد أورد البغوي في تأييد هذا القول حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه ( الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال ).
ونحن نتوقف في التسليم بهذا التأويل على إطلاق. لأن هناك أحداثا يقينية الوقوع في العهد المدني تعارضه. منها أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الفداء من أسرى بدر وأطلقهم وهم كفار وعادوا إلى مكة. وهذا ما انطوى في آيات سورة الأنفال ( ٦٧ـ ٦٩ ) التي مر شرحها، ومنها مصالحة النبي صلى الله عليه وسلم المشركين مع بقائهم على شركهم في صلح الحديبية الذي انطوى خبره في سورة الفتح المتأخرة كثيرا عن هذه السورة، وقد دخل نتيجة لذلك بنو بكر في صلح قريش وبنو خزاعة في صلح النبي مع بقائهم على شركهم. وهذا يسوغ القول :إن الجملة المذكورة تعني ( حتى تنتهي حالة الحرب بإسلام الكفار الذين كانت بينهم بين المسلمين حالة عداء وحرب أو التصالح معهم ووقوف حالة الحرب بينهم وبين المسلمين ولو بقوا مشركين.
وقياسا على هذا القول الذي نرجو أن يكون هذا الصواب فيمكن القول :إنه يشمل كل حالة حرب تكون بين المسلمين والأعداء المستحقين للقتال من الكفار كما هو المتبادر. ولقد أورد البغوي قولا للكلبي لجملة ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ إنها بمعنى حتى يسلموا أو يسالموا وقولا للفراء إنها بمعنى حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم والتأويلان يدعمان تأويلنا كما هو واضح.
وجملة ﴿ فإما منا بعد وإما فداء ﴾ صريحة في أنها تجعل للمسلمين الخيار في الأسرى الذين يأسرونهم من الكفار بعد أن تنتهي حالة الحرب بأحد الشكلين السابقين بين المن والتسريح بدون فداء، والتسريح بالفداء. وصاحب الخيار هو ولي المسلمين بطبيعة الحال.
وهذه هي المرة الثالثة التي يرد فيها حكم قرآني في صدد أسى الأعداء وكانت المرة الأولى في آيات الأنفال ( ٦٧ـ ٦٩ ) أما آية سورة الأحزاب ( ٢٦ ) فإنها لم تحتو على حكم قرآني، وإنما احتوت على حكاية ما فعله المسلمون ببني قريظة حكاية قد تنطوي على إقرار ذلك. ولسنا نرى تناقضا أو تعارضا بين آيات الأنفال والآية الرابعة التي نحن في صددها فآيات الأنفال تنبه على أنه لم يكن من مصلحة الإسلام والمسلمين أخذ أسرى من الأعداء قبل أن يثخن فيهم ويوقع الرعب في قلوبهم. وهذه الآيات تجيز ذلك في حال تحقيق الإثخان والرعب. ويكون كل من آيات السورتين مستمر المدى والتلقين حسب ظروف الأحداث ومصلحة المسلمين العامة وحالة المسلمين والعدو المادية والمعنوية.
ولقد كانت جملة ﴿ فإما منا بعد وإما فداء ﴾ مما تعددت الأقوال في حكمها ومداها في كتب المفسرين٢ عزوا إلى ابن عباس ومجاهد والضحاك والشافعي وأبي يوسف وغيرهم. منها أن حكم هذه الجملة منسوخ بآية التوبة هذه ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ﴾، وأنه لا يجوز المن على الأسير الكافر ولا الفداء بل القتل أو الاسترقاق. ومنها أن الآية محكمة، وأنها جعلت الخيار للإمام في المن والفداء.
وأن له أن يقتل أيضا ؛ لأن ذلك أبيح له في آية التوبة المذكورة آنفا. ومنها أن الآية لا تبيح القتل وحكمها هذا محكم وللإمام أن يمن أو يفادي أو يسترق. ويلحظ أن هذه التأويلات هي اجتهادية. وغير متسقة مع فحوى الجملة التي تحصر الحكم بين المن والفداء ؛ حيث يكون قائلوها قد مزجوا بينها وبين أحكام قرآنية ونبوية أخرى. ولقد مارس النبي صلى الله عليه وسلم أربع طرق مع الأسرى. وهي المن والفداء والاسترقاق والقتل على ما شرحناه في سياق تفسير آيات سورة الأنفال والأحزاب في أسرى بدر وبني قريظة. ومن صور المفاداة التي مارسها مفاداة مسلم بابن أبي سفيان وإيجاب تعليم بعض أبناء المسلمين على أسرى قريش الذين لم يكن معهم ما يفتدون به أنفسهم على ما ذكرناه في سياق تفسير آيات الأنفال. ولقد روى الترمذي عن عمران ابن الحصين ( أن النبي صلى الله عليه وسلم فد رجلين من المسلمين برجلين من المشركين٣ ) ولقد روى الشيخان والترمذي عن أبي هريرة حديثتا فيه حادث من نبوي غير أسرى بدر وقريظة في سياق طريف رأينا إيراده جاء فيه قال أبو هريرة ( بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيل قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له :ثمامة ابن أثال سيد أهل اليمامة فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه رسول الله فقال :ما عندك يا ثمامة ؟ فقال :عندي يا محمد خير. إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر. وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه النبي حتى كان بعد الغد فقال :ما عندك يا ثمامة ؟ فقال :عندي ما قلت لك. فقال رسول الله :أطلقوا ثمامة، فذهب إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد فقال :أشهد أن لا إلاه إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي. والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي. وإن خيلك قد أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى ؟ فبشره النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل :أصبوت ؟ قال :لا ولكني أسلمت مع رسول الله. ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى البخاري وأبو داود عن مروان حديثا فيه حادث من آخر لسبي هوازن بعد أن تقرر استرقاقه وقسم على المسلمين. وفيه صورة رائعة من صور مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين واسترضائه إياهم جاء فيه ( جاء وفد هوازن مسلمين إلى النبي وسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم ( وكان المسلمون استولوا عليها في يوم حنين ) فقال لهم :أحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال، وقد كنت استأنيت بهم، فكان النبي انتظر آخرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف. قالوا :إنا نختار سبينا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال :أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤوا تائبين، وإني لرأيت أن أرد إليهم سيبهم. من أحب أن يطيب فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل فقال الناس :طيبنا ذلك لهم يا رسول الله. فقا
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ( ٧ ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ( ٨ ) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ( ٩ ) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ( ١٠ ) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ( ١١ ) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ( ١٢ ) ﴾.
عبارة الآيات واضحة وقد تضمنت ما يلي :
( ١ ) وعدا من الله للمسلمين بالنصر والتثبيت إذا نصروه أي نصروا دينه، وإيذانا بأن الله يكون مولاهم ويدخلهم الجنة.
( ٢ ) وتنديدا بالكفار لكرههم لما أنزل الله وجحودهم فضله. وإيذانا بأنه قد أحبط بسبب ذلك مكائدهم وجعل الضلال والخسران حليفي أعمالهم. وإنذارا لهم بتدمير الله كما دمر الذين من قبلهم ممن رأوا آثارهم في أثناء طوافهم في الأرض، ثم بالنار التي تكون مصيرهم في الآخرة. وتمثيلا لهم بالأنعام ؛ حيث كان تمتعهم في الدنيا لا يعدو تمتع الأنعام التي لا تشعر بمتعة والتي ليس لها من هم إلا إملاء بطونها وإشباع غرائزها.
ولم نطلع على رواية خاصة في نزول الآيات. والمتبادر أنها جاءت معقبة على الآيات السابقة لتنوه بالمؤمنين وتندد بالكافرين موضع الكلام فيها. وأسلوبها قوي في حض المؤمنين وتثبيتهم وتبشيرهم وفي تقريع الكافرين وإنذارهم. وهو مما استهدفته الآيات بالنسبة لظروف نزولها كما هو المتبادر، وهذا فضلا عما انطوى فيها من تلقين جليل مستمر المدى بالنسبة للمؤمنين والكافرين على السواء. وننبه هنا إلى ما نبهنا عليه مرارا من أن احتوته الآيات من دعاء على الكفار بالتعس، وبإضلال أعمالهم، وبأنه لا مولى لهم وأن النار مثواهم إنما هو تسجيل لواقع الأمر حين نزولها، وإنه إنما يظل واردا في حق من يموت كافرا وحسب. وقد جاء المعنى صريحا في آية من آيات هذه السورة على ما يأتي بعد قليل.
﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ ( ١٣ ) ﴾.
وجه الخطاب في الآية إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تضمنت تقرير كون مدن كثيرة كان أهلها أشد قوة من أهل مدينته الذين اضطروه إلى الخروج منها قد أهلكهم الله، ولم يجدوا لهم ناصرا منه.
وقد انطوى في هذا التقرير تقرير كون الله قدرا من باب أولى على إهلاك أهل مدينته والتنكيل بهم. واستهدفت الآية بذلك تسلية النبي وتطمينه وتثبيته كما هو المتبادر.
وقد روى المفسرون١ عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة مهاجرا التفت إليها قال :أنت أحب بلاد الله إلى الله وأنت أحب بلاد الله إلي ولولا أن المشركين أخرجوني لم أخرج منك، فأعدى الأعداء من عدا على الله في حرمه، أو قتل غير قاتله أو قتل بذحول الجاهلية. فأنزل الله الآية. وقد ذكر المصحف الذي اعتمدناه أنها نزلت في طريق هجرة النبي إلى المدينة أيضا.
غير أننا نلاحظ أن الآية متصلة بما سبقها من إنذار ووعيد الكفار ومنسجمة في السياق انسجاما وثيقا، في حين أن الروايات تفيد أنها نزلت منفصلة عنها في ظرف غير ظروف نزولها مما يسوغ الشك فيها. وهذا لا يمنع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ظل يذكر مرارة موقف مشركي قريش منه واضطراره بسبب ذلك إلى الخروج من بلده، فاقتضت حكمة التنزيل الالتفات في الخطاب إليه في سياق إنذار الكفار وتثبيته وتطمينه بأن الله سوف ينتقم منهم كما انتقم ممن هم أشد منهم قوة.
١ انظر الطبري والبغوي والخازن وابن كثير: وننبه على أن رواية البغوي للنص ليس فيها جملة (فأعدى الأعداء) الخ هذه الجملة من مرويات الطبري. والخازن عادة ينقل عن البغوي وابن كثير عن الطبري..
﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ ١٤ ﴾
في الآية تساؤل إنكاري عما إذا كان الذين هم على بينة من ربهم سائرون على طريق الحق والهدى يصح أن يكونوا سواء مع الذين اتبعوا الهوى، وانقلبت الحقائق في عقولهم وزينت لهم أعمالهم السيئة.
وتضمنت الآية نفي إمكان التسوية بين الفريقين على ما تلهمه روحها.
وقد رأينا الخازن ينفرد في القول :إن الله في صدد المقايسة بين النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل وغيره من مشركي قريش. ولم يسند قوله إلى رواية ما. والمتبادر أنها استمرار للسياق وفيها معنى التعقيب على الآيات السابقة مع التنويه بالصالحين المهتدين والتنديد بالضالين المسيئين.
﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ( ١ ) وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ ( ١٥ ) ﴾.
( ١ ) غير آسن :غير منتن أو غير متغير الرائحة والطعم نتيجة للفساد والركود.
والآية استمرار في السياق أيضا كما هو المتبادر. وقد استهدفت تقرير عدم إمكان التسوية في المصائر الأخروية بين الصالحين المهتدين والضالين المسيئين لعدم إمكان التسوية بينهم بسبب مسلك كل منهم. فالمتقون موعودون بجنة فيها الأنهار من الماء النقي السائغ واللبن الطيب والخمر اللذيذ والعسل المصفى وكل الثمرات، بالإضافة إلى رضاء الله ومغفرته في حين أن الكافرين الضالين المسيئين مقدر عليهم الخلود في النار يشربون فيها الماء الشديد الغليان الذي يقطع الأمعاء.
والتعبيرات الوصفية عما في الجنة والعذاب في الآخرة مستمدة من مألوفات الدنيا في أصلها. وقد جاءت بأسلوب التفخيم والتعظيم لحظ الناجين والتهويل لحظ الأشقياء للتشويق والإرهاب مما جرى عليه النظم القرآني واستهدفه على ما نبهنا عليه في مناسبات عديدة سابقة. مع التنبيه إلى أن ما فيها ليس خارجا عن نطاق قدرة الله تعالى ووجوب الإيمان بحقيقتها المغيبة التي أخبر عنها القرآن والوقوف عند ذلك مع الإيمان بأن لا بد من حكمة سامية في ذكر ذلك لعل منها ما ذكرناه من تشويق وترهيب.
ولقد أورد ابن كثير في سياق هذه الآيات حديثا رواه الإمام أحمد عن حكيم ابن معاوية عن أبيه قال ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :في الجنة بحر اللبن وبحر الماء وبحر العسل وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار منها بعد ) وحديثا رواه أبو بكر ابن مردويه عن عبد الله ابن قيس عن أبيه قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :هذه الأنهار تشخب من جنة عدن في جوبة، ثم تصدع بعد أنهارا ) وحديثا رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني عن لقيط ابن عامر قال ( قلت يا رسول الله فعلام نطلع من الجنة ؟ قال :على أنهار عسل مصفى وأنهار من خمر ما بها صداع ولا ندامة وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن وفاكهة، لعمر إلاهك ما تعلمون وخير من مثله، وأزواج مطهرة قلت :يا رسول الله أولنا فيها أزواج مصلحات قال :الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا، ويلذونكم غير أن لا توالد ).
وينطوي في الأحاديث توضيحات نبوية للآيات وترغيب وتبشير متسقان مع ما استهدفته كما هو المتبادر.
( ١ ) ماذا قال آنفا :ماذا قال الآن من جديد
﴿ وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا( ١ ) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ ( ١٦ ) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ ( ١٧ ) ﴾.
في الآيتين حكاية لحالة من حالات بعض فئات الكفار والمنافقين وحالة المؤمنين حينما كانوا يحضرون مجالس النبي ويستمعون إلى ما يقوله ويبلغه ؛ حيث كان الأولون يحضرون هذه المجالس لاهية أذهانهم وقلوبهم مستخفين بما يسمعون، وحينما يخرجون يسألون بعض ذوي العلم والفهم من أصحاب رسول الله الذين شهدوا المجلس عما قال النبي من شيء جديد، فهؤلاء قد طبع على قلوبهم بسبب كفرهم ونفاقهم وخبث طواياهم ففقدوا السداد والرشاد والإدراك، وانساقوا وراء الأهواء بخلاف المؤمنين المخلصين الذين كان الله يزيدهم هدى وفهما لما ينبغي أن يتقوا به الله كلما شهدوا مجالس النبي سمعوا كلامه ومواعظه.
وسؤال ﴿ ماذا قال آنفا ﴾ يحتمل أن يكون استخفافا كما يحتمل أن يكون بقصد التأكد ؛ لأنهم لم ينتبهوا إلى ما كان يقوله النبي أو لم يعوه ويفهموه وقد ذكر المفسرون الاحتمالين. وفي سورة التوبة الآيتان قد تكونان من هذا الباب وتفيدان أن السؤال على سبيل السخرية والاستخفاف وهما هاتان ﴿ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون١٢٤ وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ١٢٥ ﴾ حيث يصح الاستئناس بالآيتين لترجيح احتمال الاستخفاف والسخرية في السؤال الذي نحن في صدده.
وجملة ﴿ ومنهم ﴾ التي بدئت بها الآيتان تدل على أنهما معطوفتان على موضع الكلام السابق أي الكافرين. حيث يفيد هذا أولا :أن الآيتين استمرار للسياق السابق وثانيا :أن الكفار كانوا يجلسون إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع غيرهم. ويستمعون إليه في العهد المدني أيضا.
وإذا صح هذا الاستنتاج فيكون هؤلاء الكفار من المعاهدين أو المسالمين وليسوا على كل حال من أعداء محاربين ويكون في ذلك صورة من صور هذا العهد.
على أن هناك احتمالات بأن يكون هؤلاء من المنافقين أيضا، وفي آيات تأتي بعد قليل إشارات إلى مواقف المنافقين ومرضى حملة عليهم، وفضح لأخلاقهم ومكائدهم ؛ حيث يستأنس بذلك على هذا الاحتمال.
وهذا الاحتمال لا يقطع الصلة الموضوعية بين هاتين الآيتين والسياق السابق. وكل ما هناك أن الكلام يكون قد نقل من قبيل الاستطراد إلى ذكر مواقف المنافقين.
وننبه على أن المفسرين لم يرووا مناسبة ما لهاتين الآيتين أيضا كما هو الأمر بالنسبة للآيات السابقة ؛ حيث يصح أن يقال :إن السياق جميعه من أول السورة عرض عام لمواقف المؤمنين والكفار والمنافقين وما يجب على المؤمنين أن يفعلوه مع الكفار الصادين عن سبيل الله. والله أعلم.
﴿ وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا( ١ ) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ ( ١٦ ) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ ( ١٧ ) ﴾.
في الآيتين حكاية لحالة من حالات بعض فئات الكفار والمنافقين وحالة المؤمنين حينما كانوا يحضرون مجالس النبي ويستمعون إلى ما يقوله ويبلغه ؛ حيث كان الأولون يحضرون هذه المجالس لاهية أذهانهم وقلوبهم مستخفين بما يسمعون، وحينما يخرجون يسألون بعض ذوي العلم والفهم من أصحاب رسول الله الذين شهدوا المجلس عما قال النبي من شيء جديد، فهؤلاء قد طبع على قلوبهم بسبب كفرهم ونفاقهم وخبث طواياهم ففقدوا السداد والرشاد والإدراك، وانساقوا وراء الأهواء بخلاف المؤمنين المخلصين الذين كان الله يزيدهم هدى وفهما لما ينبغي أن يتقوا به الله كلما شهدوا مجالس النبي سمعوا كلامه ومواعظه.
وسؤال ﴿ ماذا قال آنفا ﴾ يحتمل أن يكون استخفافا كما يحتمل أن يكون بقصد التأكد ؛ لأنهم لم ينتبهوا إلى ما كان يقوله النبي أو لم يعوه ويفهموه وقد ذكر المفسرون الاحتمالين. وفي سورة التوبة الآيتان قد تكونان من هذا الباب وتفيدان أن السؤال على سبيل السخرية والاستخفاف وهما هاتان ﴿ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون١٢٤ وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ١٢٥ ﴾ حيث يصح الاستئناس بالآيتين لترجيح احتمال الاستخفاف والسخرية في السؤال الذي نحن في صدده.
وجملة ﴿ ومنهم ﴾ التي بدئت بها الآيتان تدل على أنهما معطوفتان على موضع الكلام السابق أي الكافرين. حيث يفيد هذا أولا :أن الآيتين استمرار للسياق السابق وثانيا :أن الكفار كانوا يجلسون إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع غيرهم. ويستمعون إليه في العهد المدني أيضا.
وإذا صح هذا الاستنتاج فيكون هؤلاء الكفار من المعاهدين أو المسالمين وليسوا على كل حال من أعداء محاربين ويكون في ذلك صورة من صور هذا العهد.
على أن هناك احتمالات بأن يكون هؤلاء من المنافقين أيضا، وفي آيات تأتي بعد قليل إشارات إلى مواقف المنافقين ومرضى حملة عليهم، وفضح لأخلاقهم ومكائدهم ؛ حيث يستأنس بذلك على هذا الاحتمال.
وهذا الاحتمال لا يقطع الصلة الموضوعية بين هاتين الآيتين والسياق السابق. وكل ما هناك أن الكلام يكون قد نقل من قبيل الاستطراد إلى ذكر مواقف المنافقين.
وننبه على أن المفسرين لم يرووا مناسبة ما لهاتين الآيتين أيضا كما هو الأمر بالنسبة للآيات السابقة ؛ حيث يصح أن يقال :إن السياق جميعه من أول السورة عرض عام لمواقف المؤمنين والكفار والمنافقين وما يجب على المؤمنين أن يفعلوه مع الكفار الصادين عن سبيل الله. والله أعلم.
﴿ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا( ١ ) فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ( ١٨ ) ﴾.
( ١ ) أشراطها :علاماتها، والكلمة جمع شرط بمعنى العلامة والأمارة
في الآية :سؤال استنكاري عما إذا كان الذين هم موضوع الكلام السابق أي الكافرين أو الكافرين والمنافقين. ينتظرون قيام الساعة حتى يخافوا ويؤمنوا مع أنها لا تأتي إلا بغتة، وقد جاءت أشراطها وحينما تأتي لا ينفعهم التذكر والارعواء.
تعليق على الآية :
﴿ فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها... ﴾الخ.
والآية متصلة بالسياق كما هو المتبادر، وقد أورد المفسرون قولا لابن عباس١جاء فيه :إن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة ومعالمها. وحديثا رواه الشيخان والترمذي أيضا ما جاء فيه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :بعثت أنا والساعة هكذا، ويشير بأصبعيه فيمدهما، وفي رواية أنه ضم السبابة والوسطى بقصد بيان تقارب بعثته وقيام الساعة٢.
ولقد أوردوا بالإضافة إلى ذلك أحاديث أخرى عن أشراط الساعة منها حديث عن أنس رواه قرب وفاته { ألا أحدثكم حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحدثكم به أحد غيري سمعت رسول الله يقول :لا تقوم الساعة أو قال :من أشراط الساعة :أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويشرب الخمر ويفشو الزنا ويذهب الرجال ويبقى النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد ) ٣ وثان عن أبي هريرة جاء فيه ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :إن من أشراط الساعة أن يتقارب الزمان وينقص العلم وتظهر الفتن ويبقى الشح ويكثر الهرج قالوا :وما الهرج ؟ قال :القتل ) ٤ وثالث عن أبي هريرة جاء فيه ( أن أعرابيا جاء إلى النبي فقال له متى الساعة وكان يتكلم فمضى حتى أتم كلامه، ثم سأل عن السائل، فقال :هاأنا ذا يا رسول الله، فقال :إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال وكيف إضاعتها ؟ قال :إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة٥ ولما كان ما جاء في هذه الأحاديث لم يكن قد تحقق حين نزول الآية، فالأولى أن يكون هدفها على ضوء قول ابن عباس والحديث النبوي الأول ما هو متحقق من الأشراط حين نزولها، وهو بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.
وعلى كل حال فإن الآية بسبيل التنديد بالمنافقين والكافرين لارتكاسهم في الضلال والغواية وعدم استجابتهم إلى دعوة الله قبل فوات الفرصة ؛ لأنها إذا فاتتهم ندموا حيث لا ينفع الندم، وبعبارة أخرى بسبيل الحث على الارعواء والاستجابة بدون إبطاء وإضاعة وقت. وهذا المعنى قد تكرر في آيات كثيرة مرت أمثلة عديدة منها لنفس الغاية والهدف.
١ انظر تفسير الآيات البغوي والخازن وابن كثير. والنصوص منقولة من الخازن، وهناك أحاديث عديدة أخرى واردة في كتب الأحاديث الصحيحة منها ما يقارب بعض هذه النصوص في علامات الساعة لم نر إيرادها؛ لأن الآية مصبوبة على ما جاء من أشراطها انظر إذا شئت التاج ج ٥ ص ٢٧٣ وما بعدها..
٢ المصدر السابق نفسه.
٣ المصدر نفسه.
٤ المصدر نفسه.
٥ المصدر نفسه.
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ ( ١ ) وَمَثْوَاكُمْ ( ٢ ) ( ١٩ ) ﴾
( ١ ) :متقلبكم وحركاتكم
( ٢ ) :مثواكم وسكناتكم
عبارة الآية واضحة وفيها التفات إلى النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التعقيب على الآيات السابقة كأنما أريد أن يقال له فيها والله أعلم بقصد التسلية والتثبيت :إنه لا ينبغي أن يغتم كثيرا لتصامم أولئك الكفار والمنافقين عن الدعوة واندفاعهم في الغواية والضلال، فالله كاف لهم وليس عليه إلا الاستمرار في توحيد الله والدعوة إليه والتقرب إليه بالعبادة وطلب الغفران لذنبه وذنوب المؤمنين والمؤمنات. والله هو العليم بجميع حركاتهم وسكناتهم وحلهم وترحالهم وبيده مصائرهم.
ومثل هذه الآية كثير في مقام التعقيب والتطمين في مثل هذه المواقف مما مر منه أمثلة عديدة.
ومقطع ﴿ واستغفر لذنبك ﴾ ورد لأول مرة في سورة غافر وعلقنا عليه بما يغنى عن التكرار، وأما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات فإنه يأتي لأول مرة بصيغته. وقد قال البغوي :إن فيه إكراما للمؤمنين والمؤمنات ؛ لأن النبي هو الشفيع المجاب فيهم. وهذا تأويل وجيه. وقد يصح أن يضاف إليه :أن الجملة جميعها تتضمن تلقينا بأن على النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب دائما من الله تعالى الغفران لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات، حتى يظلوا قيد رحمته وهو يعرف كل ما يكون منهم في مختلف ظروفهم ويعرف أنهم بطبيعتهم البشرية لا يمكن أن يخلوا من هفوات ومواقف تقتضي الاعتذار منها إليه. ثم تطمينا بأن الله تعالى وقد شاءت حكمة التنزيل أن يأمر نبيه بالاستغفار لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات قد شاءت حكمته كذلك الاستجابة لهذا الاستغفار وغدو الجميع قيد رحمته. وقد يدعم هذا ما رويناه في سياق أواخر سورة البقرة، من حديث يفيد أن الله عز وجل حينما أوحى
بالآيات التي فيها تعليم للمؤمنين بما يدعونه به أوحى إلى النبي بواسطة ملك الله أنه قد استجاب إليهم. والله تعالى أعلم.
( ١ ) لولا :هنا للتمني
( ٢ ) محكمة :هنا بمعنى صريحة حاسمة
( ٣ ) فأولى لهم :بعض المفسرين قالوا :إنها دعاء في مقام التنديد والوعيد،
وبمعنى ويل لهم أو جاءهم ما يكرهون١ ومنها ما جاء في سورة القيامة ﴿ أولى لك فأولى ٣٤ ثم أولى لك فأولى٣٥ ﴾ وبعضهم ربطها بالجملة التي بعدها ليكون معناها أولى لهم أن يقولوا طاعة٢ والقول الأول هو الأوجه المتسق مع روح الآيات كما يتبادر لنا.
﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ ( ٢٠ ) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ ( ٢١ ) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ( ٢٢ ) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ( ٢٣ ) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا( ٢٤ ) ﴾

في الآيات :

حكاية لما كان يتمناه المخلصون من المؤمنين من نزول سورة قرآنية حاسمة تأمر بالجهاد حتى يجاهدوا في سبيل الله.
وحكاية لحالة ذوي القلوب المريضة حينما ينزل الله سورة محكمة وحاسمة بذلك ؛ حيث يستولي عليهم الرعب وينظرون إلى النبي نظر الذي في حالة الاحتضار المملوء بالرعب والفزع واليأس.
ودعاء عليهم وتنديد بهم من أجل هذه الحالة التي تعتريهم.
وتعقيب على هذا الموقف الكئيب الكريه. فلقد كان الأولى بهم والأفضل أن يعلنوا السمع والطاعة ويظهروا الاستعداد لاستجابة أمر الله بالقول الحسن، ثم يصدقوا الله إذا ما جاء وقت التنديد والعزيمة وندبوا إلى القتال.
وتساؤل تنديدي موجه إلى هذه الفئة عما يتوقع منهم إذا تولوا حيث يفسدون في الأرض ويقطعون ما بينهم بذلك من الأرحام في حين أن الذين يفعلون ذلك يستحقون لعنة الله، ويكونون كمن أعمى الله أبصارهم وأصم آذانهم.
وتساؤل استنكاري ينطوي على التنديد والتعقيب أيضا عما إذا كانت هذه الفئة لا تتدبر ما في القرآن من مواعظ وآيات بينات ولا تتأثر بها، أم هل على قلوبهم أقفال فلا ينفذ إليها شيء من ذلك.
تعليق على الآية
{ ويقولون الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا نزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال... )
والآيات الأربع التي بعدها.
ولم نطلع على رواية خاصة في نزول الآيات. والمتبادر أنها فصل ملحق بالفصل السابق احتوى ذكر حالة أخرى من حالات المنافقين في المدينة والتنديد بهم عليها. وهي وقوفهم من الدعوة إلى الجهاد وقوف الخائف المثبط المتخاذل. وقد تكرر ذكر هذه الحالة عنهم في مناسبات عديدة سابقة ولاحقة. وفي سورة النساء فصل فيه مماثلة لهذا الفصل، وقد رويت في سياق ذلك رواية ذكرناها هناك عن مراجعة بعض كبار المسلمين وأقويائهم ومخلصيهم للنبي صلى الله عليه وسلم بشأن الإذن لهم بالجهاد ومقابلة عدوان الكفار بالمثل، ثم اعتراض المنافقين وتذمرهم من فرض الجهاد وتمنيهم أن يكون هذا الفرض قد تأخر مدة أخرى. والأولى أن تكون الرواية في مناسبة الآيات ؛ لأن في أولاها إشارة صريحة إلى تلك المراجعة في حين أنه ليس في آيات النساء مثل هذه الإشارة.
ولقد تعددت روايات وأقوال المفسرين٣ في تخريج الآية ( ٢٢ ) فقال بعضهم :إنها بمعنى ( إنكم إن أعرضتم وتوليتم عن سماع القرآن وتنفيذ أوامره عدتم إلى جاهليتكم فأفسدتم في الأرض وقطعتم بذلك أرحام بعضكم } وقال بعضهم :إنها بمعنى ( إنكم إن نكلتم عن الجهاد عدتم إلى ما كنتم عليه من الفساد وتقطيع الأرحام ) وقال بعضهم :إنها بمعنى ( إذا توليتم الأمور أفسدتم في الأرض وقطعتم أرحام بعضكم ) بل وقال بعضهم :إنها في صدد ما فعله بنو أمية حينما تولوا الأمر ؛ حيث قتلوا بني هاشم، وبذلك أفسدوا في الأرض وقطعوا أرحامهم.
وأثر التشيع بارز في القول الأخير، وليس له أي محل في مدى الآية. والقولان الأول والثاني هما أوجه من القول الثالث. وقد تبادر لنا تخريج نرجو أن يكون فيه الصواب وهو ( إنكم إذا لم تنفذوا أمر الله وتصدقوا النية في الجهاد وتقابلوا فرضه بالرضا والطاعة تكونوا قد أطمعتم العدو وجعلتموه يفسد في الأرض ويعتدي عليكم ويقطع ما بينكم من الأرحام ) والله اعلم.
وأسلوب الآيات قوي لاذع. يلهم ما كان لموقف مرضى القلوب والمنافقين في نفس النبي والمخلصين من أثر، وما كان يتوقع منه من شر وخطر ومفسدة. وفيها تلقين قوي مستمر المدى بتقبيح وقوف أية فئة من الأمة موقف الجبن والفزع والإحجام والتخاذل وعدم التضامن مع المجموع في دفع البغي والعدوان، وبيان ما ينجم عن ذلك من أخطار ومفاسد لا تسلم منها هذه الفئة نفسها لا في وطنها ولا في دمها ولا في ذويها.
ولفظ ﴿ سورة ﴾ هنا قد يفيد أمرا قرآنيا أو جملة قرآنية على الإطلاق أكثر منه سورة مستقلة المطلع والختام. وهذا المعنى مما يمكن أن يستفاد من هذا اللفظ بعض المواضع التي ورد فيها، كما أن من الممكن أن يستلهم منه أن هذا المعنى هو المعنى الأصلي للكلمة.
هذا، ولقد أورد المفسرون٤ أحاديث عديدة في سياق الآيتين ( ٢٢ و ٢٣ ) أوردنا ما ورد في كتب الأحاديث الصحيحة منها في سياق الآية الأولى من سورة النساء السابقة لهذه السورة ونبهنا بما تضمنته من تعظيم لشأن الأرحام وتلقين بوجوب حفظها وتوطيد الصلة بين ذوي الأرحام وإنذار لمن يقدم على قطعها فنكتفي بهذا التنبيه.
١ انظر تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والطبرسي والزمخشري وفي أكثر هذه الكتب القولان معا.
٢ المصدر نفسه.
﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ ( ٢٠ ) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ ( ٢١ ) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ( ٢٢ ) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ( ٢٣ ) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا( ٢٤ ) ﴾

في الآيات :

حكاية لما كان يتمناه المخلصون من المؤمنين من نزول سورة قرآنية حاسمة تأمر بالجهاد حتى يجاهدوا في سبيل الله.
وحكاية لحالة ذوي القلوب المريضة حينما ينزل الله سورة محكمة وحاسمة بذلك ؛ حيث يستولي عليهم الرعب وينظرون إلى النبي نظر الذي في حالة الاحتضار المملوء بالرعب والفزع واليأس.
ودعاء عليهم وتنديد بهم من أجل هذه الحالة التي تعتريهم.
وتعقيب على هذا الموقف الكئيب الكريه. فلقد كان الأولى بهم والأفضل أن يعلنوا السمع والطاعة ويظهروا الاستعداد لاستجابة أمر الله بالقول الحسن، ثم يصدقوا الله إذا ما جاء وقت التنديد والعزيمة وندبوا إلى القتال.
وتساؤل تنديدي موجه إلى هذه الفئة عما يتوقع منهم إذا تولوا حيث يفسدون في الأرض ويقطعون ما بينهم بذلك من الأرحام في حين أن الذين يفعلون ذلك يستحقون لعنة الله، ويكونون كمن أعمى الله أبصارهم وأصم آذانهم.
وتساؤل استنكاري ينطوي على التنديد والتعقيب أيضا عما إذا كانت هذه الفئة لا تتدبر ما في القرآن من مواعظ وآيات بينات ولا تتأثر بها، أم هل على قلوبهم أقفال فلا ينفذ إليها شيء من ذلك.
تعليق على الآية
{ ويقولون الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا نزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال... )
والآيات الأربع التي بعدها.
ولم نطلع على رواية خاصة في نزول الآيات. والمتبادر أنها فصل ملحق بالفصل السابق احتوى ذكر حالة أخرى من حالات المنافقين في المدينة والتنديد بهم عليها. وهي وقوفهم من الدعوة إلى الجهاد وقوف الخائف المثبط المتخاذل. وقد تكرر ذكر هذه الحالة عنهم في مناسبات عديدة سابقة ولاحقة. وفي سورة النساء فصل فيه مماثلة لهذا الفصل، وقد رويت في سياق ذلك رواية ذكرناها هناك عن مراجعة بعض كبار المسلمين وأقويائهم ومخلصيهم للنبي صلى الله عليه وسلم بشأن الإذن لهم بالجهاد ومقابلة عدوان الكفار بالمثل، ثم اعتراض المنافقين وتذمرهم من فرض الجهاد وتمنيهم أن يكون هذا الفرض قد تأخر مدة أخرى. والأولى أن تكون الرواية في مناسبة الآيات ؛ لأن في أولاها إشارة صريحة إلى تلك المراجعة في حين أنه ليس في آيات النساء مثل هذه الإشارة.
ولقد تعددت روايات وأقوال المفسرين٣ في تخريج الآية ( ٢٢ ) فقال بعضهم :إنها بمعنى ( إنكم إن أعرضتم وتوليتم عن سماع القرآن وتنفيذ أوامره عدتم إلى جاهليتكم فأفسدتم في الأرض وقطعتم بذلك أرحام بعضكم } وقال بعضهم :إنها بمعنى ( إنكم إن نكلتم عن الجهاد عدتم إلى ما كنتم عليه من الفساد وتقطيع الأرحام ) وقال بعضهم :إنها بمعنى ( إذا توليتم الأمور أفسدتم في الأرض وقطعتم أرحام بعضكم ) بل وقال بعضهم :إنها في صدد ما فعله بنو أمية حينما تولوا الأمر ؛ حيث قتلوا بني هاشم، وبذلك أفسدوا في الأرض وقطعوا أرحامهم.
وأثر التشيع بارز في القول الأخير، وليس له أي محل في مدى الآية. والقولان الأول والثاني هما أوجه من القول الثالث. وقد تبادر لنا تخريج نرجو أن يكون فيه الصواب وهو ( إنكم إذا لم تنفذوا أمر الله وتصدقوا النية في الجهاد وتقابلوا فرضه بالرضا والطاعة تكونوا قد أطمعتم العدو وجعلتموه يفسد في الأرض ويعتدي عليكم ويقطع ما بينكم من الأرحام ) والله اعلم.
وأسلوب الآيات قوي لاذع. يلهم ما كان لموقف مرضى القلوب والمنافقين في نفس النبي والمخلصين من أثر، وما كان يتوقع منه من شر وخطر ومفسدة. وفيها تلقين قوي مستمر المدى بتقبيح وقوف أية فئة من الأمة موقف الجبن والفزع والإحجام والتخاذل وعدم التضامن مع المجموع في دفع البغي والعدوان، وبيان ما ينجم عن ذلك من أخطار ومفاسد لا تسلم منها هذه الفئة نفسها لا في وطنها ولا في دمها ولا في ذويها.
ولفظ ﴿ سورة ﴾ هنا قد يفيد أمرا قرآنيا أو جملة قرآنية على الإطلاق أكثر منه سورة مستقلة المطلع والختام. وهذا المعنى مما يمكن أن يستفاد من هذا اللفظ بعض المواضع التي ورد فيها، كما أن من الممكن أن يستلهم منه أن هذا المعنى هو المعنى الأصلي للكلمة.
هذا، ولقد أورد المفسرون٤ أحاديث عديدة في سياق الآيتين ( ٢٢ و ٢٣ ) أوردنا ما ورد في كتب الأحاديث الصحيحة منها في سياق الآية الأولى من سورة النساء السابقة لهذه السورة ونبهنا بما تضمنته من تعظيم لشأن الأرحام وتلقين بوجوب حفظها وتوطيد الصلة بين ذوي الأرحام وإنذار لمن يقدم على قطعها فنكتفي بهذا التنبيه.
﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ ( ٢٠ ) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ ( ٢١ ) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ( ٢٢ ) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ( ٢٣ ) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا( ٢٤ ) ﴾

في الآيات :

حكاية لما كان يتمناه المخلصون من المؤمنين من نزول سورة قرآنية حاسمة تأمر بالجهاد حتى يجاهدوا في سبيل الله.
وحكاية لحالة ذوي القلوب المريضة حينما ينزل الله سورة محكمة وحاسمة بذلك ؛ حيث يستولي عليهم الرعب وينظرون إلى النبي نظر الذي في حالة الاحتضار المملوء بالرعب والفزع واليأس.
ودعاء عليهم وتنديد بهم من أجل هذه الحالة التي تعتريهم.
وتعقيب على هذا الموقف الكئيب الكريه. فلقد كان الأولى بهم والأفضل أن يعلنوا السمع والطاعة ويظهروا الاستعداد لاستجابة أمر الله بالقول الحسن، ثم يصدقوا الله إذا ما جاء وقت التنديد والعزيمة وندبوا إلى القتال.
وتساؤل تنديدي موجه إلى هذه الفئة عما يتوقع منهم إذا تولوا حيث يفسدون في الأرض ويقطعون ما بينهم بذلك من الأرحام في حين أن الذين يفعلون ذلك يستحقون لعنة الله، ويكونون كمن أعمى الله أبصارهم وأصم آذانهم.
وتساؤل استنكاري ينطوي على التنديد والتعقيب أيضا عما إذا كانت هذه الفئة لا تتدبر ما في القرآن من مواعظ وآيات بينات ولا تتأثر بها، أم هل على قلوبهم أقفال فلا ينفذ إليها شيء من ذلك.
تعليق على الآية
{ ويقولون الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا نزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال... )
والآيات الأربع التي بعدها.
ولم نطلع على رواية خاصة في نزول الآيات. والمتبادر أنها فصل ملحق بالفصل السابق احتوى ذكر حالة أخرى من حالات المنافقين في المدينة والتنديد بهم عليها. وهي وقوفهم من الدعوة إلى الجهاد وقوف الخائف المثبط المتخاذل. وقد تكرر ذكر هذه الحالة عنهم في مناسبات عديدة سابقة ولاحقة. وفي سورة النساء فصل فيه مماثلة لهذا الفصل، وقد رويت في سياق ذلك رواية ذكرناها هناك عن مراجعة بعض كبار المسلمين وأقويائهم ومخلصيهم للنبي صلى الله عليه وسلم بشأن الإذن لهم بالجهاد ومقابلة عدوان الكفار بالمثل، ثم اعتراض المنافقين وتذمرهم من فرض الجهاد وتمنيهم أن يكون هذا الفرض قد تأخر مدة أخرى. والأولى أن تكون الرواية في مناسبة الآيات ؛ لأن في أولاها إشارة صريحة إلى تلك المراجعة في حين أنه ليس في آيات النساء مثل هذه الإشارة.
ولقد تعددت روايات وأقوال المفسرين٣ في تخريج الآية ( ٢٢ ) فقال بعضهم :إنها بمعنى ( إنكم إن أعرضتم وتوليتم عن سماع القرآن وتنفيذ أوامره عدتم إلى جاهليتكم فأفسدتم في الأرض وقطعتم بذلك أرحام بعضكم } وقال بعضهم :إنها بمعنى ( إنكم إن نكلتم عن الجهاد عدتم إلى ما كنتم عليه من الفساد وتقطيع الأرحام ) وقال بعضهم :إنها بمعنى ( إذا توليتم الأمور أفسدتم في الأرض وقطعتم أرحام بعضكم ) بل وقال بعضهم :إنها في صدد ما فعله بنو أمية حينما تولوا الأمر ؛ حيث قتلوا بني هاشم، وبذلك أفسدوا في الأرض وقطعوا أرحامهم.
وأثر التشيع بارز في القول الأخير، وليس له أي محل في مدى الآية. والقولان الأول والثاني هما أوجه من القول الثالث. وقد تبادر لنا تخريج نرجو أن يكون فيه الصواب وهو ( إنكم إذا لم تنفذوا أمر الله وتصدقوا النية في الجهاد وتقابلوا فرضه بالرضا والطاعة تكونوا قد أطمعتم العدو وجعلتموه يفسد في الأرض ويعتدي عليكم ويقطع ما بينكم من الأرحام ) والله اعلم.
وأسلوب الآيات قوي لاذع. يلهم ما كان لموقف مرضى القلوب والمنافقين في نفس النبي والمخلصين من أثر، وما كان يتوقع منه من شر وخطر ومفسدة. وفيها تلقين قوي مستمر المدى بتقبيح وقوف أية فئة من الأمة موقف الجبن والفزع والإحجام والتخاذل وعدم التضامن مع المجموع في دفع البغي والعدوان، وبيان ما ينجم عن ذلك من أخطار ومفاسد لا تسلم منها هذه الفئة نفسها لا في وطنها ولا في دمها ولا في ذويها.
ولفظ ﴿ سورة ﴾ هنا قد يفيد أمرا قرآنيا أو جملة قرآنية على الإطلاق أكثر منه سورة مستقلة المطلع والختام. وهذا المعنى مما يمكن أن يستفاد من هذا اللفظ بعض المواضع التي ورد فيها، كما أن من الممكن أن يستلهم منه أن هذا المعنى هو المعنى الأصلي للكلمة.
هذا، ولقد أورد المفسرون٤ أحاديث عديدة في سياق الآيتين ( ٢٢ و ٢٣ ) أوردنا ما ورد في كتب الأحاديث الصحيحة منها في سياق الآية الأولى من سورة النساء السابقة لهذه السورة ونبهنا بما تضمنته من تعظيم لشأن الأرحام وتلقين بوجوب حفظها وتوطيد الصلة بين ذوي الأرحام وإنذار لمن يقدم على قطعها فنكتفي بهذا التنبيه.
﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ ( ٢٠ ) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ ( ٢١ ) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ( ٢٢ ) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ( ٢٣ ) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا( ٢٤ ) ﴾

في الآيات :

حكاية لما كان يتمناه المخلصون من المؤمنين من نزول سورة قرآنية حاسمة تأمر بالجهاد حتى يجاهدوا في سبيل الله.
وحكاية لحالة ذوي القلوب المريضة حينما ينزل الله سورة محكمة وحاسمة بذلك ؛ حيث يستولي عليهم الرعب وينظرون إلى النبي نظر الذي في حالة الاحتضار المملوء بالرعب والفزع واليأس.
ودعاء عليهم وتنديد بهم من أجل هذه الحالة التي تعتريهم.
وتعقيب على هذا الموقف الكئيب الكريه. فلقد كان الأولى بهم والأفضل أن يعلنوا السمع والطاعة ويظهروا الاستعداد لاستجابة أمر الله بالقول الحسن، ثم يصدقوا الله إذا ما جاء وقت التنديد والعزيمة وندبوا إلى القتال.
وتساؤل تنديدي موجه إلى هذه الفئة عما يتوقع منهم إذا تولوا حيث يفسدون في الأرض ويقطعون ما بينهم بذلك من الأرحام في حين أن الذين يفعلون ذلك يستحقون لعنة الله، ويكونون كمن أعمى الله أبصارهم وأصم آذانهم.
وتساؤل استنكاري ينطوي على التنديد والتعقيب أيضا عما إذا كانت هذه الفئة لا تتدبر ما في القرآن من مواعظ وآيات بينات ولا تتأثر بها، أم هل على قلوبهم أقفال فلا ينفذ إليها شيء من ذلك.
تعليق على الآية
{ ويقولون الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا نزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال... )
والآيات الأربع التي بعدها.
ولم نطلع على رواية خاصة في نزول الآيات. والمتبادر أنها فصل ملحق بالفصل السابق احتوى ذكر حالة أخرى من حالات المنافقين في المدينة والتنديد بهم عليها. وهي وقوفهم من الدعوة إلى الجهاد وقوف الخائف المثبط المتخاذل. وقد تكرر ذكر هذه الحالة عنهم في مناسبات عديدة سابقة ولاحقة. وفي سورة النساء فصل فيه مماثلة لهذا الفصل، وقد رويت في سياق ذلك رواية ذكرناها هناك عن مراجعة بعض كبار المسلمين وأقويائهم ومخلصيهم للنبي صلى الله عليه وسلم بشأن الإذن لهم بالجهاد ومقابلة عدوان الكفار بالمثل، ثم اعتراض المنافقين وتذمرهم من فرض الجهاد وتمنيهم أن يكون هذا الفرض قد تأخر مدة أخرى. والأولى أن تكون الرواية في مناسبة الآيات ؛ لأن في أولاها إشارة صريحة إلى تلك المراجعة في حين أنه ليس في آيات النساء مثل هذه الإشارة.
ولقد تعددت روايات وأقوال المفسرين٣ في تخريج الآية ( ٢٢ ) فقال بعضهم :إنها بمعنى ( إنكم إن أعرضتم وتوليتم عن سماع القرآن وتنفيذ أوامره عدتم إلى جاهليتكم فأفسدتم في الأرض وقطعتم بذلك أرحام بعضكم } وقال بعضهم :إنها بمعنى ( إنكم إن نكلتم عن الجهاد عدتم إلى ما كنتم عليه من الفساد وتقطيع الأرحام ) وقال بعضهم :إنها بمعنى ( إذا توليتم الأمور أفسدتم في الأرض وقطعتم أرحام بعضكم ) بل وقال بعضهم :إنها في صدد ما فعله بنو أمية حينما تولوا الأمر ؛ حيث قتلوا بني هاشم، وبذلك أفسدوا في الأرض وقطعوا أرحامهم.
وأثر التشيع بارز في القول الأخير، وليس له أي محل في مدى الآية. والقولان الأول والثاني هما أوجه من القول الثالث. وقد تبادر لنا تخريج نرجو أن يكون فيه الصواب وهو ( إنكم إذا لم تنفذوا أمر الله وتصدقوا النية في الجهاد وتقابلوا فرضه بالرضا والطاعة تكونوا قد أطمعتم العدو وجعلتموه يفسد في الأرض ويعتدي عليكم ويقطع ما بينكم من الأرحام ) والله اعلم.
وأسلوب الآيات قوي لاذع. يلهم ما كان لموقف مرضى القلوب والمنافقين في نفس النبي والمخلصين من أثر، وما كان يتوقع منه من شر وخطر ومفسدة. وفيها تلقين قوي مستمر المدى بتقبيح وقوف أية فئة من الأمة موقف الجبن والفزع والإحجام والتخاذل وعدم التضامن مع المجموع في دفع البغي والعدوان، وبيان ما ينجم عن ذلك من أخطار ومفاسد لا تسلم منها هذه الفئة نفسها لا في وطنها ولا في دمها ولا في ذويها.
ولفظ ﴿ سورة ﴾ هنا قد يفيد أمرا قرآنيا أو جملة قرآنية على الإطلاق أكثر منه سورة مستقلة المطلع والختام. وهذا المعنى مما يمكن أن يستفاد من هذا اللفظ بعض المواضع التي ورد فيها، كما أن من الممكن أن يستلهم منه أن هذا المعنى هو المعنى الأصلي للكلمة.
هذا، ولقد أورد المفسرون٤ أحاديث عديدة في سياق الآيتين ( ٢٢ و ٢٣ ) أوردنا ما ورد في كتب الأحاديث الصحيحة منها في سياق الآية الأولى من سورة النساء السابقة لهذه السورة ونبهنا بما تضمنته من تعظيم لشأن الأرحام وتلقين بوجوب حفظها وتوطيد الصلة بين ذوي الأرحام وإنذار لمن يقدم على قطعها فنكتفي بهذا التنبيه.
﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ ( ٢٠ ) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ ( ٢١ ) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ( ٢٢ ) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ( ٢٣ ) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا( ٢٤ ) ﴾

في الآيات :

حكاية لما كان يتمناه المخلصون من المؤمنين من نزول سورة قرآنية حاسمة تأمر بالجهاد حتى يجاهدوا في سبيل الله.
وحكاية لحالة ذوي القلوب المريضة حينما ينزل الله سورة محكمة وحاسمة بذلك ؛ حيث يستولي عليهم الرعب وينظرون إلى النبي نظر الذي في حالة الاحتضار المملوء بالرعب والفزع واليأس.
ودعاء عليهم وتنديد بهم من أجل هذه الحالة التي تعتريهم.
وتعقيب على هذا الموقف الكئيب الكريه. فلقد كان الأولى بهم والأفضل أن يعلنوا السمع والطاعة ويظهروا الاستعداد لاستجابة أمر الله بالقول الحسن، ثم يصدقوا الله إذا ما جاء وقت التنديد والعزيمة وندبوا إلى القتال.
وتساؤل تنديدي موجه إلى هذه الفئة عما يتوقع منهم إذا تولوا حيث يفسدون في الأرض ويقطعون ما بينهم بذلك من الأرحام في حين أن الذين يفعلون ذلك يستحقون لعنة الله، ويكونون كمن أعمى الله أبصارهم وأصم آذانهم.
وتساؤل استنكاري ينطوي على التنديد والتعقيب أيضا عما إذا كانت هذه الفئة لا تتدبر ما في القرآن من مواعظ وآيات بينات ولا تتأثر بها، أم هل على قلوبهم أقفال فلا ينفذ إليها شيء من ذلك.
تعليق على الآية
{ ويقولون الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا نزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال... )
والآيات الأربع التي بعدها.
ولم نطلع على رواية خاصة في نزول الآيات. والمتبادر أنها فصل ملحق بالفصل السابق احتوى ذكر حالة أخرى من حالات المنافقين في المدينة والتنديد بهم عليها. وهي وقوفهم من الدعوة إلى الجهاد وقوف الخائف المثبط المتخاذل. وقد تكرر ذكر هذه الحالة عنهم في مناسبات عديدة سابقة ولاحقة. وفي سورة النساء فصل فيه مماثلة لهذا الفصل، وقد رويت في سياق ذلك رواية ذكرناها هناك عن مراجعة بعض كبار المسلمين وأقويائهم ومخلصيهم للنبي صلى الله عليه وسلم بشأن الإذن لهم بالجهاد ومقابلة عدوان الكفار بالمثل، ثم اعتراض المنافقين وتذمرهم من فرض الجهاد وتمنيهم أن يكون هذا الفرض قد تأخر مدة أخرى. والأولى أن تكون الرواية في مناسبة الآيات ؛ لأن في أولاها إشارة صريحة إلى تلك المراجعة في حين أنه ليس في آيات النساء مثل هذه الإشارة.
ولقد تعددت روايات وأقوال المفسرين٣ في تخريج الآية ( ٢٢ ) فقال بعضهم :إنها بمعنى ( إنكم إن أعرضتم وتوليتم عن سماع القرآن وتنفيذ أوامره عدتم إلى جاهليتكم فأفسدتم في الأرض وقطعتم بذلك أرحام بعضكم } وقال بعضهم :إنها بمعنى ( إنكم إن نكلتم عن الجهاد عدتم إلى ما كنتم عليه من الفساد وتقطيع الأرحام ) وقال بعضهم :إنها بمعنى ( إذا توليتم الأمور أفسدتم في الأرض وقطعتم أرحام بعضكم ) بل وقال بعضهم :إنها في صدد ما فعله بنو أمية حينما تولوا الأمر ؛ حيث قتلوا بني هاشم، وبذلك أفسدوا في الأرض وقطعوا أرحامهم.
وأثر التشيع بارز في القول الأخير، وليس له أي محل في مدى الآية. والقولان الأول والثاني هما أوجه من القول الثالث. وقد تبادر لنا تخريج نرجو أن يكون فيه الصواب وهو ( إنكم إذا لم تنفذوا أمر الله وتصدقوا النية في الجهاد وتقابلوا فرضه بالرضا والطاعة تكونوا قد أطمعتم العدو وجعلتموه يفسد في الأرض ويعتدي عليكم ويقطع ما بينكم من الأرحام ) والله اعلم.
وأسلوب الآيات قوي لاذع. يلهم ما كان لموقف مرضى القلوب والمنافقين في نفس النبي والمخلصين من أثر، وما كان يتوقع منه من شر وخطر ومفسدة. وفيها تلقين قوي مستمر المدى بتقبيح وقوف أية فئة من الأمة موقف الجبن والفزع والإحجام والتخاذل وعدم التضامن مع المجموع في دفع البغي والعدوان، وبيان ما ينجم عن ذلك من أخطار ومفاسد لا تسلم منها هذه الفئة نفسها لا في وطنها ولا في دمها ولا في ذويها.
ولفظ ﴿ سورة ﴾ هنا قد يفيد أمرا قرآنيا أو جملة قرآنية على الإطلاق أكثر منه سورة مستقلة المطلع والختام. وهذا المعنى مما يمكن أن يستفاد من هذا اللفظ بعض المواضع التي ورد فيها، كما أن من الممكن أن يستلهم منه أن هذا المعنى هو المعنى الأصلي للكلمة.
هذا، ولقد أورد المفسرون٤ أحاديث عديدة في سياق الآيتين ( ٢٢ و ٢٣ ) أوردنا ما ورد في كتب الأحاديث الصحيحة منها في سياق الآية الأولى من سورة النساء السابقة لهذه السورة ونبهنا بما تضمنته من تعظيم لشأن الأرحام وتلقين بوجوب حفظها وتوطيد الصلة بين ذوي الأرحام وإنذار لمن يقدم على قطعها فنكتفي بهذا التنبيه.
سول لهم وأملى لهم :زين لهم ومناهم وغرهم.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ( ٢٥ ) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ( ٢٦ ) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ( ٢٧ ) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ( ٢٨ ) ﴾.
عبارة الآيات واضحة. وقد تضمنت تنديدا بالذين ارتدوا عن الهدى بعد أن ظهرت لهم أعلامه واتبعوا ما يسخط الله وكرهوا ما يرضيه وكانوا يتآمرون الكفار ويعدونهم بطاعتهم والسير وفق رغبتهم. وإنذارا لهم، فقد فعلوا ما فعلوا بتزيين الشيطان وتغريره. وسيحبط الله مكائدهم وأعمالهم في الدنيا. ولسوف يكون استقبال الملائكة لهم حين يتوفونهم أسوأ استقبال ؛ حيث يضربونهم على وجوههم وأقفيتهم.
ولم نطلع على رواية خاصة في نزول الآيات. والمتبادر أنها هي أيضا فصل آخر ملحق بالفصلين السابقين. وقد روى المفسرون١ عن ابن عباس وعلماء التابعين قولين في من عنتهم جملة ﴿ إن الذين ارتدوا على أدبارهم… ﴾ الخ أحدهما :أنهم أهل الكتاب أو اليهود الذين عرفوا الحق وارتدوا عنه، وثانيهما :أنهم المنافقون الذين ارتدوا عن الإسلام. وقد رجح الطبري القول الثاني. وهو الأوجه على ما يلهمه فحوى السياق السابق الذي ذكر فيه مرضى القلوب.
كذلك رووا٢ قولين في من عنتهم جملة ﴿ للذين كرهوا ما نزل الله ﴾ أحدهما :أنهم اليهود، وثانيهما :أنهم مشركو العرب وكفارهم. والجملة تتحمل القولين. فهناك آيات وصف اليهود فيها بهذا الوصف وآيات وصف كفار العرب به، ولقد وصف كفار العرب به في إحدى آيات السورة نفسها وهي الآية ( ٩ ) حيث يمكن أن يرجح ذلك الاحتمال الأول. ولا سيما أنه ليس من دليل على أن هذه السورة نزلت قبل وقعة يهود بنو قريظة ؛ لأنه لم يعد بعدهم في المدينة كتلة يهودية يمكن أن يتواطأ معها المنافقون.
وعلى كل حال ففي الآية ( ٢٦ ) التي فيها الجملة إشارة إلى ما كان من تواطؤ المنافقين وانسجامهم مع أعداء الرسالة المحمدية سواء أكانوا اليهود أم المشركين. وقد تكررت هذه الإشارة في آيات عديدة مرت أمثلة منها.
والآيات قوية التنديد والإنذار والتشنيع من جهة، وفيها تلقين مستمر المدى كالفصلين السابقين من جهة أخرى بتقبيح النفاق والارتداد إلى الضلال والباطل بعد ظهور الحق والهدى والتواطؤ مع أعداء الإسلام والمسلمين.
إسرارهم :ما يفعلونه سرا، أو ما يكنونه في أنفسهم.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ( ٢٥ ) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ( ٢٦ ) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ( ٢٧ ) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ( ٢٨ ) ﴾.
عبارة الآيات واضحة. وقد تضمنت تنديدا بالذين ارتدوا عن الهدى بعد أن ظهرت لهم أعلامه واتبعوا ما يسخط الله وكرهوا ما يرضيه وكانوا يتآمرون الكفار ويعدونهم بطاعتهم والسير وفق رغبتهم. وإنذارا لهم، فقد فعلوا ما فعلوا بتزيين الشيطان وتغريره. وسيحبط الله مكائدهم وأعمالهم في الدنيا. ولسوف يكون استقبال الملائكة لهم حين يتوفونهم أسوأ استقبال ؛ حيث يضربونهم على وجوههم وأقفيتهم.
ولم نطلع على رواية خاصة في نزول الآيات. والمتبادر أنها هي أيضا فصل آخر ملحق بالفصلين السابقين. وقد روى المفسرون١ عن ابن عباس وعلماء التابعين قولين في من عنتهم جملة ﴿ إن الذين ارتدوا على أدبارهم… ﴾ الخ أحدهما :أنهم أهل الكتاب أو اليهود الذين عرفوا الحق وارتدوا عنه، وثانيهما :أنهم المنافقون الذين ارتدوا عن الإسلام. وقد رجح الطبري القول الثاني. وهو الأوجه على ما يلهمه فحوى السياق السابق الذي ذكر فيه مرضى القلوب.
كذلك رووا٢ قولين في من عنتهم جملة ﴿ للذين كرهوا ما نزل الله ﴾ أحدهما :أنهم اليهود، وثانيهما :أنهم مشركو العرب وكفارهم. والجملة تتحمل القولين. فهناك آيات وصف اليهود فيها بهذا الوصف وآيات وصف كفار العرب به، ولقد وصف كفار العرب به في إحدى آيات السورة نفسها وهي الآية ( ٩ ) حيث يمكن أن يرجح ذلك الاحتمال الأول. ولا سيما أنه ليس من دليل على أن هذه السورة نزلت قبل وقعة يهود بنو قريظة ؛ لأنه لم يعد بعدهم في المدينة كتلة يهودية يمكن أن يتواطأ معها المنافقون.
وعلى كل حال ففي الآية ( ٢٦ ) التي فيها الجملة إشارة إلى ما كان من تواطؤ المنافقين وانسجامهم مع أعداء الرسالة المحمدية سواء أكانوا اليهود أم المشركين. وقد تكررت هذه الإشارة في آيات عديدة مرت أمثلة منها.
والآيات قوية التنديد والإنذار والتشنيع من جهة، وفيها تلقين مستمر المدى كالفصلين السابقين من جهة أخرى بتقبيح النفاق والارتداد إلى الضلال والباطل بعد ظهور الحق والهدى والتواطؤ مع أعداء الإسلام والمسلمين.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ( ٢٥ ) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ( ٢٦ ) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ( ٢٧ ) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ( ٢٨ ) ﴾.
عبارة الآيات واضحة. وقد تضمنت تنديدا بالذين ارتدوا عن الهدى بعد أن ظهرت لهم أعلامه واتبعوا ما يسخط الله وكرهوا ما يرضيه وكانوا يتآمرون الكفار ويعدونهم بطاعتهم والسير وفق رغبتهم. وإنذارا لهم، فقد فعلوا ما فعلوا بتزيين الشيطان وتغريره. وسيحبط الله مكائدهم وأعمالهم في الدنيا. ولسوف يكون استقبال الملائكة لهم حين يتوفونهم أسوأ استقبال ؛ حيث يضربونهم على وجوههم وأقفيتهم.
ولم نطلع على رواية خاصة في نزول الآيات. والمتبادر أنها هي أيضا فصل آخر ملحق بالفصلين السابقين. وقد روى المفسرون١ عن ابن عباس وعلماء التابعين قولين في من عنتهم جملة ﴿ إن الذين ارتدوا على أدبارهم… ﴾ الخ أحدهما :أنهم أهل الكتاب أو اليهود الذين عرفوا الحق وارتدوا عنه، وثانيهما :أنهم المنافقون الذين ارتدوا عن الإسلام. وقد رجح الطبري القول الثاني. وهو الأوجه على ما يلهمه فحوى السياق السابق الذي ذكر فيه مرضى القلوب.
كذلك رووا٢ قولين في من عنتهم جملة ﴿ للذين كرهوا ما نزل الله ﴾ أحدهما :أنهم اليهود، وثانيهما :أنهم مشركو العرب وكفارهم. والجملة تتحمل القولين. فهناك آيات وصف اليهود فيها بهذا الوصف وآيات وصف كفار العرب به، ولقد وصف كفار العرب به في إحدى آيات السورة نفسها وهي الآية ( ٩ ) حيث يمكن أن يرجح ذلك الاحتمال الأول. ولا سيما أنه ليس من دليل على أن هذه السورة نزلت قبل وقعة يهود بنو قريظة ؛ لأنه لم يعد بعدهم في المدينة كتلة يهودية يمكن أن يتواطأ معها المنافقون.
وعلى كل حال ففي الآية ( ٢٦ ) التي فيها الجملة إشارة إلى ما كان من تواطؤ المنافقين وانسجامهم مع أعداء الرسالة المحمدية سواء أكانوا اليهود أم المشركين. وقد تكررت هذه الإشارة في آيات عديدة مرت أمثلة منها.
والآيات قوية التنديد والإنذار والتشنيع من جهة، وفيها تلقين مستمر المدى كالفصلين السابقين من جهة أخرى بتقبيح النفاق والارتداد إلى الضلال والباطل بعد ظهور الحق والهدى والتواطؤ مع أعداء الإسلام والمسلمين.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ( ٢٥ ) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ( ٢٦ ) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ( ٢٧ ) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ( ٢٨ ) ﴾.
عبارة الآيات واضحة. وقد تضمنت تنديدا بالذين ارتدوا عن الهدى بعد أن ظهرت لهم أعلامه واتبعوا ما يسخط الله وكرهوا ما يرضيه وكانوا يتآمرون الكفار ويعدونهم بطاعتهم والسير وفق رغبتهم. وإنذارا لهم، فقد فعلوا ما فعلوا بتزيين الشيطان وتغريره. وسيحبط الله مكائدهم وأعمالهم في الدنيا. ولسوف يكون استقبال الملائكة لهم حين يتوفونهم أسوأ استقبال ؛ حيث يضربونهم على وجوههم وأقفيتهم.
ولم نطلع على رواية خاصة في نزول الآيات. والمتبادر أنها هي أيضا فصل آخر ملحق بالفصلين السابقين. وقد روى المفسرون١ عن ابن عباس وعلماء التابعين قولين في من عنتهم جملة ﴿ إن الذين ارتدوا على أدبارهم… ﴾ الخ أحدهما :أنهم أهل الكتاب أو اليهود الذين عرفوا الحق وارتدوا عنه، وثانيهما :أنهم المنافقون الذين ارتدوا عن الإسلام. وقد رجح الطبري القول الثاني. وهو الأوجه على ما يلهمه فحوى السياق السابق الذي ذكر فيه مرضى القلوب.
كذلك رووا٢ قولين في من عنتهم جملة ﴿ للذين كرهوا ما نزل الله ﴾ أحدهما :أنهم اليهود، وثانيهما :أنهم مشركو العرب وكفارهم. والجملة تتحمل القولين. فهناك آيات وصف اليهود فيها بهذا الوصف وآيات وصف كفار العرب به، ولقد وصف كفار العرب به في إحدى آيات السورة نفسها وهي الآية ( ٩ ) حيث يمكن أن يرجح ذلك الاحتمال الأول. ولا سيما أنه ليس من دليل على أن هذه السورة نزلت قبل وقعة يهود بنو قريظة ؛ لأنه لم يعد بعدهم في المدينة كتلة يهودية يمكن أن يتواطأ معها المنافقون.
وعلى كل حال ففي الآية ( ٢٦ ) التي فيها الجملة إشارة إلى ما كان من تواطؤ المنافقين وانسجامهم مع أعداء الرسالة المحمدية سواء أكانوا اليهود أم المشركين. وقد تكررت هذه الإشارة في آيات عديدة مرت أمثلة منها.
والآيات قوية التنديد والإنذار والتشنيع من جهة، وفيها تلقين مستمر المدى كالفصلين السابقين من جهة أخرى بتقبيح النفاق والارتداد إلى الضلال والباطل بعد ظهور الحق والهدى والتواطؤ مع أعداء الإسلام والمسلمين.
أضغانهم :ما يضرونه في قلوبهم من حقد
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ( ٢٩ )وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ( ٣٠ ) ﴾.

في هذه الآيات :

تساؤل إنكاري فيه معنى التسفيه والإنذار عما إذا كان ذوو القلوب المريضة المنافقون يظنون أن أمرهم خاف على الله، وأنه عاجز عن فضيحتهم وإظهار ما في قلوبهم من حقد ونوايا سيئة للمسلمين.
وتنبيه موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن الله لو أراد لأراه كل واحد منهم بعينه وعرفهم له بأشكالهم وأسمائهم. ومع ذلك فإنه لا يستطيع أن يعرفهم ويميزهم من لهجة كلامهم وأسلوب حديثهم بما فيها من المواربة والكذب والنفاق وأمارات الكيد والعناد والتشويش.
وتوكيد تقريري بأن الله يعلم أعمال جميع الناس ومحيط بها.
تعليق على الآية
﴿ أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ﴾
والآية التالية لها.
الآيتان متصلتان بالفصول السابقة ومعقبتان عليها كما هو ظاهر. والمتبادر المستلهم من روح الآية الثانية ومضمونها أنها انطوت أولا. على تقرير كون الأصلح للجميع ما اقتضته مشيئة الله من عدم تعريف جميع المنافقين للنبي والمسلمين تعريفا حاسما وصريحا. ولاسيما أنهم لا يخفون في لهجة الكلام، وأسلوب التصرف على النبي ذي النظر الناقد والذهن الثاقب والمتصل بوحي الله وإلهامه. وثانيا على تهديد المنافقين في الوقت نفسه بالفضيحة من جهة ورغبة إثارة الخوف في نفوسهم منها حتى يرعووا عن موقفهم قبل دمغهم دمغا لا يبقى بعده لهم مخلص من جهة أخرى.
وهذا وذاك يلهمان أولا :أن من المنافقين من استطاع أن يخفى حقيقة أمره على بعض المسلمين على الأقل. وفي سورة التوبة آية صريحة بذلك، بل وبكون بعض المنافقين استطاعوا إخفاء حقيقة أمرهم على النبي صلى الله عليه وسلم وهي : ﴿ وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ وثانيا :أن المنافقين كانوا يحذرون أن يعرف نفاقهم ويتحاشون الفضيحة به ويحاولون تأويل مواقفهم. وقد حكت ذلك آيات عديدة منها آية سورة المنافقون هذه ﴿ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله سيعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون١ ﴾ ومنها آية سورة التوبة هذه ﴿ ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون ٥٦ ﴾ وآية سورة التوبة هذه ﴿ يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا لما لم ينالوا ﴾.
والنفاق في حد ذاته يتضمن هذا القصد. فالمنافق كافر وغير مخلص ولو لم يخش الفضيحة والأذى لظهر على حقيقته بدون مواربة. ومع ذلك فلعل من الصواب أن يقال عن الحذر في المنافقين قد اشتد بعد توطد مركز النبي في المدينة وبخاصة بعد تطهيرها من اليهود إجلاء وتنكيلا.
ولقد روى الطبري عن ابن عباس والضحاك في سياق الآية الثانية أن الله سبحانه عرفه إياهم في سورة التوبة ؛ حيث أوحى له ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ﴾ الآية :٨٤ و ﴿ لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ﴾ ( الآية :٨٣ ).
غير أن الآية ( ١٠١ ) من سورة التوبة التي أوردناها والتي يلهم سباقها أنها نزلت بعد هاتين الآيتين صريحة النص كما قلنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف بعضهم، ومع ذلك فإن الآية التي نحن في صددها تلهم أن المنافقين مهما حاولوا التستر فإن تصرفاتهم ومواقفهم وأقوالهم تظل تفضحهم وتعريهم، وتجعل النبي صلى الله عليه وسلم والمخلصين يعرفونهم منها.
هذا، ومما لا شك فيه أن الآيات قد احتوت درسا وموعظة بليغة مستمرة التلقين، وبخاصة للزعماء والحكام الذين يسوسون الناس، ويتولون توجيههم في كيفية التصرف معهم مخلصهم ومترددهم ومنافقهم.
ولقد روى الطبرسي وهو مفسر شيعي في سياق الآية الثانية أن أبا سعيد الخدري قال : ﴿ لحن القول ﴾ هو بغض علي ابن أبي طالب. وقد كنا نعرف المنافقين في عهد رسول الله صلى الله ببغضهم له ) وقال المفسر :إن مثل هذا روي عن جابر ابن عبد الله وعبادة ابن الصامت، ولا يوثق المفسر رواياته بسند وثيق، ولم ترد كتب الأحاديث الصحيحة. والهوى الشيعي واضح في هذا وقد يكون حقا أن بغض علي رضي الله عنه من علامات النفاق. ولكن ليس من محل الاختصاص، بحيث يصح أن يكون من علامات النفاق بغض كل واحد من الرعيل الأول من أصحاب رسول الله ومن أقران علي أيضا، وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم رضي الله عنهم.
وإذا كان هناك حقا حديث رواه الترمذي عن أم سلمة جاء فيه ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :لا يحب عليا منافق ولا يبغضه مؤمن ) ١ فهناك أحاديث أخرى من هذا الباب عن أصحاب رسول الله عامة وعن الأنصار خاصة منها حديث رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود جاء فيه ( الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن أذى الله فيوشك أن يأخذه ) ٢ وحديث رواه الشيخان ومسلم عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله ) ٣.
لحن القول :لهجة الكلام وأسلوبه
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ( ٢٩ )وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ( ٣٠ ) ﴾.

في هذه الآيات :

تساؤل إنكاري فيه معنى التسفيه والإنذار عما إذا كان ذوو القلوب المريضة المنافقون يظنون أن أمرهم خاف على الله، وأنه عاجز عن فضيحتهم وإظهار ما في قلوبهم من حقد ونوايا سيئة للمسلمين.
وتنبيه موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن الله لو أراد لأراه كل واحد منهم بعينه وعرفهم له بأشكالهم وأسمائهم. ومع ذلك فإنه لا يستطيع أن يعرفهم ويميزهم من لهجة كلامهم وأسلوب حديثهم بما فيها من المواربة والكذب والنفاق وأمارات الكيد والعناد والتشويش.
وتوكيد تقريري بأن الله يعلم أعمال جميع الناس ومحيط بها.
تعليق على الآية
﴿ أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ﴾
والآية التالية لها.
الآيتان متصلتان بالفصول السابقة ومعقبتان عليها كما هو ظاهر. والمتبادر المستلهم من روح الآية الثانية ومضمونها أنها انطوت أولا. على تقرير كون الأصلح للجميع ما اقتضته مشيئة الله من عدم تعريف جميع المنافقين للنبي والمسلمين تعريفا حاسما وصريحا. ولاسيما أنهم لا يخفون في لهجة الكلام، وأسلوب التصرف على النبي ذي النظر الناقد والذهن الثاقب والمتصل بوحي الله وإلهامه. وثانيا على تهديد المنافقين في الوقت نفسه بالفضيحة من جهة ورغبة إثارة الخوف في نفوسهم منها حتى يرعووا عن موقفهم قبل دمغهم دمغا لا يبقى بعده لهم مخلص من جهة أخرى.
وهذا وذاك يلهمان أولا :أن من المنافقين من استطاع أن يخفى حقيقة أمره على بعض المسلمين على الأقل. وفي سورة التوبة آية صريحة بذلك، بل وبكون بعض المنافقين استطاعوا إخفاء حقيقة أمرهم على النبي صلى الله عليه وسلم وهي : ﴿ وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ وثانيا :أن المنافقين كانوا يحذرون أن يعرف نفاقهم ويتحاشون الفضيحة به ويحاولون تأويل مواقفهم. وقد حكت ذلك آيات عديدة منها آية سورة المنافقون هذه ﴿ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله سيعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون١ ﴾ ومنها آية سورة التوبة هذه ﴿ ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون ٥٦ ﴾ وآية سورة التوبة هذه ﴿ يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا لما لم ينالوا ﴾.
والنفاق في حد ذاته يتضمن هذا القصد. فالمنافق كافر وغير مخلص ولو لم يخش الفضيحة والأذى لظهر على حقيقته بدون مواربة. ومع ذلك فلعل من الصواب أن يقال عن الحذر في المنافقين قد اشتد بعد توطد مركز النبي في المدينة وبخاصة بعد تطهيرها من اليهود إجلاء وتنكيلا.
ولقد روى الطبري عن ابن عباس والضحاك في سياق الآية الثانية أن الله سبحانه عرفه إياهم في سورة التوبة ؛ حيث أوحى له ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ﴾ الآية :٨٤ و ﴿ لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ﴾ ( الآية :٨٣ ).
غير أن الآية ( ١٠١ ) من سورة التوبة التي أوردناها والتي يلهم سباقها أنها نزلت بعد هاتين الآيتين صريحة النص كما قلنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف بعضهم، ومع ذلك فإن الآية التي نحن في صددها تلهم أن المنافقين مهما حاولوا التستر فإن تصرفاتهم ومواقفهم وأقوالهم تظل تفضحهم وتعريهم، وتجعل النبي صلى الله عليه وسلم والمخلصين يعرفونهم منها.
هذا، ومما لا شك فيه أن الآيات قد احتوت درسا وموعظة بليغة مستمرة التلقين، وبخاصة للزعماء والحكام الذين يسوسون الناس، ويتولون توجيههم في كيفية التصرف معهم مخلصهم ومترددهم ومنافقهم.
ولقد روى الطبرسي وهو مفسر شيعي في سياق الآية الثانية أن أبا سعيد الخدري قال : ﴿ لحن القول ﴾ هو بغض علي ابن أبي طالب. وقد كنا نعرف المنافقين في عهد رسول الله صلى الله ببغضهم له ) وقال المفسر :إن مثل هذا روي عن جابر ابن عبد الله وعبادة ابن الصامت، ولا يوثق المفسر رواياته بسند وثيق، ولم ترد كتب الأحاديث الصحيحة. والهوى الشيعي واضح في هذا وقد يكون حقا أن بغض علي رضي الله عنه من علامات النفاق. ولكن ليس من محل الاختصاص، بحيث يصح أن يكون من علامات النفاق بغض كل واحد من الرعيل الأول من أصحاب رسول الله ومن أقران علي أيضا، وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم رضي الله عنهم.
وإذا كان هناك حقا حديث رواه الترمذي عن أم سلمة جاء فيه ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :لا يحب عليا منافق ولا يبغضه مؤمن ) ١ فهناك أحاديث أخرى من هذا الباب عن أصحاب رسول الله عامة وعن الأنصار خاصة منها حديث رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود جاء فيه ( الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن أذى الله فيوشك أن يأخذه ) ٢ وحديث رواه الشيخان ومسلم عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله ) ٣.
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ( ٣١ ) ﴾
المتبادر أن الخطاب في الآية موجه إلى المؤمنين إطلاقا من قبيل الالتفات والتعقيب على ما حكته الآيات السابقة من مواقف وحالات المنافقين ؛ حيث نبهوا فيها إلى أن الله إنما يختبرهم بالجهاد والأمر به حتى يمتاز المجاهدون والصابرون والمخلصون من غيرهم. وتظهر أعمال ومواقف كل منهم.
وقد احتوت كل بيان حكمة الله فيما فرض وأمر من شأنها بعث الطمأنينة والبشرى والصبر والرغبة وفي التضحية في نفوس المخلصين وإثارة الحافز والارعواء في المنافقين والمترددين.
﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ ( ٣٢ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ( ٣٣ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ( ٣٤ ) ﴾
عبارة الآيات واضحة واتصالها بالسياق السابق ظاهر. وفيها عود على بدء في الإيذان بأن الله سيحبط مكائد وأعمال الكفار الصادين عن سبيل الله والمشاقين لرسوله برغم ما ظهر لهم من أعلام الهدى، وبأنهم لن يضروا الله شيئا بأعمالهم، وبأنه لن يغفر لمن يموت منهم على حاله هذه، وفيها في الوقت نفسه هتاف بالمؤمنين بإطاعة الله ورسوله، وعدم إبطال ثمرة إيمانهم بالانحراف عن ذلك بأي شكل.
وفي الآيات توطيد لأوامر الله ورسوله وبخاصة في أمر الجهاد الذي كان موضوع الكلام في الفصل السابق. وتحذير للمخلصين من الانحراف وحفز للكفار على الارعواء قبل الموت.
وقد قال بعض المفسرين :إن الكفار المعنيين هنا هم أهل الكتاب١.
وليس في السياق ما يلهم صحة هذا الاختصاص. والتعبير يتناول كل من وقف موقف الصد والعداء والأذى من المسلمين والدعوة الإسلامية. ولقد ذكرت الآيات الأولى مكن السورة ﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ﴾ وأذنت بإحباط أعمالهم، وأمرت المؤمنين بقتالهم. وروح هذه الآيات تلهم أن المقصودين هم كفار العرب. وما دام الوصف واحدا فيكون المقصودون هنا هم المقصودون هناك.
وفي الآية الأخيرة تقرير أو توكيد جديد لما نبهنا عليه مرة أخرى من أن الحملات القرآنية على الكفار وتقرير عذابهم الأخروي، وكون الله لن يهديهم ولن يصلح بالهم وسيحبط أعمالهم إنما هي بالنسبة لمن يبقى على حاله كافرا صادا عن سبيل الله إلى أن يموت.
١ الطبرسي.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٢: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ ( ٣٢ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ( ٣٣ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ( ٣٤ ) ﴾
عبارة الآيات واضحة واتصالها بالسياق السابق ظاهر. وفيها عود على بدء في الإيذان بأن الله سيحبط مكائد وأعمال الكفار الصادين عن سبيل الله والمشاقين لرسوله برغم ما ظهر لهم من أعلام الهدى، وبأنهم لن يضروا الله شيئا بأعمالهم، وبأنه لن يغفر لمن يموت منهم على حاله هذه، وفيها في الوقت نفسه هتاف بالمؤمنين بإطاعة الله ورسوله، وعدم إبطال ثمرة إيمانهم بالانحراف عن ذلك بأي شكل.
وفي الآيات توطيد لأوامر الله ورسوله وبخاصة في أمر الجهاد الذي كان موضوع الكلام في الفصل السابق. وتحذير للمخلصين من الانحراف وحفز للكفار على الارعواء قبل الموت.
وقد قال بعض المفسرين :إن الكفار المعنيين هنا هم أهل الكتاب١.
وليس في السياق ما يلهم صحة هذا الاختصاص. والتعبير يتناول كل من وقف موقف الصد والعداء والأذى من المسلمين والدعوة الإسلامية. ولقد ذكرت الآيات الأولى مكن السورة ﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ﴾ وأذنت بإحباط أعمالهم، وأمرت المؤمنين بقتالهم. وروح هذه الآيات تلهم أن المقصودين هم كفار العرب. وما دام الوصف واحدا فيكون المقصودون هنا هم المقصودون هناك.
وفي الآية الأخيرة تقرير أو توكيد جديد لما نبهنا عليه مرة أخرى من أن الحملات القرآنية على الكفار وتقرير عذابهم الأخروي، وكون الله لن يهديهم ولن يصلح بالهم وسيحبط أعمالهم إنما هي بالنسبة لمن يبقى على حاله كافرا صادا عن سبيل الله إلى أن يموت.
١ الطبرسي.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٢: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ ( ٣٢ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ( ٣٣ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ( ٣٤ ) ﴾
عبارة الآيات واضحة واتصالها بالسياق السابق ظاهر. وفيها عود على بدء في الإيذان بأن الله سيحبط مكائد وأعمال الكفار الصادين عن سبيل الله والمشاقين لرسوله برغم ما ظهر لهم من أعلام الهدى، وبأنهم لن يضروا الله شيئا بأعمالهم، وبأنه لن يغفر لمن يموت منهم على حاله هذه، وفيها في الوقت نفسه هتاف بالمؤمنين بإطاعة الله ورسوله، وعدم إبطال ثمرة إيمانهم بالانحراف عن ذلك بأي شكل.
وفي الآيات توطيد لأوامر الله ورسوله وبخاصة في أمر الجهاد الذي كان موضوع الكلام في الفصل السابق. وتحذير للمخلصين من الانحراف وحفز للكفار على الارعواء قبل الموت.
وقد قال بعض المفسرين :إن الكفار المعنيين هنا هم أهل الكتاب١.
وليس في السياق ما يلهم صحة هذا الاختصاص. والتعبير يتناول كل من وقف موقف الصد والعداء والأذى من المسلمين والدعوة الإسلامية. ولقد ذكرت الآيات الأولى مكن السورة ﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ﴾ وأذنت بإحباط أعمالهم، وأمرت المؤمنين بقتالهم. وروح هذه الآيات تلهم أن المقصودين هم كفار العرب. وما دام الوصف واحدا فيكون المقصودون هنا هم المقصودون هناك.
وفي الآية الأخيرة تقرير أو توكيد جديد لما نبهنا عليه مرة أخرى من أن الحملات القرآنية على الكفار وتقرير عذابهم الأخروي، وكون الله لن يهديهم ولن يصلح بالهم وسيحبط أعمالهم إنما هي بالنسبة لمن يبقى على حاله كافرا صادا عن سبيل الله إلى أن يموت.
١ الطبرسي.

﴿ فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ٣٥ ﴾
لن يتركم :لن ينقصكم أو لن يحرمكم أو لن يفجعكم فيها.
تعليق على الآية
﴿ فلا تنهوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون... ﴾الخ
لم نطلع على رواية خاصة في مناسبة نزول الآية. والمتبادر أنها استمرار للسياق. ومعطوفة بخاصة على الآيات السابقة لها مباشرة والتي وجه الخطاب فيها إلى المسلمين.
وقد اختلفت التأويلات التي يرويها المفسرون عزوا إلى ابن عباس وعلماء التابعين للفقرة الأولى منها١ فمنهم من قال :إنها تأمر المسلمين بعدم دعوة الكفار إلى الصلح والمسالمة، وتوجب عليهم عدم التهاون في قتالهم إلى أن يسلموا. ومنهم من قال :إنها تأمر المسلمين بذلك في حال تفوقهم وعلوهم على الكفار، ولا تمنعهم من مصالحتهم وموادعتهم إذا كانوا متفوقين عليهم، واستدل على ذلك بصلح النبي لقريش في الحديبية. ومنهم من قال :إنها تأمر بأن لا يضعفوا ويتهاونوا في حرب الكفار ولا يكونوا بادئين في طلب الموادعة والمسالمة.
والذي يتبادر لنا أنها تأمرهم بعدم الضعف والتراخي في الجهاد والجنوح إلى موادعة الكفار المعطلين المشاقين، أو إهمال شأنهم تفاديا من تضحيات الجهاد ونتائجه. وتطمئنهم بأنهم هم الأعلون المفضلون المنصورون وأن الله معهم. ولن يخذلهم ويضيع أعمالهم. ومن كان هذا شأنه فلا يليق به أن يضعف ويتراخى في مكافحة المعتدين الصادين عن سبيل الله. وهذا التأويل هو المتسق مع روح الآيات القرآنية الجهادية العامة، ومع روح الآيات وروح آيات السورة معا مع التنبيه على أنه ليس في الفقرة نهي عن الجنوح إلى السلم إذا جنح لها الأعداء من الكفار وكانوا صادقي الرغبة في الانتهاء من موقف العداء والبغي. وآية سورة الأنفال هذه ﴿ وإذا جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ﴾ ( ٦١ ) مما يؤيد ذلك.
والآية بهذا الشرح الذي نرجو أن يكون هو الصواب تحتوي تلقينا مستمر المدى، سواء أفي تهوين شأن الأعداء، أم في الحث على عدم التهاون معهم والغفلة عنهم أم في حظر بث روح التراخي والضعف في ظروف النضال وواجباته. أم في تلقين كون المسلمين هم الأعلون ؛ لأنهم أولياء الله المجاهدون في سبيل دينه، وأن من واجبهم أن يدركوا وأن يحتفظوا بهذه الكرامة التي كرمهم الله بها وجعلهم أهلا لها بالإضافة إلى ما فيها من وعد الله لهم. بمكافأتهم على أعمالهم مهما كانت النتائج وما يبثه هذا الوعد من ثقة فيهم.
١ انظر تفسيرها في الطبري والنسفي والبغوي والخازن والطبرسي والزمخشري وابن كثير وأكثرهم رووا أكثر من تأويل من التأويلات المذكورة.
﴿ إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ( ٣٦ ) إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ( ٣٧ ) هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ( ٣٨ ) ﴾.
تعليق على الآية
﴿ إنما الحياة الدنيا لعب ولهو... ﴾ الخ والآيتين التاليتين لها
في الآيات خطاب للمسلمين يتضمن :
( ١ ) تقرير كون الحياة لعبا ولهوا ومتاعا وأمدها قصيران زائلان.
( ٢ ) وتقرير كون أجر المسلمين عند الله إذا ما أخلصوا في الإيمان وتقوى الله.
( ٣ ) وتقرير كون الله لا يطلب منهم الخروج عن جميع أموالهم، ولا يلح عليهم في ذلك لأنه يعلم طبيعة البشر إزاء مثل هذا الطلب من شح وضن وتجهم وإعراض، ولا يريد لهم أن تظهر عليهم أعراض تلك الطبيعة. وكل ما في الأمر أنه يسألهم إنفاقا بعضها. وهذا أمر هين كان يجب عليهم أن يفعلوه بدون تردد. ومع ذلك فإن منهم من يبخل به. ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ؛ لأن خطر البخل في هذا المقام عائد عليه. والله تعالى غني عن الناس، والناس فقراء إليه كل حال. والإنفاق الذي يدعوهم إليه إنما هو لمصلحتهم فإذا أعرضوا عن الاستجابة إلى ما يدعون والإخلاص لله، فإن الله لا يعز عليه أن يستبدل بهم قوما آخرين لا يكونون مثلهم في البخل والإعراض وضعف الإخلاص والتقوى. وروح الآيات ومضمونها جعل من المتبادر لنا أن المقصود من جملة ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ أنه لا يسألكم أموالكم جميعها. ونرجو أن يكون هو الصواب.
وأسلوب الآيات قوي رصين موجه إلى العقول والقلوب معا. ومتسق مع أسلوب القرآن في معالجة مثل الأغراض التي استهدفتها معالجة حكيمة متمشية مع طبائع الأشياء.
ولم يرو المفسرون فيما اطلعنا عليه رواية ما في مناسبة نزول الآيات.
والمتبادر أنها استمرار للسياق واستطراد إلى ذكر مسألة الإنفاق ؛ لأن مجاهدة العدو تتطلب ذلك. ولعل ما احتوته الآية السابقة من الأمر بعدم التراخي عن العدو متصل بهذه المسألة حيث كان بعض المسلمين يقصر فيها، فيكون ذلك مظهرا من مظاهر التهاون والتراخي فاقتضت الحكمة الاستطراد إليها.
ويبدو من روحها أن المقصرين في هذه المسألة هم فئة أخرى غير المنافقين. وإذا صح هذا فيكون في الآيات صورة لما كانت تقابل به الدعوة إلى التضحية بالمال في سبيل الله من فتور وتردد من قبل بعض المسلمين الذين هم غير مدموغين بالنفاق، والذين هم في الغالب من المستجدين الذين أسلموا رغبة أو رهبة أو مسايرة للظروف، ثم لم يخامروا ولم ينافقوا. وفي آيات أخرى في سورة البقرة وآل عمران والنساء إشارات إلى مقابلة هذه الفئة الدعوة إلى الجهاد بالنفس بالفتور والتردد أيضا، وفي سورة الصف آيات صريحة في ذلك وهي ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون ٢ كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون٣ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص٤ ﴾ ويلفت النظر إلى أنها خاطبت المخاطبين الذين آمنوا.
وهذه الفئة هي غير الذين وصفهم الله في آية التوبة ( ١٠٠ ) بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وقال عنهم فيها ﴿ رضي الله عنهم ورضوا عنه ﴾ ثم عناهم بوصف الصادقين في آية التوبة هذه ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين١١٩ ﴾.
وما جاء في الآيات في صدد البخل والإنفاق في سبيل الله جدير بالتنويه ؛ من حيث انطوائه على التنبيه على تعظيم أمر الإنفاق في سبيل الله وشدة ضرورته وخطر التقصير فيه. ودلالة ذلك على ضعف إيمان وعقول المقصرين مما أكدته آيات كثيرة مرت أمثلة عديدة منها.
ولعل ما احتوته الفقرة الأولى من وصف للحياة الدنيا وتقرير لكون الإيمان والتقوى هما اللذان يجب أن يتصف بهما المسلم الصادق، وهما اللذان يمكن أن يعودا عليه من هذه الحياة بالنفع والأجر متصل بذلك. وفي كل هذا تلقينات مستمرة المدى كما هو المتبادر. ويلفت النظر بخاصة إلى الإنذار الرهيب المستمر المدى كذلك للمسلمين الذين يسمعون القرآن وقت نزوله وجلهم من العرب إذا هم قصروا وبخلوا في الإنفاق في سبيل الله تعالى ينطوي فيه إنذار بزوالهم أو زوال عزهم واستعلاء غيرهم عليهم.
وواضح من هذا الشرح الذي نرجو أن يكون فيه الصواب :أن ما جاء في الآية الأولى من وصف الحياة إنما هو بسبيل حفز المسلمين على التزام الأفضل والأكرم والأبقى والمؤدي إلى رضاء الله فيها وهو الإيمان والتقوى.
ولقد روى الطبري بطرقه على هامش الآية الأخيرة حديثا عن أبي هريرة قال ( نزلت هذه الآية وسلمان الفارسي إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحك ركبته ركبته فقالوا :يا رسول الله ومن الذين إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا ؟ فضرب فخذ سلمان ثم قال :هذا وقومه ) وقد روى هذا الحديث البغوي أيضا ورواه الترمذي، وهذا نص الترمذي عن أبي هريرة قال ( قال ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :يا رسول الله من هؤلاء الذين ذكر الله إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا ؟ قال :وكان سلمان بجنب النبي فضرب على فخذه وقال :هذا وأصحابه. والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس )١ ومع ذلك فإن الطبري يروي عن شريح ابن عبيد وعبد الرحمان ابن جبير من التابعين أن المقصود بهم أهل اليمن. كما أن البغوي يروي عن الكلبي أنهم كنده والنخع٢ ولقد أورد ابن كثير نص الترمذي وعقب عليه قائلا تفرد به مسلم ابن خالد الزنجي ورواه عنه غير واحد.
وقد تكلم فيه بعض الأئمة رحمة الله عليهم. ولقد أورده كذلك الطبرسي، ثم روى عن أبي عبد الله أحد الأئمة أنه قال في معنى الآية ( إن تتولوا يا معشر العرب يستبدل قوما غيركم يعني الموالي، وقد والله أبدل بهم خيرا منهم الموالي ).
ونحن نتوقف في الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأهل فارس ليسوا الوحيدين الذين دخلوا الإسلام من الأمم الأعجمية، وليسوا الوحيدين الذي صار لهم سلطان في ظل الإسلام على أنقاض السلطان العربي. وهناك من كان أكثر وأقوى وأدوم وأوسع سلطانا وهم الترك. والقول المروي عن الإمام أبي عبد الله يرويه مفسر شيعي. ونحن نخشى أن يكون ذلك متأثرا بما كان من التعاون بين الهاشميين ثم العلويين وأهل فارس في سياق المنافسة على السلطان في القرون الثلاثة الأولى للهجرة ويلحظ أن بعض علماء التابعين قالوا :إن المقصودين هم أهل اليمن الذين لم يكونوا أسلموا بعد حين نزول الآيات، والذين كانوا من أقوى الأركان التي قامت عليها الدول العربية الإسلامية الأولى ؛ حيث قد يفيد هذا أن الحديث المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عند هؤلاء العلماء.
ومن الجدير بالذكر أن الموضوع الجوهري المتصل بأهل فارس الذي جاء في هذا الحديث قد ورد في حديث آخر رواه البخاري ومسلم في سياق تفسير جملة ﴿ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ﴾ من سورة الجمعة على ما أوردناه وعلقنا عليه في سياق تفسير هذه السورة في الجزء السابق. وبصرف النظر عما علقنا به على هذا الحديث في سياق تفسير سورة الجمعة، فإن الفرق مهم في مناسبة الروايتين فضلا عن أن الحديث الوارد في مناسبة آية سورة الجمعة أقوى اعتبارا في مراتب الحديث ؛ حيث نرى في هذا دعما وتصويبا لموقفنا في الحديث المروي في مناسبة آية سورة محمد التي نحن في صددها. والله تعالى أعلم.
١ التاج ج ٤ ص ٢١٠ ت ٢١١.
٢ قبيلتان يمانيتان.
فيحفكم :من الإحفاء وهو الإلحاح والإبرام.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٦: ﴿ إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ( ٣٦ ) إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ( ٣٧ ) هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ( ٣٨ ) ﴾.
تعليق على الآية
﴿ إنما الحياة الدنيا لعب ولهو... ﴾ الخ والآيتين التاليتين لها

في الآيات خطاب للمسلمين يتضمن :

( ١ ) تقرير كون الحياة لعبا ولهوا ومتاعا وأمدها قصيران زائلان.
( ٢ ) وتقرير كون أجر المسلمين عند الله إذا ما أخلصوا في الإيمان وتقوى الله.
( ٣ ) وتقرير كون الله لا يطلب منهم الخروج عن جميع أموالهم، ولا يلح عليهم في ذلك لأنه يعلم طبيعة البشر إزاء مثل هذا الطلب من شح وضن وتجهم وإعراض، ولا يريد لهم أن تظهر عليهم أعراض تلك الطبيعة. وكل ما في الأمر أنه يسألهم إنفاقا بعضها. وهذا أمر هين كان يجب عليهم أن يفعلوه بدون تردد. ومع ذلك فإن منهم من يبخل به. ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ؛ لأن خطر البخل في هذا المقام عائد عليه. والله تعالى غني عن الناس، والناس فقراء إليه كل حال. والإنفاق الذي يدعوهم إليه إنما هو لمصلحتهم فإذا أعرضوا عن الاستجابة إلى ما يدعون والإخلاص لله، فإن الله لا يعز عليه أن يستبدل بهم قوما آخرين لا يكونون مثلهم في البخل والإعراض وضعف الإخلاص والتقوى. وروح الآيات ومضمونها جعل من المتبادر لنا أن المقصود من جملة ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ أنه لا يسألكم أموالكم جميعها. ونرجو أن يكون هو الصواب.
وأسلوب الآيات قوي رصين موجه إلى العقول والقلوب معا. ومتسق مع أسلوب القرآن في معالجة مثل الأغراض التي استهدفتها معالجة حكيمة متمشية مع طبائع الأشياء.
ولم يرو المفسرون فيما اطلعنا عليه رواية ما في مناسبة نزول الآيات.
والمتبادر أنها استمرار للسياق واستطراد إلى ذكر مسألة الإنفاق ؛ لأن مجاهدة العدو تتطلب ذلك. ولعل ما احتوته الآية السابقة من الأمر بعدم التراخي عن العدو متصل بهذه المسألة حيث كان بعض المسلمين يقصر فيها، فيكون ذلك مظهرا من مظاهر التهاون والتراخي فاقتضت الحكمة الاستطراد إليها.
ويبدو من روحها أن المقصرين في هذه المسألة هم فئة أخرى غير المنافقين. وإذا صح هذا فيكون في الآيات صورة لما كانت تقابل به الدعوة إلى التضحية بالمال في سبيل الله من فتور وتردد من قبل بعض المسلمين الذين هم غير مدموغين بالنفاق، والذين هم في الغالب من المستجدين الذين أسلموا رغبة أو رهبة أو مسايرة للظروف، ثم لم يخامروا ولم ينافقوا. وفي آيات أخرى في سورة البقرة وآل عمران والنساء إشارات إلى مقابلة هذه الفئة الدعوة إلى الجهاد بالنفس بالفتور والتردد أيضا، وفي سورة الصف آيات صريحة في ذلك وهي ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون ٢ كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون٣ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص٤ ﴾ ويلفت النظر إلى أنها خاطبت المخاطبين الذين آمنوا.
وهذه الفئة هي غير الذين وصفهم الله في آية التوبة ( ١٠٠ ) بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وقال عنهم فيها ﴿ رضي الله عنهم ورضوا عنه ﴾ ثم عناهم بوصف الصادقين في آية التوبة هذه ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين١١٩ ﴾.
وما جاء في الآيات في صدد البخل والإنفاق في سبيل الله جدير بالتنويه ؛ من حيث انطوائه على التنبيه على تعظيم أمر الإنفاق في سبيل الله وشدة ضرورته وخطر التقصير فيه. ودلالة ذلك على ضعف إيمان وعقول المقصرين مما أكدته آيات كثيرة مرت أمثلة عديدة منها.
ولعل ما احتوته الفقرة الأولى من وصف للحياة الدنيا وتقرير لكون الإيمان والتقوى هما اللذان يجب أن يتصف بهما المسلم الصادق، وهما اللذان يمكن أن يعودا عليه من هذه الحياة بالنفع والأجر متصل بذلك. وفي كل هذا تلقينات مستمرة المدى كما هو المتبادر. ويلفت النظر بخاصة إلى الإنذار الرهيب المستمر المدى كذلك للمسلمين الذين يسمعون القرآن وقت نزوله وجلهم من العرب إذا هم قصروا وبخلوا في الإنفاق في سبيل الله تعالى ينطوي فيه إنذار بزوالهم أو زوال عزهم واستعلاء غيرهم عليهم.
وواضح من هذا الشرح الذي نرجو أن يكون فيه الصواب :أن ما جاء في الآية الأولى من وصف الحياة إنما هو بسبيل حفز المسلمين على التزام الأفضل والأكرم والأبقى والمؤدي إلى رضاء الله فيها وهو الإيمان والتقوى.
ولقد روى الطبري بطرقه على هامش الآية الأخيرة حديثا عن أبي هريرة قال ( نزلت هذه الآية وسلمان الفارسي إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحك ركبته ركبته فقالوا :يا رسول الله ومن الذين إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا ؟ فضرب فخذ سلمان ثم قال :هذا وقومه ) وقد روى هذا الحديث البغوي أيضا ورواه الترمذي، وهذا نص الترمذي عن أبي هريرة قال ( قال ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :يا رسول الله من هؤلاء الذين ذكر الله إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا ؟ قال :وكان سلمان بجنب النبي فضرب على فخذه وقال :هذا وأصحابه. والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس )١ ومع ذلك فإن الطبري يروي عن شريح ابن عبيد وعبد الرحمان ابن جبير من التابعين أن المقصود بهم أهل اليمن. كما أن البغوي يروي عن الكلبي أنهم كنده والنخع٢ ولقد أورد ابن كثير نص الترمذي وعقب عليه قائلا تفرد به مسلم ابن خالد الزنجي ورواه عنه غير واحد.
وقد تكلم فيه بعض الأئمة رحمة الله عليهم. ولقد أورده كذلك الطبرسي، ثم روى عن أبي عبد الله أحد الأئمة أنه قال في معنى الآية ( إن تتولوا يا معشر العرب يستبدل قوما غيركم يعني الموالي، وقد والله أبدل بهم خيرا منهم الموالي ).
ونحن نتوقف في الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأهل فارس ليسوا الوحيدين الذين دخلوا الإسلام من الأمم الأعجمية، وليسوا الوحيدين الذي صار لهم سلطان في ظل الإسلام على أنقاض السلطان العربي. وهناك من كان أكثر وأقوى وأدوم وأوسع سلطانا وهم الترك. والقول المروي عن الإمام أبي عبد الله يرويه مفسر شيعي. ونحن نخشى أن يكون ذلك متأثرا بما كان من التعاون بين الهاشميين ثم العلويين وأهل فارس في سياق المنافسة على السلطان في القرون الثلاثة الأولى للهجرة ويلحظ أن بعض علماء التابعين قالوا :إن المقصودين هم أهل اليمن الذين لم يكونوا أسلموا بعد حين نزول الآيات، والذين كانوا من أقوى الأركان التي قامت عليها الدول العربية الإسلامية الأولى ؛ حيث قد يفيد هذا أن الحديث المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عند هؤلاء العلماء.
ومن الجدير بالذكر أن الموضوع الجوهري المتصل بأهل فارس الذي جاء في هذا الحديث قد ورد في حديث آخر رواه البخاري ومسلم في سياق تفسير جملة ﴿ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ﴾ من سورة الجمعة على ما أوردناه وعلقنا عليه في سياق تفسير هذه السورة في الجزء السابق. وبصرف النظر عما علقنا به على هذا الحديث في سياق تفسير سورة الجمعة، فإن الفرق مهم في مناسبة الروايتين فضلا عن أن الحديث الوارد في مناسبة آية سورة الجمعة أقوى اعتبارا في مراتب الحديث ؛ حيث نرى في هذا دعما وتصويبا لموقفنا في الحديث المروي في مناسبة آية سورة محمد التي نحن في صددها. والله تعالى أعلم.
١ التاج ج ٤ ص ٢١٠ ت ٢١١.
٢ قبيلتان يمانيتان.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٦: ﴿ إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ( ٣٦ ) إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ( ٣٧ ) هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ( ٣٨ ) ﴾.
تعليق على الآية
﴿ إنما الحياة الدنيا لعب ولهو... ﴾ الخ والآيتين التاليتين لها

في الآيات خطاب للمسلمين يتضمن :

( ١ ) تقرير كون الحياة لعبا ولهوا ومتاعا وأمدها قصيران زائلان.
( ٢ ) وتقرير كون أجر المسلمين عند الله إذا ما أخلصوا في الإيمان وتقوى الله.
( ٣ ) وتقرير كون الله لا يطلب منهم الخروج عن جميع أموالهم، ولا يلح عليهم في ذلك لأنه يعلم طبيعة البشر إزاء مثل هذا الطلب من شح وضن وتجهم وإعراض، ولا يريد لهم أن تظهر عليهم أعراض تلك الطبيعة. وكل ما في الأمر أنه يسألهم إنفاقا بعضها. وهذا أمر هين كان يجب عليهم أن يفعلوه بدون تردد. ومع ذلك فإن منهم من يبخل به. ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ؛ لأن خطر البخل في هذا المقام عائد عليه. والله تعالى غني عن الناس، والناس فقراء إليه كل حال. والإنفاق الذي يدعوهم إليه إنما هو لمصلحتهم فإذا أعرضوا عن الاستجابة إلى ما يدعون والإخلاص لله، فإن الله لا يعز عليه أن يستبدل بهم قوما آخرين لا يكونون مثلهم في البخل والإعراض وضعف الإخلاص والتقوى. وروح الآيات ومضمونها جعل من المتبادر لنا أن المقصود من جملة ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ أنه لا يسألكم أموالكم جميعها. ونرجو أن يكون هو الصواب.
وأسلوب الآيات قوي رصين موجه إلى العقول والقلوب معا. ومتسق مع أسلوب القرآن في معالجة مثل الأغراض التي استهدفتها معالجة حكيمة متمشية مع طبائع الأشياء.
ولم يرو المفسرون فيما اطلعنا عليه رواية ما في مناسبة نزول الآيات.
والمتبادر أنها استمرار للسياق واستطراد إلى ذكر مسألة الإنفاق ؛ لأن مجاهدة العدو تتطلب ذلك. ولعل ما احتوته الآية السابقة من الأمر بعدم التراخي عن العدو متصل بهذه المسألة حيث كان بعض المسلمين يقصر فيها، فيكون ذلك مظهرا من مظاهر التهاون والتراخي فاقتضت الحكمة الاستطراد إليها.
ويبدو من روحها أن المقصرين في هذه المسألة هم فئة أخرى غير المنافقين. وإذا صح هذا فيكون في الآيات صورة لما كانت تقابل به الدعوة إلى التضحية بالمال في سبيل الله من فتور وتردد من قبل بعض المسلمين الذين هم غير مدموغين بالنفاق، والذين هم في الغالب من المستجدين الذين أسلموا رغبة أو رهبة أو مسايرة للظروف، ثم لم يخامروا ولم ينافقوا. وفي آيات أخرى في سورة البقرة وآل عمران والنساء إشارات إلى مقابلة هذه الفئة الدعوة إلى الجهاد بالنفس بالفتور والتردد أيضا، وفي سورة الصف آيات صريحة في ذلك وهي ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون ٢ كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون٣ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص٤ ﴾ ويلفت النظر إلى أنها خاطبت المخاطبين الذين آمنوا.
وهذه الفئة هي غير الذين وصفهم الله في آية التوبة ( ١٠٠ ) بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وقال عنهم فيها ﴿ رضي الله عنهم ورضوا عنه ﴾ ثم عناهم بوصف الصادقين في آية التوبة هذه ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين١١٩ ﴾.
وما جاء في الآيات في صدد البخل والإنفاق في سبيل الله جدير بالتنويه ؛ من حيث انطوائه على التنبيه على تعظيم أمر الإنفاق في سبيل الله وشدة ضرورته وخطر التقصير فيه. ودلالة ذلك على ضعف إيمان وعقول المقصرين مما أكدته آيات كثيرة مرت أمثلة عديدة منها.
ولعل ما احتوته الفقرة الأولى من وصف للحياة الدنيا وتقرير لكون الإيمان والتقوى هما اللذان يجب أن يتصف بهما المسلم الصادق، وهما اللذان يمكن أن يعودا عليه من هذه الحياة بالنفع والأجر متصل بذلك. وفي كل هذا تلقينات مستمرة المدى كما هو المتبادر. ويلفت النظر بخاصة إلى الإنذار الرهيب المستمر المدى كذلك للمسلمين الذين يسمعون القرآن وقت نزوله وجلهم من العرب إذا هم قصروا وبخلوا في الإنفاق في سبيل الله تعالى ينطوي فيه إنذار بزوالهم أو زوال عزهم واستعلاء غيرهم عليهم.
وواضح من هذا الشرح الذي نرجو أن يكون فيه الصواب :أن ما جاء في الآية الأولى من وصف الحياة إنما هو بسبيل حفز المسلمين على التزام الأفضل والأكرم والأبقى والمؤدي إلى رضاء الله فيها وهو الإيمان والتقوى.
ولقد روى الطبري بطرقه على هامش الآية الأخيرة حديثا عن أبي هريرة قال ( نزلت هذه الآية وسلمان الفارسي إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحك ركبته ركبته فقالوا :يا رسول الله ومن الذين إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا ؟ فضرب فخذ سلمان ثم قال :هذا وقومه ) وقد روى هذا الحديث البغوي أيضا ورواه الترمذي، وهذا نص الترمذي عن أبي هريرة قال ( قال ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :يا رسول الله من هؤلاء الذين ذكر الله إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا ؟ قال :وكان سلمان بجنب النبي فضرب على فخذه وقال :هذا وأصحابه. والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس )١ ومع ذلك فإن الطبري يروي عن شريح ابن عبيد وعبد الرحمان ابن جبير من التابعين أن المقصود بهم أهل اليمن. كما أن البغوي يروي عن الكلبي أنهم كنده والنخع٢ ولقد أورد ابن كثير نص الترمذي وعقب عليه قائلا تفرد به مسلم ابن خالد الزنجي ورواه عنه غير واحد.
وقد تكلم فيه بعض الأئمة رحمة الله عليهم. ولقد أورده كذلك الطبرسي، ثم روى عن أبي عبد الله أحد الأئمة أنه قال في معنى الآية ( إن تتولوا يا معشر العرب يستبدل قوما غيركم يعني الموالي، وقد والله أبدل بهم خيرا منهم الموالي ).
ونحن نتوقف في الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأهل فارس ليسوا الوحيدين الذين دخلوا الإسلام من الأمم الأعجمية، وليسوا الوحيدين الذي صار لهم سلطان في ظل الإسلام على أنقاض السلطان العربي. وهناك من كان أكثر وأقوى وأدوم وأوسع سلطانا وهم الترك. والقول المروي عن الإمام أبي عبد الله يرويه مفسر شيعي. ونحن نخشى أن يكون ذلك متأثرا بما كان من التعاون بين الهاشميين ثم العلويين وأهل فارس في سياق المنافسة على السلطان في القرون الثلاثة الأولى للهجرة ويلحظ أن بعض علماء التابعين قالوا :إن المقصودين هم أهل اليمن الذين لم يكونوا أسلموا بعد حين نزول الآيات، والذين كانوا من أقوى الأركان التي قامت عليها الدول العربية الإسلامية الأولى ؛ حيث قد يفيد هذا أن الحديث المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عند هؤلاء العلماء.
ومن الجدير بالذكر أن الموضوع الجوهري المتصل بأهل فارس الذي جاء في هذا الحديث قد ورد في حديث آخر رواه البخاري ومسلم في سياق تفسير جملة ﴿ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ﴾ من سورة الجمعة على ما أوردناه وعلقنا عليه في سياق تفسير هذه السورة في الجزء السابق. وبصرف النظر عما علقنا به على هذا الحديث في سياق تفسير سورة الجمعة، فإن الفرق مهم في مناسبة الروايتين فضلا عن أن الحديث الوارد في مناسبة آية سورة الجمعة أقوى اعتبارا في مراتب الحديث ؛ حيث نرى في هذا دعما وتصويبا لموقفنا في الحديث المروي في مناسبة آية سورة محمد التي نحن في صددها. والله تعالى أعلم.
١ التاج ج ٤ ص ٢١٠ ت ٢١١.
٢ قبيلتان يمانيتان.

السورة التالية
Icon