0:00
0:00

بيان إجمالي للسورة
هذه السورة مدنية، وآياتها تسع وثلاثون آية. وهي فيها من عظيم الأحكام والأخبار والواعظ ما فيه مزدجر وذكرى لأولى الطبائع السليمة. فضلا عن حلاوة النغم الذي يتجلى في حرف الميم من خواتيم الآيات في هذه السورة. لا جرم أن هذا الجرس الموحي ينشر في أطواء النفس ظلالا من نسائم شتى من البهجة والرهبة والإدّكار.
على أن السورة مبدوءة بالإشارة إلى حبوط الأعمال للكافرين، وإن صلحت أو كثرت فإنه ما من عمل من الصالحات يأتيه كافر إلا كان صائرا إلى البطلان والحبوط. بخلاف المؤمن فإنه يجزى بعمله خير الجزاء. وتتضمن السورة تحريضا للمؤمنين على قتال الكافرين في ساحات الجهاد ليثخنوا فيهم القتل وليشدوا فيهم وثاق الأسارى منهم. ولهم بعد ذلك الخيار في المن أو المفاداة أو القتل، تبعا لما يقتضيه مصلحة الإسلام والمسلمين.
وفي السورة وصف للجنة ونعيمها الدائم، فإن فيها من الخيرات والطيبات ومحاسن العيش الراغد ما تعجز عن تصوره أذهان البشر ويعز على القلم أن يصفها. وفي مقابلة ذلك عذاب جهنم وما فيها من شديد الويلات وعظائم الأمور. وتتضمن السورة كذلك كشفا لحقيقة المنافقين الذين فسدت فيهم الأرواح والطبائع وتبلدت فيهم الضمائر والقلوب فما يستمرئون بعد ذلك الخداع والغش والتحيّل. إلى غير ذلك من الحقائق والأفكار والأخبار والمواعظ والتحذير.

بسم الله الرحمان الرحيم
﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم١ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ٢ ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ﴾.
يبين الله في ذلك أن الكافرين لا قيمة ولا وزن لأعمالهم وإن كانت في الخير، فإنهم مع كفرهم وتكذيبهم بدين الله وبعقيدة التوحيد، وإنكارهم لليوم الآخر لن يتقبل الله منهم عملا فما جزاؤهم عقب ذلك كله إلا النار. وهو قوله : ﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم ﴾ والمراد بذلك عموم الكافرين الذين يصدون الناس عن دين الله وهو الإسلام، ويكرّهون إلى البشرية عقيدة التوحيد، ومنهج الحق ليجتنبوه اجتنابا، ولينحرفوا عنه أيما انحراف. أولئك الأشقياء المضلون عن سبيل الله وهو الإسلام ﴿ أضل أعمالهم ﴾ أي جعل الله أعمالهم ضلالا وضياعا فلا وزن لها ولا اعتبار. وهي بذلك هباء منثورا ليس لها في ميزان الله أيما قيمة ولو بمثقال قطمير، لأن شرط القبول معدوم من أعمالهم وهو الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر والتصديق الكامل بمنهج الله وهو الإسلام. فما يعلمه المرء في كفره أو نفاقه من وجوه الأعمال النافعة كصلة الأرحام وإطعام الجياع والأضياف والمحاويج وبناء الدور لأهل الحاجة وغير ذلك من وجوه الخير والمعروف، كل ذلك ليس له عند الله أيما وزن أو اعتبار.
وقيل :أبطل الله كيد الكافرين الذين يمكرون بالإسلام والمسلمين، وجعل الدائرة عليهم.
قوله : ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيآتهم ﴾ وذلك في مقابلة الكافرين الذين أضل الله أعمالهم وجعلها هباء منثورا. فههنا المؤمنون الذين يعملون الصالحات من الأعمال على اختلافها وكثرتها، وهم مصدقون موقنون بما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القرآن. وقد خص هذا بالذكر مع اندراجه تحت مطلق الإيمان المذكور تنبيها على شرفه وعظيم منزلته وفضله ﴿ وهو الحق من ربهم ﴾ أي القرآن، فإنه حق منزل من عند الله هداية للناس، ودليلا يستضيئون به في حياتهم.
قوله : ﴿ كفر عنهم سيئاتهم ﴾ أي محا الله عنهم ما كانوا يفعلونه من السيئات ﴿ وأصلح بالهم ﴾ أي أصلح الله شأنهم وحالهم في الدنيا والآخرة. والبال، معناه القلب. يقال :ما يخطر فلان ببالي. والبال، رخاء النفس. يقال :فلان رخي البال. والبال، الحال. يقال :ما بالك ؟ ١.
١ مختار الصحاح ص ٦٩..
قوله : ﴿ ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ﴾ اسم الإشارة ﴿ ذلك ﴾ عائد إلى ما فعله الله بالكافرين من إضلال أعمالهم، وما فعله بالمؤمنين من تكفير سيئاتهم. وسبب ذلك أن الكافرين اتبعوا الشرك والضلال والباطل، وأن المؤمنين اتبعوا عقيدة التوحيد ومنهج الله وهو الإسلام.
قوله : ﴿ كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ﴾ الكاف، في موضع نصب صفة لمصدر محذوف، أي مثل ذلك الضرب أو التبيين يبين الله للناس أمثالهم. أي أمثال الكافرين وما فعلوه من الشرك والسيئات، وأمثال المؤمنين وما فعلوه من الصالحات والحسنات، وما فعله الله بكل من الفريقين١.
١ تفسير القرطبي جـ ١٦ ص٢٢٣، ٢٢٤ وتفسير الرازي جـ ٢٨ ص ٣٨-٤٠..
قوله تعالى : ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ٤ سيهديهم ويصلح بالهم ٥ ويدخلهم الجنة عرّفها لهم ٦ ياأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ٧ والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم ٨ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ﴾.
ذلك تحريض من الله للمؤمنين على قتال الكافرين الذين يحادون الله ورسوله ويستنكفون عن طاعة ربهم واتباع منهجه القويم. أولئك الذين يصدون عن دين الله ويريدون للبشرية أن تضل السبيل وتزيغ عن منهج الله الحق فتمضي في طريق الشر والباطل، طريق الشيطان. على أن قتال الكافرين يكون عقب دعوتهم إلى دين الله بالتي هي أحسن وعقب الكشف لهم عن جمال الإسلام وما بني عليه عليه من قواعد الحق والعدل والرحمة، ترغيبا لهم فيه. وإنما يكون ذلك بالحكمة واللين والبرهان، فإن آمنوا واهتدوا فهم إخوة في العقيدة والملة، وإن أبوا واستكبروا وجنحوا للشر والعدوان والتخريب والإفساد في الأرض فلا مناص حينئذ من دفع شرورهم ومكائدهم ومفاسدهم عن البشرية ولا يتحقق ذلك بغير العنف والشدة. وهو قوله : ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ﴾ ( ضرب ) منصوب على أنه مصدر. وتقديره فاضربوا ضرب الرقاب١. واختلفوا في المراد بالذين كفروا الذين أمر بضرب رقابهم، فقيل :المراد بهم المشركون عبدة الأوثان، أولئك التائهون، الموغلون في العماية والحماقة وتبلد الأذهان. وقيل :المراد بهم كل من خالف دين الله وهو الإسلام من مشرك أو كتابي إذا لم يكن صاحب عهد أو ذمة، فهو كل مشرك غير معاهد ولا ذمي. والمعنى :إذا لقيتم المشركين من غير أولي العهد أو الذمة فاضربوا رقابهم. وخص الرقاب بالذكر على سبيل الغلظة والشدة. قوله : ﴿ حتى إذا أثخنتموهم ﴾ من الإثخان وهو المبالغة في الجراحة. وأثخنتموهم أي غلبتموهم وأكثرتم فيهم الجراح٢ والمعنى المقصود :إذ أكثرتم في المشركين القتل ﴿ فشدوا الوثاق ﴾ ﴿ الوثاق ﴾ بالفتح والكسر :ما يشد به، أوثقه ووثقه توثيقا، يعني أحكمه بما يوثق به كالرباط ٣ أي إذا أسرتم من لم يقتل منهم فأحكموا رباطه كيلا يهرب.
قوله : ﴿ فإما منا بعد وإما فداء ﴾ ﴿ منا ﴾ و ﴿ فداء ﴾ منصوبان على المصدر. يعني :إما أن تمنوا على هؤلاء الأسارى بإطلاقهم من غير فدية، وإما أن تفادوهم فداء، أي إطلاقهم في مقابل مال يؤدونه إلى دولة الإسلام. على أن الآية محكمة. وهو قول أكثر المفسرين والعلماء. وهو مروي عن ابن عباس. وهو مذهب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وغيرهم. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الإمام مخير بين المن على الأسارى، ومفاداتهم فقط. وليس له أن يقتلهم استنادا إلى ظاهر الآية. وقال آخرون :بل له أن يقتل الأسير إن وجد في ذلك مصلحة للمسلمين، بإضعاف المشركين وتبديد شوكتهم، أو كان الأسير واحدا من الأشقياء الموغلين في الإجرام والإفساد وإيذاء المسلمين، فقد قتل النبي صلى الله عليه وسلم النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط من أسارى بدر.
وذهب الإمام الشافعي إلى أن الإمام مخير بين قتل الأسير أو المن عليه أو مفاداته أو استرقاقه.
قوله : ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ اختلفوا في تأويل ذلك. فقد قيل :حتى يظهر الإسلام على الدين كله. وقيل :حتى يضع المشركون المحاربون أوزارهم. والمراد بالأوزار ههنا السلاح والكراع وأسباب القتال، أي يضعوا سلاحهم على سبيل الهزيمة أو الموادعة.
قوله : ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ ﴿ ذلك ﴾ في موضع رفع، لأنه خبر لمبتدأ محذوف. وتقديره :الأمر كذلك٤ والمعنى :هذا الذي أمرتكم به هو حكم الله في المشركين من حيث إلزامكم قتالهم وأسرهم أو المن عليهم ومفاداتهم. ولو أراد الله لأهلكهم بغير قتال فكفاكم قتالهم ﴿ ولكن ليبلوا بعضكم ببعض ﴾ أي أمركم الله بقتال الكافرين وجهادهم ليمتحن بعضكم ببعض فيستبين المجاهدون والصابرون من القاعدين المتخاذلين، وليكون عقاب الكافرين في هذه العاجلة على أيديكم.
قوله : ﴿ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ﴾ أي أن الذين يقتلون في سبيل الله له يضيّع الله أجرهم بل إن جزاءهم يكبر ويضاعف طيلة لبثه في البرزخ.
١ البيان لابن الأنباري جـ ٢ ص ٣٧٤..
٢ القاموس المحيط جـ ٤ ص ٢٠٨..
٣ القاموس المحيط جـ ٣ ص ٢٩٧..
٤ البيان لابن النباري جـ ٢ ص ٣٧٤..
قوله : ﴿ سيهديهم ويصلح بالهم ﴾ أي سيرشدهم الله يوم القيامة إلى طريق الجنة ﴿ ويصلح بالهم ﴾ يصلح أمرهم وحالهم فيكون ذلك في غاية السعادة والبهجة والرضوان.
قوله : ﴿ ويدخلهم الجنة عرّفها لهم ﴾ إذا دخل المؤمنون الجنة يقال لهم :تفرقوا إلى منازلكم فيهتدون إلى بيوتهم ومساكنهم فلا يخطئونها كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلون أحدا عليها. وقد ورد في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري ( رضي الله عنه ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار يتقاصّون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا ".
قوله : ﴿ ياأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ﴾ يعني إن تنصروا دين الله بجهادكم في سبيله وذبّكم عن شرفه وكرامته، وقتالكم الظالمين والمتربصين من العداء دفعا لأذاهم وكيدهم عن الإسلام والمسلمين، فإن الله ينصركم على أعدائكم بقهرهم وإذلالهم وإظهاركم عليهم ﴿ ويثبت أقدامكم ﴾ تثبيت الأقدام يحتمل عدة معان، منها :أنه يثبت قلوبكم عند القتال :يثبتكم على الصراط يوم القيامة. وقيل :يثبت قلوبكم بالأمن والسكينة.
قوله : ﴿ والذين كفروا فتعسا لهم ﴾ ( تعسا ) منصوب على المصدر. وتقديره :تعسهم تعسا. ويقال :أتعسهم إتعاسا، والأظهر النصب١ والتعس معناه الهلاك. يقال :أتعسه الله. وتعسا لفلان، أي ألزمه الله هلاكا ٢ وهو في معنى الدعاء، أي أتعسهم الله، أو خزيا لهم وشقاء ﴿ وأضل أعمالهم ﴾ أي أحبطها وأبطلها.
١ البيان لابن الأنباري جـ ٢ ص ٣٧٤..
٢ مختار الصحاح ص ٧٧..
قوله : ﴿ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ﴾ يعني هذا الذي فعلنا بهم من الإتعاس، وإضلال الأعمال ( إبطالها ) إنما سببه أنهم كرهوا كلام الله وهو القرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم فجحدوه وتمالأوا على تكذيبه وإشاعة الشكوك من حوله ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ أي أبطلها، فإن سائر أعمال الكافرين لا وزن لها عند الله فهي صائرة إلى الحبوط والبطلان. ١.
١ تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ١٧٣، ١٧٤ وفتح القدير جـ ٥ ص ٣٠، ٣١ وأحكام القرآن لابن العربي جـ ٤ ص ١٦٨٩ وأحكام القرآن للجصاص جـ ٥ ص ٢٧٠..
قوله تعالى : ﴿ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها ١٠ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ١١ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم ١٢ وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم ﴾.
يحذر الله الكافرين شديد بطشه وانتقامه وأن يحل بهم من العذاب ما حل بالظالمين من قبلهم. والمعنى :ألم يسر هؤلاء المشركون المكذبون في أرض الكافرين الغابرين الذين سبقوهم كعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم لكي يتعظوا ويعتبروا ﴿ فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ﴾ أي فينظروا ما حل بالذين كفروا من قبلهم من العقاب، فإن آثار العقاب والتدمير في ديارهم باقية ومنظورة. ثم بين الله ما حل بأولئك فقال : ﴿ دمر الله عليهم ﴾ أي أهلكهم الله ودمر عليهم منازلهم تدميرا واستأصلهم بقطع دابرهم ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ ذلك وعيد من الله لهؤلاء المشركين وهم كفار مكة. فقد توعدهم الله بمثل ما حل بالكافرين السابقين من البلاء إن لم يؤمنوا.
قوله : ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ أي فعلنا بالمؤمنين ذلك النصر والتثبيت، لأن الله ناصرهم ومؤيدهم وكذلك فعلنا بأولئك الكافرين من الاستئصال والتدمير، لأن الله خاذلهم، ولأنهم لا ينصرهم من الله أحد. وقيل :نزلت يوم أحد والنبي صلى الله عليه وسلم في الشعب إذ صاح المشركون :يوم بيوم بدر، لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " قولوا الله مولانا ولا مولى لكم ".
قوله : ﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ ذلك وعد من الله لعباده المؤمنين الذين يطيعون ربهم فيأتمرون بأوامره ويلتزمون شرعه وأحكام دينه، أن يجزيهم خير الجزاء وهي الجنة بخيراتها وبركاتها وأنهارها السائحة المناسبة تحت قصورها ومن بين أشجارها.
قوله : ﴿ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴾ الكافرون لا همة لهم ولا بغية إلا اللذات والشهوات والاستمتاع بالطيبات وجمع الأموال والثروات بعضها فوق بعض، فهم لا يعبأون بغير الحياة الدنيا وزينتها وأثاثها ورياشها وإطالة المقام فيها، فهم بذلك لاهون تمام اللهو عما وراء ذلك من حساب يوم القيامة حيث الأهوال والأفزاع وعظائم الأمور. وشأن الكافرين في ذلك كله شأن الأنعام التي لا تعي ولا تعقل، فهي إنما يهمها الأكل والشرب والاعتلاف والنزو. وبقدر ما يتزود المؤمنون من زاد العقيدة والتقوى والإعداد ليوم الحساب، فإن الكافرين لا تنشغل قلوبهم وعقولهم إلا في لذة البطون والفروج والاستمتاع بكثرة الأموال المركومة، والمباني المنيفة، والمراكب الفارهة الفاخرة. فمثلهم في ذلك مثل الأنعام التي تأكل وتشرب وترتع حتى تساق إلى الذبح أو الهلاك. وكذا الكافرون يأكلون ويتمتعون حتى يصيرون إلى حطام القبور.
قوله : ﴿ وكأين من قرية هي أشد من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم ﴾ يعني، وكم من أهل قرية يا محمد ﴿ أشد قوة من قريتك التي أخرجتك ﴾ أي أهلها أشد بأسا وأكثر جمعا وعددا من أهل قريتك وهي مكة التي أخرجك أهلها، وقد روي عن ابن عباس – رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة إلى الغار وأتاه، فالتفت إلى مكة وقال : " أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأنت أحب بلاد الله إلي، ولولا أن المشركين أخرجوني لم أخرج منك " فأنزل الله الآية.
قوله : ﴿ أهلكناهم فلا ناصر لهم ﴾ وذلك تهديد من الله يتوعد به المشركين الذين أخرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من بلده مكة، فلئن أهلك الله الأمم الظالمة السابقة بكفرهم وتكذيبهم رسلهم وقد كانوا أشد قوة من مشركي مكة هؤلاء، فما ظن المشركين من أهل مكة أن يفعل الله بهم في الدنيا من العذاب ؟ وإذا أتاهم بأس الله وانتقامه فليس لهم من دون الله حينئذ أيما نصير أو مجير١.
١ تفسير الرازي جـ ٢٨ ص ٥٠ وتفسير ابن كثير جـ ٤ ص ١٧٥وتفسير الطبري جـ ٢٦ ص ٣٠، ٣١..
قوله تعالى : ﴿ أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهوآءهم ١٤ مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء جميعا فقطع أمعاءهم ﴾.
يميز الله في هذه الآيات بين أهل الحق وأهل الباطل، فالأولون ضالون، تائهون موغلون في الفسق والعصيان، والآخرون مهتدون ساربون على صراط الله المستقيم. فقال سبحانه ﴿ أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهوآءهم ﴾ الهمزة للإنكار، والفاء للعطف على مقدر. والبينة بمعنى البرهان والحجة. والمعنى :لايستوي من كان على بصيرة ويقين من أمر الله وأمر دينه القويم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن زين له سوء عمله وهي عبادة الأصنام وفعل المنكرات والمعاصي وهو أبو جهل، والذين هم على شاكلته من المشركين المكذبين، فإن الفريقين لا يستويان. لا يستوي أهل الحق والهدى، وأهل الباطل والضلال الذين لا يتبعون غير أهوائهم وضلالاتهم وشهواتهم.
قوله : ﴿ مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن ﴾ ﴿ مثل الجنة ﴾ مبتدأ و خبره محذوف. و ﴿ مثل الجنة ﴾ يعني وصفها، وهي التي وعدها الله المتقين، وهم المؤمنون الذين يجتنبون المعاصي والآثام وما يسخط الله، ويفعلون الطاعات والصالحات وما أمرهم به ربهم. لقد أنعم الله على هؤلاء المؤمنين المتقين بالجنة بوصفها العظيم، فهي ﴿ فيها أنهر من ماء غير آسن ﴾ والآسن، المتغير الرائحة١ والأنهار من الماء النقي العذب عظيمة المنافع، عظيمة البهاء والجمال بمنظرها الساحر المثير، وصورتها المشرقة الخلابة.
قوله : ﴿ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ﴾ لأنه من لبن الجنة بمذاقه الممتع وطعمه اللذيذ الذي لا يتغير ولا يأتي عليه فساد أو نتن، كلبن الدنيا. فما في الجنة من خيرات وثمرات وطعوم لهو أكمل وأطيب وأنفع.
قوله : ﴿ وأنهار من خمر لذة للشاربين ﴾ ﴿ لذة ﴾ ولذيذه بمعنى٢، فقد وصف خمر الجنة بأنها لذيذة الطعم، طيبة الشرب، يلتذ بها الشاربون المنعمون في الجنة. وهي ليست كخمر الدنيا التي تستر العقول وتفسد الأعصاب، وتفضي إلى الأمراض والأسقام البدنية والنفسية الكثيرة.
قوله : ﴿ وأنهار من عسل مصفى ﴾ العسل، هو لعاب النحل. وهو شراب نافع وشهي وعظيم الفوائد، وفيه شفاء للناس. وهو في الجنة مصفى، أي نقي مما يخالطه من الشمع والقذى والكدر.
قوله تعالى : ﴿ ولهم فيها من كل الثمرات ﴾ أي خولهم الله في الجنة كل ما يشتهون من الثمرات على اختلاف أنواعها وألوانها وأشكالها وطعومها ﴿ ومغفرة من ربهم ﴾ فوق ما أنعم الله به على عباده المتقين من عظيم الخيرات وألوان النعيم في الجنة، قد غفر لهم ذنوبهم وسيئاتهم، إذ عفا عنهم وتجاوز لهم عن خطاياهم عقب توبتهم وإنابتهم إلى ربهم.
قوله : ﴿ كمن هو خالد في النار ﴾ يعني، أفمن هو في الجنة يتنعم في طيباتها وخيراتها ومباهجها، كمن هو صال النار خالدا في جحيمها ولظالها ﴿ وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ﴾ أي سقي هؤلاء المعذبون المخلدون في النار ماء حارا شديد الغليان فقطع أمعاءهم إذا شربوه من شدة حرارته٣.
١ القاموس المحيط جـ ٤ ص ١٩٨..
٢ مختار الصحاح ص ٢٩٦..
٣ تفسير الرازي جـ ٢٨ ص ٥٢- ٥٥ وتفسير القرطبي جـ١٦ ص ٢٣٦، ٢٣٧.
قوله تعالى : ﴿ ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم ١٦ والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ١٧ فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ١٨ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم ﴾.
ذلك إخبار من الله، يبين فيه حقيقة المنافقين وما هم عليه من بلادة الضمير، وصقاقة الحس، وكزازة الطبع. أولئك صنف من البشر ماكر ومراوغ وبور، لا خير فيه، فلا يعطف قلبه وعظ أو تذكير ولا يثني سماعه للقرآن عن لجوجه في الجحود والتكذيب والخداع.
فقال سبحانه : ﴿ ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ﴾ والمراد بهم المنافقون كعبد الله بن أبي ابن سلول وأمثاله، فقد ذكر أنهم كانوا يحضرون الخطبة يوم الجمعة فإذا سمعوا ذكر المنافقين فيها أعرضوا عنه، فإذا خرجوا سألوا عنه. وقيل :كانوا يحضرون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين فيستمعون منه ما يقول فيعيه المؤمن ولا يعيه الكافر.
قوله : ﴿ ماذا قال آنفا ﴾ الآنف معناه، الماضي القريب. يقال :فعله آنفا أي قريبا. أو أول هذه الساعة. أو أول وقت كنا فيه١ يعني، قال المنافقون لأهل العلم من الصحابة كابن عباس وابن مسعود، لدى خروجهم من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم :ماذا قال الآن ؟ وذلك على سبيل التهكم والاستهزاء.
قوله : ﴿ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ﴾ أي هؤلاء المنافقون بصفاتهم الخبيثة من فساد الطبائع وسوء الفطر، قد ختم الله على قلوبهم فلا يهتدون إلى الحق وإنما يتبعون ما تسوّله لهم أهواؤهم من الجحود والتكذيب.
١ المعجم الوسيط جـ ١ ص ٣٠..
قوله : ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى ﴾ يعني والذين شرح الله صدورهم للإيمان وكتب لهم التوفيق والهداية وحب الحق، زادهم سماع القرآن إيمانا إلى إيمانهم أو يقينا إلى يقينهم ﴿ وآتاهم تقواهم ﴾ أي ألهمهم خشيته ليجتنبوا نواهيه ويأتمروا بأوامره وأحكام دينه.
قوله : ﴿ فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ﴾ هل ينظر هؤلاء الجاحدون المكذبون بآيات الله من الكافرين والمنافقين إلا أن يأتيهم وعد الله بقيام الساعة فجأة لا يشعرون بمقدمها. وذلك وعيد شديد من الله للكافرين المكذبين بيوم القيامة.
قوله : ﴿ فقد جاء أشراطها ﴾ أي أمارتها وعلاماتها، أو أدلتها ومقدماتها. وقد ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة، لأنه خاتم النبيين والمرسلين، أكمل الله به الملة وأقام به الحجة على العباد أجمعين، فقد روى البخاري عن سهل بن سعد ( رضي الله عنه ) قال :رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بأصبعيه هكذا بالوسطى والتي تليها " بعثت أنا والساعة كهاتين ".
قوله : ﴿ فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ﴾ ﴿ فأنى لهم ﴾ خبر مقدم. و ﴿ ذكراهم ﴾ مبتدأ مؤخر. يعني أنى لهؤلاء الجاحدين المكذبين أن يتذكروا ما فرطوا فيه من طاعة الله إذا دهمتهم الساعة فجأة وحينئذ لا تجديهم ذكرى ولا تنفعهم توبة أو ندامة.
قوله : ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله ﴾ يبين الله لرسوله صلى الله عليه وسلم على سبيل التأكيد والتعظيم لجلاله وكماله أنه لا تصلح الإلهية إلا له وحده، وما ينبغي لأحد أن يكون معبودا سواه. وقيل :الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته.
قوله : ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ والذنب بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يراد به ترك الأفضل. على أن الاستغفار في ذاته عبادة عظمى يتقرب بها المؤمن من ربه. لا جرم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرب المقربين إلى الله بعظيم تقواه و بالغ طاعته و استغفاره. وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي ". وفي الصحيح أنه كان يقول في آخر الصلاة : " اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت إلهي لا إله إلا أنت " وفي الصحيح أنه قال :" يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ".
وروى أبو يعلى بإسناده عن أبي بكر الصديق ( رضي الله عنه ) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منهما، فإن إبليس قال :إنما أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالإغواء فهم يحسبون أنهم مهتدون ".
قوله : ﴿ والله يعلم متقلبكم ومثواكم ﴾ أي يعلم تصرفكم في النهار ومستقركم في الليل. وقيل :متقلبكم في الدنيا ومثواكم في الآخرة١.
١ تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ١٧٧، ١٧٨ وتفسير الطبري جـ ٢٦ ص ٣٣ وتفسير الرازي جـ ٢٨ ص ٦١..
قوله تعالى : ﴿ ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم ٢٠ طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم ٢١ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ٢٢ أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ﴾.
يبين الله جل جلاله ههنا حال المؤمنين الصادقين الذين يتمنون نزول آية من عند الله تأمرهم بالجهاد طلبا لرضى الله وثوابه ورغبة في دفع الظلم والظالمين. وذلك بخلاف المرتابين والخائرين المنافقين فإنهم إذا أنزلت آية في القتال غشيهم من الرعب والجزع ما غشيهم. وذلك لفرط جبنهم وخورهم وفساد قلوبهم. وهو قوله سبحانه ﴿ ويقول الذين آمنوا نزلت سورة ﴾ أي يقول المؤمنون المخلصون :هلا نزّلت من عند الله سورة تأمر بقتال الكافرين، وذلك بسبب عشقهم نزول القرآن ولعظيم حبهم للجهاد في سبيل الله. وذلك كله يكشف عن حقيقة الإخلاص في نفوس هؤلاء المؤمنين الصادقين المخبتين إلى ربهم.
قوله : ﴿ فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ﴾ إذا أنزل الله سورة محكمة لا نسخ فيها، أو مبيّنة غير متشابهة وقد فرض فيها الجهاد وقتال المشركين ﴿ رأيت الذين في قلوبهم مرض ﴾ أي رأيت المرتابين من الناس الذين ران على قلوبهم الشك والنفاق ﴿ ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ﴾ يعني تشخص أبصارهم من فرط الهلع والجزع، فهم ينظرون إليك نظر من يشخص بصره عند الموت ﴿ فأولى لهم ﴾ وذلك تهديد لهؤلاء الجبناء الخائرين الذين في قلوبهم مرض، أو الذين يعبدون الله على حرف. و المعنى :فويل لهم.
قوله : ﴿ طاعة وقول معروف ﴾ وهذا كلام مستأنف، أي طاعة وقول معروف خير لهم ﴿ فإذا عزم الأمر ﴾ أي إذا جد الأمر، أو وجب القتال ﴿ فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم ﴾ أي لو صدقوا في إيمانهم وعزمهم على الجهاد لكان ذلك خيرا لهم في الدنيا والآخرة.
قوله : ﴿ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ﴾ اختلف المفسرون في تأويل هذه الآية. فقد قيل :المعنى :فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم ؟ أو فهل عسيتم إن توليتم الحكم فكنتم حكاما أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشا ؟ وقيل :فهل عسيتم إن توليتم عن الجهاد وأعرضتم عن طاعة ربكم أن تعودوا إلى ما كنتم عليه في جاهليتكم من الإفساد في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام وقتل بعضكم بعضا ؟
قوله : ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ الإشارة عائدة إلى الذين تقدمت صفتهم من التولي – على الخلاف في تأويله - وعن الإفساد في الأرض وقطع الأرحام. وهؤلاء جميعا قد لعنهم الله بطردهم وإبعادهم من رحمته ﴿ فأصمهم ﴾ عن سماع الحق والموعظة والذكرى ﴿ وأعمى أبصارهم ﴾ أي سلبهم عقولهم فلا يتدبرون آيات الله ولا يعتبرون مما يرونه من الأدلة والعبر.
وقد وردت نصوص من السنة كثيرة توجب صلة الأرحام ورعاية أولى القربى، وتحذر من قطع الرحم أشد تحذير، فقد روى الإمام أحمد عن أبي بكرة ( رضي الله عنه ) قال :قال رسول الله صلى اله عليه وسلم :" ما من ذنب أحرى أن يعجل الله تعالى عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم " وروى أحمد أيضا عن ثوبان ( رضي الله عنه ) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من سرّه النسأ١ في الأجل والزيادة في الرزق فليصل رحمه " ٢.
١ النسأ في الأجل: التأخير فيه. انظر المصباح المنير جـ ٢ ص ٢٧٣..
٢ تفسير الطبري جـ ٢٦ ص ٣٦ والكشاف جـ ٣ ص ٥٣٥، ٥٣٦..
قوله تعالى : ﴿ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ٢٤ إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سوّل لهم وأملى لهم ٢٥ ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم ٢٦ فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ٢٧ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ﴾.
يأمر الله عباده أن يتدبروا القرآن فيفهموا ما فيه من الآيات والأحكام والدلائل، محذرا عاقبة الإعراض عن هذا الكتاب الحكيم، فإنه لا يعرض عن تدبر آيات الله إلا من ران على قلبه الضلال والغشاوة والعمى، وسول له الشيطان الجحود والعصيان. فقال سبحانه : ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ الاستفهام للإنكار. والمعنى :أفلا يتفهمون القرآن فيعلموا ما فيه من المواعظ والأدلة والبراهين، فيستيقنوا أنه الحق من ربهم. ﴿ أم على قلوب أقفالها ﴾ الأقفال، جمع قفل، بالضم ثم السكون. أقفل الباب وقفّل الأبواب تقفيلا. مثل أغلق وغلّق١. والمعنى :بل على قلوبهم أقفالها فهم لا يفهمون ولا يتدبرون ما أنزل الله في كتابه من الآيات والعبر، فهم بذلك لا يفضي الإيمان إلى قلوبهم بما عليها من الختم والإقفال.
١ مختار الصحاح ص ٥٤٦ والمصباح المنير جـ ٢ ص ١٧١..
قوله : ﴿ إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ﴾ قيل :المراد بهم أهل الكتاب، فقد وجدوا اسم الله صلى الله عليه وسلم في كتابهم وأيقنوا في أنفسهم أنه نبي صادق مبعوث من ربه، ثم كذبوه وجحدوا نبوته. وقيل :المراد بهم أهل النفاق، فقد سمعوا الآيات تتلى عليهم وأيقنوا حقيقة ما فيها من المواعظ والعبر والآيات، لكن طبائعهم الكزّة الغلف لم تستمرئ ذلك فلم يغض الإيمان إلى قلوبهم فهم بذلك قد ﴿ ارتدوا على أدبارهم ﴾ أي رجعوا القهقرى مرتكسين إلى الكفر بعد ما استبان لهم الحق مما سمعوه من الكتاب الحكيم. الكتاب الرباني الفذ الذي تضمن من الآيات والدلالات والمعجزات ما يحمل الأذهان والقلوب على الدهش والبهر والاستيقان.
وذلكم هو حكم الله في كثير من الناس المرتكسين المرتدين على أدبارهم. أولئك الذين سمعوا آيات الكتاب الحكيم وما تضمنته من عجائب الإعجاز المميز وكمال المعاني والأخبار والأحكام والأفكار مما ليس له في الكتب والديانات والمذاهب نظير. إن ذلكم هو القرآن بجماله الباهر وكماله المذهل وعجائبه المثيرة، لا يستنكف عن تدبره والانتفاع به والاتعاظ بروائعه إلا كل جحود منغلق القلب.
قوله : ﴿ الشيطان سول لهم وأملى لهم ﴾ ﴿ سول ﴾ أي زين١. و ﴿ أملى لهم ﴾، أي أمهلهم وطول لهم. أملى له في غيه، أي أطال له فيه٢. والمعنى :أن الشيطان بكيده وخداعه سهل لهؤلاء المرتكسين المرتدين على أدبارهم ركوب المعاصي، وزين لهم الفسق عن أمر الله، واتخاذ الأولياء والأنداد من دونه ﴿ وأملى لهم ﴾ أي مد لهم في الآمال والأماني مدا.
١ مختار الصحاح ص ٣٣٢..
٢ مختار الصحاح ص ٦٣٤..
قوله : ﴿ ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر ﴾ الإشارة ﴿ ذلك ﴾ عائدة إلى ما تقدم ذكره من ارتداد المنافقين على أدبارهم خاسرين مرتكسين، وتركهم للشيطان ليسول لهم ويملي لهم. وسبب ذلك كله أنهم قالوا لمن كره دين الله وكتابه ورسوله وهم المشركون ﴿ سنطيعكم في بعض الأمر ﴾ أي في الصد عن دين الإسلام وفي مخالفة محمد والتظاهر على عداوته والقعود عن الجهاد معه والتمالؤ عليه في السر لإضعافه وخذلانه. قوله : ﴿ والله يعلم إسرارهم ﴾ الله يعلم ما يستسرون من سوء النوايا وخبيث المقاصد، فإنه لا يخفى على الله أمر هؤلاء المنافقين المخادعين وما يتمالأون عليه من كيد للإسلام ورسوله والمسلمين.
قوله : ﴿ فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ كيف، في موضع رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. وتقديره فكيف حالهم. و ﴿ يضربون ﴾، جملة فعلية في موضع نصب على الحال من الملائكة١ يعني :فكيف تكون حال هؤلاء المنافقين الماكرين الذين يكيدون للإسلام ورسوله، إذا توفتهم الملائكة وهم يضربون بالسياط وجوههم وأدبارهم، وهي أعجازهم. وفي ذلك من التخويف والتهديد ما فيه. قال ابن عباس :لا يتوفى أحد على مصية إلا بضرب شديد لوجهه وقفاه.
١ البيان لابن الأنباري جـ ٢ ص ٣٧٦..
قوله : ﴿ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله ﴾ الإشارة عائدة إلى ضرب الملائكة وجوه المنافقين وأدبارهم عندما تتوفاهم. وسبب ذلك هو اتباع هؤلاء المنافقين ما يسخط الله من إضمارهم الكفر وإسرارهم الكيد والكراهية للإسلام والمسلمين ﴿ وكرهوا رضوانه ﴾ أي كرهوا ما يرضى الله من طاعته والتزام شرعه وأحكام دينه.
قوله : ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ يعني أبطلها فلم تنفعهم ولم تغنهم من سوء مصيرهم، شيئا لأهنم لم يبتغوا بها رضوان الله بل كانوا يبتغون بها الرياء والشهرة والمفاخرة١.
١ الكشاف ص ٥٣٧ وتفسير الطبري جـ ٢٦ ص ٣٧، ٣٨..
قوله تعالى : ﴿ أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ٢٩ ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ٣٠ ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم ﴾.
يبين الله للناس أن المنافقين لا يخفون على ربهم، فهو سبحانه مطلع على أسرارهم وخفاياهم، عالم بأستارهم وما تكنه صدورهم من الغل والضغينة للإسلام ولرسوله وللمسلمين. فقال سبحانه ﴿ أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ﴾ يعني أحسب هؤلاء المنافقون الذين في قلوبهم نفاق وشك فيكيدون للإسلام ولرسوله وللمسلمين كيدا ويسرون في قلوبهم الكراهية والحسد والغل والباطل ﴿ أن لن يخرج الله أضغانهم ﴾ أضغان جمع ضغن، وهو الحقد، أي أحسبوا أننا لن نكشف ما تنطوي عليه قلوبهم من الكراهية والحقد والحسد للإسلام والمسلمين.
قوله : ﴿ ولو نشاء لأريناكهم ﴾ لو نشاء لعرفناك أشخاص هؤلاء المنافقين فعرفتهم عيانا ﴿ فلعرفتهم بسيماهم ﴾ أي فلتعرفنهم بعلامات النفاق التي تبدوا من سلوكهم وتصرفهم، في نظراتهم وخطابهم وقسمات وجوههم ﴿ ولتعرفنهم في لحن القول ﴾ و ﴿ لحن القول ﴾ فحواه ومعناه١ أي فلتعرفنهم مما يبدو من كلامهم الذي يكشف عن مقاصدهم وأسرارهم. قال عثمان بن عفان ( رضي الله عنه ) :ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه.
قوله : ﴿ والله يعلم أعمالكم ﴾ الله خبير بما يعلمه الناس من خير أو شر فلا يخفى عليه من ذلك شيء.
١ مختار الصحاح ص ٥٩٤.
قوله : ﴿ ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ﴾ يخاطب الله المؤمنين بقوله :ولنمتحننكم بألوان البلاء من القتل ومجاهدة الأعداء حتى يتميز الصابرون الصادقون من الخائرين الكاذبين، أو يتبين المخلصون من الكاذبين ﴿ ونبلوا أخباركم ﴾ أي نكشفها بالابتلاء فيتبين المطيع من العاصي١.
١ تفسير القرطبي جـ ١٦ ص ٢٥١، ٢٥٣ وتفسير ابن كثير جـ ٤ ص ١٨٠ وتفسير الرازي جـ ٢٨ ص ٧٠..
قوله تعالى : ﴿ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم ٣٢ ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ٣٣ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ٣٤ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ﴾.
ذلك تنديد من الله بأعداء الإسلام والمسلمين من المنافقين والمشركين وأهل الكتاب الذين يحادون الله ورسوله ويكيدون للإسلام والمسلمين كيدا. وهو قوله : ﴿ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ﴾ المراد بذلك الظالمون الخاسرون على اختلاف مللهم ومذاهبهم وأهوائهم، وأساليبهم في الكيد والكفر، فإنهم جميعا يصدون الناس عن دين الله، إذ يمنعونهم من الإقبال على الإسلام أو فهمه وإدراكه والتعرف عليه كيلا يدخلوا فيه، وكذلك فإنهم يشاقون الرسول بمعاداته ومخالفته والتصدي له بالكيد والمكر والعدوان ﴿ من بعد ما تبين لهم الهدى ﴾ لقد تبين لهؤلاء أن رسول الله صادق أمين وأنه لا يقول على الله إلا الحق، ويعلمون كذلك أن الإسلام حق وأنه يتضمن كل معاني الخير والعدل والمساواة والرحمة، فهم لا يصدهم عن قبول الإسلام والدخول فيه إلا حقدهم واضطغانهم على الإسلام والمسلمين وفرط كراهيتهم لهذا الدين المبارك الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ولأن طبائعهم كزة وبور قد ران عليها التبلد والكفر والجحود.
قوله : ﴿ لن يضروا الله شيئا ﴾ لا يعبأ الله بكفر من كفر ولا بجحد من جحد. وإنما ضرر الكفر والجحود والصد عن دين الله عائد على الكافرين أنفسهم، فهم قد خسروا أنفسهم لما حجبوا عنه شمس الإسلام الساطع المنير فباءوا بالخسران في هذه الدنيا حيث الظلم والفساد والحيرة والفوضى. وفي الآخرة حيث النار.
قوله : ﴿ وسيحبط أعمالهم ﴾ لا قيمة لأعمال الكافرين والمنافقين الذين يصدون عن دين الله ويكرهون البشرية في الإسلام. إنه لا وزن ولا قيمة لأعمالهم وإن كانت في صورتها خيّرة نافعة، فهي جميعها صائرة إلى البطلان، كالهباء المتناثر ذارت في الفضاء.
قوله : ﴿ ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ يأمر الله عباده بطاعته فيما أمرهم به من الأحكام في قرآنه الكريم، وأن يطيعوا رسوله الأمين بالتزام ما جاءت به السنة العظيمة. وهي فيها من غزارة الأحكام والآداب والمواعظ والعبر ما يفيض على الدنيا بخير ملة وأعظم نظام تستظل به البشرية فتحظى بالسعادة والنجاة في الدارين.
قوله : ﴿ ولا تبطلوا أعمالكم ﴾ أي لا تجعلوا أعمالكم باطلة بما يبطلها من الردة أو الرياء أو المن أو الصد عن دين الله.
قوله : ﴿ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ﴾
قوله : ﴿ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم ﴾ ﴿ تهنوا ﴾ من الوهن، ومعناه الضعف١ أي لا تضعفوا وتلينوا وتدعوا أعداءكم إلى الصلح والموادعة ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ أي العالون عليهم، الغالبون بالكثرة والحجة واليقين. فما بال المسلمين، وهم الأكثرون والأعلون بقوة عقيدتهم وكمال دينهم، الإسلام، وعظيم كتابهم، القرآن، يضعفون ويلينون ويسالمون الأعداء الكافرين على اختلاف مذاهبهم ومللهم. وما ينبغي للمسلمين البتة- وهم الأكثرون والأصدقون والأعظمون خيرا ونفعا للبشرية ورحمة بها أن يواعدوا الأعداء المجرمين ويسالموهم. بل عليهم أن يستعدوا للقائهم من أجل قهرهم وإضعاف شوكتهم وإذهاب شرهم وفسادهم، ما داموا لا ينثنون ولا يرتدعون عن عدوانهم وباطلهم وتخريبهم وعبثهم إلا بالحزم والقوة.
قوله : ﴿ والله معكم ﴾ الله مع عباده المؤمنين المجاهدين الصابرين، فهو ناصرهم مؤيدهم وخاذل أعدائهم.
قوله : ﴿ ولن يتركم أعمالكم ﴾ ﴿ يتركم ﴾ ينقصكم. يقال :وتره حقه يتره وترا بكسر التاء، أي نقصه٢ والمعنى :لن ينقصكم الله أجور أعمالكم٣.
١ القاموس المحيط جـ ٤ ص ٢٧٨..
٢ مختار الصحاح ص ٧٠٧..
٣ تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ١٨١ وتفسير الطبري جـ ٢٦ ص ٤٠ وتفسير الرازي جـ ٢٨ ص ٧٣..
قوله تعالى : ﴿ إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسئلكم أموالكم ٣٦ إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم ٣٧ هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم مّن يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾.
يبين الله لعباده هوان الدنيا ليحذرهم الاغترار بها أو التلهي بمتاعها الفاني، فإن الدنيا بما فيها من زينة وأموال ومباهج، كل ذلك صائر إلى زوال وحطام. وهو قوله : ﴿ إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ﴾ ليست الدنيا بزينتها وزخرفها وخيراتها غير لهو يتلهى به الناس وهم ساهون تائهون، وغير لعب يتفنن في التلبس به الغافلون السادرون في الضلالة والعماية والهوى.
قوله : ﴿ وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتيكم أجوركم ﴾ يعني إن تؤمنوا بالله ورسله واليوم الآخر وتجتنبوا الكفر والمعاصي يؤتكم جزاء ذلك خيرا وثوابا.
قوله : ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ الله غني عن أموالكم فلا يطلبها منكم أجرا على تبليغ الرسالة. وقيل :لا يأمركم بإخراج أموالكم كلها. بل يأمركم بإخراج القليل منها وهي الزكاة. والمعنى الأول أظهر.
قوله : ﴿ إن يسألكموها فيحفكم ﴾ يعني إن يسألكم ربكم أموالكم ﴿ فيحفكم ﴾ أي يجهدكم في الطلب. من الإحفاء وهو المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء أحفاه في المسألة، إذا بالغ في الإلحاح وألح عليه في السؤوال وجهده١ والحفي المستقصي في السؤال.
قوله : ﴿ تبخلوا ويخرج أضغانكم ﴾ أي لو سألكم أن تخرجوا أموالكم كلها تبخلوا ويخرج البخل أضغانكم. أو يخرج بمسألته أضغانكم، أي تظهر بذلك أحقادكم.
١ مختار الصحاح ص ١٤٦ والمعجم الوسيط جـ ١ ص ١٨٦..
قوله : ﴿ هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ﴾ يعني ها أنتم هؤلاء أيها الناس يدعوكم ربكم لتنفقوا في مجاهدة أعداء الله ونصرة دينه، وفي غير ذلك من وجوه الخير ﴿ فمنكم من يبخل ﴾ أي يبخل عن النفقة فيضن بالبذل في سبيل الله ﴿ من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ﴾ من يبخل دون بذلك المال في سبيل الله أو في وجوه الخير فإنه لا يبخل إلا عن نفسه، بحرمانها الثواب وحسن الجزاء.
قوله : ﴿ والله الغني وأنتم الفقراء ﴾ لا حاجة لله في أموالكم، فهو سبحانه مالك الملك وهو الغني عن العالمين. وهو الذي يمن عليكم أن رزقكم الخير من فضله وملكه، فأنتم المحتاجون لعطاء الله، الفقراء إليه.
قوله : ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ﴾ يعني :وإن تعرضوا عن دين الإسلام، وهو دين الحق والعدل والرحمة والتوحيد فتنقلبوا مرتكسين خاسرين فإن الله يذهب بكم ويأت بآخرين بدلا منكم وهم خير منكم. وهو قوله : ﴿ ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾ أي لا يشبهونكم في الإعراض عن دين الله. أو في البخل بالنفقة وبذلك المال في سبيل الله.
السورة التالية
Icon