0:00
0:00

وتسمى سورة القتال وهي مدنية وقيل مكية وآيها سبع أو ثمان وثلاثون أو أربعون آية.

بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ﴾ امتنعوا عن الدخول في الإسلام وسلوك طريقه، أو منعوا الناس عنه كالمطعمين يوم بدر، أو شياطين قريش أو المصريين من أهل الكتاب. أو عام في جميع من كفر وصد. ﴿ أضل أعمالهم ﴾ جعل مكارمهم كصلة الرحم وفك الأسارى وحفظ الجوار ضالة أي ضائعة محيطة بالكفر، أو مغلوبة مغمورة فيه كما يضل الماء في اللبن، أو ضلال حيث لم يقصدوا به وجه الله، أو أبطل ما عملوه من الكيد لرسوله والصد عن سبيله بنصر رسوله وإظهار دينه على الدين كله.
﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ يعم المهاجرين والأنصار والذين آمنوا من أهل الكتاب وغيرهم. ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ تخصيص للمنزل عليه مما يجب الإيمان به تعظيما له وإشعارا بأن الإيمان لا يتم دونه، وأنه الأصل فيه ولذلك أكده بقوله : ﴿ وهو الحق من ربهم ﴾ اعتراضا على طريقة الحصر. وقيل حقيقته بكونه ناسخا لا ينسخ، وقرئ " نزل " على البناء للفاعل و " أنزل " على البناءين و " نزل " بالتخفيف. ﴿ كفر عنهم سيئاتهم ﴾ سترها بالإيمان وعملهم الصالح. ﴿ وأصلح بالهم ﴾ في الدين والدنيا بالتوفيق والتأييد.
﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى مرة من الإضلال والتكفير والإصلاح وهو مبتدأ خبره. ﴿ بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم ﴾ بسبب اتباع هؤلاء الباطل واتباع هؤلاء الحق، وهذا تصريح بما أشعر به ما قبلها ولذلك سمي تفسيرا. ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك الضرب. ﴿ يضرب الله للناس ﴾ يبين لهم. ﴿ أمثالهم ﴾ أحوال الفريقين أو أحوال الناس، أو يضرب أمثالهم بأن جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكفار والإضلال مثلا لخيبتهم واتباع الحق مثلا للمؤمنين، وتكفير السيئات مثلا لفوزهم.
﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا ﴾ في المحاربة. ﴿ فضرب الرقاب ﴾ أصله فاضربوا الرقاب ضربا فحذف الفعل وقدم المصدر، وأنيب منابه مضافا إلى المفعول ضما إلى التأكيد والإختصار. والتعبير به عن القتل إشعارا بأنه ينبغي أن يكون بضرب الرقاب حيث أمكن، وتصوير له بأشنع صورة. ﴿ حتى إذا أثخنتموهم ﴾ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه من الثخين وهو الغليظ. ﴿ فشدوا الوثاق ﴾ فأسروهم واحفظوهم، والوثاق بالفتح والكسر ما يوثق به. ﴿ فإما منا بعد وإما فداء ﴾ أي فإما تمنون منا أو تفدون فداء، والمراد التخيير بعد الأسر بين المن والإطلاق وبين أخذ الفداء، وهو ثابت عندنا فإن الذكر الحر المكلف إذا أسر تخير الإمام بين القتل والمن والفداء، والاسترقاق منسوخ عند الحنفية أو مخصوص بحرب بدر فإنهم قالوا يتعين القتل أو الاسترقاق. وقرئ " فدا " كعصا. ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح والكراع، أي تنقضي الحرب ولم يبق إلا مسلم أو مسالم. وقيل آثامها والمعنى حتى يضع أهل الحرب شركهم ومعاصيهم، وهو غاية للضرب أو الشد أو للمن والفداء أو للمجموع بمعنى أن هذه الأحكام جارية فيها حتى لا يكون حرب مع المشركين بزوال شوكتهم. وقيل بنزول عيسى عليه الصلاة والسلام ﴿ ذلك ﴾ أي الأمر ذلك، أو افعلوا بهم ذلك، ﴿ ولو يشاء الله لأنتصر منهم ﴾ لانتقم منهم بالاستئصال، ﴿ ولكن ليبلوا بعضكم ببعض ﴾ ولكن أمركم بالقتال ليبلوا المؤمنين بالكافرين بأن يجاهدوهم فيستوجبوا الثواب العظيم والكافرين بالمؤمنين بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض عذابهم كي يرتدع بعضهم عن الكفر. ﴿ والذين قاتلوا في سبيل الله ﴾ أي جاهدوا، وقرأ البصريان وحفص " قتلوا " أي استشهدوا. ﴿ فلن يضل أعمالهم ﴾ فلن يضيعها، وقرئ " يضل " من ضل ويضل على البناء للمفعول.
﴿ سيهديهم ﴾ إلى الثواب، أو سيثبت هدايتهم. ﴿ ويصلح بالهم ﴾.
﴿ ويدخلهم الجنة عرفها لهم ﴾ وقد عرفها لهم في الدنيا حتى اشتاقوا إليها فعملوا ما استحقوها به، أو بينها لهم بحيث يعلم كل واحد منزله ويهتدي إليه كأنه كان ساكنه منذ خلق، أو طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة، أو حددها لهم بحيث يكون لكل جنة مفرزة.
﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ﴾ إن تنصروا دينه ورسوله. ﴿ ينصركم ﴾ على عدوكم. ﴿ ويثبت أقدامكم ﴾ في القيام بحقوق الإسلام والمجاهدة مع الكفار.
﴿ والذين كفروا فتعسا لهم ﴾ فعثورا لهم وانحطاطا ونقضه لعا قال الأعشى.
فالتعس أولى بها من أن أقول لعا ***. . .
وانتصابه بفعله الواجب إضماره سماعا، والجملة خبر ﴿ الذين كفروا ﴾ أو مفسرة لناصبه. ﴿ وأضل أعمالهم ﴾ عطف عليه.
﴿ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ﴾ القرآن لما فيه من التوحيد والتكاليف المخالفة لما ألفوه واشتهته أنفسهم، وهو تخصيص وتصريح بسببه الكفر بالقرآن للتعس والإضلال. ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ كرره إشعارا بأنه يلزم الكفر بالقرآن ولا ينفك عنه بحال.
﴿ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم ﴾ استأصل عليهم ما اختص بهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم. ﴿ وللكافرين ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر. ﴿ أمثالها ﴾ أمثال تلك العاقبة أو العقوبة، أو الهلكة لأن التدمير يدل عليها، أو السنة لقوله تعالى : ﴿ سنة الله التي قد خلت ﴾.
﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا ﴾ ناصرهم على أعدائهم. ﴿ وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ فيدفع العذاب عنهم وهو لا يخالف قوله : ﴿ وردوا إلى الله مولاهم الحق ﴾ فإن المولى فيه بمعنى المالك.
﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ﴾ ينتفعون بمتاع الدنيا. ﴿ ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴾ حريصين غافلين عن العاقبة. ﴿ والنار مثوى لهم ﴾ منزل ومقام.
﴿ وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك ﴾ على حذف المضاف وإجراء أحكامه على المضاف إليه، والإخراج باعتبار التسبب. ﴿ أهلكناهم ﴾ بأنواع العذاب. ﴿ فلا ناصر لهم ﴾ يدفع عنهم العذاب وهو كالحال المحكية.
﴿ أفمن كان على بينة من ربه ﴾ حجة من عنده وهو القرآن، أو ما يعمه والحجج العقلية كالنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. ﴿ كمن زين له سوء عمله ﴾ كالشرك والمعاصي. ﴿ واتبعوا أهواءهم ﴾ في ذلك لا شبهة لهم عليه فضلا عن حجة.
﴿ مثل الجنة التي وعد المتقون ﴾ أي فيما قصصنا عليك صفتها العجيبة. وقيل مبتدأ خبره : ﴿ كمن هو خالد في النار ﴾ وتقدير الكلام أمثل أهل الجنة كمثل من هو خالد، أو أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد فعري عن حرف الإنكار وحذف ما حذف استغناء يجري مثله تصويرا لمكابرة من يسوي بين المتمسك بالبينة والتابع للهوى، بمكابرة من يسوي بين الجنة والنار، وهو على الأول خبر محذوف تقديره :أفمن هو خالد في هذه الجنة كمن هو خالد في النار، أو بدل من قوله : ﴿ كمن زين ﴾ وما بينهما اعتراض لبيان ما يمتاز به من على بينة في الآخرة تقريرا لإنكار المساواة. ﴿ فيها أنهار من ماء غير آسن ﴾ استئناف لشرح المثل أو حال من العائد المحذوف، أو خبر لمثل و﴿ آسن ﴾ من أسن الماء بالفتح إذا تغير طعمه وريحه، أو بالكسر على معنى الحدوث. وقرأ ابن كثير " أسن ". ﴿ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ﴾ لم يصر قارصا و لا حازرا. ﴿ وأنهار من خمر لذة للشاربين ﴾ لذيذة لا يكون فيها كراهة طعم وريح ولا غائلة سكر وخمار تأنيث لذ أو مصدر نعت به بإضمار ذات، أو تجوز وقرئت بالرفع على صفة الأنهار والنصب على العلة. ﴿ وأنهار من عسل مصفى ﴾ لم يخالطه الشمع وفضلات النحل وغيرها، وفي ذلك تمثيل لما يقوم مقام الأشربة في الجنة بأنواع ما يستلذ منها في الدنيا بالتجريد عما ينقصها وينغصها، والتوصيف بما يوجب غزارتها واستمرارها. ﴿ ولهم فيها من كل الثمرات ﴾ صنف على هذا القياس. ﴿ ومغفرة من ربهم ﴾ عطف على الصنف المحذوف، أو مبتدأ خبره محذوف أي لهم مغفرة. ﴿ كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما ﴾ مكان تلك الأشربة. ﴿ فقطع أمعاءهم ﴾ من فرط الحرارة.
﴿ ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك ﴾ يعني المنافقين كانوا يحضرون مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم ويسمعون كلامه فإذا خرجوا ﴿ قالوا للذين أوتوا العلم ﴾ أي لعلماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ﴿ ماذا قال آنفا ﴾ ما الذي قال الساعة، استهزاء أو استعلاما إذا لم يلقوا له آذانهم تهاونا به، و﴿ آنفا ﴾ من قولهم أنف الشيء لما تقدم منه مستعار من الجارحة، ومنه استأنف وائتنف وهو ظرف بمعنى وقتا مؤتنفا، أو حال من الضمير في ﴿ قال ﴾ وقرأ ابن كثير " أنفا ".
﴿ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم ﴾ فلذلك استهزؤوا وتهاونوا بكلامه.
﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى ﴾ أي زادهم الله بالتوفيق والإلهام، أو قول الرسول عليه الصلاة والسلام. ﴿ وآتاهم تقواهم ﴾ بين لهم ما يتقون أو أعانهم على تقواهم، أو أعطاهم جزاءها.
﴿ فهل ينظرون إلا الساعة ﴾ فهل ينتظرون غيرها. ﴿ أن تأتيهم بغتة ﴾ بدل اشتمال من ﴿ الساعة ﴾، وقوله : ﴿ فقد جاء أشراطها ﴾ كالعلة له، وقرئ أن تأتهم على أنه شرط مستأنف جزاؤه : ﴿ فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ﴾ والمعنى أن تأتهم الساعة بغتة لأنه قد ظهر أماراتها كمبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وانشقاق القمر فكيف لهم ﴿ ذكراهم ﴾ أي تذكرهم ﴿ إذا جاءتهم ﴾ الساعة بغتة، وحينئذ لا يفرغ له ولا ينفع.
﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ﴾ أي إذا علمت سعادة المؤمنين وشقاوة الكافرين فاثبت على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية وتكميل النفس بإصلاح أحوالها وأفعالها وهضمها بالاستغفار ﴿ لذنبك ﴾. ﴿ وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ ولذنوبهم بالدعاء لهم والتحريض على ما يستدعي غفرانهم، وفي إعادة الجار وحذف المضاف إشعار بفرط احتياجهم وكثرة ذنوبهم وأنها جنس آخر، فإن الذنب له ماله تبعة ما بترك الأولى. ﴿ والله يعلم متقلبكم ﴾ في الدنيا فإنها مراحل لا بد من قطعها. ﴿ ومثواكم ﴾ في العقبى فإنها دار إقامتكم فاتقوا الله واستغفروه وأعدوا لمعادكم.
﴿ ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة ﴾ أي هلا ﴿ نزلت سورة ﴾ في أمر الجهاد. ﴿ فإذا أنزلت سورة محكمة ﴾ مبينة لا تشابه فيها. ﴿ وذكر فيها القتال ﴾ أي الأمر به. ﴿ رأيت الذين في قلوبهم مرض ﴾ ضعف في الدين وقيل نفاق. ﴿ ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ﴾ جبنا ومخافة. ﴿ فأولى لهم ﴾ فويل ﴿ لهم ﴾، أفعل من الولى وهو القرب، أو فعلى من آل ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه أو يؤول إليه أمرهم.
﴿ طاعة وقول معروف ﴾ استئناف أي أمرهم ﴿ طاعة ﴾ أو ﴿ طاعة وقول معروف ﴾ خير لهم، أو حكاية قولهم لقراءة أبي " يقولون طاعة ". ﴿ فإذا عزم الأمر ﴾ أي جد وهو لأصحاب الأمر، وإسناده إليه مجاز وعامل الظرف محذوف، وقيل ﴿ فلو صدقوا الله ﴾ أي فيما زعموا من الحرص على الجهاد أو الإيمان. ﴿ لكان ﴾ الصدق. ﴿ خيرا لهم ﴾.
﴿ فهل عسيتم ﴾ فهل يتوقع منكم. ﴿ إن توليتم ﴾ أمور الناس وتأمرتم عليهم، أو أعرضتم وتوليتم عن الإسلام. ﴿ أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ﴾ تناحرا على الولاية وتجاذبا لها، أو رجوعا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من التغاور ومقاتلة الأقارب، والمعنى أنهم لضعفهم في الدين وحرصهم على الدنيا أحقاء بأن يتوقع ذلك منهم من عرف حالهم ويقول لهم :هل عسيتم، وهذا على لغة الحجاز فإن بني تميم لا يلحقون الضمير به وخبره ﴿ أن تفسدوا ﴾ و﴿ إن توليتم ﴾ اعتراض، وعن يعقوب ﴿ توليتم ﴾ أي إن تولاكم ظلمة خرجتم معهم وساعدتموهم في الإفساد وقطيعة الرحم ﴿ وتقطعوا ﴾ من القطع، وقرئ ﴿ تقطعوا ﴾ من التقطع.
﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى المذكورين. ﴿ الذين لعنهم الله ﴾ لإفسادهم وقطعهم الأرحام. ﴿ فأصمهم ﴾ عن استماع الحق. ﴿ وأعمى أبصارهم ﴾ فلا يهتدون سبيله.
﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ يتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر حتى لا يجسروا على المعاصي. ﴿ أم على قلوب أقفالها ﴾ لا يصل إليها ذكر ولا ينكشف لها أمر، وقيل ﴿ أم ﴾ منقطعة ومعنى الهمزة فيها التقرير، وتنكير القلوب لأن المراد قلوب بعض منهم أو لإشعار بأنهم لإبهام أمرها في القساوة، أو لفرط جهالتها ونكرها كأنها مبهمة منكورة وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أقفال مناسبة لها مختصة بها لا تجانس الأقفال المعهودة. وقرئ " إقفالها " على المصدر.
﴿ إن الذين ارتدوا على أدبارهم ﴾ أي ما كانوا عليه من الكفر. ﴿ من بعد ما تبين لهم الهدى ﴾ بالدلائل الواضحة والمعجزات الظاهرة. ﴿ الشيطان سول لهم ﴾ سهل لهم اقتراف الكبائر من السول وهو الاسترخاء. وقيل حملهم على الشهوات من السول وهو التمني، وفيه أن السول مهموز قلبت همزته واوا لضم ما قبلها ولا كذلك التسويل، ويمكن رده بقولهم هما يتساولان وقرئ " سول " على تقدير مضاف أي كيد الشيطان ﴿ سول لهم ﴾. ﴿ وأملى لهم ﴾ ومد لهم في الأمال والأماني، أو أمهلهم الله تعالى ولم يعاجلهم بالعقوبة لقراءة يعقوب " وأملي لهم "، أي وأنا أملي لهم فتكون الواو للحال أو الاستئناف، وقرأ أبو عمرو " وأملي لهم " على البناء للمفعول وهو ضمير ﴿ الشيطان ﴾ أو ﴿ لهم ﴾.
﴿ ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله ﴾ أي قال اليهود للذين كفروا بالنبي عليه الصلاة والسلام بعدما تبين لهم نعته للمنافقين، أو المنافقون لهم أو أحد الفريقين للمشركين. ﴿ سنطيعكم في بعض الأمر ﴾ في بعض أموركم أو في بعض ما تأمرون به كالقعود عن الجهاد والموافقة في الخروج معهم إن أخرجوا، والتظافر على الرسول صلى الله عليه وسلم. ﴿ والله يعلم أسرارهم ﴾ ومنها قولهم هذا الذي أفشاه الله عليهم، وقرأ حمزة والكسائي وحفص " إسرارهم " على المصدر.
﴿ فكيف إذا توفتهم الملائكة ﴾ فكيف يعملون ويحتالون حينئذ، وقرئ " توفاهم " وهو يحتمل الماضي والمضارع المحذوف تاءيه. ﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ تصوير لتوفيهم بما يخافون منه ويجبنون عن القتال له.
﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى التوفي الموصوف. ﴿ بأنهم اتبعوا ما أسخط الله ﴾ من الكفر ككتمان نعت الرسول عليه الصلاة والسلام وعصيان الأمر. ﴿ وكرهوا رضوانه ﴾ ما يرضاه من الإيمان والجهاد وغيرهما من الطاعات. ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ لذلك.
﴿ أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن يخرج الله ﴾ أن لن يبرز الله لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. ﴿ أضغانهم ﴾ أحقادهم.
﴿ ولو نشاء لأريناكهم ﴾ لعرفناكهم بدلائل تعرفهم بأعيانهم. ﴿ فلعرفتهم بسيماهم ﴾ بعلاماتهم التي نسمهم بها، واللام لام الجواب كررت في المعطوف. ﴿ ولتعرفنهم في لحن القول ﴾ جواب قسم محذوف و﴿ لحن القول ﴾ أسلوبه، أو إمالته إلى جهة تعريض وتورية، ومنه قيل للمخطئ لاحن لأنه يعدل بالكلام عن الصواب. ﴿ والله يعلم أعمالكم ﴾ فيجازيكم على حساب قصدكم إذ الأعمال بالنيات.
﴿ ولنبلونكم ﴾ بالأمر بالجهاد وسائر التكاليف الشاقة. ﴿ حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ﴾ على مشاقه. ﴿ ونبلو أخباركم ﴾ ما يخبر به عن أعمالكم فيظهر حسنها وقبحها، أو أخبارهم عن إيمانهم وموالاتهم المؤمنين في صدقها وكذبها. وقرأ أبو بكر الأفعال الثلاثة بالياء لتوافق ما قبلها، وعن يعقوب " ونبلو " بسكون الواو على تقدير ونحن نبلو.
﴿ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ﴾ هم قريظة والنضير أو المطعمون يوم بدر. ﴿ لن يضروا الله شيئا ﴾ بكفرهم وصدهم، أو لن يضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشاقته وحذف المضاف لتعظيمه وتفظيع مشاقته. ﴿ وسيحبط أعمالهم ﴾ ثواب حسنات أعمالهم بذلك، أو مكايدهم التي نصبوها في مشاقته فلا يصلون بها إلى مقاصدهم ولا تثمر لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم.
﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ﴾ بما أبطل به هؤلاء كالكفر والنفاق والعجب والرياء والمن والأذى ونحوها، وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر.
﴿ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ﴾ عام في كل من مات على كفره وإن صح نزوله في أصحاب القليب، ويدل بمفهومه على أنه قد يغفر لمن لم يمت على كفره سائر ذنوبه.
﴿ فلا تهنوا ﴾ فلا تضعفوا. ﴿ وتدعوا إلى السلم ﴾ ولا تدعوا إلى الصلح خورا وتذللا. ويجوز نصبه بإضمار إن وقرئ " ولا تدعوا " من ادعى بمعنى دعا، وقرئ أبو بكر و حمزة بكسر السين. ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ الأغلبون. ﴿ والله معكم ﴾ ناصركم. ﴿ ولن يتركم أعمالكم ﴾ ولن يضيع أعمالكم، من وترت الرجل إذا قتلت متعلقا به من قريب أو حميم فأفردته منه من الوتر، شبه به تعطيل ثواب العمل وإفراده منه.
﴿ إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ﴾ لا ثبات لها. ﴿ وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ﴾ ثواب إيمانكم وتقواكم. ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ جميع أموالكم بل يقتصر على جزء يسير كربع العشر والعشر.
﴿ إن يسألكموها فيحفكم ﴾ فيجهدكم بطلب الكل والإحفاء والإلحاف المبالغة وبلوغ الغاية يقال :أحفى شاربه إذ أستأصله. ﴿ تبخلوا ﴾ فلا تعطوا. ﴿ ويخرج أضغانكم ﴾ ويضغنكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم والضمير في يخرج لله تعالى، ويؤيده القراءة بالنون أو البخل لأنه سبب الإضغان، وقرئ " وتخرج " بالتاء والياء ورفع ﴿ أضغانكم ﴾.
﴿ ها أنتم هؤلاء ﴾ أي أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون وقوله : ﴿ تدعون لتنفقوا في سبيل الله ﴾ استئناف مقرر لذلك، أو صلة ل ﴿ هؤلاء ﴾ على أنه بمعنى الذين وهو يعم نفقة الغزو والزكاة وغيرهما. ﴿ فمنكم من يبخل ﴾ ناس يبخلون وهو كالدليل على الآية المتقدمة. ﴿ ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ﴾ فإن نفع الإنفاق وضر البخل عائدان إليه، والبخل يعدى بعن وعلى لتضمنه معنى الإمساك والتعدي فإنه إمساك عن مستحق. ﴿ والله الغني وأنتم الفقراء ﴾ فما يأمركم به فهو لاحتياجكم إليه فإن امتثلتم فلكم وإن توليتم فعليكم. ﴿ وإن تتولوا ﴾ عطف على ﴿ إن تومنوا ﴾. ﴿ يستبدل قوما غيركم ﴾ يقم مقامكم قوما آخرين. ﴿ ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾ في التولي والزهد في الإيمان، وهم الفرس لأنه سئل عليه الصلاة والسلام عنه وكان سلمان إلى جنبه فضرب فخذه وقال :" هذا وقومه " :أو الأنصار أو اليمن أو الملائكة.
السورة التالية
Icon