0:00
0:00

سورة محمد صلي الله عليه وسلم
مدنية عند مجاهد ‏. ‏ وقال الضحاك وسعيد بن جبير مكية وهي سورة القتال
وهي تسع ثلاثون آية، ‏‏ وقيل ثمان وثلاثون

﴿ وَصُدُّواْ ﴾ وأعرضوا وامتنعوا عن الدخول في الإسلام :أو صدّوا غيرهم عنه. قال ابن عباس رضي الله عنه :هم المطعمون يوم بدر. وعن مقاتل :كانوا اثني عشر رجلاً من أهل الشرك يصدّون الناس عن الإسلام ويأمرونهم بالكفر. وقيل :هم أهل الكتاب الذين كفروا وصدّوا من أراد منهم ومن غيرهم أن يدخل في الإسلام. وقيل :هو عامّ في كل من كفر وصدّ ﴿ أَضَلَّ أعمالهم ﴾ أبطلها وأحبطها. وحقيقته :جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يتقبلها ويثيب عليها، كالضالة من الإبل التي هي بمضيعة لا ربَّ لها يحفظها ويعتني بأمرها. أو جعلها ضالة في كفرهم معاصيهم ومغلوبة بها، كما يضل الماء في اللبن. وأعمالهم :ما عملوه في كفرهم بما كانوا يسمونه مكارم :من صلة الأرحام وفك الأسارى وقرى الأضياف وحفظ الجوار. وقيل :أبطل ما عملوه من الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم والصدّ عن سبيل الله :بأن نصره عليهم وأظهر دينه على الدين كله.
﴿ والذين ءامَنُواْ ﴾ قال مقاتل :هم ناس من قريش. وقيل :من الأنصار. وقيل :هم مؤمنوا أهل الكتاب. وقيل :هو عام. وقوله : ﴿ وَءامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ على مُحَمَّدٍ ﴾ اختصاص للإيمان بالمنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين ما يجب به الإيمان تعظيماً لشأنه وتعليماً، لأنه لا يصح الإيمان ولا يتم إلا به. وأكد ذلك بالجملة الاعتراضية التي هي قوله : ﴿ وَهُوَ الحق مِن رَّبّهِمْ ﴾ وقيل :معناها إنّ دين محمد هو الحق، إذ لا يرد عليه النسخ، وهو ناسخ لغيره. وقرئ : «نزل وأنزل »، على البناء للمفعول. ونزّل على البناء للفاعل، ونزل بالتخفيف ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ ﴾ ستر بإيمانهم وعملهم الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي لرجوعهم عنها وتوبتهم ﴿ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ أي حالهم وشأنهم بالتوفيق في أمور الدين، وبالتسليط على الدنيا بما أعطاهم من النصرة والتأييد.
﴿ ذَلِكَ ﴾ مبتدأ وما بعده خبره، أي :ذلك الأمر وهو إضلال أعمال أحد الفريقين وتكفير سيئات الثاني :كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطل وهؤلاء الحق. ويجوز أن يكون ذلك خبر مبتدأ محذوف، أي :الأمر كما ذكر بهذا السبب، فيكون محل الجار والمجرور منصوباً على هذا، ومرفوعاً على الأوّل و ﴿ الباطل ﴾ ما لا ينتفع به. وعن مجاهد :الباطل الشيطان، وهذا الكلام يسميه علماء البيان التفسير ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك الضرب ﴿ يَضْرِبُ الله لِلنَّاسِ أمثالهم ﴾ والضمير راجع إلى الناس، أو إلى المذكورين من الفريقين، على معنى :أنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم.
فإن قلت :أين ضرب الأمثال ؟ قلت :في أن جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار، واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين. أو في أن جعل الإضلال مثلاً لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلاً لفوز المؤمنين.
﴿ لَقِيتُمُ ﴾ من اللقاء وهو الحرب ﴿ فَضَرْبَ الرقاب ﴾ أصله :فاضربوا الرقاب ضرباً، فحذف الفعل وقدّم المصدر فأنيب منابه مضافاً إلى المفعول. وفيه اختصار مع إعطاء معنى التوكيد ؛ لأنك تذكر المصدر وتدل على الفعل بالنصبة التي فيه. وضرب الرقاب عبارة عن القتل وإن ضرب غير رقبته من المقاتل، لأنّ الواجب أن تضرب الرقاب خاصة دون غيرها من الأعضاء، وذلك أنهم كانوا يقولون :ضرب الأمير رقبة فلان، وضرب عنقه وعلاوته، وضرب ما فيه عيناه إذا قتله، وذلك أن قتل الإنسان أكثر ما يكون بضرب رقبته، فوقع عبارة عن القتل، وإن ضرب بغير رقبته من المقاتل كما ذكرنا في قوله : ﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم ﴾ [ الشورى :٣٠ ] على أن في هذه العبارة من الغلظة والشدّة ما ليس في لفظ القتل، لما فيه من تصوير القتل بأشنع صورة وهو حز العنق وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وعلوه وأوجه أعضائه. ولقد زاد في هذه الغلظة في قوله تعالى : ﴿ فاضربوا فَوْقَ الأعناق واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ [ الأنفال :١٢ ]. ﴿ أَثْخَنتُمُوهُمْ ﴾ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه، من الشيء الثخين :وهو الغليظ. أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى أذهبتم عنهم النهوض ﴿ فَشُدُّواْ الوثاق ﴾ فأسروهم. والوثاق بالفتح والكسر :اسم ما يوثق به ( منا ) و ( فداء ) منصوبان بفعليهما مضمرين، أي :فإمّا تمنون منا، وإما تفدون فداء. والمعنى :التخيير بعد الأسر بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم، وبين أن يفادوهم.
فإن قلت :كيف حكم أسارى المشركين ؟ قلت :أمّا عند أبي حنيفة وأصحابه فأحد أمرين :إمّا قتلهم وإمّا استرقاقهم، أيهما رأى الإمام، ويقولون في المنّ والفداء المذكورين في الآية :نزل ذلك في يوم بدر ثم نسخ. وعن مجاهد :ليس اليوم منّ ولا فداء، وإنما هو الإسلام أو ضرب العنق. ويجوز أن يراد بالمنّ :أن يمنّ عليهم بترك القتل ويسترقوا. أو يمنّ عليهم فيخلوا لقبولهم الجزية، وكونهم من أهل الذمّة. وبالفداء أن يفادى بأساراهم أسارى المسلمين، فقد رواه الطحاوي مذهباً عن أبي حنيفة، والمشهور أنه لا يرى فداءهم لا بمال ولا بغيره، خيفة أن يعودوا حرباً للمسلمين، وأما الشافعي فيقول :للإمام أن يختار أحد أربعة على حسب ما اقتضاه نظره للمسلمين، وهو :القتل، والاسترقاق، والفداء بأسارى المسلمين، والمن. ويحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منّ على أبي عروة الحجبي، وعلى ثمامة بن أثال الحنفي، وفادى رجلاً برجلين من المشركين. وهذا كله منسوخ عند أصحاب الرأي. وقرىء : «فدى » بالقصر مع فتح الفاء. أو زار الحرب :آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح والكراع. قال الأعشى.
وَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا رِمَاحاً طِوَالاً وَخَيْلاً ذُكُوراً
وسميت أوزارها لأنه لما لم يكن لها بد من جرّها فكأنها تحملها وتستقل بها، فإذا انقضت فكأنها وضعتها.
وقيل :أوزارها آثامها، يعني :حتى يترك أهل الحرب. وهم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا.
فإن قلت :( حتى ) بم تعلقت ؟ قلت :لا تخلو إما أن تتعلق بالضرب والشد :أو بالمن والفداء ؛ فالمعنى على كلا المتعلقين عند الشافعي رضي الله عنه :أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن لا يكون حرب مع المشركين. وذلك إذا لم يبق لهم شوكة. وقيل :إذا نزل عيسى ابن مريم عليه السلام. وعند أبي حنيفة رحمه الله :إذا علق بالضرب والشد ؛ فالمعنى :أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك حين لا تبقى شوكة للمشركين. وإذا علق بالمن والفداء، فالمعنى :أنه يمن عليهم ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها إلا أن يتأول المن والفداء بما ذكرنا من التأويل ﴿ ذلك ﴾ أي الأمر ذلك، أو افعلوا ذلك ﴿ لانتصر منهم ﴾ لانتقم منهم ببعض أسباب الهلك :من خسف، أو رجفة، أو حاصب، أو غرق. أو موت جارف، ﴿ ولكن ﴾ أمركم بالقتال ليبلو المؤمنين بالكافرين :بأن يجاهدوا ويصبروا حتى يستوجبوا الثواب العظيم، والكافرين بالمؤمنين بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض ما وجب لهم من العذاب. وقرىء : «قتلوا » بالتخفيف والتشديد :وقتلوا. وقاتلوا. وقرىء : «فلن يضل أعمالهم »، وتضل أعمالهم :على البناء للمفعول. ويضل أعمالهم من ضل. وعن قتادة :أنها نزلت في يوم أحد.
﴿ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ أعلمها لهم وبينها بما يعلم به كل أحد منزلته ودرجته من الجنة. قال مجاهد :يهتدي أهل الجنة إلى مساكنهم منها لا يخطئون، كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا لا يستدلون عليها. وعن مقاتل :إن الملك الذي وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه فيعرفه كل شيء أعطاه الله، أو طيبها لهم، من العرف :وهو طيب الرائحة. وفي كلام بعضهم :عزف كنوح القماري وعرف كفوح القماري. أو حددها لهم ؛ فجنة كل أحد محدودة مفرزة عن غيرها، من :عرف الدار وارفها. والعرف والأَرف، الحدود.
﴿ إِن تَنصُرُواْ ﴾ دين ﴿ الله ﴾ ورسوله ﴿ يَنصُرْكُمْ ﴾ على عدوكم ويفتح لكم ﴿ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ في مواطن الحرب أو على محجة الإسلام.
﴿ والذين كَفَرُواْ ﴾ يحتمل الرفع على الابتداء والنصب بما يفسره ﴿ فَتَعْساً لَّهُمْ ﴾ كأنه قال :أتعس الذين كفروا.
فإن قلت :علام عطف قوله : ﴿ وَأَضَلَّ أعمالهم ﴾ ؟ قلت :على الفعل الذي نصب تعساً ؛ لأنّ المعنى فقال :تعسا لهم، أو فقضى تعسا لهم. وتعسا له :نقيض «لَعَاَّلَهُ » قال الأعشى :
فَالتَّعْسُ أَوْلَى لَهَا مِنْ أَنْ أَقُولَ لَعَا ***
يريد :فالعثور والانحطاط أقرب لها من الانتعاش والثبوت. وعن ابن عباس رضي الله عنهما :يريد في الدنيا القتل، وفي الآخرة التردي في النار.
﴿ كَرِهُواْ ﴾ القرآن وما أنزل الله فيه من التكاليف والأحكام، لأنهم قد ألفوا الإهمال وإطلاق العنان في الشهوات والملاذ فشق عليهم ذلك وتعاظمهم.
دمره أهلكه ودمر عليه أهلك عليه ما يختص به والمعنى دمر الله عليهم ما اختص بهم من أنفسهم وأموالهم وأولادهم وكل ما كان لهم وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا الضمير للعاقبة المذكورة أو للهلكة لأن التدمير يدل عليها أو للسنة لقوله عزّ وعلا :سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْاْ ( الأحزاب ٣٨ )
﴿ مَوْلَى الذين ءَامَنُواْ ﴾ وليهم وناصرهم. وفي قراءة ابن مسعود «ولي الذين آمنوا » ويروى :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في الشعب يوم أحد وقد فشت فيهم الجراحات، وفيه نزلت، فنادى المشركون :اعل هبل :فنادى المسلمون :الله أعلى وأجل، فنادى المشركون :يوم بيوم والحرب سجال، إن لنا عزى ولا عزى لكم ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" قولوا الله مولانا ولا مولى لكم، إن القتلى مختلفة أما قتلانا ففي الجنة أحياء يرزقون وأما قتلاكم ففي النار يعذبون "
فإن قلت :قوله تعالى : ﴿ وَرُدُّواْ إِلَى الله مولاهم الحق ﴾ [ يونس :٣٠ ] مناقض لهذه الآية. قلت :لا تناقض بينهما، لأن الله مولى عباده جميعاً على معنى أنه ربهم ومالك أمرهم ؛ وأما على معنى الناصر فهو مول المؤمنين خاصة.
﴿ يَتَمَتَّعُونَ ﴾ ينتفعون بمتاع الحياة الدنيا أياماً قلائل ﴿ وَيَأْكُلُونَ ﴾ غافلين غير مفكرين في العاقبة ﴿ كَمَا تَأْكُلُ الانعام ﴾ في مسارحها ومعالفها، غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح ﴿ مَثْوًى لَّهُمْ ﴾ منزل ومقام.
وقرىء : «وكائن » بوزن كاعن. وأراد بالقرية أهلها، ولذلك قال : ﴿ أهلكناهم ﴾ كأنه قال :وكم من قوم هم أشد قوّة من قومك الذين أخرجوك أهلكناهم. ومعنى أخرجوك :كانوا سبب خروجك.
فإن قلت :كيف قال : ﴿ فَلاَ ناصر لَهُمْ ﴾ ؟ وإنما هو أمر قد مضى. قلت :مجراه مجرى الحال المحكية، كأنه قال :أهلكناهم فهم لا ينصرون.
من زين له :هم أهل مكة الذين زين لهم الشيطان شركهم وعداوتهم لله ورسوله، ومن كان على بينة من ربه أي على حجة من عنده وبرهان :وهو القرآن المعجز وسائر المعجزات هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرىء : «أمن كان على بينة من ربه » وقال تعالى : ﴿ سواء عَمَلِهِ واتبعوا ﴾ للحمل على لفظ ﴿ مِّن ﴾ ومعناه.
فإن قلت :ما معنى قوله تعالى : ﴿ مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون فِيهَا أَنْهَارٌ ﴾ [ كمن هو خالد في النار ] ؟ قلت :هو كلام في صورة الإثبات ومعنى النفي والإنكار، لانطوائه تحت حكم كلام مصدّر بحرف الإنكار، ودخوله في حيزه، وانخراطه في سلكه، وهو قوله تعالى : ﴿ أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِه ﴾ فكأنه قيل :أمثل الجنة كمن هو خالد في النار، أي كمثل جزاء من هو خالد في النار.
فإن قلت :فلم عرّى في حرف الإنكار ؟ وما فائدة التعرية ؟ قلت :تعريته من حرف الإنكار فيها زيادة تصوير لمكابرة من يسوّى بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التي تجري فيها تلك الأنهار، وبين النار التي يسقى أهلها الحميم. ونظيره قول القائل :
أَفْرَحُ أَنْ أُرْزَأَ الْكِرَامَ وَأَنْ أُورَثَ ذُوداً شَصَائِصاً نَبلاً
هو كلام منكر للفرح برزية الكرام ووراثة الذود، مع تعريه عن حرف الإنكار لانطوائه تحت حكم قول من قال :أتفرح بموت أخيك وبوراثة إبله، والذي طرح لأجله حرف الإنكار إرادة أن يصوّر قبح ما أزنّ به فكأنه قال له :نعم مثلى يفرح بمرزأة الكرام وبأن يستبدل منهم ذوداً يقل طائلةُ وهو من التسليم الذي تحته كل إنكار، ومثل الجنة :صفة الجنة العجيبة الشأن، وهو مبتدأ، وخبره :كمن هو خالد. وقوله :فيها أنهار، داخل في حكم الصلة كالتكرير لها. ألا ترى إلى صحة قولك :التي فيها أنهار. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف هي فيها أنهار، وكأن قائلاً قال :وما مثلها ؟ فقيل :فيها أنهار، وأن يكون في موضع الحال، أي :مستقرّة فيها أنهار، وفي قراءة علي رضي الله عنه «أمثال الجنة » أي :ما صفاتها كصفات النار. وقرىء : «أسن » يقال :أسن الماء وأجن :إذا تغير طعمه وريحه. وأنشد ليزيد بن معاوية :
لَقَدْ سَقَتْنِي رُضَاباً غَيْرَ ذِي أَسنٍ كَالمِسْكِ فُتَّ عَلَى مَاءِ الْعَنَاقِيدِ
﴿ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ﴾ كما تتغير ألبان الدنيا، فلا يعود قارصاً ولا حاذراً. ولا ما يكره من الطعوم «لذة » تأنيث لذّ، وهو اللذيذ، أو وصف بمصدر. وقرىء بالحركات الثلاث، فالجر على صفة الخمر، والرفع على صفة الأنهار، والنصب على العلة، أي :لأجل لذة الشاربين. والمعنى :ما هو إلا التلذذ الخالص، ليس معه ذهاب عقل ولا خمار ولا صداع، ولا آفة من آفات الخمر ﴿ مُّصَفًّى ﴾ لم يخرج من بطون النحل فيخالطه الشمع وغيره ﴿ مَآءً حَمِيماً ﴾ قيل إذا دنا منهم شوى وجوههم، وانمازت فروة رؤوسهم، فإذا شربوه قطع أمعاءهم.
هم المنافقون :كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يلقون له بالاً تهاوناً منهم، فإذا خرجوا قالوا لأولى العلم من الصحابة، ماذا قال الساعة ؟ على جهة الاستهزاء. وقيل :كان يخطب فإذا عاب المنافقين خرجوا فقالوا ذلك للعلماء. وقيل :قالوه لعبد الله بن مسعود. وعن ابن عباس :أنا منهم، وقد سميت فيمن سئل ﴿ ءانِفاً ﴾ وقرىء : «أنفاً » على فعل، نصب على الظرف قال الزجاج :هو من استأنفت الشيء :إذا ابتدأته. والمعنى :ماذا قال في أوّل وقت يقرب منا.
﴿ زَادَهُمْ ﴾ الله ﴿ هُدًى ﴾ بالتوفيق ﴿ وَءَاتَاهم تقواهم ﴾ أعانهم عليها. أو أتاهم جزاء تقواهم. وعن السدي :بين لهم ما يتقون. وقرىء : «وأعطاهم » وقيل :الضمير في زادهم، لقول الرسول أو لاستهزاء المنافقين.
﴿ أَن تَأْتِيَهُم ﴾ بدل اشتمال من الساعة، نحو : ﴿ أن تطؤهم ﴾ من قوله : ﴿ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مؤمنات ﴾ [ الفتح :٢٥ ]، وقرىء : «أن تأتهم » بالوقف على الساعة واستئناف الشرط، وهي في مصاحف أهل مكة كذلك :
فإن قلت :فما جزاء الشرط ؟ قلت :قوله [ فأنى لهم ]. ومعناه :إن تأتهم الساعة فكيف لهم ذكراهم، أي تذكرهم واتعاظهم إذا جاءتهم الساعة، يعني لا تنفعهم الذكرى حينئذٍ، كقوله تعالى : ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان وأنى لَهُ الذكرى ﴾ [ الفجر :٢٣ ].
فإن قلت :بم يتصل قوله : ﴿ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ﴾ على القراءتين ؟ قلت :بإتيان الساعة اتصال العلة بالمعلول، كقولك :إن أكرمني زيد فأنا حقيق بالإكرام أكرمه. والأشراط :العلامات. قال أبو الأسود :
فَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ بِالصَّرْمِ بَيْنَنَا فَقَدْ جَعَلَتْ أَشْرَاط أَوَّلِهِ تَبْدُو
وقيل :مبعث محمد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم وعليهم منها، وانشقاق القمر، والدخان. وعن الكلبي :كثرة المال والتجارة، وشهادة الزور، وقطع الأرحام، وقلة الكرام، وكثرة اللئام. وقرىء : «بَغِتَة » بوزن جَرِبَةَ، وهي غريبة لم ترد في المصادر أختها، وهي مروية عن أبي عمرو، وما أخوفني أن تكون غلطة من الراوي على أبي عمرو، وأن يكون الصواب :بغتة، بفتح العين من غير تشديد، كقراءة الحسن فيما تقدم.
لما ذكر حال المؤمنين وحال الكافرين قال :إذا علمت أن الأمر كما ذكر من سعادة هؤلاء وشقاوة هؤلاء، فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله، وعلى التواضع وهضم النفس :باستغفار ذنبك وذنوب من على دينك. والله يعلم أحوالكم ومتصرفاتكم ومتقلبكم في معايشكم ومتاجركم، ويعلم حيث تستقرون في منازلكم أو متقلبكم في حياتكم ومثواكم في القبور. أو متقلبكم في أعمالكم ومثواكم من الجنة والنار. ومثله حقيق بأن يخشى ويتقى، وأن يستغفر ويسترحم. وعن سفيان بن عيينة :أنه سئل عن فضل العلم فقال :ألم تسمع قوله حين بدأ به فقال : ﴿ فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ الله واستغفر لِذَنبِكَ ﴾ فأمر بالعمل بعد العلم وقال : ﴿ اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ [ الحديد :٢٠ ] إلى قوله : ﴿ سَابِقُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ [ الحديد :٢١ ] وقال : ﴿ واعلموا أَنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ ﴾ ثم قال بعد : ﴿ فاحذروهم ﴾ [ التغابن :١٤ ] وقال : ﴿ واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ﴾ [ الأنفال :٤١ ] ثم أمر بالعمل بعد.
كانوا يدعون الحرص على الجهاد ويتمنونه بألسنتهم ويقولون : ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ ﴾ في معنى الجهاد ﴿ فَإِذآ أُنزِلَتْ ﴾ وأمروا فيها بما تمنوا وحرصوا عليه كاعوا وشق عليهم، وسقطوا في أيديهم، كقوله تعالى : ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس ﴾ [ النساء :٧٧ ]. ﴿ مُّحْكَمَةٌ ﴾ مبينة غير متشابهة لا تحتمل وجهاً إلا وجوب القتال. وعن قتادة :كل سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة، وهي أشدّ القرآن على المنافقين. وقيل لها «محكمة » لأنّ النسخ لا يرد عليها من قبل أنّ القتال قد نسخ ما كان من الصفح والمهادنة، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة. وقيل :هي المحدثة ؛ لأنها حين يحدث نزولها لا يتناولها النسخ، ثم تنسخ بعد ذلك أو تبقى غير منسوخة. وفي قراءة عبد الله «سورة محدثة » وقرىء : «فإذا نزلت سورة و ذَكَرَ فيها القتالُ » على البناء للفاعل ونصب القتال ﴿ الذين فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ﴾ هم الذين كانوا على حرف غير ثابتي الأقدام ﴿ نَظَرَ المغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت ﴾ أي تشخص أبصارهم جبناً وهلعاً وغيظاً، كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت ﴿ فأولى لَهُمْ ﴾ وعيد بمعنى :فويل لهم. وهو أفعل :من الولي وهو القرب. ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه.
﴿ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ كلام مستأنف، أي :طاعة وقول معروف خير لهم. وقيل :هي حكاية قولهم، أي قالوا ( طاعةٌ وقول ) وقول معروف، بمعنى :أمرنا طاعة وقول معروف. وتشهد له قراءة أبيّ :يقولون طاعة وقول معروف ﴿ فَإِذَا عَزَمَ الامر ﴾ أي جدّ. والعزم والجد لأصحاب الأمر. وإنما يسندان إلى الأمر إسناداً مجازياً. ومنه قوله تعالى : ﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور ﴾ [ الشورى :٤٣ ]. ﴿ فَلَوْ صَدَقُواْ الله ﴾ فيما زعموا من الحرص على الجهاد. أو :فلو صدقوا في إيمانهم وواطأت قلوبهم فيه ألسنتهم.
عسيت وعسيتم :لغة أهل الحجاز. وأما بنو تميم فيقولون :عسى أن تفعل، وعسى أن تفعلوا، ولا يلحقون الضمائر، وقرأ نافع بكسر السين وهو غريب، وقد نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات ؛ ليكون أبلغ في التوكيد.
فإن قلت :ما معنى : ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ. . . . أَن تُفْسِدُواْ فِى الأرض ﴾ ؟ قلت :معناه :هل يتوقع منكم الإفساد ؟
فإن قلت :فكيف يصح هذا في كلام الله عز وعلا وهو عالم بما كان وبما يكون ؟ قلت :معناه إنكم لما عهد منكم أحقاء بأن يقول لكم كل من ذاقكم وعرف تمريضكم ورخاوة عقدكم في الإيمان :يا هؤلاء، ما ترون ؟ هل يتوقع منكم إن توليتم أمور الناس وتأمرتم عليهم لما تبين منكم من الشواهد ولاح من المخايل ﴿ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأرض وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ ﴾ تناحرا على الملك وتهالكا على الدنيا ؟ وقيل :إن أعرضتم وتوليتم عن دين رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض :بالتغاور والتناهب، وقطع الأرحام :بمقاتلة بعض الأقارب بعضاً ووأد البنات ؟ وقرىء : «وليتم ». وفي قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه : «تُوِلِّتُم » أي :إن تولاكم ولاة غشمة خرجتم معهم ومشيتم تحت لوائهم وأفسدتم بإفسادهم ؟ وقرىء : «وتَقْطَعُوا » «وتقطعوا » من التقطيع والتقطع.
﴿ أولائك ﴾ إشارة إلى المذكورين ﴿ لَّعَنَهُمُ الله ﴾ لإفسادهم وقطعهم الأرحام، فمنعهم ألطافه وخذلهم، حتى صموا عن استماع الموعظة، وعموا عن إبصار طريق الهدى. ويجوز أن يريد بالذين آمنوا :المؤمنين الخلص الثابتين، وأنهم يتشوفون إلى الوحي إذا أبطأ عليهم، فإذا أنزلت سورة في معنى الجهاد :رأيت المنافقين فيما بينهم يضجرون منها.
﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان ﴾ ويتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر ووعيد العصاة، حتى لا يجسروا على المعاصي، ثم قال : ﴿ أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ وأم بمعنى بل وهمزة التقرير، للتسجيل عليهم بأن قلوبهم مقفلة لا يتوصل إليها ذكر. وعن قتادة :إذاً والله يجدوا في القرآن زاجراً عن معصية الله لو تدبروه، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا.
فإن قلت :لم نكرت القلوب وأضيفت الأقفال إليها ؟ قلت :أما التنكير ففيه وجهان :أن يراد على قلوب قاسية مبهم أمرها في ذلك. أو يراد على بعض القلوب :وهي قلوب المنافقين. وأما إضافة الأقفال ؛ فلأنه يريد الأقفال المختصة بها، وهي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح. وقرىء : «إقفالها » على المصدر.
﴿ الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبراً لأنّ، كقولك :إنّ زيداً عمرو مرّ به. سوّل لهم :سهل لهم ركوب العظائم، من السول وهو الاسترخاء، وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعاً ﴿ وأملى لَهُمْ ﴾ ومدّ لهم في الآمال والأماني. وقرىء : «وأملى لهم » يعني :إنّ الشيطان يغويهم وأنا أنظرهم، كقوله تعالى : ﴿ إنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ ﴾ [ آل عمران :١٧٨ ] وقرىء : «وأملى لهم » على البناء للمفعول، أي :أمهلوا ومدّ في عمرهم. وقرىء : «سوّل لهم »، ومعناه :كيد الشيطان زين لهم على تقدير حذف المضاف.
فإن قلت :من هؤلاء ؟ قلت :اليهود كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم من بعد ما تبين لهم الهدى، وهو نعته في التوراة. وقيل :هم المنافقون. الذين قالوا :هم اليهود، والذين كرهوا ما نزل الله :المنافقون. وقيل عكسه، وأنه قول المنافقين لقريظة والنضير :لئن أخرجتم لنخرجنّ معكم. وقيل : ﴿ بَعْضِ الأمر ﴾ :التكذيب برسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بلا إله إلا الله، أو ترك القتال معه. وقيل :هو قول أحد الفريقين للمشركين :سنطيعكم في التظافر على عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عن الجهاد معه. ومعنى : ﴿ فِى بَعْضِ الأمر ﴾ في بعض ما تأمرون به. أو في بعض الأمر الذي يهمكم ﴿ والله يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ﴾ وقرىء : «إسرارهم » على المصدر، قالوا ذلك سراً فيما بينهم، فأفشاه الله عليهم. فكيف يعملون وما حيلتهم حينئذٍ ؟
وقرىء : «توفاهم » ويحتمل أن يكون ماضياً، ومضارعاً قد حذفت إحدى تاءيه، كقوله تعالى : ﴿ إِنَّ الذين توفاهم الملائكة ﴾ [ النساء :٩٧ ]. وعن ابن عباس رضي الله عنهما :لا يتوفى أحد على معصية الله إلا يضرب من الملائكة في وجهه ودبره.
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارة إلى التوفي الموصوف ﴿ مَآ أَسْخَطَ الله ﴾ من كتمان نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. و ﴿ رِضْوَانَهُ ﴾ :الإيمان برسول الله.
﴿ أضغانهم ﴾ أحقادهم وإخراجها :إبرازها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين. وإظهارهم على نفاقهم وعداوتهم لهم، وكانت صدورهم تغلي حنقاً عليهم.
﴿ لأريناكهم ﴾ لعرفناكهم ودللناك عليهم. حتى تعرفهم بأعيانهم لا يخفون عليك ﴿ بسيماهم ﴾ بعلامتهم :وهو أن يسمهم الله تعالى بعلامة يُعلمون بها. وعن أنس رضي الله عنه :ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من المنافقين :كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين يشكوهم الناس، فناموا ذات ليلة وأصبحوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب :هذا منافق.
فإن قلت :أي فرق بين اللامين في ﴿ فَلَعَرَفْتَهُم ﴾ و ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ ﴾ ؟ قلت :الأولى هي الداخلة في جواب ( لو ) كالتي في ﴿ لأريناكهم ﴾ كررت في المعطوف، وأما اللام في ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ ﴾ فواقعة مع النون في جواب قسم محذوف ﴿ فِى لَحْنِ القول ﴾ في نحوه وأسلوبه. وعن ابن عباس :هو قولهم :ما لنا إن أطعنا من الثواب ؟ ولا يقولون :ما علينا إن عصينا من العقاب. وقيل :اللحن :أن تلحن بكلامك، أي :تميله إلى نحو من الأنحاء ليفطن له صاحبك كالتعريض والتورية. قال :
وَلَقَدْ لَحَنْتُ لَكُم لِكَيْمَا تَفْقَهُوا وَاللَّحْنُ يَعْرِفُهُ ذَوُو الأَلْبَابِ
وقيل للمخطىء :لاحن ؛ لأنه يعدل بالكلام عن الصواب.
﴿ أخباركم ﴾ ما يحكى عنكم وما يخبر به عن أعمالكم، ليعلم حسنها من قبيحها ؛ لأن الخبر على حسب المخبر عنه :إن حسناً فحسن، وإن قبيحاً فقبيح، وقرأ يعقوب :ونبلو، بسكون الواو على معنى :ونحن نبلو أخباركم. وقرىء : «وليبلونكم ويعلم » ويبلو بالياء. وعن الفضيل :أنه كان إذا قرأها بكى وقال :اللَّهم لا تبلنا، فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا.
﴿ وَسَيُحْبِطُ أعمالهم ﴾ التي عملوها في دينهم يرجون بها الثواب ؛ لأنها مع كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم باطلة، وهم قريظة والنضير. أو سيحبط أعمالهم التي عملوها، والمكايد التي نصبوها في مشاقة الرسول، أي :سيبطلها فلا يصلون منها إلى أغراضهم، بل يستنصرون بها ولا يثمر لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم. وقيل :هم رؤساء قريش، والمطعمون يوم بدر.
﴿ وَلاَ تُبْطِلُواْ أعمالكم ﴾ أي لا تحبطوا الطاعات بالكبائر، كقوله تعالى : ﴿ لا تَرْفَعُواْ أصواتكم فَوْقَ صَوْتِ النبى ﴾ [ الحجرات :٢ ] إلى أن قال : ﴿ أَن تَحْبَطَ أعمالكم ﴾ [ الحجرات :٢٠ ] وعن أبي العالية :كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، حتى نزلت ﴿ وَلاَ تُبْطِلُواْ أعمالكم ﴾ فكانوا يخافون الكبائر على أعمالهم. وعن حذيفة :فخافوا أن تحبط الكبائر أعمالهم. وعن ابن عمر :كنا نرى أنه ليس شيء من حسناتنا إلا مقبولاً، حتى نزل ﴿ وَلاَ تُبْطِلُواْ أعمالكم ﴾ فقلنا :ما هذا الذي يبطل أعمالنا ؟ فقلنا :الكبائر الموجبات والفواحش، حتى نزل ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ [ النساء :١١٦ ] فكففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر ونرجو لمن لم يصبها. وعن قتادة رحمه الله :رحم الله عبداً لم يحبط عمله الصالح بعمله السيء. وقيل :لا تبطلوها بمعصيتهما. وعن ابن عباس رضي الله عنهما :لا تبطلوها بالرياء والسمعة، وعنه :بالشك والنفاق، وقيل :بالعجب ؛ فإنّ العجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. وقيل :ولا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى.
﴿ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ قيل :هم أصحاب القليب، والظاهر العموم.
﴿ فَلاَ تَهِنُواْ ﴾ ولا تضعفوا ولا تذلوا للعدوّ ( و ) لا ﴿ تَدْعُواْ إِلَى السلم ﴾ وقرىء : «السلم » وهم المسالمة ﴿ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ أي الأغلبون الأقهرون ﴿ والله مَعَكُمْ ﴾ أي ناصركم. وعن قتادة :لا تكونوا أوّل الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها بالموادعة. وقرىء :«لا تدّعوا من ادّعى القوم وتداعوا :إذا دعوا. نحو قولك :ارتموا الصيد وتراموه. وتدعوا :مجزوم لدخوله في حكم النهى. أو منصوب لإضمار أنْ. ونحو قوله تعالى : ﴿ وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ ﴾ :قوله تعالى : ﴿ إِنَّكَ أَنتَ الاعلى ﴾ [ طه :٦٨ ]. ﴿ وَلَن يَتِرَكُمْ ﴾ من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلاً من ولد أو أخ أو حميم، أو حربته، وحقيقته :أفردته من قريبه أو ماله، من الوتر وهو الفرد ؛ فشبه إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر، وهو من فصيح الكلام. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام :" من فاتته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله " أي أفرد عنهما قتلاً ونهباً.
﴿ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ ﴾ ثواب إيمانكم وتقواكم ﴿ وَلاَ يَسْئَلْكُمْ أمْوَالَكُمْ ﴾ أي ولا يسألكم جميعها، إنما يقتصر منكم على ربع العشر.
ثم قال : ﴿ إِن يَسْألْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ ﴾ أي يجهدكم ويطلبه كله، والإحفاء :المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء، يقال :أحفاه في المسألة إذا لم يترك شيئاً من الإلحاح. وأحفى شاربه :إذا استأصله ﴿ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أضغانكم ﴾ أي تضطغنون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتضيق صدوركم لذلك، وأظهرتم كراهتكم ومقتكم لدين يذهب بأموالكم، والضمير في ﴿ يُخْرِجَ ﴾ لله عز وجل، أي يضغنكم بطلب أموالكم. أو للبخل ؛ لأنه سبب الاضطغان، وقرىء «تخرج » بالنون. ويخرج، بالياء والتاء مع فتحهما ورفع أضغانكم.
﴿ هؤلاء ﴾ موصول بمعنى الذين صلته ﴿ تُدْعَوْنَ ﴾ أي أنتم الذين تدعون. أو أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون، ثم استأنف وصفهم، كأنهم قالوا :وما وصفنا ؟ فقيل :تدعون ﴿ لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله ﴾ قيل :هي النفقة في الغزو. وقيل :الزكاة، كأنه قيل :الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم وكرهتم العطاء واضطغنتم أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر، فمنكم ناس يبخلون به، ثم قال : ﴿ وَمَن يَبْخَلْ ﴾ بالصدقة وأداء الفريضة. فلا يتعداه ضرر بخله، وإنما ﴿ يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ﴾ يقال بخلت عليه وعنه، وكذلك ضننت عليه وعنه. ثم أخبر أنه لا يأمر بذلك ولا يدعو إليه لحاجته إليه، فهو الغني الذي تستحيل عليه الحاجات، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ ﴾ معطوف على :وإن تؤمنوا وتتقوا ﴿ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ﴾ يخلق قوماً سواكم على خلاف صفتكم راغبين في الإيمان والتقوى، غير متولين عنهما، كقوله تعالى : ﴿ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ [ إبراهيم :١٩ ] وقيل :هم الملائكة. وقيل :الأنصار. وعن ابن عباس :كندة والنخع. وعن الحسن :العجم. وعن عكرمة :فارس والروم. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القوم وكان سلمان إلى جنبه، فضرب على فخذه وقال :" هذا وقومه، والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس "
السورة التالية
Icon