0:00
0:00

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة محمد صلى الله عليه وسلم
وتسمى سورة القتال، وسورة الذين كفروا
وهي ثمان أو تسع وثلاثون آية، وقيل :هي أربعون آية، والخلاف في قوله : ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾. وقوله : ﴿ لذة للشاربين ﴾، وهي مدنية قال الماوردي :في قول الجميع إلا ابن عباس وقتادة فإنهما قالا :إلا آية منها نزلت بعد حجة الوداع حين خرج من مكة، وجعل ينظر إلى البيت وهو يبكي حزنا عليه، فنزل قوله تعالى : ﴿ وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك ﴾، وهذا مبني على أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمشهور أن المكي ما نزل قبل الهجرة والمدني ما نزل بعدها. ولو في مكة، فعليه تكون هذه الآية مدنية وهذا كله مبني على هذا النقل الذي نقله الماوردي هنا، ونقله القرطبي أيضا هنا.
والذي نقله الخازن والخطيب وغيرهما بل والقرطبي أنها نزلت لما خرج من مكة إلى الغار مهاجرا، والنقل الثاني هو الصحيح لأنه هو الذي يناسبه التوعد بقوله : ﴿ وكأين من قرية ﴾ وأما على النقل الأول فلا يظهر هذا الوعيد لأنه في حجة الوداع فارقها مختارا بعدما صارت دار إسلام وأسلم جميع أهلها، وبدئ فتحها في السنة الثامنة، وقال الثعلبي :أنها مكية، وحكاه ابن هبة الله عن الضحاك وسعيد بن جبير، وهو غلط من القول فالسورة مدنية كما لا يخفى.
قال ابن عباس :نزلت سورة القتال بالمدينة وعن ابن الزبير نزلت بالمدينة سورة الذين كفروا.
وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهم في المغرب الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أخرجه الطبراني في الأوسط.

﴿ الذين كفروا ﴾ هم كفار قريش كفروا بالله ﴿ وصدوا ﴾ أنفسهم وغيرهم ﴿ عن سبيل الله ﴾ وهو دين الإسلام بنهيهم عن الدخول فيه، كذا قال مجاهد والسدي وابن عباس، وقال الضحاك :معنى سبيل الله بيت الله بمنع قاصديه، وقيل :هم أهل الكتاب أو عام في كل من كفر وصد ﴿ أضل أعمالهم ﴾ أي أبطلها الله وأحبطها، وجعلها ضائعة.
قال الضحاك :المعنى أبطل كيدهم ومكرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، وجعل الدائرة عليهم في كفرهم، وقيل :أبطل ما عملوه في الكفر مما كانوا يسمونه مكارم الأخلاق من صلة الأرحام وفك الأساري، وإطعام الطعام، وعمارة المسجد الحرام وإجارة المستجير، وقرى الأضياف، ونحو ذلك، وهذه- وإن كانت باطلة من أصلها- لكن المعنى أنه سبحانه حكم ببطلانها فلا يرون لها في الآخرة ثوابا، ويجزون بها في الدنيا من فضله تعالى، وقال ابن عباس :كانت لهم أعمال فاضلة لا يقبل الله مع الكفر عملا، ولما ذكر سبحانه فريق الكافرين أتبعهم بذكر فريق المؤمنين فقال :
﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ ظاهر هذا العموم، فيدخل تحته كل مؤمن من المؤمنين الذين يعملون الصالحات، ولا يمنع من ذلك خصوص سببها، فقد قيل :إنها نزلت في الأنصار قاله ابن عباس، وقيل :في ناس من قريش، وقيل في مؤمني أهل الكتاب ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. العامة على بناء نزل للمفعول مشددا، وقرئ مبنيا للفاعل، وهو الله وقرئ أنزل بالهمزة ونزل ثلاثيا، والمراد به القرآن، وهذا من عطف الخاص على العام.
﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ ظاهر هذا العموم، فيدخل تحته كل مؤمن من المؤمنين الذين يعملون الصالحات، ولا يمنع من ذلك خصوص سببها، فقد قيل :إنها نزلت في الأنصار قاله ابن عباس، وقيل :في ناس من قريش، وقيل في مؤمني أهل الكتاب ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. العامة على بناء نزل للمفعول مشددا، وقرئ مبنيا للفاعل، وهو الله وقرئ أنزل بالهمزة ونزل ثلاثيا، والمراد به القرآن، وهذا من عطف الخاص على العام.
ولا شك أن الإيمان بالقرآن المنزل على محمد من جملة أفراد ما يجب الإيمان به، وخص سبحانه وتعالى الإيمان بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، بالذكر مع الدراجة تحت مطلق الإيمان المذكور قبله تنبيها على شرفه، وعلو مكانه، وإشعارا بأن الإيمان لا يتم دونه، وأنه الأصل فيه، ولذا أكده بقوله :
﴿ وهو الحق من ربهم ﴾ ومعنى كونه الحق أنه الناسخ لما قبله، ولا ينسخ والجملة اعتراضية ﴿ كفر عنهم سيئاتهم ﴾ التي عملوها فيما مضى فإنه غفرها لهم بالإيمان والعمل الصالح ﴿ وأصلح بالهم ﴾ أي شأنهم قاله مجاهد، وقال قتادة :حالهم وقيل :أمرهم، والمعاني متقاربة، قال المبرد :البال الحال ههنا، وقيل :القلب وهو كالمصدر، ولا يعرف منه فعل ولا تجمعه العرب إلا في ضرورة الشعر، قال الجوهري :والبال أيضا رخاء العيش، يقال فلان رخي البال ؛ والبال الحوت العظم من حيتان البحر وليس بعربي والبالة القارورة والجراب ووعاء الطيب وموضع بالحجاز، وقيل والمعنى أنه عصمهم عن المعاصي في حياتهم، وأرشدهم إلى أعمال الخير وليس المراد إصلاح حال دنياهم من إعطائهم المال ونحو ذلك، وقال النقاش :إن المعنى أصلح نياتهم.
﴿ ذلك ﴾ أي ما مر مما أوعد به الكفار، ووعد به المؤمنين، أو الأمر ذلك ﴿ بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل، وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم ﴾ فالباطل الشرك والكفر، والحق التوحيد والإيمان، والمعنى أن ذلك الإضلال لأعمال الكافرين بسبب اتباعهم الباطل من الشرك بالله والعمل بمعاصيه، وذلك التكفير لسيئات المؤمنين وإصلاح بالهم، بسبب اتباعهم للحق الذي أمر الله باتباعه من التوحيد والإيمان وعمل الطاعات.
﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك البيان ﴿ يضرب ﴾ يبين ﴿ الله للناس أمثالهم ﴾ أي أحوال الفريقين الجارية مجرى الأمثال في الغرابة، قال الزجاج :كذلك يضرب لهم أمثال حسنات المؤمنين وإضلال أعمال الكافرين، يعني أن من كان كافرا أضل الله عمله، ومن كان مؤمنا كفر الله سيئاته أو جعل الإضلال، مثلا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلا لفوز الأبرار ولما بين سبحانه حال الفريقين أمر بجهاد الكفار فقال :
﴿ فإذا لقيتم ﴾ الفاء لترتيب ما في حيزها من الأمر على ما قبلها ضلال أعمال الكفرة وخيبتهم وصلاح أحوال المؤمنين وفلاحهم مما يوجب أن يترتب على كل من الجانبين ما يليق به من الأحكام ؛ أي فإذا كان الأمر كما ذكر فإذا لقيتم في المحاربة ﴿ الذين كفروا ﴾ أي المشركين.
﴿ فإذا لقيتم ﴾ الفاء لترتيب ما في حيزها من الأمر على ما قبلها ضلال أعمال الكفرة وخيبتهم وصلاح أحوال المؤمنين وفلاحهم مما يوجب أن يترتب على كل من الجانبين ما يليق به من الأحكام ؛ أي فإذا كان الأمر كما ذكر فإذا لقيتم في المحاربة ﴿ الذين كفروا ﴾ أي المشركين. ومن لم يكن صاحب عهد من أهل الكتاب ﴿ فضرب الرقاب ﴾ قال الزجاج :أي فاضربوا الرقاب ضربا، وقيل :هو منصوب على الإغراء، قال أبو عبيدة :هو كقولهم يا نفس صبرا، وقيل :التقدير أقصدوا ضرب الرقاب بالذكر لأن القتل أكثر ما يكون بقطعها، لا أن الواجب ضرب الرقبة خاصة لأن هذا لا يكاد يتأتى حالة الحرب، وإنما يتأتي القتل في أي موضع كان من الأعضاء، وقيل :لأن في التعبير عنه من الغلظة والشدة ما ليس في نفس القتل، وهي حز العنق وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وعلوه، وأحسن أعضائه.
﴿ حتى إذا أثخنتموهم ﴾ غاية للأمر بضرب الرقاب، لا لبيان غاية القتل وهو مأخوذ من الشيء الثخين أي الغليظ، وفي المصباح أثخن في الأرض إثخانا سار إلى العدو وأوسعهم قتلا، وأثخنته أوهنته بالجراحة، وأضعفته وقد مضى تحقيق معناه في الأنفال، والمعنى إذا أثقلتموهم وقهرتموهم بالقتل والجراح ومنعتموهم النهوض والحركة.
﴿ فشدوا الوثاق ﴾ بالفتح القيد والحبل، ويجيء بالكسر اسم الشيء الذي يوثق به كالرباط، قال الجوهري وأوثقه في الوثاق بكسر الواو لغة فيه والجمع وثق مثل رباط وربط وعناق وعنق، قرأ الجمهور فشدوا بضم الشين ؛ وقرئ يكسرها، وإنما أمر سبحانه بشد الوثاق لئلا يفوتوا وينفلتوا أو المعنى إذا بالغتم في قتلهم وأكثرتم القتل فيهم أمسكوا عنهم وأسروهم واحفظوهم بالوثاق.
﴿ فإما منا بعد، وإما فداء ﴾ قرأ الجمهور بالمد، وقرئ بالقصر أي فإما أن تمنوا عليهم بعد الأسر وشد الوثاق منا أو تفدوا فداء، والمن الإطلاق بغير عوض والفداء ما يفدي به الأسير نفسه من الأسر، ولم يذكر القتل هنا اكتفاء بما تقدم، وإنما قدم المن على الفداء لأنه من مكارم الأخلاق ولهذا كانت العرب تفتخر به كما قال شاعرهم :
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
قال ابن عباس في الآية :جعل الله النبي والمؤمنين بالخيار في الأساري إن شاؤوا قتولهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاؤوا فادوهم، وعنه أيضا قال :هذا منسوخ نسختها : ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ﴾ وعن الحسن قال :أتى الحجاج بأساري فدفع إلى ابن عمر رجلا يقتله فقال ابن عمر ليس بهذا أمرنا إنما قال الله : ﴿ حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء ﴾.
وعن ليث قال :قلت لمجاهد بلغني أن ابن عباس قال لا يحل قتل الأساري لأن الله قال : ﴿ فإما منا بعد وإما فداء ﴾، فقال مجاهد :لا تعبأ بهذا شيئا أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلهم ينكر هذا ويقول هذه منسوخة، إنما كانت في الهدنة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين المشركين، فأما اليوم فلا، يقول الله : ﴿ اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ أو يقول : ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ﴾ فإن كان مشركوا العرب لم يقبل منهم إلا الإسلام فإن لم يسلموا فالقتل، وأما من سواهم فإنهم إذا أسروا فالمسلمون فيهم بالخيار، إن شاؤوا قتلوهم وإن شاؤوا استحيوهم، وإن شاؤوا فادوهم إذا لم يتحولوا عن دينهم فإن أظهروا الإسلام لم يفادوا.
" ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن قتل الصغير والمرأة والشيخ الفاني "، ثم ذكر سبحانه الغاية لذلك فقال :
﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ أوزار الحرب آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها من السلاح والكراع، أسند الوضع إليها وهو لأهلها على طريق المجاز والمعنى أن المسلمين مخيرون بين تلك الأمور الأربعة إلى غاية هي أن لا تكون حرب مع الكفار بأن لا تبقى لهم شوكة، قال مجاهد :المعنى حتى لا يكون دين غير دين الإسلام، وبه قال الحسن والكلبي، قال الكسائي :حتى يسلم الخلق، وقال الفراء :حتى يؤمنوا ويذهب الكفر، أي :لا يبقى إلا مسلم أو مسالم، وقيل :المعنى حتى يضع الأعداء المحاربون أوزارهم، وهو سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة.
وروي عن الحسن وعطاء أنهما قالا :في الآية تقديم وتأخير، والمعنى فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزراها، فإذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، وقد اختلف العلماء في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة ؟ فقيل :أنها منسوخة في أهل الأوثان، وأنه لا يجوز أن يفادوا، ولا يمن عليهم، والناسخ لها قوله : ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾، وقوله : ﴿ فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم ﴾ وقوله : ﴿ وقاتلوا المشركين كافة ﴾ وبهذا قال قتادة والضحاك والسدي وابن جريج وكثير من الكوفيين قالوا :والمائدة آخر ما نزل فوجب أن يقتل كل مشرك إلا من قامت الدلالة على تركه، كالنساء والصبيان، ومن تأخذ منه الجزية، وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة.
وقيل :إن هذه الآية ناسخة لقوله : ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾، روي ذلك عن عطاء وغيره، وقال كثير من العلماء :إن الآية محكمة وإن الإمام مخير بين القتل والأسر، وبعد الأسر مخير بين المن والفداء، وبه قال مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبو عبيدة وغيرهم، وهذا هو الراجح لأن النبي صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين من بعده فعلوا ذلك، وقال سعيد بن جبير :لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان والقتل بالسيف، لقوله : ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ﴾، فإذا أسر بعد ذلك فللإمام أن يحكم بما رآه من قتل أو غيره.
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال :" يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إماما مهديا، وحكما عدلا، فيكسر، الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، وتضع الحرب أوزارها "، رواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه.
وعن سلمة بن نفيل عن النبي صلى الله عليه وسلم، من حديث قال :" ولا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج١ "، رواه ابن مردويه وابن سعد وأحمد والنسائي والبغوي والطبراني.
والحاصل أن حتى غاية لأحد الأمور الأربعة أو للمجموع عند الشافعي وأما عند أبي حنيفة فإن حمل الحرب على حرب بدر فهي غاية للمن والفداء وإن حملت على الجنس فهي غاية للضرب والشد والمراد بالوضع ترك القتال، ولو كان الشخص متقلدا بآلته.
﴿ ذلك ﴾ أي الأمر ذلك، وقيل :ذلك حكم الكفار، وقيل :افعلوا ذلك ﴿ ولو يشاء لانتصر منهم ﴾ يعني أن الله قادر على الانتصار منهم بالانتقام منهم وإهلاكهم، وتعذيبهم بما شاء من أنواع العذاب، كالخسف أو الرجفة أو غير ذلك بغير قتل ﴿ ولكن ﴾ أمركم بحربهم ﴿ ليبلو بعضكم ببعض ﴾ أي ليختبر فيعلم المجاهدين في سبيله، والصابرين على ابتلائه ويجزل ثوابهم، ويعذب الكفار بأيديهم ﴿ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ﴾ قرأ الجمهور :قاتلوا مبنيا للفاعل، وقرئ قتلوا مخففا ومشددا مبنيا للمفعول، وقرئ قتلوا على البناء للفاعل مع التخفيف من غير ألف، والمعنى على الأولى والرابعة أن المجاهدين في سبيل الله ثوابهم غير ضائع وعلى الثانية والثالثة أن المقتولين في سبيل الله كذلك لا يضيع الله سبحانه أجرهم قال قتادة :ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في يوم أحد، وقد فشت في المسلمين الجراحات والقتل،
١ وذلك من علامات الساعة..
ثم ذكر سبحانه ما لهم من جزيل الثواب عنده فقال : ﴿ سيهديهم ﴾ الله سبحانه إلى الرشد في الدنيا، وهو العمل الصالح والإخلاص فيه، ويعطيهم الثواب في الآخرة قال أبو العالية :قد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان، والطرق المفضية إليها، وقال ابن زياد :يهديهم إلى محاجة منكر ونكير في القبر ﴿ ويصلح بالهم ﴾ أي حالهم وشأنهم وأمرهم، وقيل :يرضي خصماءهم ويقبل أعمالهم.
﴿ ويدخلهم الجنة عرفها لهم ﴾ الجملة مستأنفة أو حلية بتقدير قد أو بدون تقديرها، قاله السمين، أي بينهما لهم حتى عرفوها من غير استدلال، وذلك أنهم إذا دخلوا الجنة تفرقوا إلى منازلهم، قال الواحدي :هذا قول عامة المفسرين :وقال الحسن وصف الله لهم الجنة في الدنيا، فلما دخلوها عرفوها بصفتها، وقيل :فيه حذف أي عرف طرقها ومساكنها وبيوتها، وقيل هذا التعريف بدليل يدلهم عليها، وهو الملك الموكل بالعبد يسير بين يديه، حتى يدخله منزله، كذا قال مقاتل.
ويرده حديث أبي سعيد الخدري قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزلة في الجنة من منزله الذي كان في الدنيا " ١. رواه البخاري وهذا يدل على صحة القول الأول، وقيل : ﴿ عرفها لهم ﴾ أي طيبها بأنواع الملاذ مأخوذ من العرف وهو الرائحة أو المعنى :حددها لهم بحيث يكون لكل واحد جنة مفرزة، وقيل :عرف أهل السماء أنها لهم، وقيل : ﴿ عرفها لهم ﴾ إظهارا لكرامتهم فيها، وقيل :عرف المطيعون أعمالهم، والأول أولى،
١ كذلك رواه الطبراني..
ثم وعدهم سبحانه على نصر دينه بقوله :
﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ﴾ أي دينه ﴿ ينصركم ﴾ على الكفار وعلى عدوكم ويفتح لكم، ومثله قوله ولينصرن الله من ينصره قال قطرب :إن تنصروا نبي الله ينصركم ﴿ ويثبت أقدامكم ﴾ أي يثبتكم في المعترك عند القتال. فالمراد بالأقدام الذوات بتمامها. وعبر بالقدم لأن الثبات والتزلزل يظهران فيها، وتثبيت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة في مواطن الحرب وقيل على الإسلام وقيل على الصراط.
﴿ والذين كفروا ﴾ من أهل مكة وغيرهم ﴿ فتعسا لهم ﴾ منتصب على المصدر للفعل المقدر قال الفراء :مثل سقيا لهم ورعيا، وأصل التعس الانحطاط والعثار، قال ابن السكيت :التعس أن يجر على وجهه والنكس أن يجر على رأسه، قال :والتعس أيضا الهلاك، قال الجوهري :وأصله الكب وهو ضد الانتعاش قال المبرد :أي فمكروها لهم، وقال ابن جريج :بعدا لهم وقال السدي :خزيا لهم، وقال ابن زيد :شقاء لهم، وقال الحسن شتما لهم وقال ثعلب :هلاكا لهم، وقال الضحاك وابن زياد :خيبة لهم، وقيل :قبحا لهم حكاه النقاش وقال الضحاك أيضا :رغما لهم وقال ثعلب أيضا :شرا لهم وقال أبو العالية :شقوة لهم وعنه سقوطا لهم.
قيل :والتعس في الدنيا العثرة، وفي الآخرة التردي في النار يقال للعاثر تعسا إذا دعوا عليه، ولم يريدوا قيامه وضده لعا إذا دعوا له وأرادوا قيامه، واللام في لهم للبيان كما في قوله هيت لك.
﴿ وأضل أعمالهم ﴾ معطوف على ما قبله، داخل معه في خبرية الموصول أي أبطلها لأنها كانت في طاعة الشيطان
والإشارة بقوله ﴿ ذلك ﴾ إلى ما تقدم مما ذكره الله من التعس والإضلال أي الأمر ذلك أو ذلك الأمر ﴿ بأنهم كرهوا ما أنزل الله ﴾ على رسوله من القرآن المشتمل على التكاليف، وذلك لأنهم قد ألفوا الإهمال وإطلاق العنان في الشهوات والملاذ، فلما جاء القرآن بترك ذلك كرهوه، أو ما أنزل على رسله من كتبه لاشتماله على ما في القرآن من التوحيد والبعث ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ بذلك السبب، والمراد بالأعمال ما كانوا عملوا من أعمال الخير في الصورة، وإن كانت باطلة من الأصل، لأن عمل الكافر لا يقبل قبل إسلامه،
ثم خوف سبحانه الكفار وأرشدهم إلى الاعتبار بحال من قبلهم فقال :
﴿ أفلم يسيروا في الأرض ؟ ﴾ أي في أرض عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا ﴿ فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ﴾ أي :آخر أمر الكافرين قبلهم، فإن آثار العذاب في ديارهم باقية، ثم بين سبحانه ما صنع بمن قبلهم فقال ﴿ دمر الله عليهم ﴾ التدمير الإهلاك، أي :أهلكهم واستأصلهم يقال دمره ودمر عليه بمعنى، والثاني أبلغ لما فيه من العموم، أي أهلك ما يختص به من المال والنفس ونحوها والإتيان بعلى لتضمينه معنى أطبق عليهم أي أوقعه عليهم محيطا بهم، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، ثم توعد مشركي مكة فقال : ﴿ وللكافرين ﴾ أي السائرين بسيرة من قبلهم من الكفار ﴿ أمثالهم ﴾ قال ابن عباس :يعني لكفار قومك يا محمد صلى الله عليه وسلم، مثل ما دمرت به القرى فأهلكوا بالسيف، قال الزجاج وابن جرير :الضمير راجع إلى عاقبة الذين من قبلهم من الأمم الكافرة، وإنما جمع لأن العواقب متعددة بحسب تعدد الأمم المعذبة، وقبل أمثال العقوبة أو الهلكة أو التدمير والأولى أولى ؛ لرجوع الضمير إلى ما هو مذكور قبله مع صحة معناه.
﴿ ذلك ﴾ أي ما ذكر من أن للكافرين أمثالها ﴿ بأن ﴾ أي بسبب أن قلوبهم ثم دل الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم بعد المنافقين فكان يدعو باسم الرجل من أهل النفاق.
عن ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما خرج من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال أنت أحب بلاد الله إلي ولولا أن أهلك أخرجوني منك لم أخرج فأعتى الأعداء من عتا على الله في حرمه، أو قتل غير قاتله أو قتل بدخول الجاهلية " ١ فأنزل الله : ﴿ وكأين من قرية ﴾ الآية،
﴿ فلا ناصر لهم ﴾ فبالأولى من هو أضعف منهم، وهم قريش الذين
١ رواه أحمد..
ثم ذكر سبحانه الفرق بين حال المؤمنين وحال الكافرين فقال : ﴿ أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله ؟ ﴾ الهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر كنظائره، والمعنى أنه لا يستوي من كان على يقين من ربه، وحجة وبرهان من عنده، ولا يكون كمن زين له سوء عمله وهو عبادة الأوثان، والإشراك بالله، والعمل بمعاصي الله، أي لا مماثلة بينهما ﴿ واتبعوا أهواءهم ﴾ في عبادتها، وانهمكوا في أنواع الضلالات بلا شبهة توجب الشك، فضلا عن حجة نيرة، روعي في هذين الضميرين معنى من، كما روعي فيما قبلهما لفظها،
ثم لما بين سبحانه الفرق بين الفريقين في الاهتداء والضلال بين الفرق بين مرجعهما ومآلهما فقال :
﴿ مثل ﴾ أي صفة ﴿ الجنة التي وعد المتقون ﴾ مستأنفة لشرح محاسن الجنة الموعود بها المؤمنين، وبيان ما فيها وفيه أوجه :
أحدها :أنه مبتدأ وخبره مقدر، فقدره النضر بن شميل :ما تسمعون، وقوله : ﴿ فيها أنهار ﴾ مفسر له، وقدره سيبويه :فيما يتلى عليكم مثل الجنة، والجملة بعدها أيضا مفسرة للمثل.
الثاني :أن مثل زائدة تقديره الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار.
الثالث :أن مثل الجنة مبتدأ، والخبر قوله. فيها أنهار، وفيه نظر.
الرابع :أن مثل الجنة مبتدأ خبره كمن هو خالد في النار فقدره ابن عطية أمثل أهل الجنة ؟ كمن هو خالد، فقدر حرف الإنكار ومضافا ليصح، وقدره الزمخشري :كمثل جزاء من هو خالد والجملة من قوله :فيها أنهار على هذا فيها ثلاثة أوجه :
أحدها :هي حال من الجنة، أي مستقرة فيها أنهار.
الثاني :أنها خبر لمبتدأ مضمر، أي هي فيها أنهار كأن قائلا قال :ما مثلها فقيل :فيها أنهار.
الثالث :أن يكون تكريرا للصلة لأنها في حكمها ألا ترى أنه يصح قولك :التي فيها أنهار وإنما عري من حرف الإنكار وحذف ما حذف استغناء، يجري مثله تصويرا لمكابرة من يسوي بين المتمسك بالبينة، والتابع للهوى بمكابرة من سوى بين الجنة والنار، أفاده السمين.
﴿ من ماء غير آسن ﴾ بالمد والقصر سبعيتان ولغتان، وقال الأخفش :إن الممدود يراد به الاستقبال، والمقصور يراد به الحال، يقال :أسن الماء يأسن أسونا إذا تغيرت رائحته، ومثله الآجن وزنا ومعنى، قال ابن عباس :غير متغير، يعني بخلاف ماء الدنيا فيتغير بعارض.
﴿ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ﴾ أي لم يحمض، كما تتغير ألبان الدنيا، لأنها لم تخرج من ضروع الإبل والغنم والبقر فلا يعود حامضا ولا قارصا ولا ما يكره من الطعوم ﴿ وأنهار من خمر لذة للشاربين ﴾ أي :لذيذة لهم، طيبة الشرب لا يتكرهها الشاربون بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة عند الشرب، يقال :شراب لذ ولذيذ، وفيه لذة بمعنى، ومثل هذه الآية قوله : ﴿ بيضاء لذة للشاربين ﴾، والمعنى ليس فيها حموض ولا عفوصة ولا مرارة ولا غضاضة ولم تدنسها الأرجل بالدوس :ولا الأيدي بالعصر، وليس في شربها ذهاب عقل ولا صداع ولا خمار ولا آفة من آفات الخمر، بل هي لمجرد الالتذاذ وتفريح الطبع فقط، تعويضا بخمور الدنيا كقوله تعالى : ﴿ لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون ﴾.
﴿ وأنهار من عسر مصفى ﴾ مما يخالطه من الشمع والقذاء والعكر والكدر نقلوا في العسل التذكير والتأنيث، وجاء القرآن على التذكير، وفي المصباح يذكر ويؤنث وهو الأكثر ويصغر على عسيلة على لغة التأنيث ذهابا إلى أنها قطعة من الجنس وطائفة منه ونحوه في المختار، وزاد والعاسل الذي يأخذ العسل من بيت النحل، والنحلة عسالة.
عن معاوية بن حيدة قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول :" في الجنة بحر اللبن، وبحر الماء، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار منها بعد "، أخرجه أحمد والترمذي وصححه، وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في البعث.
وعن كعب قال :نهر النيل نهر العسل في الجنة ونهر دجلة نهر اللبن في الجنة ونهر الفرات نهر الخمر في الجنة ونهر سيحان نهر الماء في الجنة.
وعن " أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، " سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة " ١ أخرجه مسلم.
قال النووي :هما غير سيحون وجيحون واللذان هما من الجنة فهما في بلاد الأرمن فسيحان نهر أردنه وجيحان نهر المصيصة وهما نهران عظيمان جدا أكبرهما جيحان هذا هو الصواب في موضعهما، ثم ذكر بعد هذا كلاما طويلا ثم قال :فأما كون هذه الأنهار من ماء الجنة ففيه تأويلان، الثاني :وهو الصحيح أنها على ظاهرها، وأن لها مادة من الجنة مخلوقة موجودة اليوم هذا مذهب أهل السنة.
﴿ ولهم فيها من كل الثمرات ﴾ أي لأهل الجنة في الجنة مع ما ذكر من الأشربة من كل صنف من أصناف الثمرات، ومن زائدة للتوكيد، وفي ذكر الثمرات بعد المشروب إشارة إلى أن مأكول أهل الجنة للذة لا لحاجة فلهذا ذكر الثمار بعد المشروب لأنها للتفكه واللذة.
﴿ ومغفرة من ربهم ﴾ لذنوبهم قبل دخولهم إليها والواو لمطلق الجمع، وتنكير مغفرة للتعظيم، أي ولهم مغفرة عظيمة كائنة من ربهم، برفع التكاليف عنهم ﴿ كمن هو خالد في النار ؟ ﴾ هو خبر لمبتدأ محذوف، أي أمن هو في نعيم الجنة على هذه الصفة خالدا فيها ؟ كمن هو خالد في النار ؟ أو خبر لقوله مثل الجنة، ورجح الأول الفراء فقال :أراد أمن كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار، وقدره الكواشي أمثل هذا الجزء الموصوف ؟ كمثل جزاء من هو خالد ؟ وهو مأخوذ من اللفظ فهو أحسن.
وقال الزجاج :أي أفمن كان على بينة من ربه وأعطي هذه الأشياء ؟ كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار ؟ وقال ابن كيسان :ليس مثل الجنة التي فيها الثمار والأنهار كمثل النار التي فيها الحميم والزقوم، وليس مثل أهل الجنة في النعيم كمثل أهل النار في العذاب الأليم وقيل :غير ذلك.
﴿ وسقوا ماء حميما ﴾ الحميم الماء الحار الشديد الحرارة والغليان، فإذا شربوه قطع أمعاءهم وهو معنى قوله ﴿ فقطع أمعاءهم ﴾ أي مصارينهم فخرجت من أدبارهم لفرط حرارته، والأمعاء جمع معي بالقصر، وألفه مبدل عن ياء لقولهم معيان، وهو ما في البطون من الحوايا ﴿ ومنهم ﴾ أي من هؤلاء الكفار الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴿ من يستمع إليك ﴾ وهم المنافقون، أفرد الضمير باعتبار لفظة ﴿ من ﴾ وجمع في قوله : ﴿ حتى إذا خرجوا من عندك ﴾ باعتبار معناها، والمعنى أن المنافقين كانوا يحضرون مواقف وعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومواطن خطبه التي يمليها على المسلمين يوم الجمعة، وحينئذ تكون هذه الآية مدنية، بل وكذا ما بعدها من الآيات الآتية فتكون مستثناة من القول بأن السورة مكية، والمعنى :حتى إذا خرجوا من عنده.
١ رواه مسلم في صحيحه..
﴿ ومنهم ﴾ أي من هؤلاء الكفار الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴿ من يستمع إليك ﴾ وهم المنافقون، أفرد الضمير باعتبار لفظة ﴿ من ﴾ وجمع في قوله : ﴿ حتى إذا خرجوا من عندك ﴾ باعتبار معناها، والمعنى أن المنافقين كانوا يحضرون مواقف وعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومواطن خطبه التي يمليها على المسلمين يوم الجمعة، وحينئذ تكون هذه الآية مدنية، بل وكذا ما بعدها من الآيات الآتية فتكون مستثناة من القول بأن السورة مكية، والمعنى :حتى إذا خرجوا من عنده.
﴿ قالوا للذين أوتوا العلم ﴾ وهم علماء الصحابة، وقيل :عبد الله بن عباس وقيل عبد الله بن مسعود :أبو الدرداء والأول أولى، أي سألوا أهل العلم فقالوا لهم على طريقة الاستهزاء : ﴿ ماذا ﴾ أي أي شيء ﴿ قال ﴾ أي النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ آنفا ؟ ﴾ بالمد والقصر أي الساعة، وبها فسره الزمخشري وقال :أنه ظرف حالي كالآن، وقال ابن عطية والمفسرون :معناه الساعة الماضية القريبة منا، وهذا تفسير بالمعنى، والمعنى أنا لم نلتفت إلى قوله ولم نرجع إليه، ومنه أمر أنف أي مستأنف، وروضة أنف، أي لم يرعها أحد، وانتصابه على الظرفية أي وقتا مؤتنفا أو حال من الضمير في قال، قال الزجاج :هو من استأنفت الشيء إذا ابتدأته.
وأصله مأخوذ من أنف الشيء لما تقدم منه مستعار من الجارحة قال ابن عباس :كنت فيمن يسأل، وعنه قال :أنا منهم، وفي هذا منقبة لابن عباس جليلة لأنه كان إذا ذاك صبيا فإن النبي صلى الله عليه وسلم، مات وهو في سن البلوغ، فسؤال الناس له عن معاني القرآني في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ١، ووصف الله سبحانه للمسؤولين بأنهم الذين أوتوا العلم وهو منهم من أعظم الأدلة على سعة علمه، ومزيد فقهه في كتاب الله وسنة رسوله، مع كون أترابه وأهل سنه إذ ذاك يلعبون مع الصبيان.
وعن عكرمة قال :" كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا خرجوا من عنده قالوا لابن عباس :ماذا قال آنفا فيقول كذا وكذا وكان ابن عباس أصغر القوم فأنزل الله الآية ". فكان ابن عباس من الذين أوتوا العلم، وعن ابن بريده قال :هو ابن مسعود، وعن ابن عباس قال :هو ابن مسعود والإشارة بقوله : ﴿ أولئك ﴾ إلى المذكورين من المنافقين، وهو مبتدأ وخبره ﴿ الذين طبع الله على قلوبهم ﴾ أي بالكفر فلم يؤمنوا، ولا توجهت قلوبهم إلى شيء من الخير.
﴿ واتبعوا أهواءهم ﴾ في الكفر والعناد، ثم ذكر حال أضدادهم فقال : ﴿ والذين اهتدوا ﴾ إلى طريق الخير فآمنوا بالله وعملوا بما أمرهم به ﴿ زادهم هدى ﴾ بالتوفيق، وقيل :زادهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل :زادهم القرآن، وقال الفراء :زادهم إعراض المنافقين واستهزاؤهم هدى، وقيل :زادهم نزول الناسخ هدى، وعلى كل تقدير فالمراد أنه زادهم إيمانا وعلما بصيرة في الدين، قال ابن عباس في الآية :لما أنزل القرآن آمنوا به، وكان هدى، فلما تبين الناسخ من المنسوخ زادهم هدى.
١ وهو ترجمان هذه الأمة..
﴿ والذين اهتدوا ﴾ إلى طريق الخير فآمنوا بالله وعملوا بما أمرهم به ﴿ زادهم هدى ﴾ بالتوفيق، وقيل :زادهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل :زادهم القرآن، وقال الفراء :زادهم إعراض المنافقين واستهزاؤهم هدى، وقيل :زادهم نزول الناسخ هدى، وعلى كل تقدير فالمراد أنه زادهم إيمانا وعلما بصيرة في الدين، قال ابن عباس في الآية :لما أنزل القرآن آمنوا به، وكان هدى، فلما تبين الناسخ من المنسوخ زادهم هدى.
﴿ وآتاهم تقواهم ﴾ أي ألهمهم إياها، وأعانهم عليها بمعنى خلق التقوى فيهم أو أعطاهم ثواب تقواهم وجزاءها، والأول أولى وأوفق لتأليف النظم لما سبق أن أغلب آيات هذه السورة الكريمة روعي فيه التقابل، فقوبل الطبع بزيادة الهدى، لأن الطبع يحصل من تزايد الرين وترادف ما يزيد في الكفر، وقوبل اتباع الهوى بإيتاء التقوى فيحمل على كمال التقوى، وهو أن يتنزه العارف عما يشغل سره عن الحق ويتبتل إليه بشر أشره، وهو التقي الحقيقي المعني بقوله : ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾، فإن المزيد على مزيد الهدى، مزيد، لا مزيد عليه، وقال الربيع :التقوى هي الخشية، وقال السدي :هي ثواب الآخرة، وقال مقاتل :هي التوفيق للعمل بما يرضاه، وقيل :العمل بالناسخ وترك المنسوخ، وقيل :ترك الرخص والأخذ بالعزائم.
﴿ فهل ينظرون ﴾ أي ما ينتظر كفار مكة ﴿ إلا الساعة ﴾ أي القيامة ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل اشتمال من الساعة أي ليس الأمر إلا أن تأتيهم ﴿ بغتة ﴾ أي فجأة، وفي هذا وعيد للكفار شديد.
وعن أبي هريرة قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بادروا بالأعمال سبعا فهل تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا ؛ أو مرضا مفسدا، أو هرما مقعدا أو موتا مجهزا أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر " ١ أخرجه الترمذي وحسنه ﴿ فقد جاء أشراطها ﴾ تعليل لمفاجأتها أو لإتيانها من حيث هو، أو هذا كالعلة للفعل باعتبار تعلقه بالبدل، لأن ظهور أشراط الشيء موجب لانتظاره، ومعنى أشراطها أماراتها وعلاماتها، وكانوا قد قرأوا في كتبهم أن النبي صلى الله عليه وسلم، آخر الأنبياء فبعثته من أشراطها قاله الحسن والضحاك، والأشراط جمع شرط بسكون الراء وفتحها، وهو العلامة، وقيل :المراد بأشراطها هنا أسبابها التي هي دون معظمها، وقيل :أراد بعلامات الساعة انشقاق القمر والدخان كذا قال الحسن، وقال الكلبي :كثرة المال والتجارة، وشهادة الزور، وقطع الأرحام، وقلة الكرام، وكثرة اللئام، قلت :كما يشاهد الآن في هذا الزمان والله المستعان.
قال ابن عباس في الآية :أول الساعات. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما " من حديث أنس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالوسطى والسبابة " ٢، ومثله عند البخاري من حديث سهل بن سعد، وفي الباب أحاديث كثيرة فيها بيان أشراط الساعة وبيان ما قد وقع منها، وما لم يكن قد وقع وهي تأتي في مصنف مستقل فلا نطيل بذكرها، وفي هذا الباب كتاب الإشاعة لأشراط الساعة، وهو نفيس جدا.
﴿ فأنى لهم إذا جاءتهم ؟ ﴾ الساعة بغتة ﴿ ذكراهم ﴾ أي :فمن أين لهم التذكر والأتعاظ والتوبة والخلاص، كقوله : ﴿ يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى ؟ ﴾.
١ رواه الترمذي..
٢ البخاري ومسلم..
﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله ﴾ أي إذا علمت أن مدار الخير هو التوحيد والطاعة، ومدار الشر هو الشرك والعمل بمعاصي الله، فاعلم أنه لا إله غيره، ولا رب سواه والمعنى أثبت على ذلك واستمر عليه ودم على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية، فإنه النافع يوم القيامة، لأنه صلى الله عليه وسلم، قد كان عالما بأنه لا إله إلا الله قبل هذا.
ويدل عليه صلى الله عليه وسلم " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة " ١ رواه مسلم، وقيل :ما علمته استدلالا فاعلمه خبرا يقينيا، وقيل :المعنى :فاذكر أنه لا إله إلا الله فعبر عن الذكر بالعلم، وقيل :الفاآت في هذه الآيات لعطف جملة على جملة بينهما اتصال.
﴿ واستغفر لذنبك ﴾ أي :استغفر الله أن يقع منك ذنب أو استغفر الله ليعصمك، أو استغفره مما ربما يصدر منك من ترك الأولى، قال القاضي عياض :إن المراد به الفترات والغفلات من الذكر الذي كان شأنه صلى الله عليه وسلم الدوام عليه، فإذا فتر وغفل عد ذلك ذنبا واستغفر منه، وقيل :يحتمل أن يكون استغفاره شكرا ويأباه قوله لذنبك، وقيل :استغفر لذنوب أهل بيتك، وهذا تكلف بلا موجب، وقيل :لتستن به أمته وليقتدوا به في ذلك، وقيل :الخطاب له والمراد الأمة ويأبى هذا قوله ﴿ وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ فإن المراد به استغفاره لذنوب أمته، بالدعاء لهم بالمغفرة عما فرط من ذنوبهم، وهذا إكرام من الله عز وجل لهذه الأمة، حيث أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لذنوبهم، وهو الشفيع المجاب فيهم إن شاء الله تعالى.
" عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الاستغفار، ثم قرأ فاعلم أنه لا إله إلا الله الآية " ٢ رواه الطبراني وابن مردويه والديلمي.
" وعن أبي هريرة في قوله ﴿ واستغفر لذنبك ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة " ٣، رواه عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وصححه ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب، وأصله في البخاري وفي رواية أكثر من سبعين.
" وعن عبد الله بن سرجس قال :أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأكلت معه من طعام فقلت :غفر الله لك يا رسول الله قال ولك، فقيل استغفر لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال نعم ولكم، وقرأ :واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات٤ أخرجه مسلم وأحمد الترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، وروي مسلم عن الأغر المزني قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم مائة مرة " ٥ وللعلماء في هذا الغين كلام طويل لا يسعه هذا الموضع، وقد وردت أحاديث في استغفاره صلى الله عليه وسلم لنفسه ولأمته وترغيبه في الاستغفار.
﴿ والله يعلم متقلبكم ﴾ في الدنيا في أعمالكم ومعايشكم ومتاجركم ﴿ ومثواكم ﴾ في الدار الآخرة، قاله ابن عباس، وقيل :متقلبكم في أعمالكم نهارا، ومثواكم في ليلكم نياما، وقيل :متقلبكم في أصلاب آبائكم إلى أرحام أمهاتكم، ومثواكم في الأرض أي :مقامكم فيها، قال ابن كيسان :متقلبكم من ظهر إلى بطن في الدنيا، ومثواكم في القبور، وقيل :منصرفكم في أعمالكم، ومثواكم أي مصيركم إلى الجنة أو النار، والمعنى أنه عالم بجميع أحوالكم، لا يخفى عليه شيء منها، وإن دق وخفى، ومثله حقيق بأن يتقي ويخشى، وأن يستغفر،
١ رواه مسلم في صحيحه..
٢ صحيح الجامع الصغير..
٣ ضعيف الجامع الصغير..
٤ مسلم وأحمد..
٥ مسلم والبخاري..
وسأل المؤمنون ربهم عز وجل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سورة يأمرهم فيها بقتال الكفار، حرصا منهم على الجهاد، ونيل ما أعده الله للمجاهدين من جزيل الثواب فحكى الله عنهم ذلك بقوله : ﴿ ويقول الذين آمنوا ﴾ من هنا إلى آخر السورة لا يظهر إلا كونه مدنيا إذ القتال لم يشرع إلا بالمدينة، وكذلك النفاق لم يظهر إلا بها فيحمل القول فيما تقدم بأنها مكية على أغلبها، وأكثرها، وكذا يحمل القول بأنها مدنية على البعض منها ﴿ لولا ﴾ هلا ﴿ نزلت سورة ﴾ فيها ذكر القتال، والأمر بالجهاد، والتحريض عليه ﴿ فإذا أنزلت سورة ﴾ في معنى الجهاد ﴿ محكمة ﴾ أي غير منسوخة ﴿ وذكر فيها القتال ﴾ أي فرض الجهاد وطلبه، قال قتادة :كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين لأن النسخ لا يرد عليها من قبل أن القتال نسخ ما كان من الصفح والمهادنة، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة، وقرأ ابن مسعود :فإذا نزلت سورة محدثة، أي محدثة النزول وقرأ الجمهور أنزلت وذكر على بناء الفعلين للمفعول وقرئ نزلت، وذكر على بنائهما للفاعل، ونصب القتال.
﴿ رأيت الذين في قلوبهم مرض ﴾ أي شك، وهم المنافقون، أو ضعف في الدين، وأصل المرض الفتور، فمرض القلوب فتورها عن قبول الحق، والأول هو الأظهر الموافق لسياق النظم الكريم ﴿ ينظرون إليك ﴾ يعني شزرا وكراهية منهم ﴿ نظر المغشي عليه من الموت ﴾ أي نظرا مثل نظر من شخص نظره وبصره عند الموت، لجبنهم عن القتال، وميلهم إلى الكفار، كدأب من أصابته غشية الموت، وقال ابن قتيبة والزجاج :يريد أنهم يشخصون نحوك بأبصارهم وينظرون إليك نظرا شديدا كما ينظر الشاخص بصره عند الموت.
﴿ فأولى لهم ﴾ قال الجوهري :أولى لك تهديد ووعيد، وكذا قال مقاتل والكلبي وقتادة، قال الأصمعي :معنى قولهم في التهديد :أولى لك أي وليك وقاربك ما تكره. وهو فعل ماض، قال ثعلب :ولم يقل في أولى أحسن مما قاله الأصمعي، وقال المبرد :يقال لمن هم بالغضب ثم أفلت أولى لك أي قاربت الغضب، وقال الجرجاني :هو مأخوذ من الويل، أي :فويل لهم وكذا قال في الكشاف.. قال قتادة أيضا :كأنه قال العقاب أولى لهم، وعلى هذا يكون إسما لا فعلا وعليه الأكثر، وفي إعرابه أوجه ذكرها السمين.
﴿ طاعة وقول معروف ﴾ كلام مستأنف أي أمرهم طاعة، أو طاعة وقول معروف خير لكم، قال الخليل وسيبويه إن التقدير طاعة وقول معروف أحسن وأمثل بكم من غيرهما، وقدره منا طاعة فقدره مقدما، وقيل :إن طاعة خبر أولى أي :الأولى بهم أن يطيعوك ويخاطبوك بالقول الحسن الخالي عن الأذية، وقيل :إن طاعة صفة لسورة، أي فإذا أنزلت سورة محكمة طاعة، أي ذات طاعة أو مطاعة، ذكره مكي وأبو البقاء، وفيه بعد لكثرة الفواصل، وقيل إن ﴿ لهم ﴾ خبر مقدم، وطاعة مبتدأ مؤخر، والأول أولى.
﴿ فإذا عزم الأمر ﴾ عزم الأمر، جد الأمر، أي جد القتال ووجب وفرض، وأسند الأمر إلى العزم- وهو لأصحابه- مجازا، وجواب إذا قيل هو قوله الآتي : ﴿ فلو صدقوا الله ﴾، وقيل :محذوف تقديره كرهوه، قال المفسرون :معناه إذا جد الأمر ولزم فرض القتال، خالفوا وتخلفوا، فلو صدقوا الله في إظهار الإيمان والطاعة ﴿ لكان خيرا لهم ﴾ من المعصية والمخالفة.
﴿ فهل عسيتم ﴾ يقال عسيت أن أفعل كذا، وعسيت بالفتح والكسر لغتان، ذكره الجوهري وهما سبعيتان، وفيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب لتأكيد التوبيخ وتشديد التقريع أي فهل يتوقع منكم ﴿ إن توليتم ﴾ أي أعرضتم عن الإيمان الذي تلبستم به ظاهرا.
﴿ أن تفسدوا في الأرض ﴾ بأنواع الفساد، قال الكلبي :فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا فيها بالظلم، وقال كعب :أن يقتل بعضكم بعضا وقال قتادة :إن توليتم عن طاعة كتاب الله عز وجل أن تفسدوا فيها بسفك الدماء وال ابن جريج :إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي، وقبل أعرضتم عن القتال وفارقتم أحكامه، فتعودوا إلى جاهليتكم، أو توليتم الحكم فجعلتم حكاما أن تفسدوا في الأرض، بأخذ الرشا، قرأ الجمهور :توليتم مبنيا للفاعل، وقرئ مبنيا للمفعول فهل عسيتم إن ولي عليكم ولاة جائرون أن يخرجوا عليكم في الفتنة وتحاربوهم.
﴿ وتقطعوا أرحامكم ﴾ بالبغي والظلم والقتل، قرأ الجمهور تقطعوا بالتشديد على التكثير، وقرئ بالتخفيف من القطع.
" عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن فقال :مه ؟ قالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال :نعم أما ترضين أن أصل من وصلك ؟ وأقطع من قطعك ؟ قالت :بلى قال :فذلك لك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :إقرأوا إن شئتم فهل عسيتم الآية " ١ أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، والأحاديث في صلة الرحم كثيرة.
١ البخاري ومسلم..
﴿ أولئك ﴾ المفسدون يدل عليه ما تقدم وفي الإشارة التفات للإيذان بأن ذكر جناياتهم أوجب إسقاطهم عن رتبة الخطاب وحكاية أحوالهم الفظيعة لغيرهم ﴿ الذين لعنهم الله ﴾ أي أبعدهم من رحمته، وطردهم عنها، ﴿ فأصمهم ﴾ عن استماع الحق ﴿ وأعمى أبصارهم ﴾ أي عن مشاهدة ما يستدلون به على التوحيد والبعث وحقية سائر ما دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل فأصم آذانهم، كما قال ﴿ وأعمى أبصارهم ﴾ ولم يقل وأعماهم لأنه لا يلزم من ذهاب الأذن ذهاب السماع، فلم يتعرض لها، والأعين يلزم من ذهابها ذهاب الإبصار.
﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ أصل التدبر التفكر في عاقبة الشيء وما يؤول إليه أمره وتدبر القرآن لا يكون إلا مع حضور القلب وجمع الهم، وقت تلاوته ويشترط فيه تقليل الغذاء من الحلال الصرف، وخلوص النية، قاله الخازن، والاستفهام للإنكار، والمعنى أفلا يتفهمونه فيعلمون بما اشتمل عليه من المواعظ الزاجرة ؟ والحجج الظاهرة ؟ والبراهين القاطعة الباهرة ؟ التي تكفي من له فهم وعقل، وتزجره عن الكفر بالله والإشراك به والعمل بمعاصيه ؟ قيل :المراد به التأسي، وقيل :هذه الآية محققة للآية المتقدمة، ومهيجة لهم على ترك ما هم من الكفر، الذي استحقوا بسببه اللعنة، أو كالتبكيت لهم على إصرارهم على الكفر.
﴿ أم ﴾ هي المنقطعة بمعنى بل، والهمزة التي للانتقال من توبيخ إلى توبيخ أي بل أ ﴿ على قلوب أقفالها ﴾ فهم لا يفهمون ولا يعقلون قال مقاتل :يعني الطبع على القلوب، والتنكير إما لتهويل حالها أو تفظيع شأنها. كأنه قيل على قلوب منكرة لا يعرف حالها. وإما لأن المراد بها قلوب بعضهم وهم المنافقون والأقفال استعارة لانغلاق القلب عن معرفة الحق، وإضافة الأقفال إلى القلوب للتنبيه على أن المراد بها ما هو للقلوب بمنزلة الأقفال للأبواب، أو أنها أقفال مخصوصة بها، مناسبة لها.
ومعنى الآية أنه لا يدخل في قلوبهم الإيمان، ولا يخرج منها الكفر والشرك، لأن الله سبحانه قد طبع عليها قرئ أقفالها بالجمع، وإقفالها بكسر الهمزة على أنه مصدر، كالإقبال، والآية بعمومها تشمل كل من لا يتدبر القرآن، ولا يتأسى به، ويدخل فيه من نزلت فيه دخولا أوليا، وأما المقلدة التاركة للتدبر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهؤلاء هم الذين على قلوبهم أقفالها.
﴿ إن الذين ارتدوا على أدبارهم ﴾ أي رجعوا كفارا كما كانوا، قال قتادة :هم كفار أهل الكتاب كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ما عرفوا نعته عندهم وبه قال ابن جريج وقال ابن عباس :هم أهل النفاق وقال الضحاك والسدي :هم المنافقون قعدوا عن القتال وهذا أولى لأن السياق في المنافقين.
﴿ من بعد ما تبين لهم الهدى ﴾ بما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من المعجزات الظاهرة والآيات القاهرة والدلائل الواضحة، والبراهين الباهرة ﴿ الشيطان سول لهم ﴾ أي زين لهم خطاياهم، وسهل لهم الوقوع فيها، وإقتراف الكبائر، والجملة خبر إن.
﴿ وأملى لهم ﴾ أي مد لهم في الآمال والأماني ووعدهم طول العمر وقيل :إن الذي أملي لهم هو الله عز وجل على معنى أنه لم يعالجهم بالعقوبة، قرأ الجمهور أملى على البناء للفاعل، وقرئ على البناء للمفعول، أي أمهلوا ومد في عمرهم، واختار القول بأن الفاعل هو الله الفراء والمفضل والأولى اختيار أنه الشيطان لتقدم ذكره قريبا.
﴿ ذلك ﴾ أي ما تقدم من ارتدادهم أو التسويل والإملاء والأول أولى ﴿ بأنهم ﴾ أي بسبب أن هؤلاء المنافقين الذين ارتدوا على أدبارهم ﴿ قالوا للذين كرهوا ما نزل الله ﴾ وهم المشركون ﴿ سنطيعكم في بعض الأمر ﴾ وهذا البعض هو عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومخالفة ما جاء به، وقيل المعنى أن المنافقين قالوا لليهود سنطيعكم في بعض الأمر كالقعود عن الجهاد، والموافقة في الخروج معهم إن خرجوا والتظافر على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقيل :إن القائلين اليهود والذين كرهوا المنافقون ويؤيد كون القائلين المنافقين والكارهين اليهود قوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم ﴾ ولما كان قولهم المذكور للذين كرهوا ما أنزل الله بطريقة السر بينهم قال الله سبحانه :
﴿ والله يعلم إسرارهم ﴾ بكسر الهمزة على المصدر، أي إخفاءهم، وبها قرأ الكوفيون وقرأ الجمهور بفتحها على أنه جمع سر ﴿ فكيف إذا توفتهم الملائكة ﴾ الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها وكيف في محل رفع على أنها خبر مقدم، والتقدير فكيف علمه بأسرارهم إذا توفتهم الملائكة، أو في محل نصب بفعل محذوف، أي فكيف يصنعون ؟ أو خبر لكان مقدرة، أي فكيف يكونون والظرف معمول للمقدر، قرأ الجمهور :توفتهم، وقرئ توفاهم وقوله :
﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ في محل نصب على الحال من فاعل توفتهم، أو من مفعوله أي ضاربين وجوههم، وضاربين أدبارهم وفي الكلام تخويف وتشديد، والمعنى أنه إذا تأخر عنهم العذاب فسيكون حالهم هذا وهو تصوير لتوفيهم على أقبح حال وأشنعه، قيل :لا يتوفى أحد على معصية إلا يضرب الملائكة في وجهه ودبره، وقيل :ذلك عند القتال نصرة من الملائكة لرسول الله، وقيل ذلك يوم القيامة والأول أولى.
﴿ فكيف إذا توفتهم الملائكة ﴾ الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها وكيف في محل رفع على أنها خبر مقدم، والتقدير فكيف علمه بأسرارهم إذا توفتهم الملائكة، أو في محل نصب بفعل محذوف، أي فكيف يصنعون ؟ أو خبر لكان مقدرة، أي فكيف يكونون والظرف معمول للمقدر، قرأ الجمهور :توفتهم، وقرئ توفاهم وقوله :
﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ في محل نصب على الحال من فاعل توفتهم، أو من مفعوله أي ضاربين وجوههم، وضاربين أدبارهم وفي الكلام تخويف وتشديد، والمعنى أنه إذا تأخر عنهم العذاب فسيكون حالهم هذا وهو تصوير لتوفيهم على أقبح حال وأشنعه، قيل :لا يتوفى أحد على معصية إلا يضرب الملائكة في وجهه ودبره، وقيل :ذلك عند القتال نصرة من الملائكة لرسول الله، وقيل ذلك يوم القيامة والأول أولى.
﴿ ذلك ﴾ أي التوفي المذكور على الصفة المذكورة ﴿ بأنهم اتبعوا ما أسخط الله ﴾ أي بسبب اتباعهم ما بسخط الله من الكفر والمعاصي، وقيل :كتمانهم ما في التوراة من نعت نبينا صلى الله عليه وسلم، والأول أولى، لما في الصيغة من العموم ﴿ وكرهوا رضوانه ﴾ أي ما يرضاه الله من الإيمان والتوحيد والطاعة ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ بهذا السبب والمراد الأعمال التي صورتها صورة الطاعة، وإلا فلا عمل لكافر أو ما كانوا قد عملوا قبل الردة من الخير.
﴿ أم ﴾ أي :بل أ ﴿ حسب الذين في قلوبهم مرض ﴾ يعني المنافقين الذين فصلت أحوالهم الشنيعة، ووصفوا بوصفهم السابق، بكونه المدار في النعي عليهم بقوله ﴿ أن لن يخرج الله أضغانهم ﴾ والمعنى :أن ذلك مما لا يكاد أن يدخل تحت الاحتمال، والإخراج بمعنى الإظهار، والأضغان جمع ضغن، وهو ما يضمر من المكروه، واختلف في معناه فقيل :هو الغش، وقيل :الحسد، وقيل :الحقد، قال الجوهري :الضغن والضغينة الحقد قال قطرب :هو في الآية العداوة، وأن هي المخففة من الثقيلة، وإسمها ضمير شان مقدر، قال ابن عباس :أضغانهم أعمالهم، خبثهم والحسد الذي في ﴿ الله مولى الذين آمنوا ﴾ أي ناصرهم ووليهم ﴿ وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ أي لا ناصر يدفع عنهم كما يؤخذ من مقابله، وهذا لا يخالف قوله ﴿ ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ﴾، فإن المولى فيه بمعنى المالك لا بمعنى الناصر، قال قتادة :نزلت يوم أحد، وقرأ ابن مسعود : ﴿ ولي الذين ﴾.
﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ قد تقدم تفسير الآية في غير موضع، وتقدم كيفية جري الأنهار من تحت الجنات، والجملة مسوقة لبيان ولاية الله للمؤمنين وثمرتها الأخروية ﴿ والذين كفروا يتمتعون ﴾ بمتاع الدنيا أياما قلائل، وينتفعون به غير متفكرين في العاقبة.
﴿ ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴾ في معالفها ومسارحها غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح، والمعنى كأنهم أنعام ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم، ساهون عن العاقبة لاهون بما هم فيه، لا يلتفتون إلى الآخرة ﴿ والنار مثوى لهم ﴾ أي مقام يقيمون به، ومنزل ينزلونه ويستقرون فيه، ومصير يصيرون إليه، والجملة في محل نصب على الحال أو مستأنفة.
ثم خوف الله سبحانه الكفار بأنه قد أهلك من هو أشد منهم فقال :
﴿ وكأين من قرية ﴾ قد قدمنا أن كأين مركبة من الكاف وأي، وأنها بمعنى كم الخبرية أي وكم من قرية، والمعنى كم من أهل قرية كذبت رسلها ﴿ هي ﴾ أي هم ﴿ أشد قوة من ﴾ أهل ﴿ قريتك التي أخرجتك ﴾ أي أخرجوك منها ﴿ أهلكناهم ﴾ فكذلك نفعل بأهل قريتك فاصبر كما صبر رسل أهل هؤلاء القرى قال مقاتل :أي أهلكناهم بالعذاب حين كذبوا رسلهم.
﴿ ولو نشاء لأريناكم ﴾ أي لأعلمناكم وعرفناكم بأعيانهم معرفة تقوم مقام الرؤية تقول العرب :سأريك ما أصنع أي سأعلمك والإلتفات إلى نون العظمة لإبراز العناية بالإراءة ﴿ فلعرفتهم بسيماهم ﴾ أي بعلامتهم الخاصة بهم التي يتميزون بها قال الزجاج :المعنى لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة وهي السيما فلعرفتهم بتلك العلامة قال أنس :ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية أحد من المنافقين وكان يعرفهم بسيماهم، وتكرير اللام للمبالغة أو للتأكيد.
﴿ ولتعرفنهم في لحن القول ﴾ قال المفسرون :لحن القول فحواه ومقصده ومغزاه، وما يعرضون به من تهجين أمرك، وأمر المسلمين، وكان بعد هذا لا يتكلم منافق عنده إلا عرفه، قال أبو زيد :لحنت له اللحن إذا قلت له قولا بفقهه عنك، ويخفي على غيره، وأصل اللحن إمالة الكلام وصرفه إلى نحو من الأنحاء لغرض من الأغراض بإزالة الإعراب أو التصحيف والأول محمود، والثاني مذموم، قال أبو سعيد الخدري في الآية :لحن القول ببغضهم علي بن أبي طالب.
﴿ والله يعلم أعمالكم ﴾ لا تخفي عليه منها خافية فيجازيكم بها، وفيه وعيد شديد ووعد للمؤمنين وإيذان بأن حالهم بخلاف حال المنافقين
﴿ ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ﴾ أي :لنعاملنكم معاملة المختبر، وذلك بأن نأمركم بالجهاد حتى نعلم علم ظهور من امتثل الأمر بالجهاد، وصبر على دينه ومشاق ما كلف به ﴿ ونبلو أخباركم ﴾ أي نظرها ونكشفها إمتحانا لكم، ليظهر للناس من أطاع الله فيما أمره، ومن عصى ولم يمتثل، وقرئ بالياء والنون في الأفعال الثلاثة، وعن الفضيل رحمة الله أنه كان إذا قرأها بكى وقال :اللهم لا تبتلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا.
هم أهل قرية النبي صلى الله عليه وسلم، وهي مكة، فالكلام على حذف المضاف كما في قوله { واسأل القرية )، والجملة بيان لعدم خلاصهم من العذاب بواسطة الأعوان والأنصار إثر بيان عدم خلاصهم منه بأنفسهم، والفاء لترتيب ذكر ما بالغير على عدم ما بالذات، وهو حكاية حال ماضية إذ كان الظاهر أن يقال فلم ينصرهم ناصر لأن هذا إخبار عما مضى.
﴿ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ﴾ المراد بهؤلاء المنافقون، وقيل :أهل الكتاب، وقيل :هم المطمعون يوم بدر من المشركين، وقيل :نزلت في قريظة والنضير، ومعنى صدهم منعهم للناس عن الإسلام، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿ وشاقوا الرسول ﴾ أي عادوه وخالفوه ﴿ من بعد ما تبين لهم الهدى ﴾ أي علموا أنه صلى الله عليه وسلم نبي من عند الله سبحانه وتعالى، بما شاهدوا من المعجزات الواضحة، والحجج القاطعة ﴿ لن يضروا الله ﴾ ورسوله ﴿ شيئا ﴾ بتركهم الإيمان، وإصرارهم على الكفر، وما ضروا إلا أنفسهم.
﴿ وسيحبط أعمالهم ﴾ أي يبطلها، والمراد بهذه الأعمال ما صورته صورة أعمال الخير، كإطعام الطعام، وصلة الأرحام، وسائر ما كانوا يفعلونه من الخير، وإن كانت باطلة من الأصل، لأن الكفر مانع، وقيل :المراد بالأعمال المكايد التي نصبوها لإبطال دين الله والغوائل التي كانوا يبغونها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أمر سبحانه عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال : ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ فيما أمرتم به من الشرائع المذكورة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نهاهم عن أن يبطلوا أعمالهم كما أبطلت الكفار أعمالهم بالإصرار على الكفر، فقال :
﴿ ولا تبطلوا أعمالكم ﴾ قال الحسن :أي لا تبطلوا حسناتكم بالمعاصي، وقال الزهري :بالكبائر وهو الأولى، وقال الكلبي وابن جريج :بالرياء والسمعة، وقال مقاتل :بالمن، وقال عطاء :بالنفاق والشرك، قلت :والظاهر النهي عن كل سبب من الأسباب التي توصل إلى بطلان الأعمال، كائنا ما كان، من غير تخصيص بنوع معين، عن أبي العالية قال :كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، حتى نزلت هذه الآية، فخافوا أن يبطل الذنب العمل، وفي لفظ فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالهم.
﴿ ولا تبطلوا أعمالكم ﴾ قال الحسن :أي لا تبطلوا حسناتكم بالمعاصي، وقال الزهري :بالكبائر وهو الأولى، وقال الكلبي وابن جريج :بالرياء والسمعة، وقال مقاتل :بالمن، وقال عطاء :بالنفاق والشرك، قلت :والظاهر النهي عن كل سبب من الأسباب التي توصل إلى بطلان الأعمال، كائنا ما كان، من غير تخصيص بنوع معين، عن أبي العالية قال :كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، حتى نزلت هذه الآية، فخافوا أن يبطل الذنب العمل، وفي لفظ فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالهم.
" وعن ابن عمر قال :كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول، حتى نزلت هذه الآية فلما نزلت قلنا :ما هذا الذي يبطل أعمالنا ؟ فقلنا :الكبائر الموجبات، والفواحش، فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها قلنا قد هلك حتى نزلت هذه الآية ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾، فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، وكنا إذا رأينا أحدا أصاب منها شيئا خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئا رجوناه " ١.
واستدل بهذه الآية من لا يرى إبطال النوافل، حتى لو دخل في صلاة تطوع، أو صوم تطوع، لا يجوز له إبطال ذلك العمل والخروج منه، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله، وقال الشافعي بخلافه، ولا دليل لهم في الآية، ولا حجة، لأن السنة مبينة للكتاب.
وقد ثبت في الصحيحين :" أن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح صائما فلما رجع إلى البيت وجد حيسا، فقال لعائشة :قربيه فلقد أصبحت صائما، فأكل، " ٢ وهذا معنى الحديث، وليس بلفظه، فليس في هذه الآية دليل كما ظنه الزمخشري على إحباط الطاعات بالكبائر على ما زعمت المعتزلة والخوارج، فجمهورهم على أن كبيرة واحدة تحبط جميع الطاعات، حتى إن من عبد الله طول عمره،
١ انظر زاد المسير..
٢ صحيح البخاري..
ثم شرب جرعة خمر فهو كمن لم يعبده قط، ثم بين سبحانه أنه لا يغفر للمصرين على الكفر والصد عن سبيل الله فقال :
﴿ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ﴾ فقيد سبحانه عدم المغفرة بالموت على الكفر، لأن باب التوبة وطريق المغفرة لا يغلقان على من كان حيا، وظاهر الآية العموم، وإن كان السبب خاصا، نزلت في أصحاب القليب، قاله المحلي، لكن حكمها عام في كل كافر مات على كفره،
ثم نهى سبحانه المؤمنين عن الوهن والضعف فقال :
﴿ فلا تهنوا ﴾ أي فلا تضعفوا عن القتال، والوهن الضعيف، والخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والحكم عام لجميع المسلمين ﴿ وتدعوا إلى السلم ﴾ أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح ابتداء منكم، فإن ذلك لا يكون إلا عند الضعف. قال الزجاج :منع الله المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح وأمرهم بحربهم حتى يسلموا، وقرئ تدعوا من ادعى القوم وتداعوا، والسلم بفتح السين وكسرها سبعيتان، قال قتادة :معنى الآية لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها.
واختلف أهل العلم في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة ؟ فقيل :إنها محكمة، وأنها ناسخة لقوله : ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ وقيل :منسوخة بهذه الآية، ولا يخفاك أنه لا مقتضى للقول بالنسخ، فإن الله سبحانه نهى المسلمين في هذه الآية عن أن يدعو إلى السلم ابتداء ولم ينه عن قبول السلم إذا جنح إليه المشركون، فالآيتان محكمتان، ولم يتواردوا على محل واحد حتى يحتاج إلى دعوى النسخ أوالتخصيص، بل نزلتا في وقتين مختلفي الأحوال، وجملة ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ حالية أو مستأنفة مقررة لما قبلها من النهي، أي وأنتم القاهرون الغالبون بالسيف والحجة، قال الكلبي :أي آخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات.
﴿ والله معكم ﴾ بالنصر والمعونة عليهم ﴿ ولن يتركم أعمالكم ﴾ أي لن ينقصكم شيئا من ثواب أعمالكم، يقال :وتره يتره وترا إذا أنقصه حقه، وأصله من وترت الرجل إذا قتلت له قريبا أو نهبت له مالا، ويقال :فلان مأتور إذا قتل له قتيل، ولم يؤخذ بدمه، قال الجوهري :أي لن ينقصكم في أعمالكم، كما تقول :دخلت البيت وأنت تريد في البيت، قال الفراء :هو مشتق من الوتر وهو الذحل وقيل :مشتق من الوتر وهو الفرد، فكأن المعنى ولن يفردكم بغير ثواب قال ابن عباس :يتركم يظلمكم.
﴿ إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ﴾ أي باطل وغرور، لا أصل لشيء منها، ولا ثبات له، ولا اعتداد به، تنقطع في أسرع مدة فكيف تمنعكم عن طلب الآخرة ؟ واللعب ما يشغل الإنسان، وليس فيه منفعة في الحال ولا في المال ثم إذا استعمله الإنسان ولم يشغله عن غيره ولم ينسه أشغاله المهمة فهو اللعب، وإن أشغله عن مهمات نفسه فهو اللهو ﴿ وإن تؤمنوا ﴾ بالله ﴿ وتتقوا ﴾ الكفر والمعاصي ﴿ يؤتكم أجوركم ﴾ أي جزاء ذلك في الآخرة والأجر الثواب على الطاعة.
﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ أي :لا يأمركم بإخراجها جميعها في الزكاة وسائر وجوه الطاعات، بل أمركم بإخراج القليل منها غيضا من فيض، أي ربع العشر وهو الزكاة، وبه قال ابن عيينة وغيره، وقيل :المعنى ولا يسألكم أموالكم، إنما يسألكم أمواله لأنه أملك لها، وهو المنعم عليكم بإعطائها وقيل :لا يسألكم محمد صلى الله عليه وسلم أموالكم أجرا على تبليغ الرسالة، كما في قوله : ﴿ وما أسألكم عليه من أجر ﴾ والأول أولى.
﴿ إن يسألكموها ﴾ أي أموالكم كلها ﴿ فيحفكم ﴾ أي يبالغ في طلبها، قال المفسرون :يجهدكم ويلحف عليكم بمسألة جميعها ؛ يقال :أحفى بالمسألة، وألحف وألح، بمعنى واحد والمحفي المستقصي في السؤال والإحفاء والإستقصاء في الكلام، ومنه إحفاء الشارب أي استئصاله، وجواب الشرط قوله : ﴿ تبخلوا ﴾ أي إن يأمركم بإخراج جميع أموالكم تبخلوا بها، وتمتنعوا من الامتثال.
﴿ ويخرج أضغانكم ﴾ الأضغان الأحقاد، والمعنى أنها تظهر عند ذلك قال قتادة :قد علم الله أن في سؤال المال خروج الأضغان لدين الإسلام من حيث محبة المال بالجبلة والطبيعة، ومن نوزع في حبيبه ظهرت طويته التي كان يسرها.
﴿ ها أنتم ﴾ يا مخاطبون ﴿ هؤلاء ﴾ الموصوفون وجملة ﴿ تدعون ﴾ مستأنفة مقررة ومؤكدة لما قبلها لاتحاد محصل معناها ﴿ لتنفقوا في سبيل الله ﴾ أي في الجهاد، وفي طرق الخير ﴿ فمنكم من يبخل ﴾ بما يطلب منه ويدعي إليه من الإنفاق في سبيل الله، وإذا كان منكم من يبخل باليسير من المال، فكيف لا يبخلون بالكثير، وهو جميع الأموال، ومقابله ومنكم من يجود وحذف، لأن المراد الإستدلال على البخل ثم بين سبحانه أن ضرر البخل عائد على النفس فقال :
﴿ ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ﴾ أي :يمنعهما الأجر والثواب، وبخل وضن يتعديان تارة بعلى، وبعن أخرى، لتضمينهما معنى الإمساك، والتعدي قال السمين :والأجود أن يكونا حال تعديهما بعن مضمنين معنى الإمساك وقيل :المعنى يبخل عن داعي نفسه، لا عن داعي ربه ﴿ والله الغني ﴾ المطلق المتنزه عن الحاجة إلى أموالكم ﴿ وأنتم الفقراء ﴾ إلى الله وإلى ما عنده من الخير والرحمة.
﴿ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ﴾ معطوف على الشرطية المتقدمة وهي إن تؤمنوا والمعنى إن تعرضوا عن الإيمان والتقوى، يستبدل قوما آخرين يكونوا مكانكم، هم أطوع لله منكم.
" عن ابن عباس قال :لما نزلت هذه الآية قالوا :من هؤلاء ؟ وسليمان إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :هم الفرس هذا وقومه "، وفي إسناده مسلم الزنجي، قد تفرد به، وفيه مقال معروف، ولهذا حديث طرق في الصحيح١،
" وعن أبي هريرة قال :تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقالوا :يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا ؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان، ثم قال :هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس " أخرجه الترمذي وابن مردويه من حديث جابر والطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل، وعبد بن حميد وعبد الرزاق وفي إسناده أيضا مسلم ابن خالد الزنجي نحوه.
وقال عكرمة :هم فارس والروم، وقال الحسن :هم العجم، وقال شريح بن عبيد :هم أهل اليمن وقيل الأنصار وقيل :الملائكة، وقيل :التابعون وقال مجاهد :هم من شاء الله من سائر الناس، وقال الكلبي :هم كندة والنخعي عن عرب اليمن، وقال المحاسبي :فلا أحد يعد من جميع أجناس الأعاجم أحسن دينا، ولا كانت منهم العلماء إلا الفرس.
" وحكي عن أبي موسى الأشعري :أنه لما نزلت هذه الآية فرح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال هي أحب إلي من الدنيا " والله أعلم ولينظر في سنده.
﴿ ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾ في التولي عن الإيمان والتقوى، بل مطيعين له عز وجل، قال ابن جرير في البخل بالإنفاق في سبيل الله، وكلمة ثم للدلالة على أن مدخولها مما يستبعده المخاطبون لتقارب الناس في الأحوال واشتراكهم في الميل إلى المال.
١ الطبراني: ٢٦/٦٦..
السورة التالية
Icon