0:00
0:00

سورة محمد
[ ١ ] الحرب في الإسلام
التحليل اللفظي
﴿ أَثْخَنتُمُوهُمْ ﴾ :أكثرتم فيهم القتل والجراح، يقال :أثخن العدو :إذا أكثر فيه الجراح، قال في « اللسان » :والإثخان في كل شيء قوّته وشدّته، يقال :قد أثخنه المرض إذا اشتدت قوته عليه ووهَنه، وأثخنته الجراحة :أوهنته، وقوله تعالى : ﴿ حتى يُثْخِنَ فِي الأرض ﴾ [ الأنفال :٦٧ ] معناه حتى يبالغ في قتل أعدائه.
﴿ الوثاق ﴾ :الوَثاق :في الأصل مصدر كالخلاص، وأريد به هنا ما يوثق به أي ما يربط كالحبل وغيره.
قال في اللسان :والوَثاق اسم الإيثاق، تقول :أوثقته إيثاقاً ووَثاقاً، والحبل أو الشيء الذي يوثق به ( وِثاق ) والجمع الوُثُق بمنزلة الرّباط والرّبُط.
وقال الجوهري :وأوثقه في الوَثَاق :أي شدّه، ومنه قوله تعالى ﴿ فَشُدُّواْ الوثاق ﴾ والوِثاق بكسر الواو لغة فيه. ا ه.
والمراد في الآية الكريمة :أسر الأعداء لئلا يفلتوا.
﴿ مَنًّا ﴾ :مصدر منّ ومعناه :أن يطلق سَراح الأسير بدون فداء، وبدون مقابل. قال الشاعر :
ما كان ضرّك لو مَنَنْتَ وربما منّ الفتى وهو المَغيط المُحْنَقُ
﴿ فِدَآءً ﴾ :مصدر فادى :والفداء أن يطلق الأسير مقابل مالٍ يأخذه منه.
قال في اللسان :الفِداء بالكسر :فكاك الأسير، والعرب تقول :فاديت الأسير وتقول :فديته بمالي، وفديته بأبي وأمي، إذا لم يكن أسيراً، وإذا كان أسيراً مملوكاً قلتَ :فاديته، قال الشاعر :
ولكنّني فاديتُ أمّي بعدما علا الرأسَ منها كَبْرةٌ ومشيبُ
﴿ أَوْزَارَهَا ﴾ :الأوزار جمع وِزْر، وهو في الأصل :الإثم والذنب، ويطلق على الحمل الثقيل، والمراد به آلات الحرب وأثقالها من السلاح، والخيل، والعتاد، وسمي السلاح « أوزاراً » لأنه يُحمل لثقله، قال الأعشى :
وأعددتُ للحرب أوزارها رماحاً طوالاً، وخيلاً ذكوراً
وإنما جاء الضمير مؤنثاً ( أوزارها ) لأن الحرب مؤنثة.
ومعنى الآية :حتى تنتهي الحرب، وتضع سلاحها، فلا يكون قتال مع المشركين لضعف شوكتهم.
﴿ ذلك ﴾ :اسم الإشارة « ذلك » جيء به للفصل بين كلامين، وقد كثر في لغة العرب استعمال اسم الإشارة عند الفصل بين كلامين والانتقال من الكلام الأول للثاني، كأنه قيل :ذلك ما كنا نريد أن نقول في هذا الشأن، ونقول بعده كذا.. وكذا.
﴿ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ﴾ :أي انتصر منهم بدون أن يكلِّفكم بحرب أو قتال، فالله سبحانه قادر على إهلاك الكفار بدون حرب المسلمين لهم، ولكنه ابتلاء من الله سبحانه : ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ ﴾ [ محمد :٣١ ].
قال الألوسي :قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ﴾ أي لانتقم منهم ببعض أسباب الهلاك من خسفٍ، أو رجفةٍ، أو غرقٍ، أو موتٍ جارف.
﴿ لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ :أي أمركم سبحانه بالحرب ﴿ لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ فيثيب المؤمن ويُكرمه بالشهادة، ويُخزي الكافر بالقتل والعذاب، والابتلاء في اللغة :الامتحان والاختبار.
﴿ يُضِلَّ أعمالهم ﴾ :أي فلن يضيع أعمالهم بل ستحفظ وتخلّد لهم، ويُجزون عليها الجزاء الأوفى يوم الدين.
﴿ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ :أي بيّنها لهم وأعلمهم منازلهم فيها فلا يخطئونها، أو عرّفها لهم في الدنيا بذكر أوصافها كما قال تعالى : ﴿ مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ... ﴾ [ محمد :١٥ ] الآية.
المعنى الإجمالي
يأمر الله سبحانه المؤمنين عند لقاء الكفار في الحرب، الاّ تأخذهم شفقة عليهم، بل ينبغي أن يُحكِّموا السلاح في رقابهم، ويحصدونهم بسيوفهم حصداً، حتى إذا غلبوهم، وقهروهم، وكسروا شوكتهم، عند ذلك عليهم أن يشدوا الوثاق وهو كناية عن وقوعهم أسرى في أيدي المؤمنين، فإذا انتهت الحرب فالمؤمنون عند ذلك بالخيار، إمّا أن يمنّوا على الأسرى فيطلقوا سراحهم بدون عوض، وإمّا أن يأخذوا منهم الفداء ليستعين به المسلمون على مصالحهم، بعد أن تضعف عزائم المشركين وتكسر شوكتهم.
ثم بيّن الله سبحانه الحكمة من مشروعية القتال مع قدرته تعالى أن ينتصر من أعدائه من غير أن تكون حرب بين المؤمنين والكافرين، وتلك الحكمة هي امتحان الناس، واختبار صبرهم على المكاره، واحتمالهم للشدائد في سبيل الله ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين ﴾ [ آل عمران :١٤٢ ].
ثم بيّن الله تعالى بعد ذلك أنّ الذين أكرمهم الله بالشهادة في سبيله، ستحفظ أعمالهم.
وتخلّد لهم، ثم هم بعد ذلك في روضات الجنات يُحبرون وفي ذلك حضّ على الجهاد، وترغيب للخروج في سبيل الله لينال المؤمن إحدى الحسنَيْين :إما النصر والعزة في الدنيا، وإمّا الشهادة في سبيل الله.
وجوه القراءات
أولاً :قوله تعالى : ﴿ فَشُدُّواْ الوثاق ﴾ قرأ الجمهور ﴿ الوَثَاق ﴾ بفتح الواو، وقرئ ﴿ الوِثاق ﴾ بالكسر وهو اسم لما يوثق به.
قال الألوسي : « ومجيء ( فِعال ) اسم آلة كالحِزام والركاب نادر على خلاف القياس، وظاهر كلام بعضهم أنّ كلاً من المفتوح والمكسور اسم بما يوثق به ».
ثانياً :قوله تعالى : ﴿ وَإِمَّا فِدَآءً ﴾ قرأ الجمهور بالمدّ، وقرأ ابن كثير ﴿ وإمّا فَدَى ﴾ بالفتح والقصر كعصا.
قال أبو حاتم :لا يجوز قصره لأنه مصدر فاديته.
قال الشهاب :ولا عبرة به فقد حكى الفراء فيه أربع لغات الفتح والكسر، مع المد والقصر.
ثالثاً :قوله تعالى : ﴿ والذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ قرأ الأعمش وحفص عن عاصم ﴿ قُتلوا ﴾ بتخفيف التاء مبنياً للمجهول، وقرأ الجمهور ﴿ قاتلوا ﴾ بألف مبيناً للمعلوم.
رابعاً :قوله تعالى : ﴿ فَلَن يُضِلَّ أعمالهم ﴾ قرأ عليّ كرم الله وجهه ﴿ يُضَل ﴾ مبنياً للمفعول، و ﴿ أعمالُهم ﴾ بالرفع نائب فاعل، وقرئ ﴿ يَضلّ ﴾ بفتح الياء من ضلّ وأعمالُهم فاعل. وقراءة الجمهور ﴿ يُضِلَّ أعمالَهم ﴾ أي لن يُضلّ الله أعمالهم بمعنى لن يضيِّعها.
خامساً :قوله تعالى : ﴿ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ قرأ الجمهور بتشديد الراء، وقرأ أبو رجاء وابن محيصن ﴿ عَرَفها لهم ﴾ بتخفيف الراء.
وجوه الإعراب
أولاً :قوله تعالى : ﴿ فَضَرْبَ الرقاب ﴾ منصوب على المصدرية، أي اضربوا ضرب فهو مفعول مطلق لفعل محذوف، وهو من إضافة المصدر للمفعول، والأصل :اضربوا الرقاب ضرباً، فحذف الفعل وقُدّم المصدر، وأنيب منابه مضافاً إلى المفعول، وحذف الفعل في مثله واجب كما نبّه عليه علماء النحو.
ثانياً :قوله تعالى : ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ﴾ مناً وفداء منصوبان على المصدر إمّا أن تمنوا عليهم مناً، أو تفادوهم فداءً، فهو كسابقه مفعول مطلق لفعل محذوف. وحذف الفعل الناصب للمصدر واجب كذلك ومنه قول الشاعر :
لأجهدَنّ فإمّا درءَ واقعةٍ تُخشى وإمّا بلوغَ السُّؤل والأمل
وجوّز أبو البقاء كون كل من ( منّاً ) و ( فداءً ) مفعولاً به لمحذوف تقديره :تولوهم مناً، أو تقبلوا منهم فداءً، ولكنّ أبا حيان ردّ هذا بأنه ليس إعرابَ نحويّ.
ثالثاً :قوله تعالى : ﴿ ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ ﴾ ذلك، في موضع رفع لأنه خبر لمبتدأ محذوف وتقديره :الأمر ذلك أو الحكم ذلك.
رابعاً :قوله تعالى : ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الجنة عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ جملة ﴿ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ في موضع نصب على الحال، والتقدير ويدخلهم الجنة معرّفة لهم.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى :عبّر القرآن الكريم عن القتل بقوله تعالى : ﴿ فَضَرْبَ الرقاب ﴾ والسرّ في ذلك أنّ في هذه العبارة من الغلظة والشدّة ما ليس في لفظ ( القتل ) لما فيه من تصوير القتل بأشنع صورة، وهو حزّ العنق وإطارة العضو الذي هو رأس البدن، وأشرب أعضائه، ومجمع حواسه، وبقاء البدن ملقى على هيئة منكرة والعياذ بالله تعالى، ولو قال :( فاقتلوهم ) لَمَا كان هذا المعنى الدقيق.
والتعبير أيضاً :يوحي بشجاعة المؤمنين وأنهم من الكفار كأنهم متمكنون من رقابهم، يعملون فيهم سيوفهم بضرب الأعناق، وهو ( مجاز مرسل ) علاقته السببيّة لأن ضرب الرقبة سبب الموت.
اللطيفة الثانية :قوله تعالى : ﴿ فَشُدُّواْ الوثاق ﴾ كناية عن الأسر أي اجعلوهم أسرى واحفظوهم رهائن تحت أيديكم، حتى تروا فيهم رأيكم، ولما كانت العادة أن يربط الأسير لئلا يهرب جاء التعبير بقوله : ﴿ فَشُدُّواْ الوثاق ﴾ وفيه الإشارة إلى الكفّ عن القتل والاكتفاء بالأسر، لأنّ الشريعة الغراء تنهى عن الإجهاز على الجريح، وذلك من آداب الإسلام وتعاليمه الإنسانية الرشيدة.
اللطيفة الثالثة :تقوله تعالى : ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ﴾ ذكر تعالى ( المن والفداء ) ولم يذكر القتل والاسترقاق، وفي ذلك إرشاد من الله تعالى إلى أن الغرض من الحرب كسر ( شوكة المشركين )، لا إراقة الدماء والتشفي بإزهاق الأرواح، فإذا ضعفت شوكة المشركين ووهَنت قواهم فلا حاجة إلى القتل. وتقديم ( المن ) على ( الفداء ) في الآية الكريمة للإشارة إلى ترجيح حرمة النفس على طلب المال، فالمجاهد في سبيل الله يقاتل لإعلاء كلمة الله، لا للمغنم المادي والكسب الدنيوي.
اللطيفة الرابعة :قوله تعالى : ﴿ حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا ﴾ في الآية الكريمة إشارة إلى أن الإسلام يكره الحرب ويمقتها، لأنها مخرّبة مدمّرة، والتعبير ب ﴿ أَوْزَارَهَا ﴾ للإشارة إلى أنّ ما فيها من آثام إنما ترجع على الذين أشعلوها وهم الكفار، المحاربون لله ورسوله، فلولا كفرُهم وإفسادُهم في الأرض لما كانت هناك حرب.
قال الإمام الفخر : « والمقصود من وضع الحرب أوزارها، انقارض الحرب بالكلية بحيث لا يبقى في الدنيا حزب من أحزاب الكفر، يحارب حزباً من أحزاب الإسلام، وإنما قال : ﴿ حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا ﴾ ولم يقل :حتى لا يبقى حرب، لأن التفاوت بين العبارتين كالتفاوت بين قولك :انقرضت دولة بني أمية، وقولك لم يبق من دولتهم أثر، ولا شك أن الثاني أبلغ، فكذا هاهنا ».
اللطيفة الخامسة :فإن قيل :لماذا لم يهلك الله الكافرين مع قدرته عليهم وأمرَ المؤمنين بالجهاد؟
فالجواب :أن الله تعالىّ أراد بذلك أن يختبرعباده، فابتلى المؤمنين بالكافرين، ليختبر صبرهم على المكاره، واحتمالهم للشدائد، وابتلى الكافرين بالمؤمنين، ليطهّر الأرض من رجسهم، وينيل المؤمنين الشهادة في سبيله بسببهم، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة : ﴿ ولكن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾.
فإن قيل :إن الله يعلم المؤمن من الكافر، والبّرّ من الفاجر، والمطيع من العاصي، فما هي فائدة هذا الابتلاء؟ فالجواب أن الابتلاء من الله تعالى ليس بقصد العلم والمعرفة، وإنما هو بقصد إثابة المؤمن، وتعذيب الكافر، بعد إقامة الحجة عليه، حتى يقطع العذر على الإنسان، أو نقول :إن الابتلاء غرضه الكشف للناس، أو للملائكة، ليظهر لهم الصادق من المنافق، والتقي من الشقي، وليس بالنسبة له تعالى، لأنه بكل شيء عليم.
اللطيفة السادسة :أمر الله تعالى بالمنّ أو الفداء، وهذا من مكارم الأخلاق التي أرشد إليها الإسلام، روي أن الحجّاج حين أسر أصحاب ( عبد الرحمن بن الأشعث ) وكانوا قريباً من خمسة آلاف رجل، قتل منهم ثلاثة آلاف فجاءه رجل من ( كِنْدة ) فقال يا حجّاج :لا جزاك الله عن السُنَّة والكرم خيراً! قال :لأن الله تعالى يقول : ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرقاب حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ﴾ في حق الذين كفروا... فوالله ما مننتَ، ولا فديت؟ وقد قال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق :
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكّهم إذا أثقلَ الأعناق حملُ المغارم
فقال الحجاج :أفٍّ لهذه الجيف!! أما كان فيهم من يحسن مثل هذا الكلام!؟ خلّوا سبيل من بقي، فخُلّي يومئذٍ عن بقية الأسرى وهم زهاء ألفين، بقول ذلك الرجل.
الأحكام الشرعية
الحكم الأول :ما المراد ب ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ في الآية الكريمة؟
اختلف المفسرون في المراد من قوله تعالى : ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ على قولين :
١- القول الأول :أن المراد بهم المشركون الكفار عبدة الأوثان. وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما.
٢- القول الثاني :أن المراد بهم كل من خالف دين الإسلام من مشركٍ، أو كتابي إذا لم يكن صاحب عهد ولا ذمة، فيدخل فيه كلّ الكفار بدون استثناء وهو ظاهر الآية، واختيار جمهور المفسرين.
قال ابن العربي :وهو الصحيح لعموم الآية فيه، والتخصيصُ لا دليل عليه.
الحكم الثاني :ما المراد من قوله تعالى : ﴿ فَضَرْبَ الرقاب ﴾ في الآية الكريمة؟
ذهب ( السّدي ) وجمهور المفسرين إلى أن المراد منه ( قتل الأسير صبراً ).
والراجح هو الأول :لأن الآية الكريمة وهي قوله تعالى : ﴿ فَضَرْبَ الرقاب حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق ﴾ قد جعلت ( الإثخان ) وهو الإضعاف لشوكة العدو غايةً لضرب الرقاب، فأين هو قتل الأسير صبراً؟ مع العلم بأنه إنما يقع في الأسر بعد إثخانه وضعفه، فيكون قول جمهور المفسرين هو الأرجحُ، بل هو الصحيح.
الحكم الثالث :ما المراد من الفداء وما هي أنواعه؟
ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد إطلاق سراح الأسير في مقابل ما يأخذه المسلمون منهم، وقد يكون المقابل ( أسرى ) من المسلمين عند الكفار بطريق التبادل.
وقد يكون المقابل ( مالاً ) أو عتاداً يأخذه المسلمون في نظير إطلاق الأسرى.
وقد يكون العوض ( منفعة ) كما كان في غزوة بدر، فقد كان من ليس عنده مال يفدي به نفسه أمره ﷺ أن يعلّم عشرة من أولاد المسلمين القراءة والكتابة.
فالمراد من الفداء كل ما يأخذه المسلمون من أعدائهم من مال، أو عتاد، أو منفعةٍ، أو مبادلة أسرى بأسرى وغير ذلك.
الحكم الرابع :ما معنى قوله تعالى : ﴿ حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا ﴾ ؟
اختلف المفسرون في معنى الآية الكريمة على عدة أقوال :
أ- قال ابن عباس :تحتى لا يبقى أحد من المشركين يقاتل.
ب- وقال مجاهد :حتى لا يكون دين إلاّ دين الإسلام.
ج - وقال سعيد بن جبير :حتى ينزل المسيح بن مريم وحينئذٍ ينتهي القتال.
والقول الأخير ضعيف، لأنّ نزول عيسى ابن مريم ليس في الآية ما يدل عليه، وإنما يؤخذ من الأحاديث الشريفة، فبنزوله يدخل الناس في الإسلام ولا يبقى على ظهر الأرض كافر، كما دلت عليه السنة المطهرة، ولكنّ الآية ليس فيها ما يشير إلى هذا المراد من قريب أو بعيد.
ومما يدل على أن المراد بالآية الكريمة ظهور الإيمان، واندحار الكفر بحيث تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى قوله تعالى :في سورة الأنفال [ ٣٩ ] : ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله ﴾ الحكم الخامس :هل يجوز قتل الأسير؟
اتفق الفهاء على جواز قتل الأسير، حتى قال : « الجصّاص » لا نعلم في ذلك خلافاً فيه، وقد تواترت الأخبار عن النبي ﷺ في قتله لبعض الأسرى منها :
أ- ما روي أن النبي ﷺ قتل ( أبا عزة ) الشاعر يوم أحد.
ب- وقتل ( عُقْبة بن أبي مُعَيط ) صبراً، و ( النضر بن الحارث ) بعد الأسر في بدر.
ج - وقتل ( بني قُرَيظة ) بعد نزولهم على حكم ( سعد بن معاذ ) الذي حكم فيهم بالقتل، وسبي الذرية.
د- وفتح ﷺ خيبر بعضَها صُلحاً، وبعضَها عَنْوة، وشرط على ( ابن أبي الحُقَيْق ) ألا يكتم شيئاً، فلما ظهر على خيانته وكتمانه قتله عليه السلام.
ه -وفتح مكة وأمر بقتل ( هلال بن خَطَل ) و ( عبد الله بن أبي سَرْح ) و ( مقيس بن حبابة ) وقال :اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة.
فكلُّ هذه الأخبار تدل على جواز قتل الأسير، ولأنّ في قتله حسمَ مادة الفساد في الأرض.
قال الألوسي : « وليس لواحد من الغزاة أن يقتل أسيراً بنفسه، فإن فعل كان للإمام أن يعزّره، ولكنْ لا يضمن شيئاً، وإن أسلم الأسارى بعد الأسر لا يقتلهم، لاندفاع شرهم بالإسلام، ولكن يجوز استرقاقهم، فإنّ الإسلام لا ينافي الرق جزاءً على الكفر الأصلي، بخلاف ما لو اسلموا من قبل الأخذ فإنهم يكونون أحراراً، لأنه إسلام قبل انعقاد سبب الملك فيهم.. ».
وقال القرطبي : « وقيل :ليس للإمام أن يقتل الأسير، وقد روي عن الحجّاج أنه دفع أسيراً إلى ( عبد اله بن عمر ) ليقتله فأبى وقال :ليس بهذا أمَرنا اللَّهُ، وقرأ ﴿ حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق ﴾.
قلنا :قد قاله رسول الله ﷺ وفَعَله، وليس في تفسير الله للمنّ والفداء منع من غيره، ولعلّ ابن عمر كره ذلك من بد الحجّاج فاعتذر بما قال وربك أعلم »
.
الحكم السادس :هل يجوز أخذ الفداء من الأسير؟
اختلف الفقهاء في أخذ الفاء من الأسير على أقوال :
أولاً :مذهب الحنفية :أن الأسير لا يُفادى بالمال، ولا يباع لأهل الحرب، لأنه يرجع حرباً علينا، أمّا فداؤه بأسرى من المسلمين فجائز عند الصاحبين ( أبي يوسف ومحمد ) وقال :( أبو حنيفة ) :لا يُفادَوْن بأسرى المسلمين أيضاً.
ثانياً :مذهب الجمهور ( الشافعي ومالك وأحمد ) جواز أخذ الفداء من الأسرى.
دليل الحنفية :
استدل الحنفية على عدم جواز الفداء بما يلي :
أ- قالوا :إن الآية الكريمة : ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ﴾ منسوخة بقوله تعالى : ﴿ فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ [ التوبة :٥ ] وبقوله تعالى : ﴿ قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر ﴾ [ التوبة :٢٩ ] نُقل ذلك عن مجاهد.
وروي عن ( قتادة ) أنه قال :نسختها آية الأنفال [ ٥٧ ] : ﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ ﴾ ووجه الاستدلال :أنّ سورة براءة من آخر ما نزل، فوجب أن يُقتل كل مشرك، إلا من قامت الدلالة على تركه من النساء والصبيان، ومن يؤخذ منه الجزية، والمتأخر ينسخ المتقدم كما هو المعلوم من أصول الشريعة الغراء.
ب- وقالوا :لا يجوز المنّ ولا الفداء، لأن فيه تقوية لأهل الشرك على أهل الإسلام، حيث يرجعون حرباً علينا، وقد أُمرنا بتطهير الأرض من الكفر ومن رجس المشركين.
ج - وقالوا :إنّ ما روي في ( أسرى بدر ) منسوخ أيضاً بما تلونا، سيّما وأنه قد نزل العتاب في قوله تعالى : ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض ﴾ [ الأنفال :٦٧ ].
فلا يجوز الاستدلال به على جواز أخذ الفداء.
د - وقالوا :إنّ ما كان من النبي ﷺ في صلح الحديبية : « أنّ من جاء منهم رددناه عليهم » إنما كان في بدء الدعوة، وقد نسخ ذلك، ونَهَى النبيُّ ﷺ عن الإقامة بين أظهر المشركين وقال : « من أقام بين أظهر المشركين فقد برئت منه الذمة ».
أدلة الجمهور :
واستدل الجمهور على جواز فداء الأسير بعدة أدلة نوجزها فيما يلي :
أ- قوله تعالى : ﴿ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ﴾ فقد أجازت الآية الكريمة الفداء مطلقاً بدون قيد ولا شرط، فللإمام أن يمنّ أو يفدي، أو يسترقَّ، عملاً بالآية الكريمة.
ب- وقالوا :إنَّ الآية محكمة ولا نسخ فيها، لأن النسخ إنما يكون لشيء قاطع، فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ، والجمعُ ممكن فإنّ آية براءة وهي قوله تعالى : ﴿ فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ [ التوبة :٥ ] أمرٌ لنا بقتل المشركين عند اللقاء، فإذا وقعوا في الأسر كففنا عن القتل إلى المنّ أو الفداء عملاً بقوله تعالى : ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ﴾.
ج - واستدلوا أيضاً بأن النبي ﷺ فادى أسرى بدر بالمال، ومن لم يكن عنده مال منهم أمره عليه السلام بتعليم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، وهذا قد ثبت بفعله ﷺ.
د- واستدلوا بما روى ابن المبارك عن عمران بن حصين أنه قال : « أسرَتْ ثقيف رجلين من أصحاب النبي ﷺ وأسر أصحابُ النبي ﷺ رجلاً من بني عامر بن صعصعة فمر به النبي ﷺ وهو في الأسر فقال الأسير :علام أُحبس؟ فقال :بجريرة حلفائك، فقال :إني مسلم، فقال النبي ﷺ لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كلّ الفلاح، ثم مضى رسول الله ﷺ فناداه الأسير، فقال :إني جائع فأطعمني! فقال النبي ﷺ نعم هذه حاجتك.. ثمّ فداه بالرجلين اللّذين كانت ثقيف أسرتهما ».
قالوا :فهذا دليل على جواز فداء المسلم بغيره من المشركين.
ه - واستدلُوا با رواه مسلم عن عمران بن الحصين أن رسول الله ﷺ فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين.
و - واستدلوا بما رواه مسلم أيضاً عن ( إياس بن سلمة ) عن أبيه قال :« خرجنا مع أبي بكرِ رضي الله عنه، وأمّره علينا رسول الله ﷺ إلى أن قال :فلقيني رسول الله ﷺ من الغد في السوق فقال يا سَلَمة :هبْ لي المرأة - يعني التي نفّله أبو بكر إيّاها - فقلت يا رسول الله :لقد أعجبتني وما كشفتُ لها ثوباً.
ثم لقيني رسول الله ﷺ من الغد في السوق، فقال يا سلمة :هب لي المرأة لله أبوك!! فقلت :هي لك يا رسول الله، فوالله ما كشفتُ لها ثوباً.. فبعث بها رسول الله ﷺ ففدى بها ناساً من المسلمين أُسرُوا بمكة «.
ز- واستدلوا بالمعقول وهو :أن تخليص المسلم أولى من قتل الكافر، للانتفاع بالمسلم، لأنّ حرمته عظيمة، وأما الضرر الذي يعود إلينا بدفعه إلى المشركين، فيدفعه نفع المسلم الذي يتخلّص من فتنتهم وعذابهم، وضررُ واحد يقوم بدفعه واحد مثله فيتكافئان، وتبقى فضيلة تخليص المسلم وتمكينه من عبادة الله تعالى، وفيها زيادة ترجيح.
هذه خلاصة أدلة الجمهور بالنسبة ( للفداء ) سواءً كان بالمال أو بالرجال على ما عرفت.
وأمّا ( المنّ ) على الأسارى وهو أن يطلقهم إلى دار الحرب من غير شيء فلا يجوز ( عند أبي حنيفة، ومالك، وأحمد ) وأجازه الإمام الشافعي لما ثبت أن النبي ﷺ منّ على ( ثُمامة بن أُثال ) سيّد أهل اليمامة ثم أسلم وحسن إسلامه، وقال ﷺ :»
لو كان المطعم بن عدي حيّاً ثمّ كلمني في هؤلاء النتنى - يعني أسارى بدر - لتركتهم له «. فقوله ﷺ ذلك دليل على جواز المنّ على الأسرى.
الترجيح :
وبعد استعراض هذه الأدلة من الفريقين نرى أنَّ الأرجح أن يفوّض أمر الحرب لأهل الاختصاص من ذوي الرأي والبصر، يفعلون ما تقتضي به المصلحة العامة، فإن رأوا قتل الأسرى قتلوهم، وإن رأوا أخذ الفداء بالمال أو بالأسرى، فادْوهم، وإن رأوا إبقاءهم في الأسر تركوهم تحت أيدي المسلمين، فيترك لهم تقدير المصلحة حسب الظروف التي هم فيها، وهذه من ( السياسة الحكيمة ) التي ينبغي أن تتوفر في قادة المسلمين.
والرسول ﷺ قد فعل ذلك كلّه، فأسر من أسر، وقتل من قتل، وفادى منهم، وأطلق سراح من أطلق دون مالٍ ولا فداء. وما نزل من آيات العتاب في سورة الأنفال فإنما كان بتوجيهٍ إلهي حكيم - حسب المصلحة أيضاً - حيث نزلت هذه الآيات الكريمة في ( غزوة بدر ) وهي أول حرب يخوضها المسلمون مع أعدائهم، فكانت المصلحة تقضي بترجيح جانب الشدّة على جانب الرحمة، بالقتل، والإثخان، وإراقة الدماء، حتى لا يطمع المشركون بالإقدام على حرب المسلمين مرة أخرى، وحتى تُقَلَّم أظافر الكفر منذ اللحظة الأولى، فإذا علم المشركون أن لا رحمة في قلوب المسلمين عليهم، هابوهم وتخوّفوا من الإقدام على حربهم، وهذا ما كان قد أشار به الفاروق عمر رضي الله عنه على رسول الله ﷺ ونزل القرآن موافقاً لرأية.
ولمّا كثر عدد المسلمين، وقويت شوكتهم، وأصبحت الدولة بأيديهم نزل القرآن الكريم بالمنّ والفداء على الأسرى، بعد أن توطّدت دعائم الدولة الإسلامية، وأصبح صرح الإسلام شامخاً عتيداً، فكان المنّ عن قوّة، لا عن ضعف، وعن عزة، لا عن ذلة واستكانة.
فالمصلحة العامة هي التي ينبغي أن تراعى في مثل هذه الحالات، والحربُ مكر وخديعة، ولا عزة للضعفاء المستكينين.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
أولاً :المؤمن يقاتل في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، فينبغي أن يكون شجاعاً مقداماً.
ثانياً :إثخان العدو بكثرة القتل فيهم والجروح، من أجل إضعاف شوكتهم وتوهين قوتهم.
ثالثاً :الحرب في الإسلام حرب مقدسة، غرضها تطهير الأرض من رجس الكفرة المشركين.
رابعاً :الاكتفاء بالأسر بعد إثخان العدو مظهر من مظاهر رحمة الإسلام بأعدائه.
خامساً :إطلاق سراح الأسرى بدون عوض، أو أخذ الغداء منهم يبنغي أن تراعى فيه مصلحة المسلمين.
سادساً :الجهاد في سبيل الله ماضٍ في هذه الأمة حتى لا يبقى على وجه الأرض مشرك.
سابعاً :الله جل ثناؤه قادر على أن ينتقم من المشركين ولكنه أراد أن يُنيل المؤمنين أجر الاستشهاد في سبيله.
ثامناً :الحياة ابتلاء للمؤمن والكافر، يبتلي بعضهم ببعض ليعذب الكافر ويثيب المؤمن.
حكمة التشريع
أقر الإسلام الحرب - مع علمه بما تجره على البلاد من ويلات ونكبات - لضرورة وقائية، وعلاج اضطراري، لا مناص منه لمجابهة الطغيان، ودفع الظلم والعدوان، وتطهير الأرض من رجس المشركين الغادرين، على حد قول القائل :
إذا لم تكن إلاّ الأسنّة مركباً فلا بدّ للمضطر إلاّ ركوبُها
ولكنّ الإسلام في الوقت الذي يدعو فيه إلى الجهاد، ويحض على القتال، ويبيح الحرب كضرورة من الضرورات، تجده يأمر بالرحمة والشفقة في ( معاملة الأسرى ) الواقعين في أسر العبودية، فيحرّم تعذيبهم أو إيذاءهم كما يحرم التمثيل بالقتلى، أو الإجهاز على الجرحى، أو تقتيل النساء والصبيان.
إن الغرض من الجهاد ليس إراقة الدماء، وسلب الأموال، وتخريب الديار، ولكنه غرض إنساني نبيل، هو حماية المستضعفين في الأرض، ودفع عدوان الظالمين، وتأمين الدعوة، والوقوف في وجه الاستعلاء والطغيان كما قال جل ثناؤه ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [ الحج :٤٠ ].
ولقد كان من وصايا النبي الأكرم ﷺ، للجند والجيش المجاهدين في سبيل الله، أن يأمرهم بطاعة الله، وعدم الغدر والخيانة حتى بالأعداء. فقد روى مسلم في صحيحة أن رسول الله ﷺ كان إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال :
« أُغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، أُغزوا ولا، تَغُلّوا، ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا وليداً ».
وكذلك فعل الخلفاء الراشدون، ففي وصية أبي بكر رضي الله عنه لأسامة بن زيد حين بعثه إلى الشام : « لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً، ولا تحرّقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلاّ لمأكله، وسوف تمرّون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم له ».
وهكذا كانت رحمة الإسلام في الحرب، ممثلة بمبادئه الإنسانية الرحيمة، فالإسلام حين يبيح الحرب يجعلها مقدرة بقدرها، فلا يقتل إلاّ من يقاتل في المعركة، وأمّا من تجنّب الحرب فلا يحل قتله أو الاعتداء عليه ﴿ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ ﴾ [ البقرة :١٩٤ ].
﴿ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تعتدوا إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين ﴾ [ البقرة :١٩٠ ].
لقد حرّم الإسلام قتل النساء، والشيوخ، والأطفال، وقتل المرضى والرهبان.
وحرّم ( المُثْلَة ) والإجهاز على الجريح، وتتبّع الفارَّة، وتحريق البيوت والأشجار. وذلك تمشياً مع نظرته الإنسانية المثلى، في حماية المستضعفين، ودفع الظلم والعدوان، ولأن الحرب كعملية جراحية، يجب ألاّ تتجاوز موضع المرض من جسم الإنسان.
فلا عجب أن نرى هذه الرحمة ممثّلة في تعاليم القرآن، تدعو إلى الإحسان إلى الأسرى ثمّ إلى المنّ عليهم والفداء، حتى تنتهي المعركة لما فيه خير الإنسانية بانتصار الحق واندحار الباطل وصدق الله العظيم : ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا ﴾.
فللَّه ما أرحم الإسلام! وما أسمى مبادئه وأحكامه!!
[ ٢ ] ترك العمل بعد الشروع
التحليل اللفظي
﴿ تبطلوا ﴾ :تضيعوا ثوابها من بَطَل الشيء يَبْطُل بُطْلاً وبطلاناً :ذهب ضياعاً وخسراً.
﴿ وَصَدُّواْ ﴾ :أعرضوا من الصد :وهو الإعراض والصدوف، قال تعالى : ﴿ رَأَيْتَ المنافقين يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ﴾ [ النساء :٦١ ]
﴿ فَلاَ تَهِنُواْ ﴾ :أي لا تفْتُروا، ولا تضعُفُوا، ولا تجبُنوا عن قتال العدو من الوهن أي الضعف في النفس والعمل قال تعالى : ﴿ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ [ آل عمران :١٤٦ ].
﴿ وَلَن يَتِرَكُمْ ﴾ :أي لن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً، ولن يظلمكم من وتَرَه حقَّه وماله نقصه إياه وفي حديث النبي ﷺ : « من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهله وماله ».
قال أبو عبيدة :وترثُ الرجل إذا قتلتَ له قتيلاً من ولدٍ أو أخ، أو حميم، أو قريب، أو ذهبتَ بماله.
المعنى الإجمالي
نادى الله سبحانه وتعالى المؤمنين مخاطباً إياهم بوصف الإيمان تذكيراً لهم بأن هذا الوصف يدعوهم إلى طاعة أوامر الله تعالى، الآتية بعد هذا النداء، ثم جاء الأمر بطاعة الله جل جلاله في أوامره ونواهيه، فطاعته هي السبيل إلى الفلاح في الدنيا والآخرة، وطاعة رسول الله ﷺ من طاعة المولى سبحانه فعلى المؤمن أن يتَّبعه في كل سُنَّة سنَّها.
ثم نهى الله المؤمن عن إبطال عمله، فقد يقدِّم أعمالاً كثيرة من الطاعة، ولكنه قد يضيع عمله بالمعاصي والرياء والعجب... إلى غير ما هنالك، فنهاه الله عن ذلك، فعلى المؤمن أن يحافظ على ما يقدم من الطاعات.
ثم بين الله تعالى أنه لا يغفر الشرك، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، حتى لا يظن الظان أن المؤمن إن أبطل عمله بالمعاصي فقد هلك، بل فضلُ الله باق يغفر له بفضله، وإن لم يغفر له بعمله.
وإذا كان أمر الكفار في الآخرة هذا، فأمرهم في الدنيا كذلك من الذلة والحقارة، فلا تضعفوا أيها المؤمنون في ملاقاتهم، ولا تجنبوا عن قتالهم، فالنصر لك آجلاً أو عاجلاً، فلا تدعوا الكفار إلى الصلح خوراً، وإظهاراً للعجز فإن ذلك إعطاء للدنية، وأنتم الأعلون عزةً وقوةً ورفعة مكانة، وذلك لأن الله معكم يؤيدكم بنصرة، ويؤيدكم بقوته، ولن ينقصكم من أعمالكم شيئاً بل يعطيكم ثوابها كاملاً خير منقوص.
فائدة
أولاً :أخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : « كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون أنه لا يضر مع ( لا إله إلا الله ) ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت : ﴿ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلاَ تبطلوا أعمالكم ﴾ فخافوا أن يبطل الذنب العمل. ولفظ عبد بن حميد » فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالكم «.
ثانياً :وأخرج ابن نصر المروزي وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :
كنا معاشر أصحاب محمد ﷺ نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبولاً حتى نزلت ﴿ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلاَ تبطلوا أعمالكم ﴾ فلما نزلت هذه الآية قلنا :ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا :الكبائر الموجبات، والفواحش، فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها قلنا :قد هلك، حتى نزلت هذه الآية : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [ النساء :٤٨ ] فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، وكنا إذا رأينا أحداً أصاب منها شيئاً خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له.
وجوه القراءات
أولاً :قوله تعالى : ﴿ وتدعوا إِلَى السلم ﴾ قرأ الأكثرون بفتح السين ﴿ السّلْم ﴾. وقرأ الحسن وحمزة وغيرهما بكسر السين ﴿ السِّلْم ﴾.
ثانياً :قوله تعالى : ﴿ تدعوا ﴾ قرأ الجمهور تدعوا مضارع دعا. وقرأ السّلمي بتشديد الدال تدَّعوا :أي تفتروا.
وجوه الإعراب
١- قوله تعالى : ﴿ وَأَنتُمُ الأعلون ﴾ جملة حالية وكذا ( والله معكم ).
ويجوز أن يكونا جملتي استئناف أخبر أولاً بقوله أنتم الأعلون فهو إخبار بمغيب أبرزه الوجود، ثم ارتقى إلى رتبة أعلى من التي قبلها وهي كون الله تعالى معهم.
فلا تهنوا :الفاء فصيحة في جواب شرط مفهوم مما قبله أي إذا علمتم أن الله مبطل أعمالهم ومعاقتهم فهو خاذلهم في الدنيا والآخرة فلا تبالوا بهم، ولا تظهروا ضعفاً.
وقيل :هي لترتيب النهي على ما سبق من الأمر بالطاعة.
وتدعوا إلى السلم :عطف على تهنوا داخل في حيّز النهي.
وجُوِّز أن يكون منصوباً بإضمار أن فيعطف المصدر المسبوك على مصدر متصيّد مما قبله.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى :قال الفخر الرازي : « قوله تعالى : ﴿ وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ العطف ها هنا من باب عطف المسبب على السبب يقال اجلس واسترح وقم وامش، لأن طاعة الله تَحْمل على طاعة الرسول ».
وقال الألوسي : « وإعادة الفعل في قوله : ﴿ وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ للاهتمام بشأن إطاعته ﷺ ».
اللطيفة الثانية :قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تبطلوا أعمالكم ﴾ الآية.
قال الفخر الرازي :يحتمل وجوهاً :
أحدها :دوموا على ما أنتم عليه ولا تشركوا فتبطل أعمالكم قال تعالى : ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ [ الزمر :٦٥ ].
الوجه الثاني :لا تبطلوا أعمالكم بترك طاعة الرسول كما أبطل أهل الكتاب أعمالهم بتكذيب الرسول وعصيانه ويؤيده قوله تعالى : ﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ ترفعوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبي وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بالقول كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ [ الحجرات :٢ ].
الثالث :لا بتطلوا أعمالكم بالمنّ والأذى كما قال تعالى : ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ ﴾ [ الحجرات :١٧ ].
وقد اختلف فيما يبطل الأعمال على أقوال :
قال الحسن :المعاصي والكبائر.
وقال عطاء :الشك والنفاق ونقل عن ابن عباس.
وقال ابن عباس :الرياء والسمعة ونقل عن ابن جريج.
وقال مقاتل :المن.
وقيل :العُجْب فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
وقيل المراد بالأعمال الصدقات أن تعطلوها بالمن والأذى.
قال القرطبي :وكله متقارب وقول الحسن يجمعه.
اللطيفة الثالثة :قوله تعالى : ﴿ وَأَنتُمُ الأعلون ﴾ :استعمال العلو في رفعة المنزلة مجاز مشهور، أي أنتم أعز منهم لأنكم مؤمنون والحجة لكم، وإن غلبوكم في بعض الأوقات وذلك كقوله تعالى : ﴿ وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ المنافقون :٨ ].
وقيل ﴿ وَأَنتُمُ الأعلون ﴾ :أي أنتم أعلم بالله منهم.
وقال الجصاص :أي وأنتم أعلم بالله منهم.
وقال الجصاص :أي وأنتم أولى بالله منهم.
وكلها متقاربة فالإيمان يرفع منزلة أهله ويعزهم.
اللطيفة الرابعة :قال الفخر الرازي :قوله ﴿ وَلَن يَتِرَكُمْ أعمالكم ﴾ وعد لأن الله تعالى لما قال : ﴿ والله مَعَكُمْ ﴾ كان فيه أن النصر بالله لا بكم، فكأَن القائل يقول :لم يصدر مني عمل له اعتبار، فلا استحق تعظيماً، فقال :هو ينصركم ومع ذلك لا يَنْقُص من أعمالكم شيئاً، ويجعل كأن النُصرة جعلت بكم، ومنكم، فكأنكم مستقلون في ذلك، ويعطيكم أجر المستبد.
اللطيفة الخامسة :في الآية الكريمة دعوة إلى العزّة والكرامة، وتشجيع للمؤمنين للجهاد والنصال، لمجابهة أعدائهم دون وهن أو خور، لأن المؤمن لا يرضى بحياة الذلك والهوان، وقد أحسن من قال :
عش عزيزاً أو مت وأنت كريم بين طعن القنا وخفق البنود
الأحكام الشرعية
الحكم الأول :قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تبطلوا أعمالكم ﴾ يدل على أن كل من دخل في قُربة، لم يجز له الخروج منها قبل إتمامها.
واختلف العلماء في هذا الحكم على مذهبين.
فذهب ( الشافعي وأحمد ) إلى أن للمرء أن يترك النافلة إذا شرع فيها ولا شيء عليه ما عدا الحج فيجب عليه الإتمام، وأما في الصلاة والصوم فيستحب له الإتمام ولا يجب.
وذهب ( أبو حنيفة ومالك ) إلى أنه ليس له ذلك، فإذا أبطله وجب عليه القضاء.
أدلة المذهب الأول :
قالوا :هو تطوع، والمتطوع أمير نفسه، وإلزامه إياه مخرج عن وصف التطوع قال تعالى : ﴿ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ ﴾ [ التوبة :٩١ ].
وقالوا في جواب الاستدلال بالآية :المراد بذلك إبطال ثواب العمل المفروض. فنهي الرجل عن إحباط ثوابه، فأما ما كان نفلاً فلا، لأنه ليس واجباً عليه.
واللفظ في الآية وإن كان عاماً، فالعام يجوز تخصيصه، ووجه تخصيصه أن النفل تطوع والتطوع يقتضي تخييراً.
أدلة المذهب الثاني :
قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تبطلوا أعمالكم ﴾ أفاد أن التحلل من التطوع بعد التلبس به لا يجوز لأن فيه إبطال العلم وقد نهى الله عنه.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت :كنت أنا وحفصة صائمين فأهدي لنا طعام، فأكلنا منه فدخل رسول الله ﷺ، فقالت حفصة وبدرتني، وكانت بنت أبيها :يا رسول الله، إني أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين فأهدي لنا طعام فأفطرنا عليه فقال : « اقضيا مكانه يوماً ».
وقالوا في جواب دليل المذهب الأول :المتطوع أمير نفسه، ولا سبيل عليه قبل أن يشرع أما إذا شرع فقد ألزم نفسه، وعقد عزمه على الفعل، فوجب أن يؤدي ما التزم وأن يوفي بما عقد قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود ﴾ [ المائدة :١ ].
ثم اللفظ عام في الآية يشمل التطوع وغيره.
الحكم الثاني :قوله تعالى : ﴿ فَلاَ تَهِنُواْ وتدعوا إِلَى السلم ﴾.
فيه دلالة على أنه لا يجوز طلب الصلح من المشركين، فأما إذا كان في الكفار قوة وكثرة بالنسبة إلى جمع المسلمين، ورأى الإمام المسلم في المهادنة، والمعاهدة مصلحة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله ﷺ حين صده كفار قريش عن مكة ودعوة إلى الصلح ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين فأجابهم ﷺ إلى ذلك.
فائدة :
دلّ قوله تعالى : ﴿ فَلاَ تَهِنُواْ وتدعوا إِلَى السلم وَأَنتُمُ الأعلون... ﴾ الآية على أن النبي ﷺ لم يدخل مكة صلحاً، وإنما فتحها عَنوةً، لأن الله تعالى قد نهاه عن الصلح في هذه الآية.
السورة التالية
Icon