0:00
0:00
الذين كفروا: هم بنو النضير من اليهود، وذلك بنقضهم العهدَ بينهم وبين رسول الله. لأول الحشر: وهو جمعهم واخراجهم من المدينة. حصونهم: واحدها حصن، كان اليهود يسكنون منفردين عن العرب في قلاع مسوَّرة محصنة. فأتاهم الله: جاءهم عذابه. من حيث لم يحتسبوا: من حيث لم يخطر لهم ببال. يخرِّبون بيوتهم بأيديهم: كانوا يهدمون بيوتهم من قبل ان يغادروها. الجلاء: الخروج عن الوطن. اللينة: النخلة. شاقّوا الله ورسوله: خالفوهما وحاربوهما.
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض.....﴾.
هو الذي أجلى الذين كفروا من أهل الكتاب «وهم بنو النضير، اكبر قبائل اليهود» أجلاهم من ديارهم، وكان هذا اول مرة حُشروا فيها واخرجوا من المدينة فذهب بعضهم الى الشام، وبعضهم الى خيبر. وما ظننتم أيها المسلمون ان يخرجوا من ديارهم، لتوّتهم، وظنوا هم ان حصونهم تمنعهم من بأس الله.. فأخذهم الله من حيث لم يظنوا ان يؤخذوا، والقى في قلوبهم الرعب الشديد.
﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المؤمنين﴾.
وكانوا يخرّبون بيوتهم ليتركوها غير صالحة للسكنى بعدهم، وتخرّبها ايدي المؤمنين من خارج الحصون ليقضوا على تحصنهم ويخرجوهم أذلاء.
﴿فاعتبروا ياأولي الأبصار﴾.
اتعظوا يا ذوي البصائر السليمة، والعقول الراجحة، بما جرى لهؤلاء القوم المتكبّرين المتجبّرين من حيث لم تنفعهم أموالُهم، ولا اسلحتهم.
وعلينا نحن اليوم ان نعتبر ولا نخاف من شدة تسلّح اليهود وما عندهم من قوة وأموال، فلو اتفقنا واتحدنا، وجمعنا شملَنا على قلبٍ واحد صمَّم على الجهاد، واعددنا لهم ما نستطيع من العدة - لكان النصر لنا بإذن الله، سيكون مآل اليهود كمآل اسلافهم المتبجّحين. ولا يمكن ان يأتينا النصرُ من الشرق ولا من الغرب فما النصر الا من عند الله، ومن عند انفسِنا وايماننا وعزمنا على استرداد اراضينا بأيدينا. عندها يكون الله معنا والنصر لنا بإذنه.
ثم بين الله تعالى أن الجلاء الذي كُتب عليهم، كان اخفَّ من القتل والأسر فقال: ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الجلاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدنيا وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابُ النار﴾.
ولولا ان الله قدّر جلاءهم عن المدينة، وخروجهم أذلاّء، لعذّبهم في الدنيا بما هو أفظعُ منه من قتلٍ او أسر، ولهم في الآخرة عذاب النار في جهنم وبئس القرار.
كلّ ذلك الذي اصابهم في الدنيا، وما ينتظرهم في الآخرة - إنما كان لأنهم عادوا لله ورسولَه أشدّ العداء، ومن يخالف الله ويعاديهِ فإن الله سيعاقبه اشدّ العقابز
﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً على أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ الله﴾.
عندما حاصر الرسول الكريم واصحابه يهودَ بني النضير قطعوا بعض نخيلهم حتى يذلّوهم ويجبروهم على الاستسلام، فقال الله تعالى: أي شيء قطعتموه من النخل او أبقيتموه كما كان، فهو بأمر الله، فلا حرجَ عليكم فيه، ليعزّ المؤمنين، وليخزيَ الفاسقين المنحرفين.
ما أفاء الله على رسوله: ما رده الله من اموال بني النضير، والفيء: معناه في اللغة الرجوع. ومعناه في الشرع: ما أُخذ من أموال الاعداء من غير قتال. فما اوجفتم عليه من خيل ولا ركاب: فما اسرعتم في السير اليه بخيل ولا إبل. من أهل القرى: من اهل البلاد التي تفتح بلا قتال. كي لا يكون دُولة بين الاغنياء: كي لا يتداوله الاغنياء بينهم دون الفقراء.
يبين الله تعالى هنا حكْم ما أخذ من اموال بني النضير بعد ما حل بهم من الإجلاء ويقول: إن الموال التي تركها بنو النضير في بيوتهم هي فيءٌ لله وللرسول يضعها حيث يشاء.. لأن ما افاءه الله وردّه على رسوله من أموالهم قد تم مع أنكم ايها المسلمون لم تسرعوا اليهم بالخيل ولا بالإبل ولم تقاتلوهم، بل نزلوا على حكم الرسول الكريم، فالله يسلّط رسله على من يشاء من عباده بلا قتال. ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهـ قال: «كانت اموال بني النضير مما افاء الله تعالى على رسوله خاصة، فكان ينفق على أهله منها نفقةَ سنة، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدّةً في سبيل الله تعالى».
ثم بين الكلامَ في حكم ما أفاء الله على رسوله من قرى الأعداء عامة فقال:
﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ....﴾.
ما ردّه الله على رسوله من أموال أهلِ القرى بغير قتال فهو لله، وللرسول، ولذي القربى من بني هاشم وبني المطلب، ولليتامى الفقراء، وللمساكين ذوي الحاجة والبؤس، ولابن السبيل المسافر الذي انقطع في بلد وليس لديه مال، يُعطى ما يوصله الى بلده.
﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغنيآء مِنكُمْ﴾.
انما حكمْنا بهذه الأحكام وجعلنا المال مقسما بين من ذكَرنا لئلا يأخذه الاغنياء منكم، ويتداولوه فيما بينهم، ويحرم الفقراء منه.
وما جاءكم به الرسول من الأحكام والتشريع فتمسّكوا به، وما نهاكم عنه فاتركوه. ثم حذّر الله الجميع من مخالفة أوامره ونواهيه فقال: ﴿واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾.
﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾.
كذلك يعطَى من الفيء الذي افاءه الله على رسوله للفقراء المهاجرين الذي أُخرجوا من ديارهم وتركوا اموالهم طلباً لمرضاة ربهم، ونيلاً لثوابه، ونصرة الإسلام واعلاء شأنه، ﴿أولئك هُمُ الصادقون﴾ في ايمانهم وهجرتهم، فحق لهم من ربهم النعيم المقيم وجزيل الثواب.
الذين تبوَّؤا الدار: هم الانصار الذين سكنوا المدينة. ولا يجدون في صدورهم حاجة: الحاجة هنا: الحسد والغيظ. مما أوتوا: مما أُعطي المهاجرون من الفيء. ويؤثِرون: ويقدمون غيرهم على انفسهم، ولو كان بهم خَصاصة: ولو كانوا فقراء. ومن يوقَ شح نفسه: ومن يحفظ نفسه من البخل والحرص على المال. المفلحون: الفائزون. لا تجعل في قلوبنا غِلا: بغضا وحسدا. الذين نافقوا: اظهروا الإسلام واضمروا الكفر. ليولُّنّ الادبار: ليهرُبُنَّ. بأسُهم بينهم شديد: خلافاتهم بينهم كثيرة. وقلوبهم شتى: متفرقة ومملوءة بالبغضاء على بعضهم.
ثم مدح اللهُ تعالى الأنصار وأثنى عليهم ثناء عاطرا حين طابت انفسهم عن الفيء، ورضوا أن يكون للمهاجرين من اخوانهم، وقال: إنهم مخلصون في إيمانهم، ذوو صفات كريمة، وشيم جليلة، تدلّ على كرم النفوس، ونبل الطباع.
(١) فهم يحبّون المهاجرين، وقد أسكنوهم معهم في دورهم، وآخَوهم، وبعضهم نزل لأخيه من المهاجرين عن بعض ماله.
روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنهـ قال: قال المهاجرون: «يا رسول الله ما رأينا مثلَ قوم قِدمنا عليهم: حُسْنَ مواساةٍ في قليل، وحسنَ بذل في كثير! لقد كفونا المئونة، وأشركونا في المهيّأ، حتى لقد خشينا ان يذهبوا بالأجر كله، قال: لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم لهم».
والمهيأ: كل ما يريح الانسان من مكان او طعام. فعلّمهم الرسول الكريم ان يثنوا على اخوانهم الانصار ويدعوا لهم مقابل ما اكرموهم به.
(٢) وهم لا يحسّون في انفسهم شيئا مما أوتي المهاجرون من الفيء وغيره.
(٣) ويؤثرون اخوانهم المهاجرين على انفسهم ويقدّمونهم، ولو كان بهم حاجة، وهذا منتهى الكرم والايثار، وغاية التضحية. ولذلك ورد في بعض الروايات ان رسول الله ﷺ قال: اللهم ارحم الأنصارَ وأبناء الأنصار.
ثم بين الله تعالى ان الذي ينجو من البخل يفوز برضا الله ويكون من المفلحين فقال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون﴾.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهـ قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الشحّ، فإن الشح قد أهلكَ من كان قَبلكم، حَملَهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلّوا محارمهم» رواه الإمام احمد والبخاري في: الأدب المفرد، والبيهقي.
وقال الرسول الكريم: «لا يجتمعُ الإيمانُ والشحُّ في قلبٍ عبدٍ أبداً» رواه الترمذي وابو يعلى عن انس بن مالك رضي الله عنهـ.
وليس المراد من تقوى الشح الجودَ بكل ما يملك، وانما ان يؤديَ الزكاة، ويَقري الضيف ويعطي ما يستطيع كما روي عن الرسول الكريم انه قال: «بَرِئَ من الشحّ من أدى الزكاةَ وقَرَا الضيف، وأعطى في النائبة».
ثم جاء المدحُ لمن تبع الانصارَ والمهاجرين، وساروا على طريقتهم في كل زمان ومكان الى يوم القيامة فقال تعالى:
﴿والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذين سَبَقُونَا بالإيمان﴾.
وهذا يشمل المسلمين الذين اتبعوا الهدى وطبقوا الشريعة، في كل مكان وزمان.
كما جاء في سورة براءة الآية ١٠٠ ﴿والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ ﴿وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.
هؤلاء هم المؤمنون حقا، فهم يستغفرون لأنفسِهم ولإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان. (ويشمل هذا جميعَ الصحابة الكرامِ وتابعيهم وكلَّ من سار على هداهم)، ثم يزيدون فيدْعون الى الله أن لا يجعلَ في قلوبهم حَسداً وحِقدا للمؤمنين جميعا، فكيف ببعضِ من يسبُّ كرامَ الصحابة، ويُبغضهم! عافانا الله من ذلك وطهّر قلوبنا من الغل والحسد والبغضاء.
فالقرآن تتجلّى عظمته في هذا الربط المتين: ربطَ أول هذه المة بآخرها، وجعلها حلقة واحدةً مترابطةً في تضامن وتكافل وتعاطف وتوادّ، ويمضي الخَلَفُ على آثار السلف، صفاً واحدا على هدف واحد، في مدار الزمان واختلاف الأوطان.
نسأل الله تعالى ان يجمع كلمةَ العرب والمسلمين، ويوحّدَ صفوفهم تحت رايةِ القرآن وسنة رسوله الكريم، انه سميع مجيب.
ثم يأتي الحديث عن المنافقين، وكَذِبهم وخداعهم، وعدم وفائهم بما قالوا لإخوانهم اليهود الذين اتفقوا على بُغض الرسول الكريم والمؤمنين، فيقول تعالى تعجّباً من كفرهم وكذبهم ونفاقهم:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً﴾.
الم تَعْجَبْ من حال هؤلاء المنافقين الذين خدعوا إخوانهم في الكفر، اليهودَ من بني النضير، حيث قالوا لهم اصمُدوا في دِياركم ولا تخرُجوا، فإننا سننصركم، وإن أُخرجْتم من المدينة لنخرجنَّ معكم، ولا نطيعُ في شأنِكم أحدا ابدا.
﴿وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
إن قاتلكم المسلمون قاتلنا نحن معكم. والله يشهد إن المنافقين لكاذبون فيما وعدوا به.
ثم بين كذبهم بالتفصيل فقال:
﴿لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأدبار ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾.
وقد خرج بنو النضير من ديارهم أذلاء فلم يخرج المنافقون معهم، وقوتلوا فلم ينصروهم، ولو نصروهم وقاتلوا معهم لانهزموا جميعاً.
ثم بين الله السببَ في عدم نُصرتهم لليهود، والدخول مع المؤمنين في قتال فقال:
﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ الله ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾.
انكم ايها المسلمون اشدّ مهابةً في صدور المنافقين واليهودِ من الله، وذلك لأنهم قوم لا يعلمون حقيقة الإيمان.
ثم أكد جُبن اليهود والمنافقين وشدة خوفهم من المؤمنين فقال:
﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ﴾.
ان هؤلاء اليهود والمنافقين معهم قد ألقى اللهُ في قلوبهم الرعب، فلا يواجهونكم بقتالٍ مجتمعين، ولا يقاتلونكم إلا في قرى محصّنة او من وراء جدرانٍ يستترون بها.
ذلك لأنهم متخاذلون، وهم في الظاهر أقوياء متّحدون، لكنهم في حقيقة الأمر قلوبُهم متفرقة، وبينهم العداوةُ والبغضاءُ والحسد.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾.
ثم بين الله ان هؤلاء قد سبقهم غيرُهم قبلَهم من يهودِ بني قينقاع الذين كانوا حول المدينة وغزاهم النبيُّ ﷺ وأجلاهم عنها ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وحالُنا اليومَ مع اليهود مثلُ حالهم في السابق، فهم في الظاهر أقوياء، عندهم أسلحة كثيرة وطائرات حديثة وصواريخ ودبابات، وهذا كله ليس سرَّ قوتهم، وانما سرُّ قوتهم خذلانُنا نحن وتفرُّقُ كلمتنا، ومحاربة بعضنا بعضا. فلو عدنا الى ديننا وجمعْنا شملنا واتحدنا وأعددنا العدة بقدر ما نستطيع - لهزمنا اليهود، فانّ بأسهم بينهم شديد وقلوبهم شتى، ومجتمعهم متفكك مملوء بالجريمة والفِسق والقذارة التي ليس لها مثيل. فمتى يفيق العربُ من سباتهم ويوحدون صفوفهم! لو اجتمعت العراق وسوريا والأردن وفلسطين اجتماعا حقيقيا لكفى هذا، وبإمكانهم وحدهم ان يهزموا اليهود ويستعيدوا أرضهم وكرامتهم.
لغد: يوم القيامة، كأنه من قربه يوم غد، وكل آت قريب. نسوا الله: لم يطيعوه وجروا وراء اهوائهم وملذاتهم. فأنساهم انفسهم: بما ابتلاهم من الغفلة وحب الدنيا، فصاروا لا يعرفون ما ينفعها مما يضرها.
في هذه الآيات الكريمة نصيحةٌ للمؤمنين وتعليم وتهذيب لهم أن يلزموا التقوى، ويعملوا الصالحات ويقدّموا الخيرات والمالَ والجاه للمحتاجين، حتى يجدوه امامهم يوم القيامة. وقد كرر الله تعالى الحديث على التقوى لما لها من فوائد وعليها يبنى المجتمع الصالح.
﴿واتقوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. لا يخفى عليه صغيرة ولا كبيرة في هذا الكون الواسع.
ثم ضرب الأمثالَ لنا تحذيراً وإنذاراً من ان نقع في حب الدنيا، فننسى واجباتنا، ونغفُل عما ينقصنا فقال:
﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالذين نَسُواْ الله.....﴾.
لا تكونوا كالذين نسوا حقوق الله وما عليهم من الواجبات، فأنساهم الله انفسَهم حتى اصبحوا كالحيوانات لا همَّ لهم الا شهواتهم وملذاتهم والجري وراء الدنيا.
﴿أولئك هُمُ الفاسقون﴾.
الخارجون عن طاعة الله، فاستحقّوا عقابه يوم القيامة. فالانسان له حقوق وعليه واجبات، والدنيا أخذٌ وعطاء، فلا خير في مال لا ينفق في سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب جهله حِلْمَهُ، ولا خير في قول لا يراد به وجه الله.
ثم بين الله تعالى أن من يعمل الحسناتِ يذهب الى الجنة، وان من يعمل السيئاتِ يذهب الى النار، وانهم لا يستوون. فلا يستوي من يذهب الى النار يعذَّب فيها، ومن يذهب الى الجنة ينعُم فيها، ﴿أَصْحَابُ الجنة هُمُ الفآئزون﴾ بكل ما يحبّون.
خاشعا: منقادا متذللا. متصدعا: متشققا. عالمَ الغيب: كل ما غاب عن حواسنا من العوالم التي لا نراها. الشهادة: ما حضر من الاجرام المادية التي نشاهدها. القدّوس: المنزه عن النقص. السلام: الذي ينشر السلام في هذا الكون والامان والنظام. المؤمن: واهب الأمن للخلق أجمعين. المهيمن: الرقيب الحافظ. العزيز: الغالبُ على امره. الجبار: الذي جَبَرَ خلقه على ما اراد، والعالي الذي لا يُنال. المتكبر: صاحب الكبرياء والعظمة المنفرد بها. الخالق: الموجِد للأشياء على مقتضى الحكمة. البارئ: المبرز لها على صفحة الوجود بحسب السنن التي وضعها، والغرض الذي وجدت له. المصوِّر: موجد الاشياء على صورها ومُختلف اشكالها كما اراد. الأسماء الحسنى: الأسماء الدالّة على المعاني التي تظهر في مظاهر هذا الوجود، فنظم الحياة وبدائع ما فيها دليل على كمال صفاته.
في ختام هذه السورة الكريمة يُشيدُ الله تعالى بالقرآن الكريم، وأنه هو الإمام المرشجُ الهادي للمؤمنين، وان مِن عظمة هذا القرآن ان له قوةً فائقة لو أُنزل مثلها على جبلٍ لخشع ولانَ من خشية الله وكلامه، وان البشر أَولى ان يخشعوا لكلام الله وتَلينَ قلوبهم فيتدبّروا ما فيه ويسيروا على هديه.
﴿وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. في حكم القرآن، وعظمة مُنزله، ويهتدون بنوره الى سواء السبيل، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].
ثم وصف الله تعالى نفسَه بجليل الأسماء والصفات التي هي سرُّ العظمة والجلال، وذكر ان عظمةَ القرآن جاءت من عظمة الخالق، فأورد سبحانه احدَ عشر اسماً من أسمائه الحسنى فسّرناها باختصار في اول هذه الآيات، فهو الإله الذي لا ربَّ غيره ﴿لَهُ الأسمآء الحسنى﴾ يسبّح له ما في السموات وما في الارض وهو العزيزُ الحكيم.
وثد شرحنا التسبيح فيما مضى، وتجيء هذه التسبيحة المديدة بأسماء الله الحسنى بحسن الختام.
السورة التالية
Icon