0:00
0:00

سورة الحشر مدنية عددها أربع وعشرون آية كوفي.

بسم الله الرحمن الرحيم :
﴿ سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ يقول :ذكر الله ما في السماوات من الملائكة، وما في الأرض من الخلق ﴿ وهو العزيز ﴾ في ملكه ﴿ الحكيم ﴾ آية في أمره.
﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا ﴾ يعني يهود بني النضير﴿ من أهل الكتاب ﴾ بعد قتال أحد أخرجهم﴿ من ديارهم لأول الحشر ﴾ يعني القتال، والحشر الثاني للقيامة، وهو الجلاء من المدينة إلى الشام وأذرعات، ﴿ ما ظننتم ﴾ يقول للمؤمنين ما حسبتم ﴿ أن يخرجوا وظنوا ﴾ يعني وحسبوا ﴿ أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ﴾ يعني من قبل قتل كعب بن الأشرف، ثم قال : ﴿ وقذف في قلوبهم الرعب ﴾ بقتل كعب بن الأشرف أرعبهم الله بقتله، لأنه كان رأسهم وسيدهم قتله محمد بن مسلمة الأنصاري، وكان أخاه من الرضاعة وغيره، وكان محمد ليلة قتل كعب بن الأشرف أخو محمد بن سلمة، وأبو ليل، وعتبة كلهم من الأنصار.
قوله : ﴿ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ﴾ وذلك أن المنافقين دسوا وكتبوا إلى اليهود ألا يخرجوا من الحصن، وأن يدبروا على الأزقة وحصونها، فإن قاتلتم محمدا فنحن معكم لا نخذلكم ولننصرنكم، ولئن أخرجتم لنخرجن معكم، فلما سار النبي صلى الله عليه وسلم إليهم وجدهم ينوحون على كعب بن الأشرف، قالوا :يا محمد، واعية على أثر واعية، وباكية على أثر باكية، وناتجة على أثر ناتجة، قال :نعم، قالوا :فذرنا نبكي شجونا، ثم نأتمر لأمرك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :أخرجوا من المدينة، قالوا :الموت أقرب إلينا من ذلك، فنادوا الحرب، واقتتلوا وكان المؤمنون إذا ظهروا على درب من دروبهم تأخروا إلى الذي يليه فتقبوه من دبره، ثم حصنوها ويخرب المسلمون ما ظهروا عليه من نقض بيوتهم، فيبتون دروبا، على أفواه الأزقة، فذلك قوله : ﴿ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴾ آية، يعني المؤمنين أهل البصيرة في أمر الله، وأمر النضير.
ثم قال : ﴿ ولولا أن كتب الله ﴾ يعني قضى الله، نظيرها في المجادلة قوله : ﴿ كتب الله لأغلبن ﴾ الآية يعني قضى الله ﴿ عليهم الجلاء ﴾ من المدينة ﴿ لعذبهم في الدنيا ﴾ بالقتل بأيديكم ﴿ ولهم في الآخرة عذاب النار ﴾.
﴿ ذلك ﴾ الذي نزل بهم من الجلاء ﴿ بأنهم شاقوا الله ورسوله ﴾ يعني عادوا الله ورسوله ﴿ ومن يشاق الله ﴾ ورسوله يعني ومن يعادي الله ورسوله، ﴿ فإن الله شديد العقاب ﴾ آية إذا عاقب، نظيرها في هود : ﴿ لا يجرمنكم شقاقي ﴾ الآية يعني عداوتي.
﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ الحشر يعني وليهن اليهود، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقطع ضرب من النخيل من أجود التمر يقال له اللين شديد الصفرة ترى النواة من اللحى من أجود التمر بغيب فيه الضرس، والنخلة أحب إلى أحدهم من وضيف، فجزع أعداء الله لما رأوا ذلك الضرب من النخيل يقطع، فقالوا :يا محمد، أوجدت فيما أنزل الله عليك الفساد في الأرض أو الإصلاح في الأرض، فأكثروا القول ووجد المسلمون ذمامة من قطعهم النخيل خشية أن يكون فسادا.
فأنزل الله تعالى : ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾وكانوا قطعوا أربع نخلات كرام عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم غير العجوة، ﴿ أو تركتموها قائمة على أصولها ﴾ هو كله ﴿ فبإذن الله ﴾ يعني بأمر الله ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ آية لكي يخزى الفاسقين وهم اليهود بقطع النخل، فكان قطع النخل ذلا لهم وهوانا.
قال أبو محمد :قال الفراء :كل شيء من النخيل سوى العجوة فهو اللين.
قال أبو محمد :قال الفراء :حدثني حسان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال :أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع النخل كله إلا العجوة ذلك اليوم فكل شئ سوى العجوة فهو اللين.
وقال أبو محمد :وقال أبو عبيدة :اللين ألوان النخل سوى العجوة والبرني، واحدتها لينة.
فلما يأس اليهود أعداء الله من عون المنافقين رعبوا رعبا شديدا بعد قتال إحدى وعشرين ليلة، فسألوا الصلح فصالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على أن يؤمنهم على دمائهم وذراريهم وعلى أن لكل ثلاثة منهم بعيرا يجعلون عليه ما شاءوا من عيال أو متاع وتعيد أموالهم فيئا للمسلمين، فساروا قبل الشام إلى أذرعات وأريحا، وكان ما تركوا من الأموال فيئا للمسلمين، فسأل الناس النبي صلى الله عليه وسلم الخمس كما خمس يوم بدر، ووقع في أنفسهم حين لم يخمس.
فأنزل الله تعالى : ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم ﴾ يعني أموال بني النضير، ﴿ فما أوجفتم عليه ﴾ يعني على الفيء ﴿ من خيل ولا ركاب ﴾ يعني الإبل يقول لم تركبوا فرسا، ولا بعيرا، ولكن مشيتم مشيا حتى فتحتموها، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حمارا له، فذلك قوله : ﴿ ولكن الله يسلط رسله على من يشاء ﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم، يعنيهم ﴿ والله على كل شيء ﴾ من النصر وفتحها ﴿ قدير ﴾.
قوله : ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ﴾ يعني قريظة والنضير، وخيبر، وفدك، وقريتي عرينة، ﴿ فلله وللرسول ولذي القربى ﴾ يعني قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة ﴾ يعني يكون المال دولة ﴿ بين الأغنياء منكم ﴾ يعني لئلا يغلب الأغنياء الفقراء على الفيء، فيقسمونه بينهم، فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم الفيء للمهاجرين، ولم يعط الأنصار غير رجلين، منهم سهل بن حنيف، وسماك بن خرشة، أعطاهما النبي صلى الله عليه وسلم أرضا من أرض النضير، وإنما سموا المهاجرين لأنهم هجروا المشركين وفارقوهم، قوله : ﴿ وما آتاكم الرسول ﴾ يقول :ما أعطاكم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من الفيء، ﴿ فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله ﴾ يخوفهم الله من المعاصي. ثم خوفهم، فقال : ﴿ إن الله شديد العقاب ﴾ آية إذا عاقب أهل المعاصي.
ثم ذكر الفيء فقال : ﴿ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ﴾ أخرجهم كفار مكة، ﴿ يبتغون ﴾ يعني يطلبون ﴿ فضلا من الله ﴾ يعني رزقا من الله في الجنة ﴿ ورضوانا ﴾ يعني رضي ربهم، ﴿ وينصرون الله ورسوله ﴾ محمدا صلى الله عليه وسلم. ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ آية في إيمانهم وليسوا بكاذبين في إيمانهم كالمنافقين.
ثم ذكر الأنصار فأثنى عليهم حين طابت أنفسهم عن الفيء، إذ جعل المهاجرين دونهم.
فقال : ﴿ والذين تبوءوا الدار ﴾ يعني أوطنوا دار المدينة من قبل هجرة المؤمنين، إليهم بسنين.
ثم قال : ﴿ والإيمان من قبلهم ﴾ من قبل هجرة المهاجرين، ثم قال :للأنصار : ﴿ يحبون من هاجر إليهم ﴾ من المؤمنين، ﴿ ولا يجدون في صدورهم ﴾ يعني قلوبهم ﴿ حاجة مما أوتوا ﴾ يعني مما أعطى إخوانهم المهاجرين من الفيء، ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ﴾ يقول :لا تضيق ﴿ ولو كان بهم خصاصة ﴾ يعني الفاقة فآثروا المهاجرين بالفيء على أنفسهم، ثم قال : ﴿ ومن يوق شح نفسه ﴾ يعني ومن يقيه الله حرص نفسه، سعني الأنصار حين طابت أنفسهم عن الفيء لإخوانهم، ﴿ فأولئك هم المفلحون ﴾ آية فقد ذهب صنفان المهاجرون والأنصار بقي صنف واحد، وهم التابعون الذين دخلوا في الإسلام إلى يوم القيامة.
﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ يعني من بعد المهاجرين والأنصار، فدخلوا في الإسلام إلى يوم القيامة، وهم التابعون، ﴿ يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ﴾ الماضين من المهاجرين، والأنصار فهذا استغفار، ثم قال التابعون : ﴿ ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ﴾.
وأنزل في دس المنافقين إلى اليهود أنا معكم في النصر والخروج، فقال : ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا ﴾ نزلت في عبد الله بن نتيل، وعبد الله بن أبي رافع بن يزيد، كلهم من الأنصار ﴿ يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ من اليهود منهم حيى بن أخطب، وجدي، وأبو ياسر، ومالك بن الضيف، وأهل قريظة ﴿ لئن أخرجتم ﴾ لئن أخرجتكم محمد من المدينة كما أخرج أهل النضير ﴿ لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا ﴾ يقول :لا نطيع في خذلانكم أحدا ﴿ أبدا ﴾ يعني بأحد النبي صلى الله عليه وسلم وحده، ﴿ وإن قوتلتم لننصرنكم ﴾ يعني لنقاتلن معكم، فكذبهم الله تعالى، فقال : ﴿ والله يشهد إنهم لكاذبون ﴾.
﴿ لئن أخرجوا ﴾ كم أخرج أهل النضير من المدينة، ﴿ لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا ﴾ يعني لئن قاتلهم المسلمون ﴿ لا ينصرونهم ﴾ يعني لا يعانوهم يقول الله تعالى : ﴿ ولئن نصروهم ﴾ يعني ولئن عاونوهم ﴿ ليولن الأدبار ثم لا ينصرون ﴾ آية فغرهم المنافقون، فلزموا الحصن، حتى قتلوا وأسروا، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، فقتل منهم أربع مائة وخمسين رجلا، وسبى سبع مائة وخمسين رجلا، فذلك قوله في الأحزاب : ﴿ فريقا يقتلون ﴾ يعني المقاتلة الأربع مائة وخمسين ﴿ وتأسرون فريقا ﴾ [ الأحزاب :٢٦ ] يعني السبع مائة.
ثم قال : ﴿ لأنتم ﴾ معشر المسلمين ﴿ أشد رهبة في صدورهم من الله ﴾ يعني قلوب المنافقين ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ آية فيعتبرون.
﴿ لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد ﴾ يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ﴿ تحسبهم ﴾ يا محمد ﴿ جميعا ﴾ المنافقين واليهود ﴿ وقلوبهم شتى ﴾ يعني متفرقة مختلفة ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ آية عن الله فيوحدونه.
﴿ كمثل الذين من قبلهم ﴾ يعني من قبل أهل بدر، كان قبل ذلك بسنتين، فذلك قوله : ﴿ قريبا ذاقوا وبال أمرهم ﴾ يعني جزاء ذنبهم، ذاقوا القتل ببدر ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾.
ثم ضرب مثلا حين غروا اليهود فتبرؤا منهم عند الشدة وأسلموهم، فقال : ﴿ كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر ﴾ وذلك أنه كان راهبا في بني إسرائيل اسمه برصيصا، وكان في صومعته أربعين عاما، يعبد الله، ولا يكلم أحدا، ولا يشرف على أحد، وكان لا يكل من ذكر الله عز وجل، وكان الشيطان لا يقدر عليه مع ذكره الله تعالى.
فقال الشيطان لإبليس :قد غلبني برصيصا، ولست أقدر عليه، فقال إبليس :اذهب، فانصب له ما نصبت لأبيه من قبل، وكانت جارية ثلاثة من بني إسرائيل عظيمة الشرف جميلة من أهل بيت صدق، ولها إخوة فجاء الشيطان إليها، فدخل في جوفها فخنقها حتى ازبدت، فالتمس إخواتها لها الأطباء، وضربوا لها ظهرا وبطنا ويمينا وشمالا، فأتاهم الشيطان في منامهم، فقال :عليكم ببرصيصا الراهب، فليدع لها، فإنه مستجاب الدعاء، فلما أصبحوا، قال بعضهم لبعض :انطلقوا بأختنا إلى برصيصا الراهب، فليدع لها، فإنا نرجوا البركة في دعائه، فانطلقوا بها إليه، فقالوا :يا برصيصا أشرف علينا، وكلمنا فإنا بنو فلان، وإنما جئنا لباب حسنة، وأجر، فأشرف فكلمهم وكلموه، فلما رد عليها وجد الشيطان خللا فدخل في جوفه، ووسوس إليه، فقال :يا برصيصا هذا باب حسنة وأجر، تدعو الله لها فيشفيها، فأمرهم أن يدخلوها الحربة وينطلقوا هم، فأدخلوها الحربة ومضوا، وكان برصيصا لا يتهم في بني إسرائيل، فقال له الشيطان :يا برصيصا انزل فضع يدك على بطنها، وناصيتها، وادع لها، فما زال به حتى أنزله من صومعته، فلما نزل خرج منه، فدخل في جوف الجارية فاضطربت، وانكشفت، فلما رأى ذلك، ولم يكن له عهد بالنساء وقع بها.
قال الشيطان :يا برصيصا يا أعبد بني إسرائيل ما صنعت ؟ الزنا بعد العبادة يا برصيصا ؟ إن هذه تخبر أخواتها بما أتيت لها فتفتضح في بني إسرائيل فاعمد إليها، فاقتلها وادفنها في التراب، ثم اصعد إلى صومعتك، وتب إلى الله، وتعبد فإذا جاء أخوتها، فسألوا عنها، فأخبرهم أنك دعوت لها، وأن الجني طار عنها، وأنهم طاروا بها، فمن هذا الذي يتهمك في بني إسرائيل، فقتلها ودفنها في الخربة، فلما جاء إخوتها، قالوا :أين أختنا ؟ فقال :أختكم طارت بها الجن، فرجعوا وهم لا يتهمونه، فأتاهم الشيطان في المنام، فقال :إن برصيصا قد فضح أختكم، فلما أصبحوا جعل كل واحد منهم يكلم صاحبه بما رأى، فتكلم بما رأى، فقال الآخر :لقد رأيت مثل ما رأيت، فقال الثالث :مثل ذلك، فلم يرفعوا بذلك رأسا حتى رأوا ثلاث ليال، فانطلقوا إلى برصيصا، فقالوا :أين أختنا ؟ فقال :لا أدري طارت بها الجن، فدخلوا الخربة، فإذا هم بالتراب ناتئ في الخربة فضربوه بأرجلهم فإذا هم بأختهم فأتوه، فقالوا :يا عدو الله، قتلت أختنا، فانطلقوا إلى ذلك فأخبروه، فبعث إليه فاستنزله من صومعته، ونحتوا له خشبه، فأوثقوه عليها فأتاه الشيطان، فقال :أتعرفني يا برصيصا، قال :أي، قال :أنا الذي أنزلتك هذه المنزلة، فإن فعلت ما آمرك به استنقذتك مما أنت فيه، وأطلعتك إلى صومعتك ؟ قال :وبماذا ؟ قال :أتمثل لك في صورتي، فتسجد إلى سجدة واحدة وأنجيك مما هنا ؟ قال :نعم، فتمثل له الشيطان في صورته فسجد له وكفر بالله فانطلق الشيطان، وتركه، وقتل برصيصا، فذلك قوله : ﴿ كمثل الشيطان إذ قال للإنسان أكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين ﴾.
﴿ فكان عاقبتهما ﴾ يعني الشيطان والإنسان ﴿ أنهما في النار خالدين فيها ﴾ الشيطان والراهب، ﴿ وذلك جزاء الظالمين ﴾ آية يقول :هكذا ثواب المنافقين واليهود والنار.
ثم حذر المؤمنين ولاية اليهود، فقال : ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ﴾ يعني ولتعلم نفس، ﴿ ما قدمت لغد ﴾ يعني ما عملت لغد، يعني ليوم القيامة، ﴿ واتقوا الله ﴾ يحذرهم ولاية اليهود ﴿ إن الله خبير بما تعملون ﴾ آية من الخير والشر، ومن معاونة اليهود.
ثم وعظ المؤمنين ألا يتركوا أمره، ولا يكونوا بمنزلة أهل الكتاب فقال : ﴿ ولا تكونوا كالذين نسوا الله ﴾ يعني تركوا أمر الله ﴿ فأنساهم أنفسهم ﴾ أن يقدموا لها خيرا ﴿ أولئك هم الفاسقون ﴾ آية يعني العاصين.
ثم ذكر مستقر الفريقين، فقال : ﴿ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ﴾ يوم القيامة في الثواب والمنزلة ﴿ أصحاب الجنة هم الفائزون ﴾ آية يعني هم الناجون من النار، وأصحاب النار هم في النار خالدون فيها أبدا.
ثم وعظهم، فقال : ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن ﴾ الذي فيه أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وحرامه وحلاله ﴿ على جبل ﴾ وحملته إياه ﴿ لرأيته ﴾ يا محمد ﴿ خاشعا ﴾ يعني خاضعا ﴿ متصدعا من خشية الله ﴾ فكيف لا يرق هذا الإنسان ولا يخشى الله فأمر الله الناس الذين هم أضعف من الجبل الأصم الذي عروقه في الأرض السالعة ورأسه في السماء أن يأخذوا القرآن بالخشية والشدة، والتخشع، فضرب الله لذلك مثلا، فقال : ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم ﴾ يعني لكي ﴿ يتفكرون ﴾ آية في أمثال الله فيعتبروا في الربوبية.
فوحد الرب نفسيه، فقال : ﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب ﴾ يعني غيب ما كان وما يكون ﴿ والشهادة ﴾ يعني شهادته بالحق في كل شيء، ﴿ هو الرحمن الرحيم ﴾ آية اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر، فلما ذكر ﴿ الرحمن الرحيم ﴾، قال مشركون العرب :ما نعرف الرحمن الرحيم إنما اسمه الله. فأراد الله تعالى أن يخبرهم أن له أسماء كثيرة، فقال : ﴿ هو الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم ﴾ اسم الرب، تعالى، هو الله وتفسير الله :اسم الربوبية القاهر لخلقه وسائر أسمائه على فعاله.
﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو ﴾ فوحد نفسه، فقال لنفسه : ﴿ الملك ﴾ يعني يملك كل شيء دونه، ﴿ القدوس ﴾ يعني الطاهر ﴿ السلام ﴾ يسلم عباده من ظلمه ﴿ المؤمن ﴾ يؤمن أولياءه من عذابه ﴿ المهيمن ﴾ يعني الشهيد على عباده بأعمالهم من خير أو شر، كقوله : ﴿ ومهيمنا عليه ﴾ [ المائدة :٤٨ ] كقوله : ﴿ شاهدا عليكم ﴾ [ المزمل :١٥ ] على عباده بأعمالهم من خير أو شر المصدق بكتابه الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ العزيز ﴾ يعني المنيع بقدرته في ملكه ﴿ الجبار ﴾ يعني القاهر على ما أراد بخلقه ﴿ المتكبر ﴾ يعني المتعظم على كل شيء ﴿ سبحان الله ﴾ نزه الرب نفسه عن قولهم البهتان، ﴿ عما يشركون ﴾ آية معه فنزه الرب نفسه أن يكون له شريك، فقال : ﴿ سبحان الله عما يشركون ﴾ معه غيره أن يكون له شريك.
ثم قال عن نفسه : ﴿ هو الله الخالق ﴾ يعني خالق كل شيء خلق النطفة والمضغة، ثم قال : ﴿ البارئ ﴾ الأنفس حين يراها بعد مضغة إنسانا فجعل له العينين، والأذنين، واليدين، والرجلين، ثم قال : ﴿ المصور ﴾ في الأرحام، كيف يشاء ذكر وأنثى، أبيض وأسود، سوى وغير سوى، ثم قال : ﴿ له الأسماء الحسنى ﴾ يعني الرحمن الرحيم العزيز الجبار المتكبر، ونحوها من الأسماء يعني هذه الأسماء التي ذكرها في هذه السورة، ثم قال : ﴿ يسبح له ما في السماوات والأرض ﴾ يعني يذكره ويوحده ما في السماوات والأرض وما فيها من الخلق وغيره ﴿ وهو العزيز ﴾ في ملكه ﴿ الحكيم ﴾ آية في أمره.
قوله : ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ الرحيم أرق من الرحمن يعني المترحم يعني المتعطف بالرحمة على خلقه.
حدثنا عبد الله، قال :حدثني أبي، وحدثنا الهذيل عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبإسناده عن مقاتل، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن لله تسعة وتسعين اسما في القرآن فمن أحصاها دخل الجنة".
حدثنا عبد الله، قال :حدثني أبي، قال :حدثنا الهذيل، عن المسيب، قال سبحان الله :إنصاف لله من السوء.
وقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه :سبحان الله كلمة رضيها الله لنفسه.
وقال الهذيل :قال مقاتل :سبحان الله في القرآن تنزيه نزه نفسه، من السوء إلا أول بني إسرائيل ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ [ الإسراء :١ ] يقول عجب و ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج ﴾ [ يس :٣٦ ] يعني عجب الذي خلق الأزواج، وقوله : ﴿ سبحان الله حين تمسون ﴾ يقول صلوا لله.
حدثنا عبد الله، قال :حدثني أبي، قال :حدثنا الهذيل، عن هشيم، عن داود بن أبي هند، عن مطرف بن الشخير، قال :إن الله تعالى لم يكلنا في القرآن على القدر.
السورة التالية
Icon