0:00
0:00
﴿ بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ الآية، هذه السورة مدنية ومناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر حال المنافقين واليهود وتولى بعضهم بعضاً ذكر أيضاً ما حل باليهود من غضب الله تعالى عليهم وجلائهم وإمكان الله تعالى رسوله ممن حادّ الله ورسوله ورام القدر بالرسول وأظهر العداوة بحلفهم مع قريش وقيل نزلت في بني النضير وتعد من المدينة لتدانيها منها وكانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يكونوا عليه ولا له فلما ظهر يوم بدر قالوا هو النبي الذي نعته في التوراة لا رَد له راية فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكباً إلى مكة فحالفوا قريشاً عند الكعبة فأخبر جبريل عليه السلام الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك فأمر بقتل كعب بن الأشرف فقتله محمد بن مسلمة غيلة وكان أخاه من الرضاع. ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ ﴾ وأيسوا من نصر المنافقين إياهم فطلبوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا من المتاع فجلوا إلى الشام إلى اريحاء وأذرعات إلا أهل بيتين منهم ال أبي الحقيق وآل حي بن أحطب فلحقوا بخيبر ولحقت طائفة منهم بالحيرة وقبض أموالهم وسلاحهم فوجد خمسين درعاً وخمسين بيضة وثلاثمائة وأربعين سيفاً. ﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ ﴾ اللينة قال الأخفش: لون من النخل أي ضرب منه وأصلها لونه وقال أبو عبيدة: اللينة اللينة ما ثمرها لون وهي نوع من الثمر يقال له اللون وقال الأصمعي: هي الذقل وما شرطية منصوبة بقطعتم ومن لينة تبيين لإِبهام ما وجواب الشرط. ﴿ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ أي قطعها أو تركها بإِذن الله والضمير في﴿ تَرَكْتُمُوهَا ﴾ عائد على معنى ما وقرىء قائماً اسم فاعل مذكر على لفظ ما وأنث في على أصولها وما في قوله: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ ﴾ شرطية أو موصولة وأفاء بمعنى يفي ولا يكون ماضياً في اللفظ والمعنى لأن فعل الشرط لا يكون ماضياً في المعنى وكذلك صلة ما الموصولة إذا كانت الفاء في خبرها لأنها إذ ذاك شبهت باسم الشرط فإِن كانت الآية نزلت قبل جلائهم كانت مخبرة بغيب فوقع كما أخبرت وإن كانت نزلت بعد حصول أموالهم له صلى الله عليه وسلم كان ذلك بياناً لما يستقبل وحكم الماضي المتقدّم حكمه ومن في. ﴿ مِنْ خَيْلٍ ﴾ زائدة لأن المفعول يدل على الاستغراق. ﴿ وَلاَ رِكَابٍ ﴾ الإِبل سلط الله تعالى رسوله عليهم وعلى ما في أيديهم ولما جلا بنو النضير عن أوطانهم وتركوا رياعهم وأموالهم طلب المسلمون تخميساً كغنائم بدر فنزل وما أفاء الله على رسوله بين أن أموالهم فيء لم يوجف عليها خيل ولا ركاب ولا قطعت مسافة إنما كانوا ميلين من المدينة مشوا مشياً ولم يركب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر بن الخطاب: كانت أموال بني النضير لرسول الله خاصة ينفق منها على أهله نفقة سنة ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة للمسلمين في سبيل الله تعالى. ﴿ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ ﴾ أهل القرى المذكورون في هذه الآية هم أهل الصفراء وينبع ووادي القرى وما هنالك من قرى العرب التي تسمى قرى عرينة وحكمها مخالف لبني النضير ولم يحبس من هذه رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه شيئاً بل أمضاها لغيره وذلك أنها فتحت في ذلك الوقت وقيل الآية الأولى خاصة في بني النضير وهذه الآية عامة والضمير في تكون بالتأنيث عائد على معنى ما إذ المراد به الأموال والمغانم وذلك الضمير هو إسم تكون وكذلك من قرأ بالياء أعاد الضمير على لفظ ما أي يكون الفيء وانتصب. ﴿ دُولَةً ﴾ على الخبر وعن رفع دولة فتكون تامة ودولة فاعل وكيلا يكون تعليل لقوله: ﴿ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ﴾ أي فالفيء وحكمه لله وللرسول يقسمه ما أمره الله تعالى. ﴿ كَيْ لاَ يَكُونَ ﴾ أي الفيء الذي حقه أن يعطى للفقراء بلغة يعيشون به متداولاً بين الأغنياء يتكاثرون به أو كيلا يكون دولة جاهلية بينهم كما كان رؤساؤهم يستأثرون بالغنائم ويقولون من عزير والمعنى كيلا يكون أخذ غلبة وآثرة جاهلية. روي أن قوماً من الأنصار تكلموا في هذه القرى المفتتحة وقالوا لنا فيها سهمنا فنزل: ﴿ وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ﴾.
﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ للفقراء بدل من قوله ولذي القربى والمعطوف عليه ومذهب أبي حنيفة لا يستحق ذو القربى الغنى إنما يستحق ذو القربى الفقير فالفقر شرط فيه والشافعي يرى أن الاستحقاق بسبب القرابة فيأخذ ذو القربى الغني بقرابته ثم وصف تعالى المهاجرين بما يقتضي فقرهم ويوجب الإِشفاق عليهم. ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ ﴾ في إيمانهم وجهادهم قولاً وفعلاً والظاهر أن قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ﴾ معطوف على المهاجرين وهم الأنصار فيكون قد وقع منهم الاشتراك فيما يقسم من الأموال وقيل هو مستأنف مرفوع بالابتداء والخبر يحبون أثنى تعالى عليهم بهذه الخصال الجليلة كما أثنى على المهاجرين بقوله: ﴿ يَبْتَغُونَ ﴾ أنهم والإِيمان معطوف على الدار وهي المدينة والإِيمان ليس مكاناً فيتبوؤوا فقيل هو من عطف الجمل أي واعتقدوا الإِيمان وأخلصوا فيه قاله أبو علي وقيل تبوؤوا ضمن معنى آثر وافتقد إلى اثنين. ﴿ وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ الظاهر أنه معطوف على ما قبله من المعطوف على المهاجرين فقال الفراء: هم الفرقة الثالثة من الصحابة وهي من آمن أو كبر في آخر مدّة النبي صلى الله عليه وسلم وقيل والذين جاؤوا من بعدهم مقطوع مما قبله معطوف عطف الجمل لا عطف المفردات فإِعراب والذين: مبتدأ ندبوا بالدعاء للأولين والثناء عليهم وهم من يجيء بعد الصحابة إلى يوم القيامة والخبر يقولون أخبر تعالى عنهم بأنهم لإِيمانهم ومحبة أسلافهم. ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ﴾ وعلى القول الأول يكون يقولون استئناف أخبار قيل أو حال. ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ ﴾ نزلت في عبد الله بن أبي ورفاعة بن التابوت وقوم منافقي الأنصار كانوا بعثوا إلى بني النضير بما تضمنته الجمل المحكية بقوله: يقولون واللام في لإِخوانهم للتبليغ والأخوة بينهم الكفر وموالاتهم. ﴿ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ ﴾ أي في قتالكم أحداً من الرسول والمؤمنين واخلاف ما وعدناكم من النصرة. ﴿ لَنَنصُرَنَّكُمْ ﴾ جواب قسم محذوف قبل أن الشرطية وجواب إن محذوف والكثير في كلام العرب إثبات اللام المؤذنة بالقسم قبل أداة الشرط وفي حذفها قوله: ﴿ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ﴾[المائدة: ٧٣]، التقدير ولرى لم ينتهوا لكاذبون أي في مواعيدهم لليهود وفي ذلك دليل على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم لأنه إخبار بالغيب.
﴿ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ ﴾ قد أخبر أنهم لا ينصرونهم فلا يمكن نصرهم إياهم بعد إخباره تعالى أنه لا يقع وإذا كانت الضمائر متفقة فقال ابن عطية: معناه ولئن حاولوا ذلك فإِنهم منهزمون " انتهى ". والظاهر أن الضمير في ليولي الأدبار وفي ثم لا ينصرون عائد على المفروض أنهم ينصرونهم أولاً أي ولئن نصرهم المنافقون ليولن المنافقون الأدبار ثم لا ينصر المنافقون ورهبة مصدر رهب المبني للمفعول كأنه قيل أشد مرهوبية فالرهبة واقعة منهم لا من المخاطبين والمخاطبون مرهوبون فالخبر عنه مخوف لا خائف والضمير في صدورهم قيل لليهود والمعنى رهبتهم منكم أشد من رهبتهم من الله. ﴿ لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾ أي بنو النضير وجميع اليهود. ﴿ جَمِيعاً ﴾ أي مجتمعين متساندين يعضد بعضهم بعضاً. ﴿ إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ ﴾ لا في صحراء لخوفهم منكم وتحصينها بالزروب والخنادق. ﴿ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ ﴾ يتسترون به من أن تصيبوهم. ﴿ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ ﴾ أي إذا اقتتلوا بعضهم مع بعض كان بأسهم شديداً أما إذا قاتلوكم فلا يبقى لهم بأس لأن من حارب أولياء الله خذل. ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً ﴾ أي مجتمعين ذوي ألفة واتحاد. ﴿ وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ﴾ أي وأهواؤهم متفرقة وكذا حال المخذولين لا يستقر أهواؤهم على شىء واحد موجب ذلك الشتات وهو انتفاء عقولهم فهم كالبهائم لا تتفق على حالة. ﴿ كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ ﴾ كمثل خبر مبتدأ محذوف أي مثل بني النضير مثل الذين من قبلهم قريباً وهم بنو قينقاع أجلاهم الرسول عليه السلام من المدينة قبل بني النضير فكانوا مثلاً لهم قاله ابن عباس ذاقوا وبال أمرهم قريباً من عصيانهم أي لم تتأخر عقوبتهم في الدنيا كما لم تتأخر عقوبة هؤلاء. ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ في الآخرة. ﴿ كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ لما مثلهم بمن قبلهم ذكر مثل مع المنافقين والمنافقون كالشيطان وبنوا النضير كالإِنسان والجمهور على أن الشيطان والإِنسان إسما جنس يورطه في المعصية ثم يفر منه كذلك أغوى المنافقون بني النضير وحرضوهم على الثبات ووعدوهم النصر فلما نشب بنو النضير خذلهم المنافقون وتركوهم في أسوأ حال ولما انقضى في هذه السورة وصف المنافقين واليهود وعظ المؤمنين لأن الموعظة بعد المصيبة لها موقع في النفس لرقة القلوب والحذر مما يوجب العقاب وكرر الأمر بالتقوى على سبيل التوكيد أو لاختلاف متعلق التقوى فالأولى في أداء الفرائض لأنه مقترن بالعمل والثانية في ترك المعاصي لأنه مقترن بالتهديد والوعيد ولما كان أمر القيامة واقعاً لا محالة عبر عنه بالغدو وهو اليوم الذي يلي يومك على سبيل التقريب. ﴿ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ ﴾ هم الكفار تركوا عبادة الله تعالى وامتثال ما أمر واجتناب ما نهى وهذا تنبيه على فرط غفلتهم واتباع شهواته. ﴿ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ﴾ حيث لم يسعوا لها في الخلاص من العذاب وهذا من المجازاة بالذنب على الذنب عوقبوا على نسيان رحمة الله تعالى بأن أنساهم أنفسهم ثم ذكر مباينة الفريقين أصحاب النار في الجحيم وأصحاب الجنة في النعيم. ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ ﴾ من باب التخييل والتمثيل كما مر في قوله﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ ﴾[الأحزاب: ٧٢] ودل على ذلك وتلك الأمثال نضربها للناس والغرض توبيخ الإِنسان على قسوة قلبه وعدم تأثره لهذا الذي لو أنزل على الجبل لتخشع وتصدع وإذا كان الجبل على عظمته وتصلبه يعرض له الخشوع والتصدع فابن آدم كان أولى بذلك لكنه على حقارته وضعفه لا يتأثر وتقدم شرح المهيمن والجبار القاهر الذي جبر خلقه على ما أراد. ﴿ ٱلْمُتَكَبِّرُ ﴾ البالغ في الكبرياء والعظمة. ﴿ ٱلْخَالِقُ ﴾ المقدر لما يوجده. ﴿ ٱلْبَارِىءُ ﴾ المميز بعضه من بعض بأشكال مختلفة. ﴿ ٱلْمُصَوِّرُ ﴾ الممثل.
السورة التالية
Icon