0:00
0:00

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْحَشْرِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَلَامٌ عَلَى مَعْنَى التَّسْبِيحِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) [٢١ ٧٩].
وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: التَّسْبِيحُ فِي اللُّغَةِ الْإِبْعَادُ عَنِ السُّوءِ، وَفِي اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ تَنْزِيهُ اللَّهِ - جَلَّ وَعَلَا - عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ، وَسَاقَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - النُّصُوصَ فِي تَسْبِيحِ الْمَخْلُوقَاتِ جَمِيعِهَا.
وَقَالَ فِي آخِرِ الْمَبْحَثِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَكُنَّا فَاعِلِينَ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ)، وَالْمُوجِبُ لِهَذَا التَّأْكِيدِ أَنَّ تَسْخِيرَ الْجِبَالِ وَتَسْبِيحَهَا أَمْرٌ عَجَبٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، مَظِنَّةٌ لِأَنْ يُكَذِّبَ بِهِ الْكَفَرَةُ الْجَهَلَةُ [مِنَ الْجُزْءِ الرَّابِعِ ٣٣٧، وَذَكَرَ عِنْدَ أَوَّلِ سُورَةِ " الْحَدِيدِ " زِيَادَةً لِذَلِكَ].
وَفِي مُذَكِّرَةِ الدِّرَاسَةِ مِمَّا أَمْلَاهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي فَصْلِ الدِّرَاسَةِ عَلَى أَوَّلِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [٦٢ ١] قَالَ: التَّسْبِيحُ التَّنْزِيهُ، (وَمَا) الَّتِي لِغَيْرِ الْعُقَلَاءِ؛ لِتَغَلُّبِ غَيْرِ الْعُقَلَاءِ لِكَثْرَتِهِمْ، وَكَانَ يُمْكِنُ الِاكْتِفَاءُ بِالْإِحَالَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إِلَّا أَنَّ الْحَاجَةَ الْآنَ تَدْعُو إِلَى مَزِيدِ بَيَانٍ بِقَدْرِ الْمُسْتَطَاعِ؛ لِتَعَلُّقِ الْمَبْحَثِ بِأَمْرٍ بَالِغِ الْأَهَمِّيَّةِ، وَنَحْنُ الْيَوْمَ فِي عَصْرٍ تَغْلِبُ عَلَيْهِ الْعَلْمَانِيَّةُ، وَالْمَادِّيَّةُ فَنُورِدُ مَا أَمْكَنَ أَمَلًا فِي زِيَادَةِ الْإِيضَاحِ.
إِنَّ أَصْلَ التَّسْبِيحِ مِنْ مَادَّةِ سَبَحَ، وَالسِّبَاحَةُ وَالتَّسْبِيحُ مُشْتَرِكَانِ فِي أَصْلِ الْمَادَّةِ، فَبَيْنَهُمَا اشْتِرَاكٌ فِي أَصْلِ الْمَعْنَى، وَالسِّبَاحَةُ فِي الْمَاءِ يَنْجُو بِهَا صَاحِبُهَا مِنَ الْغَرَقِ، وَكَذَلِكَ الْمُسَبِّحُ لِلَّهِ وَالْمُنَزِّهُ لَهُ يَنْجُو مِنَ الشِّرْكِ، وَيَحْيَا بِالذِّكْرِ وَالتَّمْجِيدِ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَقَدْ جَاءَ الْفِعْلُ هُنَا بِصِيغَةِ الْمَاضِي: (سَبَّحَ لِلَّهِ) كَمَا جَاءَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ
" الْحَدِيدِ ".
قَالَ أَبُو حَيَّانَ عِنْدَهَا: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَلْقَ بِالتَّسْبِيحِ فِي آخِرِ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ يَعْنِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) [٥٦ ٩٥ - ٩٦]، جَاءَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ الَّتِي تَلِيهَا مُبَاشَرَةً بِالْفِعْلِ الْمَاضِي؛ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ التَّسْبِيحَ الْمَأْمُورَ بِهِ قَدْ فَعَلَهُ، وَالْتَزَمَ بِهِ كُلُّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. اهـ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْفِعْلَ قَدْ جَاءَ أَيْضًا بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ كَمَا فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: (يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [٥٩ ٢٤]، وَفِي أَوَّلِ سُورَةِ " الْجُمُعَةِ ": (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) [٦٢ ١]، وَفِي أَوَّلِ سُورَةِ التَّغَابُنِ: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [٦٤ ١]، وَهَذِهِ الصِّيغَةُ تَدُلُّ عَلَى الدَّوَامِ وَالِاسْتِمْرَارِ.
بَلْ جَاءَ الْفِعْلُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) [٨٧ ١]، (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) [٥٦ ٧٤].
وَجَاءَتِ الْمَادَّةُ بِالْمَصْدَرِ: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) [١٧ ١]، (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) [٣٠ ١٧]، لِيَدُلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ بِدَوَامِ وَاسْتِمْرَارِ التَّسْبِيحِ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، كَمَا سَبَّحَ سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ، وَسَبَّحَتْهُ مَلَائِكَتُهُ، وَرُسُلُهُ عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانُهُ.
وَ (مَا) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، وَأَصْلُ اسْتِعْمَالِهَا لِغَيْرِ الْعُقَلَاءِ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلْعَاقِلِ إِذَا نُزِّلَ مَنْزِلَةَ غَيْرِ الْعَاقِلِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) [٤ ٣]، وَمَجِيئُهُا هُنَا لِغَيْرِ الْعَاقِلِ تَغْلِيبًا لَهُ؛ لِكَثْرَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَتَكُونُ شَامِلَةً لِلْعَاقِلِ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
وَمِمَّا يَلْفِتُ النَّظَرَ أَنَّ التَّسْبِيحَ الَّذِي فِي مَعْرِضِ الْعُمُومِ كُلَّهُ فِي الْقُرْآنِ مُسْنَدٌ إِلَى " مَا " دُونَ " مَنْ " إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) [٧١ ٤٤]، وَهَذَا شَاهِدٌ عَلَى شُمُولِ " مَا " وَعُمُومِهَا الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَسْنَدَ التَّسْبِيحَ أَوَّلًا إِلَى السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرْضِ صَرَاحَةً بِذَوَاتِهِنَّ، وَهُنَّ مِنْ غَيْرِ الْعُقَلَاءِ بِمَا فِي كُلٍّ مِنْهُنَّ مِنْ أَفْلَاكٍ، وَكَوَاكِبَ، وَبُرُوجٍ، أَوْ جِبَالٍ، وَوِهَادٍ، وَفِجَاجٍ، ثُمَّ عَطَفَ
عَلَى غَيْرِ الْعُقَلَاءِ بِصِيغَةِ " مَنْ " الْخَاصَّةِ بِالْعُقَلَاءِ فَقَالَ: (وَمَنْ فِيهِنَّ)، وَإِنْ كَانَتْ " مَنْ "، قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِغَيْرِ الْعُقَلَاءِ إِذَا نُزِّلْنَ مَنْزِلَةَ الْعُقَلَاءِ كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
أَسِرْبَ الْقَطَا هَلْ مَنْ يُعِيرُ جَنَاحَهُ لَعَلِّي إِلَى مَنْ قَدْ هَوِيتُ أَطِيرُ
وَبِهَذَا شَمِلَ إِسْنَادُ التَّسْبِيحِ لِكُلِّ شَيْءٍ فِي نِطَاقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَاقِلٍ، وَغَيْرِ عَاقِلٍ، وَقَدْ أُكِّدَ هَذَا الشُّمُولُ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [١٧ ٤٤]، وَكَلِمَةُ " شَيْءٍ " أَعَمُّ الْعُمُومَاتِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [١٣ ٦]، فَشَمِلَتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَالْمَلَائِكَةَ، وَالْإِنْسَ، وَالْجِنَّ، وَالطَّيْرَ، وَالْحَيَوَانَ، وَالنَّبَاتَ، وَالشَّجَرَ، وَالْمَدَرَ، وَكُلَّ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ إِثْبَاتُ التَّسْبِيحِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ كُلٌّ عَلَى حِدَةٍ.
أَوَّلًا: تَسْبِيحُ اللَّهِ تَعَالَى نَفْسَهُ: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) [١٧ ١]، (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ) [٣٠ ١٧ - ١٨]، (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) [٢١ ٢٢].
ثَانِيًا: تَسْبِيحُ الْمَلَائِكَةِ (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) [٢]، وَقَوْلُهُ: (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [٣٩ ٧٥]، وَ (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) [٢١ ٢٠].
ثَالِثًا: تَسْبِيحُ الرَّعْدِ: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) [١٣ ١٣].
رَابِعًا: تَسْبِيحُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، وَالْأَرْضِ: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ) [١٧ ٤٤].
خَامِسًا: تَسْبِيحُ الْجِبَالِ: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ) [٣٨ ١٨].
سَادِسًا: تَسْبِيحُ الطَّيْرِ: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ) [٢١ ٧٩].
سَابِعًا: تَسْبِيحُ الْإِنْسَانِ: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) [١٥ ٩٨]، (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) [٥٦ ٧٤]، (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [١٩ ١١].
فَهَذَا إِسْنَادُ التَّسْبِيحِ صَرَاحَةً لِكُلِّ هَذِهِ الْعَوَالِمِ مُفَصَّلَةً وَمُبَيَّنَةً، وَاضِحَةً.
وَجَاءَ مِثْلُ التَّسْبِيحِ، وَنَظِيرُهُ وَهُوَ السُّجُودُ مُسْنَدًا لِعَوَالِمَ أُخْرَى وَهِيَ بَقِيَّةُ مَا فِي هَذَا الْكَوْنِ مِنْ أَجْنَاسٍ وَأَصْنَافٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) [٢٢ ١٨].
وَيُلَاحَظُ هُنَا أَنَّهُ تَعَالَى أَسْنَدَ السُّجُودَ أَوَّلًا لِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَ " مَنْ " هِيَ لِلْعُقَلَاءِ أَيْ: الْمَلَائِكَةُ، وَالْإِنْسُ، وَالْجِنُّ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَى الْعُقَلَاءِ غَيْرَ الْعُقَلَاءِ بِأَسْمَائِهِنَّ مِنَ الشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَالنُّجُومِ، وَالْجِبَالِ، وَالشَّجَرِ، وَالدَّوَابِّ فَهَذَا شُمُولٌ لَمْ يَبْقَ كَائِنٌ مِنَ الْكَائِنَاتِ، وَلَا ذَرَّةٌ فِي فَلَاةٍ إِلَّا شَمَلَهُ.
وَبَعْدَ بَيَانِ هَذَا الشُّمُولِ وَالْعُمُومِ يَأْتِي مَبْحَثُ الْعَامِّ الْبَاقِي عَلَى عُمُومِهِ، وَالْعَامُّ الْمَخْصُوصُ، وَهَلْ عُمُومُ " مَا " هُنَا بَاقٍ عَلَى عُمُومِهِ أَمْ دَخَلَهُ تَخْصِيصٌ؟
قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْعُمُومَ بَاقٍ عَلَى عُمُومِهِ، وَإِنَّ لَفْظَ التَّسْبِيحِ مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي التَّنْزِيهِ وَالتَّحْمِيدِ.
وَقَالَ قَوْمٌ : إِنَّ الْعُمُومَ بَاقٍ عَلَى عُمُومِهِ لَمْ يَدْخُلْهُ خُصُوصٌ، وَلَكِنَّ التَّسْبِيحَ يَخْتَلِفُ، وَلِكُلِّ تَسْبِيحٍ بِحَسْبِهِ فَمِنَ الْعُقَلَاءِ بِالذِّكْرِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّمْجِيدِ كَالْإِنْسَانِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ، وَمِنْ غَيْرِ الْعَاقِلِ سَوَاءٌ الْحَيَوَانُ وَالطَّيْرُ، وَالنَّبَاتُ، وَالْجَمَادُ، فَيَكُونُ بِالدَّلَالَةِ بِأَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَدُلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقٌ قَادِرٌ.
وَقَالَ قَوْمٌ : قَدْ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ.
وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: الشَّجَرَةُ تُسَبِّحُ وَالْأُسْطُوانُ لَا يُسَبِّحُ. وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ لِلْحَسَنِ وَهُمَا فِي طَعَامٍ وَقَدْ قُدِّمَ الْخِوَانُ: أَيُسَبِّحُ هَذَا الْخِوَانُ يَا أَبَا سَعِيدٍ؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ يُسَبِّحُ مَرَّةً يُرِيدُ أَنَّ التَّسْبِيحَ مِنَ الْحَيِّ، أَوِ النَّامِي سَوَاءٌ الْحَيَوَانُ، أَوِ النَّبَاتُ وَمَا عَدَاهُ
فَلَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَيَسْتَدِلُّ لِهَذَا الْقَوْلِ مِنَ السُّنَةِ بِمَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مِنْ وَضْعِ الْجَرِيدِ الْأَخْضَرِ عَلَى الْقَبْرِ، وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ: " لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا ". أَيْ: بِسَبَبِ تَسْبِيحِهِمَا، فَإِذَا يَبِسَا انْقَطَعَ تَسْبِيحُهُمَا. اهـ.
وَالصَّحِيحُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ الْأَوَّلُ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَهُوَ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ لِعِدَّةِ أُمُورٍ:
أَوَّلًا: لِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [١٧ ٤٤].
ثَانِيًا: أَنَّ الْحَامِلَ لَهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِتَسْبِيحِ الدَّلَالَةِ، هُوَ تَحْكِيمُ الْحِسِّ وَالْعَقْلِ، حِينَمَا لَمْ يُشَاهِدُوا ذَلِكَ وَلَمْ تَتَصَوَّرْهُ الْعُقُولُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَفَى تَحْكِيمَ الْعَقْلِ الْحِسِّيِّ هُنَا، وَخَطَرَ عَلَى الْعَقْلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ).
ثَالِثًا: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي حَقِّ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ) [٢١ ٧٩]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ) [٣٨ ١٨]، فَلَوْ كَانَ تَسْبِيحُهَا مَعَهُ تَسْبِيحَ دَلَالَةٍ كَمَا يَقُولُونَ لَمَا كَانَ لِدَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خُصُوصِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ.
رَابِعًا: أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ لِهَذِهِ الْعَوَالِمِ كُلِّهَا إِدْرَاكًا تَامًّا كَإِدْرَاكِ الْإِنْسَانِ أَوْ أَشَدَّ مِنْهُ، قَالَ تَعَالَى عَنِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) [٣٣ ٧٢]، فَأَثْبَتَ تَعَالَى لِهَذِهِ الْعَوَالِمِ إِدْرَاكًا وَإِشْفَاقًا مِنْ تَحَمُّلِ الْأَمَانَةِ، بَيْنَمَا سَجَّلَ عَلَى الْإِنْسَانِ ظُلْمًا وَجَهَالَةً فِي تَحَمُّلِهِ إِيَّاهَا، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْعَرْضُ مُجَرَّدَ تَسْخِيرٍ، وَلَا هَذَا الْإِبَاءُ مُجَرَّدَ سَلْبِيَّةٍ، بَلْ عَنْ إِدْرَاكٍ تَامٍّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [٤١ ١١]، فَهُمَا طَائِفَتَانِ لِلَّهِ، وَهُمَا يَأْبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَ الْأَمَانَةَ إِشْفَاقًا مِنْهَا.
وَفِي أَوَاخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ سُورَةِ الْحَشْرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) [٥٩ ٢١]، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) [٢ ٧٤]،
وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْإِدْرَاكِ أَشَدُّ مِنْ إِدْرَاكِ الْإِنْسَانِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: " لَا يَسْمَعُ صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ مِنْ حَجَرٍ، وَلَا مَدَرٍ، وَلَا شَجَرٍ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " فَبِمَ سَيَشْهَدُ إِنْ لَمْ يَكُ مُدْرِكًا الْأَذَانَ وَالْمُؤَذِّنَ.
وَعَنْ إِدْرَاكِ الطَّيْرِ قَالَ تَعَالَى عَنِ الْهُدْهُدِ يُخَاطِبُ نَبِيَّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ) [٢٧ ٢٢ - ٢٤].
فَفِي هَذَا السِّيَاقِ عَشْرُ قَضَايَا يُدْرِكُهَا الْهُدْهُدُ وَيُفْصِحُ عَنْهَا لِنَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ.
الْأُولَى: إِدْرَاكُهُ أَنَّهُ أَحَاطَ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي عِلْمِ سُلَيْمَانَ.
الثَّانِيَةُ: مَعْرِفَتُهُ لِسَبَأٍ بِعَيْنِهَا دُونَ غَيْرِهَا، وَمَجِيئُهُ مِنْهَا بِنَبَأٍ يَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ.
الثَّالِثَةُ: مَعْرِفَتُهُ لِتَوْلِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَيْهِمْ مَعَ إِنْكَارِهِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
الرَّابِعَةُ: إِدْارَكُهُ مَا أُوتِيَتْهُ سَبَأٌ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
الْخَامِسَةُ: أَنَّ لَهَا عَرْشًا عَظِيمًا.
السَّادِسَةُ: إِدْرَاكُهُ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ السُّجُودِ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
السَّابِعَةُ: إِدْرَاكُهُ أَنَّ هَذَا شِرْكٌ بِاللَّهِ تَعَالَى.
الثَّامِنَةُ: أَنَّ هَذَا مِنْ تَزْيِينِ الشَّيْطَانِ لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ.
التَّاسِعَةُ: أَنَّ هَذَا ضَلَالٌ عَنِ السَّبِيلِ الْقَوِيمِ.
الْعَاشِرَةُ: أَنَّهُمْ لَا يَهْتَدُونَ.
وَقَدِ اقْتَنَعَ سُلَيْمَانُ بِإِدْرَاكِ الْهُدْهُدِ لِهَذَا كُلِّهِ فَقَالَ لَهُ: (سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) [٢٧ ٢٧]، وَسَلَّمَهُ رِسَالَةً، وَبَعَثَهُ سَفِيرًا إِلَى بِلْقِيسَ وَقَوْمِهَا: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ [٢٧ ٢٨]، وَكَانَتْ سِفَارَةً مُوَفَّقَةً جَاءَتْ
بِهِمْ مُسْلِمِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْهَا: وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [٢٧ ٤٤].
وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ عَنِ النَّمْلَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْهَا: (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [٢٧ ١٨] فَقَدْ أَدْرَكَتْ مَجِيءَ الْجَيْشِ، وَأَنَّهُ لِسُلَيْمَانَ وَجُنُودِهِ وَأَدْرَكَتْ كَثْرَتَهُمْ، وَأَنَّ عَلَيْهَا وَعَلَى النَّمْلِ أَنْ يَتَجَنَّبُوا الطَّرِيقَ، وَيَدْخُلُوا مَسَاكِنَهُمْ، وَهَذَا الْإِدْرَاكُ مِنْهَا جَعَلَ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَتَبَسَّمُ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا. وَأَنَّ لَهَا قَوْلًا عَلِمَهُ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
فَقَدْ جَاءَ فِي السُّنَّةِ إِثْبَاتُ إِدْرَاكِ الْحَيَوَانَاتِ لِلْمُغَيَّبَاتِ فَضْلًا عَنِ الْمُشَاهَدَاتِ، كَمَا فِي حَدِيثِ الْمُوَطَّأِ فِي فَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ: " وَإِنَّ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُسْكِنَ الْجَنَّةَ " إِلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا وَهِيَ تُصِيخُ بِأُذُنِهَا مِنْ فَجْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ حَتَّى طُلُوعِ الشَّمْسِ إِشْفَاقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلَّا الْجِنُّ وَالْإِنْسُ "، فَهَذَا إِدْرَاكٌ وَإِشْفَاقٌ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَإِيمَانٌ بِالْمَغِيبِ، وَهُوَ قِيَامُ السَّاعَةِ وَإِشْفَاقٌ مِنَ السَّاعَةِ أَشَدُّ مِنَ الْإِنْسَانِ.
وَقِصَّةُ الْجَمَلِ الَّذِي نَدَّ عَلَى أَهْلِهِ وَخَضَعَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى قَالَ الصِّدِّيقُ: لَكَأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نَعَمْ إِنَّهُ مَا بَيْنَ لَابَّتَيْهَا إِلَّا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ".
فَهَذَا كُلُّهُ يُثْبِتُ إِدْرَاكًا لِلْحَيَوَانِ بِالْمَحْسُوسِ، وَبِالْمَغِيبِ إِدْرَاكًا لَا يَقِلُّ عَنْ إِدْرَاكِ الْإِنْسَانِ، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ إِثْبَاتِ تَسْبِيحِهَا حَقِيقَةً عَلَى مَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا؟ وَقَدْ جَاءَ النَّصُّ صَرِيحًا فِي التَّسْبِيحِ الْمُثْبَتِ لَهَا فِي أَنَّهُ تَسْبِيحُ تَحْمِيدٍ لَا مُطْلَقُ دَلَالَةٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ [١٣ ١٣]، وَقَرَنَهُ مَعَ تَسْبِيحِ الْمَلَائِكَةِ: وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ [١٣ ١٣]، وَهَذَا نَصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَإِثْبَاتٌ لِنَوْعِ التَّسْبِيحِ الْمَطْلُوبِ.
خَامِسًا: لَقَدْ شَهِدَ الْمُسْلِمُونَ مَنْطِقَ الْجَمَادِ بِالتَّسْبِيحِ، وَسَمِعُوهُ بِالتَّحْمِيدِ حِسًّا كَتَسْبِيحِ الْحَصَا فِي كَفِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَحَنِينِ الْجِذْعِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى سَمِعَهُ كُلُّ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنِّي لَأَعْلَمُ حَجَرًا فِي مَكَّةَ مَا مَرَرْتُ عَلَيْهِ إِلَّا وَسَلَّمَ عَلَيَّ "، وَمَا ثَبَتَ بِفَرْدٍ يَثْبُتُ لِبَقِيَّةِ أَفْرَادِ جِنْسِهِ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي قَاعِدَةِ الْوَاحِدِ بِالْجِنْسِ، وَالْوَاحِدِ بِالنَّوْعِ.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فِي أَعْظَمِ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْمَنَاقِبِ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَعِدَ أُحُدًا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ فَرَجَفَ بِهِمْ فَقَالَ: " اثْبُتْ أُحُدُ فَإِنَّ عَلَيْكَ نَبِيًّا، وَصِدِّيقًا، وَشَهِيدَيْنِ ".
وَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ: لَمَّا رَجَعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ سَفَرٍ طَلَعَ عَلَيْهِمْ أُحُدٌ فَقَالَ: " هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا، وَنُحِبُّهُ ".
فَهَذَا جَبَلٌ مِنْ كِبَارِ جِبَالِ الْمَدِينَةِ يَرْتَجِفُ لِصُعُودِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَيُخَاطِبُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِطَابَ الْعَاقِلِ الْمُدْرِكِ: " اثْبُتْ أُحُدُ؛ فَإِنَّ عَلَيْكَ نَبِيًّا، وَصِدِّيقًا، وَشَهِيدَيْنِ "، فَيَعْرِفُ النَّبِيَّ، وَيَعْرِفُ الصِّدِّيقَ، وَالشَّهِيدَ فَيَثْبُتُ، فَبِأَيِّ قَانُونٍ كَانَ ارْتِجَافُهُ؟ وَبِأَيِّ مَعْقُولٍ كَانَ خِطَابُهُ؟ وَبِأَيِّ مَعْنًى كَانَ ثُبُوتُهُ؟ ثُمَّ هَاهُوَ يُثْبِتُ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَحَبَّةَ الْمُتَبَادَلَةَ بِقَوْلِهِ: " يُحِبُّنَا، وَنُحِبُّهُ ".
وَإِذَا نَاقَشْنَا أَقْوَالَ الْقَائِلِينَ بِتَخْصِيصِ هَذَا الْعُمُومِ مِنْ إِثْبَاتِ التَّسْبِيحِ لِلْجَمَادَاتِ وَنَحْوِهَا، لَمَا وَجَدْنَا لَهُمْ وِجْهَةَ نَظَرٍ إِلَّا أَنَّ الْحِسَّ لَمْ يَشْهَدْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ أَوْرَدْنَا الْأَمْثِلَةَ عَلَى إِثْبَاتِ ذَلِكَ لِسَائِرِ الْأَجْنَاسِ، وَتَقَدَّمَ تَنْبِيهُ الشَّيْخِ عَلَى تَأْكِيدِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكُنَّا فَاعِلِينَ [٢١ ٢٩] رَدًّا عَلَى اسْتِبْعَادِهِ.
وَمِنَ الْأَدِلَّةِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا جَاءَ فِي سِيَاقِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [١٧ ٤٤]، جَاءَ بَعْدَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا [١٧ ٤٥] وَهَذَا نَصٌّ يُكَذِّبُ الْمُسْتَدِلِّينَ بِالْحِسِّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ بِأَنَّهُ جَعَلَ بَيْنَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا يَحْجُبُهُ عَنْهُمْ، وَهَذَا الْحِجَابُ مَسْتُورٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ فَلَا يَرَوْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ عَنْهُمْ، وَلَا يَرَوْنَ الْحِجَابَ؛ لِأَنَّهُ مَسْتُورٌ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
وَقَدْ قَالَ فِيهَا بَعْضُ الْبَلَاغِيِّينَ: إِنَّ مَسْتُورًا هُنَا بِمَعْنَى سَاتِرًا وَيُقَالُ لَهُمْ: إِنَّ جَعْلَ مَسْتُورًا بِمَعْنَى سَاتِرًا تَكْرَارٌ لِمَعْنَى حِجَابٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا [١٧ ٤٥] هُوَ بِمَعْنَى سَاتِرًا، أَيْ: يَسْتُرُهُ عَنِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ زِيَادَةُ مَعْنًى، وَلَا كَبِيرُ مُعْجِزَةٍ، وَلَكِنَّ الْإِعْجَازَ فِي كَوْنِ الْحِجَابِ مَسْتُورًا عَنْ أَعْيُنِهِمْ، وَفِي هَذَا تَحْقِيقُ وُجُودِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَهُمَا حَجْبُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُمْ، وَسَتْرُ الْحِجَابِ عَنْ أَعْيُنِهِمْ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي حِفْظِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحِجَابُ مَرْئِيًّا أَيْ: سَاتِرًا فَقَطْ مَعَ كَوْنِهِ مَرْئِيًّا لَرُبَّمَا اقْتَحَمُوهُ عَلَيْهِ، وَأَقْوَى فِي الْإِعْجَازِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحِجَابُ مَرْئِيًّا لَكَانَ كَاحْتِجَابِ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ. وَلَكِنْ حَقِيقَةُ الْإِعْجَازِ فِيهِ هُوَ كَوْنُهُ مَسْتُورًا عَنْ
أَعْيُنِهِمْ، وَهَذَا مَا رَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَدْ جَاءَتْ قِصَّةُ امْرَأَةِ أَبِي لَهَبٍ مُفَصِّلَةً هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ كَمَا سَاقَهَا ابْنُ كَثِيرٍ قَالَ: لَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُورَةَ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ إِلَى قَوْلِهِ: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [١١١ ١ - ٥]، جَاءَتِ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ، وَلَهَا وَلْوَلَةٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ مَعَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ تُؤْذِيَكَ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَاصِمُنِي مِنْهَا "، وَتَلَا قُرَآنًا، فَجَاءَتْ، وَوَقَفَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَقَالَتْ: إِنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي. قَالَ: لَا وَرَبِّ هَذِهِ الْبِنْيَةِ إِنَّهُ لَيْسَ بِشَاعِرٍ، وَلَا هَاجٍ، فَقَالَتْ: إِنَّكَ مُصَدَّقٌ وَانْصَرَفَتْ. أَيْ: وَلَمْ تَرَهُ وَهُوَ جَالِسٌ مَعَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
فَهَلْ يُقَالُ بِعَدَمِ وُجُودِ الْحِجَابِ؛ لِأَنَّهُ مَسْتُورٌ لَمْ يُشَاهَدْ، أَمْ أَنَّنَا نُثْبِتُهُ كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؟ وَعَلَيْهِ وَبَعْدَ إِثْبَاتِهِ نَقُولُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ إِثْبَاتِ حَقِيقَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى هُنَا: حِجَابًا مَسْتُورًا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [١٧ ٤٤] ؟ فَفِي كِلَا الْمَقَامَيْنِ إِثْبَاتُ أَمْرٍ لَا نُدْرِكُهُ بِالْحِسِّ، فَالتَّسْبِيحُ لَا نَفْقَهُهُ، وَالْحِجَابُ لَا نُبْصِرُهُ.
وَقَدْ أَوْرَدْنَا هَذِهِ النَّمَاذِجَ، وَلَوْ مَعَ بَعْضِ التَّكْرَارِ، لِمَا يُوجَدُ مِنْ تَأَثُّرِ الْبَعْضِ بِدَعْوَى الْمَادِّيِّينَ أَوِ الْعِلْمَانِيِّينَ، الَّذِينَ لَا يُثْبِتُونَ إِلَّا الْمَحْسُوسَ، لِتُعْطِيَ الْقَارِئَ زِيَادَةَ إِيضَاحٍ، وَيَعْلَمَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ بِإِيمَانِهِ يَقِفُ عَلَى عِلْمِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ غَيْرُهُ، وَيَتَّسِعُ أُفُقُهُ إِلَى مَا وَرَاءَ الْمَحْسُوسِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ وَرَاءَ حُدُودِ الْمَادَّةِ عَوَالِمَ يَقْصُرُ الْعَقْلُ عَنْ مَعَالِمِهَا، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ يُثْبِتُهَا.
وَقَدْ رَسَمَ لَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الطَّرِيقَ الصَّحِيحَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ مِنْ إِثْبَاتٍ وَإِيمَانٍ، كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: " بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا، وَإِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ تَتَكَلَّمُ؟ ! فَقَالَ: " إِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ وَمَا هُمَا ثَمَّ، وَبَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمِهِ، إِذْ عَدَا الذِّئْبُ فَذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ فَطَلَبَ حَتَّى كَأَنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ هَذَا: اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي، فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي " فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ، قَالَ: " فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَمَا هُمَا ثَمَّ ".
فَفِي هَذَا النَّصِّ الصَّرِيحِ نُطْقُ الْبَقَرَةِ وَنُطْقُ الذِّئْبِ بِكَلَامٍ مَعْقُولٍ مِنْ خَصَائِصِ الْعُقَلَاءِ عَلَى غَيْرِ الْعَادَةِ، مِمَّا اسْتَعْجَبَ لَهُ النَّاسُ وَسَبَّحُوا اللَّهَ إِعْظَامًا لِمَا سَمِعُوا، وَلَكِنَّ
الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْفَعُ هَذَا الِاسْتِعْجَابَ بِإِعْلَانِ إِيمَانِهِ وَتَصْدِيقِهِ، وَيَضُمُّ مَعَهُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَإِنْ كَانَا غَائِبَيْنِ عَنِ الْمَجْلِسِ، لِعِلْمِهِ مِنْهُمَا أَنَّهُمَا لَا يُنْكِرَانِ مَا ثَبَتَ بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ لِمُجَرَّدِ اسْتِبْعَادِهِ عَقْلًا.
وَهُنَا يُقَالُ لِمُنْكِرِي التَّسْبِيحِ حَقِيقَةً وَمَا الْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ؟ أَهْوَ مُتَعَلَّقُ الْقُدْرَةِ أَمِ اسْتِبْعَادُ الْعَقْلِ لِعَدَمِ الْإِدْرَاكِ الْحِسِّيِّ؟
فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَمَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ لِقَوْمِ صَالِحٍ نَاقَةً عَشْرَاءَ مِنْ جَوْفِ الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْطَقَ الْحَصَا فِي كَفِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ حَتَّى يَنْتَظِرَ إِدْرَاكَهَ وَتَحْكِيمُ الْعَقْلِ فِيهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [١٧ ٤٤].
فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْإِيمَانُ أَشْبَهَ مَا يَكُونُ بِالْمُغَيَّبَاتِ، وَإِيمَانُ تَصْدِيقٍ وَإِثْبَاتٍ لَا تَكْيِيفٍ وَإِدْرَاكٍ وَخَالِقُ الْكَائِنَاتِ أَعْلَمُ بِحَالِهَا، وَبِمَا خَلَقَهَا عَلَيْهِ.
فَيَجِبُ أَنْ نُؤْمِنَ بِتَسْبِيحِ كُلِّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْرَبًا عَقْلًا، وَلَكِنْ أَخْبَرَ بِهِ خَالِقُهُ سُبْحَانَهُ، وَشَاهَدْنَا الْمِثَالَ مَسْمُوعًا مِنْ بَعْضِ أَفْرَادِهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ.
أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّهَا فِي بَنِي النَّضِيرِ، إِلَّا قَوْلًا لِلْحَسَنِ أَنَّهَا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، وَرُدَّ هَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ لَمْ يَخْرُجُوا، وَلَمْ يُجْلَوْا وَلَكِنْ قُتِلُوا.
وَقَدْ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِسُورَةِ «بَنِي النَّضِيرِ»، حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ «الْحَشْرِ» قَالَ: قُلْ سُورَةُ «النَّضِيرِ»، وَهُمْ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ مِنْ ذُرِّيَّةِ هَارُونَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَزَلُوا الْمَدِينَةَ فِي فِتَنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ انْتِظَارًا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَاتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ بَنِي النَّضِيرِ كَانُوا قَدْ صَالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنْ لَا يَكُونُوا عَلَيْهِ وَلَا لَهُ، فَلَمَّا ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ قَالُوا: هُوَ النَّبِيُّ الَّذِي نَعْتُهُ فِي التَّوْرَاةِ، لَا تُرَدُّ لَهُ رَايَةٌ، فَلَمَّا هُزِمَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ ارْتَابُوا وَنَكَثُوا، فَخَرَجَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ فِي أَرْبَعِينَ رَاكِبًا إِلَى مَكَّةَ، فَحَالَفُوا عَلَيْهِ قُرَيْشًا عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ - فَأَمَرَ
بِقَتْلِ كَعْبٍ، فَقَتَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ غِيلَةً، وَكَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِ اطَّلَعَ مِنْهُمْ عَلَى خِيَانَةٍ حِينَ أَتَاهُمْ فِي دِيَةِ الْمُسْلِمَيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ مُنْصَرَفَهُ مِنْ بِئْرِ مَعُونَةَ، فَهَمُّوا بِطَرْحِ الْحَجَرِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَمَّا قُتِلَ كَعْبٌ أَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَسِيرَةِ إِلَيْهِمْ، وَطَالَبَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَاسْتَمْهَلُوهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ؛ لِيَتَجَهَّزُوا لِلْخُرُوجِ، وَلَكِنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ سِرًّا: لَا تَخْرُجُوا مِنَ الْحِصْنِ، وَوَعَدَهُمْ بِنَصْرِهِمْ بِأَلْفَيْ مُقَاتِلٍ مِنْ قَوْمِهِ، وَمُسَاعَدَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَحُلَفَائِهِمْ مِنْ غَطَفَانَ، أَوِ الْخُرُوجِ مَعَهُمْ، فَدَرَّبُوا أَنْفُسَهُمْ، وَامْتَنَعُوا بِالتَّحْصِينَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ، فَحَاصَرَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِحْدَى وَعِشْرِينَ لَيْلَةً.
وَقِيلَ: أَجْمَعُوا عَلَى الْغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا لَهُ: اخْرُجْ فِي ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِكِ، وَيَخْرُجُ إِلَيْكَ ثَلَاثُونَ مِنَّا؛ لِيَسْمَعُوا مِنْكَ، فَإِنْ صَدَّقُوا آمَنَّا كُلُّنَا فَفَعَلَ، فَقَالُوا: كَيْفَ نَفْهَمُ وَنَحْنُ سِتُّونَ؟ اخْرُجْ فِي ثَلَاثَةٍ، وَيَخْرُجُ إِلَيْكَ ثَلَاثَةٌ مِنْ عُلَمَائِنَا فَفَعَلُوا فَاشْتَمَلُوا عَلَى الْخَنَاجِرِ، وَأَرَادُوا الْفَتْكَ فَأَرْسَلَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ نَاصِحَةٌ إِلَى أَخِيهَا، وَكَانَ مُسْلِمًا فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا أَرَادُوا، فَأَسْرَعَ إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَارَّهُ بِخَبَرِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ غَدَا عَلَيْهِمْ بِالْكَتَائِبِ فَحَاصَرَهُمْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَآيَسُوا مِنْ نَصْرِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِي وَعَدَهُمْ بِهِ ابْنُ أُبَيٍّ، فَطَلَبُوا الصُّلْحَ فَأَبَى عَلَيْهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا الْجَلَاءَ، عَلَى أَنْ يَحْمِلَ كُلُّ أَهْلِ ثَلَاثَةِ أَبْيَاتٍ عَلَى بَعِيرٍ مَا شَاءُوا مِنَ الْمَتَاعِ إِلَّا الْحَلْقَةَ، فَكَانُوا يَحْمِلُونَ كُلَّ مَا اسْتَطَاعُوا وَلَوْ أَبْوَابَ الْمَنَازِلِ، يُخَرِّبُونَ بُيُوتَهُمْ وَيَحْمِلُونَ مَا اسْتَطَاعُوا مَعَهُمْ.
وَقَدْ أَوْرَدْنَا مُجْمَلَ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا تَدُورُ مَعَانِي هَذِهِ السُّورَةِ كُلُّهَا، وَكَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رِسَالَةِ أُصُولِ التَّفْسِيرِ: إِنَّ مَعْرِفَةَ السَّبَبِ تُعِينُ عَلَى مَعْرِفَةِ التَّفْسِيرِ، وَلِيَعْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مَدَى مَا جُبِلَ عَلَيْهِ الْيَهُودُ مِنْ غَدْرٍ، وَمَا سَلَكُوا مِنْ أَسَالِيبِ الْمُرَاوَغَةِ فَمَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالْبَارِحَةِ.
وَالَّذِي مِنْ مَنْهَجِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْأَضْوَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ، حَيْثُ أَسْنَدَ إِخْرَاجَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَعَ وُجُودِ حِصَارِ الْمُسْلِمِينَ إِيَّاهُمْ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا
[٣٣ ٢٥]، قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عِنْدَهَا: ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا أَنَّهُ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا الْآيَةَ، وَلَمْ يُبَيِّنِ السَّبَبَ الَّذِي رَدَّهُمْ بِهِ، وَلَكِنَّهُ جَلَّ وَعَلَا بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا [٣٣ ٩] اهـ.
وَهُنَا أَيْضًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَسْنَدَ إِخْرَاجَهُمْ إِلَيْهِ تَعَالَى مَعَ حِصَارِ الْمُسْلِمِينَ إِيَّاهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى السَّبَبَ الْحَقِيقِيَّ لِإِخْرَاجِهِمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَهَذَا مِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ إِخْرَاجِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مَوْقِفِ الْقُوَّةِ وَرَاءَ الْحُصُونِ، لَمْ يَتَوَقَّعِ الْمُؤْمِنُونَ خُرُوجَهُمْ، وَظَنُّوا هُمْ أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ، فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَدْ كَانَ هَذَا الْإِخْرَاجُ مِنَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ بِوَعْدٍ سَابِقٍ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [٢ ١٣٧].
وَبِهَذَا الْإِخْرَاجِ تَحَقَّقَ كِفَايَةُ اللَّهِ لِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ، فَقَدْ كَفَاهُ إِيَّاهُمْ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، فَكَانَ إِخْرَاجُهُمْ حَقًّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِوَعْدٍ مُسْبَقٍ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَدْ أَكَّدَ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى مُخَاطِبًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي خُصُوصِهِمْ: فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [٥٩ ٦] وَتَسْلِيطُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ بِمَا بَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» وَهُوَ مَا يَتَمَشَّى مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [٣٣ ٢٦].
وَجُمْلَةُ هَذَا السِّيَاقِ هُنَا يَتَّفِقُ مَعَ السِّيَاقِ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ عَنْ بَنِي قُرَيْظَةَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ [٣٣ ٢٦ - ٢٧]، وَعَلَيْهِ ظَهَرَتْ حَقِيقَةُ إِسْنَادِ إِخْرَاجِهِمْ لِلَّهِ تَعَالَى، فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ كَمَا أَنَّهُ هُوَ تَعَالَى الَّذِي رَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا، بِمَا أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّيَاحِ، وَالْجُنُودِ، وَهُوَ الَّذِي كَفَى الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ، وَهُوَ تَعَالَى الَّذِي أَنْزَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ صَيَاصِيهِمْ، وَوَرَّثَ الْمُؤْمِنِينَ دِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا.
وَرَشَّحَ لِهَذَا كُلِّهِ التَّذْيِيلُ فِي آخِرِ الْآيَةِ، يَطْلُبُ الِاعْتِبَارَ وَالِاتِّعَاظَ بِمَا فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ:
يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [٥٩ ٢]، أَيْ: بِإِخْرَاجِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ حُصُونِهِمْ، وَدِيَارِهِمْ وَمَوَاطِنِ قُوَّتِهِمْ، مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا؛ لِضَعْفِ اقْتِدَارِكُمْ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ لِقُوَّتِهَا وَمَنَعَتِهَا، وَلَكِنْ أَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا الْبَقَاءَ، وَكَانَتْ حَقِيقَةُ إِخْرَاجِهِمْ مِنْ دِيَارِهِمْ هِيَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: لِأَوَّلِ الْحَشْرِ.
اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْحَشْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَبِنَاءً عَلَيْهِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْأَوَّلِ.
فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْحَشْرِ أَرْضُ الْمَحْشَرِ، وَهِيَ الشَّامُ.
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْحَشْرِ: الْجَمْعُ.
وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِالْأَوَّلِ بِآثَارٍ مِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: مَنْ شَكَّ فِي أَنَّ أَرْضَ الْمَحْشَرِ هَاهُنَا يَعْنِي الشَّامَ فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ، وَمَا رَوَاهُ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ عَنْ عِكْرِمَةَ أَيْضًا، وَالزُّهْرِيِّ، وَسَاقَ قَوْلَهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِبَنِيِ النَّضِيرِ: «اخْرُجُوا»، قَالُوا: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: «إِلَى أَرْضِ الْمَحْشَرِ»، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْأَوَّلِيَّةُ هُنَا مَكَانِيَّةً، أَيْ: لِأَوَّلِ مَكَانٍ مِنْ أَرْضِ الْمَحْشَرِ، وَهِيَ أَرْضُ الشَّامِ، وَأَوَائِلُهُ خَيْبَرُ وَأَذْرِعَاتٌ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْحَشْرَ عَلَى مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ الْجَمْعُ، قَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ الْمُحِيطِ: الْحَشْرُ الْجَمْعُ لِلتَّوَجُّهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مَا، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قِيلَ: الْحَشْرُ هُوَ حَشْدُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكَتَائِبَ؛ لِقِتَالِهِمْ، وَهُوَ أَوَّلُ حَشْرٍ مِنْهُ لَهُمْ وَأَوَّلُ قِتَالٍ قَاتَلَهُمْ، وَعَلَيْهِ فَتَكُونُ الْأَوَّلِيَّةُ زَمَانِيَّةً وَتَقْتَضِي حَشْرًا بَعْدَهُ، فَقِيلَ: هُوَ حَشْرُ عُمَرَ إِيَّاهُمْ بِخَيْبَرَ، وَقِيلَ: نَارٌ تَسُوقُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَهُوَ حَدِيثٌ فِي الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: الْبَعْثُ.
إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ أَعَمُّ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ النَّارَ الْمَذْكُورَةَ، وَالْبَعْثَ لَيْسَتَا خَاصَّتَيْنِ بِالْيَهُودِ، وَلَا بِبَنِي النَّضِيرِ خَاصَّةً، وَمِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيَانِ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى أَحَدِ الْمَعَانِي بِكَوْنِهِ هُوَ الْغَالِبَ فِي الْقُرْآنِ، وَمَثَّلَ لَهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [٥٨ ٢١]، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْغَلَبَةِ: الْغَلَبَةُ بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ، وَالْغَالِبُ فِي الْقُرْآنِ اسْتِعْمَالُ الْغَلَبَةِ بِالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى دُخُولِ تِلْكَ الْغَلَبَةِ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّ خَيْرَ مَا يُبَيَّنُ بِهِ الْقُرْآنُ الْقُرْآنُ.
وَهُنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَإِنَّ غَلَبَةَ اسْتِعْمَالِ الْقُرْآنِ بَلْ عُمُومَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْحَشْرِ إِنَّمَا هُوَ لِلْجَمْعِ، ثُمَّ بَيَّنَ الْمُرَادَ بِالْحَشْرِ لِأَيِّ شَيْءٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ [٢٧ ١٧]، وَقَوْلُهُ: وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا [٦ ١١١]، وَقَوْلُهُ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ: وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ [٣٨ ١٩]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ: قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى [٢٠ ٥٩]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [٧ ١١١]، وَقَوْلُهُ: فَحَشَرَ فَنَادَى [٧٩ ٢٣]، فَكُلُّهَا بِمَعْنَى الْجَمْعِ.
وَإِذَا اسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ يَأْتِي مَقْرُونًا بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ جَمِيعُ اسْتِعْمَالَاتِ الْقُرْآنِ لِهَذَا، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ [١٨ ٤٧]، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِبُرُوزِ الْأَرْضِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا [١٩ ٨٥]، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِتَقْيِيدِهِ بِالْيَوْمِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا [٢٠ ١٠٢]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [٨١ ٥]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [٤١ ١٩]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا يُعَيِّنُ الْمُرَادَ بِالْحَشْرِ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
فَإِذَا أُطْلِقَ كَانَ لِمُجَرَّدِ الْجَمْعِ كَمَا فِي الْأَمْثِلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لِأَوَّلِ الْحَشْرِ، أَنَّ الرَّاجِحَ فِيهِ لِأَوَّلِ الْجَمْعِ، وَتَكُونُ الْأَوَّلِيَّةُ زَمَانِيَّةً وَفِعْلًا، فَقَدْ كَانَ أَوَّلُ جَمْعٍ لِلْيَهُودِ، وَقَدْ أَعْقَبَهُ جَمْعٌ آخَرُ لِإِخْوَانِهِمْ بَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَ عَامٍ وَاحِدٍ، وَأَعْقَبَهُ جَمْعٌ آخَرُ فِي خَيْبَرَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا رَبْطَ إِخْرَاجِ بَنِي النَّضِيرِ مِنْ دِيَارِهِمْ بِإِنْزَالِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ صَيَاصِيهِمْ، وَهَكَذَا رَبَطَ جَمْعَ هَؤُلَاءِ بِأُولَئِكَ إِلَّا أَنَّ هَؤُلَاءِ أُجْلُوا وَأُخْرِجُوا، وَأُولَئِكَ قُتِلُوا وَاسْتُرِقُّوا.
تَنْبِيهٌ
وَكَوْنُ الْحَشْرِ بِمَعْنَى الْجَمْعِ لَا يَتَنَافَى مَعَ كَوْنِ خُرُوجِهِمْ كَانَ إِلَى أَوَائِلِ الشَّامِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ الْأَوَّلَ هُوَ جَمْعُهُمْ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ يَتَوَجَّهُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الشَّامِ أَوْ إِلَى غَيْرِهَا.
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ تَوَجُّهَهُمْ كَانَ إِلَى الشَّامِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [٤ ٤٧] ؛ لِأَنَّ السِّيَاقَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالتَّعْرِيضَ بِأَصْحَابِ السَّبْتِ أَلْصَقُ بِهِمْ.
فَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: الْوُجُوهُ هُنَا هِيَ سُكْنَاهُمْ بِالْمَدِينَةِ، وَطَمْسُهَا تَغَيُّرُ مَعَالِمِهَا، وَرَدُّهُمْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ، أَيْ: إِلَى بِلَادِ الشَّامِ الَّتِي جَاءُوا مِنْهَا أَوَّلًا حِينَمَا خَرَجُوا مِنَ الشَّامِ إِلَى الْمَدِينَةِ، انْتِظَارًا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَكَاهُ أَبُو حَيَّانَ وَحَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا.
أَتَى: تَأْتِي لِعِدَّةِ مَعَانٍ، مِنْهَا بِمَعْنَى الْمَجِيءِ، وَمِنْهَا بِمَعْنَى الْإِنْذَارِ، وَمِنْهَا بِمَعْنَى الْمُدَاهَمَةِ.
وَقَدْ تَوَهَّمَ الرَّازِيُّ أَنَّهَا مِنْ بَابِ الصِّفَاتِ، فَقَالَ: الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ: فَأَتَاهُمُ اللَّهُ، لَا يُمْكِنُ إِجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ بِاتِّفَاقِ جُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَابَ التَّأْوِيلِ مَفْتُوحٌ، وَأَنَّ صَرْفَ الْآيَاتِ عَنْ ظَوَاهِرِهَا بِمُقْتَضَى الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ جَائِزٌ. اهـ.
وَهَذَا مِنْهُ عَلَى مَبْدَئِهِ فِي تَأْوِيلِ آيَاتِ الصِّفَاتِ، وَيَكْفِي لِرَدِّهِ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقْتَضَى الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَقْلَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي بَابِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا فَوْقَ مُسْتَوَيَاتِ الْعُقُولِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [٤٢ ١١]، وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
أَمَّا مَعْنَى الْآيَةِ فَإِنَّ سِيَاقَ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا السِّيَاقِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الصِّفَاتِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ [١٦ ٢٦]، أَيْ هَدَمَهُ وَاقْتَلَعَهُ مِنَ قَوَاعِدِهِ، وَنَظِيرِهِ: أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا [١٠ ٢٤]، وَقَوْلِهِ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا [١٣ ٤١]، وَقَوْلِهِ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا [٢١ ٤٤].
وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْعَدْوَى: أَنِّي قُلْتُ أُتِيتَ أَيْ دُهِيتَ، وَتَغَيَّرَ عَلَيْكَ حِسُّكُ فَتَوَهَّمْتَ مَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ صَحِيحًا.
وَيُقَالُ: أُتِيَ فُلَانٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ التَّاءِ إِذَا أَظَلَّ عَلَيْهِ الْعَدُّوُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: مِنْ مَأْمَنِهِ
يُؤْتَى الْحَذِرُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، أَخَذَهُمْ وَدَهَاهُمْ وَبَاغَتَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا مِنْ قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَحِصَارِهِمْ، وَقَذْفِ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ.
وَهُنَاكَ مَوْقِفٌ آخَرُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [٢ ١٠٩]. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَهُوَ فِي سِيَاقِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهُمْ بِذَاتِهِمِ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: فَأَتَاهُمُ اللَّهُ فَيَكُونُ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ هُنَا هُوَ إِتْيَانُ أَمْرِهِ تَعَالَى الْمَوْعُودِ فِي بَادِئِ الْأَمْرِ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ.
وَقَدْ أَوْرَدَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ مِنَ السِّيَاقِ، وَقَالَ: وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: بِأَمْرِهِ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هُوَ وَاحِدُ الْأَوَامِرِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ وَاحِدُ الْأُمُورِ.
فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ الْأَمْرُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ النَّهْيِ فَإِنَّ الْأَمْرَ الْمَذْكُورَ، هُوَ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [٩ ٢٩].
وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ وَاحِدَ الْأُمُورِ، فَهُوَ مَا صَرَّحَ اللَّهُ بِهِ فِي الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى مَا أَوْقَعَ بِالْيَهُودِ مِنَ الْقَتْلِ، وَالتَّشْرِيدِ كَقَوْلِهِ: فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ الْآيَةَ [٥٩ ٢ - ٣]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَالْآيَةُ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ عَلَى التَّحْقِيقِ. اهـ[مِنَ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنَ الْأَضْوَاءِ].
فَقَدْ نَصَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى أَنَّ آيَةَ: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ مُرْتَبِطَةٌ بِآيَةِ: فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، هَذِهِ كَمَا قَدَّمْنَا: أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَمْرُ الْمَوْعُودُ بِهِ، وَقَدْ أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وَيَشْهَدُ لِهَذَا كُلِّهِ الْقِرَاءَةُ الثَّانِيَةُ (فَآتَاهُمْ) بِالْمَدِّ بِمَعْنَى: أَعْطَاهُمْ وَأَنْزَلَ بِهِمْ، وَيَكُونُ الْفِعْلُ مُتَعَدِّيًا وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:
مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا أَيْ: أَنْزَلَ بِهِمْ عُقُوبَةً وَذِلَّةً وَمَهَانَةً جَاءَتْهُمْ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ.
مَنْطُوقُهُ أَنَّ الرُّعْبَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ هَزِيمَةِ الْيَهُودِ، وَمَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَكْسَ بِالْعَكْسِ أَيْ: أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ وَهِيَ ضِدُّ الرُّعْبِ، سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ، وَهُوَ ضِدُّ الْهَزِيمَةِ.
وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ الْمَفْهُومُ مُصَرَّحًا بِهِ فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [٤٨ ١٨]، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [٠٠٩ ٠٢٦] ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [٩ ٢٥ - ٢٦]، فَقَدْ وَلَّوْا مُدْبِرِينَ بِالْهَزِيمَةِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْزَلَ جُنُودًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَكَانَ النَّصْرُ لَهُمْ، وَهَزِيمَةُ أَعْدَائِهِمِ الْمُشَارُ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا [٩ ٢٥] أَيْ: بِالْقَتْلِ، وَالسَّبْيِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [٩ ٤٠].
وَهَذَا الْمَوْقِفُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، اثْنَانِ أَعْزَلَانِ يَتَحَدَّيَانِ قُرَيْشًا بِكَامِلِهَا، بِعَدَدِهَا وَعُدَدِهَا، فَيَخْرُجَانِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ، وَيَدْخُلَانِ الْغَارَ فِي سُدْفَةِ اللَّيْلِ، وَيَأْتِي الطَّلَبُ عَلَى فَمِ الْغَارِ بِقُلُوبٍ حَانِقَةٍ، وَسُيُوفٍ مُصْلَتَةٍ، وَآذَانٍ مُرْهَفَةٍ حَتَّى يَقُولَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَظَرَ أَحَدُهُمْ تَحْتَ نَعْلَيْهِ لَأَبْصَرَنَا، فَيَقُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي غَايَةِ الطُّمَأْنِينَةِ، وَمُنْتَهَى السَّكِينَةِ: «مَا بَالُكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» ؟.
وَمِنْهَا: وَفِي أَخْطَرِ الْمَوَاقِفِ فِي الْإِسْلَامِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، حِينَمَا الْتَقَى الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ وَجْهًا لِوَجْهٍ، جَاءَتْ قُوَى الشَّرِّ فِي خُيَلَائِهَا وَبَطَرِهَا وَأَشْرِهَا، وَأَمَامَهَا جُنْدُ اللَّهِ فِي تَوَاضُعِهِمْ
وَإِيمَانِهِمْ، وَضَرَاعَتِهِمْ إِلَى اللَّهِ: فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ [٨ ٩ - ١١].
فَمَا جَعَلَ اللَّهُ الْإِمْدَادَ بِالْمَلَائِكَةِ إِلَّا؛ لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُهُمْ، وَمَا غَشَّاهُمُ النُّعَاسَ إِلَّا أَمَنَةً مِنْهُ، وَتَمَّ كُلُّ ذَلِكَ بِمَا رَبَطَ عَلَى قُلُوبِهِمْ، فَقَاوَمُوا بِقِلَّتِهِمْ قُوَى الشَّرِّ عَلَى كَثْرَتِهِمْ، وَتَمَّ النَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِمَدَدٍ مِنَ اللَّهِ، كَمَا رَبَطَ عَلَى قُلُوبِ أَهْلِ الْكَهْفِ: وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا [١٨ ١٤].
هَذِهِ آثَارُ الطُّمَأْنِينَةِ وَالسَّكِينَةِ وَالرَّبْطِ عَلَى الْقُلُوبِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَمْرَيْنِ الْمَنْطُوقَ وَالْمَفْهُومَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [٨ ١٢]، فَنَصَّ عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ بِالتَّثْبِيتِ فِي قَوْلِهِ: فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا، وَنَصَّ عَلَى الرُّعْبِ فِي قَوْلِهِ: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَكَانَتِ الطُّمَأْنِينَةُ تَثْبِيتًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالرُّعْبُ زَلْزَلَةً لِلْكَافِرِينَ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا أَمَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّوَجُّهِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، قَالَ: «إِنِّي مُتَقَدِّمُكُمْ؛ لِأُزَلْزِلَ بِهِمُ الْأَقْدَامَ»، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَسْبَابِ هَذِهِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاقِفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [٨ ٤٥، ٤٦].
فَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَرْبَعَةَ أَسْبَابٍ لِلطُّمَأْنِينَةِ:
الْأُولَى: الثَّبَاتُ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ [٦١ ٤].
وَالثَّانِيَةُ: ذِكْرُ اللَّهِ كَثِيرًا، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [١٣ ٢٨].
وَالثَّالِثَةُ: طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيَدُلُّ لَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ [٤٧ ٢٠ - ٢١].
وَالرَّابِعَةُ: عَدَمُ التَّنَازُلِ وَالِاعْتِصَامُ وَالْأُلْفَةُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [٣ ١٠٣].
وَمِنْ ذِكْرِ أَسْبَابِ الْهَزِيمَةِ مِنْ رُعْبِ الْقُلُوبِ، وَأَسْبَابِ النَّصْرِ مِنَ السَّكِينَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، تَعْلَمُ مَدَى تَأْثِيرِ الدَّعَايَاتِ فِي الْآوِنَةِ الْأَخِيرَةِ، وَمَا سُمِّيَ بِالْحَرْبِ الْبَارِدَةِ مِنْ كَلَامٍ وَإِرْجَافٍ مِمَّا يَنْبَغِي الْحَذَرُ مِنْهُ أَشَدُّ الْحَذَرِ، وَقَدْ حَذَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [٣٣ ١٨]، وَقَدْ حَذَّرَ تَعَالَى مِنَ السَّمَاعِ لِهَؤُلَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [٩ ٤٧].
وَلَمَّا اشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ، وَبَلَغَ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْيَهُودَ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ يَسْتَطْلِعُ خَبَرَهُمْ، وَأَوْصَاهُمْ إِنْ هُمْ رَأَوْا غَدْرًا أَلَّا يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ، وَأَنْ يَلْحَنُوا لَهُ لَحْنًا حِفَاظًا عَلَى طُمَأْنِينَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِبْعَادًا لِلْإِرْجَافِ فِي صُفُوفِهِمْ.
كَمَا بَيَّنَ تَعَالَى أَثَرَ الدِّعَايَةِ الْحَسَنَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ [٨ ٦٠]، وَقَدْ كَانَ بِالْفِعْلِ لِخُرُوجِ جَيْشِ أُسَامَةَ بَعْدَ انْتِقَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَعِنْدَ تَرَبُّصِ الْأَعْرَابِ كَانَ لَهُ الْأَثَرُ الْكَبِيرُ فِي إِحْبَاطِ نَوَايَا الْمُتَرَبِّصِينَ بِالْمُسْلِمِينَ، وَقَالُوا: مَا أَنْفَذُوا هَذَا الْبَعْثَ إِلَّا وَعِنْدَهُمُ الْجُيُوشُ الْكَافِيَةُ، وَالْقُوَّةُ اللَّازِمَةُ.
وَمَا أَجْرَاهُ اللَّهُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَكْبَرُ دَلِيلٍ عَمَلِيٍّ، إِذْ يُقَلِّلُ كُلَّ فَرِيقٍ فِي أَعْيُنِ الْآخَرِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
[٨ ٤٣ - ٤٤]، وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَنْبَغِي الِاسْتِفَادَةُ مِنْهُ الْيَوْمَ عَلَى الْعَدُوِّ فِي قَضِيَّةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
الْمُشَاقَّةُ: الْعِصْيَانُ، وَمِنْهُ شَقُّ الْعَصَا، وَالْمُخَالَفَةُ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْقَعَ مَا أَوْقَعَهُ بِبَنِي النَّضِيرِ مِنْ إِخْرَاجِهِمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَتَخْرِيبِ بُيُوتِهِمْ؛ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَأَنَّ الْمُشَاقَّةَ الْمَذْكُورَةَ هِيَ عِلَّةُ الْعُقُوبَةِ الْحَاصِلَةِ بِهِمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مُشَاقَّةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْهَلَاكِ.
وَفِي الْآيَةِ مَبْحَثٌ أُصُولِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُشَاقَّةَ قَدْ وَقَعَتْ مِنْ غَيْرِ الْيَهُودِ، فَلَمْ تَقَعْ بِهِمْ تِلْكَ الْعُقُوبَةُ كَمَا وَقَعَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [٨ ١٢]، وَهَذَا فِي بَدْرٍ قَطْعًا، ثُمَّ قَالَ: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [٨ ١٣]، وَلَمَّا قَدَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ لَمْ يُوقِعْ بِهِمْ مَا أَوْقَعَ بِالْيَهُودِ مِنْ قَتْلٍ بَلْ قَالَ: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» فَوُجِدَ الْوَصْفُ الَّذِي هُوَ الْمُشَاقَّةُ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ الْحُكْمِ، وَلَمْ يُوجَدِ الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ الْإِخْرَاجُ مِنَ الدِّيَارِ وَتَخْرِيبُ الْبُيُوتِ.
قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتِ الْمُشَاقَّةُ عِلَّةً لِهَذَا التَّخْرِيبِ لَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ: أَيْنَمَا حَصَلَتْ هَذِهِ الْمُشَاقَّةُ حَصَلَ التَّخْرِيبُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ قُلْنَا: هَذَا أَحَدُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّتِهَا. اهـ.
وَقَدْ بَحَثَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي آَدَابِ الْبَحْثِ وَالْمُنَاظَرَةِ، وَفِي مُذَكِّرَةِ الْأُصُولِ فِي مَبْحَثِ النَّقْضِ، وَعَنْوَنَ لَهُ فِي آدَابِ الْبَحْثِ بِقَوْلِهِ: تَخَلُّفُ الْحُكْمِ لَيْسَ بِنَقْضٍ سَوَاءً لِوُجُودِ مَانِعٍ أَوْ تَخَلُّفِ شَرْطٍ.
وَمَثَّلَ لِتَخَلُّفِ الْحُكْمِ بِوُجُودِ مَانِعٍ بِقَتْلِ الْوَالِدِ وَلَدَهُ عَمْدًا، مَعَ عَدَمِ قَتْلِهِ قِصَاصًا بِهِ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْقِصَاصِ مَوْجُودَةٌ، وَهِيَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ، وَالْحُكْمُ وَهُوَ الْقِصَاصُ مُتَخَلِّفٌ.
وَمَثَّلَ لِتَخَلُّفِ الشَّرْطِ بِسَرِقَةِ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ الْحِرْزِ.
ثُمَّ قَالَ: النَّوْعُ الثَّالِثُ: تَخَلُّفُ حُكْمِهَا عَنْهَا لَا لِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَمَثَّلَ لَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ [٥٩ ٣]، قَالُوا: فَهَذِهِ الْعِلَّةُ، الَّتِي هِيَ مُشَاقَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، قَدْ تُوجَدُ فِي قَوْمٍ يُشَاقُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مَعَ تَخَلُّفِ حُكْمِهَا عَنْهَا، وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنِ النَّقْضَ فِي فَنِّ الْأُصُولِ تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ مُطْلَقًا، لَا نَقْضٌ لَهَا، وَعَزَاهُ فِي مَرَاقِي السُّعُودِ لِلْأَكْثَرِينَ فِي قَوْلِهِ فِي مَبْحَثِ الْقَوَادِحِ فِي الدَّلِيلِ فِي الْأُصُولِ:
مِنْهَا وُجُودُ الْوَصْفِ دُونَ الْحُكْمِ سَمَّاهُ بِالنَّقْضِ وُعَاةُ الْعِلْمِ
وَالْأَكْثَرُونَ عِنْدَهُمْ لَا يَقْدَحُ بَلْ هُوَ تَخْصِيصٌ وَذَا مُصَحِّحٌ
إِلَى قَوْلِهِ:
وَلَسْتُ فِيمَا اسْتَنْبَطْتُ بِضَائِرٍ إِنْ جَاءَ لِفَقْدِ شَرْطٍ أَوْ لِمَانِعٍ
وَقَدْ أَطْلَعَنِي بَعْضُ الْإِخْوَانِ عَلَى شَرْحٍ لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى مَرَاقِي السُّعُودِ فِي أَوَائِلِهِ عَلَى قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ:
ذُو فَتْرَةٍ بِالْفَرْعِ وَلَا يُرَاعِ
وَتَكَلَّمَ عَلَى حُكْمِ أَهْلِ الْفَتْرَةِ، ثُمَّ عَلَى تَخْصِيصِ بَعْضِ الْآيَاتِ، وَمِنْ ثَمَّ إِلَى تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ.
وَجَاءَ فِي هَذَا الْمَخْطُوطِ مَا نَصُّهُ: وَرَجَّحَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ «الْحَشْرِ» أَنَّ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ كَتَخْصِيصِ النَّصِّ مُطْلَقًا، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ الْآيَةَ [٥٩ ٣]، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُ بَنِي النَّضِيرِ، فَلَمْ يَفْعَلْ لَهُمْ مِثْلَ مَا فَعَلَ لَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
إِلَّا أَنِّي طَلَبْتُ هَذَا التَّرْجِيحَ فِي ابْنِ كَثِيرٍ عِنْدَ الْآيَةِ، فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَلَعَلَّهُ فِي غَيْرِ التَّفْسِيرِ.
أَمَّا مَا ذَكَرَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنِ الْبَعْضِ فِي آدَابِ الْبَحْثِ وَالْمُنَاظَرَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ: قَدْ يَتَخَلَّفُ الْحُكْمُ عَنِ الْعِلَّةِ، لَا لِشَيْءٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي ذَكَرْنَا، فَالَّذِي يَظْهَرُ لِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ عَنِ الْعِلَّةِ فِي غَيْرِ الْيَهُودِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِتَخَلُّفِ جُزْءٍ مِنْهَا، وَأَنَّ الْعِلَّةَ
مُرَكَّبَةٌ، أَيْ هِيَ فِي الْيَهُودِ مُشَاقَّةٌ وَزِيَادَةٌ، تِلْكَ الزِّيَادَةُ لَمْ تُوجَدْ فِي غَيْرِ الْيَهُودِ، فَوَقَعَ الْفَرْقُ، وَذَلِكَ أَنَّ مُشَاقَّةَ غَيْرِ الْيَهُودِ كَانَتْ؛ لِجَهْلِهِمْ وَشَكِّهِمْ، كَمَا أَشَارَ تَعَالَى لِذَلِكَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [٣٦ ٧٨ - ٧٩] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ فَهُمْ فِي حَاجَةٍ إِلَى زِيَادَةِ بَيَانٍ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ «ص» :وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي [٣٨ ٤ - ٨].
فَهُمْ فِي عَجَبٍ وَدَهْشَةٍ، وَاسْتِبْعَادٍ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَهُمْ فِي شَكِّ مِنْ أَمْرِهُمْ، فَهُمْ فِي حَاجَةٍ إِلَى إِزَالَةِ الشَّكِّ وَالتَّثَبُّتِ مِنَ الْأَمْرِ، وَلِذَا لَمَّا زَالَ عَنْهُمْ شَكُّهُمْ وَتَبَيَّنُوا مِنْ أَمْرِهُمْ، وَرَاحُوا يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، بَيْنَمَا كَانَ كُفْرُ الْيَهُودِ جُحُودًا بَعْدَ مَعْرِفَةٍ، فَكَانُوا يَعْرِفُونَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [٢ ١٤٦]، وَقَدْ سُمِّيَ لَهُمْ فِيمَا أَنْزَلَ كَمَا قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [٦١ ٦] فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ بَيَانٌ، وَلَكِنَّهُ الْحَسَدُ وَالْجُحُودُ كَمَا بَيَّنَ تَعَالَى أَمْرَهُمْ بِقَوْلِهِ عَنْهُمْ: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [٢ ١٠٩]، وَقَوْلِهِ: وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ [٣ ٦٩]، وَقَوْلِهِ: وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [٢ ٧٥]، وَقَوْلِهِ: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [٣ ٧١].
فَقَدْ كَانُوا جَبْهَةَ تَضْلِيلٍ لِلْنَاسِ، وَتَحْرِيفٍ لِلْكِتَابِ، وَتَلْبِيسٍ لِلْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، كُلُّ ذَلِكَ عَنْ قَصْدٍ وَعِلْمٍ، بِدَافِعِ الْحَسَدِ وَمُنَاصَبَةِ الْعَدَاءِ وَخَصْمٌ هَذَا حَالُهُ فَلَا دَوَاءَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُدَلِّسَ لَا يُؤْمَنُ جَانِبُهُ، وَالْمُضَلِّلَ لَا يُصَدَّقُ، وَالْحَاسِدَ لَا يَشْفِيهِ إِلَّا زَوَالُ النِّعْمَةِ عَنِ الْمَحْسُودِ، وَمِنْ جَانِبٍ آخَرَ فَقَدْ قَطَعَ اللَّهُ الطَّمَعَ عَنْ إِيمَانِهِمْ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [٢ ٧٥]، كَمَا أَيْأَسَ مِنْ إِيمَانِهِمْ بَعْدَ إِقْرَارِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِتَغَلُّفِ قُلُوبِهِمْ عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ وَرُؤْيَةِ النُّورِ: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ
[٢ ٨٨].
وَكُلُّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي كُلِّ مَنْ شَاقَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ غَيْرِ الْيَهُودِ، وَقَدْ صَرَّحَ تَعَالَى بِأَنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا هَذَا الْحُكْمَ لِلْأَسْبَابِ الَّتِي اخْتَصُّوا بِهَا دُونَ غَيْرِهِمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [٢ ٨٤ - ٨٥].
فَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ نَقْضِ الْمِيثَاقِ، وَالْغَدْرِ فِي الصُّلْحِ، وَسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَالتَّظَاهُرِ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَالْإِيمَانِ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَالْكُفْرِ بِبَعْضِهِ، كَانَ خَاصًّا بِالْيَهُودِ، فَكَانَتِ الْعِلَّةُ مُرَكَّبَةً مِنَ الْمُشَاقَّةِ، وَمِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي اخْتَصُّوا بِهَا، وَكَانَ الْحُكْمُ صَرِيحًا هُنَا بِقَوْلِهِ عَنْهُمْ: فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ [٢ ٨٥]، وَكَانَ خِزْيُهُمْ فِي الدُّنْيَا هُوَ مَا وَقَعَ بِهِمْ مِنْ إِخْرَاجٍ، وَتَخْرِيبٍ، وَتَقْتِيلٍ.
وَإِنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، لَمْ يَكُنْ لَهُمُ الِاسْتِئْصَالُ الْكُلِّيُّ بِإِخْرَاجِهِمْ أَوْ تَقْتِيلِهِمْ، فَلَمْ يَعُدْ يَصْلُحُ فِيهِمُ اسْتِصْلَاحٌ وَلَا يُتَوَقَّعُ مِنْهُمْ صَلَاحٌ، وَيَكْفِي شَاهِدًا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ لَمْ يَتَّعِظُوا، وَلَمْ يَسْتَفِيدُوا، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [٥٩ ٢].
مَا اتَّعَظَ بَنُو قُرَيْظَةَ بِمَا وَقَعَ بِإِخْوَانِهِمْ بَنِي النَّضِيرِ، فَلَجَئُوا بَعْدَ عَامٍ وَاحِدٍ إِلَى مَا وَقَعَ فِيهِ بَنُو النَّضِيرِ مِنْ غَدْرٍ وَخِيَانَةٍ، فَكَانَ اخْتِصَاصُ الْيَهُودِ بِالْحُكْمِ لِتِلْكَ الْعِلَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ؛ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ شَارَكَهُمْ غَيْرُهُمْ فِي الْمُشَاقَّةِ فَلَمْ يُشَارِكْهُمْ غَيْرُهُمْ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مِمَّا قَدَّمْنَا مِنْ دَوَافِعِ الْمُشَاقَّةِ.
وَلِلدَّوَافِعِ تَأْثِيرٌ فِي الْحُكْمِ، كَمَا فِي قِصَّةِ آدَمَ وَإِبْلِيسَ، فَقَدِ اشْتَرَكَ آدَمُ وَإِبْلِيسُ فِي عُمُومِ عِلَّةِ الْعِصْيَانِ، إِذْ نُهِيَ آدَمُ عَنْ قُرْبَانِ الشَّجَرَةِ، وَأُمِرَ إِبْلِيسُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، فَأَكَلَ آدَمُ مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ، وَامْتَنَعَ إِبْلِيسُ عَمَّا أُمِرَ بِهِ فَاشْتَرَكَا فِي الْعِصْيَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ آدَمَ: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [٢٠ ١٢١]، وَقَالَ عَنْ إِبْلِيسَ: مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [٧ ١٢]، وَلَكِنَّ السَّبَبَ كَانَ مُخْتَلِفًا، فَآدَمُ نَسِيَ وَوَقَعَ تَحْتَ وَسْوَسَةِ
الشَّيْطَانِ فَخُدِعَ بِقَسَمِ إِبْلِيسَ بِاللَّهِ تَعَالَى: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [٧ ٢١]، وَكَانَتْ مَعْصِيَةٌ عَنْ إِغْوَاءٍ وَوَسْوَسَةٍ: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ [٢ ٣٦].
أَمَّا إِبْلِيسُ، فَكَانَ عِصْيَانُهُ عَنْ سَبْقِ إِصْرَارٍ، وَعَنْ حَسَدٍ وَاسْتِكْبَارٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [٢ ٣٤]، وَلَمَّا خَاطَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ [٣٨ ٧٥]، قَالَ فِي إِصْرَارِهِ وَحَسَدِهِ وَتَكَبُّرِهِ: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [٣٨ ٧٦].
فَاخْتَلَفَتِ الدَّوَافِعُ وَكَانَ لَدَى إِبْلِيسَ مَا لَيْسَ لَدَى آدَمَ فِي سَبَبِ الْعِصْيَانِ وَبِالتَّالِي اخْتَلَفَتِ النَّتَائِجُ، فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ مُخْتَلِفَةً تَمَامًا. أَمَّا آدَمُ فَحِينَ عَاتَبَهُ عَلَى أَكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [٧ ٢٢] رَجَعَا حَالًا، وَاعْتَرَفَا بِذَنْبِهِمَا قَائِلِينَ: قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [٧ ٢٣]، وَكَانَتِ الْعُقُوبَةُ لَهُمَا قَوْلَهُ تَعَالَى: قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [٧ ٢٤].
فَكَانَ هُبُوطُ آدَمَ مُؤَقَّتًا، وَلَحِقَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [٢ ٣٨]، فَأَدْرَكَتْهُ هِدَايَةُ اللَّهِ، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [٢ ٣٧].
أَمَّا نَتِيجَةُ إِبْلِيسَ فَلَمَّا عَاتَبَهُ تَعَالَى فِي مَعْصِيَتِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ [٣٨ ٧٥]، كَانَ جَوَابُهُ اسْتِعْلَاءً، وَتَعَاظُمًا، عَلَى النَّقِيضِ مِمَّا كَانَ فِي جَوَابِ آدَمَ إِذْ قَالَ: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [٣٨ ٧٦]، فَكَانَ جَوَابُهُ كَذَلِكَ عَكْسَ مَا كَانَ جَوَابًا عَلَى آدَمَ: قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [٣٨ ٧٧ - ٧٨].
وَلَقَدْ قَالُوا: إِنَّ الَّذِي جَرَّ عَلَى إِبْلِيسَ هَذَا كُلَّهُ هُوَ الْحَسَدُ، حَسَدَ آدَمَ عَلَى مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ فَاحْتَقَرَهُ، وَتَكَبَّرَ عَلَيْهِ، فَوَقَعَ فِي الْعِصْيَانِ، وَكَانَتْ نَتِيجَتُهُ الطَّرْدَ.
وَهَكَذَا الْيَهُودُ: إِنَّ دَاءَهُمُ الدَّفِينَ هُوَ الْحَسَدُ، وَالْعُجْبُ بِالنَّفْسِ، فَجَرَّهُمْ إِلَى الْكُفْرِ، وَوَقَعُوا فِي الْخِيَانَةِ، وَكَانَتِ النَّتِيجَةُ الْقَتْلَ، وَالطَّرْدَ.
وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ مُشَاقَّةَ الْيَهُودِ هَذِهِ هِيَ مِنَ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ الَّذِي نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ، وَعَاقَبَهُمْ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، وَتَهَدَّدَهُمْ إِنْ هُمْ عَادُوا لِلثَّالِثَةِ عَادَ لِلِانْتِقَامِ مِنْهُمْ، وَهَاهُمْ قَدْ عَادُوا، وَشَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمِينَ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي سُورَةِ «الْإِسْرَاءِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [١٧ ٨]، لَمَّا بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قُضِيَ إِلَيْهِمْ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُمْ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ - وَبَيَّنَ نَتَائِجَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ - بَيَّنَ تَعَالَى أَيْضًا: أَنَّهُمْ إِنْ عَادُوا لِلْإِفْسَادِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، فَإِنَّهُ جَلَّ وَعَلَا يَعُودُ لِلِانْتِقَامِ مِنْهُمْ بِتَسْلِيطِ أَعْدَائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنَا هَلْ عَادُوا لِلْإِفْسَادِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ أَمْ لَا؟.
وَلَكِنَّهُ أَشَارَ فِي آيَاتٍ أُخَرَ إِلَى أَنَّهُمْ عَادُوا لِلْإِفْسَادِ بِتَكْذِيبِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَتْمِ صِفَاتِهِ، وَنَقَضِ عُهُودِهِ، وَمُظَاهَرَةِ عَدُّوهِ عَلَيْهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِهِمِ الْقَبِيحَةِ، فَعَادَ اللَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - لِلِانْتِقَامِ مِنْهُمْ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمِينَ، وَجَرَى عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَبَنِي النَّضِيرِ، وَبَنِي قَيْنُقَاعَ وَخَيْبَرَ، مَا جَرَى مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّلْبِ وَالْإِجْلَاءِ، وَضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، وَضَرْبِ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ.
وَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُمْ عَادُوا لِلْإِفْسَادِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ [٢ ٨٩ - ٩٠]، وَقَوْلُهُ: الْفَاسِقُونَ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ [٢ ١٠٠]، وَقَوْلُهُ: وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ [٥ ١٣] وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى عَادَ إِلَى الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
[٥٩ ٢ - ٤]، وَقَوْلُهُ: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ الْآيَةَ [٣٣ ٢٦ - ٢٧] اهـ مِنْهُ.
فَهَذَا مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَيَانٌ وَدَلِيلٌ إِلَى مُغَايَرَةِ الْمُشَاقَّةِ الْوَاقِعَةِ مِنَ الْيَهُودِ لِلْمُشَاقَّةِ الْوَاقِعَةِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَكَانَ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَمَّنْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ غَيْرِ الْيَهُودِ؛ لِتَخَلُّفِ بَعْضِ الْعِلَّةِ فِي الْحُكْمِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ.
الْلِينَةُ هُنَا، قِيلَ: اسْمٌ عَامٌّ لِلنَّخْلِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ.
وَقِيلَ: نَوْعٌ خَاصٌّ مِنْهُ، وَهُوَ مَا عَدَا الْبَرْنِيَّ وَالْعَجْوَةَ فَقَطْ.
وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: اللِّينَةُ مِنَ اللَّوْنِ، وَقَالَ: وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ لِينَةً؛ لِأَنَّهَا فِعْلَةٌ مِنْ فَعَلَ وَهُوَ اللَّوْنُ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ النَّخْلِ، وَلَكِنْ لَمَّا انْكَسَرَ مَا قَبْلَهَا انْقَلَبَتْ إِلَى يَاءٍ إِلَخْ، وَهَذَا الْأَخِيرُ قَرِيبٌ مِمَّا عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْيَوْمَ، حَيْثُ يُطْلِقُونَ كَلِمَةَ: لُونَةٍ عَلَى مَا لَا يَعْرِفُونَ لَهُ اسْمًا خَاصًّا، وَلَعَلَّ كَلِمَةَ لُونَةٍ مُحَرَّفَةٌ عَنْ كَلِمَةِ لِينَةٍ، وَيُوجَدُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَنْوَاعِ النَّخِيلِ مَا يَقْرُبُ مِنْ سَبْعِينَ نَوْعًا.
وَقِيلَ: إِنَّ الْلِينَةَ كُلُّ شَجَرَةٍ لِلُيُونَتِهَا بِالْحَيَاةِ.
وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي تَقْطِيعِ وَتَحْرِيقِ بَعْضِ النَّخِيلِ لِبَنِي النَّضِيرِ عِنْدَ حِصَارِهِمْ وَقَطَعَ مِنَ الْبُسْتَانِ الْمَعْرُوفِ بِالْبُوَيْرَةِ، كَمَا رَوَى ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ صَاحِبَيِ الصَّحِيحَيْنِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَطَعَ، وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ حَسَّانٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ
وَالْبُوَيْرَةُ مَعْرُوفَةٌ الْيَوْمَ، وَهِيَ بُسْتَانٌ يَقَعُ فِي الْجَنُوبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ مَسْجِدِ قُبَاءٍ.
وَقِيلَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا: إِنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ تَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ، فَمَا بَالُكَ تَأْمُرُ بِقَطْعِ الْأَشْجَارِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ نَهَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَنْ قَطْعِ النَّخِيلِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا هُوَ مَغَانِمُ الْمُسْلِمِينَ فَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِتَصْدِيقِ مَنْ نَهَى عَنْ قَطْعِهِ، وَتَحْلِيلِ مَنْ قَطَعَ مِنَ الْإِثْمِ، وَأَنَّ قَطْعَ مَا قُطِعَ وَتَرْكَ مَا تُرِكَ: فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ.
وَعَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَبِإِذْنِ اللَّهِ أَيْ: الْإِذْنُ الْقَدَرِيُّ وَالْمَشِيئَةُ الْإِلَهِيَّةُ، أَيْ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ [٣ ١٦٦]، وَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [٣ ١٥٢].
وَالَّذِي يَظْهَرُ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنَّ الْإِذْنَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ هُوَ إِذْنٌ شَرْعِيٌّ، وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ عُمُومِ الْإِذْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [٢٢ ٣٩] ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ بِالْقِتَالِ إِذْنٌ بِكُلِّ مَا يَتَطَلَّبُهُ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِهِ وَبِمَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ.
وَالْحِصَارُ نَوْعٌ مِنَ الْقِتَالِ، وَلَعَلَّ مِنْ مَصْلَحَةِ الْحِصَارِ قَطْعَ بَعْضِ النَّخِيلِ لِتَمَامِ الرُّؤْيَةِ، أَوْ لِإِحْكَامِ الْحِصَارِ، أَوْ لِإِذْلَالِ وَإِرْهَابِ الْعَدُوِّ فِي حِصَارِهِ وَإِشْعَارِهِ بِعَجْزِهِ عَنْ حِمَايَةِ أَمْوَالِهِ، وَمُمْتَلَكَاتِهِ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ إِثَارَةٌ لَهُ؛ لِيَنْدَفِعَ فِي حَمِيَّةٍ لِلدِّفَاعِ عَنْ مُمْتَلَكَاتِهِ وَأَمْوَالِهِ، فَيَنْكَشِفَ عَنْ حُصُونِهِ وَيَسْهُلَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَغْرَاضِ الْحَرْبِيَّةِ، وَالَّتِي أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا فِي قَوْلِهِ: وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ أَيْ: بِعَجْزِهِمْ وَإِذْلَالِهِمْ وَحَسْرَتِهِمْ، وَهُمْ يَرَوْنَ نَخِيلَهُمْ يُقْطَعُ، وَيُحْرَقُ فَلَا يَمْلِكُونَ لَهُ دَفْعًا.
وَعَلَى كُلٍّ فَالَّذِي أَذِنَ بِالْقِتَالِ وَهُوَ سَفْكُ الدِّمَاءِ، وَإِزْهَاقُ الْأَنْفُسِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ سَبْيٍ وَغَنَائِمَ لَا يَمْنَعُ فِي مِثْلِ قَطْعِ النَّخِيلِ إِنْ لَزِمَ الْأَمْرُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَا أَذِنَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبِإِذْنِ اللَّهِ أَذِنَ.
وَبِهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ عَدُوًّا، وَرَأَوْا أَنَّ مِنْ مَصْلَحَتِهِمْ أَوْ مِنْ مَذَلَّةِ الْعَدُوِّ إِتْلَافَ مُنْشَآتِهِ وَأَمْوَالِهِ، فَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَغَايَةُ مَا فِيهِ، أَنَّهُ إِتْلَافُ بَعْضِ الْمَالِ لِلتَّغَلُّبِ عَلَى الْعَدُوِّ وَأَخْذِ جَمِيعِ مَالِهِ، وَهَذَا لَهُ
نَظِيرٌ فِي الشَّرْعِ، كَعَمَلِ الْخِضْرِ فِي سَفِينَةِ الْمَسَاكِينَ لَمَّا خَرَقَهَا، أَيْ أَعَابَهَا بِإِتْلَافِ بَعْضِهَا؛ لِيَسْتَخْلِصَهَا مِنِ اغْتِصَابِ الْمَلِكِ إِيَّاهَا، وَقَالَ: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [١٨ ٨٢].
وَقَدْ جَاءَ اعْتِرَاضُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي قِتَالِهِمْ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، كَمَا اعْتَرَضَ الْيَهُودُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي قَطْعِ النَّخِيلِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [٢ ٢١٧].
فَقَدْ تَعَاظَمَ الْمُشْرِكُونَ قَتْلَ الْمُسْلِمِينَ لِبَعْضِ الْمُشْرِكِينَ فِي وَقْعَةِ نَخْلَةٍ، وَلَمْ يَتَحَقَّقُوا دُخُولَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَاتَّهَمُوهُمْ بِاعْتِدَاءٍ عَلَى حُرْمَةِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، فَأَجَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِمُوجِبِ مَا قَالُوا بِأَنَّ الْقِتَالَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ كَبِيرٌ، وَلَكِنْ مَا ارْتَكَبَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ صَدٍّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٍ بِاللَّهِ، وَصَدٍّ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجِ أَهْلِهِ مِنْهُ وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ، وَالْفِتْنَةُ عَنِ الدِّينِ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ، أَيْ: الَّذِي اسْتَنْكَرُوهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَهَكَذَا هُنَا لَئِنْ تَعَاظَمَ الْيَهُودُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَطْعَ بَعْضِ النَّخِيلِ، وَعَابُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِيقَاعَ الْفَسَادِ بِإِتْلَافِ بَعْضِ الْمَالِ فَكَيْفَ بِهِمْ بِغَدْرِهِمْ وَخِيَانَتِهِمْ نَقْضِهِمِ الْعُهُودَ، وَتَمَالُئِهِمْ عَلَى قَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَقَدْ سَجَّلَ هَذَا الْمَعْنَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَذْكُرُ إِجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَتْلَ ابْنِ الْأَشْرَفِ:
لَقَدْ خَزِيَتْ بِغَدْرَتِهَا الْحُبُورُ كَذَاكَ الدَّهْرُ ذُو صَرْفٍ يَدُورُ
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِرَبٍّ عَظِيمٍ أَمْرُهُ أَمْرٌ كَبِيرٌ
وَقَدْ أُوتُوا مَعًا فَهْمًا وَعِلْمًا وَجَاءَهُمُ مِنَ اللَّهِ النَّذِيرُ
إِلَى أَنْ قَالَ:
فَلَمَّا أُشْرِبُوا غَدْرًا وَكُفْرًا وَحَادَ بِهِمْ عَنِ الْحَقِّ النُّفُورُ
أَرَى اللَّهُ النَّبِيَّ بِرَأْيِ صِدْقٍ وَكَانَ اللَّهُ يَحْكُمُ لَا يَجُورُ
فَأَيَّدَهُ وَسَلَّطَهُ عَلَيْهِمُ وَكَانَ نَصِيرَهُ نِعْمَ النَّصِيرُ
فَقَدْ أَشَارَ إِلَى أَنَّ خِزْيَ بَنِي النَّضِيرِ بِسَبَبِ غَدْرِهِمْ وَكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ، فَكَانَ الْإِذْنُ فِي قَطْعِ النَّخِيلِ هُوَ إِذْنٌ شَرْعِيٌّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ عَنْهُ هُوَ عَمَلٌ تَشْرِيعِيٌّ إِذَا مَا دَعَتِ الْحَاجَةُ، لِمِثْلِ مَا دَعَتِ الْحَاجَّةُ هَنَا إِلَيْهِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ.
الضَّمِيرُ فِي (مِنْهُمْ) هُنَا عَائِدٌ عَلَى بَنِي النَّضِيرِ.
وَالْفَيْءُ: الْغَنِيمَةُ بِدُونِ قِتَالٍ، وَقَدْ جَعَلَهُ تَعَالَى هُنَا عَلَى رَسُولِهِ خَاصَّةً.
وَقَالَ: فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ [٥٩ ٦] أَيْ: لَمَّا كَانَ إِخْرَاجُ الْيَهُودِ مَرَدَّهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَبِمَا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ هَذَا الْفَيْءُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهِ غَيْرُهُ.
وَقَدْ جَاءَ مِصْدَاقُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الَّذِي سَاقَهُ الشَّيْخُ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ عِنْدَ آخَرِ كَلَامِهِ عَلَى مَبَاحِثِ «الْأَنْفَالِ» عِنْدَ قَوْلِهِ: الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: اعْلَمْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْخُذُ نَفَقَةَ سَنَتِهِ مِنْ فَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ لَا مِنَ الْمَغَانِمِ، وَسَاقَ حَدِيثَ أَنَسِ بْنِ أَوْسٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قِصَّةِ مُطَالَبَةِ عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّهُ قَالَ لَهُمَا: إِنَّ اللَّهَ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ إِلَى قَوْلِهِ: قَدِيرٌ [٥٩ ٦]، فَكَانَتْ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاللَّهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ، لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهُ وَبَثَّهَا فِيكُمْ، حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ، فَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ هَذَا الْمَالِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَا لِلَّهِ إِلَخْ. اهـ.
وَكَانَتْ هَذِهِ خَاصَّةً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنْ جَاءَ بَعْدَهَا مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَيْ: عُمُومًا فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [٥٩ ٧].
وَهَذِهِ الْآيَةُ لِعُمُومِهَا مَصْدَرًا وَمَصْرِفًا، فَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى أَحْكَامٍ وَمَبَاحِثَ عَدِيدَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ الْكَلَامُ عَلَى كُلِّ مَا فِيهَا عِنْدَ أَوَّلِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ [٨ ١]، فَاسْتَوْفَى وَاسْتَقْصَى وَفَصَّلَ وَبَيَّنَ مَصَادِرَ وَمَصَارِفَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ وَالنَّفْلِ، وَمَا فُتِحَ مِنَ الْبِلَادِ صُلْحًا أَوْ عَنْوَةً، وَمَسَائِلَ عَدِيدَةً مِمَّا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَلَا غِنَى عَنْهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ.
مَعْنَى الدُّولَةِ وَالدَّوْلَةِ بِضَمِّ الدَّالِّ فِي الْأُولَى، وَفَتْحِهَا فِي الثَّانِيَةِ: يَدُورُ عِنْدَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:
الدَّوْلَةُ بِالْفَتْحِ: الظُّفْرُ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهِ، وَهِيَ الْمَصْدَرُ، وَبِالضَّمِّ اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُتَدَاوَلُ مِنَ الْأَمْوَالِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنَى الْآيَةِ: كَيْلَا يَكُونَ الْفَيْءُ الَّذِي حَقُّهُ أَنْ يُعْطَى الْفُقَرَاءَ، لِيَكُونَ لَهُمْ بُلْغَةً يَعِيشُونَ بِهَا جَدًّا بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ يَتَكَاثَرُونَ بِهِ، أَوْ كَيْلَا يَكُونَ دَوْلَةً جَاهِلِيَّةً بَيْنَهُمْ.
وَمَعْنَى الدَّوْلَةِ الْجَاهِلِيَّةِ: أَنَّ الرُّؤَسَاءَ مِنْهُمْ كَانُوا يَسْتَأْثِرُونَ بِالْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الرِّئَاسَةِ وَالْغَلَبَةِ وَالدَّوْلَةِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: مَنْ عَزَّ بَزَّ، وَالْمَعْنَى: كَيْلَا يَكُونَ أَخْذُهُ غَلَبَةً أَثَرَةً جَاهِلِيَّةً، وَمِنْهُ قَوْلُ الْحَسَنِ: اتَّخَذُوا عِبَادَ اللَّهِ خَوَلًا وَمَالَ اللَّهِ دُوَلًا، يُرِيدُ مَنْ غَلَبَ مِنْهُمْ أَخَذَهُ وَاسْتَأْثَرَ بِهِ، إِلَخْ.
وَالْجَدِيرُ بِالذِّكْرِ هُنَا: أَنَّ دُعَاةَ بَعْضِ الْمَذَاهِبِ الِاقْتِصَادِيَّةِ الْفَاسِدَةِ، يَحْتَجُّونَ بِهَذَا الْآيَةِ عَلَى مَذْهَبِهِمِ الْفَاسِدِ وَيَقُولُونَ: يَجُوزُ لِلدَّوْلَةِ أَنْ تَسْتَوْلِيَ عَلَى مَصَادِرِ الْإِنْتَاجِ وَرُءُوسِ الْأَمْوَالِ؛ لِتُعْطِيَهَا أَوْ تُشْرِكَ فِيهَا الْفُقَرَاءَ، وَمَا يُسَمُّونَهُمْ طَبَقَةَ الْعُمَّالِ، وَهَذَا عَلَى مَا فِيهِ مِنْ كَسَادٍ اقْتِصَادِيٍّ، وَفَسَادٍ اجْتِمَاعِيٍّ، قَدْ ثَبَتَ خَطَؤُهُ، وَظَهَرَ بُطْلَانُهُ مُجَانِبًا لِحَقِيقَةِ الِاسْتِدْلَالِ.
لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ تُرِكَ لِمَرَافِقِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ مِنَ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ، وَتَأْمِينِ الْغُزَاةِ فِي الْحُدُودِ وَالثُّغُورِ، وَلَيْسَ يُعْطَى لِلْأَفْرَادِ كَمَا يَقُولُونَ، ثُمَّ هُوَ أَسَاسًا مَالٌ جَاءَ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ نَتِيجَةَ كَدْحِ الْفَرْدِ وَكَسْبِهِ.
وَلَمَّا كَانَ مَالُ الْغَنِيمَةِ لَيْسَ مِلْكًا لِشَخْصٍ، وَلَا هُوَ أَيْضًا كَسْبٌ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ، تَحَقَّقَ فِيهِ الْعُمُومُ فِي مَصْدَرِهِ، وَهُوَ الْغَنِيمَةُ، وَالْعُمُومُ فِي مَصْرِفِهِ، وَهُوَ عُمُومُ مَصَالِحِ الْأُمَّةِ، وَلَا دَخْلَ وَلَا وُجُودَ لِلْفَرْدِ فِيهِ، فَشَتَّانَ بَيْنَ هَذَا الْأَصْلِ فِي التَّشْرِيعِ وَهَذَا الْفَرْعِ فِي التَّضْلِيلِ.
وَمِنَ الْمُؤْسِفِ أَنَّهُمْ يُؤَيِّدُونَ دَعْوَاهُمْ بِإِقْحَامِ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: الْمَاءُ وَالنَّارُ وَالْكَلَأُ»، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّرِكَةَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَا دَامَتْ عَلَى عُمُومِهَا فَالْمَاءُ شَرِكَةٌ بَيْنَ الْجَمِيعِ مَا دَامَ فِي مَوْرِدِهِ مِنَ النَّهْرِ أَوِ الْبِئْرِ الْعَامِّ أَوِ السَّيْلِ أَوِ الْغَدِيرِ. أَمَّا إِذَا انْتَقَلَ مِنْ مَوْرِدِهِ الْعَامِّ، وَأَصْبَحَ فِي حِيَازَةٍ مَا فَلَا شَرِكَةَ لِأَحَدٍ فِيهِ مَعَ مَنْ حَازَهُ، كَمَنْ مَلَأَ إِنَاءً مِنَ النَّهْرِ أَوِ السَّيْلِ وَنَحْوِهِ، فَمَا كَانَ فِي إِنَائِهِ فَهُوَ خَاصٌّ بِهِ، وَهَذَا الْكَلَأُ
مَا دَامَ عُشْبًا فِي الْأَرْضِ الْعَامَّةِ لَا فِي مِلْكِ إِنْسَانٍ مُعَيَّنٍ فَهُوَ عَامٌّ لِمَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ، فَإِذَا مَا احْتَشَّهُ إِنْسَانٌ وَحَازَهُ فَلَا شَرِكَةَ لِأَحَدٍ فِيهِ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْهُ نَابِتًا فِي مِلْكِ إِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِالْحُوتِ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ فَهُوَ مُشَاعٌ لِلْجَمِيعِ، وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ يُصَادُ. فَإِنَّهُ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ جَمِيعِ الصَّيَّادِينَ، فَإِذَا مَا صَادَهُ إِنْسَانٌ فَقَدْ حَازَهُ وَاخْتَصَّ بِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ تَعْتَرِفُ فِيهِ جَمِيعُ النُّظُمِ الِاقْتِصَادِيَّةِ، وَتُعْطَى تَرَاخِيصٌ رَسْمِيَّةٌ لِذَلِكَ.
وَهُنَاكَ الْعَمَلُ الْجَارِي فِي تِلْكَ الدُّوَلِ، مِمَّا يَجْعَلُهُمْ يَتَنَاقَضُونَ فِي دَعْوَاهُمُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْمَاءِ وَالنَّارِ وَالْكَلَأِ، وَذَلِكَ فِي شَرِكَاتِ الْمِيَاهِ وَالنُّورِ؛ فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ فِي كُلِّ بَيْتٍ عَدَّادًا يَعُدُّ جَالُونَاتِ الْمَاءِ الَّتِي اسْتَهْلَكَهَا الْمَنْزِلُ وَيُحَاسِبُونَهُ عَلَيْهِ، وَإِذَا تَأَخَّرَ قَطَعُوا عَلَيْهِ الْمَاءَ وَحَرَمُوهُ مِنْ شُرْبِهِ.
وَكَذَلِكَ التَّيَّارُ الْكَهْرَبَائِيُّ؛ فَإِنَّهُ نَارٌ، وَهُوَ الطَّاقَةُ الْفَعَّالَةُ فِي الْمُدُنِ فَإِنَّهُمْ يَقِيسُونَهُ بِعَدَّادٍ يَعُدُّ الْكِيلُواتْ، وَيَبِيعُونَهُ عَلَى الْمُسْتَهْلِكِ، فَلِمَاذَا لَا يَجْعَلُونَ الْمَاءَ وَالْكَهْرَبَاءَ، شَرِكَةً بَيْنَ الْمُوَاطِنِينَ؟ أَمِ النَّاسُ شُرَكَاءُ فِيمَا لَا يَعُودُ عَلَى الدَّوْلَةِ، أَمَّا حَقُّ الدَّوْلَةِ فَخَاصٌّ لِلْحُكَّامِ؟ إِنَّهُ عَكْسُ مَا فِي قَضِيَّةِ الْفَيْءِ تَمَامًا.
حَيْثُ إِنَّ الْفَيْءَ وَالْغَنِيمَةَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ حَلَالًا مِنْ مَالِ الْعَدُوِّ، وَهُوَ كَسْبٌ عَامٌّ دَخَلَ عَلَى الْأُمَّةِ بِمَجْهُودِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا، الْمَاثِلِ فِي الْجَيْشِ الَّذِي يُقَاتِلُ بِاسْمِهَا، وَجَعَلَهُ تَعَالَى فِي مَصَارِفَ عَامَّةٍ فِي مَصَالِحِ الْأُمَّةِ (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ).
(فَلِلَّهِ) :أَيِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
(وَلِلرَّسُولِ) :لِقِيَامِهِ بِأَمْرِ الْأُمَّةِ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُ نَفَقَةَ أَهْلِهِ عَامًا، وَمَا بَقِيَ يَرُدُّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
(وَلِذِي الْقُرْبَى) :مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ.
(وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ) :هَذَا هُوَ التَّكَافُلُ الِاجْتِمَاعِيُّ فِي الْأُمَّةِ.
(وَابْنِ السَّبِيلِ) :الْمُنْقَطِعُ فِي سَفَرِهِ، وَهَذَا تَأْمِينٌ لِلْمُوَاصَلَاتِ.
فَكَانَ مَصْرِفُهُ بِهَذَا الْعُمُومِ دُونَ اخْتِصَاصِ شَخْصٍ بِهِ أَوْ طَائِفَةٍ: كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ.
وَإِنَّهُ لَمِنْ مَوَاطِنِ الْإِعْجَازِ فِي الْقُرْآنِ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَ هَذَا التَّشْرِيعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الْآيَةَ [٥٩ ٧] ؛ لِأَنَّهُ تَشْرِيعٌ فِي أَمْرٍ يَمَسُّ الْوَتَرَ الْحَسَّاسَ فِي النَّفْسِ، وَهُوَ مَوْطِنُ الشُّحِّ وَالْحِرْصِ أَلَا وَهُوَ كَسْبُ الْمَالِ الَّذِي هُوَ صِنْوُ النَّفْسِ، وَالَّذِي تَوَلَّى اللَّهُ قِسْمَتَهُ فِي أَهَمِّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ فِي الْمِيرَاثِ.
قَسَّمَهُ تَعَالَى مُبَيِّنًا فُرُوضَهُ، وَحِصَّةَ كُلِّ وَارِثٍ؛ لِأَنَّهُ كَسْبٌ بِدُونِ مُقَابِلٍ، وَكَسْبٌ إِجْبَارِيٌّ. وَالنُّفُوسُ مُتَطَلِّعَةٌ إِلَيْهِ فَتَوَلَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ الْفَيْءُ وَالْغَنِيمَةُ، وَحَرَّمَ الْغُلُولَ فِيهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
وَمَثَلُ هَذَا الْمَالِ هُوَ الَّذِي أَلِفُوا قِسْمَتَهُ مَغْنَمًا، وَالَّذِي بَذَلُوا النُّفُوسَ وَالْمُهَجَ قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ، فَإِذَا بِهِمْ يُمْنَعُونَ مِنْهُ، وَيُحَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَيُقَسَّمُ الْمَنْقُولُ فَقَطْ، وَلَا يُقَسَّمُ الْعَقَارُ الثَّابِتُ، وَيُقَالُ لَهُمْ: حَدَثَ هَذَا كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ سَوَاءٌ الْأَغْنِيَاءُ بِأَبْدَانِهِمْ، وَقُدْرَتِهِمْ عَلَى الْعَمَلِ، وَعَلَى الْجِهَادِ أَوِ الْأَغْنِيَاءُ بِأَمْوَالِهِمْ بِمَا حَصَّلُوهُ مِنْ مَغَانِمَ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَكَانَ لَابُدَّ لِنُفُوسِهِمْ مِنْ أَنْ تَتَحَرَّكَ نَحْوَ هَذَا الْمَالِ، وَفِعْلًا نَاقَشُوا عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيهِ - وَلَكِنْ هُنَا يَأْتِي سَوْطُ الطَّاعَةِ الْمُسَلَّتُ، وَأَمْرُ التَّشْرِيعِ الْمُسَكِّتُ إِنَّهُ عَنِ اللَّهِ أَتَاكُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ فَإِنَّ الْآيَةَ وَإِنْ كَانَتْ عَامَّةً فِي جَمِيعِ التَّشْرِيعِ إِلَّا أَنَّهَا هُنَا أَخَصُّ، وَهِيَ بِهِ أَقْرَبُ، وَالْمَقَامُ إِلَيْهَا أَحْوَجُ.
وَهُنَا يَنْتَقِلُ بِنَا الْقَوْلُ إِلَى مَا آتَانَا بِهِ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي هَذَا الْمَعْنَى بِالذَّاتِ أَيْ: مَعْنَى الْمُشَارَكَةِ فِي الْأَمْوَالِ.
لَقَدْ جَاءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَالْأَنْصَارُ يُؤْثِرُونَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَقَدْ أَعَانَهُمُ اللَّهُ عَلَى شُحِّ نُفُوسِهِمْ، فَمُجْتَمَعُهُمْ مُجْتَمَعُ بَذْلٍ وَإِعْطَاءٍ وَتَضْحِيَةٍ
وَإِيثَارٍ، وَمَعَ هَذَا فَقَدَ كَانَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْتِيَهُ الضَّيْفُ فَلَا يَجِدُ لَهُ قِرًى فِي بَيْتِهِ، فَيَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: «مَنْ يُضَيِّفُ هَذَا، اللَّيْلَةَ وَلَهُ الْجَنَّةُ؟» فَيَأْخُذُهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، وَيَأْتِيهِ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ يَطْلُبُونَهُ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ فِي الْجِهَادِ، فَيَعْتَذِرُ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ لَا يَجِدُ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، فَيَتَوَلَّوْنَ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، وَيَأْتِيهِ الْقَدَحُ مِنَ اللَّبَنِ، فَيَدْعُو: «يَا أَهْلَ الصُّفَّةِ» لِيُشَارِكُوهُ إِيَّاهُ لِقِلَّةِ مَا عِنْدَهُمْ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ فَيُصْرَعُ عَلَى بَابِهِ مِنَ الْجُوعِ، بَيْنَمَا الْعَدِيدُ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوُو يَسَارٍ، مِنْهُمْ مَنْ يُجَهِّزُ الْجَيْشَ مِنْ مَالِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَصَدَّقُ بِالْقَافِلَةِ كَامِلَةً وَمَا فِيهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَصَدَّقُ بِخِيَارِ بَسَاتِينِ الْمَدِينَةِ، وَمِنْهُمْ، فَلَمْ يَأْخُذْ قَطُّ وَلَا دِرْهَمًا وَاحِدًا مِمَّنْ تَصَدَّقَ بِقَافِلَةٍ كَامِلَةٍ وَمَا تَحْمِلُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ دِرْهَمًا بِدُونِ رِضَاهُ، لِيُشَارِكَ مَعَهُ فِيهِ وَاحِدًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، وَلَا مِمَّنْ تَصَدَّقَ بِبُسْتَانِهِ صَاعَ تَمْرٍ يُعْطِيهِ لِأَبِي هُرَيْرَةَ، يَسُدُّ مَسْغَبَتَهُ، وَلَا بَعِيرًا وَاحِدًا مِمَّنْ جَهَّزَ جَيْشًا مِنْ مَالِهِ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ مُتَطَوِّعًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
إِنَّهَا أَمْوَالٌ مُحْتَرَمَةٌ، وَأَمْلَاكٌ مُسْتَقِرَّةٌ خَاصَّةٌ بِأَصْحَابِهَا، فَهُنَاكَ غَنِيمَةٌ وَفَيْءٌ أُخِذَ بِقُوَّةِ الْأُمَّةِ وَمَدَدِهَا لِلْجَيْشِ، جُعِلَ فِي مَصَارِفَ عَامَّةٍ لِلْأُمَّةِ وَلِلْجَيْشِ، وَهُنَا أَمْوَالٌ خَاصَّةٌ لَمْ تُمَسَّ وَلَمْ تُلْمَسْ، إِلَّا بِرِضَى نَفْسٍ وَطِيبِ خَاطِرٍ، وَلِذَا كَانُوا يَجُودُونَ وَلَا يَبْخَلُونَ، وَيَعْطُونَ وَلَا يَشُحُّونَ، وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَكَانَ مُجْتَمَعًا مُتَكَافِلًا مُؤْتَلِفًا مُتَعَاطِفًا وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ إِيضَاحٍ لِهَذَا الْمُجْتَمَعِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى مُجْتَمَعِ الْمَدِينَةِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ [٥٩ ٨]، وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْآيَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَلَامٌ مُقْنِعٌ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الْآيَةَ [٤٣ ٣٢]، نَسُوقُ نَصَّهُ لِأَهَمِّيَّتِهِ:
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَسْأَلَةٌ : دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ الْآيَةَ [١٦ ٧١]، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ عَلَى أَنَّ تَفَاوُتَ النَّاسِ فِي الْأَرْزَاقِ وَالْحُظُوظِ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ اللَّهِ السَّمَاوِيَّةِ الْكَوْنِيَّةِ الْقَدَرِيَّةِ، لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ الْبَتَّةَ تَبْدِيلَهَا، وَلَا تَحْوِيلَهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [٣٥ ٤٣] وَبِذَلِكَ تَحَقَّقَ أَنَّ مَا يَتَذَرَّعُ بِهِ الْآنَ الْمَلَاحِدَةُ الْمُنْكِرُونَ لِوُجُودِ اللَّهِ وَلِجَمِيعِ
النُّبُوَّاتِ وَالرَّسَائِلِ السَّمَاوِيَّةِ إِلَى ابْتِزَازِ ثَرَوَاتِ النَّاسِ وَنَزْعِ مِلْكِهِمِ الْخَاصِّ عَنْ أَمْلَاكِهِمْ، بِدَعْوَى الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَعَايِشِهِمْ، أَمْرٌ بَاطِلٌ لَا يُمْكِنُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، مَعَ أَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ ذَلِكَ الَّذِي يَزْعُمُونَ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُونَ اسْتِئْثَارَهُمْ بِأَمْلَاكِ جَمِيعِ النَّاسِ؛ لِيَنْعَمُوا بِهَا وَيَتَصَرَّفُوا فِيهَا كَيْفَ شَاءُوا تَحْتَ سِتَارٍ كَثِيفٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ وَالْغُرُورِ وَالْخِدَاعِ، كَمَا يَتَحَقُّقُهُ كُلُّ عَاقِلٍ مُطَّلِعٍ عَلَى سِيرَتِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ مَعَ الْمُجْتَمَعِ فِي بِلَادِهِمْ.
فَالطُّغْمَةُ الْقَلِيلَةُ الْحَاكِمَةُ وَمَنْ يَنْضَمُّ إِلَيْهَا هُمُ الْمُتَمَتِّعُونَ بِجَمِيعِ خَيْرَاتِ الْبِلَادِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ عَامَّةِ الشَّعْبِ مَحْرُومُونَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، مَظْلُومُونَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى مَا كَسَبُوهُ بِأَيْدِيهِمْ، يُعْلَفُونَ بِبِطَاقَةٍ كَمَا تُعْلَفُ الْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ.
وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنَّهُ يَأْتِي نَاسٌ يَغْتَصِبُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِدَعْوَى أَنَّ هَذَا فَقِيرٌ، وَهَذَا غَنِيٌ، وَقَدْ نَهَى جَلَّ وَعَلَا عَنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى بِتِلْكَ الدَّعْوَى، وَأَوْعَدَ مَنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [٤ ١٣٥]، وَفِي قَوْلِهِ: فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ. انْتَهَى حَرْفِيًّا.
وَالْحَقُّ أَنَّ الْأَرْزَاقَ قِسْمَةُ الْخَلَّاقِ، فَهُوَ أَرْأَفُ بِالْعِبَادِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَيْسَ فِي خَزَائِنِهِ مِنْ نَقْصٍ وَلَكِنَّهَا الْحِكْمَةُ لِمَصْلَحَةِ عِبَادِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «إِنَّ مِنْ عِبَادِي لَمَنْ يَصْلُحُ لَهُ الْفَقْرُ، وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لَفَسَدَ حَالُهُ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي لَمَنْ يَصْلُحُ لَهُ الْغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَفَسَدَ حَالُهُ»، فَهُوَ سُبْحَانُهُ يُعْطِي بِقَدَرٍ، وَلَا يُمْسِكُ عَنْ قَتَرٍ.
وَيَكْفِي فِي هَذَا الْمَقَامِ سِيَاقُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى - عَلَيْهِ فِي أُسْلُوبِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: نَحْنُ قَسَمْنَا [٤٣ ٣٢]، وَهَذَا الضَّمِيرُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لِلتَّعْظِيمِ وَالتَّفْخِيمِ، وَمِثْلُهُ الضَّمِيرُ فِي «قَسَمْنَا»، فَلَا مَجَالَ لِتَدَخُّلِ الْمَخْلُوقِ، وَلَا مَكَانَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ. وَالْقِسْمَةُ إِذَا كَانَتْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تَقْوَى قُوَّةٌ فِي الْأَرْضِ عَلَى إِبْطَالِهَا، ثُمَّ إِنَّ وَاقِعَ الْحَيَاةِ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ بَلْ وَيَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا [٤٣ ٣٢].
وَهَؤُلَاءِ الْمُعْتَدُونَ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، وَيُقِرُّونَ نِظَامَ الطَّبَقَاتِ عُمَّالًا وَغَيْرَ عُمَّالٍ، إِلَخْ، فَلَا دَلِيلَ فِي آيَةِ سُورَةِ «الْحَشْرِ» هُنَا: كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ
وَلَا حَقَّ لَهُمْ فِيمَا فَعَلُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ بِهَذَا الْمَبْدَأِ الْبَاطِلِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمُقَدِّمَةِ: إِنَّ السُّنَةَ كُلَّهَا مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَيْ: أَنَّهَا مُلْزِمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ الْعَمَلَ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، فَيَكُونُ الْأَخْذُ بِالسُّنَّةِ أَخْذًا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [٥٣ ٣ - ٤].
وَقَدْ قَالَ السُّيُوطِيُّ: الْوَحْيُ وَحْيَانِ:
وَحْيٌ أُمِرْنَا بِكِتَابَتِهِ، وَتَعَبَّدْنَا بِتِلَاوَتِهِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ.
وَوَحْيٌ لَمْ نُؤْمَرْ بِكِتَابَتِهِ، وَلَمْ نَتَعَبَّدْ بِتِلَاوَتِهِ وَهُوَ السُّنَّةُ.
وَقَدْ عَمِلَ بِذَلِكَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَخَلَفُهَا، كَمَا جَاءَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ فِي مَجْلِسِهِ بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ: لَعَنَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ قَائِمَةٌ عِنْدَهُ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: لَقَدْ قَرَأْتُهُ مِنْ دَفَّتِهِ إِلَى دَفَّتِهِ، فَلَمْ أَجِدْ هَذَا الَّذِي قُلْتَ، فَقَالَ لَهَا: لَوْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَوَجَدْتِيهِ، أَوْ لَمْ تَقْرَئِي قَوْلَهُ تَعَالَى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَمَنْ لَعَنَهَا رَسُولُ اللَّهِ فَقَدْ لَعَنَهَا اللَّهُ، فَقَالَتْ لَهُ: لَعَلَّ بَعْضَ أَهْلِكِ يَفْعَلُهُ؟ فَقَالَ لَهَا: ادْخُلِي وَانْظُرِي فَدَخَلَتْ بَيْتَهُ، ثُمَّ خَرَجَتْ وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا، فَقَالَ لَهَا: مَا رَأَيْتِ؟ قَالَتْ: خَيْرًا، وَانْصَرَفَتْ.
وَجَاءَ الشَّافِعِيُّ وَقَامَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ: سَلُونِي يَا أَهْلَ مَكَّةَ عَمَّا شِئْتُمْ أُجِبْكُمْ عَنْهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْمُحْرِمِ يَقْتُلُ الزُّنْبُورَ مَاذَا عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ» الْحَدِيثَ، وَحَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ، وَسَاقَ بِسَنَدِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، سُئِلَ: الْمُحْرِمُ يَقْتُلُ الزُّنْبُورَ مَاذَا عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
فَقَدِ اعْتَبَرَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ السُّنَّةَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَالشَّافِعِيُّ اعْتَبَرَ سُنَّةَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْقُرْآنِ، وَاعْتَبَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا جَوَابَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ بِنَاءً عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.
وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ يُخَصِّصُونَ بِهَا عُمُومَ الْكِتَابِ، وَيُقَيِّدُونَ مُطْلَقَهُ.
فَمِنَ الْأَوَّلِ: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، أَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطُّحَالُ» فَخَصَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عُمُومَ قَوْلِهِ تَعَالَى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [٥ ٣]، وَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ: «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا»، وَخُصَّ بِهَا عُمُومُ: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [٤ ٢٤]، وَنَحْوَهُ كَثِيرٌ.
وَمِنَ الثَّانِي: قَطْعُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَ السَّارِقِ مِنَ الْكُوعِ تَقْيِيدًا لِمُطْلَقِ: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [٥ ٣٨]، وَكَذَلِكَ مَسْحُ الْكَفَّيْنِ فِي التَّيَمُّمِ تَقْيِيدًا أَوْ بَيَانًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [٥ ٦]، وَنَحْوَ ذَلِكَ كَثِيرٌ، وَكَذَلِكَ بَيَانُ الْمُجْمَلِ كَبَيَانِ مُجْمَلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [٢ ٤٣]، فَلَمْ يُبَيِّنْ عَدَدَ الرَّكَعَاتِ لِكُلِّ وَقْتٍ، وَلَا كَيْفِيَّةَ الْأَدَاءِ فَصَلَّى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَحَجَّ وَقَالَ لَهُمْ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».
وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السُّنَةَ أَقْوَالٌ، وَأَفْعَالٌ، وَتَقْرِيرٌ، وَقَدْ أَلْزَمَ الْعَمَلَ بِالْأَفْعَالِ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [٣٣ ٢١]، وَالتَّأَسِّي يَشْمَلُ الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ، وَلَكِنَّهُ فِي الْفِعْلِ أَقْوَى، وَالتَّقْرِيرُ مُنْدَرِجٌ فِي الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ تَرْكُ الْإِنْكَارِ عَلَى أَمْرٍ مَا، وَالتَّرْكُ فِعْلٌ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، كَمَا قَالَ صَاحِبُ مَرَاقِي السُّعُودِ:
وَالتَّرْكُ فِعْلٌ فِي صَحِيحِ الْمَذْهَبِ
تَنْبِيهٌ
تَنْقَسِمُ أَفْعَالُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى عِدَّةِ أَقْسَامٍ:
أَوَّلًا: مَا كَانَ يَفْعَلُهُ بِمُقْتَضَى الْجِبِلَّةِ، وَهُوَ مُتَطَلَّبَاتُ الْحَيَاةِ مِنْ أَكْلٍ، وَشُرْبٍ، وَلُبْسٍ، وَنَوْمٍ، فَهَذَا كُلُّهُ يَفْعَلُهُ اسْتِجَابَةً لِمُتَطَلَّبَاتِ الْحَيَاةِ، وَكَانَ يَفْعَلُهُ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَيَفْعَلُهُ كُلُّ إِنْسَانٍ، فَهُوَ عَلَى الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَشْرِيعٌ جَدِيدٌ، وَلَكِنْ صُورَةُ الْفِعْلِ، وَكَيْفِيَّتُهُ كَكَوْنِ الْأَكْلِ وَالشَّرَابِ بِالْيَمِينِ إِلَخْ، وَكَوْنِهِ مِنْ أَمَامِ الْآكِلِ، فَهَذَا هُوَ مَوْضِعُ التَّأَسِّي بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَلِكَ نَوْعُ الْمَأْكُولِ أَوْ تَرْكُهُ مَا لَمْ يَكُنْ لِمَانِعٍ كَعَدَمِ أَكْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلضَّبِّ وَالْبُقُولِ الْمَطْبُوخَةِ، وَقَدْ بَيَّنَ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ، فَالْأَوَّلُ: لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي أَرْضِ قَوْمِهِ فَكَانَ يَعَافُهُ، وَالثَّانِي: لِأَنَّهُ يُنَاجِي مَنْ لَا نُنَاجِي، وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْمَرَاقِي:
مِنْ غَيْرِ لَمْحِ الْوَصْفِ...
ثَانِيًا: مَا كَانَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْجِبِلَّةِ وَالتَّشْرِيعِ كَوُقُوفِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَفَةَ رَاكِبًا عَلَى نَاقَتِهِ، وَنُزُولِهِ بِالْمُحْصِبِ مُنْصَرَفَهُ مِنْ مِنًى، فَالْوُقُوفُ الَّذِي هُوَ رُكْنُ الْحَجِّ يَتِمُّ بِالتَّوَاجُدِ فِي الْمَوْقِفِ بِعَرَفَةَ عَلَى أَيَّةِ حَالَةٍ، فَهَلْ كَانَ وُقُوفُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاكِبًا مِنْ تَمَامِ نُسُكِهِ، أَمْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ دُونَ قَصْدٍ إِلَى النُّسُكِ؟ خِلَافٌ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ، وَلَا يَبْعُدُ مَنْ يَقُولُ: قَدْ يَكُونُ فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا؛ لِيَكُونَ أَبْرَزَ لِشَخْصِهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْجَمْعِ، تَسْهِيلًا عَلَى مَنْ أَرَادَهُ لِسُؤَالٍ أَوْ رُؤْيَةٍ أَوْ حَاجَةٍ، فَيَكُونُ تَشْرِيعًا لِمَنْ يَكُونُ فِي مَنْزِلَتِهِ فِي الْمَسْئُولِيَّةِ.
ثَالِثًا: مَا ثَبَتَتْ خُصُوصِيَّتُهُ بِهِ مِثْلُ جَوَازِ جَمْعِهِ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ بِالنِّكَاحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ [٣٣ ٥٠]، وَكُنَّ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، وَنِكَاحِ الْوَاهِبَةِ نَفْسَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [٣٣ ٥٠] فَهَذَا لَا شَرِكَةَ لِأَحَدٍ مَعَهُ فِيهِ.
رَابِعًا: مَا كَانَ بَيَانًا لِنَصٍّ قُرْآنِي، كَقَطْعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَ السَّارِقِ مِنَ الْكُوعِ بَيَانًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [٥ ٣٨]، وَكَأَعْمَالِ الْحَجِّ وَالصَّلَاةِ، فَهُمَا بَيَانٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [٢ ٤٣]، وَقَوْلِهِ: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [٣ ٩٧]، وَلِذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وَقَالَ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، فَهَذَا الْقِسْمُ حُكْمُهُ لِلْأُمَّةِ، حُكْمُ الْمُبَيَّنُ بِالْفَتْحِ، فَفِي الْوُجُوبِ وَاجِبٌ، وَفِي غَيْرِهِ بِحَسْبِهِ.
خَامِسًا: مَا فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا لِجِبِلَّةٍ وَلَا لِبَيَانٍ، وَلَمْ تَثْبُتْ خُصُوصِيَّتُهُ لَهُ، فَهَذَا عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْلَمَ حُكْمَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وُجُوبٍ، أَوْ نَدْبٍ، أَوْ إِبَاحَةٍ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ لِلْأُمَّةِ كَذَلِكَ كَصَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكَعْبَةِ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهَا فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَائِزَةٌ، فَهِيَ لِلْأُمَّةِ عَلَى الْجَوَازِ. ثَانِيهُمَا: أَلَّا يُعْلَمَ حُكْمُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي هَذَا الْقِسْمِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:
أَوَّلُهَا: الْوُجُوبُ عَمَلًا بِالْأَحْوَطِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
ثَانِيهَا: النَّدْبُ لِرُجْحَانِ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا.
ثَالِثُهَا: الْإِبَاحَةُ؛ لِأَنَّهَا الْمُتَيَقَّنُ، وَلَكِنَّ هَذَا فِيمَا لَا قُرْبَةَ فِيهِ، إِذِ الْقُرَبُ لَا تُوصَفُ بِالْإِبَاحَةِ.
رَابِعُهَا: التَّوَقُّفُ لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَهَذَا أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ؛ لِأَنَّ التَّوَقُّفَ لَيْسَ فِيهِ تَأَسٍّ.
فَتَحْصُلُ لَنَا مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّ الصَّحِيحَ الْفِعْلُ تَأَسِّيًا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا، وَمَثَّلُوا لِهَذَا الْفِعْلِ بِخَلْعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعْلَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَخَلَعَ الصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا انْتَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَهُمْ عَنْ خَلْعِهِمْ نِعَالِهِمْ قَالُوا: رَأَيْنَاكَ فَعَلْتَ فَفَعَلْنَا، فَقَالَ لَهُمْ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ وَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِي نَعْلِي أَذًى فَخَلَعْتُهَا»، فَإِنَّهُ أَقَرَّهُمْ عَلَى خَلْعِهِمْ تَأَسِّيًا بِهِ، وَلَمْ يَعِبْ عَلَيْهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا الْحُكْمَ قَبْلَ إِخْبَارِهِ إِيَّاهُمْ، وَقَدْ جَاءَ هُنَا مَا تَقُولُونَ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي دَفْعِ الْإِيهَامِ فِي سُورَةِ «الْأَنْفَالِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [٨ ٢٤]، مَا نَصُّهُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ بِظَاهِرِهَا عَلَى أَنَّ الِاسْتِجَابَةَ لِلرَّسُولِ الَّتِي هِيَ طَاعَتُهُ لَا تَجِبُ إِلَّا إِذَا دَعَانَا لِمَا يُحْيِينَا، وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ.
وَقَدْ جَاءَ فِي آيَاتٍ أُخَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ، كَقَوْلِهِ: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [٥٩ ٧].
وَقَوْلِهِ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ الْآيَةَ [٣ ٣١]، وَمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [٤ ٨٠].
وَالظَّاهِرُ: أَنَّ وَجْهَ الْجَمْعِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ: أَنَّ آيَاتِ الْإِطْلَاقِ مُبَيِّنَةٌ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَدْعُونَا إِلَّا لِمَا يُحْيِينَا مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَالشَّرْطُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: إِذَا دَعَاكُمْ، مُتَوَفِّرٌ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَكَانِ عِصْمَتِهِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [٥٣ ٣ - ٤].
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ آيَةَ: إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ، مُبَيِّنَةٌ أَنَّهُ لَا طَاعَةَ إِلَّا لِمَنْ يَدْعُو إِلَى مَا يُرْضِي اللَّهَ، وَأَنَّ الْآيَاتِ الْأُخَرَ بَيَّنَتْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَدْعُو أَبَدًا إِلَّا إِلَى ذَلِكَ، صَلَوَاتُ
اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ كَذَلِكَ حَقِيقَةَ وَمُنْتَهَى مَا جَاءَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ: «مَا تَرَكْتُ خَيْرًا يُقَرِّبُكُمْ إِلَى اللَّهِ إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ وَأَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَمَا تَرَكْتُ شَرًّا يُبَاعِدُكُمْ عَنِ اللَّهِ إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ، وَحَذَّرْتُكُمْ مِنْهُ وَنَهَيْتُكُمْ عَنْهُ».
تَنْبِيهٌ
الْوَاقِعُ أَنَّ الْعَمَلَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ هُوَ مِنْ لَوَازِمِ نُطْقِ الْمُسْلِمِ بِالشَّهَادَتَيْنِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اعْتِرَافٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْأُلُوهِيَّةِ وَبِمُسْتَلْزَمَاتِهَا، وَمِنْهَا إِرْسَالُ الرُّسُلِ إِلَى خَلْقِهِ، وَإِنْزَالُ كُتُبِهِ وَقَوْلَهُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، اعْتِرَافٌ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ اللَّهِ لِخَلْقِهِ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخْذَ بِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ هَذَا الرَّسُولُ الْكَرِيمُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ إِلَّا بِمَا جَاءَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَا يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ بِمَا نَهَاهُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَهِيَ بِحَقٍّ مُسْتَلْزِمٌ لِلنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [٤ ٥٩] فَرَبَطَ مَرَدَّ الْخِلَافِ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي «سُورَةُ النِّسَاءِ» :أَمَرَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَنَازَعَ فِيهِ النَّاسُ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ، أَنْ يُرَدَّ التَّنَازُعُ فِي ذَلِكَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [٤ ٨٠] انْتَهَى.
فَاتَّضَحَ بِهَذَا كُلِّهِ أَنَّ مَا أَتَانَا بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْقُرْآنِ فِي التَّشْرِيعِ، وَأَنَّ السُّنَّةَ تَسْتَقِلُّ بِالتَّشْرِيعِ كَمَا جَاءَتْ بِتَحْرِيمِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ. وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ وَنَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَبِتَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا، أَوْ هِيَ مَعَ ابْنَةِ أَخِيهَا أَوِ ابْنَةِ أُخْتِهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَةِ أَهْلِهِ يَقُولُ: مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ أَخَذْنَاهُ، وَمَا لَمْ نَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَرَكْنَاهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ».
وَالنَّصُّ هُنَا عَامٌّ فِي الْأَخْذِ بِكُلِّ مَا أَتَانَا بِهِ، وَتَرْكِ مَا نَهَانَا عَنْهُ، وَقَدْ جَاءَ تَخْصِيصُ هَذَا
الْعُمُومِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [٢ ٢٨٦]، وَقَوْلِهِ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [٢٤ ٦١]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [٢ ٢٨٦].
وَجَاءَ الْحَدِيثُ فَفَرَّقَ بَيْنَ عُمُومِ النَّهْيِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا»، وَقَدْ جَاءَ هَذَا التَّذْيِيلُ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [٥ ٢]، إِيذَانًا بِأَنَّ هَذَا التَّكْلِيفَ لَا هَوَادَةَ فِيهِ، وَأَنَّهُ مُلْزِمٌ لِلْأُمَّةِ سِرًّا وَعَلَنًا، وَأَنَّ مَنْ خَالَفَ شَيْئًا مِنْهُ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ هَذَا الْإِنْذَارُ الشَّدِيدُ؛ لِأَنَّ مَعْصِيَتَهُ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ، وَطَاعَتَهُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ.
فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَصْفٌ شَامِلٌ لِلْمُهَاجِرِينَ فِي دَوَافِعِ الْهِجْرَةِ، أَنَّهُمْ: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، وَغَايَتُهَا، وَهِيَ: وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَالْحُكْمُ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ: أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ.
وَمَنْطُوقُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْمُهَاجِرِينَ، مَعَ أَنَّهُ جَاءَتْ نُصُوصٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى مُشَارَكَةِ الْأَنْصَارِ لَهُمْ فِيهِ، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [٨ ٧٢]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَهَا: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [٨ ٧٤].
فَذَكَرَ الْمُهَاجِرِينَ بِالْجِهَادِ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ، وَذَكَرَ مَعَهُمُ الْأَنْصَارَ بِالْإِيوَاءِ وَالنَّصْرِ، وَوَصَفَ الْفَرِيقَيْنِ مَعًا بِوَلَايَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَأَثْبَتَ لَهُمْ مَعًا حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، أَيْ: الصَّادِقُونَ فِي إِيمَانِهِمْ، فَاسْتَوَى الْأَنْصَارُ مَعَ الْمُهَاجِرِينَ فِي عَامِلِ النُّصْرَةِ وَفِي صِدْقِ الْإِيمَانِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ
[٥٩ ٩]، وَصْفٌ شَامِلٌ لِلْأَنْصَارِ، (تَبَوَّءُوا الدَّارَ) أَيْ: الْمَدِينَةَ، (وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أَيْ: بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ مِنْ قَبْلِ مَجِيءِ الْمُهَاجِرِينَ، بَلْ وَمِنْ قَبْلِ إِيمَانِ بَعْضِ الْمُهَاجِرِينَ، (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) وَيَسْتَقْبِلُونَهُ بِصُدُورٍ رَحْبَةٍ، (وَيُؤْثِرُونَ) غَيْرَهُمْ (عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)، لِأَنَّهُمْ هَاجَرُوا إِلَيْهِمْ.
وَظَاهِرُ النُّصُوصِ تَدُلُّ بِمَفْهُومِهَا أَنَّ غَيْرَهُمْ لَمْ يُشَارِكْهُمْ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَلَكِنْ فِي الْآيَةِ الْأُولَى مَا يَدُلُّ لِمُشَارَكَةِ الْمُهَاجِرِينَ الْأَنْصَارَ فِي هَذَا الْوَصْفِ الْكَرِيمِ، وَهُوَ الْإِيثَارُ عَلَى النَّفْسِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِيثَارِ عَلَى النَّفْسِ هُوَ بَذْلُ الْمَالِ لِلْغَيْرِ عِنْدَ حَاجَتِهِ مُقَدِّمًا غَيْرَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى بِالذَّاتِ سَبَقَ أَنْ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَنْفُسِهِمِ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ [٥٩ ٨]، فَكَانَتْ لَهُمْ دِيَارٌ، وَكَانَتْ عِنْدَهُمْ أَمْوَالٌ وَأُخْرِجُوا مِنْهَا كُلِّهَا، فَلَئِنْ كَانَ الْأَنْصَارُ وَاسَوْا إِخْوَانَهُمُ الْمُهَاجِرِينَ بِبَعْضِ أَمْوَالِهِمْ، وَقَاسَمُوهُمْ مُمْتَلَكَاتِهِمْ، فَإِنَّ الْمُهَاجِرِينَ لَمْ يَنْزِلُوا عَنْ بَعْضِ أَمْوَالِهِمْ فَحَسْبُ، بَلْ تَرَكُوهَا كُلَّهَا: أَمْوَالَهُمْ، وَدِيَارَهُمْ، وَأَوْلَادَهُمْ، وَأَهْلَهُمْ، فَصَارُوا فُقَرَاءَ بَعْدَ إِخْرَاجِهِمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَمَنْ يَخْرُجُ مِنْ كُلِّ مَالِهِ وَدِيَارِهِ، وَيَتْرُكُ أَهْلَهُ وَأَوْلَادَهُ لَا يَكُونُ أَقَلَّ تَضْحِيَةً مِمَّنْ آثَرَ غَيْرَهُ بِبَعْضِ مَالِهِ، وَهُوَ مُسْتَقِرٌّ فِي أَهْلِهِ وَدِيَارِهِ، فَكَأَنَّ اللَّهَ عَوَّضَهُمْ بِهَذَا الْفَيْءِ عَمَّا فَاتَ عَنْهُمْ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْأَنْصَارِ مَا يُشْعِرُ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ تَرَكُوا الْأَمْوَالَ وَالْأَوْلَادَ وَخَرَجُوا إِلَيْكُمْ» فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمْوَالُنَا بَيْنَنَا قَطَائِعُ الْحَدِيثَ.
أَيْ أَنَّ الْأَنْصَارَ عَرَفُوا ذَلِكَ لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِ أَيْضًا، فَقَدِ اسْتَوَى الْمُهَاجِرُونَ مَعَ الْأَنْصَارِ فِي هَذَا الْوَصْفِ الْمِثَالِيِّ الْكَرِيمِ، وَكَانَ خُلُقًا لِكَثِيرِينَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ تَصَدَّقَ بِكُلِّ مَالِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ فَقَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَكَذَلِكَ عَائِشَةُ الصِّدِّيقَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - حِينَمَا كَانَتْ صَائِمَةً، وَلَيْسَ عِنْدَهَا سِوَى قُرْصٍ مِنَ الشَّعِيرِ وَجَاءَ سَائِلٌ فَقَالَتْ لِبَرِيرَةَ: ادْفَعِي إِلَيْهِ مَا عِنْدَكِ، فَقَالَتْ لَهَا: لَيْسَ إِلَّا مَا سَتُفْطِرِينَ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ لَهَا: ادْفَعِيهِ إِلَيْهِ، وَلَعَلَّهَا أَحْوَجُ إِلَيْهِ الْآنَ، أَوْ كَمَا قَالَتْ.
وَلَمَّا جَاءَ الْمَغْرِبُ أُهْدِيَ إِلَيْهِمْ رِجْلُ شَاةٍ بِقِرَامِهَا - وَقِرَامُهَا هُوَ مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُهُ
إِذَا أَرَادُوا شِوَاءَ شَاةٍ طَلَوْهَا مِنَ الْخَارِجِ بِالْعَجِينِ حِفْظًا لَهَا مِنْ رَمَادِ الْجَمْرِ - فَقَالَتْ لِبَرِيرَةَ: كُلِي، هَذَا خَيْرٌ مِنْ قُرْصِكِ.
وَكَمَا فَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَصَدَّقَ بِالْعِيرِ وَمَا تَحْمِلُهُ مِنْ تِجَارَةٍ حِينَ قَدِمَتْ، وَالرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَخَرَجَ النَّاسُ إِلَيْهَا.
فَعَلَى هَذَا كَانَ مُجْتَمَعُ الْمَدِينَةِ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُجْتَمَعًا مُتَكَافِلًا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَقَدْ نَوَّهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قِصَّةِ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ بِفَضْلِ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ».
وَمِنْ بَعْدِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ وَيَحْفَظَ لَهُمْ كَرَامَتَهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالْأَنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ، مِنْ قَبْلُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَأَنْ يَعْفُوَ عَنْ مُسِيئِهِمْ.
ثُمَّ كَانَ هَذَا خُلُقَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ جَمِيعًا، كَمَا وَقَعَ فِي وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ، قَالَ حُذَيْفَةُ الْعَدَوِيِّ: انْطَلَقْتُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ أَطْلُبُ ابْنَ عَمٍّ لِي، وَمَعِي شَيْءٌ مِنَ الْمَاءِ وَأَنَا أَقُولُ: إِنْ كَانَ بِهِ رَمَقٌ سَقَيْتُهُ، فَإِذَا أَنَا بِهِ فَقُلْتُ لَهُ: أَسْقِيكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يَقُولُ: آهٍ آهٍ، فَأَشَارَ إِلَيَّ ابْنُ عَمِّي أَنِ انْطَلِقْ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِ، فَقُلْتُ أَسْقِيكَ؟ فَأَشَارَ أَنْ نَعَمْ، فَسَمِعَ آخَرَ يَقُولُ آهٍ آهٍ، فَأَشَارَ هِشَامُ أَنِ انْطَلِقْ إِلَيْهِ فَجِئْتُهُ، فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ، فَرَجَعْتُ إِلَى هِشَامٍ، فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ، فَرَجَعْتُ إِلَى ابْنِ عَمِّي فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ.
وَكَانَ مَنْهَجُ الْخَوَاصِّ مِنْ بَعْدِهِمْ، كَمَا نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ أَبِي يَزِيدِ الْبِسْطَامِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا غَلَبَنِي أَحَدٌ مَا غَلَبَنِي شَابٌّ مِنْ أَهْلِ بَلْخٍ، قَدِمَ عَلَيْنَا حَاجًّا فَقَالَ لِي: مَا حَدُّ الزُّهْدِ عِنْدَكُمْ؟ فَقُلْتُ: إِنْ وَجَدْنَا أَكَلْنَا، وَإِنْ فَقَدْنَا صَبَرْنَا، فَقَالَ: هَكَذَا كِلَابُ بَلْخٍ عِنْدَنَا، فَقُلْتُ: وَمَا حَدُّ الزُّهْدِ عِنْدَكُمْ؟ قَالَ: إِنْ فَقَدْنَا شَكَرْنَا وَإِنْ وَجَدْنَا آثَرْنَا.
وَفِي قَوْلِهِ: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، الْإِيثَارُ عَلَى النَّفْسِ: تَقْدِيمُ الْغَيْرِ عَلَيْهَا مَعَ الْحَاجَةِ، وَالْخَصَاصَةُ: الَّتِي تَخْتَلُّ بِهَا الْحَالُ، وَأَصْلُهَا مِنَ الِاخْتِصَاصِ، وَهُوَ الِانْفِرَادُ فِي الْأَمْرِ، فَالْخَصَاصَةُ الِانْفِرَادُ بِالْحَاجَةِ أَيْ: وَلَوْ كَانَ بِهِمْ فَاقَةٌ وَحَاجَةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَفِعْلُهُ الْمَرْكُوزُ فِي الْجِبِلَّةِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَلَيْسَ مُلْهٍ
وَهَلْ يَصِحُّ الْإِيثَارُ مِنْ كُلِّ إِنْسَانٍ، وَلَوْ كَانَ ذَا عِيَالٍ أَوْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ غَيْرِهِ أَمْ لَا؟ وَمَا عَلَاقَتُهُ مَعَ قَوْلِهِ: وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [٢ ٢١٩] ؟.
وَالْجَوَابُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [٢ ٣]، فِي أَوَّلِ سُورَةِ «الْبَقَرَةِ».
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ عَبَّرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِمَنِ التَّبْعِيضِيةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ يُنْفِقُ لِوَجْهِ اللَّهِ بَعْضَ مَا لَهُ كُلِّهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنَا الْقَدْرَ الَّذِي يَنْبَغِي إِنْفَاقُهُ، وَالَّذِي يَنْبَغِي إِمْسَاكُهُ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَنْبَغِي إِنْفَاقُهُ هُوَ الزَّائِدُ عَلَى الْحَاجَةِ، وَسَدِّ الْخَلَّةِ الَّتِي لَابُدَّ مِنْهَا، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ، وَالْمُرَادُ بِالْعَفْوِ الزَّائِدُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ الَّتِي لَابُدَّ مِنْهَا عَلَى أَصَحِّ التَّفْسِيرَاتِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى عَفَوْا [٧ ٩٥] أَيْ: كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْعَفْوُ نَقِيضُ الْجُهْدِ، وَهُوَ أَنْ يُنْفِقَ مَا لَا يَبْلُغُ إِنْفَاقُهُ مِنْهُ الْجُهْدَ وَاسْتِفْرَاغَ الْوُسْعِ.
وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَمَّا الرَّبِيعُ إِذَا تَكُونُ خَصَاصَةٌ عَاشَ السَّقِيمُ بِهِ وَأَثْرَى الْمُقْتِرَ
خُذِي الْعَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي وَلَا تَنْطِقِي فِي سَوْرَتِي حِينَ أَغْضَبُ
وَهَذَا الْقَوْلُ رَاجِعٌ إِلَى مَا ذَكَرْنَا، وَبَقِيَّةُ الْأَقْوَالِ ضَعِيفَةٌ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [١٧ ٢٩]، فَنَهَاهُ عَنِ الْبُخْلِ بِقَوْلِهِ: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ، وَنَهَاهُ عَنِ الْإِسْرَافِ بِقَوْلِهِ: وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ، فَيَتَعَيَّنُ الْوَسَطُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [٢٥ ٦٧].
فَيَجِبُ عَلَى الْمُنْفِقِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْجُودِ وَالتَّبْذِيرِ، وَبَيْنَ الْبُخْلِ وَالْإِقْتَارِ، فَالْجُودُ غَيْرُ التَّبْذِيرِ، وَالِاقْتِصَادُ غَيْرُ الْبُخْلِ فَالْمَنْعُ فِي مَحَلِّ الْإِعْطَاءِ مَذْمُومٌ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ، وَالْإِعْطَاءُ فِي مَحَلِّ الْمَنْعِ مَذْمُومٌ أَيْضًا، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ
وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
لَا تَمْدَحَنَّ ابْنَ عِبَادٍ وَإِنْ هَطَلَتْ يَدَاهُ كَالْمُزْنِ حَتَّى تَخْجَلَ الدِّيَمَا
فَإِنَّهَا خَطَرَاتٌ مِنْ وَسَاوِسِهِ يُعْطِي وَيَمْنَعُ لَا بُخْلًا وَلَا كَرَمًا
وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى أَنَّ الْإِنْفَاقَ الْمَحْمُودَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَ مَصْرِفُهُ الَّذِي صُرِفَ فِيهِ مِمَّا يُرْضِي اللَّهَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ١ الْآيَةَ [٢ ٢١٥]، وَصَرَّحَ فِي أَنَّ الْإِنْفَاقَ فِيمَا لَا يُرْضِي اللَّهَ حَسْرَةٌ عَلَى صَاحِبِهِ فِي قَوْلِهِ: فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً الْآيَةَ [٨ ٣٦].
وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
إِنَّ الصَّنِيعَةَ لَا تَكُونُ صَنِيعَةً حَتَّى يُصَابَ بِهَا طَرِيقُ الْمَصْنَعِ
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الَّذِي قَرَّرْتُمْ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِنْفَاقَ الْمَحْمُودَ هُوَ إِنْفَاقُ مَا زَادَ عَنِ الْحَاجَةِ الضَّرُورِيَّةِ، مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْنَى عَلَى قَوْمٍ بِالْإِنْفَاقِ وَهُمْ فِي حَاجَةٍ إِلَى مَا أَنْفَقُوا، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [٥٩ ٩].
فَالظَّاهِرُ فِي الْجَوَابِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ: هُوَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالًا، فَفِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ يَكُونُ الْإِيثَارُ مَمْنُوعًا، وَذَلِكَ كَمَا إِذَا كَانَتْ عَلَى الْمُنْفِقِ نَفَقَاتٌ وَاجِبَةٌ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ وَنَحْوِهَا فَتَبَرَّعَ بِالْإِنْفَاقِ فِي غَيْرِ وَاجِبٍ، وَتَرَكَ الْفَرْضَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ»، وَكَأَنْ يَكُونَ لَا صَبْرَ عِنْدَهُ عَنْ سُؤَالِ النَّاسِ فَيُنْفِقُ مَالَهُ، وَيَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ يَسْأَلُهُمْ مَالَهُمْ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ؟ وَالْإِيثَارُ فِيمَا إِذَا كَانَ لَمْ يُضَيِّعْ نَفَقَةً وَاجِبَةً، وَكَانَ وَاثِقًا مِنْ نَفْسِهِ بِالصَّبْرِ، وَالتَّعَفُّفِ، وَعَدَمِ السُّؤَالِ.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ يَعْنِي بِهِ الزَّكَاةَ، فَالْأَمْرُ وَاضِحٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. انْتَهَى مِنْهُ.
وَالْوَاقِعُ أَنَّ لِلْإِنْفَاقِ فِي الْقُرْآنِ مَرَاتِبَ ثَلَاثَةً:
الْأُولَى: الْإِنْفَاقُ مِنْ بَعْضِ الْمَالِ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ.
الثَّانِيَةُ: الْإِنْفَاقُ مِمَّا يُحِبُّهُ الْإِنْسَانُ وَيَحْرِصُ عَلَيْهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ [٢ ١٧٧]، وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقَوْلِهِ: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا الْآيَةَ [٧٦ ٨].
الثَّالِثَةُ: الْإِنْفَاقُ مَعَ الْإِيثَارِ عَلَى النَّفْسِ كَهَذِهِ الْآيَةِ: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ فَهِيَ أَخَصُّ مِنَ الْخَاصِّ الْأَوَّلِ.
وَتُعْتَبَرُ الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى هِيَ الْحَدُّ الْأَدْنَى فِي الْوَاجِبِ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهَا الزَّكَاةُ، وَهِيَ تَشْمَلُ النَّافِلَةَ، وَتَصْدُقُ عَلَى أَدْنَى شَيْءٍ وَلَوْ شِقِّ تَمْرَةٍ، وَتَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [٩٩ ٧]، وَتُعْتَبَرُ الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ هِيَ الْحَدُّ الْأَقْصَى؛ لِأَنَّهَا إِيثَارٌ لِلْغَيْرِ عَلَى خَاصَّةِ النَّفْسِ، وَالْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ الْوُسْطَى بَيْنَهُمَا، وَهِيَ الْحَدُّ الْوَسَطُ بَيْنَ الِاكْتِفَاءِ بِأَقَلِّ الْوَاجِبِ، وَبَيْنَ الْإِيثَارِ عَلَى النَّفْسِ وَهِيَ مِيزَانُ التَّوَسُّطِ لِعَامَّةِ النَّاسِ، كَمَا بَيَّنَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [١٧ ٢٩]، وَكَمَا امْتَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْمًا بِالِاعْتِدَالِ فِي قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [٢٥ ٦٧].
وَهَذَا هُوَ عَيْنُ تَطْبِيقِ قَاعِدَةِ الْفَلْسَفَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ الْقَائِلَةِ: الْفَضِيلَةُ وَسَطٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ أَيْ: طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، فَالشَّجَاعَةُ مَثَلًا وَسَطٌ بَيْنَ التَّهَوُّرِ وَالْجُبْنِ، وَالْكَرَمُ وَسَطٌ بَيْنَ التَّبْذِيرِ وَالتَّقْتِيرِ.
وَلِلْإِنْفَاقِ جَوَانِبُ مُتَعَدِّدَةٌ، وَأَحْكَامٌ مُتَفَاوِتَةٌ، قَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - جَانِبًا مِنَ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ بَيَّنَ الْقُرْآنُ الْجَوَانِبَ الْأُخْرَى، وَتَنْحَصِرُ فِي الْآتِي: نَوْعِ مَا يَقَعُ مِنْهُ الْإِنْفَاقُ، الْجِهَةِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهَا، مَوْقِفِ الْمُنْفِقِ، وَصُورَةِ الْإِنْفَاقِ.
أَمَّا مَا يَقَعُ مِنْهُ الْإِنْفَاقُ: قَدْ بَيَّنَهُ تَعَالَى أَوَّلًا مِنْ كَسْبٍ حَلَالٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [٢ ٢٦٧].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [٣ ٩٢].
أَمَّا الْجِهَةُ الْمُنْفَقِ عَلَيْهَا: فَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
[٢ ٢١٥] فَبَدَأَ بِالْوَالِدَيْنِ بِرًّا لَهُمَا، وَثَنَّى بِالْأَقْرَبِينَ.
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْقَرِيبِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ، وَعَلَى الْبَعِيدِ صَدَقَةٌ» ثُمَّ الْيَتَامَى وَهَذَا وَاجِبٌ إِنْسَانِيٌّ وَتَكَافُلٌ اجْتِمَاعِيٌّ، لِأَنَّ يَتِيمَ الْيَوْمِ مُنْفِقُ الْغَدِ، وَوَلَدَ الْأَبَوَيْنِ الْيَوْمَ قَدْ يَكُونُ يَتِيمًا غَدًا، أَيْ: أَنَّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَى الْيَتِيمِ الْيَوْمَ قَدْ يَتْرُكُ أَيْتَامًا، فَيُحْسِنُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الْيَتِيمُ الَّذِي أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ بِالْأَمْسِ، «وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ» أُمُورٌ عَامَّةٌ.
وَجَاءَ بِالْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي يُحَاسِبُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا وَيُجَازِي صَاحِبَهَا وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ أَيْ: مُطْلَقًا فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [٢ ٢١٥]، وَكَفَى فِي ذَلِكَ عِلْمُهُ تَعَالَى.
أَمَّا مَوْقِفُ الْمُنْفِقِ وَصُورَةُ الْإِنْفَاقِ: فَإِنَّ هَذَا هُوَ سِرُّ النَّفَقَةِ فِي الْإِسْلَامِ، وَفَلْسَفَةُ الْإِنْفَاقِ كُلُّهَا تَظْهَرُ فِي هَذَا الْجَانِبِ، مِمَّا تَمَيَّزَ بِهِ الْإِسْلَامُ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ الْأَدْيَانِ أَوِ النُّظُمِ.
لِأَنَّهُ يُرَكِّزُ عَلَى الْحِفَاظِ عَلَى شُعُورِ وَإِحْسَاسِ الْمِسْكِينِ، بِحَيْثُ لَا يُشْعِرُهُ بِجُرْحِ الْمَسْكَنَةِ، وَلَا ذِلَّةِ الْفَاقَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [٢ ٢٦٢].
ثُمَّ فَاضَلَ بَيْنَ الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَالصَّدَقَةِ الْمُؤْذِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [٢ ٢٦٣] يُعْطِي وَلَا يَمُنُّ بِالْعَطَاءِ.
وَأَفْهَمَ الْمُنْفِقِينَ أَنَّ الْمَنَّ وَالْأَذَى يُبْطِلُ الصَّدَقَةَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى [٢ ٢٦٤] لِمَا فِيهِ مِنْ جَرْحِ شُعُورِ الْمِسْكِينِ.
وَقَدْ حَثَّ عَلَى إِخْفَائِهَا إِمْعَانًا فِي الْحِفَاظِ عَلَى شُعُورِهِ وَإِحْسَاسِهِ: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ أَيْ: مَعَ الْآدَابِ السَّابِقَةِ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [٢ ٢٧١] أَيْ: لَكُمْ أَنْتُمْ فِي حِفْظِ ثَوَابِهَا.
وَقَدْ جَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ «رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا أَنْفَقَتْ يَمِينُهُ»، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [٢ ٢٧٤].
وَمِنْ خَصَائِصِ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ كَمَا أَدَّبَ الْأَغْنِيَاءَ فِي طَرِيقَةِ الْإِنْفَاقِ فَقَدْ أَدَّبَ الْفُقَرَاءَ فِي طَرِيقَةِ الْأَخْذِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [٢ ٢٧٣].
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.
فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ حَثَّ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَاقْتَرَنَتْ بِالْحَثِّ عَلَى النَّظَرِ وَالتَّأَمُّلِ فِيمَا قَدَّمَتْ كُلُّ نَفْسٍ لِغَدٍ، وَتَكَرَّرَ الْأَمْرُ فِيهَا بِتَقْوَى اللَّهِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الِاهْتِمَامِ وَالْعِنَايَةِ بِتَقْوَى اللَّهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، سَوَاءٌ كَانَ التَّكْرَارُ لِلتَّأْكِيدِ أَمْ كَانَ لِلتَّأْسِيسِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
أَمَّا الِاهْتِمَامُ بِالْحَثِّ عَلَى التَّقْوَى، فَقَدْ دَلَّتْ لَهُ عِدَّةُ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ الْغَايَةَ مِنْ رِسَالَةِ الْإِسْلَامِ كُلِّهَا، بَلْ وَمِنْ جَمِيعِ الْأَدْيَانِ هُوَ تَحْصِيلُ التَّقْوَى لَمَا كَانَ بَعِيدًا، وَذَلِكَ لِلْآتِي:
أَوَّلًا: قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [٢ ٢١]، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ تَعَالَى مَا خَلَقَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِعِبَادَتِهِ، فَتَكُونُ التَّقْوَى بِمَضْمُونِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ هِيَ الْغَايَةُ مِنْ خَلْقِ الثَّقَلَيْنِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَقَدْ جَاءَ النَّصُّ مُفَصَّلًا فِي حَقِّ كُلِّ أُمَّةٍ عَلَى حِدَةٍ، مِنْهَا فِي قَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ تَعَالَى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [٢٦ ١٠٥ - ١٠٨]، وَفِي قَوْمِ عَادٍ قَالَ تَعَالَى: كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [٢٦ ١٢٣ - ١٢٦]، وَفِي قَوْمِ لُوطٍ: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [٢٦ ١٦٠ - ١٦٣]، وَفِي قَوْمِ شُعَيْبٍ قَوْلُهُ تَعَالَى: كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
[٢٦ ١٧٦ - ١٧٩].
فَكُلُّ نَبِيٍّ يَدْعُو قَوْمَهُ إِلَى التَّقْوَى كَمَا قَدَّمْنَا، ثُمَّ جَاءَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ دَعْوَةً إِلَى التَّقْوَى وَهِدَايَةً لِلْمُتَّقِينَ، كَمَا فِي مَطْلَعِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [٢ ١ - ٢] وَبَيَّنَ نَوْعَ هَذِهِ الْهِدَايَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِمَعْنَى التَّقْوَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [٢ ٣ - ٥].
وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - مَعْنَى التَّقْوَى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى [٢ ١٨٩].
قَالَ: لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا مَنِ الْمُتَّقِي، وَقَدْ بَيَّنَهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [٢ ١٧٧].
وَقَدْ بَيَّنَتْ آيَاتٌ عَدِيدَةٌ آثَارَ التَّقْوَى فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ.
مِنْهَا فِي الْعَاجِلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [٦٥ ٤]، وَقَوْلُهُ: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [٦٥ ٢ - ٣]، وَقَوْلُهُ: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [٢ ٢٨٢]، وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [١٦ ١٢٨].
أَمَّا فِي الْآجِلِ وَفِي الْآخِرَةِ، فَإِنَّهَا تَصْحَبُ صَاحِبَهَا ابْتِدَاءً إِلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [٣٩ ٧٣]، فَإِذَا مَا دَخَلُوهَا آخَتْ بَيْنَهُمْ وَجَدَّدَتْ رَوَابِطَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَآنَسَتْهُمْ مِنْ كُلِّ خَوْفٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ
إِلَى قَوْلِهِ: لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ [٤٣ ٦٧ - ٧٣] إِلَى أَنْ تَنْتَهِيَ بِهِمْ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَتُحِلَّهُمْ مَقْعَدَ صِدْقٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [٥٤ ٥٤ - ٥٥].
فَتَبَيَّنَ بِهَذَا كُلِّهِ مَنْزِلَةُ التَّقْوَى مِنَ التَّشْرِيعِ الْإِسْلَامِيِّ وَفِي كُلِّ شَرِيعَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، وَأَنَّهَا هُنَا فِي مَعْرِضِ الْحَثِّ عَلَيْهَا وَتَكْرَارِهَا، وَقَدْ جَعَلَهَا الشَّاعِرُ السَّعَادَةَ كُلَّ السَّعَادَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ، وَهُوَ لِجَرِيرٍ:
وَلَسْتُ أَرَى السَّعَادَةَ جَمْعَ مَالٍ وَلَكِنَّ التَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ
فَتَقْوَى اللَّهِ خَيْرُ الزَّادِ ذُخْرًا وَعِنْدَ اللَّهِ لِلْأَتْقَى مَزِيدُ
وَالتَّقْوَى دَائِمًا هِيَ الدَّافِعُ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، الرَّادِعُ عَنْ كُلِّ شَرٍّ، رَوَى ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مَجِيءِ قَوْمٍ مِنْ مُضَرَ، مُجْتَابَيِ الثِّمَارِ وَالْعَبَاءَةِ، حُفَاةٍ عُرَاةٍ مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، فَيَتَمَعَّرُ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا يُنَادِي لِلصَّلَاةِ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ وَقَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ [٤ ١] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَقَرَأَ الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ " الْحَشْرِ ": يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ الْآيَةَ [٥٩ ١٨] تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ مِنْ دِرْهَمِهِ مِنْ ثَوْبِهِ مِنْ صَاعِ بُرِّهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ حَتَّى قَالَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا بَلْ قَدْ عَجَزَتْ قَالَ ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ " الْحَدِيثَ. فَكَانَتِ التَّقْوَى دَافِعًا عَلَى سَنِّ سُنَّةٍ حَسَنَةٍ تَهَلَّلَ لَهَا وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
كَمَا أَنَّهَا تَحُولُ دُونَ الشَّرِّ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا [٢ ٢٨٢]، وَقَوْلُهُ: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ [٢ ٢٨٣]، فَإِنَّ التَّقْوَى مَانِعَةٌ مِنْ بَخْسِ الْحَقِّ وَمِنْ ضَيَاعِ الْأَمَانَةِ، وَكَقَوْلِهِ عَنْ مَرْيَمَ فِي طُهْرِهَا وَعِفَّتِهَا لَمَّا أَتَاهَا جِبْرِيلُ وَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا: قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا [١٩ ١٨].
وَكَمَا فِي حَدِيثِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى الْغَارِ، وَمِنْهُمُ الرَّجُلُ مَعَ ابْنَةِ عَمِّهِ لَمَّا قَالَتْ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقَامَ عَنْهَا وَتَرَكَ لَهَا الْمَالَ.
وَهَكَذَا فِي تَصَرُّفَاتِ الْعَبْدِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [٢٢ ٣٢].
وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ [٥٩ ١٨]، لِكُلِّ نَفْسٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ [٢ ٢٨١] وَقَوْلِهِ: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ [٣ ٢٥].
فَالنِّدَاءُ أَوَّلًا بِالتَّقْوَى لِخُصُوصِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْأَمْرُ بِالنَّظَرِ لِعُمُومِ كُلِّ نَفْسٍ؛ لِأَنَّ الْمُنْتَفِعَ بِالتَّقْوَى خُصُوصُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا أَوْضَحَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَالنَّظَرُ مَطْلُوبٌ مِنْ كُلِّ نَفْسٍ فَالْخُصُوصُ لِلْإِشْفَاقِ، وَالْعُمُومُ لِلتَّحْذِيرِ.
وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [٣٣ ٤٣].
وَيَدُلُّ لِلثَّانِي قَوْلُهُ: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [٣]، وَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا قَدَّمَتْ [٥٩ ١٨] عَامَّةٌ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَفِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا.
وَيَدُلُّ لِلثَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [٩٩ ٧ - ٨]، وَالْحَدِيثُ " اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ".
وَغَدًا تُطْلَقُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ الْمُقَابِلِ لِلْمَاضِي، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَأَعْلَمُ عِلْمَ الْيَوْمِ وَالْأَمْسِ قَبْلَهُ وَلَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِ
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالَاتِهَا فِي الْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ: أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ [١٢ ١٢]، وَقَوْلِهِ: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [١٨ ٢٣ - ٢٤].
وَتُطْلَقُ عَلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا هُنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَى ذَلِكَ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي نَفْسِ الْمَعْنَى: يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا [٧٨ ٤٠].
وَالْقَرَائِنُ فِي الْآيَةِ مِنْهَا: اكْتِنَافُهَا بِالْحَثِّ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ.
وَمِنْهَا: التَّذْيِيلُ بِالتَّحْذِيرِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [٥٩ ١٨] أَيْ: بِالْمَقَاصِدِ فِي الْأَعْمَالِ وَبِالظَّوَاهِرِ وَالْبَوَاطِنِ، وَلِأَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُوَ مَوْضِعُ النِّسْيَانِ، فَاحْتَاجَ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ.
وَيَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِغَدٍ لِقُرْبِ مَجِيئِهِ وَتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [٥٤ ١]، وَقَوْلِهِ: وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [١٦ ٧٧].
وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّ الْغَدَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ بِمَعْنَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَتَحَقَّقُ بِيَوْمِ مَوْتِهِ، لِأَنَّهُ يُعَايِنُ مَا قَدْ قَدَّمَ يَوْمَ مَوْتِهِ، وَقَدْ نَكَّرَ لَفْظَ نَفْسٍ وَغَدٍ هُنَا فَقِيلَ فِي الْأَوَّلِ لِقِلَّةٍ مِنَ النَّاظِرِينَ، وَفِي الثَّانِي لِعَظْمِ أَمْرِهِ وَشِدَّةِ هَوْلِهِ.
وَهُنَا قَدْ تَكَرَّرَ الْأَمْرُ بِتَقْوَى اللَّهِ كَمَا أَسْلَفْنَا مَرَّتَيْنِ، فَقِيلَ لِلتَّأْكِيدِ، قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَقِيلَ لِلتَّأْسِيسِ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ.
فَعَلَى أَنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ ظَاهِرٌ وَعَلَى التَّأْسِيسِ يَكُونُ الْأَوَّلُ لِفِعْلِ الْمَأْمُورِ وَالثَّانِي لِتَرْكِ الْمَحْظُورِ، مُسْتَدِلِّينَ بِمَجِيءِ مُوجَبِ الْفِعْلِ أَوَّلًا: وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ، وَمَجِيءِ مُوجَبِ التَّحْذِيرِ ثَانِيًا: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ، وَيَشْهَدُ لِلتَّأْكِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [٣ ١٠٢]، وَإِنْ كَانَتْ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [٦٤ ١٦]، فَيَدُلُّ لِمَفْهُومِهِ قَوْلُهُ: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا [٩ ١٠٢] أَيْ: بِتَرْكِ بَعْضِ الْمَأْمُورِ، وَفِعْلِ بَعْضِ الْمَحْظُورِ.
وَعَلَيْهِ فَلَا تَتَحَقَّقُ التَّقْوَى إِلَّا بِمُرَاعَاةِ الْجَانِبَيْنِ، وَلَكِنْ مَادَّةُ التَّقْوَى وَهِيَ اتِّخَاذُ الْوِقَايَةِ مِمَّا يُوجِبُ عَذَابَ اللَّهِ تَشْمَلُ شَرْعًا الْأَمْرَيْنِ مَعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي عُمُومِ اتِّخَاذِ الْوِقَايَةِ: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا
[٦٦ ٦].
فَكَانَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ بِالتَّقْوَى يَكْفِي لِذَلِكَ وَيَشْمَلُهُ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ بِالتَّقْوَى الثَّانِي لِمَعْنَى جَدِيدٍ، وَفِي الْآيَةِ مَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا قَدَّمَتْ، لِأَنَّ " مَا " عَامَّةٌ كَمَا قَدَّمْنَا وَصِيغَةُ " قَدَّمَتْ " عَلَى الْمَاضِي يَكُونُ الْأَمْرُ بِتَقْوَى اللَّهِ أَوَّلًا بِالنِّسْبَةِ لِمَا مَضَى وَسَبَقَ مِنْ عَمَلٍ تَقَدَّمَ بِالْفِعْلِ، وَيَكُونُ النَّظَرُ بِمَعْنَى الْمُحَاسَبَةِ وَالتَّأَمُّلِ عَلَى مَعْنَى الْحَدِيثِ: " حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا " فَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
فَإِذَا مَا نَظَرَ فِي الْمَاضِي وَحَاسَبَ نَفْسَهُ، وَعَلِمَ مَا كَانَ مِنْ تَقْصِيرٍ أَوْ وُقُوعٍ فِي مَحْظُورٍ، جَاءَهُ الْأَمْرُ الثَّانِي بِتَقْوَى اللَّهِ لِمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ عَمَلٍ جَدِيدٍ وَمُرَاقَبَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [٢ ٢٣٤]، فَلَا يَكُونُ هُنَاكَ تَكْرَارٌ، وَلَا يَكُونُ تَوْزِيعٌ، بَلْ بِحَسَبِ مَدْلُولِ عُمُومِ " مَا " وَصِيغَةُ الْمَاضِي " قَدَّمَتْ " وَالنَّظَرُ لِلْمُحَاسَبَةِ.
تَنْبِيهٌ
مَجِيءُ «قَدَّمَتْ» بِصِيغَةِ الْمَاضِي حَثٌّ عَلَى الْإِسْرَاعِ فِي الْعَمَلِ، وَعَدَمِ التَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ إِلَّا مَا قَدَّمَ فِي الْمَاضِي، وَالْمُسْتَقْبَلُ لَيْسَ بِيَدِهِ، وَلَا يَدْرِي مَا يَكُونُ فِيهِ: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا [٣١ ٣٤]، وَكَمَا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حُجُّوا قَبْلَ أَلَّا تَحُجُّوا»، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [٣ ١٣٣]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [٥٩ ١٩].
بَعْدَ الْحَثِّ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ، وَعَلَى الِاجْتِهَادِ فِي تَقْدِيمِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ لِيَوْمِ غَدٍ جَاءَ التَّحْذِيرُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ النِّسْيَانِ وَالتَّرْكِ وَأَلَّا يَكُونَ كَالَّذِينِ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهَمْ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنَا مَنْ هُمُ الَّذِينَ حَذَّرَ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مِثْلَهُمْ فِي هَذَا النِّسْيَانِ، وَمَا هُوَ النِّسْيَانُ وَالْإِنْسَاءُ الْمَذْكُورَانِ هُنَا.
وَقَدْ نَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ هُمُ الْمُنَافِقُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ «التَّوْبَةِ» :الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [٩ ٦٧]، وَهَذَا عَيْنُ الْوَصْفِ الَّذِي وُصِفُوا بِهِ فِي سُورَةِ «الْحَشْرِ» وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَنَسِيَهُمْ أَيْ: أَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَنْسَى: لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى [٢ ٥٢]، وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
[١٩ ٦٤].
وَقَدْ جَاءَ أَيْضًا وَصْفُ كُلٍّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ بِالنِّسْيَانِ فِي الْجُمْلَةِ، فَفِي الْيَهُودِ يَقُولُ تَعَالَى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [٥ ١٣].
وَفِي النَّصَارَى يَقُولُ تَعَالَى: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [٥ ١٤].
وَفِي الْمُشْرِكِينَ يَقُولُ تَعَالَى: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [٧ ٥١]، فَيَكُونُ التَّحْذِيرُ مُنَصَبًّا أَصَالَةً عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَشَامِلًا مَعَهُمْ كُلَّ تِلْكَ الطَّوَائِفِ لِاشْتِرَاكِهِمْ جَمِيعًا فِي أَصْلِ النِّسْيَانِ.
أَمَّا النِّسْيَانُ هُنَا، فَهُوَ بِمَعْنَى التَّرْكِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ [٢٠ ١٢٦].
فَذَكَرَ وَجْهَيْنِ، وَقَالَ: الْعَرَبُ تُطْلِقُ النِّسْيَانَ وَتُرِيدُ بِهِ التَّرْكَ وَلَوْ عَمْدًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [٢٠ ١٢٦].
فَالْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ التُّرْكُ قَصْدًا.
وَكَقَوْلِهِ: فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [٧ ٥١].
وَقَوْلِهِ: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ الْآيَةَ [٥٩ ١٩]، انْتَهَى.
أَمَّا النِّسْيَانُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الذِّكْرِ، وَهُوَ التَّرْكُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، فَلَيْسَ دَاخِلًا هُنَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ أُعْفِيَتْ مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَيْهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا الْآيَةَ [٢ ٢٨٦].
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: «قَدْ فَعَلْتُ، قَدْ فَعَلْتُ» أَيْ: عِنْدَمَا تَلَاهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَجَاءَ فِي السُّنَّةِ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ».
وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - هَذَا النَّوْعَ فِي دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَلَى الْجَوَابِ عَنِ الْإِشْكَالِ الْمَوْجُودِ فِي نِسْيَانِ آدَمَ، هَلْ كَانَ عَنْ قَصْدٍ أَوْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَإِذَا كَانَ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَكَيْفَ يُؤَاخَذُ؟ وَبَيَّنَ خَصَائِصَ هَذِهِ الْأُمَّةَ فِي هَذَا الْبَابِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ.
وَإِذَا تَبَيَّنَ الْمُرَادُ بِالتَّحْذِيرِ مِنْ مُشَابَهَتِهِمْ فِي النِّسْيَانِ، وَتَبَيَّنَ مَعْنَى النِّسْيَانِ، فَكَيْفَ أَنْسَاهُمُ اللَّهُ أَنْفُسَهُمْ؟ وَهَذِهِ مُقْتَطَفَاتٌ مِنْ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ:
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا تَنْسَوْا ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَيُنْسِيَكُمُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ؛ فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: نَسُوا اللَّهَ أَيْ: تَرَكُوا أَمْرَهُ، فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا لَهَا خَيْرًا.
وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ هُمُ الْكُفَّارُ تَرَكُوا عِبَادَةَ اللَّهِ، وَامْتِثَالَ مَا أَمَرَ وَاجْتِنَابَ مَا نَهَى فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ حَيْثُ لَمْ يَسْعَوْا إِلَيْهَا فِي الْخَلَاصِ مِنَ الْعَذَابِ، وَهَذَا مِنَ الْمُجَازَاتِ عَلَى الذَّنْبِ بِالذَّنْبِ... إِلَخْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَرَكُوا أَدَاءَ حَقِّ اللَّهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الْجَزَاءِ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ.
أَمَّا الزَّمَخْشَرِيُّ، وَالْفَخْرُ الرَّازِيُّ فَقَدْ أَدْخَلَا فِي هَذَا الْمَعْنَى مَبْحَثًا كَلَامِيًّا حَيْثُ قَالَا فِي مَعْنَى: نَسُوا اللَّهَ، كَمَا قَالَ الْجُمْهُورُ، أَمَّا فِي مَعْنَى: فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ، فَذَكَرَا وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: كَالْجُمْهُورِ، وَالثَّانِي: بِمَعْنَى أَرَاهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْأَهْوَالِ مَا نَسُوا فِيهِ أَنْفُسَهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ [١٤ ٤٣]، وَقَوْلِهِ: وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [٢٢ ٢] اهـ.
وَهَذَا الْوَجْهُ الثَّانِي لَا يُسَلَّمُ لَهُمَا؛ لِأَنَّ مَا ذَهَبَا إِلَيْهِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ خَاصًّا بِمَنْ نَسِيَ اللَّهَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي نَفْسِ الْآيَةِ الَّتِي اسْتَدَلَّا بِهَا: وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى
فَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ النَّاسِ.
وَقَوْلِهِ: يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ [٢٢ ٢]، وَالذُّهُولُ أَخُو النِّسْيَانِ، وَهُوَ هُنَا عَامٌّ فِي كُلِّ مُرْضِعَةٍ: وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا [٢٢ ٢] وَهُوَ أَيْضًا عَامٌّ، وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْهَوْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَعَلَّ الْحَامِلَ لَهُمَا عَلَى إِيرَادِ هَذَا الْوَجْهِ مَعَ بَيَانِ ضَعْفِهِ، هُوَ فِرَارُهُمْ مِنْ نِسْبَةِ الْإِنْسَاءِ إِلَى اللَّهِ، وَفِيهِ شُبْهَةُ اعْتِزَالٍ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَلِوُجُودِ إِسْنَادِ الْإِنْسَاءِ إِلَى الشَّيْطَانِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ كَمَا فِي قِصَّةِ صَاحِبِ مُوسَى: وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [١٨ ٦٣]، وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [٦ ٦٨] وَقَوْلِهِ: عَنْ صَاحِبِ يُوسُفَ: فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ [١٢ ٤٢].
وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ أَنَّ حَقِيقَةَ النِّسْيَانِ وَالْإِنْسَاءِ وَالتَّذْكِيرِ وَالتَّذَكُّرِ كَحَقِيقَةِ أَيِّ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي، وَأَنَّهَا كُلَّهَا مِنَ اللَّهِ: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [٤ ٧٨]، قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا [٩ ٥١]، فَمَا نُسِبَ إِلَى الشَّيْطَانِ فَهُوَ بِتَسْلِيطٍ مِنَ اللَّهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [٢ ١٠٢]، ثُمَّ قَالَ: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [٢ ١٠٢] فَيَكُونُ إِسْنَادُ الْإِنْسَاءِ إِلَى الشَّيْطَانِ مِنْ بَابِ قَوْلِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [٢٦ ٨٠] تَأَدُّبًا فِي الْخِطَابِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّ هَذَا الْمَقَامَ مَقَامُ إِخْبَارٍ مِنَ اللَّهِ عَمَّا أَوْقَعَهُ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَسُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ فَأَنْسَاهُمْ، فَأَوْقَعَ عَلَيْهِمِ النِّسْيَانَ لِأَنْفُسِهِمْ مُجَازَاةً لَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، فَكَانَ نِسْبَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَبِإِخْبَارٍ مِنَ اللَّهِ عَيْنُ الْحَقِّ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ أُسْلُوبِ الْمُقَابَلَةِ: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [٩ ٦٧].
تَنْبِيهَانِ
الْأَوَّلُ: جَاءَ فِي مِثْلِ هَذَا السِّيَاقِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا [٤٥ ٣٤].
وَقَوْلُهُ: فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ [٣٢ ١٤].
وَقَوْلُهُ: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [٩ ٦٧]، وَفِي هَذَا نِسْبَةُ النِّسْيَانِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَوَقَعَ
الْإِشْكَالُ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [١٩ ٦٤] وَقَوْلِهِ: لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى [٢٠ ٥٢].
وَقَدْ أَجَابَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - عَنْ ذَلِكَ فِي دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ، بِأَنَّ النِّسْيَانَ الْمُثْبَتَ بِمَعْنَى التَّرْكِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْمَنْفِيَّ عَنْهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي بِمَعْنَى السَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
التَّنْبِيهُ الثَّانِي: مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - فِي مُقَدِّمَةِ الْأَضْوَاءِ أَنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيَانِ أَنْ يُوجَدَ فِي الْآيَةِ اخْتِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ وَتُوجَدُ فِيهَا قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى الْمَعْنَى الْمُرَادِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا [٤٥ ٣٤]، وَهَذَا الْقَوْلُ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ عَبَّرَ عَنِ النِّسْيَانِ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ وَهِيَ لِلْحَالِ أَوِ الِاسْتِقْبَالِ، وَلَا يَكُونُ النِّسْيَانُ الْمُخْبَرُ عَنْهُ فِي الْحَالِ إِلَّا عَنْ قَصْدٍ وَإِرَادَةٍ، وَكَذَلِكَ لَا يُخْبَرُ عَنْ نِسْيَانٍ سَيَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِلَّا عَنْ قَصْدٍ وَإِرَادَةٍ، وَهَذَا فِي النِّسْيَانِ بِمَعْنَى التَّرْكِ عَنْ قَصْدٍ، أَمَّا الَّذِي بِمَعْنَى السَّهْوِ فَيَكُونُ بِدُونِ قَصْدٍ وَلَا إِرَادَةٍ، فَلَا يَصِحُّ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ وَلَا الْإِخْبَارُ بِإِيقَاعِهِ عَلَيْهِمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ نِسْيَانٍ نُسِبَ إِلَى اللَّهِ فَهُوَ بِمَعْنَى التَّرْكِ، وَكَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [٥٩ ١٩] مُفَسِّرًا وَمُبَيِّنًا لِمَعْنَى: الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ [٤٥ ٣٤] وَلِقَوْلِهِ إِنَّا نَسِينَاكُمْ [٣٢ ١٤]، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ. دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى عَدَمِ اسْتِوَاءِ الْفَرِيقَيْنِ: أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ، وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بَدَاهَةً، وَلَكِنْ جَاءَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ غَفْلَةِ النَّاسِ عَنْهُ، وَلِظُهُورِ أَعْمَالٍ مِنْهُمْ تُغَايِرُ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ الْبَدِيهِيَّةَ، كَمَنْ يُسِيءُ إِلَى أَبِيهِ فَتَقُولُ لَهُ: إِنَّهُ أَبُوكَ، قَالَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ.
وَهَذَا فِي أُسْلُوبِ الْبَيَانِ يُرَادُ بِهِ لَازِمُ الْخَبَرِ، أَيْ: يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ التَّنْبِيهُ أَنْ يَعْمَلُوا مَا يُبْعِدُهُمْ عَنِ النَّارِ وَيَجْعَلُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ: لِيَنَالُوا الْفَوْزَ.
وَهَذَا الْبَيَانُ قَدْ جَاءَتْ نَظَائِرُهُ عَدِيدَةً فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [٣٨ ٢٨]
وَكَقَوْلِهِ: أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ [٣٢ ١٨] أَيْ: فِي الْحُكْمِ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا فِي الْوَاقِعِ فِي الْحَيَاةِ أَوْ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [٤٥ ٢١]، وَهُنَا كَذَلِكَ: لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ [٥٩ ٢٠] فِي الْمَرْتَبَةِ وَالْمَنْزِلَةِ وَالْمَصِيرِ.
قَالَ أَبُو حَيَّانَ: هَذَا بَيَانُ مُقَابَلَةِ الْفَرِيقَيْنِ أَصْحَابِ النَّارِ فِي الْجَحِيمِ، وَأَصْحَابِ الْجَنَّةِ فِي النَّعِيمِ، وَالْآيَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ فِي بَيَانِ الْمُقَارَنَةِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ بِدَلِيلِ مَا فِيهَا مِنْ قَوْلِهِ: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [٥٩ ٢٠] فَهَذَا حُكْمٌ عَلَى أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ بِالْفَوْزِ، وَمَفْهُومُهُ الْحُكْمُ عَلَى الْفَرِيقِ الثَّانِي بِالْهَلَاكِ وَالْخُسْرَانِ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا مَا قَبْلَهَا وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ [٥٩ ١٩] أَيْ: مِنْ هَذَا الْفَرِيقِ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ، فَصَارُوا أَصْحَابَ النَّارِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَهُنَا احْتِمَالٌ آخَرُ، وَهُوَ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ فِي النَّارِ وَلَا أَصْحَابُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ، فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنْ مَنَازِلَ مُتَفَاوِتَةٍ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو حَيَّانَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ [٤١ ٣٤]، وَلَكِنَّ عَدَمَ وُجُودِ اللَّامِ هُنَا يَجْعَلُهُ أَضْعَفَ احْتِمَالًا، وَإِلَّا لَقَالَ: لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ، وَلَا أَصْحَابُ الْجَنَّةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا لِتَفَاوُتِ دَرَجَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنَازِلِ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ، إِلَّا أَنَّ احْتِمَالَهُ هُنَا غَيْرُ وَارِدٍ؛ لِأَنَّ آخِرَ الْآيَةِ حُكِمَ عَلَى مَجْمُوعِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَيْ فِي مَجْمُوعِهِمْ كَأَنَّهُ فِي مَثَابَةِ الْقَوْلِ: النَّارُ وَالْجَنَّةُ لَا يَسْتَوِيَانِ، فَأَصْحَابُهُمَا كَذَلِكَ.
وَقَدْ نَبَّهَ أَبُو السُّعُودِ عَلَى تَقْدِيمِ أَصْحَابِ النَّارِ، فِي الذِّكْرِ عَلَى أَصْحَابِ الْجَنَّةِ بِأَنَّهُ لِيُبَيِّنَ لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ أَنَّ النَّقْصَ جَاءَ مِنْ جِهَتِهِمْ كَمَا فِي قَوْلِهِ: هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ [١٣ ١٦] اهـ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُتَفَاوِتَيْنِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، يُمْكِنُ اعْتِبَارُ التَّفَاوُتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّقْصِ فِي النَّاقِصِ، وَيُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزِّيَادَةِ فِي الزَّائِدِ.
فَقَدَّمَ الْجَانِبَ النَّاقِصَ؛ لِيُبَيِّنَ أَنَّ التَّفَاوُتَ الَّذِي حَصَلَ بَيْنَهُمَا، إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ النَّقْصِ الَّذِي جَاءَ مِنْهُمَا لَا بِسَبَبِ الزِّيَادَةِ فِي الْفَرِيقِ الثَّانِي، وَالنَّتِيجَةُ فِي ذَلِكَ عَدَمُ إِمْكَانِ جَانِبِ
النَّقْصِ الِاحْتِجَاجَ عَلَى جَانِبِ الزِّيَادَةِ، وَفِيهِ زِيَادَةُ تَأْنِيبٍ لِجَانِبِ النَّقْصِ، وَفِي الْآيَةِ إِجْمَالُ أَصْحَابِ النَّارِ وَأَصْحَابِ الْجَنَّةِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَلِمَةَ أَصْحَابٍ تَدُلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَهْلُ النَّارِ وَأَهْلُ الْجَنَّةِ الْمُخْتَصُّونَ بِهِمَا.
وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ هُمُ الْكُفَّارُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [٦٤ ١٠].
وَالْخُلُودُ لَا خُرُوجَ مَعَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، إِلَى قَوْلِهِ: وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [٢ ١٦٥ - ١٦٧]، وَكَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ «الْهُمَزَةِ» :يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ [١٠٤ ٣ - ٨] أَيْ: مُغْلَقَةٌ عَلَيْهِمْ.
أَمَّا أَصْحَابُ الْجَنَّةِ فَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [٤٦ ١٣ - ١٤]، وَقَدْ جَمَعَ الْقِسْمَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [٢ ٨١].
كَمَا جَاءَ مِثْلُ هَذَا السِّيَاقِ كَامِلًا مُتَطَابِقًا فَيُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا كَمَا قَدَّمْنَا، وَذَلِكَ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ قَالَ تَعَالَى: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [٩ ٦٧ - ٦٨].
فَهَذِهِ أَقْسَامُ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، وَأَخُصُّ أَصْحَابَ النَّارِ وَالِاخْتِصَاصُ مِنَ الْخُلُودِ فِيهَا وَلَعَنَهُمْ وَهِيَ حَسْبُهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ، وَهُمْ عَيْنُ مَنْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ سُورَةِ «الْحَشْرِ» ثُمَّ جَاءَ مُقَابَلَةً تَمَامًا فِي نَفْسِ السِّيَاقِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
[٩ ٧١ - ٧٢].
وَهَذِهِ أَيْضًا أَخَصُّ صِفَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، مِنَ الرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ، وَالْخُلُودِ، وَالْإِقَامَةِ الدَّائِمَةِ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ، إِذِ الْعَدْنُ الْإِقَامَةُ الدَّائِمَةُ، وَمِنْهَا الْمَعْدِنُ لِدَوَامِ إِقَامَتِهِ فِي مَكَانِهِ، وَرَضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ.
ثُمَّ يَأْتِي الْخِتَامُ فِي الْمَقَامَيْنِ مُتَّحِدًا، وَهُوَ الْحُكْمُ بِالْفَوْزِ لِأَصْحَابِ الْجَنَّةِ، فَفِي آيَةِ «التَّوْبَةِ» :ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَفِي آيَةِ «الْحَشْرِ» :أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [٥٩ ٢٠]، وَبِهَذَا عُلِمَ مَنْ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ، وَمَنْ هُمْ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ.
وَتَبَيَّنَ ارْتِبَاطُ هَذِهِ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ، وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُمْ مِمَّنْ نَسُوا فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ، وَمَنِ اتَّقَوُا اللَّهَ وَقَدَّمُوا لِغَدِهِمْ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ عُصَاةَ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ دَاخِلِينَ هُنَا فِي أَصْحَابِ النَّارِ، لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ هُمُ الْمُخْتَصُّونَ بِهَا مِمَّنْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَكَذَّبُوا بِآيَاتِهِ، وَكَمَا يَشْهَدُ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [١٩ ٧١ - ٧٢]، وَالظَّالِمُونَ هُنَا هُمُ الْمُشْرِكُونَ فِي ظُلْمِهِمْ أَنْفُسَهُمْ.
وَبِهَذَا يُرَدُّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ أَخْذُهُمْ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ عَدَمُ دُخُولِ أَصْحَابِ الْكَبِيرَةِ الْجَنَّةَ عَلَى أَنَّهُمْ فِي زَعْمِهِمْ لَوْ دَخَلُوهَا لَاسْتَوَوْا مَعَ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ.
وَهَذَا بَاطِلٌ كَمَا قَدَّمْنَا، وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى يُرَدُّ بِهَا عَلَيْهِمْ، وَهِيَ أَنْ يُقَالَ: إِذَا خُلِّدَ الْعُصَاةُ فِي النَّارِ عَلَى زَعْمِكُمْ مَعَ مَا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ إِيمَانٍ بِاللَّهِ وَعَمَلٍ صَالِحٍ فَمَاذَا يَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ [٣٨ ٢٨].
وَقَدْ بَحَثَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - مَسْأَلَةَ بَقَاءِ الْعُصَاةِ وَخُرُوجِهِمْ مِنَ النَّارِ وَخُلُودِ الْكُفَّارِ فِيهَا بَحْثًا وَاسِعًا فِي دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ فِي سُورَةِ «الْأَنْعَامِ» فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ.
وَقَدِ اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ وَلَا بِكَافِرٍ
؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ، وَأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَمْلِكُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقَهْرِ، ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ حَقًّا إِلَّا أَنَّ أَخْذَهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْرِضِ الْمُقَارَنَةِ لِلنِّهَايَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتُهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَوْ أَنْزَلْنَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنْزِلْهُ، وَأَنَّهُ ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ؛ لِيَتَفَكَّرَ النَّاسُ فِي أَمْرِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى الْآيَةَ [١٣ ٣١].
قَالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - عِنْدَهَا: جَوَابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: تَقْدِيرُهُ لَكَانَ هَذَا الْقُرْآنُ... إِلَخْ. اهـ.
وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَقُولُ تَعَالَى مُعَظِّمًا لِأَمْرِ الْقُرْآنِ، وَمُبَيِّنًا عُلُوَّ قَدْرِهِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَخْشَعَ لَهُ الْقُلُوبُ وَتَتَصَدَّعَ عِنْدَ سَمَاعِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ الْحَقِّ وَالْوَعِيدِ الْأَكِيدِ: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ الْآيَةَ [٥٩ ٢١].
فَإِذَا كَانَ الْجَبَلُ فِي غِلْظَتِهِ وَقَسَاوَتِهِ لَوْ فَهِمَ هَذَا الْقُرْآنَ فَتَدَبَّرَ مَا فِيهِ لَخَشَعَ وَتَصَدَّعَ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكُمْ أَيُّهَا الْبَشَرُ أَلَّا تَلِينَ قُلُوبُكُمْ، وَتَخْشَعَ، وَتَتَصَدَّعَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَقَدْ فَهِمْتُمْ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَقَدْ تَدَبَّرْتُمْ كِتَابَهُ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [٥٩ ٢١].
وَقَدْ وُجِدَ لِبَعْضِ النَّاسِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ سَمَاعِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ، مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي سُورَةِ «الطُّورِ» عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَعُسُّ بِالْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَمَرَّ بِدَارِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَوَافَقَهُ قَائِمًا يُصَلِّي فَوَقَفَ يَسْتَمِعُ قِرَاءَتَهُ فَقَرَأَ: وَالطُّورِ [٥٢ ١] حَتَّى بَلَغَ: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ [٥٢ ٧ - ٨] قَالَ: قَسَمٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ حَقٌّ، فَنَزَلَ عَنْ حِمَارِهِ وَاسْتَنَدَ إِلَى حَائِطٍ فَمَكَثَ مَلِيًّا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَمَكَثَ شَهْرًا يَعُودُهُ النَّاسُ لَا يَدْرُونَ مَا مَرَضُهُ.
وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ؛ لِأَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أُسَارَى بَدْرٍ فَوَافَيْتُهُ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالطُّورِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ، فَكَأَنَّمَا صَدَعَ قَلْبِي فَأَسْلَمْتُ خَوْفًا مِنْ نُزُولِ الْعَذَابِ، وَمَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ أَقُومَ مِنْ مَقَامِي حَتَّى يَقَعَ بِي الْعَذَابُ.
وَذُكِرَ فِي خَبَرِ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَهَا فَجَعَلَ يَضْطَرِبُ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ نَقَلَ السُّيُوطِيُّ فِي الْإِتْقَانِ خَبَرَ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ بِتَمَامِهِ فِي فَصْلِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ.
وَقَالَ: قَدْ مَاتَ جَمَاعَةٌ عِنْدَ سَمَاعِ آيَاتٍ مِنْهُ أُفْرِدُوا بِالتَّصْنِيفِ، وَقَدْ يَنْشَأُ هُنَا سُؤَالٌ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا تَأْثِيرُ الْقُرْآنِ لَوْ أُنْزِلَ عَلَى الْجِبَالِ وَلَمْ تَتَأَثَّرْ بِهِ الْقُلُوبُ؟ وَقَدْ أَجَابَ الْقُرْآنُ عَنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [٢ ٧٤]، وَكَذَلِكَ أَصَمُّوا آذَانَهُمْ عَنْ سَمَاعِهِ، وَغَلَّفُوا قُلُوبَهُمْ بِالْكُفْرِ عَنْ فَهْمِهِ، وَأَوْصَدُوهَا بِأَقْفَالِهَا فَقَالُوا: قُلُوبُنَا غُلْفٌ [٢ ٨٨]، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [١٨ ٥٧] أَيْ: بِسَبَبِ الْإِعْرَاضِ وَعَدَمِ التَّدَبُّرِ وَالنِّسْيَانِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [٤٧ ٢٤] فَهَذِهِ أَسْبَابُ عَدَمِ تَأَثُّرِ الْكَفَّارِ بِالْقُرْآنِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ فَلَا غَرْوَ أَنْ يَرْتَابَ وَالصُّبْحُ مُسْفِرُ
وَيُفْهَمُ مِنْهُ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ تَخْشَعُ قُلُوبُهُمْ، وَتَلِينُ جُلُودُهُمْ، كَمَا نَصَّ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ [٣٩ ٢٣]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَوْ أَنْزَلْنَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنْزِلْهُ عَلَى جَبَلٍ وَلَمْ يَتَصَدَّعْ مِنْهُ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَوْ أَنْزَلَهُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا [٣٣ ٧٢].
وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ لِأَنَّ الْجِبَالَ أَشْفَقَتْ مِنْ حَمْلِ الْأَمَانَةِ وَهِيَ أَمَانَةُ التَّكْلِيفِ بِمُقْتَضَى
خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهَا.
فَإِذَا كَانَتِ الْجِبَالُ أَشْفَقَتْ لِمُجَرَّدِ الْعَرْضِ عَلَيْهَا فَكَيْفَ بِهَا لَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهَا وَكُلِّفَتْ بِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا تَجَلَّى لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا، وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا، وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، فَهُوَ شَاهِدٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا.
وَمِنْهَا النَّصُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْجِبَالِ الَّتِي هِيَ الْحِجَارَةُ لَيَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [٢ ٧٤].
وَقَدْ جَاءَ فِي السُّنَّةِ إِثْبَاتُ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ فِي جَبَلِ أُحُدٍ، حِينَمَا صَعِدَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَارْتَجَفَ بِهِمْ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اثْبُتْ أُحُدُ؛ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ، وَصِدِّيقٌ، وشَهِيدٌ».
وَسَوَاءٌ كَانَ ارْتِجَافُهُ إِشْفَاقًا أَوْ إِجْلَالًا فَدَلَّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ يَنْزِلِ الْقُرْآنُ عَلَى جَبَلٍ أَنَّهُ لَوْ أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ لَرَأَيْتَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ.
وَبِهَذَا أَيْضًا يَتَّضِحُ أَنَّ جَوَابَ (لَوْ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ [١٣ ٣١] لَكَانَ هَذَا الْقُرْآنَ أَرْجَحُ مِنْ تَقْدِيرِهِمْ لَكَفَرْتُمْ بِالرَّحْمَنِ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ تَسْيِيرِ الْجِبَالِ وَخُشُوعِهَا وَتَصْدِيعِهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - هُنَاكَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.
الْأَمْثَالُ: جَمْعُ مَثَلٍ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَثَلِ، وَأَصْلُ الْمَثَلِ الِانْتِصَابُ، وَالْمُمَثَّلُ بِوَزْنِ اسْمِ الْمَفْعُولِ الْمُصَوَّرِ عَلَى مِثَالِ غَيْرِهِ.
قَالَ الرَّاغِبُ الْأَصْفَهَانِيُّ، يُقَالُ: مَثُلَ الشَّيْءِ إِذَا انْتَصَبَ وَتَصَوَّرَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجَالُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، وَالتِّمْثَالُ: الشَّيْءُ الْمُصَوَّرُ، وَتَمَثَّلَ كَذَا تَصَوَّرَ قَالَ تَعَالَى: فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا [١٩ ١٧].
وَالْمَثَلُ: عِبَارَةٌ عَنْ قَوْلٍ فِي شَيْءٍ يُشْبِهُ قَوْلًا فِي شَيْءٍ آخَرَ بَيْنَهُمَا مُشَابَهَةٌ؛ لِيُبَيِّنَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَيُصَوِّرَهُ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: الصَّيْفُ ضَيَّعَتِ اللَّبَنَ، فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُشْبِهُ قَوْلَكَ: أَهْمَلْتَ وَقْتَ الْإِمْكَانِ أَمْرَكَ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَا ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْأَمْثَالِ فَقَالَ: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [٥٩ ٢١].
وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [٢٩ ٤٣].
وَالْمِثَالُ يُقَالُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى الْمَثَلِ نَحْوَ مُشَبَّهٍ وَمُشَبَّهٍ بِهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَقَدْ يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ وَصْفِ الشَّيْءِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ.
وَالثَّانِي: عِبَارَةٌ عَنِ الْمُشَابَهَةِ لِغَيْرِهِ فِي مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي أَيِّ مَعْنًى كَانَ، وَهُوَ أَعَمُّ الْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْمُشَابَهَةِ.
وَذَلِكَ أَنَّ النِّدَّ يُقَالُ فِيمَا يُشَارِكُ فِي الْجَوْهَرِ فَقَطْ.
وَالشَّبَهُ يُقَالُ فِيمَا يُشَارِكُ فِي الْكَيْفِيَّةِ فَقَطْ.
وَالْمُسَاوِي يُقَالُ فِيمَا يُشَارِكُ فِي الْكَمِّيَّةِ فَقَطْ.
وَالشَّكْلُ يُقَالُ فِيمَا يُشَارِكُ فِي الْقَدْرِ وَالْمِسَاحَةِ فَقَطْ، وَالْمَثَلُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى نَفْيَ التَّشْبِيهِ مِنْ كُلِّ وَجْهِ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ فَقَالَ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [٤٢ ١١]... إِلَخْ. اهـ.
فَقَوْلُهُ فِي تَعْرِيفِ الْمَثَلِ إِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ قَوْلٍ فِي شَيْءٍ يُشْبِهُ قَوْلًا فِي شَيْءٍ آخَرَ، بَيْنَهُمَا مُشَابَهَةٌ؛ لِيُبَيِّنَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَيُصَوِّرَهُ.
فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ لَا يَتَغَيَّرُ بَلْ يُحْكَى عَلَى مَا قِيلَ أَوَّلًا كَقَوْلِهِمْ: الصَّيْفُ ضَيَّعَتِ اللَّبَنَ بِكَسْرِ التَّاءِ خِطَابًا لِلْمُؤَنَّثَةِ.
فَلَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ أَهْمَلَ وَقْتَ الْإِمْكَانِ ثُمَّ رَاحَ يَطْلُبُهُ بَعْدَ فَوَاتِهِ، لَقُلْتَ لَهُ: الصَّيْفُ ضَيَّعَتِ اللَّبَنَ بِكَسْرِ التَّاءِ عَلَى الْحَكَايَةِ.
وَهَذَا مِمَّا يُسَمَّى الِاسْتِعَارَةُ التَّمْثِيلِيَّةُ مِنْ أَبْلَغِ الْأَسَالِيبِ، وَأَكْثَرُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَمْثِلَةٍ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ، وَهُوَ تَشْبِيهُ صُورَةٍ بِصُورَةٍ، وَهُوَ مِنْ أَوْضَحِ أَسَالِيبِ الْبَيَانِ.
وَقَدْ سَاقَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - عَدَدًا مِنْهَا فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [١٨ ٥٤]، وَمِنْ أَهَمِّ أَغْرَاضِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّشْبِيهِ هُوَ بَيَانُ صُورَةٍ بِصُورَةٍ وَجَعْلُ الْخَفِيِّ جَلِيًّا، وَالْمَعْنَوِيَّ مَحْسُوسًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ [١٣ ١٤].
فَلَوْ نَظَرْتَ إِلَى مَثَلِ هَذَا الشَّخْصِ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، وَفِي تِلْكَ الصُّورَةِ بِكُلِّ أَجْزَائِهَا، وَهُوَ بَاسِطٌ يَدَهُ مُفَرَّجَةً الْأَصَابِعَ إِلَى مَاءٍ بَعِيدٍ عَنْهُ، وَهُوَ فَاغِرٌ فَاهُ؛ لِيَشْرَبَ، لَقُلْتَ: وَأَيُّ جَدْوَى تَعُودُ عَلَيْهِ، وَمَتَى يَذُوقُ الْمَاءَ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ، إِنَّهُ يَمُوتُ عَطَشًا وَلَا يَذُوقُ مِنْهُ قَطْرَةً.
وَكَذَلِكَ حَالُ مَنْ يَدْعُو غَيْرَ اللَّهِ مَعَ مَا يَدْعُوهُمْ مِنْ دُونِهِ لَا يَحْصُلُ عَلَى طَائِلٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [٢٩ ٤١] فَأَيُّ غَنَاءٍ لِإِنْسَانٍ فِي بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ.
وَكَذَلِكَ أَيُّ غَنَاءٍ فِي وَلَايَةِ غَيْرِ اللَّهِ فَكَذَلِكَ الْحَالُ هُنَا، أُرِيدَ بِالْأَمْثَالِ صَوَّرَ يُصَوِّرُ لِانْتِزَاعِ الْحُكْمِ مِنَ السَّامِعِ بَعْدَ أَنْ تُصْبِحَ الصُّورَةُ مَحْسُوسَةً مَلْمُوسَةً، وَانْظُرْ قَوْلَهُ تَعَالَى: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [٢ ١٨٧] وَكَيْفَ غَطَّى وَأَخْفَى فِي هَذَا الْأُسْلُوبِ مَا يُسْتَحَى مِنْهُ وَأَبْرَزَهُ بِلِبَاسِهِ فِي التَّشْبِيهِ بِمَا يُتَّقَى بِهِ، وَمَدَى مُطَابَقَةِ مَعْنَى اللِّبَاسِ لِحَاجَةِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ، وَتِلْكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ [٥٩ ٢١] عَائِدَةٌ إِلَى الْأَمْثِلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَرِيبًا فِي عَمَلِ الْمُنَافِقِينَ مَعَ الْيَهُودِ وَنَتَائِجِ أَعْمَالِهِمْ، وَهَكَذَا كُلُّ مُوَالَاةٍ بَيْنَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ وَكُلُّ مُعَادَاةٍ وَانْصِرَافٍ عَمَّا جَاءَ بِهِ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَكَذَلِكَ فِي بَيَانِ مَدَى فَعَالِيَّةِ الْقُرْآنِ وَتَأْثِيرِهِ، لَوْ أُنْزِلَ عَلَى الْجِبَالِ؛ لَخَشَعَتْ، وَتَصَدَّعَتْ مِمَّا يَسْتَوْجِبُ التَّفْكِيرَ فِيهِ وَالِاتِّعَاظَ بِهِ، ثُمَّ مِثَالُ الْفَرِيقَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [٥٩ ١٩]، وَنَتِيجَةُ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ عَدَمِ اسْتِوَاءِ الْفَرِيقَيْنِ، فَأَصْحَابُ نَارٍ وَأَصْحَابُ جَنَّةٍ.
وَلَكَأَنَّ الْأَمْثَالَ هُنَا وَالتَّنْبِيهَ عَلَيْهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أُولَئِكَ بِنِسْيَانِهِمْ لِلَّهِ وَإِنْسَائِهِ إِيَّاهُمْ أَنْفُسَهُمْ، صَارُوا بِهَذَا النِّسْيَانِ أَشَدَّ قَسَاوَةً مِنَ الْجِبَالِ، بَلْ إِنَّ الْجِبَالَ أَسْرَعُ تَأَثُّرًا بِالْقُرْآنِ مِنْهُمْ لَوْ كَانُوا يَتَفَكَّرُونَ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو السُّعُودِ: إِنَّهُ أَرَادَ تَوْبِيخَ الْإِنْسَانِ عَلَى قَسْوَةِ قَلْبِهِ وَعَدَمِ تَخَشُّعِهِ عِنْدَ تِلَاوَتِهِ وَقِلَّةِ تَدَبُّرِهِ فِيهِ. اهـ.
وَهَكَذَا بِهَذِهِ الْأَمْثِلَةِ يَنْتَزِعُ الْحُكْمَ مِنَ السَّامِعِ عَلَى أُولَئِكَ الْمُعْرِضِينَ الْغَافِلِينَ بِأَنَّ قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةٌ كَالْجِبَالِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً كَمَا قَدَّمْنَا، بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ [٣٩ ٢٣].
قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
جَاءَتْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ: ذِكْرُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مَرَّتَيْنِ، كَمَا ذُكِرَ فِيهَا أَيْضًا تَسْبِيحُ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ، وَذُكِرَ مَعَهُمَا الْعَدِيدُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا، فَكَانَتْ بِذَلِكَ مُشْتَمِلَةً عَلَى ثَلَاثِ قَضَايَا أَهَمِّ قَضَايَا الْأَدْيَانِ كُلِّهَا مَعَ جَمِيعِ الْأُمَمِ وَرُسُلِهِمْ؛ لِأَنَّ دَعْوَةَ الرُّسُلِ كُلَّهَا فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَتَنْزِيهِهِ، وَالرَّدِّ عَلَى مُفْتَرَيَاتِ الْأُمَمِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
فَالْيَهُودُ قَالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [٩].
وَالنَّصَارَى قَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [٩].
وَالْمُشْرِكُونَ قَالُوا: اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا [٢١ ٢٦]، وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا [٤٣ ١٩]، وَقَالُوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ
[٣٨ ٥].
فَكُلُّهُمُ ادَّعَى الشَّرِيكَ مَعَ اللَّهِ، وَقَالُوا: ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [٥ ٧٣] وَغَيْرَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ فِي قَضِيَّةِ التَّنْزِيِهِ، فَالْيَهُودُ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [٣ ١٨١]، وَقَالُوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [٥ ٦٤].
وَالْمُشْرِكُونَ قَالُوا: وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا، وَنَسَبُوا لِلَّهِ مَا لَا يَرْضَاهُ أَحَدُهُمْ لِنَفْسِهِ، وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا، فِي الْوَقْتِ الَّذِي وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [١٦ ٥٨].
وَهَذَا كَمَا تَرَاهُ أَعْظَمُ افْتِرَاءٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ سَجَّلَهُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا [١٨ ٤] وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [٣٧ ١٥١ - ١٥٢]، وَقَالَ مُبَيِّنًا جُرْمَ مَقَالَتِهِمْ: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [١٩ ٨٨ - ٩٢].
فَكَانَتْ تِلْكَ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ عِلَاجًا فِي الْجُمْلَةِ لِتِلْكَ الْقَضَايَا الثَّلَاثِ، تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَتَوْحِيدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَتَنْزِيهِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَعَ إِقَامَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَيْهَا.
وَقَدِ اجْتَمَعَتْ مَعًا لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ أَحَدُهَا إِلَّا بِالْآخَرَيْنِ، لِيَتِمَّ الْكَمَالُ لِلَّهِ تَعَالَى.
قَالَ أَبُو السُّعُودِ: إِنَّ الْكَمَالَاتِ كُلَّهَا مَعَ كَثْرَتِهَا وَتَشَعُّبِهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْكَمَالِ فِي الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ. اهـ.
وَهَذَا كُلُّهُ مُتَوَفِّرٌ فِي هَذَا السِّيَاقِ، وَقَدْ بَدَأَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، لِأَنَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ آمَنَ بِكُلِّ مَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ، وَآمَنَ بِاللَّهِ عَلَى مَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَنَزَّهَهُ عَمَّا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ قَالَ تَعَالَى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ثُمَّ أَعْقَبَهُ بِالدَّلِيلِ عَلَى إِفْرَادِهِ تَعَالَى بِالْأُلُوهِيَّةِ بِمَا لَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ.
وَهَذَا الدَّلِيلُ نَصٌّ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ دَلِيلٌ لِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى مِنْهَا قَوْلُهُ
تَعَالَى: إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [٢٠ ٩٨] وَوَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ هُنَا تُسَاوِي عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [٢٧ ٢٥]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ إِلَى قَوْلِهِ: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [٢ ٢٥٥].
وَهَذَا قَطْعًا لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ [٦ ٥٩] فَكَانَ مِنْ حَقِّهِ عَلَى خَلْقِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَجَاءَ بِدَلِيلٍ ثَانٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [٥٩ ٢٢] وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ صَرَاحَةً أَيْضًا كَدَلِيلٍ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [٢ ١٦٣] فَهُوَ رَحْمَانُ الدُّنْيَا وَرَحِيمُ الْآخِرَةِ.
وَمِنْ رَحْمَتِهِ الَّتِي اخْتَصَّ بِهَا فِي الدُّنْيَا قَوْلُهُ: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ [٤٢ ٢٨]، وَقَوْلُهُ: فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [٣٠ ٥٠] أَيْ: بِإِنْزَالِهِ الْغَيْثَ وَإِنْبَاتِ النَّبَاتِ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا هُوَ فَكَانَ حَقُّهُ عَلَى خَلْقِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
وَقَدْ جَمَعَ الدَّلِيلَيْنِ الْعِلْمَ وَالرَّحْمَةَ مَعًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [٤٠ ٧].
ثُمَّ جَاءَتْ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ مَرَّةً أُخْرَى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَجَاءَ بَعْدَهَا مِنَ الصِّفَاتِ الْجَامِعَةِ قَوْلُهُ: الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ، وَهَذَا الدَّلِيلُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ تَعَالَى نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ صَرِيحًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ [٧ ١٥٨] فَالَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ هُوَ الْمَلِكُ الْحَقُّ الْكَامِلُ الْمُلْكِ، وَهُوَ الَّذِي يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مُلْكِهِ كَمَا يَشَاءُ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ وَحْدَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ [٦٧ ١ - ٢] وَهُوَ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ عَلَى مُلْكِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ أَيْضًا: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [٢ ٢٥٥] فَالْقَيُّومُ هُوَ الْمُهَيْمِنُ وَالْقَائِمُ بِكُلِّ
نَفْسٍ، الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ، ثُمَّ جَاءَ بِالدَّلِيلِ الْأَعْظَمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ فَهُوَ وَحْدَهُ الْمُتَفَرِّدُ بِالْخَلْقِ وَالْإِيجَادِ، وَالْإِبْدَاعِ وَالتَّصْوِيرِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [٦ ١٠١] ثُمَّ قَالَ: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [٦ ١٠٢].
وَذَكَرَ أَيْضًا الْخَلْقَ مُفَصَّلًا وَالْمُلْكَ مُجْمَلًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ [٣٩ ٦] ثُمَّ قَالَ: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [٣٩ ٦]، وَقَالَ: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [٤٠ ٦٢]، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [٣٥ ٣] وَجَمَعَ الْمُلْكَ وَالْخَلْقَ مَعًا فِي قَوْلِهِ: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [٢٥ ٢] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَمَنْ تَأَمَّلَ بَرَاهِينَ الْقُرْآنِ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى قُدْرَتِهِ، عَلَى الْبَعْثِ وَهُمَا أَهَمُّ الْقَضَايَا الْعَقَائِدِيَّةِ يَجِدُ أَهَمَّهَا وَأَوْضَحَهَا وَأَكْثَرَهَا، هُوَ هَذَا الدَّلِيلَ، أَعْنِي دَلِيلَ الْخَلْقِ وَالتَّصْوِيرِ.
وَقَدْ جَاءَ هَذَا الدَّلِيلُ فِي الْقُرْآنِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، فَمِنَ الْإِجْمَالِ مَا جَاءَ فِي أَصْلِ الْمَخْلُوقَاتِ جَمِيعًا: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [١٣ ١٦] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [٦٧ ١]، وَقَالَ: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [٣٦ ٨٢] ثُمَّ قَالَ: فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [٣٦ ٨٣]، وَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ [٦٧ ١ - ٢] أَيْ: خَالِقُ الْإِيجَادِ وَالْعَدَمِ، وَخَلْقُ الْعَدَمِ يُسَاوِي فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْقُدْرَةِ خَلْقَ الْإِيجَادِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِعْدَامِ مَا أَوْجَدَ يَكُونُ الْمَوْجُودُ مُسْتَعْصِيًا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ عَجْزًا فِي الْمُوجِدِ لَهُ، كَمَنْ يُوجِدُ الْيَوْمَ سِلَاحًا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إِعْدَامِهِ، وَإِبْطَالِ مَفْعُولِهِ، فَقَدْ يَكُونُ سَبَبًا فِي إِهْلَاكِهِ، وَلَا تَكْتَمِلُ الْقُدْرَةُ حَقًّا إِلَّا بِالْخَلْقِ وَالْإِعْدَامِ مَعًا، وَقَالَ فِي خَلْقِ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [٦ ١].
وَقَالَ فِي خَلْقِ الْأَفْلَاكِ وَتَنْظِيمِهَا: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [٢١ ٣٣].
ثُمَّ فِي أُصُولِ الْمَوْجُودَاتِ فِي الْأَرْضِ بِقَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [٢ ٢٩].
وَفِي أُصُولِ الْأَجْنَاسِ: الْمَاءُ وَالنَّارُ وَالنَّبَاتُ وَالْإِنْسَانُ، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ [٥٦ ٥٨ - ٥٩].
وَذَكَرَ مَعَهُ الْقُدْرَةَ عَلَى الْإِعْدَامِ: نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ [٥٦ ٦٠].
وَفِي أُصُولِ النَّبَاتِ: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [٥٦ ٦٣، ٦٤].
وَفِي أُصُولِ الْمَاءِ: أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [٥٦ ٦٨ - ٦٩].
وَفِي أُصُولِ تَطْوِيرِ الْحَيَاةِ: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ [٥٦ ٧١ - ٧٢].
وَفِي جَانِبِ الْحَيَوَانِ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ الْآيَةَ [٨٨ ١٧].
وَلِهَذَا فَقَدْ تَمَدَّحَ تَعَالَى بِهَذِهِ الصِّفَةِ صِفَةِ الْخَلْقِ وَصِفَةِ آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ بِالْعَجْزِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [٣١ ١٠]، ثُمَّ قَالَ: هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [٣١ ١١].
وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَمْ تَخْلُقْ شَيْئًا كَمَا قَالَ تَعَالَى مُوَبِّخًا لَهُمْ: أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [٧ ١٩١]، وَبَيَّنَ أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ فِي قَوْلِهِ: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [١٦ ١٧]، ثُمَّ بَيَّنَ نِهَايَةَ ضَعْفِهَا وَعَجْزِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا [٢٥ ٣]
وَهَذَا غَايَةُ الْعَجْزِ، كَمَا ضَرَبَ لِذَلِكَ الْمَثَلَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [٢٢ ٧٣] فَهُمْ حَقًّا لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا، وَلَا ضَرًّا وَلَوْ بِقَدْرِ الذُّبَابَةِ وَهَكَذَا تَرَى صِفَةَ الْخَلْقِ الْمُتَّصِفِ بِهَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْظَمَ دَلِيلٍ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ صِفَةَ التَّصْوِيرِ وَالْعِلْمِ لِأَنَّ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ صُورَةً تَخُصُّهُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ عِلْمٍ بِالْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَهَكَذَا أَيْضًا كَانَ هَذَا الدَّلِيلُ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى الْبَعْثِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [٣٦ ٧٧ - ٨٣] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى صَرِيحًا فِي ذَلِكَ وَنَصًّا عَلَيْهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [٢٢ ٥] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [٢٢ ٦ - ٧].
ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ جَاحِدَ هَذَا الدَّلِيلِ إِنَّمَا هُوَ مُكَابِرٌ جَاهِلٌ، ضَالٌّ مُضِلٌّ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ بَعْدَهُ مُبَاشَرَةً: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [٢٢ ٨ - ١٠].
وَمِنْ هُنَا كَانَ أَوَّلُ نِدَاءٍ فِي الْمُصْحَفِ يُوَجَّهُ إِلَى النَّاسِ جَمِيعًا بِعِبَادَةِ اللَّهِ كَانَ لِاسْتِحْقَاقِهِ عِبَادَتَهُ وَحْدَهُ، لِأَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِصِفَةِ الْخَلْقِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
[٢ ٢١ - ٢٢] أَيْ: لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا لَهُ بِأَنْدَادٍ فِيمَا اتَّصَفَ بِهِ سُبْحَانَهُ فَلَا تُشْرِكُوهُمْ مَعَ اللَّهِ فِي عِبَادَتِهِ.
فَكَانَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ لِلَّهِ تَعَالَى فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ حَقًّا أَدِلَّةً عَلَى إِثْبَاتِ وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَنَّهُ الْمُسْتَحَقُّ لِأَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
وَالْوَاجِبُ عَلَى الْخَلْقِ تَنْزِيهُهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ، يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [٢٠ ٨] لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا الْمُرَادَ مِنْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وَقَدْ بَيَّنَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ الْمُرَادَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [٧ ١٨٠].
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: سَمَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَسْمَاءَهُ بِالْحُسْنَى؛ لِأَنَّهَا حَسَنَةٌ فِي الْأَسْمَاعِ وَالْقُلُوبِ، فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَكَرَمِهِ وَجُودِهِ وَإِفْضَالِهِ، وَمَجِيءُ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى بَعْدَ تَعْدَادِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ اسْمًا مِنْ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْتِ حَصْرُهَا وَلَا عَدُّهَا فِي آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَهُوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ».
وَسَرَدَ ابْنُ كَثِيرٍ عَدَدَ الْمِائَةِ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الرِّوَايَاتِ.
وَذَكَرَ عَنْ آيَةِ «الْأَعْرَافِ» أَنَّهَا لَيْسَتْ مَحْصُورَةً فِي هَذَا الْعَدَدِ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ حُزْنَهُ وَهَمَّهُ» الْحَدِيثَ اهـ.
وَمَحَلُّ الشَّاهِدِ مِنْهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ لِلَّهِ أَسْمَاءً أَنْزَلَهَا فِي كُتُبِهِ، وَأَسْمَاءً خَصَّ بِهَا بَعْضَ خَلْقِهِ كَمَا خَصَّ الْخِضْرَ بِعِلْمٍ مِنْ لَدُنْهُ، وَأَسْمَاءً اسْتَأْثَرَ بِهَا فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَهُ، كَمَا يَدُلُّ
حَدِيثُ الشَّفَاعَةِ: «فَيُلْهِمُنِي رَبِّي بِمَحَامِدَ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهَا مِنْ قَبْلُ»، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ.
لِأَنَّ الْأَوَّلَ: يَتَعَلَّقُ بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وَبِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْجَزَاءِ.
وَالْحَدِيثُ الثَّانِي: يَتَعَلَّقُ بِبَيَانِ أَقْسَامِ أَسْمَائِهِ تَعَالَى، مِنْ حَيْثُ الْعِلْمُ بِهَا وَتَعْلِيمُهَا وَمَا أُنْزِلُ مِنْهَا.
وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْجَمْعَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ عِنْدَ بَابِ: لِلَّهِ مِائَةُ اسْمٍ غَيْرَ وَاحِدٍ.
وَقَدْ حَاوَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ اسْتِخْرَاجَ الْمِائَةِ اسْمٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَزَادُوا وَنَقَصُوا؛ لِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَقَدْ أَطَالَ فِي الْفَتْحِ بَحْثَ هَذَا الْمَوْضُوعِ فِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ صَحِيفَةً مِمَّا لَا غِنَى عَنْهُ وَلَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ، وَلَا يَصْلُحُ تَلْخِيصُهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ مَنْ أَفْرَدَهَا بِالتَّأْلِيفِ.
كَمَا أَنَّ الْقُرْطُبِيَّ ذَكَرَ أَنَّهُ أَلَّفَ فِيهَا، وَأَسَاسُ الْبَحْثِ يَدُورُ عَلَى نُقْطَتَيْنِ:
الْأُولَى: تَعْيِينُ الْمِائَةِ اسْمٍ الْمُرَادَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: مَعْنَى أَحْصَاهَا، وَفِي رِوَايَةٍ حَفِظَهَا.
وَقَدْ حَضَرْتُ مَجْلِسًا لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - فِي بَيْتِهِ مَعَ الشَّيْخِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَازٍ وَسَأَلَهُ عَنِ الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ حَاصِلُ مَا ذَكَرَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَنَّ التَّعْيِينَ لَمْ يَأْتِ فِيهِ نَصٌّ صَحِيحٌ، وَأَنَّ الْإِحْصَاءَ أَوِ الْحِفْظَ لَا يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مُجَرَّدِ الْحِفْظِ لِلْأَلْفَاظِ غَيْبًا، وَلَكِنْ يُحْمَلُ عَلَى أَحْصَى مَعَانِيهَا وَحَفِظَهَا مِنَ التَّحْرِيفِ فِيهَا وَالتَّبْدِيلِ وَالتَّعْطِيلِ، وَحَاوَلَ التَّخَلُّقَ بِحُسْنِ صِفَاتِهَا كَالْحِلْمِ وَالْعَفْوِ وَالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْكَرَمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْحَذَرِ مِنْ مِثْلِ الْجَبَّارِ وَالْقَهَّارِ، وَمُرَاقَبَةِ مِثْلِ: الْحَسِيبِ الرَّقِيبِ، وَكَذَلِكَ التَّعَرُّضُ لِمِثْلِ التَّوَّابِ وَالْغَفُورِ بِالتَّوْبَةِ وَطَلَبِ الْمَغْفِرَةِ، وَالْهَادِي وَالرَّزَّاقِ بِطَلَبِ الْهِدَايَةِ وَالرِّزْقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَادْعُوهُ بِهَا [٧ ١٨٠] أَيْ: اطْلُبُوا مِنْهُ بِأَسْمَائِهِ، فَيُطْلَبُ بِكُلِّ اسْمٍ مَا يَلِيقُ بِهِ تَقُولُ: يَا رَحْمَانُ ارْحَمْنِي، يَا رَزَّاقُ
ارْزُقْنِي، يَا هَادِي اهْدِنِي، يَا تَوَّابُ تُبْ عَلَيَّ، وَهَكَذَا رَتِّبْ دُعَاءَكَ تَكُنْ مِنَ الْمُخْلِصِينَ اهـ.
مَسْأَلَةٌ
يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ هَذَا مَا يَقُولُهُ الْفُقَهَاءُ فِي ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ عِنْدَ الذَّبْحِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَوْلِهِ: بِسْمِ اللَّهِ، وَلَا يَقُولُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَقْتَضِي الرَّحْمَةَ، وَهِيَ لَا يَتَنَاسَبُ مَعَهَا الذَّبْحُ وَرَسُولُ الرُّوحِ.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذَبَحَ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ» أَيْ: أَكْبَرُ وَأَقْدَرَكَ عَلَيْهَا، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْكَ عَلَيْكَ مِنْهَا.
فَإِذَا فَقِهَ الْإِنْسَانُ أَسْمَاءَ اللَّهِ الْحُسْنَى عَلَى هَذَا النَّحْوِ، كَانَ حَقًّا قَدْ أَحْصَاهَا وَحَفِظَهَا فِي اسْتِعْمَالِهَا فِي مَعَانِيهَا، فَكَانَ حَقًّا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلَقَدِ اسْتَوْقَفَنِي طَوِيلًا مَجِيءُ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي نِهَايَةِ هَذِهِ السُّورَةِ تَذْيِيلًا لَهَا وَخِتَامًا وَبِأُسْلُوبِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ لِقَضَايَا التَّوْحِيدِ، وَإِقَامَةِ الدَّلِيلِ، وَإِلْزَامِ أَهْلِ الْإِلْحَادِ وَالتَّعْطِيلِ، فَمَكَثْتُ طَوِيلًا أَتَطَلَّبُ رَبْطَهَا بِمَا قَبْلَهَا، فَلَمْ أَجِدْ فِي كُلِّ مَا عَثَرْتُ عَلَيْهِ مِنَ التَّفْسِيرِ أَكْثَرَ مِنْ شَرْحِ الْمُفْرَدَاتِ، وَإِيرَادِ بَعْضِ التَّنْبِيهَاتِ مِمَّا لَا يَنْفُذُ إِلَى أَعْمَاقِ الْمَوْضُوعِ، وَلَا يَشْفِي عَلِيلًا فِي مُجْتَمَعَاتِنَا الْحَدِيثَةِ، أَوْ يُذْهِبُ شُبَهَ الْمَدَنِيَّةِ الْمَادِّيَّةِ، فَرَجَعْتُ إِلَى السُّورَةِ بِكَامِلِهَا أَتَأَمَّلُ مَوْضُوعَهَا فَإِذَا بِهَا تَبْدَأُ أَوَّلًا بِتَسْبِيحِ الْعَوَالِمِ كُلِّهَا لِلَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، وَهَذَا أَمْرٌ فَوْقَ مُسْتَوَى الْإِدْرَاكِ الْإِنْسَانِيِّ، ثُمَّ تَسُوقُ أَعْظَمَ حَدَثٍ تَشْهَدُهُ الْمَدِينَةُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مِنْ إِخْرَاجِ الْيَهُودِ، وَلَمْ يَكُنْ مَظْنُونًا إِخْرَاجُهُمْ، فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا فَكَانُوا مَوْضِعَ الْعِبْرَةِ وَالْمَوْعِظَةِ.
ثُمَّ تَأْتِي لِمَوْقِفِ فَرِيقَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ فَرِيقِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْكَافِرِينَ.
يَتَمَثَّلُ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ أُخُوَّةٍ، وَمَوَدَّةٍ، وَرَحْمَةٍ، وَعَطَاءٍ، وَإِيثَارٍ عَلَى النَّفْسِ.
وَيَتَمَثَّلُ الْفَرِيقُ الْآخَرُ فِي الْمُنَافِقِينَ، وَالْيَهُودِ، وَمَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنْ مُوَاعَدَةٍ، وَإِغْرَاءٍ، وَتَحْرِيضٍ، ثُمَّ تَخَلٍّ عَنْهُمْ وَخِذْلَانٍ لَهُمْ.
فَكَانَ فِي ذَلِكَ تَصْوِيرٌ لِحِزْبَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ حِزْبُ الرَّحْمَنِ، وَحِزْبُ الشَّيْطَانِ، وَهِيَ صُورَةُ الْمُجْتَمَعِ فِي الْمَدِينَةِ آنَذَاكَ.
ثُمَّ تَأْتِي إِلَى مُقَارَنَةٍ أُخْرَى بَيْنَ نَتَائِجِ هَذَيْنِ الْحِزْبَيْنِ وَمُنْتَهَاهُمَا وَعَدَمِ اسْتِوَائِهِمَا، وَفِي ذَلِكَ تَقْرِيرُ الْمَصِيرِ: لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [٥٩ ٢٠].
وَهَذِهِ أَخْطَرُ قَضِيَّةٍ فِي كُلِّ أُمَّةٍ أَيْ: تَقْرِيرُ مَصِيرِهَا، ثُمَّ بَيَانُ حَقِيقَةِ تَأْثِيرِ الْقُرْآنِ وَفَعَالِيَّتِهِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَوْ كَانَتْ جَبَلًا أَشَمَّ أَوْ حَجَرًا أَصَمَّ لَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَرَأَيْتُهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، فَإِذَا بِهَا قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَوْضُوعِ الْخَلْقِ وَالْخَالِقِ، وَالْأُمَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَالْبَدْءِ وَالنِّهَايَةِ، وَصِرَاعِ الْحَقِّ مَعَ الْبَاطِلِ، وَالْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، وَالنُّفُوسِ فِي الشُّحِّ وَالْإِحْسَانِ، وَكُلُّهَا مَوَاقِفُ عَمَلِيَّةٌ وَمَنَاهِجُ وَاقِعِيَّةٌ وَأَمْثِلَةٌ بَيَانِيَّةٌ.
وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.
فَإِذَا مَا تَوَجَّهَ الْفِكْرُ فِي هَذَا الْعَرْضِ، وَتَنَقَّلَ مِنْ مَوْقِفٍ إِلَى مَوْقِفٍ، وَتَأَمَّلَ صُنْعَ اللَّهِ وَقُدْرَتَهُ وَآيَاتِهِ، نَطَقَ بِتَسْبِيحِهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، عَلِمَ مَا سَيَكُونُ عَلَيْهِ الْعَالَمُ قَبْلَ وُجُودِهِ، فَأَوْجَدَهُ عَلَى مُقْتَضَى عِلْمِهِ بِهِ، وَسَيَّرَهُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي أَوْجَدَهُ عَلَيْهِ، عَلِمَ خِذْلَانَ الْمُنَافِقِينَ لِلْيَهُودِ قَبْلَ أَنْ يُحَرِّضُوهُمْ، فَكَانَ كَمَا عَلِمَ سُبْحَانَهُ وَحَذَّرَ مِنْ مُشَابَهَتِهِمْ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى جَبَلٍ مَاذَا يَكُونُ حَالُهُ، فَحَثَّ الْعِبَادَ بِالْأَخْذِ بِهِ، وَلِعِلْمِهِ هَذَا بِالْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، كَانَ حَقًّا هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ.
ثُمَّ مَرَّةً أُخْرَى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ، بُرْهَانٌ آخَرُ فِي صُوَرٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَبَرَاهِينَ مُتَنَوِّعَةٍ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ سُبْحَانَهُ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ، الْمَلِكُ الْمُهَيْمِنُ عَلَى مُلْكِهِ الْقُدُّوسُ، الْمُسَلَّمُ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ، الْمُسَيْطِرُ عَلَى مَا فِي مُلْكِهِ كُلِّهِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [٦٧ ١].
وَهُنَا وَقْفَةٌ لِتَأَمُّلِ اجْتِمَاعِ تِلْكَ الصِّفَاتِ مَعًا عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَالْمَلِكِ الْقُدُّوسِ وَالسَّلَامِ الْمُهَيْمِنِ، فَنَجِدُهَاِ مُتَرَابِطَةً مُتَلَازِمَةً؛ لِأَنَّ الْعَالِمَ إِذَا لَمْ يَمْلِكِ التَّصَرُّفَ وَلَمْ يُهَيْمِنْ عَلَى شَيْءٍ فَلَا فَعَالِيَّةَ لِعِلْمِهِ.
وَالْمَلِكُ الَّذِي لَا يَعْلَمُ وَلَمْ يَتَقَدَّسْ عَنِ النَّقْصِ لَا هَيْمَنَةَ لَهُ عَلَى مُلْكِهِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ كُلُّ ذَلِكَ وَتِلْكَ الصِّفَاتُ: الْعِلْمُ وَالْمُلْكُ وَالتَّقْدِيسُ وَالْهَيْمَنَةُ، حَصَلَ الْكَمَالُ وَالْجَلَالُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ الْمُتَكَبِّرِ، وَلَا يُشْرِكُهُ أَحَدٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وَهُنَا، فِي نِهَايَةِ هَذَا السِّيَاقِ يَقِفُ الْمُؤْمِنُ وَقْفَةَ إِجْلَالٍ وَتَعْظِيمٍ لِلَّهِ فَالْخَالِقُ هُوَ الْمُقَدِّرُ قَبْلَ الْإِيجَادِ.
وَ (الْبَارِئُ) الْمُوجِدُ مِنَ الْعَدَمِ عَلَى مُقْتَضَى الْخَلْقِ وَالتَّقْدِيرِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَدَّرَ شَيْئًا أَوْجَدَهُ إِلَّا اللَّهُ.
وَ (الْمُصَوِّرُ) الْمُشَكِّلُ لِكُلِّ مَوْجُودٍ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي أَوْجَدَهُ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُفْرِدْ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ مَوْجُودَاتِهِ عَلَى صُورَةٍ تَخْتَصُّ بِهِ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي خَلْقِ اللَّهِ لِلْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ كُلٍّ فِي صُورَةٍ تَخُصُّهُ.
وَبِالرُّجُوعِ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى أَوَّلِ السِّيَاقِ، فَإِنَّ الْخَلْقَ وَالتَّقْدِيرَ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ بِمُوجَبِ الْعِلْمِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَاضِرِ الْمُشَاهَدِ أَوْ لِلْمُسْتَقْبَلِ الْغَائِبِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَكَانَ تَقْدِيرُهُ بِمُوجَبِ عِلْمِهِ وَالْمَلِكُ الْقُدُّوسُ الْقَادِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي مُلْكِهِ يُوجِدُ مَا يُقَدِّرُهُ.
وَ (الْمُهَيْمِنُ) :يُسَيِّرُ مَا يُوجِدُهُ عَلَى مُقْتَضَى مَا يُقَدِّرُهُ.
وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى، الْعَزِيزُ الَّذِي لَا يُقْهَرُ الْجَبَّارُ الَّذِي يَقْهَرُ كُلَّ شَيْءٍ لِإِرَادَتِهِ، وَتَقْدِيرِهِ، وَيُخْضِعُهُ لِهَيْمَنَتِهِ.
(الْمُتَكَبِّرُ) الَّذِي لَا يَتَطَاوَلُ لِكِبْرِيَائِهِ مَخْلُوقٌ، وَأَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُشَارِكَهُ غَيْرُهُ فِي صِفَاتِهِ، تَكَبَّرَ عَنْ أَنْ يُمَاثِلَهُ غَيْرُهُ أَوْ يُشَارِكَهُ أَحَدٌ فِيمَا اخْتَصَّ بِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ.
وَفِي نِهَايَةِ السِّيَاقِ إِقَامَةُ الْبُرْهَانِ الْمُلْزِمِ وَانْتِزَاعُ الِاعْتِرَافِ وَالتَّسْلِيمِ: هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ وَهُوَ أَعْظَمُ دَلِيلٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ كَمَا قَالَ: دَلِيلُ الْإِلْزَامِ؛ لِأَنَّ الْخَلْقَ لَابُدَّ لَهُمْ مِنْ خَالِقٍ، وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ مَنْطِقِيَّةٌ مُسَلَّمَةٌ، وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ لَابُدَّ لَهُ مِنْ مُوجِدٍ، وَقَدْ أَلْزَمَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [٥٢ ٣٥]، وَهَذَا بِالسَّيْرِ وَالتَّقْسِيمِ أَنْ يُقَالَ: إِمَّا خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ خَلَقَهُمْ أَيْ: مِنَ الْعَدَمِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ
الْعَدَمَ لَا يَخْلُقُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ فَاقِدَ الشَّيْءِ لَا يُعْطِيهِ، وَالْعَدَمُ لَيْسَ أَمْرًا وُجُودِيًّا حَتَّى يُمْكِنَ لَهُ أَنْ يُوجِدَ مَوْجُودًا.
أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ؟
وَهُمْ أَيْضًا يَعْلَمُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَخْلُقُوا أَنْفُسَهُمْ، فَيَبْقَى الْمَخْلُوقُ لَابُدَّ لَهُ مِنْ خَالِقٍ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى: الْخَالِقُ الْبَارِئُ.
وَلَوْ قِيلَ مِنْ جَانِبِ الْمُنْكِرِ: إِنَّ مَا نُشَاهِدُهُ مِنْ وُجُودِ الْمَوْجُودِ كَالْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَى أَسْبَابٍ نُشَاهِدُهَا، كَالْأَبَوَيْنِ لِلْحَيَوَانِ، وَكَالْحَرْثِ وَالسَّقْيِ لِلنَّبَاتِ... إِلَخْ، فَجَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى: الْمُصَوِّرُ، فَهَلِ الْأَبَوَانِ يَمْلِكَانِ تَصْوِيرَ الْجَنِينِ مِنْ جِنْسِ الذُّكُورَةِ أَوِ الْأُنُوثَةِ، أَوْ مِنْ جِنْسِ اللَّوْنِ، وَالطُّولِ وَالْقِصَرِ وَالشَّبَهِ؟
الْجَوَابُ: لَا وَكَلَّا، بَلْ ذَلِكَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [٤٢ ٤٩].
وَكَذَلِكَ فِي النَّبَاتِ تُوضَعُ الْحَبَّةُ وَتُسْقَى بِالْمَاءِ، فَالتُّرْبَةُ وَاحِدَةٌ، وَالْمَاءُ وَاحِدٌ، فَمَنِ الَّذِي يُصَوِّرُ شَكْلَ النَّبَاتِ هَذَا نَجْمٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَذَاكَ نَبْتٌ عَلَى سَاقٍ، وَهَذَا كَرْمٌ عَلَى عَرْشٍ، وَذَاكَ نَخْلٌ بَاسِقَاتٌ، فَإِذَا طَلَعَتِ الثَّمَرَةُ فِي أَوَّلِ طَوْرِهَا فَمَنِ الَّذِي يُصَوِّرُهَا فِي شَكْلِهَا، مِنِ اسْتِدَارَتِهَا أَوِ اسْتِطَالَتِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؟ وَإِذَا تَطَوَّرَتْ إِلَى النُّضْجِ فَمَنِ الَّذِي صَوَّرَهَا فِي لَوْنِهَا الْأَحْمَرِ أَوِ الْأَصْفَرِ أَوِ الْأَسْوَدِ أَوِ الْأَخْضَرِ أَوِ الْأَبْيَضِ؟ هَلْ هِيَ التُّرْبَةُ أَوِ الْمَاءُ أَوْ هُمَا مَعًا، لَا وَكَلَّا. إِنَّهُ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ، سُبْحَانَهُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا.
وَهُنَا عَوْدٌ عَلَى بَدْءٍ يَخْتِمُ السُّورَةَ بِمَا بَدَأَتْ بِهِ مَعَ بَيَانِ مُوجِبَاتِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ، وَآيَاتِ وَحْدَانِيَّتِهِ، سُبْحَانَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
السورة التالية
Icon