0:00
0:00

- سورة الحشر :
قال المهايمي سميت به لدلالة إخراج اليهود عنده، على لطف الله وعنايته برسوله وبالمؤمنين وقهره وغضبه على أعدائهم وهو من ألطف مقاصد القرآن.
وكان ابن عباس يقول " سورة بني النضير " ، روى البخاري١ عن سعيد بن جبير قال " قلت لابن عباس سورة الحشر ؟ قال سورة بني النضير " ، وعنه قال قلت لابن عباس " سورة الحشر ؟ قال سورة بني النضير " وهم قوم من اليهود، وهي مدنية وآيها أربع وعشرون بلا خلاف.
١ أخرجه في ٦٥- كتاب التفسير ٥٩-سورة الحشر، ١- باب الجلاء من أرض إلى أرض حديث رقم ١٨٦٩..

١ ﴿ سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم ﴾.
﴿ سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم ﴾ تقدم القول في تأويل نظيره.
ثم أشار إلى بيان بعض آثار عزته تعالى وإحكام حكمته إثر وصفه بالعزة الظاهرة والحكمة الباهرة على الإطلاق بقوله ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ يعني بني النضير من اليهود ﴿ من ديارهم ﴾ أي مساكنهم التي جاوروا بها المسلمين حول المدينة لطفا بهم، ﴿ لأول الحشر ﴾ أي لأول الجمع لقتالهم يعني أخرجهم تعالى بقهره لأول ما حشر لغزوهم والتوقيت به إشارة إلى شدة الأخذ الرباني لهم وقوة البطش والانتقام بقذف الرعب في قلوبهم حتى اضطروا لأول الهجوم عليهم إلى الجلاء والفرار كما يأتي : ﴿ ما ظننتم أن يخرجوا ﴾ أي لشدة بأسهم ومنعتهم فصار آية لكم لأنه من آثار سننه تعالى في إذلال المفسدين وقهرهم، ﴿ وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ﴾ أي من بأسه، ﴿ فأتاهم الله ﴾ أي عذابه وهو الرعب والاضطرار إلى الجلاء، ﴿ من حيث لم يحتسبوا ﴾ أي لم يظنوا، ﴿ وقذف في قلوبهم الرعب ﴾ أي أنزله إنزالا شديدا فيها لدلالة مادة ( القذف ) عليه كأنه مقذوف الحجارة.
قال القاشاني أي نظر ينظر القهر إليهم فتأثروا به لاستحقاقهم لذلك ومخالفة الحبيب ومشاقته ومضاداته ولوجود الشك في قلوبهم وكونهم على غير بصيرة من أمرهم وبينة من ربهم إذ لو كانوا أهل يقين ما وقع الرعب في قلوبهم ولعرفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنور اليقين وآمنوا به فلم يخالفوه.
﴿ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴾ أي كيف حل بالمفسدين ما حل ونزل بهم ما نزل لتعلموا صدق الله في وعده ووعيده.
﴿ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء ﴾ أي الخروج من أوطانهم ﴿ لعذبهم في الدنيا ﴾ أي بالقتل والسبي كما فعل بإخوانهم بني قريظة ﴿ ولهم في الآخرة عذاب النار ﴾ أي الجلاء والعذاب.
﴿ ذلك بأنهم شاقوا ﴾ أي خالفوا ﴿ الله ورسوله ﴾ أي فيما نهاهم عنه من الفساد ونقض الميثاق، ﴿ ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ﴾ أي له في الدنيا والآخرة.
﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ﴾.
﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ أي نخلة من نخيلهم إغاظة لهم، ﴿ أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ﴾ أي أمره ورضاه، لأن ذلك ليس للعبث والإضرار بل لتأييد قوة الحق وتصلب أهله وإرهاب المبطلين وإذلالهم كما قال تعالى ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ أي لما فيه من إهانة العدو وإضعافه ونكايته.
تنبيه :ذكر علماء الأخبار وأئمة السير أن سبب الأمر بجلاء بني النضير هو نقضهم العهد قال الإمام ابن القيم لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، صار الكفار معه ثلاثة أقسام قسم صالحهم ووادعهم على أن لا يحاربوه ولا يظاهروا عليه ولا يوالوا عليه عدوه وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم، وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة، وقسم تاركوه فلم يصالحوه ولم يحاربوه بل انتظروا ما سيؤول إليه أمره وأمر أعدائه ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه وانتصارهم ومنهم من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه في الباطن ليأمن الفريقين وهؤلاء هم المنافقون، فعامل كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره به ربه تبارك وتعالى فصالح يهود المدينة وكتب بينهم كتاب أمن، وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة بني قينقاع، وبني النضير وبني قريظة، فكانت بنو قينقاع أول من نقض ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاربوا فيما بين بدر وأحد وحاصرهم صلى الله عليه وسلم ثم أمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، ثم نقض العهد بنو النضير وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم يستعينهم في دية قتيلين من بني عامر، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم فتآمروا على قتله صلى الله عليه وسلم، وأن يعلو رجل فيلقي صخرة عليه فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب أحدهم وصعد ليلقي عليه صخرة، ونزل الوحي على الرسول صلوات الله عليه بما أراد القوم فقام ورجع بمن معه من أصحابه إلى المدينة وأمر بالتهيؤ لحربهم ثم سار بالناس حتى نزل بهم، فحاصرهم ست ليال فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخيل وتحريقها، ثم قذف الله في قلوبهم الرعب وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة ففعل، فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف١ بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام وخلوا الأموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت له خاصة يضعها حيث شاء فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة ذكرا فقرا فأعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان :يامين بن عمير بن كعب وأبو سعد بن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاها.
قال ابن إسحاق وقد حدثني بعض آل يامين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليامين " ألم تر ما لقيت من ابن عمك، وما هم به من شأني ؟ " فجعل يامين بن عمير لرجل جعلا على أن يقتل له عمرو بن جحاش فقتله فيما يزعمون، ونزل في بني النضير سورة الحشر بأسرها يذكر فيها ما أصابهم الله به من نقمته وما سلط عليهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عمل به فيهم انتهى.
١ العتبة التي بأعلى الباب..
﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير ﴾.
﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم ﴾ أي أعاد عليه من أموال بني النضير، ﴿ فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ أي فما أجريتم على تحصيله خيلا ولا ركابا ولا تعبتم في القتال عليه وإنما مشيتم إليه على أرجلكم، ( والإيجاف ) من الوجيف وهو سرعة السير و ( الركاب ) ما يركب من الإبل غلب فيه كما غلب الراكب على راكبه، ﴿ ولكن الله يسلط رسله على من يشاء ﴾ أي من أهل الفساد والإفساد ليقوم الناس بالقسط، ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾.
قال الزمخشري المعنى أن ما خول الله رسوله من أموال بني النضير شيء لم يحصلوه بالقتال، ولكن سلطه الله عليهم وعلى ما في أيديهم كما كان يسلط رسله على أعدائهم فالأمر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء يعني أنه لا يقسم قسمة الغنائم التي قوتل عليها وأخذت عنوة وقهرا وذلك أنهم طلبوا القسمة فنزلت :
﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب ﴾.
﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ﴾ أي من أموال محاربيها وهو بيان للأول ولذا لم يعطف عليه، ﴿ فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون ﴾ أي الفيء الذي حقه أن يكون لمن ذكر، ﴿ دولة بين الأغنياء منكم ﴾ أي يتداولونه وحدهم دون من هم أحق به أو دولة جاهلية إذ كان من عوائدهم استثار الرؤساء والأغنياء بالغنائم دون الفقراء، ﴿ وما ءاتاكم الرسول ﴾ أي من قسمة غنيمة أو فيء ﴿ فخذوه وما نهاكم عنه ﴾ أي عن أخذه منها، ﴿ فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب ﴾ أي لمن خالفه إلى ما نهى عنه.
تنبيهات :الأول قال السيوطي في ( الإكليل ) استدل بالآية على أن ( الفيء ) ما أخذ من الكفار بلا قتال وإيجاف خيل وركاب ومنه ما جلوا عنه خوفا، و ( الغنيمة ) ما أخذ منهم بقتال كما تقدم في١ قوله : ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء... ﴾ الآية خلافا لمن زعم أنهما بمعنى واحد أو فرق بينهما بغير ذلك انتهى.
وكأن الذي زعم أنهما بمعنى واحد رأى أن مجمل هذه الآية بينه آية الأنفال، حتى زعم قتادة أن هذه منسوخة بتلك، قال فيما رواه ابن جرير٢ :" كان الفيء في هؤلاء ثم نسخ ذلك في سورة الأنفال فقال : ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسة وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ وجعل الخمس لمن كان له الفيء في سورة الحشر وكانت الغنيمة تقسم خمسة أخماس فأربعة أخماس لمن قاتل عليها ويقسم الخمس الثاني على خمسة أخماس فخمس لله وللرسول وخمس لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وخمس لليتامى وخمس للمساكين وخمس لابن السبيل ".
والمسألة مبسوطة في مطولات الفروع.
الثاني :قال الزمخشري الأجود أن يكون قوله تعالى ﴿ وما ءاتاكم الرسول فخذوه ﴾ الآية عاما في كل ما آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عنه وأمر الفيء داخل في عمومه.
وفي ( الإكليل ) فيه وجوب امتثال أوامره ونواهيه صلى الله عليه وسلم.
قال العلماء وكل ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم يصح أن يقال إنه في القرآن أخذا من هذه الآية انتهى.
وهذا الأخير من غلو الأثريين والإغراق في الاستنباط.
١ ٨/ الأنفال / ٤١..
٢ انظر الصفحة رقم ٣٧ من الجزء الثامن والعشرين (طبعة الحلبي الثانية)..
ثم بين تعالى من أصناف من تقدم الأحق بالعناية والرعاية بقوله : ﴿ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ﴾.
﴿ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ﴾ أي من مواطنهم ومألوفاتهم ﴿ يبتغون فضلا من الله ﴾ أي من العلوم والفضائل الخلقية ﴿ ورضوانا ﴾ أي منه، وهو أعظم ما يرغب فيه ﴿ وينصرون الله ورسوله ﴾ أي ببذل النفوس لقوة اليقين، ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ قال القاشاني أي في الإيمان اليقيني لتصديق أعمالهم دعواهم إذ علامة وجدان اليقين ظهور أثره على الجوارح بحيث لا تمكن حركاتها إلا على مقتضى شاهدهم من العلم.
ثم أشار إلى أن إيثار هؤلاء بالعطاء مما تطيب به نفوس إخوانهم الأنصار لحرصهم رضي الله عنهم على الإيثار دون الاستثار بقوله :
﴿ والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾.
﴿ والذين تبوءا الدار ﴾ أي دار الهجرة أي توطنوها، ﴿ والإيمان من قبلهم ﴾ أي من قبل مجيء المهاجرين إليهم وعطف ﴿ الإيمان ﴾ قيل بتقدير عامل أي وأخلصوا الإيمان وقيل استعمل التبوء في لازم معناه وهو اللزوم والتمكن والمعنى لزموا الدار والإيمان وجوز أيضا تنزيل الإيمان منزلة المكان الذي يتمكن فيه على أنه استعارة الكناية ويثبت له التبوؤ على طريق التخييل.
﴿ يحبون من هاجر إليهم ﴾ أي لوجود الجنسية في الصفاء، والموافقة في الدين والإخاء.
قال الشهاب المراد بمحبتهم المهاجرين هنا، مواساتهم وعدم الاستثقال والتبرم منهم إذا احتاجوا إليهم فالمحبة كناية عما ذكر كما قيل :
يا أخي واللبيب إن خان دهر يستبين العدو ممن يحب.
﴿ ولا يجدون في صدورهم ﴾ أي في أنفسهم ﴿ حاجة ﴾ أي طلبا أو حسدا، ﴿ مما أوتوا ﴾ أي مما أوتي المهاجرون من الفيء وغيره لسلامة قلوبهم وطهارتها عن دواعي الحرص، ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ أي حاجة وفاقة.
قال القاشاني لتجردهم وتوجههم إلى جناب القدس وترفعهم عن مواد الرجس وكون الفضيلة لهم أمرا ذاتيا باقتضاء الفطرة وفرط محبة الإخوان بالحقيقة والأعوان في الطريقة فتقديمهم أصحابهم على أنفسهم لمكان الفتوة، وكمال المرونة ولقوة التوحيد والاحتراز عن حظ النفس.
تنبيه :في ( الإكليل ) في الآية مدح الإيثار في حظوظ النفس والدنيا، انتهى.
وقال ابن كثير هذا المقام أعلى من حال الذين وصف الله بقوله تعالى ١ ﴿ ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ﴾ وقوله ٢ : ﴿ وءاتى المال على حبه ﴾ فإن هؤلاء تصدقوا، وهم يحبون ما تصدقوا به وقد لا يكون لهم حاجة إليه ولا ضرورة به وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوه ومن هذا المقام تصدق الصديق رضي الله عنه بجميع ماله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما أبقيت لأهلك ؟ فقال رضي الله عنه أبقيت لهم الله ورسوله ؟ وهكذا الماء الذي عرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك، فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء فرده الآخر إلى الثالث فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم ولم يشربه أحد منهم رضي الله عنهم وأرضاهم.
﴿ ومن يوق شح نفسه ﴾ أي فيخالفها فيما يغلب عليها من حب المال وبغض الإنفاق، ﴿ فأولئك هم المفلحون ﴾ أي الفائزون بالسعادتين وفي إضافة الشح إلى النفس إشارة لما قاله القاشاني من أن النفس مأوى كل شر ووصف رديء، وموطن كل رجس دنيء والشح من غرائزها المعجونة في طينتها لملازمتها الجهة السفلية ومحبتها الحظوظ الجزئية فلا ينتفي منها إلا عند انتقائها ولكن المعصوم من تلك الآفات والشرور من عصمه الله.
قال ابن جرير٣ الشح في كلام العرب البخل، ومنع الفضل من المال والعلماء يرون أن الشح في هذا الموضع إنما هو أكل أموال الناس بغير حق، ثم روى أن " رجلا أتى ابن مسعود فقال يا أبا عبد الرحمن إني أخشى أن تكون أصابتني هذه الآية ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء قال :ليس ذاك بالشح الذي ذكر الله في القرآن إنما الشح أن تأكل مال أخيك ظلما ذلك البخل وبئس الشيء البخل " انتهى.
والظاهر أنه عنى بالعلماء علماء الأثر لأنه لم يفسر إلا المأثور ولعل ابن مسعود فسر الآية بذلك، لدلالة سياقها عليه إذ القصد تزهيد الأنصار في أن تطمح أنفسهم لما جعل للمهاجرين دونهم أو هو يرى الفرق بين الشح والبخل بما ذكره وعلى كل فلا يتعين تأويل الآية بما ذكره بل هي مما تحتمله.
وعن ابن زيد في الآية قال :من وقي شح نفسه فلم يأخذ الحرام شيئا، ولم يقربه ولم يدعه الشح أن يحبس من الحلال شيئا فهو من المفلحين.
وروى ابن جرير٤ عن أنس بن مالك قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، " برىء من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأعطى في النائبة ".
وروى الإمام أحمد٥ عن عبد الله بن عمرو قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الفحش فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش وإياكم والشح فإنه أهلك من قبلكم أمرهم بالظلم فظلموا وأمرهم بالفجور ففجروا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا ".
وعن أبي هريرة ٦ :أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدا ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا ".
١ ٧٦/ الإنسان /٨..
٢ ٢/ البقرة / ١٧٧..
٣ انظر الصفحة رقم ٤٣ من الجزء الثامن والعشرين (طبعة الحلبي الثانية)..
٤ انظر الصفحة رقم ٤٤ من الجزء الثامن والعشرين (طبعة الحلبي الثانية)..
٥ أخرجه في مستنده بالصفحة رقم ١٥٩ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٦٤٨٧ (طبعة المعارف)..
٦ أخرجه النسائي في ٢٥- كتاب الجهاد ٨- باب فضل من عمل في سبيل الله على قدمه..
﴿ والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ءامنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ﴾، يعني بالذين جاؤوا من بعدهم الذين هاجروا حين قوي الإسلام من بعد الذين هاجروا مخرجين من ديارهم فالمراد مجيئهم إلى المدينة بعد مدة، والمجيء حسي. وقيل هم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة، فالمجيء إما إلى الوجود أو إلى الإيمان ونظير هذه الآية آية براءة١ ﴿ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ﴾.
قال الشهاب والمراد بدعاء اللاحق للسابق والخلف للسلف أنهم متبعون لهم أو هو تعليم لهم بأن يدعوا لمن قبلهم ويذكروهم بالخير.
تنبيه :جعل الزمخشري قوله ﴿ والذين ﴾ عطفا على ﴿ المهاجرين ﴾ كالموصول قبله في قوله ﴿ والذين تبوءوا... ﴾ الخ، فيكون قوله ﴿ يحبون ﴾ قوله ﴿ يقولون ﴾ حالين.
وجوز السمين وجها ثانيا :وهو كون الموصول فيهما مبتدأ وما بعده خبره.
وعندي أن هذا هو الوجه، وما قبله تكلف وأن الموصولين مستأنفان لمدح إيمان الأنصار والتابعين لهم بتلك الأخلاق الفاضلة، والخصال الكاملة، وما جعل الزمخشري ومن تابعه على الاقتصار على الوجه الأول إلا لتشمل أصناف من يستحق الفيء من فقراء كل، كأنه قيل ﴿ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا... ﴾ الخ، ( و ) للفقراء ﴿ الذين تبوءوا... ﴾ الخ، وللفقراء الذين جاءوا من بعدهم....، مع أن سياق الآيات المذكورة، ورعاية وقت نزولها والمهاجرون في جهد والأنصار في سعة ورغد، يقضي بأن المقصود منها للفيء هو فقراء المهاجرين خاصة، وأن الذين تبوءوا الدار في غنى عنه وعدم تشوف إليه، لشدة محبتهم لإخوانهم بل رغبتهم في إيثارهم ثم بين تعالى حال من يجيء بعدهم بأنه يثني على من سبقه، ويدعو له ابتهاجا بما أتوا واغتباطا بما عملوا لأنهم بين مهاجر عن أهله وأمواله محبة في الله ورسوله وبين محب لمن هاجر مكرم له بل مؤثر إياه مما أشف عن قوة الإيمان والإخلاص في تدعيم روابط الإيقان هذا هو الظاهر من نظم الآيات الكريمة وذوق سوقها وأما فقراء الصنفين الآخرين فإنهم يستحقون من الفيء قياسا على الصنف الاول، لاشتراكهم في الفقر الا أنه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يشك أحد من الأنصار في تلك الواقعة فقرا إلا سهلا وأبا دجانة كما تقدم فأعطاهما صلى الله عليه وسلم وأما في غيرها من الوقائع التي كثرت فيها المغانم فقد كان حظهم منها ما هو معروف ومبين في آيات أخر فإن التنزيل الكريم بين مقاسم الأموال لذويها في عدة آيات.
روى ابن جرير٢ " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ٣ ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ﴾ حتى بلغ ﴿ عليم حكيم ﴾ ثم قال :هذه لهؤلاء ثم قرأ ٤ ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول..... ﴾ الآية، ثم قال هذه الآية لهؤلاء ثم قرأ ٥ ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ﴾ حتى بلغ٦ ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ ثم قال استوعبت هذه الآية المسلمين عامة، فليس أحد إلا له فيها حق، ثم قال لئن عشت ليأتين الراعي، وهو يسير حمره نصيبه لم يعرق فيها جبينه ".
١ ٩/ التوبة /١٠٠..
٢ انظر الصفحة رقم ٣٧ من الجزء الثامن والعشرين (طبعة الحلبي الثانية)..
٣ ٩/ التوبة / ٦٠..
٤ ٨/ الأنفال / ٤١..
٥ ٥٩/ الحشر /٧..
٦ ٥٩/ الحشر / ١٠..
﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون ﴾.
﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ يعني بني النضير المتقدم ذكرهم وأخوتهم معهم أخوة دين واعتقاد أو أخوة صداقة وموالاة لأنهم كانوا معهم سرا على المؤمنين، ﴿ لئن أخرجتم ﴾ أي من دياركم ﴿ لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم ﴾ أي في خذلانكم ﴿ أحدا أبدا ﴾ أي من الرسول صلوات الله عليه والمؤمنين، ﴿ وإن قوتلتم لننصرنكم ﴾ أي لنعاونكم.
قال ابن جرير١ ذكر أن الذين نافقوا هم عبد الله بن أبي بن سلول ووديعة ومالك ابنا نوفل وسويد، وداعس بعثوا إلى بني النضير حين نزل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للحرب أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم وإن قوتلتم قتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم فتربصوا لذلك من نصرهم فلم يفعلوا وقذف الله في قلوبهم الرعب فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة كما تقدم. ﴿ والله يشهد إنهم لكاذبون ﴾ أي لعلمه بأنهم لا يفعلون ذلك، كما قال : ﴿ لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون ﴾.
١ انظر الصفحة رقم ٤٥ منن الجزء الثامن والعشرين (طبعة الحلبي الثانية)..
﴿ لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون ﴾.
﴿ لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ﴾ أي منهزمين ﴿ ثم لا ينصرون ﴾ أي بنوع ما من انواع النصر والضمير للمنافقين أو اليهود.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وفي هذه الآيات الثلاث تشجيع للمؤمنين على منازلهم والحمل عليهم وتبشير لهم بأنهم المنصورون الغالبون.
﴿ لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ أي هم يرهبونكم أشد من رهبتهم من الله، لاحتجابهم بالخلق عن الحق بسبب جهلهم بالله وعدم معرفتهم له، إذ لو عرفوه لشعروا بعظمته وقدرته وعلمه ولم يستخفوا بمعاصيه ويستخفوا بأوامره والضمير للمنافقين أو اليهود.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وفي هذه الآيات الثلاث تشجيع للمؤمنين على منازلهم والحمل عليهم وتبشير لهم بأنهم المنصورون الغالبون.
﴿ لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ﴾.
﴿ لا يقاتلونكم ﴾ أي اليهود وإخوانهم ﴿ جميعا إلا في قرى محصنة ﴾ أي بالحصون فلا يبرزون إلى البراز ﴿ أو من وراء جدر ﴾ أي من خلف حيطان لفرط رهبتهم منكم ﴿ بأسهم بينهم شديد ﴾ قال :الزمخشري يعني أن البأس الشديد الذي يوصفون به أنما هو بينهم إذا اقتتلوا، ولو قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس والشدة، لأن الشجاع يجبن والعزيز يذل عند محاربة الله ورسوله انتهى.
﴿ تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ﴾ أي تظنهم مجتمعين لاتفاقهم في الظاهر والحال أن قلوبهم متفرقة لاختلاف مقاصدها، وتجاذب دواعيها وتفرقها عن الحق بالباطل ﴿ ذلك ﴾ قال المهايمي أي الاجتماع في الظاهر، مع افتراق البواطن ﴿ بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ أي أنه يوجب جبنهم المفضي إلى الهلاك الكلي انتهى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وفي هذه الآيات الثلاث تشجيع للمؤمنين على منازلهم والحمل عليهم وتبشير لهم بأنهم المنصورون الغالبون.
﴿ كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم ﴾ أي مثل هؤلاء اليهود من بني النضير فيما أنزل بهم من العقوبة، كمثل من نالهم جزاء بغيهم من قبلهم وهم كفار قريش في وقعة بدر، أو بنو قينقاع قال ابن كثير والثاني أشبه بالصواب فإن يهود بني قينقاع كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجلاهم قبل هذا، انتهى.
قال قتادة " إن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاربوا فيما بين بدر وأحد، وكان من أمرهم أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها، فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا فشددت اليهود على المسلم فقتلوه فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين قينقاع فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه فأمرهم أن يخرجوا من المدينة، ولا يجاوروه بها فخرجوا إلى الشام " والتفصيل في السير.
وقال ابن جرير١ وأولى الأقوال بالصواب أن يقال إن الله عز وجل مثل هؤلاء الكفار من أهل الكتاب، مما هو مذيقهم من نكاله، بالذين من قبلهم من مكذبي رسوله صلى الله عليه وسلم الذين أهلكهم بسخطه وأمر بني قينقاع ووقعة بدر كانا قبل جلاء بني النضير وكل أولئك قد ذاقوا وبال أمرهم ولم يخصص الله عز وجل منهم بعضا في تمثيل هؤلاء بهم دون بعض وكل ذائق وبال أمره فمن قربت مدته منهم قبلهم فهم ممثلون بهم فيها عنوا به من المثل انتهى.
١ انظر الصفحة رقم ٤٨ من الجزء الثامن والعشرين (طبعة الحلبي الثانية)..
﴿ كمثل الشيطان ﴾ أي مثل المنافقين في إغراء بني النضير على القتال ووعدهم النجدة أو الخروج معهم ومثل اخداع بني النضير بوعد أولئك الكاذب كمثل الشيطان ﴿ إذ قال للإنسان اكفر ﴾ أي إذا غر إنسانا ووعده على اتباعه وكفره بالله، النصرة عند الحاجة إليه ﴿ فلما كفر ﴾ أي بالله واتبعه وأطاعه ﴿ قال ﴾ أي مخافة أن يشركه في عذابه مسلما له خاذلا ﴿ إني بريء منك ﴾ أي فلا أعينك ﴿ إني أخاف الله رب العالمين ﴾ أي في نصرتك فلم ينفعه التبرؤ، كما لم ينفع الأول وعده الإعانة
﴿ فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين ﴾ أي في حق الله تعالى، وحق العباد أي وهكذا جزاء اليهود من بني النضير والمنافقين الذين وعودوهم النصرة، وكل كافر بالله ظالم لنفسه على كفره به إنهم في النار مخلدون.
﴿ يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله ﴾ أي بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
قال المهايمي يعني أن مقتضى إيمانكم أن لا تامنوا مكر الله فاتقوه أن يسلط عليكم الشيطان ليغويكم بالكفر ثم يتبرأ منكم.
﴿ ولتنظر نفس ما قدمت لغد ﴾ أي لما بعد الموت من الصالحات، ﴿ واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ﴾ أي فيجازيكم بحسبها.
﴿ ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ﴾ قال ابن جرير١ أي لا تكونوا كالذين تركوا أداء حق الله الذي أوجبه عليهم فأنساهم حظوظ أنفسهم من الخيرات. وقال القاشاني ﴿ نسوا الله ﴾ :أي بالاحتجاب بالشهوات الجسمانية والاشتغال باللذات النفسانية ﴿ فأنساهم أنفسهم ﴾ حتى حسبوها البدن وتركيبه ومزاجه فذهلوا عن الجوهرة القدسية والفطرية النورية.
وقال ابن القيم في ( دار السعادة ) تأمل هذه الآية تجد تحتها معنى شريفا عظيما وهو أن من نسي ربه أنساه ذاته ونفسه فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه بل نسي ما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده فصار معطلا مهملا، بمنزلة الأنعام السائبة بل ربما كانت الأنعام أخبر بمصالحها منه لبقائها على هداها الذي أعطاها إياه خالقها وأما هذا فخرج عن فطرته التي خلق عليها فنسي ربه فأنساه نفسه وصفاته وما تكمل به وتزكو به، وتسعد به في معاشها ومعادها قال تعالى٢ ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ﴾ فغفل عن ذكر ربه فانفرط عليه أمره وقلبه فلا التفات له إلى مصالحه وكماله وما تزكو به نفسه وقلبه بل هو مشتت القلب مضيعه مفرط الأمر حيران لا يهتدي سبيلا، فالعلم بالله أصل كل علم وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته والجهل به مستلزم للجهل لنفسه ومصالحها وكمالها وما تزكو به وتفلح به فالعلم به سعادة العبد والجهل به أصل شقاوته انتهى.
﴿ أولئك هم الفاسقون ﴾ أي الذين خرجوا عن الدين القيم الذي هو فطرة الله التي فطر الناس عليها وخانوا وغدروا ونبذوا عهد الله وراء ظهورهم فخسروا.
١ انظر الصفحة رقن ٥٢ من الجزء الثامن والعشرين (طبعة الحلبي الثانية)..
٢ ١٨/ الكهف/ ٢٨..
﴿ لا يستوي أصحاب النار ﴾ وهم الناسون الغادرون ﴿ وأصحاب الجنة ﴾ وهم المؤمنون المتقون الموفون بعهدهم ﴿ أصحاب الجنة هم الفائزون ﴾ أي بالنعيم المقيم.
تنبيهات :الأول قال الزمخشري استدل أصحاب الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالكافر انتهى.
ورد الاستدلال بذلك أحد أئمة الشافعية، وهو برهان الدين في ( تفصيل السلف على الخلف ) بما مثاله :احتج بهذه الآية بعض الشافعية في مسألة قتل المسلم بالذمي وهذا في غاية الضعف لأن أحدا لم يسو بينهما، وإيجاب القصاص ليس بتسوية، لأنه ما من متباينين في وجوه :إلا وقد استويا في وجه أو وجوه، فلا يكون إيجاب القود استواء كما لا يكون إيجاب الدية والكفارة استوء فهذا كلام من ضعف نظره في مورد الانتزاع من شواهد الفرقان انتهى.
الثاني :قال أبو السعود لعل تقديم أصحاب النار في الذكر للإيذان من أول الأمر بأن القصور الذي ينبىء عنه عدم الاستواء من جهتهم لا من جهة مقابليهم فإن مفهوم عدم الاستواء بين الشيئين المتفاوتين زيادة ونقصانا وإن جاز اعتباره بحسب زيادة الزائد، لكن المتبادر اعتباره بحسب نقصان الناقص وعليه قوله تعالى١ ﴿ هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور ﴾ إلى غير ذلك من المواقع وأما قوله تعالى ٢ ﴿ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾ فلعل تقديم الفاضل فيه لأن صلته ملكة لصلة المفضول والأعدام مسبوقة بملكاتها انتهى.
١ ١٣/ الرعد / ١٦..
٢ ٣٩ / الزمر / ٩..
﴿ لو أنزلنا هذا القرءان على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ﴾.
﴿ لو أنزلنا هذا القرآن ﴾ أي الجامع للمواعظ، الموجب للنظر والتقوى بكل حال ﴿ على جبل ﴾ قال المهايمي أي بتفهيمه له، وتكليفه بما فيه بعد إعطاء القوى المدركة والمحركة ﴿ لرأيته خاشعا ﴾ أي متذللا لعظمة الله ﴿ متصدعا ﴾ أي متشققا ﴿ من خشية الله ﴾ أي مع عظم مقداره وغاية صلابته وتناهي قساوته قال القاشاني أي قلوبهم أقسى من الحجر في عدم التأثر والقبول إذ الكلام الإلهي بلغ من التأثير ما لا إمكان للزيادة وراءه حتى لو فرض إنزاله على جبل لتأثر منه بالخشوع_ والانصداع، ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس ﴾أي وتلك الأمور، وإن كانت وهمية، مفروضة فلا بد من اعتبارها وضربها للناس الذين نسوا صغر مقدارهم فتكبروا ولينهم فقست قلوبهم، ﴿ لعلهم يتفكرون ﴾ أي ليعلموا أنهم أولى بذلك الخشوع والتصدع.
قال الزمخشري الآية تمثيل كما مر في قوله ١ ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ وقد دل عليه قوله : ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس ﴾ والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلة تخشعه عند تدبر القرآن وتدبر قوارعه وزواجره.
١ ٣٣/ الأحزاب / ٧٢..
ثم أشار تعالى إلى أنه كيف يترك الخشوع لذات الله وأسمائه مع أنه :
﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو ﴾ أي المعبود الذي لا تنبغي العبادة والألوهية إلا له، ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي ما غاب عن الحس وما شوهد، ﴿ هو الرحمن الرحيم ﴾ أي المنعم بالنعم العامة والخاصة، ومن كان مطلعا على الأسرار يجب أن يخشع له ويخشى منه لاسيما من حيث كونه منعما إذ حق المنعم أن يخشع له ويخشى أن تسلب نعمه
﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو الملك ﴾ أي الغني المطلق الذي يحتاج إليه كل شيء المدبر للكل في ترتيب نظام لا أكمل منه، ﴿ القدوس ﴾ أي المنزه عما لا يليق بجلاله تنزها بليغا ﴿ السلام ﴾ أي الذي يسلم خلقه من ظلمه أو المبرأ عن النقائص كالعجز، ﴿ المؤمن ﴾ أي لأهل اليقين بإنزال السكينة ومن فزع الآخرة، ﴿ المهيمن ﴾ أي الرقيب على كل شيء باطلاعه واستلائه وحفظه، ﴿ العزيز ﴾ أي القوي الذي يغلب ولا يغلب، ﴿ الجبار ﴾ أي الذي تنفذ مشيئته على سبيل الإجبار في كل أحد ولا تنفذ فيه مشيئة أحد والذي لا يخرج أحد عن قبضته قال الغزالي في ( المقصد الأسنى ).
وقال الإمام ابن القيم في ( الكافية الشافية ) :
وكذلك ( الجبار ) من أوصافه *** والجبر في أوصافه قسمان
جبر الضعيف وكل قلب قد غدا *** ذاكرة، فالجبر منه داني
والثاني جبر القهر بالعز الذي *** لا ينبغي لسواه من إنسان
له مسمى ثالث وهو العل *** و فليس يدنو منه من إنسان
من قولهم ( جبارة ) للنخلة ال *** عليا التي فاتت بكل بنان
﴿ المتكبر ﴾ أي الذي يرى الكل حقيرا بالإضافة إلى ذاته ولا يرى العظمة والكبرياء إلا لنفسه فينظر إلى غيره نظر الملوك إلى العبيد. ﴿ سبحان الله عما يشركون ﴾ أي من الأوثان والشفعاء.
﴿ هو الله الخالق ﴾ أي المقدر للأشياء على مقتضى حكمته، ﴿ البارىء ﴾ أي الموجد لها بعد عدم، ﴿ المصور ﴾ أي الكائنات كما شاء، ﴿ له الأسماء الحسنى ﴾ أي الدالة على محاسن المعاني وأحاسن الممادح، ﴿ يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم ﴾ أي في تدبيره خلقه وصرفهم فيما فيه صلاحهم وسعادتهم.
تنبيهات :الأول قال السيد ابن المرتضي في ( إيثار الحق ) مقام معرفة كمال الرب الكريم وما يجب له من نعوته وأسمائه الحسنى، من تمام التوحيد الذي لا بد منه لأن كمال الذات بأسمائها الحسنى ونعوتها الشريفة، ولا كمال لذات لا نعت لها ولا اسم ولذلك عد مذهب الملاحدة في مدح الرب بنفيها من أعظم مكايدهم للإسلام فإنهم عكسوا المعلوم عقلا وسمعا فذموا الأمر المحمود، ومدحوا الأمر المذموم القائم مقام النفي والجحد المحض وضادوا كتاب الله ونصوصه الساطعة، قال الله عز وجل جلاله١ ﴿ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ﴾، وقال سبحانه وتعالى ٢ ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ﴾ فما كان منها منصوصا في كتاب الله وجب الإيمان به على الجميع والإنكار على من جحده أو زعم أن ظاهره اسم ذم الله سبحانه، وما كان في الحديث وجب الإيمان به على من عرف صحته وما نزل عن هذه المرتبة أو كان مختلفا في صحته لم يصح استعماله فإن الله أجل من أن يسمى باسم لم يتحقق أنه مسمى به.
ثم قال وعادة بعض المحدثين أن يوردوا جميع ما ورد في الحديث المشهور في تعدادها مع الاختلاف الشهير في صحته وحسبك أن البخاري ومسلما تركا تخريجه مع رواية أوله، واتفاقهما على ذلك يشعر بقوة العلة فيه، ولكن الأكثرين اعتمدوا ذلك تعرضا لفضل الله العظيم في وعده من أحصاها بالجنة، كما اتفق على صحته وليس يستقين إحصاؤها بذلك إلا لو لم يكن لله سبحانه اسم غير تلك الأسماء فأما إذا كانت أسماؤه سبحانه أكثر من أن تحصى بطل اليقين بذلك، وكان الأحسن الاقتصار على ما في كتاب الله، وما اتفق على صحته بعد ذلك، وهو النادر وقد ثبت أن أسماء الله تعالى أكثر من ذلك المروي بالضرورة والنص.
ثم أطال رحمه الله في ذلك وأطاب فليرجع إليه النهم بالتحقيقات.
الثاني :قال الغزالي في ( المقصد الأسنى ) وهو من أنفس ما ألف في معاني الأسماء الحسنى هل الصفات والأسامي المطلقة على الله تعالى تقف على التوقيف أو تجوز بطريق العقل ؟ والذي مال إليه القاضي أبو بكر الباقلاني أن ذلك جائز إلا ما منع منه الشرع أو أشعر بما يستحيل معناه على الله تعالى فأما ما لا مانع فيه فإنه جائز، والذي ذهب إليه الشيخ أبو الحسن الأشعري رحمة الله عليه أن ذلك، موقوف على التوقيف فلا يجوز أن يطلق في حق الله تعالى ما هو موصوف بمعناه إلا إذا أذن فيه.
والمختار عندنا أن نفصل ونقول :كل ما يرجع إلى الاسم فذلك موقوف على الإذن وما يرجع إلى الوصف، فذلك لا يقف على الإذن بل الصادق منه مباح دون الكاذب ثم جود رحمه الله البيان بما لا غاية بعده.
الثالث :قال السيد ابن المرتضى في ( إيثار الحق ) قد تكلم على معانيها جماعة من أهل العلم والتفسير، واكثرها واضح، والعصمة فيها عدم التشبيه واعتقاد أن المراد بها أكمل معانيها الكمال الذي لا يحيط بحقيقته إلا الله تعالى.
ثم قال ولا بد من الإشارة إلى أمر جملي وهو أصل عظيم وذلك تفسير الحسنى جملة :فاعلم أنها جمع ( الأحسن ) لا جمع الحسن، وتحت هذا سر نفيس، وذلك أن ( الحسن ) من صفات الألفاظ، ومن صفات المعاني فكل لفظ له معنيان حسن وأحسن فالمراد الأحسن منهما حتى يصح جمعه على ( حسنى ) ولا يفسر بالحسن منهما إلا الأحسن بهذا الوجه ثم بين مثال ذلك فانظره.
١ ٧/ الأعراف / ١٨٠..
٢ ١٧/ الإسراء / ١١٠..
السورة التالية
Icon