0:00
0:00

سورة الحشر
مدنية، وآياتها أربع وعشرون آية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) سبق الكلام عليه.
(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ... (٢) لا أنتم.
المراد بنو النضير. وذلك أن رسول اللَّه - ﷺ - لما جاء إلى المدينة، ودعاهم إلى الإيمان وأبوا، عاهدهم أن لا يكونوا لا له ولا عليه، حتى قَتَلَ عمرو بن أمية رجلَيْن من بني عامر خطأ،
فخرج رسول اللَّه - ﷺ - إلى بني النضير يستعين بهم في دية الرجلين. وكان بنو عامر حلفاء بني النضير. فقالوا: نفعل ذلك يا أبا القاسم. وأجلسوه في ظل جدار، وأخذوا في المشاورة وقالوا: ما نرى فرصة أحسن من هذه. فانتدب عمرو بن جحاش لقتله بأن يصعد ويلقي عليه صخرة. فأتاه خبر السماء بكيدهم، فكرَّ راَجِعاً. وكان معه أبو بكر وعمر، وعلي - رضي الله عنه -. فتجهز لقتالهم وسار إليهم. وكانت لهم حصون منيعةٌ، فتحصنوا بها على ما يفصل بعد. كان بعد أُحُد وقيل: بعد بدر بستة أشهر. (لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) واللام للتوقيت، مثل (قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) ومعنى أولية الحشر أنهم لم يكن أصابهم جلاء، وأول مجيئهم من الشام إلى أرض العرب كان باختيار منهم، أو أنهم أول من أخرج من جزيرة العرب، أو أن هذا أول حشر أهل الكتاب والثاني: إجلاء عمر أهل خيبر، أو آخر حشرهم يوم القيامة. حاصرهم ستة أيام، ثم اتفقوا على أن لهم ما حملت الإبل فأجلاهم إلى الشام، ولحق بعضهم بخيبر. وأسلم منهم رجلان يامين بن عمرو، وأبو سعيد بن وهب. واستدلال عكرمة بالآية على أن
أرض الشام هي المحشر غير تام. (مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا) أيها المؤمنون لكثرة عددهم وعددهم. (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ) كان الظاهر وظنوا أن لا يخرجوا.
فالعدول إلى المنزل؛ لما في تقديم الخبر ثم إسناد الجملة إلى الضمير من الدلالة على أن ظنهم قارب اليقين، لا كظن المؤمنين. (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) أي: بأسه. ولم يكن ذلك في حسابهم؛ لاعتمادهم على شدة بأسهم، وحصانة حصونهم. (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) الخوف الذي يملأ الصدر. وأكده بلفظ القذف الدال على القوة.
(يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ) عن قتادة: كانوا يخربونها ليصلحوا به ما انهدم من السور. أو كانوا ييفعلون ذلك لئلا يبقى للمسلمين جنَّة. (وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) لأنهم تسببوا لذلك.
(فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ولا تخالفوا أمر اللَّه ورسوله؛ أولا تعتمدوا على قواكم، واتكلوا
على اللَّه في أموركم. وفيه دليل على جواز القياس فيما لا نص فيه بشرائطه المعلومة في موضعه. وقرأ أبو عمرو بالتشديد وهو أبلغ؛ لدلالته على التكثير.
(وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ... (٣) الذي هو أشق. (لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا) بالقتل وسبي الذراري كما فعل ببني قريظة. (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ) الذي القتل والجلاء عنده أهون شيء.
(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ... (٤) أي: ذلك الغضب الذي أورثهم عذاب الدارين لأجل أنهم عادوا رسول اللَّه وكذبوه. وذكراللَّه تعالى؛ للدلالة على أن مشاقة رسوله مشاقته، ولذلك اكتفى به في قوله: (وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) وفيه تهديد لغيرهم.
(مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ... (٥) هي النخلة ما عدا العجوةِ والبَرْنِيةِ من اللون. سميت به؛ لاشتمالها على الألوان. قلبت الواو ياء للكسرة. والجمع ليِنٌ. (أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ) لما أمر رسول اللَّه - ﷺ - بقطعها وتحريقها وقع في قلوب المؤمنين وسوسة. وقيل: أرسلت قريظة تقول: " يا محمد كنت تنهى عن الفساد فنزلت. وفيه يقول حسان بن ثابت:
وهانَ عَلى سَراةِ بَني لُؤَي حريقٌ بِالبُوَيرَةِ مستَطيرُ
وإنما أبقوا العجوة والبرنِيَّة، لأنها أحسن (وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) اليهود إذا شاهدوا ذلك. والمعلل محذوف. أي: أذن لكم.
(وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ... (٦) لقرب حصونهم ولم يقع منهم قتال. الإيجاف: الإسراع. والركاب: الإبل التي يسار بها. لا واحد له من لفظه. (وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ) بإلقاء الرعب في قلوب عدوهم. نزلت حين طلبوا منه قسمة أموالهم كما قسم أموال المشركين ببدر. (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ينصر بالملائكة وبدونها.
(مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى... (٧) لم يدخل العاطف؛ لأنه بيان الأول شامل لمال بني النضير، ولسائر أموال الفيء إلى يوم القيامة. (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) هذه مصارف مال الفيء وهي مصارف خمس الغنيمة.
فلما قطع عنه مطامح أنظار أهل الغزو، أمره أن يضعها هذه المواضع، فكان رسول اللَّه - ﷺ - يأخذ من ذلك قوت سنته وأهله، ثم يصرف الباقي في هذه المصارف. وكذلك فعلت الخلفاء مع أمهات المؤمنين. وذكر اللَّه؛ للتعظيم. وقيل: يصرف سهمه في عمارة الكعبة شرفها اللَّه، ولسائر المساجد. وذهب الشافعى إلى أن المصروف في هذه المصارف في زمانه كان أربعة أخماس الخمس، وأما الأخماس الأربعة مضافاً إليها خمس الخمس، كانت خالصة رسول اللَّه يأخذ منه نفقة أهله، ويَصرف الباقي إلى الكِراع والسلاح، وهي الآن تصرف
إلى المرتزقة. واستدل بحديث رواه البخاري عن عمر بن الخطاب. (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) أي: إنما بينا مصارف الفيء؛ كيْلا يكون جَدًّا وحظاً بين الأغنياء يتكاثرون به. والدُّولَة: ما يدول مع الإنسان من الحظ أي: يدور. فُعْلَةٌ بمعنى الفاعل. أو كي لا يكون دُولة جاهلية. وكان أهل الشوكة يختصون بها ويقولون: " من عَزَّ بَزَّ "، أو بمعنى المفعول. أي: يتداولونه ويتعاورونه، كالغرفة لما يغترف، وقرأ هشام في أحد الوجهين
بتأنيث الفعل، ونصب (دُولَةً)، على أن كان ناقصة. (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) لا تخالفوه في شيء، ولا تتوهموا في أفعاله وأقواله غير الحق. (وَاتَّقُوا اللَّهَ) بطاعة رسوله. (إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) حقيق بأن يتَّقى.
(لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ... (٨) بدل من ذوي القربى بإعادة الجار لا من الرسول وما عطف عليه، لخروجه عنهم بقوله: (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ولكونه أجلّ من أن يطلق عليه اسم الفقير، ولأن المبدل في حكم السقوط وذلك مخلّ بتعظيم الله؛ لأن الاسم الأعظم وإن كان مذكوراً توطئة وتمهيداً إلا أنه لا يليق أن يقال أنه في حكم السقوط. ألا يُرى أنه لا يقال له علامة لمكان التاء؟ (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ) استولى عليها المشركون.
(يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ) الجنة. (وَرِضْوَانًا) ورضاه. حال مقيدة. (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) دينهما، (أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) في دعوى الإيمان؛ لتنور دعواهم بالبرهان.
(وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ... (٩) هم الأنصار عطف على المهاجريين. أي: دار الهجرة ودار الإيمان. فاللام في الأول يغني غناء الإضافة وحذف المضاف من الثاني.
أو أخلصوا الإيمان كقوله:
عَلَفتُها تِبناً وَماءً بارِداً
أو جعل الإيمان مستقَرّاً ومتوطناً على أنه استعارة مكنية. وهنا أبلغ الوجوه.
وإطلاق بها الدار حينئذ؛ للتنويه كأنها الدار التي يحق لها أن تسمى داراً. (مِنْ قَبْلِهِمْ) من قبل هجرة المهاجرين. وقيل: سبقوا المهاجرين بالتبوء والإيمان. إذ سبق الأنصار بالإيمان على كل من هاجر غير مسلم. ولا يستقيم إلا بتقدير الإضافة. (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) ولا يعدونه كَلًّا. قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف - وكان رسول اللَّه - ﷺ - آخى بينهما كما آخى بين المهاجرين والأنصار -: أشاطرك مالي، وانظر أيّ زوجيَّ أعجبتك، أطلقها فتزوجها. (وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا) مما أعطي المهاجرون. وذلك أن
رسول اللَّه - ﷺ - لم يعط من مال بني النضير الأنصار شيئاً، إلا أبا دجانة وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة. وقد بالغ في مدحهم حيث نكر الحاجة وذكر الصدر والوجدان. أي: لم يخطر بخاطرهم ما يسمى حاجة، فضلاً عن توجة النفس إلى طلبها، ولذا أوثر الوجدان دون العلم. (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) أي: يختارون المحتاج على أنفسهم بمالهم، فكيف يطمح إلى شيء ليس لهم؟! (وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) فقر وحاجة. من خصاص الأثافي: الفرج بيها أحجارها. روى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: " جاء رجل إلى رسول اللَّه - ﷺ - وقد أصابه الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد شيئاً، فقال: " ألا رجل يضيف هذا؟ فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول اللَّه، فذهب به، فقالت امرأته: ما أجد إلا قوت الصبية. قال: نومي الصبية وقدمي الطعام، ثم قومي كأنك تصلحين السراج فأطفئيه ليأكل وحده، فإنه ضيف رسول اللَّه، ففعلت. فلما أصبح جاء إلى رسول اللَّه فقال: لقد عجب اللَّه منك. فنزلت (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) " الشح: البخل مع الحرص. وأضافه إلى النفس،
لأنه غريزتها. أي: ومن تحفظ عن هذه الرذيلة (فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الفائزون بالثناء من اللَّه عاجلاً والثواب آجلاً. والأنصار داخلون أول دخول.
(وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ... (١٠) أي: من بعد الفريقين، وهم الذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين. وقيل: الذين هاجروا بعد السابقين الأولين. وفيه أنه لا يستوعب مستحق الفيء. ويرده قوله: (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ)؛ لأن اللاحق هجرة يجوز أن يكون أسبق إيماناً، (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا) غشاً وحقداً. من الغلل: وهو الماء بين الأشجار. وعن مالك: أن سابَّ السلف، لا يستحق من الفيء شيئاً، لعدم اتصافه بما في الآية. (رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) حقيق بإجابة دعائنا.
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ... (١١) ابن أبيّ رأس المنافقين ومن تبعه. دسوا إلى أهل الكتاب بما أخبر اللَّه به رسوله. والمراد بالأخوة توادهم واتفاقهم في الكفر فلا ينافيه قوله: (مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُم) (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ) من دياركم (لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ) إذ لا عيش لنا بدونكم. (وَلَا نطِيعُ فِيكمْ) في قتالكم (أَحَدًا أَبَدًا) محمداً وغيره (وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) لا محالة (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) في كل ما قالوه. ثم رد مقالتهم مفصلة بقوله:
(لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ... (١٢) فرضاً وتقديراً (لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ) انهزاماً (ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) أي: المنافقون بل يقتلون لظهور نفاقهم. وقيل: الضمير لليهود، وليس بوجه؛ لأن سوق الكلام لذم المنافقين.
(لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ... (١٣) أي: مرهوبية، والمعنى: يخافونكم في السر أكثر من تخوفهم من اللَّه. أو من إظهارهم الخوف من اللَّه لكم إذ لم يكن لهم خوف من اللَّه. (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) عظمة اللَّه، ليعلموا أنه الحقيق بأن يخاف.
(لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا... (١٤) المنافقون واليهود (إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ)، لضعف قلوبهم، واستيلاء الجبن عليها، (أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ) جمع جدار. كحمر وحمار. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو جدار مفرداً؛ لقصد الجنس، أو إرادة السور الجامع. والجمع أظهر وأوفق بالقرى (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ) إذا تقاتلوا، وأما إذا حاربوا اللَّه ورسوله " أجبن من صافر "
(تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا) ذوي إلف واتحاد ظاهراً (وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) جمع شتيت: متفرقة. هؤلاء عبدة الأصنام، وأولئك أهل الكتاب. (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) أن تشتت القلوب والآراء مما يورث الفشل والوهن.
(كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ... (١٥) أي: مثل اليهود في محاربة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كمثل المشركين يوم بدر. وعن ابن عباس: بنو قينقاع أجلاهم رسول اللَّه قبل هؤلاء (قَرِيبًا) أي: في زمان قريب. وانتصابه على الحال أي: وجد مثل هؤلاء مثل وجود مثل أولئك قريباً لم ينطمس بعد أثره، فكان لهم عبرة فيهم. (ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ) بيان للمشبه به يقرره، وفيه زيادة تجهيل لليهود. الوبال: سوء العاقبة، من قولهم: مرعى وبيل أي:
كنانة وقال للمشركين: (إِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ) هارباً (وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ) (إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) َ والمراد بالإنسان الجنس، أو كفار قريش. وقيل: راهب حمله على الفجور بامرأة، وله قصة يرويها القصاص.
(فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا... (١٧) نصب على الحال، والظرف خبر كان، وفيها تأكيد. (وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ). كل كامل في الظلم وهم الكفار.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ... (١٨) يوم القيامة. سماه غداً؛ لقربه، أو لأن اليوم يومان، وتنكيره، لاستقلال الأنفس النواظر كأنه قال: ولتنظر نفس واحدة، أو للتعظيم وهي النفس المطئمنة كأنه قال: ولتنظر النفس التي لها قدر. وأما جعله
من قبيل علمت نفس يأباه المقام؛ لأن سوق الكلام لبيان استيلاء الغفلة والقسوة على الإنسان. وتنكير (لغدٍ) للتعظيم. أي: غد وأيّ غد. (وَاتَّقُوا اللَّهَ) أعاده، لأن الأول فيما قدم من الأعمال، وهذا جاري مجرى الوعيد؛ ولذا عقبه بقوله: (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) وفي مجيئهما مطلقين من الفخامة ما لا يخفى.
(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ... (١٩) نسوا حقه. (فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) حيث لم يرشدهم إلى طريق الهدى. أو أراهم يوم القيامة ما نسوا أنفسهم، (أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) الكاملون في الفسق.
(لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ... (٢٠) كأن الناس لاستيلاء الغفلة عليهم لم يفرقوا بين الفريقين فاحتاجوا إلى الإعلام كقوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) واستدلّ الشافعي بالآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي، وذلك لأنه لما نهى المؤمنين أن
يكونوا كالذين نسوا اللَّه، أشار إلى عدم مساواة الحزبين في أحكام الدارين، وإن كان الملحوظ بالقصد الأول أحكام الآخرة؛ ولذلك عقبه بقوله: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) بما لم يخطر على قلب بشر.
(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ... (٢١) تمثيل وتصوير لزواجر القرآن وما فيه من الوعيد والآيات الدالة على شدة سخطه على من كفر أن لو كان في الجبل فهم وكان هو المكلف والمخاطب لتكسر وتفرقت أجزاؤه من الخوف. (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ) هذا المثل ونظائره (نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) وفيه من الدلالة على قسوة قلبه وعدم تدبره ما لا يخفى.
(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ... (٢٢) لما أثنى على القرآن وأعلى شأنه بما لا مزيد عليه أقام البرهان على ذلك بأنه كلام من هذه أوصافه ونعوته. (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَهَادَةِ) ما غاب عن الضمير وما شاهدوه، أو الموجود والمعدوم، أو الدنيا والآخرة، أو السر والعلن. (هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ... (٢٣) السلطان المنزه عن وصمة النقص والزوال واختلال ملكه كسائر الملوك. (السَّلَامُ) ذو السلامة عن الآفات كأنه عينها. (الْمُؤْمِنُ) الجاعل غيره آمناً. (الْمُهَيْمِنُ) الرقيب الحفيظ. من الأمن إلا أنه أبلغ منه. وهاؤه منقبلة من الهمزة. وقيل: من الأمانة؛ لأن الأمين هو الحافظ.
(الْعَزِيزُ) الغالب. (الْجَبَّارُ) الذي جبر الخلق على ما أراد، أو كثير الجبر للمنكسرين ما كسر إلا وجبر. (الْمُتَكَبِّرُ) البليغ الكبرياء كلِّت العقول عن إدراك ذاته. (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ليس كمثله شيء. فكيف يكون له شريك؟.
(هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ... (٢٤) المقدر للأشياء على وفق حكمته. (الْبَارِئُ) الموجد لها بريئة عما لا يريده بل جاءت كما أراد. (الْمُصَوِّرُ) المفيض للصور والأشكال على المواد القابلة. (لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) الدالة على صفات الجلال ونعوت الكمال، وهذه نبذة منها: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: " أن لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسعين اسْمًا، مَنْ حفظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ " وقيل: إنما يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنيناً؛ لأنه لم يعرف اللَّه بهذه الأسماء، ولم يؤمن بها. (يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) من الأجزاء والجزئيات (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ). (وَهُوَ الْعَزِيزُ) الغالب. (الْحَكِيمُ) المتقن في صنعه. فذلكة للسورة، ورمزاً إلى جلاء اليهود وإيراث أموالهم لرسول اللَّه والمؤمنين. روى الإمام أحمد بن حنبل عن رسول اللَّه - ﷺ -: " مَنْ قَالَ حين يُصبحُ أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيع الْعَلِيمِ مِنْ الشَيْطَانِ الرَّجِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثم قرأ
ثلاث آياتٍ مِنْ آخِرِ الْحَشْرِ، وَكَّلَ اللَّه بِه سَبْعين أَلْفَ مَلَك يُصَلونَ عَلَيْه إلى أن يُمسي، وإنْ مَات في يومه مَاتَ شَهِيدًا ".
* * *
تمت سورة الحشر، والحمد للَّه الرءوف البر، والصلاة على المؤيد بالعز والنصر، وآله وصحبه إلى آخر الدهر.
* * *
السورة التالية
Icon
وخيم. (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) في الآخرة (كَمَثَلِ الشَيْطَانِ (١٦) لما مثّل حال اليهود بحال أهل بدر مثّل المنافقين بحال الشيطان يوم بدر، جاءهم في صورة سراقة سيد