0:00
0:00

سورة الحشر [ وهي مكية ]١.
١ من م، ساقطة من الأصل..

الآية ١ قوله تعالى : ﴿ سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم ﴾ قد سبق تأويل التسبيح وبيان وجوهه.
وقوله تعالى : ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ العزيز، هو الغالب القاهر، وقيل :هو العزيز حين١ جعل في كل شيء من خلقه أثر الذل والحاجة.
وقوله تعالى : ﴿ الحكيم ﴾ له معنيان٢ :معنى الإحكام ومعنى الحكمة :
فأما معنى الإحكام، فهو أنه أحكم الأشياء على اختلافها وتضادها حين٣ تشهد له بالوحدانية.
[ وأما معنى الحكمة، فهو أنه ]٤ وضع الأشياء مواضعها، وخلق للأشياء مواضع.
ثم الأصول التي تتولد منها هذه الأشياء والأفعال ثلاثة :الكيانات والطبائع والعقول :
أما الكيانات فنحو النطفة [ إنه خلقها ]٥ بحيث تصلح أن يكون منها البشر، إذا اتصلت بها موادها، ونحو الماء ؛ إنه جعله بحيث يحيى به كل شيء، وبحيث يصلح به كل شيء. والطبائع خلقها٦ في البشر، وهي ما يميلون بها إلى المحاسن والمنافع، ويحذرون من المساوئ والمضار. والعقول خلقها ليدركوا بها٧ العواقب.
ثم إنه علمهم الوجه التي تتولد منها الأشياء، فهو حكيم حين٨ خلق الأصول التي وصفنا، وعلّم عباده الأسباب التي بها يولدون، والله أعلم.
١ في الأصل و م: حيث..
٢ في الأصل و م: معنيين.
٣ في الأصل و م: حيث..
٤ في الأصل و م: وحكيم و م: وحكيم حيث..
٥ في الأصل و م: أنها..
٦ في الأصل و م: خلق.
٧ من م: في الأصل: به.
٨ في الأصل و م: حيث..
الآية ٢ وقوله تعالى : ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ﴾[ قيل : ]١ هم بنو قريظة، و قال جماعة٢ من المفسرين :هم بنو النضير، وهو أقرب.
ثم المعنى /٥٥٩- أ/ في إضافة الإخراج يخرج على وجهين :
أحدهما :أنه اضطرهم إلى الخروج، فنسب الإخراج إليه كما قال الله عز وجل : ﴿ إذ أخرجه الذين كفروا ﴾ الآية [ التوبة :٤٠ ].
والثاني :أنه خلق الخروج من ديارهم منهم، فأضيف إليه بحكم الخلق.
ثم الأصل في إضافة الفعل إلى الله تعالى أنه يجوز أن يضاف إليه على التحقيق وعلى التسبيب :فأما [ إضافة الفعل إلى ]٣ الخلق فلما يضاف الفعل إليهم على جهة التسبيب لا على التمكين، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ لأول الحشر ﴾ اختلفوا فيه ؛ قال بعضهم :أول الحشر الجلاء إلى الشام، والحشر الثاني :حشر القيامة. وقال بعضهم :أول الحشر، هو حشر أهل الكتاب وجلاؤهم من جزيرة العرب، والحشر الثاني حين أجلاهم عمر رضي الله عنه إلى الشام.
وقوله تعالى : ﴿ ما ظننتم أن يخرجوا ﴾ أي ما ظننتم أيها المؤمنون أن تنتصروا منهم فضلا عن أن يخرجوا من ديارهم، ولكن ذلك من لطف الله ومنته عليكم.
وقوله تعالى : ﴿ وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ﴾ ولا يحتمل أن يتوهم أحد هذا. والمعنى في ذلك عندنا وجهان، والله أعلم.
أحدهما :أنهم ظنوا أن الله تعالى حين٤ آتاهم القوة والحصون لا يبلغ بهم حكمه المبلغ الذي يخرجون من ديارهم لأنهم كانوا أهل الكتاب، وكانوا يزعمون أنهم أولى بالله من غيرهم كقوله تعالى : ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ [ المائدة :١٨ ] ويكون قوله : ﴿ من الله ﴾ أي بالله وبأمره كقوله تعالى : ﴿ له معاقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ﴾ [ الرعد :١١ ] أي بأمر الله. فعلى ذلك [ ﴿ مانعتهم حصونهم ﴾٥ من الله ] أي بأمر الله. فعلى ذلك الأول.
والثاني :أنهم٦ ظنوا أن حصونهم وقوتهم تمنعهم من أولياء الله أن يظهروا عليهم أو من دين الله أن يظهر فيهم، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ﴾ يعني أنه قذف في قلوبهم الرعب من حيث لم يحتسب المؤمن ولا الكافر، لأن المسلمين لم يظنوا أن يقهروهم، ويغلبوهم، مع قلة عددهم وكثرة عدد أولئك.
وكذا لم يحتسب الكفرة أنهم مع قوتهم وقوة حصونهم يقهرون، ويغلبون، حتى من الله تعالى على المؤمنين. فإن قذف الرعب في قلوب الكفرة، ذلك لطف عظيم من الله تعالى إلى المؤمنين والله أعلم.
ثم الأصل في ما خرج هذا المخرج من نحو قوله عز وجل ﴿ فأتى الله بنيانهم من القواعد ﴾ [ النحل :٢٦ ] ومن نحو قوله تعالى : ﴿ وجاء ربك والملك صفا صفا ﴾ [ الفجر :٢٢ ] ومن نحو قوله تعالى : ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ﴾ [ البقرة ٢١٠ ] وما يشاكله أن يحمله على إحدى معان ثلاثة :
أحدها :أن يكون٧ المراد إتيان آثار فعل الله تعالى ؛ ويجوز أن يضاف إليه سبيل إضافة حقيقة العمل كما يقال :الصلاة أمر الله، ونحن نعلم أنها ليست بعين أمر الله، لكنها أثر أمر الله تعالى، وكذلك يقال :المطر رحمة الله تعالى ؛ يعني أثر رحمته. فكذلك إذا نزل بهم آثار حكم الله تعالى وتدبيره وفعله، وهي العذاب جاز أن تضاف [ إليه آثار ]٨ حقيقة الفعل، والله أعلم.
والثاني :أن يقال :إن ما كان من هذه الأفعال موصولا بصلة فإنه يجوز أن يراد منه تلك الصلة، وإنما نتكلم بإضافة٩ هذا الفعل إليه مجازا على ما اعتاد الناس من أفعالهم إذا أرادوا١٠ أن يأتوها بأنفسهم.
وشرح ذلك وبيانه أنه قال : ﴿ فأتى الله بنيانهم من القواعد فخرّ عليهم السقف من فوقهم ﴾ وكذلك قوله تعالى : ﴿ فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب ﴾ وكذلك ما أشبهه من نحو قوله تعالى : ﴿ وجاء ربك والملك صفا صفا ﴾[ الفجر :٢٢ ] ومن [ نحو ]١١ قوله تعالى : ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾[ البقرة :٢٩ وفصلت :١١ ] أي استوى تدبيره من حيث وصل منافع الأرض بمنافع السماء، وكذلك ما أشبه هذا، والله أعلم.
والثالث :يقول :إن هذه أسماء مشتركة المعنى. وما كان سبيله هذا السبيل جاز أن يضاف إلى الله تعالى على معنى ليس يقع فيه الاشتراك بالمخلوقين.
ألا ترى أنه يقال :جاء الليل، وذهب النهار ونحو ذلك على معنى الظهور ونحوه ؟ .
وقوله تعالى ﴿ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ﴾ هذا يدل على أن الملك للمسلمين في أموال أهل الحرب، ليس يقع بمجرد الغلبة ما لم يكن ثم أسر لأنه أخبر أن المؤمنين كانوا يخربون بيوتهم ؛ أضاف الملك إلى الكفرة مع أن الغلبة للمسلمين.
قوله تعالى : ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴾فإنكم إذا اعتبرتم علمتم أن الله من عليكم حين١٢ أخرج الكفار من ديارهم ؛ فإنه لم يكن ذلك بقوّتكم.
ويحتمل أن يكون المعنى فيه ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴾ من أهل الكفار فإن ذلك يدلكم، ويعرفكم، أن اتفاقكم على النفرة على النبي صلى الله عليه وسلم لا يغنيكم كما لم يغن هؤلاء الذين خرجوا إلى مكة، واتفقوا مع المشركين، ثم لم يغنيهم، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: غيره..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ في الأصل و م: حيث.
٥ في الأصل و م: يحفظونه..
٦ في الأصل و م: أي..
٧ في الأصل و م: يقول..
٨ من نسخة الحرم المكي، في م: إضافة، ساقطة من الأصل..
٩ من م، في الأصل: بالإضافة..
١٠ في الأصل و م: أردوها..
١١ ساقطة من الأصل و م..
١٢ في الأصل و م: حيث..
الآية ٣ وقوله تعالى : ﴿ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ﴾ يعني﴿ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء ﴾ في اللوح المحفوظ ﴿ لعذبهم في الدنيا ﴾ بالقتل.
وقوله تعالى : ﴿ ولهم في الآخرة عذاب النار ﴾ قال هذا في قوم علم الله أنهم يموتون على الكفر، وما روي أن أحدا منهم مات على الإسلام فيكون فيه دلالة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخبر ذلك بالوحي والتنزيل من تلقاء نفسه، والله أعلم.
الآية :٤ وقوله تعالى : ﴿ ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ﴾ يحتمل أوجها ثلاثة١ :
أحدها :أن يكون٢ هذا العذاب في الآخرة بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله. ثم المشاقة والمعاداة والمحادّة والمضادة بمنزلة واحدة، وذلك كله بمعنى المعاداة.
وقوله تعالى : ﴿ ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ﴾ يحتمل أن يكون على التقديم والتأخير ؛ ووجه أن يقول :إن الله شديد العقاب لمن يشاقق الله ورسوله، ويكون فيه إضمار ؛ كأنه يقول :إن عقوبته لمن يشاقق الله ورسوله شديدة.
١ لم يذكر المؤلف أبو منصور إلا وجها واحدا..
٢ في الأصل و م: يقول..
الآية ٥ وقوله تعالى : ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ﴾ وما ذكر أن اليهود نادوا المسلمين أنكم تزعمون أن الله لا يحب الفساد، وأنتم تفسدون بقطع النخيل، لا يحتمل هذا.
قال الله تعالى قبل [ ذلك ]١ : ﴿ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ﴾ فإذا كانت أنفسهم تسخى بتخريب البيوت فما بالها لا تسخى بقطع الأشجار ؟
ومعلوم أنه لا يؤمل في البيوت منفعة بعد تخريبها، وقد يؤٍٍٍمل في النخيل منافع بعد قطعها. ولكن إن كان يصح ذلك الخبر فتأويله عندنا أنه يجوز أن يكون المسلمون خوّفوهم بالقتل، فقالوا على إثر ذلك :إنكم إذا قتلتمونا صارت هذه النخل ملكا لكم، فكيف تفسدون أملاككم ؟
ثم في إذن الله بقطع النخيل أوجه٢ من التأويل :
أحدها :أن يكون فيه بيان أن مقاتلة المسلمين إياهم لم تكن لرغبة في أموالهم بل ليستسلموا لله ولرسوله ويخضعوا لدينه.
والوجه الثاني :أن حرمة هذه الأموال إنما هي لحرمة أربابها، وأبيح قتلهم وإتلافهم، فما ظنك بأموالهم ؟ .
والوجه الثالث :أن الله عز وجل كتب عليهم الجلاء، ومعلوم أن أنفسهم بالجلاء إذا خربت بيوتهم، وقطعت أشجارهم أسخى منه إذا بقيت ؛ ليقطع طمع من أجلي عن المقام. فأذن الله تعالى في قطع النخيل إتماما/ ٥٥٩- ب / لما كتب عليهم من الجلاء، والله أعلم.
[ والوجه ]٣ الرابع :أن هؤلاء كانوا أئمة اليهود والتحريف والتبديل للتوراة، إنما وقع منهم رغبة في الدنيا وسعتها، فأذن الله تعالى في قطع النخيل عقوبة لهم وخزيا من الوجه الذي وقع له التبديل منهم، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ فبإذن الله ﴾ إن كان المراد منه العلم فوجهه أن الله تعالى أمر بالقطع والترك جميعا، وإن كان المراد منه المشيئة فهو أن الله تعالى قد شاء الأمرين جميعا، والله أعلم.
واللينة اللون من النخيل كما تقول :قوت وقيتة.
وقوله تعالى : ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ أي ليكون كبتا وغيظا للفاسقين، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م:أوجها..
٣ ساقطة من الأصل و م..
الآية ٦ وقوله تعالى : ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ قال :حق هذه الآية أن تكون مؤخرة، وأن يكون قوله عز وجل : ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ﴾ متقدما١ لوجهين :
أحدهما :أنه ذكر فيه الواو، والواو لا يبتدأ بها إلا في القسم.
والثاني :أن قوله : ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم ﴾[ والواو ]٢ حرف كناية، والكناية لا بد لها من معرفة، تعطف عليها، فيرجع إليها. فلذلك قلنا :إن حقه التأخير، وحق الثانية التقديم، وعلى ذلك قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
وإذا كان كذلك فوجهه أن الذي وجب صرفه إلى الأصناف إنما هو الخمس، وأوجب ههنا من كل الغنيمة، فأبان بقوله : ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم ﴾ أنه إنما تصرف هذه أربعة٣ الأخماس إلى النبي صلى الله عليه وسلم دونهم لهذا المعنى أنهم لم يوجفوا عليه من خيل ولا ركاب ؛ أشار إلى أن استحقاقهم أربعة٤ الأخماس بسبب إيجاف الخيل والركاب.
وإن كانت القراءة على ما يتلى للحال، ليست على التقديم والتأخير فإنه يحتمل أن يكون قوله تعالى : ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم ﴾ صلة قوله : ﴿ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ﴾﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾.
وإن كان بناء على ذلك استقام أن يذكر بحرف الواو [ وهو ]٥ حرف الكناية.
قال رضي الله عنه :المنافقون٦ وأهل الضعف من المؤمنين الذين آمنوا بالتقليد يظنون في هذا الموضع أن كيف خص هذه الغنيمة قرابته والمهاجرين الذين هاجروا إليه ؟ وكيف أثر بها نفسه ؟ والجواب عن هذا أن هؤلاء الأصناف قوم عامة المسلمين، تحمل مؤونتهم لولا هذه الغنيمة.
ومعلوم أن أنفس المسلمين ببذل ما عليهم من تلك الأمانة أسخى منه لو صرف إلى كل واحد منهم على الإشارة إليه من ملكه الخاص.
وعلى هذه العبارة تجري مسائل لنا :
أحدها :ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه جعل العقل على أهل الديوان لأن ذلك يخرج مخرج المؤونة.
ومعلوم أن المؤونة على عامتهم، فيدل ما رجع من هذا الحق إلى تلك العامة أسهل عليهم، لو صرف إلى خاصتهم. وكذلك قوله : ﴿ وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ﴾[ الممتحنة :١١ ].
ومعلوم أن منع تلك الزوجة عن أن يذهب إلى الحرب بشيء من مال زوجها كان واجبا على العامة، وكذلك المسلمون إذا أصابوا غنيمة، وفيها مال مسلم، قد غلب عليها المشركون٧، أنه ما دام الملك للعامة، ولم يقسم، يرد عليه من غير بدل. وإذا قسموا، واختص كل واحد بملكه لم يأخذه إلا ببدل، فكذلك الأول، والله أعلم.
قال الفقيه، رحمة الله عليه :والذي يجب من جهة العرف والشريعة أن يكون تحمل مؤنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته. أما من جهة العرف فهو أن من عمل لغيره كانت مؤنته على ذلك العول له، وكذلك من جهة الشريعة.
ومعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم بأمور أمته في أمور دنياهم وآخرتهم. وإذا كان الأمر على ما ذكرنا [ كان ]٨ أولى ما يجعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو مال العامة، وذلك هو الفيء. هذا لو اختصه النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه. فكيف وقد قسمه بين الفقراء وأهل الحاجة، ولم يوجده لنفسه ؟ .
ووجه آخر في هذا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ﴿ أحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي ﴾[ البخاري ٣٣٥ ] وقال : ﴿ نصرت بالرعب مسيرة شهرين ﴾[ الطبراني في الكبير ١١٠٥٦ ] فلو اختص ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم جاز له بما قال، ولكن الله جعل الفيء له بين من كان تحمل مؤنتهم على المسلمين لولا هذا الفيء كي تكون المنة له على أمته ولئلا يكون لأحد من أمته عنده عليه السلام يد ولا صنيعة، والله أعلم.
ووجه آخر :أنه لم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في كسب شيء من الدنيا وفضولها حتى يصطنع من فضولها بالمعروف، فجعل الله له الفيء ليكتسب به الفضائل والمعروف، والله أعلم.
وفي قوله عليه السلام : ﴿ نصرت بالرعب مسيرة شهرين ﴾ دلالة أن ما أفاء الله على رسوله، وأعطاه، فهو له خاصة، يصنع به ما شاء، ويفرقه في من شاء.
والقول عند أصحابنا في الإمام إذا أعطاه أهل الحرب أن يشرك٩ فيه قومه لأن هبة الأئمة إنما هي لقومهم، و كانت هبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما نصر بالرعب، فجاز أن يختص لنفسه، والله أعلم.
١ في الأصل و م: متقدمة..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: الأربعة..
٤ في الأصل و م: الأربعة..
٥ في الأصل و م: و..
٦ في الأصل و م: المنافقين..
٧ من في الأصل ك المشركين..
٨ من م، ساقطة من الأصل..
٩ في الأصل و م: يشترك..
الآية ٧ ثم قوله تعالى : ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ﴾ يعني رد الله على رسوله من ملك الكفرة، أو ما أعطى الله رسوله من ملك الكفرة.
وقوله تعالى : ﴿ من أهل القرى ﴾ يجوز أن يكون [ أهل ]١ القرى قد أعطوه، أو يكون هذا٢ بشارة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح القرى.
وقوله تعالى : ﴿ ولذي القربى ﴾ يجوز أن يقال :إن الظاهر من هذه الآية أن يكون المراد منها قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما في قوله : ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ﴾ [ الأنفال :٤١ ] فقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما تدخل في هذه الآية بالتأويل. وذلك أن المفهوم من ذكر القرابة إنما هو قرابة المخاطبين في الآية.
ومعلوم أن الخطاب في القسمة إنما هو للمغتنمين، وفي قوله عز وجل ﴿ ما أفاء الله على رسوله ﴾ إنما هو يفهم منه قرابة الرسول عليه السلام وأما سهم ذي القربى فإن أصحابنا يسلكون في ذلك مذهبين :
منهم من يقول :إن هذا الحق في الأصل للمحتاجين من القرابة لوجهين :
أحد هما :قوله تعالى : ﴿ واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ كان المراد منه منصرفا إلى المحتاجين، فكذلك في القرابة٣.
ومنهم من قال :إن الخمس كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصل به قرابته، فلما قبض عليه السلام انقطع ذلك الحق لوجهين :
أحدهما :قوله عليه السلام : ﴿ إنا معاشر / ٥٦٠ –أ / الأنبياء لا نورث ؛ ما تركنا صداقة ﴾ [ بنحوه النسائي٧/١٣٢ والتمهيد ٧/١٧٥ ].
والثاني :أنهم إنما كانوا يستوجبونه برسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قبض انقطع ذلك الحق على سبيل انقطاع الحقوق عن أصحابها٤ عند وفاتهم.
ثم الفائدة في منع ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوراثة وجهان :
أحدهما :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يستعمل نفسه في شيء من لذات الدنيا وشهواتها، وكان قائما لله تعالى خالصا، فإذا كان كذلك جاز أن تكون حقيقة الملك فيه لمولاه، وإن كان في الظاهر له، والله أعلم.
فإن قيل :أليست٥ الأملاك كلها لله تعالى ؟ قيل لهم :نعم غير أن الإضافة قد تكون خصوصية حال كقوله تعالى : ﴿ ناقة الله ﴾ [ الأعراف :٧٣ ] [ وقوله تعالى : ﴿ أن طهرا بيتي للطائفين ﴾ [ البقرة :١٦ ] ]٦.
ووجه آخرما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم محبوس عليه إلى يوم القيامة. ألا ترى أن زوجاته محبوسات عليه، لا يحللن لأحد بعده ؟ ونبوته عليه لم تتحول بعده إلى غيره ؟ جاز أيضا أن توقف عليه الصلاة والسلام.
ومعلوم أن ما كان موقوفا فسبيله التصدق، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ﴾ له معنيان :
أحدهما :أنه لو لم يبين هذه المواضع لكان ذلك الخمس الذي كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم يخلفه فيه الخلفاء من بعده، فيتداوله الأغنياء بينهم.
ومعنى آخر :لو فرق هذا بين الفقير والغني لكان حين يقع هذا في [ يد الغني ]٧ كان يكسب٨ به فضول الدنيا، وأما الفقير فأول [ ما ]٩ يقع في يده يستمتع به في منافع [ نفسه ]١٠ فلذلك فرق في الفقراء، والله أعلم.
وقال بعضهم :الدولة، هي اسم للذي يدول بين الناس، والدولة واحدة، وهي فعلة.
وقوله تعالى : ﴿ وما آتاكم الرسول فخدوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ يعني ما أعطاكم رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الغنيمة فخذوه، ولا تظنوا به ظنا مكروها، ﴿ وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ ليس [ نهي ]١١ زجر وشريعة، ولكن نهي منع، وما منع منكم من هذا الفيء فانتهوا عنه.
وعلى قراءة ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه ﴾ يحتمل معنى الأمر ومعنى الإعطاء، أي ما آتاكم من الدنيا فخذوه، وما نهاكم من الدنيا عنه ؛ يعني زجركم عنه.
قال، رحمه الله :ويروي١٢ عامة الفقهاء [ ما يحتجّون ]١٣ بهذه الآية في موضع مع لفظ الإيتاء، وليس يوجب ظاهره هذا ؛ إذ الإيتاء هو الإعطاء والتمليك كقوله تعالى : ﴿ وآتوا الزكاة ﴾ [ البقرة :٤٣ و. . . . ] ولكن وجه الاحتجاج به أن الله تعالى لما أمرنا بأخذ معروفه عليه السلام وإن كان في أخذ المعروف من غيره صلى الله عليه وسلم خيار، فلأن إلزامنا١٤ الأخذ بأمره والاتباع له أحرى وأولى، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ و اتقوا الله إن الله شديد العقاب ﴾ هذا يؤكد ما ذكر من اتباع أمره، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: هذه..
٣ لم يذكر المؤلف الوجه الثاني..
٤ في الأصل و م أصحابنا..
٥ الهمزة ساقطة من الأصل وم..
٦ في الأصل و م: وبيت الله..
٧ في الأصل و م: بيده..
٨ في الأصل و م: يكتب..
٩ ساقطة من الأصل و م..
١٠ من م، ساقطة من الأصل..
١١ من م: ساقطة من الأصل..
١٢ من، في الأصل: ويرى..
١٣ في الأصل: يجتمعون، في م: يحتجون..
١٤ في الأصل و م: يلزمنا..
الآية ٨ وقوله تعالى : ﴿ للفقراء المهاجرين ﴾ الآية، وما ينسق عليه من قوله : ﴿ والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم ﴾ [ الآية :٩ ] وقوله : ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ [ الآية :١٠ ] الآيات. ظاهر هذا يقتضى إيجاب حق لهم، لأنه إذا قيل لفلان، لم يكن بد من أن يقال :كذا وكذا. وإذا كان كذلك لم يكن بد من حق يذكر لهم، ولا يحتمل أيضا أن يخفي الله تعالى علم ذلك الحق الذي أوجب لهذه الأصناف عن خلقه، فالسبيل في ذلك من جهة التأويل عندنا، والله أعلم
ثم يحتمل أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن جواب :لمن ؟ فقال١ : ﴿ للفقراء المهاجرين ﴾.
ويحتمل أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم سأل ربه، جل، وعلا، [ عن ]٢ جوابه :لمن ؟ فأخبر ﴿ للفقراء المهاجرين ﴾.
ثم إنه يجوز أن يكون ذلك الحق ما وظف من الخراج على أهل القرية إذا فتحت، وهو ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لعلي وابن مسعود رضي الله عنهما حين فتح سواد الكوفة :إني [ كنت سأستشيركم ]٣ في أمر قد أغناني الله تعالى عن مشورتكم حين تلوت هذه الآية، ثم تلا قوله تعالى : ﴿ للفقراء المهاجرين ﴾ ثم قال :لهؤلاء خاصة، وتلا قوله تعالى : ﴿ والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم ﴾ ثم قال :ليس هؤلاء خاصة، وتلا قوله تعالى : ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾
وروي أن بلالا قال له :اقسم بيننا كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بين أهل العسكر، وقال :اللهم اكفني بلالا وأهله. ثم قال عمر رضي الله عنه :لو قسمتها بينكم لتركت آخر عصابة في الإسلام لم تصب من هذه.
وأخبر الله تعالى [ رسوله ]٤ بقوله : ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ أنهم شركاء هؤلاء.
فجائز أن يكون عمر رضي الله عنه حين تلا هذه الآيات تذكر خبرا أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلم٥ أن الحق الذي أوجب الله تعالى لهؤلاء ذلك.
أو يجوز أن يكون الله تعالى بلطفه ألهمه وعليا وابن مسعود رضي الله عنه لأنه روي أنهما أشارا عليه بذلك.
ولذلك قال أصحابنا :إن الإمام إذا فتح قرية من قرى أهل الحرب، فهو فيها بالخيار ؛ إن شاء قسمها بين أهلها، ووظف عليهم الخراج، وإن شاء قسمها بين أهل العسكر. وإنما كان ذلك لأن المقصود من المقاتلة أحد معنيين.
إما توسيع أمكنة الإسلام [ خوفا ]٦ أن تضيق [ وإما تضييق ]٧ المكان بهم [ ليستسلم أهل القرى ]٨ لدين الله، وينقادوا لأمره٩، وينظروا في حججه [ فلا تصير ]١٠ مقاتلتهم عقوبة لكفرهم١١، بل لما وصفنا من المعنى، وهذا المعنى قد يستفاد إذا وظف١٢ عليهم الخراج.
ولو فهم بلال رضي الله عنه المعنى الذي لأجله١٣ قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بينهم لم يقس أمر سواد الكوفة عليه.
والمعنى من قسمته عليه السلام خيبر بينهم عندنا، والله أعلم، هو أن المسلمين لما صدوا عن الحديبية بشرهم الله بفتح قريب عوضا عما نالهم في ما أصابهم.
وأما سواد الكوفة فلم يكن فيها شيء من هذا المعنى، فلم يجز أن يكون أمره مقيسا عليه، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ للفقراء المهاجرين ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه المجاهدين المقاطعين لأسباب عيشهم من الأموال والديار، أي لهم هذا الحق الذي سبق وصفه.
وقوله تعالى : ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم ﴾ لم يخرجوهم من ديارهم في الحقيقة، ولكنهم ضيقوا عليهم حتى خرجوا، فإذن أضيف الإخراج [ إليهم إذ ]١٤ كانوا أسبابا في خروجهم. وهذا كقوله تعالى : ﴿ فأخرجهما مما كانا فيه ﴾[ البقرة :٣٦ ].
فإبليس لم يتول إخراجهما من الجنة، ولكنه حرّضهما على سبب خروجهما١٥، فلم يستقرا بعده في ذلك المكان، فأضيف الفعل إليه.
وقد وصفنا هذه الأفعال إذا أضيفت إلى العبادة فإنما المعنى :ذلك بأسباب١٦ تكون منهم، لا حقيقة تلك الأفعال.
وما أضيف إلى الله تعالى من ذلك فهو يحتمل الأمرين جميعا :الحقيقة والسبب في ذلك ؛ لأجل أن العبد لا يمكنه أن يقدر آخر على فعل في وقت فعله إلا على السبب، فأما رب العالمين فإنه قادر على إقدار العبد على فعل وقت فعله، فلذلك قلنا :إنه يجوز أن تراد حقيقة الفعل في ما يضاف إلى الله تعالى، وهو الموفق.
وقوله تعالى : ﴿ من ديارهم وأموالهم ﴾ يدل على أنها كانت لهم بمكة ديار وأموال ثم مع هذا لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم / ٥٦٠- ب / رد شيء من ديارهم عليهم بعد فتح مكة، ولا تضمين أولئك شيئا من أموالهم ليعلم أن أهل الحرب إذا غلبوا على أموال المسلمين ملكوها، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ يبتغون فضلا من الله ﴾ يعني أنهم هاجروا لدينهم، وانقطعوا عن أسباب عيشهم من الأموال يبتغون الرزق من الله تعالى.
وقوله تعالى : ﴿ وينصرون الله ورسوله ﴾ دل أن هذا للمجاهدين منهم.
وقوله تعالى : ﴿ وينصرون الله ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما :ينصرون رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر ﴿ الله ﴾ صلة.
والثاني :ينصرون دين الله، ويطيعون رسوله عليه السلام.
وقوله تعالى : ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ يعني الذين أظهروا صدق الإيمان من قلوبهم بهجرتهم وسعيهم إلى ما يزلفهم إلى الله تعالى، ويقربهم١٧ إليه.
١ في الأصل و م: قال..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: أستشيريكم..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ في الأصل و م: فيعلم..
٦ ساقطة من الأصل و م.
٧ في الأصل و م: أو يضيق..
٨ في الأصل و م: ليستسلموا..
٩ في الأصل و م: الأمر..
١٠ في الأصل و م: وليست..
١١ في الأصل و م: كفرهم..
١٢ في الأصل و م: وظفت..
١٣ في الأصل و م: لأجل..
١٤ في الأصل وم: إذا.
١٥ في الأصل و م: إتيانه..
١٦ الباء ساقطة من الأصل و م.
١٧ في الأصل و م: و يقرب..
الآية ٩ وقوله تعالى : ﴿ والذين تبوءوا الدار ﴾ يعني الذين اتخذوا ديارا واسعة تسعهم والمهاجرين، وهم الأنصار.
وقوله تعالى : ﴿ والإيمان ﴾ أي آمنوا قبل هجرة هؤلاء لكي يأمن هؤلاء المهاجرين من أحبهم، ولا يخافون شرهم.
وقوله تعالى : ﴿ من قبلهم ﴾ يعني من قبل الهجرة.
وقوله تعالى : ﴿ يحبون من هاجر إليهم ﴾ يعني أن الله تعالى ألقى محبته [ في قلوبهم ]١ حتى أنزلوا المهاجرين ديارهم، وأنفقوا عليهم أموالهم ﴿ ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ﴾ يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قسم خيبر بين المهاجرين، وترك الأنصار، ولم٢ يقسم بينهم، لم يجد الأنصار في قلوبهم حاجة مما أعطى المهاجرين ؛ يعني أن الله تعالى أغنى قلوبهم حتى لا يفكروا في حاجة ولا فقر البتة.
ويحتمل أن يكون المعنى من الحاجة ههنا الغل والحسد ؛ يعني أن الله تعالى طهر قلوبهم حتى لم يجدوا في صدورهم حاجة.
وقوله تعالى : ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ أي يؤثرون على أنفسهم في أملاكهم أنهم لا يجدون بما يبذلون من حاجة مما يملكون، ويؤثرون المهاجرين على أنفسهم، ولو كان بهم حاجة.
وقوله تعالى : ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ إن الله تعالى خلق في طبع البشر محبة المحاسن والمنافع والطلب لها وبغض المساوئ والمضار والهرب عنها. ثم إنه امتحنهم بالإنفاق مما يحبون وحمل النفس على ما يكرهون طلبا لنجاتهم وتوصلا إلى ثوابهم. ثم تكون وقاية الأنفس من الشح بوجهين :
أحد هما :أن يمن الله على عبده ليصير ما هو غائب عنه من الثواب في الأجل كالشاهد، فيخفف عليه الإنفاق مما يحب، ويصير ذلك كالطبع له.
والثاني :يوفقه الله تعالى، ويعصمه، ويلهمه تعظيم أمره ونهيه حتى يقهر نفسه، ويحملها على الائتمار بأمر الله تعالى والانتهاء عما نهى عنه، وإن كان طبعها على خلاف ذلك.
ثم إضافة الوقاية إلى نفسه تدل على أنه قد بقي في خزائنه شيء، لم يؤته عبده حتى يصف نفسه بأنه بقي عنده شح نفسه، ولولا ذلك لم يكن لوعده بوقاية نفسه عن شحها معنى، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ فأولئك هم المفلحون ﴾ يعني الباقون في النعيم، والفلاح في الحقيقة، هو البقاء في النعيم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ الواو ساقطة من الأصل و م..
الآية ١٠ وقوله تعالى : ﴿ والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ﴾ الآية ؛ قد علم الله تعالى أنه قد يكون في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يلعن سلفه حتى أمرهم بالاستغفار لهم.
وفيه دلالة على فساد قول الروافض والخوارج والمعتزلة :
لأن الروافض من قولهم :إن القوم لما ولوا الخلافة أبا بكر رضي الله عنه كفروا، ومن قول الخوارج :إن عليا رضي الله عنه كفر بقتاله معاوية وأصحابه. فقالت المعتزلة :إن من عدل عن الحق في القتال خرج عن الإيمان.
ولو كان ما ارتكبوا من الزلات، يكفرهم، ويخرجهم عن الإيمان لم يكن للاستغفار لهم معنى، لأن الله تعالى نهى عن الاستغفار للمشركين. فإذن أذن ههنا بالاستغفار ليبين١ بهذا أن ما ارتكبوا من الذنوب لم يخرجهم من الإيمان، ولأنه أبقى الأخوة في ما بينهم مع علمنا أنه لم يكن بين الآخرين والأولين أخوة إلا في الدين، فلولا أنهم كانوا مؤمنين لم يكن لإبقاء الأخوة معنى، والله أعلم، ولأنه قال تعالى : ﴿ ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ﴾ ولو كان ذلك يخرجهم من الإيمان لم يكن لهذا الدعاء معنى، لأن الواجب أن يكون في قلوب المؤمنين عداوة للكفار ومقتهم.
فلما ندب، جل ثناؤه، في هذه الآية إلى نفي الغل والحسد عن قلوبهم بتلك الدعوة ثبت أنهم كانوا مؤمنين، والله أعلم.
ثم في الأمر بالاستغفار دلالة أنهم كانت منهم ذنوب يستوجبون بها العقوبة لولا فضل الله ومغفرته، وإن كانوا في ما يتعاطونه مجتهدين ليعلم أنه ليس كل مجتهد مصيبا٢.
ثم قوله : ﴿ ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ﴾ يعني عداوة ؛ يحتمل أن يكون المراد منه المؤمنين الذين سبقوهم، ويحتمل أن يكون هذا في كل المؤمنين.
وقوله تعالى : ﴿ ربنا إنك رؤوف رحيم ﴾ الرحمة من الله تعالى فضل منه على عباده وإحسان إليهم.
ألا ترى إلى قوله : ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ﴾ [ آل عمران :٨ ] [ إذ أخبر ]٣ أن رحمته هبة منه وإحسان إلى عبده ؟ والله أعلم.
ثم الاستغفار في حال الحياة له معنيان :
أحدهما :طلب السبب الذي إن جاءه استوجب المغفرة.
والثاني :حقيقة المغفرة.
وفي حال الوفاة ليس إلا طلب عين المغفرة.
فلما ندب، جل، وعلا، إلى الاستغفار لهم بعد وفاتهم، وحال الاستغفار بعد الوفاة على ما وصفنا لا يتوجه إلا على حقيقة المغفرة، ثبت أن ذنوبهم لم تخرجهم [ من الإيمان ]٤ لأنه لو كان من حكمه، جل ثناؤه، ألا تحل مغفرتهم، إذا ارتكبوا الكبيرة، لم يكن في الأمر بالاستغفار لهم حكمة، والله أعلم.
وقال جعفر بن حرب :إنه ليس في قوله : ﴿ ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ﴾ ما يدل على أنه يجعل في قلوبهم [ غلا ]٥ لأنه إذا قيل :لا تفعل بفلان٦ شيئا لم يفهم به أنه يفعله إذا أحب.
ولكن يجاب عن هذا أنه ذكر الله تعالى نصا في آية أخرى ما يدل على جعل العداوة. ألا ترى أنه قال : ﴿ فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ﴾ [ المائدة :١٤ ].
فإن قال :تأويله أنه أغرى٧ بينهم العداوة٨ لا أنه جعلها، قلنا :غير محتمل أن يخلق الله تعالى العداوة في قلوبهم من غير فعل، يكون منهم بها. وإن كان كذلك ثبت أنه يخلق هذه الأشياء وقت فعل العبد لها، والله أعلم.
١ اللام ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: مصيب..
٣ في الأصل و م: فأخبر..
٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ في الأصل و م: فلانا..
٧ في الأصل و م: إلى..
٨ في الأصل و م: و بينها..
الآية ١١ وقوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا يقولن لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ هذه الآية تدل على أن الله تعالى جعل حجة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم على المنافقين في أنفسهم، لأنهم قالوا هذا القول سرا منهم إلى أهل الكتاب، لأنه لا يحتمل أن يظهروا مثل هذا القول بين يدي المؤمنين، ولا كان الكفار يخبرون بهذا أحدا من المؤمنين.
فلما أخبر ما قال المنافقون ثبت أنه ما علمه إلا عن الوحي والتنزيل / ٥٦١ – أ/ وذلك علم نبوته عليهم، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ لئن أخرجتم لنخرجن معكم ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما :أنه يجوز أن يكونوا قالوا لهم هذا على أن يكونوا١ أتباعهم في القتال.
والثاني :أنهم قالوا ذلك لأهل الكتاب على حسبان منهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا علم بحال هؤلاء لم يخرجهم من المدينة خوفا أن يقال :أخرج أصحابه، وإذا لم يخرج أولئك لم يخرج أهل الكتاب، ولم يقاتلوا.
وقوله تعالى : ﴿ ولا نطيع فيكم أحدا أبدا ﴾ يعني لا ننظر أحدا فيكم أبدا
وقوله تعالى : ﴿ وإن قوتلتم لننصرنكم ﴾ يجوز٢ أن يكونوا وعدوا نصرهم وهم٣ في قرى محصنة. ثم أخبر أنهم، وإن نصروهم، ثم انهزموا، هربوا، وانصرفوا٤ وتولوا، ولم ينصروهم بعد ذلك أبدا.
وقوله تعالى : ﴿ والله يشهد إنهم لكاذبون ﴾ ولقائل أن يقول :كيف يشهد عليهم بالكذب، والكذب إنما يدخل في الأخبار ؟ وقولهم الذي قالوا إنما هو وعد منهم، فحقه أن يقال :إنهم لمخلفو الوعد.
وبمثل هذه الآية يحتج الخوارج في تكفير من أذنب ذنبا ؛ وذلك أنهم يقولون :إن من آمن بالله تعالى فقد اعتقد ألا يعصيه، فإذا عصاه تبين بعصيانه كذب في اعتقاده، فكفر لهذا المعنى.
ومن جوابنا عن هذا :أن قول المنافقين لأهل الكتاب إخبار منهم عن موالاتهم إياهم، فأخبر الله تعالى أنهم كاذبون في ما أخبروا عن الموالاة، والله أعلم.
١ في الأصل و م: يتكبر..
٢ في الأصل و م: من..
٣ في الأصل و م: هذا..
٤ في الأصل و م: نصروا..
الآية ١٢ وقوله تعالى : ﴿ لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون ﴾ في هذه الآية حجة رسالته على الفريقين جميعا ؛ وذلك أن هذا خبر عن الغائب ؛ وذلك لا يوصل إلى علمه إلا بالتعليم، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم اختلف إلى أحد يخبره، ولم١ يلتمس شيئا من أحد من البشر. فإذا أخبر عما يحدث وعما هو غائب ثبت أنه ما قال إلا عن الرسالة والوحي، والله أعلم.
قال :ويجوز أن يكون الله تعاى ذكر المؤمنين بهذه الآيات على ما لقي الرسول عليه السلام ممن كان الواجب على ما عليه كانت عادتهم الإحسان إليه ؛ وذلك أنه كان من عادة العرب المعونة والنصرة لمن قاربهم في النسب والقبيلة، وإن كان ظالما.
ثم إن الله سبحانه وتعالى أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم من قريش، فأظهروا له من العداوة ما أظهروا حتى هموا بقتله، وجعل محمدا صلى الله عليه وسلم حين أرسله حجة يظهر لليهود والنصارى وجميع أهل ما ذكر في كتابهم من بعثه وصفته، فقابلوه بذلك ما قابلوا من سوء الصنيع وإظهار العداوة. وكان هذا كله، والله أعلم، حجة وعلامة يعلم بها أن رسالته عليه السلام [ لم ]٢ تظهر بمعاونة أحد بل بنصر الله وفضله وتأييده، والله المستعان.
١ في الأصل و م: ولا..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
الآية ١٣ وقوله تعالى : ﴿ لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ﴾ يحتمل أن تكون رهبة هؤلاء في صدورهم على التحقيق، ويجوز أن يكون على التمثيل.
فأما وجه التمثيل فهو ما قال : ﴿ ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هو منكم ولكنهم قوم يفرقون ﴾ [ التوبة :٥٦ ] فأخبر أنهم يعتذرون إليهم بالحلف، فيجوز أن تكون معاملتهم هذه [ في ]١ التمثيل معاملة من يرهبهم. فسمى ذلك رهبة في صدورهم٢. وهذا نحو قوله تعالى : ﴿ الذي جمع مالا وعدده ﴾ ﴿ يحسب أن ماله أخلده ﴾[ الهمزة :٢ و ٣ ] يعني :جمع ماله[ جمع من ﴿ يحسب أن ماله ]٣ أخلده ﴾ فكذلك الأول.
ويجوز أن يكون على التحقيق، ولذلك أوجه٤ من التأويل :
أحدها :أنهم كانوا يظهرون الموالاة لكل فريق، وكان عندهم أن الله تعالى ولي أحد الفريقين لا محالة، وإذا نجا أحد الفريقين نجواهم. فكأنهم على هذا التأويل كانوا يرهبون الخلق جميعا، لا [ يخص بها ]٥ المؤمنون، وكانوا لا يرهبون الله لأنهم أمنوا ناحيته من الوجه الذي وصفنا.
[ والثاني ]٦ :يجوز أن تكون رهبتهم من المؤمنين خاصة ؛ وذلك أن أهل النفاق إنما كانوا من أحد الصنفين :
إما إن كانوا دهرية، فنافقوا، وإما إن كانوا أهل كتاب، فنافقوا.
فإذا كانوا دهرية فكانوا لا يرهبون الله تعالى لما كانوا غير مقرين بالصانع، وإن كانوا أهل كتاب فإنهم قد أمنوا أيضا لما كانوا يضيفون من قولهم : ﴿ نحن أبناؤا الله وأحباؤه ﴾ [ المائدة :١٨ ].
وإذا سقطت الرهبة من كلا الجانبين من الله تعالى حصلت الرهبة من المؤمنين خاصة، والله أعلم.
[ والثالث ]٧ يجوز أن يكون تفسير قوله : ﴿ لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ﴾ في قوله : ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ وذلك يحتمل وجهين :
أحدهما :أنهم لا يفقهون أن البلايا التي في الدنيا ونعيمها تذكير ببلايا الآخرة ونعيمها، وكانوا يرون أنها جعلت لأنفسها ؛ وإذا كان هذا وهمهم وحسبانهم لم يرهبوا من الله تعالى.
والثاني : ﴿ بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ من الوعد والوعيد، بل كانت رهبتهم ممن كانوا يأملون منهم المنافع، ويحذرون مضارهم، فلا يرهبون من الله تعالى.
ولقائل أن يقول :إنه لا أحد من أهل الإسلام إلا ورهبته من الناس أشد من رهبته من الله تعالى ؛ لأنك ترى الرجل يمتنع عن الزلة عند اطلاع الناس عليه ما لا يمتنع عن كثير من الزلات في ما بينه وبين الله تعالى. والجواب عن هذا [ في وجهين ]٨ :
أحدهما :أنه ليس بإزاء الخوف من الإنسان رجاء يرجوه، وبإزاء رهبته من الله تعالى رجاء يرجوه من رحمته وإحسانه. فيجوز أن يكون الرجاء من رهبة الله ورحمته وفضله [ لا ]٩ يغلب عليه، فيقترف الذنوب، ويرتكبها١٠.
والوجه الثاني :إذا كان في ما يرتكبه من الذنوب شرك١١ فليس يهابهم، وإنما خوفه من قوم، فيهم سمة الصلاح وأمارة النصر لدين الله تعالى، ليس من نفس المخلوقين، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: قلوبهم..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل و م: أوجها..
٥ في الأصل و م: أن يختص به..
٦ في الأصل و م: و..
٧ في الأصل و م: و.
٨ في الأصل و م: و جهان..
٩ ساقطة من الأصل و م..
١٠ في الأصل و م: ويرتكبه..
١١ في الأصل و م: شركا..
الآية ١٤ وقوله تعالى : ﴿ لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة ﴾ قوله : ﴿ جميعا ﴾ أي لا يقاتلكم أهل النفاق وأهل الكتاب جميعا معا، وإنهم ليسوا بفاعلين ما وعدوا لأهل الكتاب من النصر والقتال.
[ واحتمل أن يكون هذا استثناء عن القتال ]١ واحتمل أن يكون استثناء عن الوعد الذي وعدوا لأهل الكتاب. فإن كان عن القتال فهو يحتمل وجهين :
أحدهما :أنهم لا يقاتلون إلا أن يكونوا في قرى وحصون أو من وراء جدر، لا يعلم بهم أهل الإسلام، والله أعلم.
وإن كان من الوجه الثاني فهو يحتمل وجهين أيضا :
أحدهما :أنهم لا يوفون ما وعدوا من النصر في القتال لأهل الكتاب، ولكنهم يلتجئون إلى قرى محصنة.
ألا ترى ما أخبر الله تعالى فيهم في ناحية المسلمين : ﴿ وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسئلون عن أنبائكم ﴾ ؟ [ الأحزاب :٢٠ ] فأخبر أنهم قد أظهروا الموالاة للمسلمين كما أظهروا لأهل الكتاب إلى أن جاء القتال :التجؤوا إلى مكان، يستمعون من أخبارهم. فعلى ذلك النحو يجوز أن يكون أهل الكتاب.
والوجه الثاني :أنهم لا يقاتلون، ولكنهم يدخلون في قرى محصنة، يتربصون لمن يكون الظفر والعاقبة كما أخبر عنهم في آية أخرى، وهو قوله تعالى : ﴿ الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين /٥٦١ – ب / نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ﴾[ النساء :١٤١ ] فأخبر الله تعالى أنهم يتربصون العاقبة، فالتجؤوا هم إلى قرى محصنة ؛ يجوز أن يكون بهذا التأويل، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ بأسهم بينهم شديد ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما :أن يقول : ﴿ بأسهم ﴾ يعني قوتهم﴿ بينهم شديد ﴾ ما لم يروا [ عداء ظاهرا ]٢.
[ والثاني ]٣ :يقول : ﴿ بأسهم ﴾ شديد ما دام القتال بينهم، لأنه ليس فيهم من أكرم [ بالنصر ]٤ بالرعب مسيرة شهرين٥. فإذا أكرم بالرعب هذا المقدار من المسير فلا يحرم ذلك في أهل قريته.
وإذا كان كذلك ثبت أن التأويل ما وصفنا، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ﴾ لأن همة المنافقين سلامة الأنفس وراحة الأبدان، وهمة أهل الكتاب الذب عن المذهب والسعي في إقامته.
فإذا اختلفت همتهم ومقاصدهم تشتت قلوبهم ؛ وذلك معنى قوله : ﴿ مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلا هؤلاء ﴾ ( النساء :١٤٣ ) يعني في الهمم والقلوب.
وقوله تعالى : ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه.
أحدها :أنهم لا يعقلون حق الوعد والوعيد.
والثاني :أنهم لا ينتفعون بما يعقلون.
والثالث :أنهم لا يعقلون لمن تكون له العاقبة
وقد وصفنا أن عادتهم التربص لمن يكون الظفر والعاقبة ؛ فإذا شبهت عليهم العاقبة، ولم يفعلوها، لم يوالوا واحدا من الفريقين في الظاهر والباطن جميعا، والله أعلم.
١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: أعداء ظاهرة..
٣ في الأصل و م: أو..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ إشارة إلى قوله ﴿نصرت بالرعب مسيرة شهرين﴾ [ الطبراني في الكبير: ٥٦. ١١]..
الآية ١٥ وقوله تعالى : ﴿ كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ﴾ الآية. يجوز أن يكون في هذا إضمار مثل آخر ؛ كأنه يقول :مثل هؤلاء الكفار ﴿ كمثل الذين ﴾ كانوا ﴿ من قبلهم ﴾ وكذلك في قوله : ﴿ ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينفق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء ﴾ [ البقرة :١٧١ ]. يعني مثل محمد صلى الله عليه وسلم كمثل هؤلاء الكفار على إضمار مثل آخر.
ثم التمثيل وكيفيته يحتمل أوجها ثلاثة :
أحدها :أن يقول :مثل هؤلاء الكفار الذين أساؤوا [ صحبة ]١ رسوله كمثل الكفار الذين أساؤوا [ صحبة ]٢ الرسول من قبله ؛ كان قريبا أن ذاقوا وبال أمرهم.
والوجه الثاني :أن يقول :مثل أهل المدينة من الكفار حين هموا بإخراج الرسول من المدينة كمثل أهل مكة حين أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة، وكان قريبا حين ذاقوا وبال أمرهم من الأسر والقتل.
والدليل على أن كفار المدينة هموا بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم قوله٣ تعالى : ﴿ وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها ﴾ الآية [ الإسراء :٧٦ ].
[ والوجه الثالث : ]٤ يحتمل أن يكون تخصيصا لقرية أو قبيلة ؛ ووجه ذلك أن يقول :مثل بني قريظة كمثل الذين من قبلهم، وهو بنو٥ النضير، وإن كانوا قريبا أن ذاقوا وبال أمرهم، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ هذا إخبار أنهم يموتون على الكفر، وفيه دلالة رسالته صلى الله عليه وسلم حين٦ أخبر عن الغيب.
١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ من م، في الأصل: وقوله..
٤ في الأصل و م: و..
٥ في الأصل و م: بني..
٦ في الأصل و م: حيث..
الآية ١٦ وقوله تعالى : ﴿ كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك ﴾ فكذلك المنافقون يظهرون الموالاة والنصر، فإذا جاء القتال امتنعوا، وتبرؤوا منهم.
ثم قوله تعالى : ﴿ إني بريء منك ﴾ يجوز أن يكون في الآخرة حين١ يقول : ﴿ ما أنا ٢٢ بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل ﴾ [ إبراهيم : ].
ويجوز أن يكون في الدنيا، وهو قوله : ﴿ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون ﴾ الآية [ الأنفال :٤٨ ].
١ في الأصل و م: حيث..
الآية ١٧ وقوله تعالى : ﴿ فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاؤا الظالمين ﴾ ظاهر.
الآية ١٨ وقوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ﴾ الأصل إذا ذكرت حال بين العبد وبين سيده لم يكن بد من إضمار يدخل في ذلك.
مثاله قوله تعالى : ﴿ إن الله مع الذين اتقوا ﴾ [ النحل :١٢٨ ] يعني أنه معهم في النصر والمعونة، وقوله تعالى : ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾ [ العنكبوت :٦٩ ] في التوفيق والولاية. وكذلك قوله تعالى : ﴿ واتقوا الله ﴾ لأن لا يحتمل أن يتقي الله حتى يكون معهم في التقوى ؛ إذ ظاهر اللفظ يقتضي هذا كقوله تعالى : ﴿ وكونوا مع الصادقين ﴾ [ التوبة :١١٩ ] أي في الصدق.
وإذا ثبت فيه الإضمار كان الوجه في ذلك أحد معان :
إما أن يقول :اتقوا حق الله تعالى :أن تضيعوه، أو :اتقوا حده أن تعدوه، وتبطلوه، أو :اتقوا سخطه، أو اتقوا الأسباب التي تستوجبون بها مقت الله تعالى.
ويحتمل أن يراد من التقوى في هذه الآية أوامره ونواهيه على ما وصفنا أن التقوى إذا أطلق جاز أن يراد به الأوامر والنواهي، وإذا ذكر مقابلة أمر كان المعنى منه أوامره ونواهيه، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ولتنظر نفس ما قدمت لغد ﴾ قال :من عمل بما أمر في هذه الآية سلم من تبعات الآخرة، لأنه إذا شعر قلبه وقت فعله أن الذي يفعله تقدمة لغد امتنع عن ارتكاب ما يجب أن يستحيي منه، أو يحزن عليه في ذلك الوقت، وأتى بما يسر عليه، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون معنى الآية على النظر لما قدمته نفسه للغد ؛ وذلك أنه إذا تذكر، فنظر في ما قدمت نفسه للغد ؛ وذلك أنه دعاه إلى أحد أمرين :إما إلى التوبة عن السيئة التي قدمها، وإما١ إلى الشكر على الحسنة التي يتعاطاها. وكل ذلك منه زيادة في الخير، فكان الواجب ألا يغفل المرء عن ذلك، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون هذا على المستأنف من الأفعال أنه ينظر في ما يريد أن يقدمه لغد ؛ فإن كانت عاقبته الهلاك انتهى عنه، وإن كانت عاقبته النجاة مضى إليه، وأتى به، والله أعلم.
ويحتمل قوله تعالى : ﴿ اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ﴾ أن يكون المراد منه الاتقاء عن ترك النظر لما تقدمه نفس لغد، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ اتقوا الله ﴾ ذكر قوله : ﴿ اتقوا الله ﴾ مرة أخرى، والآية واحدة، يحتمل وجهين :
أحدهما :أن يكون المراد من الأول :أن اتقوا مخالفة الله في أوامره ونواهيه، ومن٢ الثاني : [ أن ]٣ اتقوا سخط الله وعقوبته.
والثاني :أنه خرج على٤ التكرار على ما جرت العادة في الكلام في التكرير عند الوعيد على التأكيد كقوله تعالى : ﴿ * هيهات هيهات لما توعدون ﴾ [ المؤمنون :٣٦ ] وكقوله تعالى : ﴿ أولى لك فأولى ﴾ ﴿ ثم أولى لك فأولى ﴾ [ القيامة :٣٤ و ٣٥ ] والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ إن الله خبير بما تعملون ﴾ فيه تحريض على المراقبة والتيقظ وقت فعله٥، لأن من علم وقت فعله أن الله تعالى مطلع على ما يرتكبه من الذنوب، ويقربه من الشرور، امتنع عنها، [ وزجر نفسه ]٦.
وقالوا :في قوله تعالى : ﴿ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ﴾ وعيد في٧ أربعة أوجه :
أحدها :في قوله تعالى : ﴿ اتقوا الله ﴾ والثاني :في قوله تعالى : ﴿ ولتنظر نفس ما قدمت لغد ﴾ والثالث :في قوله تعالى : ﴿ واتقوا الله ﴾ [ والرابع :في قوله تعالى : ]٨ ﴿ إن الله خبير بما تعملون ﴾.
ثم ذكر هذه المواعيد [ في الكفرة خرج بعد ]٩ ما خاطب المؤمنين كقوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ج فكان الوعيد في المؤمنين أكثر من الوعيد في الكفرة. لكن المؤمنين توعدهم عن ما هي معدة للكافرين لئلا يعملوا عملا/٥٦٢ – أ/ يستوجبون به١٠ ما أعد للكافرين، وهو كقوله تعالى : ﴿ واتقوا النار التي أعدت للكافرين ﴾ } [ آل عمران :١٣١ ].
ثم إن الله تعالى سمى الآخرة باسم الغد لسرعة مجيئه، وسمى الدنيا بالأمس لسرعة فنائها، وهو كقوله ﴿ فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس ﴾ [ يونس :٢٤ ] فيذكرهم، ويعظهم بهذه الآية لتتفكر كل أحد في نفسه ما به خلق :للعبث ؟ أم خلق لأمر عظيم على ما ذكره الله تعالى.
١ في الأصل و م: أو..
٢ في الأصل و م: وفي..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ من م، في الأصل: عن..
٥ من م، في الأصل: فعل..
٦ في الأصل و م: وازدجر..
٧ في الأصل و م: من..
٨ من م، ساقطة من الأصل..
٩ من نسخة الحرم المكي، في الأصل: خرج، في م: خرج بعد..
١٠ في الأصل و م: بذلك..
الآية ١٩ وقوله تعالى : ﴿ ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ﴾ قال بعض المفسرين : ﴿ نسوا الله ﴾ أي نسوا العمل لله، والنسيان، هو الترك، أي تركوا العمل الواجب لله تعالى ﴿ فأنساهم أنفسهم ﴾ أي خذلهم الله تعالى بما نسوا.
ثم الوجه عندنا في الآية أن ١ ليس أحد من البشر يعمل عملا إلا، وهو يأمل بذلك نفعا لنفسه ؛ إذ من لا يعمل للنفع فهو غائب في الشاهد في ذلك العمل.
فهؤلاء لما لم يأتمروا بأمر الله تعالى، ولم يطيعوا، وتركوا العمل [ له، صار ]٢ تركهم العمل لله، والعمل له، عملا٣ لأنفسهم ؛ فكأنه قال :نسوا [ أنفسهم، فصاروا ]٤ منسيين.
وقوله تعالى : ﴿ فأنساهم أنفسهم ﴾ أي خلق فعل النسيان والترك فيهم، أضاف اختيار النسيان إليهم، ثم أضاف الإنساء إلى نفسه، وأثبت فعله فيه، وليس هذا على أن تقدم منهم فعل النسيان، ثم هو أنساهم بعد ذلك، لكن على خلق ذلك فيهم وقت ما اختاروا ذلك الفعل، وهو كقولهم :هداه الله تعالى، فاهتدى، واهتدى، فهداه الله. فذلك كله في وقت واحد.
فكذلك هذا في الخذلان والنسيان لما اختار هو فعل النسيان خلق الله تعالى ذلك النسيان فيه كما خلق الهداية والكفر [ فيه ]٥ عند اختياره. ولا يجوز أن يحمل ذلك على تقدم بعض على بعض.
وقوله تعالى : ﴿ فأنساهم أنفسهم ﴾ كقوله تعالى : ﴿ نسوا الله ﴾ إذ قوله تعالى : ﴿ أنفسهم ﴾ في قوله ﴿ نسوا الله ﴾ إذ العمل لله، هو العمل لأنفسهم [ والعمل لأنفسهم ]٦ هو العمل للذي أريد به وجه الله
فلذلك قلنا :إن كل واحد منهما لما في الآخرة.
ويحتمل وجها آخر، وهو أنهم لما تركوا طاعة الله، خذلهم٧ الله تعالى بتركهم أمر الله وتركهم٨ أنفسهم لهم، ولم يوفقهم للخيرات والطاعات، وهذا من أشد العقوبات.
ويحتمل أن يكون معناه أن يجازيهم في الآخرة جزاء ما عملوا بأن تركهم في الآخرة في العذاب الدائم، فيكون ذلك جزاء لهم بما عملوا في الدنيا وبما تركوا [ من الإيمان ]٩ بالله تعالى.
وهذان التأويلان يرجعان إلى ما ذكر من الخذلان في ما فعلوا، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ أولئك هم الفاسقون ﴾ فالفسق، هو الخروج عن أمر الله تعالى.
١ من م، في الأصل: أي..
٢ من م، في الأصل: لصار.
٣ في الأصل و م: عمل..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ من م ساقطة من الأصل.
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ في الأصل و م: فخذلهم..
٨ الواو ساقطة من الأصل و م..
٩ من م، ساقطة من الأصل..
الآية ٢٠ وقوله تعالى : ﴿ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون ﴾ أي الناجون، والفوز هو الظفر بالحاجة.
ثم قوله عز وجل ﴿ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما :ألا يستووا في الدنيا، أو ألا يستووا في الآخرة.
فإن كان على الأول فمعناه :لا يستوي عمل أهل الجنة [ في الدنيا ] ١ في العقول وعمل٢ أهل [ النار ]٣ بالذي تستقبحه العقول.
وأما أفعال أهل الجنة[ فهي ] ٤ الداعية إليها بالتي تستحسنها العقول، لأن عمل هؤلاء بالذي ظهر بالبراهين والحجج، وليس لعمل أولئك براهين. وما أقيم بالبراهين والحجج فهو في العقول أحسن من الذي لا برهان عليه، وكذلك كل عمل يستحق صاحبه عليه الثواب فهو في العقول مستحسن، وما يستحق صاحبه عليه العقاب فهو في العقول مستقبح، فلم يستويا.
وأما الوجه الثاني :فلا يستوي جزاء أهل النار وجزاء أهل الجنة ؛ إذ في الجنة النعيم الدائم، وفي النار الشدة والنقمة الدائمة فلم يستويا ؛ يذكرهم الله تعالى هذا لينتهوا عن غفلتهم، ويعملوا لله تعالى، حتى يستوجبوا به٥ الثواب في الآخرة.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ الواو ساقطة من الأصل و م..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ في الأصل وم:بها..
الآية ٢١ وقوله تعالى : ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدقا من خشية الله ﴾ الآية :اختلف الناس في تأويل هذه الآية على التمثيل، وهي على التنبيه والتذكير، وذهبوا في ذلك إلى أن العرب إذا استقبلهم أمر، وأرادوا أن يصفوه بالعظم والشدة، كانوا يضربون الأمثال بما يعظم ذلك عندهم وصفه، لم يكونوا١ يريدون به الحقيقة في ذلك، وهو كقولهم عند شدة الأمر :أظلم علي ما بين السماء والأرض، وكقولهم :ضاقت علي الأرض برحبها، وكما وصف الله تعالى من أمر لوط عليه السلام : ﴿ وضاق بهم ذرعا ﴾ [ هود :٧٧ ].
فهذا القول من العرب إنما كان على التمثيل في ما يريدون أن يصفوا الشيء [ به ]٢ فغايته لا على الحقيقة، لأنه معلوم أن الدنيا عليه كما كانت لم تتغير، وكذلك لم يظلم عليه ذلك. لكنهم تكلموا على التمثيل من شدة ما نزل بهم من الأمر.
وكذلك قوله تعالى : ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ﴾ يقول :لو كانت هذه الحجج أنزلت على جبل مع صلابته وشدته لخضع لله تعالى، وانصدع من خشيته على وجه التمثيل. لكن قلوب هؤلاء أقسى منه حين٣ لم تخضع، ولم تخشع.
وهو كقوله تعالى : ﴿ فهي كالحجارة أو أشد قسوة ﴾ [ البقرة :٧٤ ] إذ الحجارة قد تكون فيها منافع نحو خروج الماء وغيره. فأما قلوب هؤلاء الكفرة فليس فيها شيء من المنافع، بل هي قاسية، لا تخشع، ولا تتصدع. وعلى ذلك حملوا قوله تعالى : ﴿ تكاد السماوات يتفطرن منه ﴾ [ مريم :٩٠ ] على التمثيل ليس على حقيقة ذلك.
وقال قائلون : ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ﴾ [ إنه على ]٤ حقيقة ذلك الفعل منه، وهو الانصداع والخشوع، وكذلك تأويل قوله تعالى : ﴿ تكاد السماوات يتفطرن منه ﴾ [ مريم :٩٠ ].
فمعناه :لو كان نزول هذا القرآن وما فيه من الأحكام والأمانات التي أوجب على البشر على الجبل، وكان هو بحيث يملك قبول ذلك باختياره لقيام شرائطه لكان هو يفزع، ويخضع، ويتصدع، من خشية الله تعالى، وكان لا يقبل مخافة أل يمكنه أداء ما لزم بنزوله، وهو كقوله تعالى : ﴿ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ﴾ الآية [ الأحزاب :٧٢ ] فيقول :معناه :لو أنزلنا هذه الأمانات التي في هذا القرآن ﴿ على جبل لرأيته خاشعا متصدعا ﴾ إذ الأمانات التي في هذا القرآن مما قد تلزم المرء [ ولا يمكنه ]٥ أداؤها كلها، لأن الأمانات مما يكثر عدها فضلا عن [ ألا يمكنه ]٦ أداؤها.
فعلى هذا التأويل يخرج على حقيقة التصدع :أن لو أنزل عليه مع عظمته وصلابته [ لانصدع. فعلى هذا تنبيه للخلق وتذكير لهم.
وقال بعضهم :في هذه الآية يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم منته عليه وعلى جميع الرسل :لولا فضل الله ومنته على الرسل لكان لا يطيق ]٧ أحد من الرسل حمل ما في الكتب ولا أداء ما فرض [ الله عليهم من أداء الرسالة، لكنه من عليهم أن يسر عليهم ذلك حتى قاموا بذلك كله، فهو كقوله تعالى : ﴿ إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ﴾ [ المزمل :٥ ] [ وقوله في مواضع أخر ]٨ ﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مّدّكر ﴾٩ [ القمر :١٧ و. . . ] فيسر عليهم، وثقل العمل بما فيه ؛ فيقولون :كذلك قوله تعالى : ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ﴾ لثقل ما فيه١٠. لكنه [ من ]١١ عليك، ويسر ذكره عليك، ووفقك بتبليغ ما فيه إلى أهله.
وقال قائلون :إن الله تعالى لما أراد أن ينزل التوراة على موسى عليه وسلم وكانت في لوح من زبرجد حمراء أمر الملائكة أن يحملوها، فلم يطيقوا حملها، ثم أمرهم أن يحملوا كل حرف منها، فلم يطيقوا ذلك، فخفف الله تعالى على موسى عليه السلام حتى حمل ذلك.
فكذلك ذكر ذلك في عيسى وداود عليهم السلام ثم خفف الله تعالى ذلك على الأنبياء /٥٦٢ – ب / عليهم السلام.
فكأنه يقول لرسوله عليه السلام : ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا ﴾ كذا. لكنه خفف ذلك عليك كما خفف على الأنبياء من قبلك. وإليه يذهب الكلبي.
ولكن إن صح هذا الخبر فإن ذلك الثقل لم يكن في تلك الكتابة التي في الألواح، لكن ذلك في ما يلزمهم من العمل بذلك من أداء الأمانات وغيرها، لأنه تعالى أخبر أنه لو كان أنزل ﴿ هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ﴾ وقال في موضع آخر : ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ الآية[ الأحزاب :٧٢ ].
ثم كانت هذه الألواح التي احتملتها الأرض، وأمكن لموسى عليه السلام [ حملها ]١٢ فكذلك هذا القرآن كله والتوراة والإنجيل والزبور مما قد يحتمل [ ذلك ]١٣ حقيقة، ويمكن كتابته في [ قلب تلك ]١٤ الألواح ثبت أن المراد من ذكره، ليس هو الحروف إن كان على ما فيه من الأمر والنهي وأداء الأمانات واتقاء الله حق تقاته لا على نفس تلم الألواح. وهذا الذي ذكرنا هو تأويل القوة في نزول هذه الآية.
فأما إني لا علم لي بحقيقة تأويل هذه الآية، ولولا أن في الآية تذكيرا وتنبيها، لكنا نقول :هي من التشابه المكتوم الذي لا يفسر. لكنه لما خرج مخرج التذكير واستيداء شكر ما سهل علينا قراءته احتجنا إلى تأويله.
وقوله تعالى : ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ﴾ هو ظاهر.
١ في الأصل و م: يكن..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: حيث..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ في الأصل و م: : لا يمكن..
٦ في الأصل و م: إن.
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ في نسخة الحرم المكي: وقال في موضع آخر..
٩ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
١٠ في الأصل و م: فيها..
١١ ساقطة من الأصل و م..
١٢ من م، ساقطة من الأصل..
١٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
١٤ في الأصل و م: قبلك..
الآية ٢٢ وقوله تعالى : ﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم ﴾ من الناس من يقول :إن قوله : ﴿ هو ﴾ من أرفع أسماء الله تعالى، وذكر بعض أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بقوله : ﴿ يا هو يا من لا هو إلا هو ﴾ وتأويل هذا الكلام أن كل شيء، بهويته كان.
وقوله تعالى : ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ قيل فيه بوجوه ثلاثة :
أحدها :أنه عالم بما غاب عن الخلق وبما شهدوا
والثاني : [ أنه عالم ]١ بما قد كان وبما يكون.
والثالث :أنه عليم بما قد كان وبكيفيته أن كيف يكون إذا كان.
وقوله تعالى : ﴿ هو الرحمن الرحيم ﴾ فيها اسمان مشتقان من الرحمة.
وفي هذه الآية بيان وجوه أربعة :
أحدها :فيه بيان التوحيد، وهو قوله تعالى : ﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو ﴾ اسم المعبود أن كل معبود دونه باطل.
والثاني :أن فيه تنبيها وتحذيرا بأن يتذكر الإنسان في جميع أحواله اطلاع الله تعالى عليه وعلمه فيه، وذلك من قوله تعالى : ﴿ هو عالم الغيب والشهادة ﴾.
والثالث :فيه ترغيب في رحمته وإخبار لهم أن كل نعمة لهم في الدنيا والآخرة من الله تعالى ؛ إذ في قوله عز وجل ﴿ هو الرحمن الرحيم ﴾.
١ ساقطة من الأصل و م..
الآية ٢٣ والرابع :ما ذكرنا في قوله تعالى : ﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس ﴾ الآية ﴿ الملك ﴾ من الملك، أي ملك كل شيء له، ليس لأحد سواه حقيقة الملك.
[ وقوله تعالى ]١ : ﴿ القدوس ﴾ قيل فيه بوجهين :
[ أحدهما :ما ]٢ قال بعضهم ﴿ القدوس ﴾ هو المبارك، والبركة اسم كل خير، أي منه جميع الخيرات. لكن لا يجوز أن يقال لله تعالى :يا مبارك، وإن كان المعنى منه يؤدي إلى أن يؤتى منه كل خير، لأنه لا يعرف في أسمائه هذا بالنقل. وعلينا أن نسكت عن تسميته بما لم يسم نفسه بذلك. لذلك قلنا :إنه لا يجوز التسمي بالمبارك، والله الموفق.
والثاني : ﴿ القدوس ﴾ هو الظاهر ؛ يعني هو مقدس عما قالت الملاحدة والكفرة فيه من الولد والشريك.
وقوله تعالى : ﴿ السلام ﴾ اختلف في تأويله ؛ منهم من قال :سمى نفسه سلاما لما هو سالم من الآفات، وغيره من المخلوقين لا يسلمون من حلول الآفات بهم.
وقال آخرون :سمى نفسه سلاما لما سلم المؤمنون من عذابه، والتأويل الأول أقرب.
وقوله تعالى : ﴿ المؤمن ﴾ اختلف الناس في تأويله ؛ قال قائلون :هو الأمان، أي يؤمّن المؤمنين من العذاب، ولا يمكن لأحد أن يؤمن أحد من عذابه.
وقال قائلون :أصله من الإيمان، وهو التصديق. ثم ذلك يتوجه إلى وجهين :
أحدهما :أي مصدق القول بما وعد المؤمنين الجنة.
والثاني : ﴿ المؤمن ﴾ هو المصدق لما قال المؤمنون المصدقون من تصديقهم، فيصدقهم بما قالوا.
ومن الناس من قال سمى نفسه بما أخبر أن هذا القرآن لما بين يديه مصدق.
وقوله تعالى : ﴿ المهيمن ﴾ اختلف فيه أيضا ؛ قال قائلون :هو المسلط. وقال قائلون : ﴿ المهيمن ﴾ هو الشاهد.
فمن قال بالأول فإنه يذهب إلى أن أصل ذلك من المؤيمن، وهو من الأمانة، وإلى هذا التأويل يذهب القتبي، أي أمين٣ في كل ما يقول وفي كل ما يفعل، أي لا يجور.
ومن قال بأنه، هو المسلط [ فإنه يذهب إلى أن ]٤ أصله من هيمن يهيمن، أي سلط يسلط، وسئل٥ عن تأويل المسلط، فقال :هو كالظاهر ؛ إذ قهر العباد كلهم، وهم ملك له.
ومن فسره بالشاهد فإنه يحتمل تأويلين :
أحدهما :أي شاهد على أفعال العباد من حيث لا يغيب عنه شيء.
والثاني :أي شاهد بما أنزل على رسوله بالصدق، وهو كقوله تعالى : ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ﴾[ المائدة :٤٨ ] أي شاهدا عليه.
وقوله تعالى : ﴿ العزيز ﴾ أي ما من عزيز دونه إلا وهو ذليل.
وقوله تعالى : ﴿ الجبار ﴾ قيل فيه بوجهين :
أحدهما :سمى نفسه الجبار لأنه هو المجبر لكل كبير.
[ والثاني :ما قال ] قائلون :سمى نفسه [ ﴿ الجبار ﴾ ]٦ لجبروته وعظمته، ولا يجوز لأحد أن يتسمى بذلك الاسم إلا هو، أي الله تعالى، وتجبر عن أن يكون له أمثال وأشكال.
وقوله تعالى : ﴿ المتكبر ﴾ من الكبرياء والعظمة، هذا الاسم لا يليق لغيره، لأن الخلق، بعضهم لبعض أكفاء في الخلقة، فلا فضل لأحد على آخر. فلما استووا لم يجز لأحد على آخر التكبر، فصار الحق في ذلك لله تعالى.
والتكبر على الآخر هو الارتفاع. والأصل فيه واحد ؛ وهو ألا يرى لنفسه شكلا، والله أعلم.
إنما سمى نفسه متكبرا ؛ إذ هو المتكبر بذاته، لم يكن تكبره بغيره. فلذلك قلنا :إنه لا يستحق أحد من الخلائق التكبر إلا الله تعالى ؛ إذ لم يكن أحد شكلا ولا ضدا ولا ندا. وأما غيره من الخلائق فكل واحد منهم بالذي له شكل.
وقوله تعالى : ﴿ سبحان الله عما يشركون ﴾ فيه تنزيه لله تعالى عما قالت فيه الملحدة، فهذا اسم سمى به نفسه، وأمر الملائكة والأنبياء والمؤمنين أن يقولوا ذلك.
ومعنى قوله : ﴿ سبحان الله ﴾ أي معاذ الله أن يكون ذلك على ما قالت الكفرة.
وسمى نفسه جبارا لما أنه يجبر الأشياء، فيجعلها على ما يشاء، وهو كقوله : ﴿ يصوركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ [ آل عمران :٦ ] [ فيخلق الأشياء على ما يريده ]٧ لا على ما يريده غيره.
قال، رحمه الله تعالى :إن الله تعالى يتعالى بمعان خمسة٨ :
أحدها :تعاليه عن الظلم والجور وجميع ما لا يليق [ به ]٩.
والثاني :تعاليه على الأشياء كلها بقهره إياها وتصريفه إياها على ما يشاء، أي ليس أحد، يقهره، بل يقهر الخلائق.
والثالث :تعاليه عن [ أن ]١٠ تمسه الحاجة والآفة. وكل من دونه، لا يخلو عن ذلك.
والرابع :تعاليه عما قال الظالمون فيه من الولد والأضداد والأشكال والأنداد.
[ والخامس ]١١ :تعاليه عن جميع السوء الذي يصيب الخلق، والله المستعان.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: أمينا..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ الواو ساقطة من الأصل و م..
٦ ساقطة من الأصل و م..
٧ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: على ما يريده الأشياء..
٨ في الأصل و م: أربعة..
٩ ساقطة من الأصل و م..
١٠ ساقطة من الأصل و م..
١١ في الأصل و م: و..
الآية ٢٤ وقوله تعالى : ﴿ هو الله الخالق البارئ المصور ﴾ فالخالق والبارئ واحد، ويقال :برأ أي خلق، والبرية هي الخلق، ويقال :سميت البرية [ لأنها خلقت ]١ من التراب ؛ إذ البرى، هو التراب.
وقوله تعالى : ﴿ المصور ﴾ / ٥٦٣ – أ/ هو الذي يعطي كل شيء صورته، فيصوره على ما هو، فالتصوير، هو بيان المحدود، وهو قول الناس :صورت الأمر عند فلان، أي بينته.
وقوله تعالى : ﴿ له الأسماء الحسنى ﴾ أي الأمثال العلا، وهي الصفات، إذ المثل٢ يرجع إلى وجهين :
إلى الصفة مرة، وإلى التشبيه ثانيا. فإذا رجع إلى [ الصفة فإنه يرجع إلى ]٣ حقيقة ذلك [ المثل ]٤ وإن رجع إلى التشبيه فإنه لا يرجع إلى حقيقة ذلك.
ثم قوله تعالى : ﴿ له الأسماء الحسنى ﴾ أي الصفات العلا، أي لا يسمى بذلك إلا هو ؛ إذ يقال لغيره :الرب لا٥ الرحمن ولا المالك إلا أن يضاف ذلك إلى الشيء. فأما التصريح فلا يطلق ذلك إلا له، جل، وعلا.
ويحتمل وجها آخر، أي لا شبيه له في أسمائه، ولا يشركه أحد في تلك الأسماء، بل هي خاصته. والله المستعان.
١ في الأصل و م: لأنه خلق..
٢ في الأصل و م: الصفة..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ في الأصل و م: ولا..
السورة التالية
Icon