0:00
0:00
(٥٩) سورة الحشر مدنيّة وآياتها اربع وعشرون
[سورة الحشر (٥٩) :الآيات ١ الى ٤]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤)
اللغة:
(يَحْتَسِبُوا) يخطر ببالهم ويظنوا.
(الْجَلاءَ) الخروج من الوطن، قال الرازي: «الجلاء أخصّ من
الخروج لأنه لا يقال إلا للجماعة والإخراج يكون للجماعة والواحد» وفي المختار «الجلاء بالفتح والمد: الأمر الجلي تقول منه جلا الخبر يجلو جلاء وضح والجلاء أيضا الخروج من البلد والإخراج أيضا وقد جلوا عن أوطانهم وجلاهم غيرهم يتعدى ويلزم» وعبارة المصباح:
«والفاعل من الثلاثي حال مثل قاض والجماعة جالية ومنه قيل لأهل الذمّة الذين أجلاهم عمر رضي الله عنه من جزيرة العرب جالية ثم نقلت الجالية إلى الجزية التي أخذت منهم ثم استعملت في كل جزية تؤخذ وإن لم يكن صاحبها جلا عن وطنه فيقال استعمل فلان على الجالية والجمع الجوالي» وفي الأساس: «وجلوا عن بلادهم جلاء وقع عليهم الجلاء وأجليناهم عنها وجلوناهم ويقال للقوم إذا كانوا مقبلين على شيء محدقين به ثم انكشفوا عنه قد أخرجوا عنه وأجلوا عنه».
الإعراب:
(سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) سبّح فعل ماض ولله متعلقان بسبّح وقيل اللام زائدة وما فاعل وفي السموات متعلقان بمحذوف هو صلة الموصول وما في الأرض عطف على ما في السموات وهو مبتدأ والعزيز خبر أول والحكيم خبر ثان (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) الجملة مستأنفة أو حالية وهو مبتدأ والذي خبره وجملة أخرج صلة والذين مفعول به وجملة كفروا صلة الذين ومن أهل الكتاب حال من الذين كفروا وهم بنو النضير، ومن ديارهم متعلقان بأخرج ولأول الحشر هذه اللام تتعلق بأخرج وهي لام التوقيت كقوله تعالى لدلوك الشمس أي عند أول الحشر وعبارة الزمخشري: «ولأول الحشر تتعلق بأخرج وهي اللام في قوله تعالى يا ليتني قدّمت لحياتي وقولك جئته لوقت كذا»
(ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا) ما نافية وظننتم فعل وفاعل وأن حرف مصدري ونصب ويخرجوا فعل مضارع منصوب بأن وأن وما في حيّزها سدّت مسدّ مفعولي ظننتم (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ) الواو عاطفة وظنوا فعل ماض من أفعال القلوب والواو فاعل وأن واسمها وقد سدّت مسدّ مفعولي ظنوا ومانعتهم خبر أنهم وحصونهم فاعل مانعتهم ويجوز أن يكون مانعتهم خبرا مقدما وحصونهم مبتدأ مؤخرا والجملة خبر أنهم ومن الله متعلقان بمانعتهم (فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) الفاء للعطف مع التعقيب وأتاهم الله فعل ماض ومفعول به مقدّم وفاعل مؤخر أي أتاهم أمره أو عذابه ومن حرف جر وحيث ظرف مكان مبني على الضم في محل جر بمن والجار والمجرور متعلقان بأتاهم ولم حرف نفي وقلب وجزم ويحتسبوا فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف النون والجملة في محل جر بإضافة الظرف إليها وقذف عطف على فأتاهم وفي قلوبهم متعلقان بقذف والرعب مفعول به والرعب يقرأ بضم العين وسكونها (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة كأنها تفسير للرعب، وأن تكون حالية من الضمير في قلوبهم. ويخربون فعل مضارع وفاعل وبيوتهم مفعول به وبأيديهم متعلقان بيخربون وأيدي عطف على بأيديهم والمؤمنين مضاف إلى أيدي وقرىء يخربون بالتخفيف من أخرب وبالتشديد من خرّب (فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ) الفاء الفصيحة أي إن تدبرتم هذا وعقلتموه فاتعظوا بحالهم ولا تغدروا، واعتبروا فعل أمر وفاعل ويا حرف نداء وأولي منادى مضاف منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم والأبصار مضاف إليه (وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا) الواو استئنافية ولولا حرف امتناع لوجود وأن مصدرية وهي وما بعدها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ خبره محذوف تقديره موجود وكتب الله فعل وفاعل وعليهم متعلقان بكتب
والجلاء مفعول به واللام واقعة في جواب لولا وعذبهم فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به وفي الدنيا متعلقان يعذبهم (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ) الواو استئنافية ولهم خبر مقدّم وفي الآخرة حال وعذاب النار مبتدأ مؤخر يعني إن نجوا من عذاب الدنيا فإن عذاب الآخرة لهم بالمرصاد، ولا يجوز أن تكون الواو عاطفة لأن ذلك يؤدي إلى عطف الجملة على عذبهم في الدنيا وذلك يقتضي أن ينجوا من عذاب الآخرة أيضا لأن لولا تقتضي انتفاء الجزاء بحصول الشرط (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ذلك مبتدأ والإشارة إلى المذكور من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وبأنهم خبر ذلك وأن واسمها وجملة شاقوا خبرها والواو فاعل والله مفعول به ورسوله عطف على الله (وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) الواو عاطفة ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويشاق فعل الشرط والله مفعول به والجواب محذوف تقديره يعاقب والفاء تعليلية وإن واسمها وخبرها ولك أن تجعل الفاء رابطة والجملة في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ.
الفوائد:
روى التاريخ أن بني النضير وهم رهط من اليهود نزلوا المدينة انتظارا منهم لمحمد صلّى الله عليه وسلم فغدروا بالنبي بعد أن عاهدوه وصاروا عليه مع المشركين فحاصرهم رسول الله حتى رضوا بالجلاء وكانوا أول من أجلي من أهل الذمّة من جزيرة العرب ثم أجلي آخرهم في زمن عمر بن الخطاب فكان جلاؤهم أول حشر من المدينة وآخر حشر جلاء عمر لهم، وقيل أن أول الحشر إخراجهم من حصونهم إلى خيبر وآخر الحشر إخراجهم من خيبر إلى الشام، قال ابن العربي:
«الحشر أول وأوسط وآخر فالأول: إجلاء بني النضير والأوسط إجلاء أهل خيبر والآخر هو يوم القيامة».

[سورة الحشر (٥٩) :الآيات ٥ الى ٧]

ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥) وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧)
اللغة:
(لِينَةٍ) اللينة بالكسر في اللغة مصدر لان والمراد بها هنا النخلة من الألوان وهي ضروب النخل ما خلا العجوة والبرنية وهما أجود النخيل. وياؤها عن واو قلبت لكسرة ما قبلها كالديمة، وقيل اللينة النخلة الكريمة كأنهم اشتقوها من اللين قال ذو الرمّة:
كأن قتودي مؤتها عش طائر على لينة سوقاء تهفو جنوبها
يصف ناقته، والقتود عيدان الرحل تتخذ من القتاد وهو شجر صلب ذو شوك واللينة النخلة والسوقاء طويلة الساق والجنوب نوع من الريح والضمير للّينه، شبّه عيدان الرحل فوق الناقة بعشّ الطائر فوق النخلة. وتجمع اللّينة على لين.
(أَفاءَ) جعله فيئا أي غنيمة.
(أَوْجَفْتُمْ) أسرعتم، وفي المصباح: «وجف الفرس والبعير وجيفا عدا وأوجفته بالألف أعديته وهو العنق في السير».
(رِكابٍ) الركاب: الإبل واحدتها راحلة وتجمع على ركب وركائب وركابات وركاب السحاب الرياح والركاب أيضا ما يعلق في السرج فيجعل الراكب رجله فيه وقال الفرّاء: «العرب لا يطلقون لفظ الراكب إلا على راكب البعير ويسمّون راكب الفرس فارسا».
(دُولَةً) بضم الدال وقرىء بفتحها لغتان ما يدول للإنسان أي يدور من الجد يقال دالت له الدولة وأديل لفلان.
الإعراب:
(ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ) ما اسم شرط جازم في محل نصب مفعول به مقدّم لقطعتم وقطعتم فعل وفاعل في محل جزم فعل الشرط ومن لينة حال واو حرف عطف وتركتموها عطف على قطعتم وقائمة مفعول ثان لترك وعلى أصولها متعلقان بقائمة والفاء رابطة لجواب الشرط وبإذن جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف أي فقطعها بإذن الله والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط (وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ) الواو عاطفة والمعطوف عليه محذوف تقديره أذن في قطعها ليسرّ المؤمنين ويغرّهم ويخزي المنافقين والفاسقين ويذلّهم واللام لام التعليل ويخزي فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور متعلقان بالمحذوف المقدّر والفاسقين مفعول يخزي (وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ) كلام مستأنف مسوق للشروع في بيان حال ما أخذ
من أموالهم وما اسم موصول في محل رفع مبتدأ وجملة أفاء صلة والله فاعل وعلى رسوله متعلقان بأفاء ومنهم حال والفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط وما نافية وأوجفتم فعل وفاعل وعليه متعلقان بأوجفتم ومن حرف جر زائد وخيل مجرور بمن لفظا منصوب محلا على أنه مفعول أوجفتم ولا ركاب عطف على خيل (وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ) الواو حالية ولكن حرف استدراك ونصب والله اسمها وجملة يسلط خبرها ورسله مفعول به ليسلط وعلى من يشاء متعلقان بيسلط وجملة يشاء صلة من (وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الله مبتدأ وعلى كل شيء متعلقان بقدير وقدير خبر الله (ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) كلام مستأنف مسوق لبيان مصارف الفيء، وسيأتي سر الفصل فيه، وما اسم موصول مبتدأ وجملة أفاء صلة والله فاعل وعلى رسوله متعلقان بأفاء ومن أهل القرى حال، قال مقاتل: يعني قريظة والنضير وخيبر، والفاء رابطة لما يتضمنه الموصول من معنى الشرط ولله خبر ما وللرسول وما بعده عطف على قوله لله (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ) كي حرف تعليل وجر بمعنى اللام ولا نافية ويكون فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد كي واسم يكون مستتر يعود على الفيء ودولة خبرها وبين الأغنياء ظرف متعلق بمحذوف صفة لدولة أي يتداولونه بينهم ومعكم حال (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) الواو عاطفة وما اسم موصول في محل نصب مفعول به لفعل محذوف دلّ عليه خذوه، ويجوز أن تعرب جملة فخذوه خبر، وجملة أتاكم صلة والكاف مفعول به والرسول فاعل والفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط وخذوه فعل أمر وفاعل ومفعول به، وما نهاكم عنه فانتهوا عطف على ما تقدم (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) واتقوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول وإن واسمها وخبرها.
البلاغة:
في قوله: «ما أفاء الله على رسوله» الآية. الفصل وهو ترك عطف جملة على أخرى، وضدّه الوصل وهو عطف بعض الجمل على بعض وهذا الباب أغمض أبواب المعاني حتى قيل لبعضهم: ما البلاغة؟
فقال: معرفة الفصل والوصل قال:
الفصل ترك عطف جملة أتت من بعد أخرى عكس وصل قد ثبت
ولكلّ منهما مواضع نلخصها فيما يلي:
مواضع الفصل: يجب الفصل في خمسة مواضع:
١- أن يكون بين الجملتين اتحاد تام بأن تكون الثانية بدلا من الأولى كالآية التي نحن بصددها، أو بيانا لها نحو «فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد» أو مؤكدة لها نحو «فمهل الكافرين أمهلهم رويدا» ويقال في هذا الموضع إن بين الجملتين كمال الاتصال.
٢- أن يكون بين الجملتين تباين تام بأن تختلفا خبرا وإنشاء كقوله:
لا تسأل المرء عن خلائقه في وجهه شاهد يغني عن الخبر
وقول الآخر:
وقال رائدهم أرسوا نزاولها فحتف كل امرئ يجري بمقدار
فلم يعطف نزاولها على أرسوا لأنه خبر لفظا ومعنى، وأرسوا إنشاء لفظا ومعنى، والرائد هو الذي يتقدم القوم لطلب الماء والكلأ للنزول عليه، وقوله أرسوا أي أقيموا بهذا الكلأ الملائم للحرب وهو
مأخوذ من أرسيت السفينة أي حبستها بالمرساة، وقوله نزاولها أي نحاول أمر الحرب ونعالجها، وقوله فحتف إلخ تعليل لمحذوف يفيده ما قبله أي ولا يمنعكم من محاولة إقامة الحرب بمباشرة أعمالها خوف من الحتف وهو الموت فكل إلخ... هذا وقد اختلف في إعراب جملة نزاولها فقيل لا محل لها لأنها تعليل لما قبلها فهي جواب عن سؤال مقدّر فليس الفصل لكمال الانقطاع بل لشبه كمال الاتصال وقيل حال أي أقيموا في حال مزاولة الحرب فلذلك ليس الفصل لكمال الانقطاع بل لأن الحال لا يعطف على الجملة المقيدة به أو بأن لا يكون بينهما مناسبة في المعنى كقولك عليّ كاتب، الحمام طائر، ويقال في هذا الموضع إن بين الجملتين كمال الانقطاع.
٣- كون الجملة الثانية جوابا عن سؤال نشأ من الجملة الأولى كقوله تعالى «وما أبرىء نفسي إن النفس لأمّارة بالسوء» ويقال إن بين الجملتين شبه كمال الاتصال.
٤- أنه تسبق جملة بجملتين يصحّ عطفها على إحداهما لوجود المناسبة وفي عطفها على الأخرى فساد فيترك العطف دفعا للوهم كقوله:
وتظنّ سلمى أنني أبغي بها... بدلا أراها في الضلال تهيم
فجملة أراها يصحّ عطفها على تظن لكن يمنع من هذا توهم العطف على جملة أبغي بها فتكون الجملة الثالثة من مظنونات سلمى مع أنه ليس مرادا ويقال إن بين الجملتين شبه كمال الانقطاع.
٥- أن لا يقصد تشريك الجملتين في الحكم لقيام مانع كقوله تعالى: «وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزىء بهم» فجملة الله يستهزىء بهم لا يصحّ عطفها على إنّا
معكم لاقتضائه أنه من مقولهم ولا على جملة قالوا لاقتضائه أن استهزاء الله بهم مقيد بحال خلوّهم إلى شياطينهم ويقال إن بين الجملتين في هذا الموضع توسطا بين الكمالين.
مواضع الوصل: ويجب الوصل في المواضع التالية:
١- إذا اتفقت الجملتان خبرا أو إنشاء وكان بينهما جهة جامعة أي مناسبة تامة ولم يكن ثمة مانع من العطف كقوله تعالى: «إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجّار لفي جحيم» والجامع بينهما التضاد ونحو «كلوا واشربوا ولا تسرفوا» والجامع بينهما التضاد أيضا وهو وهي وذلك لأن الوهم ينزل التضاد عنده منزلة التضايف عند العقل فكما أن العقل لا يحضره أحد المتضايفين إلا ويحضره الآخر فكذا الوهم لا يحضره أحد المتضادّين إلا ويحضره الآخر.
٢- إذا أوهم ترك العطف خلاف المقصود كما إذا قيل لك: هل برىء علي من المرض؟ وقلت: لا وأردت أن تدعو للسائل فلا بدّ من الوصل فتقول لا ورعاك الله إذ لو فصلت لتوهم أنه دعاء على المخاطب بعدم الرعاية ولولا هذا الإيهام لوجب الفصل لاختلافهما خبرا وإنشاء.
٣- أن يكون للأولى محل من الإعراب كأن تكون خبرا ويقصد تشريك الثانية لها في حكم ذلك الإعراب نحو: زيد قام أبوه وقعد أخوه.
هذا والجوامع ثلاثة: عقلي ووهمي وخيالي، ومعنى كونه عقليا أنه يصل بين الجملتين ويجمعهما عند القوة المفكرة بسبب العقل كالتماثل، فإن العقل إذا توجه إلى المثلين في الحقيقة وجردهما من العوارض ارتفع التعدد وصارا شيئا واحدا في تلك الحقيقة فيجتمعان في العطف ولكن المراد بالتماثل هنا أن يكون لهما حقيقة مخصوصة
بوصف زائد، ومعنى كونه وهميا أن يحتال الوهم في جمعهما عند المفكرة كالتقارب للشبه الذي بين البياض والصفرة فإن الوهم يتوصل به إلى جمعهما وإن كان ذلك التشابه عقليا لأنه يأخذه من العقل ويجمع به ولولا الوهم ما صحّ الجمع لأن العقل ينفي الجمع لإدراك التباين معه والوهم يجعله كالتماثل، ومعنى كونه خياليا أن يحتال الخيال في الجمع عند المفكرة وهو التقارن بين المتعاطفين في المفكرة وإن كان التقارن عقليا لكن الوهم يأخذه منه فيجمع به ولما كان الجامع الخيالي هو هذا التقارن اختلف باختلاف الناس فربّ إنسان يتقارن عنده صور ولا تصحّ في خلد آخر أصلا.
الفوائد:
روى التاريخ أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لما نزل باليهود من بني النضير وقد تحصّنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها فجزع أعداء الله عند ذلك وقالوا: يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح، أمن الصلاح قطع الشجر وقطع النخيل وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض؟ فوجد المسلمون في أنفسهم من قولهم شيئا وخشوا أن يكون ذلك فسادا واختلفوا في ذلك فقال بعضهم لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا، وقال بعضهم بل نغيظهم بقطعه فأنزل الله «ما قطعتم من لينة» الآية.
[سورة الحشر (٥٩) :الآيات ٨ الى ١٠]
لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠)
اللغة:
(خَصاصَةٌ) حاجة وخلّة وأصلها خصاص البيت أي فروجه.
(يُؤْثِرُونَ) الإيثار: تقديم الغير على النفس يقال آثرته بكذا أي خصصته به وفضّلته.
(شُحَّ) الشح الحرص على المال، والفرق بينه وبين البخل أن الشحّ غريزة والبخل المنع نفسه فهو أعمّ لأنه قد يوجد البخل ولا شحّ له ولا ينعكس وفي الصحاح: «والشحّ البخل مع حرص».
الإعراب:
(لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ) اختلفت أقوال المعربين في تعليق الجار والمجرور فمن جنح إلى مذهب أبي حنيفة جعله بدلا من قوله لذي القربى والمعطوف عليه ومقتضاه اشتراط الفقر فيه وعلى هذا الإعراب نهج الزمخشري وأبو البقاء، ومن جنح
إلى مذهب الشافعي علّقه بمحذوف تقديره أعجبوا ومقتضاه عدم اشتراط الفقر وإن الاستحقاق يكون بالقرابة وعلى هذا نهج السيوطي وغيره وعبارة أبي حيان: «وإنما جعله الزمخشري بدلا من قوله ولذي القربى لأنه مذهب أبي حنيفة والمعنى أنه يستحق ذو القربى الفقير فالفقر شرط على مذهب أبي حنيفة ففسّره الزمخشري على مذهبه وأما الشافعي فيرى أن سبب الاستحقاق هو القرابة فيأخذ ذو القربى الغني لقرابته. والسر في التعجب أن السياق يدلّ عليه والمعنى أعجبوا لهؤلاء المهاجرين حيث تركوا أوطانهم وأموالهم وتكبدوا شظف العيش ومرارة الغربة في حبّ النبي والإسلام. والمهاجرين نعت للفقراء والذين نعت ثان وجملة أخرجوا صلة وهو فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل ومن ديارهم متعلقان بأخرجوا وأموالهم عطف على ديارهم وساغ التعبير عنه بالخروج منه لأن المال بمثابة الظرف الذي يستر صاحبه فناسب التعبير عنه بالخروج (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً) الجملة حالية أي حال كونهم طالبين منه تعالى فضلا ورضوانا، وفضلا مفعول به ومن الله متعلقان بيبتغون أو بمحذوف نعت لفضلا ورضوانا عطف على فضلا (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) الجملة معطوفة على جملة يبتغون والله مفعول ينصرون ورسوله عطف على الله وأولئك مبتدأ وهم ضمير فصل أو مبتدأ والصادقون خبر أولئك أو خبرهم والجملة خبر أولئك (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ) كلام مستأنف مسوق لمديح الأنصار الذين حدبوا على المهاجرين وأحلّوهم دارهم، ولك أن تجعله منسوقا على الفقراء فالذين على هذين الوجهين إما مبتدأ وإما معطوف على الفقراء فهو في محل جر وجملة تبوءوا صلة والدار مفعول به والإيمان مفعول به لفعل محذوف تقديره وأخلصوا على حدّ قوله: علفتها تبنا وماء باردا. ويكون العطف من عطف الجمل لأن الإيمان لا يتخذ منزلا فاختصر الكلام، وقيل هو على
حذف مضاف والمعنى دار الهجرة ودار الإيمان فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه وحذف المضاف من دار الإيمان ووضع المضاف إليه مقامه، أو منصوب بتبوءوا بعد تضمينه معنى لزموا كأنه قال لزموا الدار ولزموا الإيمان وقيل هو من عطف المفردات على أن يكون التجوّز واقعا في الإيمان على طريق الاستعارة وسيأتي مزيد بحث عنه في باب البلاغة، ومن قبلهم حال وجملة يحبّون خبر الذين ومن مفعول به وجملة هاجر صلة وإليهم متعلقان بهاجر (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا) الواو عاطفة ولا نافية ويجدون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وفي صدورهم متعلقان بيجدون وحاجة مفعول به ومما نعت لحاجة وجملة أوتوا صلة لما. (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ) عطف على ما تقدم وعلى أنفسهم متعلقان بيؤثرون والواو حالية ولو شرطية وكان فعل ماض ناقص وبهم خبر كان المقدم وخصاصة اسمها المؤخر. قال ابن عمر: أهديت لرجل من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم شاة فقال: أخي فلان أحوج إليها وبعث بها إليه فلم يزل يبعث بها واحد بعد واحد حتى تداولها تسعة أبيات ورجعت إلى الأول فنزلت. (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الواو استئنافية ومن شرطية في محل رفع مبتدأ ويوق فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلّة وهو فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وشحّ مفعول به ثان والفاء رابطة لجواب الشرط وأولئك مبتدأ وهم ضمير فصل أو مبتدأ ثان والمفلحون خبر أولئك أو خبرهم والجملة خبر أولئك وجملة فأولئك إلخ في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من (وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ) الذين مبتدأ وجملة جاءوا صلة ومن بعدهم متعلقان بجاءوا وجملة يقولون خبر الذين وربنا منادى مضاف واغفر فعل دعاء وفاعله مستتر تقديره أنت والجملة مقول القول
ولإخواننا عطف على لنا، والذين نعت لإخواننا وجملة سبقونا صلة الذين وبالإيمان متعلقان بسبقونا (وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا) الواو عاطفة ولا ناهية وتجعل فعل مضارع مجزوم بلا وفي قلوبنا في موضع المفعول الثاني لتجعل وغلّا مفعولها الأول وللذين نعت لغلّا أي حقدا. (رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) ربنا منادى مضاف وإن واسمها ورءوف خبر إن الأول ورحيم خبرها الثاني.
البلاغة:
في قوله «والذين تبوءوا الدار والإيمان» فن الإيجاز، وقد تقدم بحثه مفصلا، وهو هنا نوع تختصر فيه بعض الألفاظ ويأتي كله بلفظ الحقيقة، لكن اختصاره من اختصار ألفاظ المجاز، وبعضهم يسمّيه اختصار الاتباع، فإن التقدير كما قدّمنا في باب الإعراب: تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان، كما قال ذو الرمّة:
لما حططت الرحل عنها واردا... علفتها تبنا وماء باردا
أي وسقيتها، وكقول عبد الله بن الزبعرى:
ورأيت زوجك في الوغى... متقلدا سيفا ورمحا
أي ومتقلدا رمحا.
الفوائد:
للإعراب في قوله «للفقراء» أثر كبير في توجيه المعتقد، فمذهب أبي حنيفة رحمه الله أن استحقاق ذوي القربى لسهمهم من الفيء موقوف على الفقراء حتى لا يستحقه أغنياؤهم، وقد أغلظ الشافعي رحمه الله، فيما نقله عنه إمام الحرمين، الردّ على هذا المذهب بأن الله
تعالى علّق الاستحقاق بالقرابة ولم يشترط الحاجة، وعدم اعتبار القرابة مضادّة محادّة، واعتذر إمام الحرمين لأبي حنيفة بأن الصدقات لما حرّمت عليهم كان فائدة ذكرهم في خمس الفيء والغنيمة أنه لا يمنع صرف ذلك إليهم امتناع صرف الصدقات، ثم أتبع هذا العذر بأن قال:
لا ينبغي أن يعبّر به فإن صيغة الآية ناصّة على الاستحقاق لهم تشريفا لهم وتنبيها على عظم أقدارهم، فمن حمل ذلك على جواز الصرف إليهم مع معارضة هذا الجواز بجواز حرمانهم فقد عطّل فحوى الآية، ثم استعظم الإمام وقع ذلك عليهم لأنهم يذهبون إلى اشتراط الإيمان في رقبة الظهار زيادة على النصّ فيأتون في إثبات ذلك بالقياس لأنه يستنتج وليس من شأنه الثبوت بالقياس، قال فكذلك يلزمهم أن يعتقدوا أن اشتراط الفقر في القرابة واشتراط الحاجة لقرب ما ذكروه بغرض القرب، فأما وأن أصلهم المخصوصون من نسب الرسول عليه الصلاة والسلام والنابتون من شجرته كالعجمة فلا يبقى مع هذا لمذهبهم وجه.
انتهى كلام الإمام، وإنما أوردته ليعلم أن معارضته لأبي حنيفة على أن اشتراط الحاجة عند أبي حنيفة مستند إلى قياس أو نحوه من الأسباب الخارجة عن الآية فلذلك ألزمه أن يكون زيادة على النصّ فأما وقد تلقى أبو حنيفة اعتبار الحاجة من تقييد هذا البدل المذكور في الآية فإنما يسلك معه واد غير هذا فيقول هو بدل من المساكين لا غير، وتقديره أنه سبحانه أراد أن يصف المساكين بصفات تؤكد استحقاقهم وحمد الأغنياء على إيثارهم وأن لا يجدوا في صدورهم حاجة مما أوتوا فلما قصد ذلك وقد فصّل بين ذكرهم وبين ما يقصد من ذكر صفاتهم بقوله:
«كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم» إلى قوله: «شديد العقاب» طرّى ذكرهم ليكون توطئة للصفات المتتالية بعده فذكر بصفة أخرى مناسبة للصفة الأولى مبدلة منها وهي الفقر لتشهد التطرية على فائدة الجمع لهم بين صفتي المسكنة والفقر ثم تليت صفاتهم على أثر ذلك وهي
إخراجهم من ديارهم وأموالهم مهاجرين وابتغاؤهم الفضل والرضوان من الله، فإن ذوي القربى ذكروا بصفة الإطلاق فالأصل بقاؤهم على ذلك حتى يتحقق أنهم مرادون بالتقييد وما ذكرناه من صرف ذلك إلى المساكين يكفي في إقامة وزن الكلام فيبقى ذوو القربى على أصل الإطلاق وتلك قاعدة لا يسع الحنفية مدافعتها فإنهم يرون الاستثناء المتعقب للجمل يختصّ بالجملة الأخيرة لأن عوده إليها يقيم وزن الكلام ويبقى ما تقدمهنّ على الأصل ولا فرق بين التعقيب بالاستثناء والبدل وكل ما سوى هذا مع أنه لو جعل بدلا من ذوي القربى مع ما بعده لم يكن إبداله من ذوي القربى إلا بدل بعض من كل فإن ذوي القربى منقسمون إلى فقراء وأغنياء ولم يكن إبداله من المساكين إلا بدلا للشيء من الشيء وهما لعين واحدة، فيلزم أن يكون هذا البدل محسوسا بالنوعين المذكورين في حالة واحدة وذلك متعذر لما بين النوعين من الاختلاف والتباين وكلّ منهما يتقاضى ما يأباه الآخر فهذا القدر كان إن شاء الله تعالى وعليه أعرب الزجّاج الآية فجعله بدلا من المساكين خاصة والله تعالى الموفّق للصواب.
[سورة الحشر (٥٩) :الآيات ١١ الى ١٧]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥)
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)
الإعراب:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) كلام مستأنف مسوق لحكاية ما جرى بين المنافقين والكفّار من أقوال كاذبة ومحاورات متهافتة، والهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلّة والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت أي تنظر وإلى الذين متعلقان بتر وجملة نافقوا صلة وجملة يقولون مستأنفة لبيان المتعجب منه والتعبير بالمضارع لاستحضار صورة القول وتجدده ولإخوانهم متعلقان بيقولون والذين نعت لإخوانهم وجملة كفروا صلة الذين ومن أهل الكتاب حال (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً) الجملة مقول قول قولهم واللام موطئة للقسم وإن شرطية وأخرجتم فعل ماض مبني
للمجهول في محل جزم فعل الشرط والتاء نائب فاعل واللام جواب القسم أيضا ونخرجن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والجملة لا محل لها لأنها جواب القسم وجواب إن الشرطية محذوف، والكثير في كلام العرب إثبات اللام المؤذنة بالقسم قبل أداة الشرط، ومعكم ظرف متعلق بنخرجنّ والواو حرف عطف ولا نافية ويطع فعل مضارع مرفوع لأنه معطوف على جملة لئن أخرجتم وكذلك قوله وإن قوتلتم فمقول قولهم ثلاث جمل وجاء الفعل مرفوعا هو وما بعده لأنها راجعة على حكم القسم لا على حكم الشرط وفقا للقاعدة المتفق عليها من أنه إذا تقدم القسم على الشرط كان الجواب للقسم، وفيكم متعلقان بنطيع على حذف مضاف أي في خذلانكم وأحدا مفعول به وأبدا ظرف للنفي متعلق بنطيع أيضا (وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) الواو عاطفة وإن شرطية حذفت قبلها اللام الموطئة للقسم وقوتلتم فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط واللام جواب القسم وننصرنّكم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وجواب إن محذوف والجملة لا محل لها لأنها جواب القسم وقد تقدم القول في ذلك (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) والله مبتدأ وجملة يشهد خبر وإن حرف مشبّه بالفعل وكسرت همزتها لوقوع اللام المزحلقة في خبرها والهاء اسمها وكاذبون خبرها (لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ) اللام موطئة للقسم وإن شرطية وأخرجوا فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وهو في محل جزم فعل الشرط وجواب إن محذوف دلّ عليه جواب القسم وهو جملة لا يخرجون ومعهم ظرف متعلق بيخرجون (وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ) عطف على ما تقدم مماثل له في إعرابه (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) عطف أيضا وقوله ليولّنّ:
اللام جواب القسم ويولّنّ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل والأدبار
مفعول به وثم حرف عطف ولا نافية وينصرون فعل مضارع معطوف على يولّنّ مرفوع مثله والضمائر عائدة على اليهود أو على المنافقين (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ) اللام لام الابتداء وأنتم مبتدأ وأشد خبر ورهبة تمييز وهو مصدر رهب المبني للمجهول هنا لأن المخاطبين مرهوب منهم لا راهبون فلا يرد السؤال كيف يستقيم التفضيل بأشدية الرهبة مع أنهم لا يرهبون من الله لأنهم لو رهبوا منه لتركوا الكفر والنفاق، وفي صدورهم نعت لرهبة ومن الله متعلقان برهبة (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) ذلك مبتدأ وبأنهم خبر وأن واسمها وقوم خبرها وجملة لا يفقهون نعت لقوم (لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ) لا نافية ويقاتلونكم فعل مضارع مرفوع وفاعل ومفعول به وجميعا حال أي مجتمعين وإلا أداة حصر وفي قرى متعلقان بيقاتلونكم والضمير يعود لليهود ومحصنة نعت لقرى وأو حرف عطف ومن وراء عطف على في قرى وجدر مضاف إليه وهو جمع جدار وقرىء بالإفراد (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) الجملة مستأنفة لبيان حالهم أي أنهم في غاية القوة والشجاعة إذا حارب بعضهم بعضا ولكنهم إذا حاربوكم ضعفوا وجبنوا، وبأسهم مبتدأ وبينهم ظرف متعلق بشديد وشديد خبر وجملة تحسبهم استئنافية أيضا وتحسبهم فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره وأنت والهاء مفعول به أول وجميعا مفعول به ثان والواو حالية وقلوبهم مبتدأ وشتى خبره والجملة حالية (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) تقدم إعراب نظيرتها قريبا (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ) كمثل خبر لمبتدأ محذوف تقديره مثلهم والذين مضاف إليه ومن قبلهم صلة الذين وقريبا ظرف متعلق بالاستقرار المحذوف الذي تعلق به من قبلهم ولك أن تعلقه بذاقوا وعلقه الزمخشري بمضاف مقدّر في الخبر أي كوجود مثل أهل بدر قريبا أي مثل اليهود من بني النضير فيما وقع لهم من الإجلاء والذل
والمهانة كمثل أهل مكة فيما وقع لهم أيضا يوم بدر من الهزيمة والأسر والقتل وليس قوله ببعيد، وذاقوا فعل وفاعل ووبال أمرهم مفعول (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) الواو استئنافية ولهم خبر مقدّم وعذاب مبتدأ مؤخر وعظيم نعت أي في الآخرة (كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ) كمثل خبر لمبتدأ محذوف أي مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال كمثل الشيطان وإذا ظرف لما مضى من الزمن متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر ولك أن تعلقه بمحذوف على أنه حال من مثل الشيطان كأنه بيان له وجملة قال في محل جر بإضافة الظرف إليها وللإنسان متعلقان بقال وجملة اكفر مقول القول (فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ) الفاء عاطفة على محذوف أي فكفر فلما كفر، ولما ظرفية حينية أو رابطة متضمنة معنى الشرط وجملة كفر في محل جر بإضافة الظرف إليها وجملة قال لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وإن واسمها وبريء خبرها ومنك متعلقان ببريء (إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ) الجملة تعليل كاذب لبراءته منه وإلا فهو لا يخاف الله، وإن واسمها وجملة أخاف الله خبرها ورب العالمين بدل من الله أو نعت له (فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ) الفاء عاطفة وكان فعل ماض ناقص وعاقبتهما خبرها المقدّم أي الغاوي والمغوى، وأن وما في حيّزها هو الخبر وأن واسمها وفي النار خبرها خالدين حال وفيها متعلقان بخالدين والواو استئنافية وذلك مبتدأ والإشارة إلى العذاب وجزاء الظالمين خبر ذلك.
[سورة الحشر (٥٩) :الآيات ١٨ الى ٢٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢)
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ) كلام مستأنف مسوق لمخاطبة المؤمنين وإسداء الموعظة لهم، واتقوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والله مفعوله والواو حرف عطف واللام لام الأمر وتنظر فعل مضارع مجزوم بلام الأمر ونفس فاعل وما مفعول تنظر وجملة قدّمت صلة ما والعائد محذوف أي
قدّمته ولغد متعلقان بقدّمت وأطلق الغد على يوم القيامة تقريبا له وسيأتي مزيد بحث عن معنى الغد في باب البلاغة (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) كرر الأمر بالتقوى تأكيدا له، وجملة إن الله خبير بما تعملون تعليل للأمر بالتقوى وإن واسمها وخبرها (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ) الواو عاطفة ولا ناهية وتكونوا فعل مضارع ناقص مجزوم بلا والواو واسمها وكالذين خبرها وجملة نسوا الله صلة الموصول، فأنساهم الفاء عاطفة وأنساهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به أول وأنفسهم مفعول به ثان (أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) أولئك مبتدأ وهم ضمير فصل أو مبتدأ ثان والفاسقون خبر أولئك أو خبرهم والجملة خبر أولئك (لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ) لا نافية ويستوي فعل مضارع مرفوع وأصحاب النار فاعل وأصحاب الجنة عطف على أصحاب النار (أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ) كلام مستأنف مسوق لبيان كيفية عدم الاستواء وأصحاب الجنة مبتدأ وهم ضمير فصل أو مبتدأ ثان والفائزون خبر على كل حال وقد تقدم نظيره تقريبا (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) كلام مستأنف مسوق للتشبيه ولو شرطية وأنزلنا فعل وفاعل وهذا مفعول به والقرآن بدل وعلى جبل متعلقان بأنزلنا واللام رابطة لجواب لو ورأيته فعل وفاعل ومفعول به وخاشعا مفعول ثان أو حال لأن الرؤية تحتمل القلبية والبصرية ومتصدعا حال ثانية أو نعت لخاشعا ومن خشية الله متعلقان بمتصدعا (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الواو استئنافية وتلك مبتدأ والأمثال بدل وجملة نضربها خبر وللناس متعلقان بنضربها ولعل واسمها وجملة يتفكرون خبرها (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) هو مبتدأ والله خبر أول والذي نعت وجملة لا إله إلا هو صلة وقد تقدم إعراب كلمة الشهادة مفصّلا في البقرة فجدّد به عهدا (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ)
أخبار متعددة لله وقد تقدمت أسماء الله الحسنى (سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) سبحان مفعول مطلق لفعل محذوف وعمّا متعلقان بسبحان وجملة يشركون صلة (هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ) هو مبتدأ وما بعده من الأسماء الحسنى أخبار (لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) له خبر مقدم والأسماء مبتدأ مؤخر والحسنى نعت والحسنى مؤنث الأحسن الذي هو اسم تفضيل لا مؤنث أحسن المقابل لامرأة حسناء، وفي القاموس «ولا تقل رجل أحسن في مقابل امرأة حسنا وعكسه غلام أمرد ولا تقل جارية مرداء وإنما يقول هو الأحسن على إرادة أفعل التفضيل وجمعه أحاسن والحسنى بالضم ضد السوءى» (يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) تقدم في أول السورة.
البلاغة:
في قوله «ولتنظر نفس ما قدّمت لغد» تنكير النفس والغد، أما تنكير النفس فاستقلال للأنفس النواظر فيما قدّمن للآخرة، وأما تنكير الغد فلتعظيمه وإبهام أمره كأن قيل لغد لا يعرف كنهه لعظمه.
السورة التالية
Icon