0:00
0:00

١سورة الجن وتسمى " قل٢ أوحي " ٣
مقصودها ٤إظهار الشرف٥ لهذا النبي الكريم الفاتح الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وذريته وأهل بيته حيث لين له قلوب الإنس والجن وغيرهما٦، فصار مالكا لقلوب المجانس وغيره، وذلك لعظمة هذا القرآن ولطف ما له من غريب٧ الشأن، هذا والزمان في آخره وزمان لبثه في قومه دون ربع العشر من زمن٨ نوح عليه السلام أول نبي بعثه إلى الله تعالى إلى المخالفين وما٩ آمن١٠ معه من قومه إلا قليل، وعلى ذلك دلت تسميتها بالجن [ و-١١ ] بقل أوحى، وبتأمل الآية المشتملة على ذلك وما فيها من لطيف المسالك١٢، أعاذنا الله بمنه وكرمه من الوقوع في المهالك١٣. ( بسم الله ) أي١٤ المحيط بالكمال أرسل رسوله [ الخاتم١٥- ] بالهدى ليظهره على الدين كله بما له من الجلال والجمال ( الرحمان ) الذي بعموم رحمته عم١٦ بهذا الإرسال ليعم بالبيان ما يلزم الخلق من المقال والفعال ( الرحيم ) الذي خص من بين أهل الدعوة من شاء بمحاسن الأعمال لما سبق لهم من الفوز في أزل الآزال١٧.
١ - زيد قبله في الأصل: هذه، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها، وهي الثانية والسبعون من سور القرآن الكريم، مكية، وعدد آيها ٢٨..
٢ - من ظ وم وفي الأصل: بقل..
٣ - زيد في الأصل: إلى، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
٤ - في م: غيرهم..
٥ - في م: غيرهم..
٦ - في م: غيرهم..
٧ - من ظ وم، وفي الأصل: عظيم..
٨ - من ظ وم، وفي الأصل: زمان..
٩ - من ظ وم، وفي الأصل: من..
١٠ - زيد في الأصل: به، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
١١ - زيد من م..
١٢ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
١٣ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
١٤ - سقط من م..
١٥ - زيد من م..
١٦ - وقع في الأصل قبل "بعموم" والترتيب من ظ وم..
١٧ - من ظ وم، وفي الأصل: الأزل انتهى..

لما كان نوح عليه الصلاة والسلام أول رسول أرسله الله تعالى إلى المخالفين من أهل الأرض، وكان قومه عباد أوثان، وعصوه أشد العصيان مع أنه كان١ منهم نسباً ولساناً، وختمت سورته بدعائه عليهم، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، فهو آخر رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض وغيرهم من جميع الخلق، وكان قومه العرب قد وافقوا قوم نوح عليه السلام في أكثر أحوالهم عبادة الأوثان حتى تلك الأوثان إما بأساميها أو بأعيانها على ما ورد في الأخبار، وفي عصيان رسولهم واستضعاف أتباعه واستهزائهم ابتدئت، هذه بما كان من سهولة من سمع هذه الدعوة الخاتمة الجامعة من غير الجنس فضلاً عن الموافقين في الجنس مع قصر الزمان وضعف الأعوان لجلالة هذا القرآن، فقال منبهاً له بالأمر على ما في هذا من عظيم القدر، مع الإشارة إلى تبكيت العرب على التباطؤ عن الإجابة إلى ما يعرفون من رشده٢ بمعناه ونظمه، لكونه بلسانهم وكونهم من نوع الداعي وقبيله وأقرب الناس إليه ﴿ قل ﴾ أي يا محمد لقومك.
ولما كان المقصود تعظيم الموحى به، وأما الموحي إلى كل من الرسولين فواحد، بنى للمفعول قوله مبيناً لسيرة الجن في تلقيهم لهذا القرآن بالأخذ إرثاً من أشرف النبيين وإلقائهم له بالإبلاغ إلى غيرهم من وارث العلم منهم ليكون لهم الشرفان :شرف العلم لكمال أنفسهم، والتعليم لتكميل غيرهم، فيكون لهم مثل أجر من عمل بما ألقوه إليه وأملوه عليه : ﴿ أوحي إليّ ﴾ أي أخبرت على وجه الخفاء ممن لا يعلم الغيب غيره في هذا القرآن الذي اقتضى إعجازه أن أكون أكثر الأنبياء تابعاً على لسان جبريل عليه السلام الذي هو أمينه والواسطة بينه وبين أنبيائه، ثم وضع موضع المفعول الذي لم يسم فاعله قوله : ﴿ أنه ﴾ أي الشأن العظيم ﴿ استمع ﴾ أي بغاية٣ الإصغاء والإقبال والتقبل والإلف استماعاً هو الاستماع في الحقيقة لأنه لقراءتي هذا القرآن ﴿ نفر ﴾ هم في غاية النفرة جبلة وطبعاً ﴿ من الجن ﴾ الذين هم في غاية الاستتار، وهم أجسام حية عاقلة خفيفة تغلب عليها النارية أو الهوائية كما ٤تغلب على٥ أجسام الإنس الترابية، والنفر ما بين الثلاثة والعشرة، قال البغوي٦ :وكانوا تسعة من جن نصيبين، وقيل :كانوا سبعة، وفي هذه العبارة دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ما رآهم ولا قرأ عليهم، وإنما اتفق حضورهم عند قراءته، وهل هذا الاستماع هو المذكور في الأحقاف أو غيره قال أبو حيان٧ :المشهور أنه هو، وقيل :هو غيره، والجن الذين أتوه بمكة جن نصيبين، والذين أتوه بنخلة جن نينوى، والسورة التي٨ استمعوها قال عكرمة :العلق، وقيل :الرحمن، ولم يذكر هنا ولا في الأحقاف أنه رآهم، ويظهر من الحديث٩ تعدد الواقعة، فمنها ما كان في المبدأ ولم يكن معه أحد من الصحابة رضي الله عنهم كما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي في الصحيح
" أنهم فقدوه صلى الله عليه وسلم ليلة ١٠من الليالي١١ فالتمسوه في الأودية والشعاب، فلما أصبح إذا١٢ جاء من قبل حراء فقال :أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن، فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، ومنها ما كان معه عبد الله رضي الله عنه فذهب معه إلى الحجون عند الشعب فخط عليه خطاً، وقال :لا تجاوزه، فانحدر عليه أمثال الحجل يجرون الحجارة بأقدامهم حتى غشوه فلا أراه، وأومأ إليّ بيده أن اجلس، فتلا القرآن، فلم يزل صوته يرتفع واختفوا بالأرض حتى ما أراهم " ١٣ قال الأصبهاني :وقيل :كانوا من بني الشيصبان١٤ وهم أكثر الجن عدداً وهم عامة جنود إبليس، وقال القشيري :لما ١٥رجمت الشياطين١٦ بالشهب فرق إبليس جنوده لعلم ذلك فأتى سبعة منهم بطن نخلة فاستمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا ثم أتوا قومهم فقالوا : ١٧يا قومنا١٨ إنا١٩ سمعنا قرآناً عجباً، يعني ولم يرجعوا إلى إبليس لما علموه من كذبه وسفاهته، وجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين من قومهم فأسلموا، فذلك٢٠ قوله تعالى :
﴿ وإذ صرفنا إليك٢١ نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه٢٢[ الأحقاف :٢٩ ] الآيات ﴿ فقالوا ﴾ أي فتسبب عن استماعهم أن قال من سمع منهم لمن لم يسمع، أو لمن كان يواخيهم من الإنس امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم " رحم الله امرأً سمع منا مقالة فوعاها فأداها كما سمعها " وكان قولهم سكوناً إلى هذا ا لقرآن وأنسابه، مؤكدين لبعد حالهم عن سماع الوحي وعلمهم بما زاد به من الإعجاز : ﴿ إنا ﴾ بالكسر لأنه مبتدأ محكي ٢٣بعد القول٢٤ ﴿ سمعنا ﴾ حين٢٥ تعمدنا الإصغاء وألقينا إليه أفهامنا ﴿ قرآناً ﴾ أي كلاماً هو في غاية الانتظام في نفسه٢٦ والجمع لجميع ما نحتاج إليه، ثم وصفوه بالمصدر مبالغة في أمره فقالوا : ﴿ عجباً * ﴾ أي بديعاً خارجاً٢٧ عن عادة أمثاله من جميع٢٨ الكتب الإلهية فضلاً عن كلام الناس في جلالة النظم وإعجاز التركيب والوضع مع الموافقة لها في الدعوة٢٩ إلى الله تعالى والبيان للمحاسن والمساوىء والدعاء إلى كل فلاح حتى صار نفس العجب، والعجب ما خرج عن حد أشكاله ونظائره فخفي سببه، وهذا يدل على قوتهم العلمية في فصاحتهم وكمالهم في علم الرسوم، وصوغ الكلام على أبلغ جهات النظوم.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير :لما تقدم ذكر حال كفار قريش في تعاميهم عن النظر وجريهم في اللدد والعناد حسبما انطوت عليه سورة ن والقلم، ثم أتبعت بوعيدهم في الحاقة ثم بتحقيقه وقرب وقوعه في المعارج ثم بتسليته عليه الصلاة والسلام وتأنيسه بقصة نوح عليه الصلاة والسلام مع قومه، أعقب ذلك بما يتعظ به الموفق ويعلم أن القلوب بيد الله :فقد كانت استجابة معاندي قريش والعرب٣٠ أقرب في ظاهر الأمر لنبي من جنسهم ومن٣١ أنفسهم فقد تقدمت لهم٣٢ معرفة صدقه وأمانته، ثم جاءهم بكتاب بلسانهم الذي به يتحاورون ولغتهم التي بها يتكلمون، فقد بهرت العقول آياته، ووضحت لكل ذي قلب سليم براهينه ومعجزاته، وقد علموا أنهم لا يقدرون على معارضته إلى ما شاهدوه من عظيم البراهين، ومع ذلك عموا وصموا - غضب الله٣٣ عليهم ولعنهم - وسبق إلى الإيمان من ليس من٣٤ جنسهم ولا سبقت له مزية تكريمهم، وهم الجن ممن سبقت لهم من الله٣٥ الحسنى فآمنوا وصدقوا، وأمر صلى الله عليه وسلم بالإخبار بذلك، فأنزل الله تعالى عليه٣٦ ﴿ قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن ﴾ [ الجن :١ ] الآيات إلى قوله إخباراً عن تعريف الجن سائر إخوانهم٣٧ بما شاهدوه من عناد كفار العرب " وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً " ثم استمرت الآي٣٨ ملتحمة المعاني معتضدة المباني إلى آخر السورة - انتهى.
١ - سقط من ظ وم..
٢ - زيدت الواو في الأصل، ولم تكن في ظ وم فحذفناها..
٣ - من ظ وم، وفي الأصل: نهاية..
٤ - من ظ وم، وفي الأصل: نقلت عن..
٥ - من ظ وم، وفي الأصل: نقلت عن..
٦ -راجع معالم التنزيل ٧/ ١٣١..
٧ - راجع البحر المحيط ٨/ ٣٤٦..
٨ - زيد من البحر..
٩ - من م والبحر، وفي الأصل وظ: حديث..
١٠ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
١١ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
١٢ - من ظ وم، وفي الأصل: إذ..
١٣ - من ظ وم، وفي الأصل: ما راهم..
١٤ - من م، وفي الأصل وظ: الشعيبان..
١٥ - في ظ وم: رجم..
١٦ - في ظ وم: رجم..
١٧ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
١٨ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
١٩ - زيد في الأصل: سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى أو قبل، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
٢٠ - من ظ وم، وفي الأصل: وذلك..
٢١ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
٢٢ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
٢٣ - من ظ و م، وفي الأصل: بالقول..
٢٤ - من ظ وم، وفي الأصل: بالقول..
٢٥ - من ظ وم، وفي الأصل: حتى..
٢٦ -زيد من ظ وم..
٢٧ - زيد من ظ وم..
٢٨ - زيد من ظ وم..
٢٩ - من م، وفي الأصل وظ: الدعوى..
٣٠ - من ظ وم، وفي الأصل: القرب..
٣١ - زيد من ظ وم..
٣٢ - من ظ وم، وفي الأصل: له..
٣٣ - زيدت الواو قبله في الأصل ولم تكن في ظ وم فحذفناها..
٣٤ - زيد من ظ وم..
٣٥ - زيد من ظ وم..
٣٦ - زيد من ظ وم..
٣٧ - من ظ وم، وفي الأصل: إخوانهم..
٣٨ - من ظ، وفي الأصل: الآيات، وسقط من م..
ولما بينوا فضله من جهة الإعجاز وغيره١، بينوا المقصود بالذات الدال على غوصهم على المعاني بعد علمهم بحسن المباني فقالوا : ﴿ يهدي ﴾ أي يبين٢ غاية البيان مع الدعاء في لطف وهدى ﴿ إلى الرشد ﴾ أي الحق والصواب الذي يكاد يشرد لثقله على النفوس الداعية إلى الهوى وخفة ضده الغي والسفه الملائم لنقائص النفوس. ولما وصفوه بهذه الكمالات سببوا عن ذلك قولهم إعمالاً للقوة العملية في المبادرة إلى الصواب من غير تخلف أصلاً : ﴿ فآمنا ﴾ أي كل من استمع منا لم يتخلف منا أحد ولا توقف بعد الاستماع ﴿ به ﴾ أي أوقعنا الأمان لمبلغ القرآن أن نكذبه٣ أو نخالفه أدنى مخالفة بسبب هذا القرآن.
ولما أخبروا عن الماضي، وكان الإيمان٤ لا يفيد إلا مع الاستمرار، قالوا عاطفين على ما تقديره :فوجدنا٥ الله في الحال لأن ذلك نتيجة الإيمان بالقرآن وخلعنا الأنداد : ﴿ ولن ﴾ أي والحال أنا مع إيقاع الإيمان في الحال لن ﴿ نشرك ﴾ بعد ذلك أصلاً٦، أكدوا لأنه أمر لا يكاد يصدق ﴿ بربنا ﴾ أي الذي لا إحسان قائم بنا من الإيجاد وما بعده إلا منه ﴿ أحداً * ﴾ أي من الخلق لأنه لم يشركه في شيء من أمرنا أحد، وقد وضحت الدلائل على التوحيد فيما سمعنا من هذا القرآن.
١ - زيد الواو في الأصل ولم تكن في ظ وم فحذفناها..
٢ - في ظ وم: بين..
٣ - من ظ وم، وفي الأصل: تكذيبه..
٤ - من ظ وم، وفي الأصل: القرآن..
٥ - من ظ وم، وفي الأصل: فوجد..
٦ - زيد في الأصل: ثم، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
ولما أظهروا القوتين١ العلمية بفهمهم القرآن، والعملية بما حصل لهم من الإذعان، أعملوا ما لهم في الدعاء إلى الله تعالى من قوة البيان، فبعد أن نزهوه سبحانه عن الشرك عموماً خصوا مؤكدين في قراءة ابن كثير والبصريين وأبي جعفر بالكسر لما تقدم من أن مثل هذه السهولة لا تكاد تصدق، فقالوا عطفاً على ﴿ إنا سمعنا ﴾ [ الجن :١ ] : ﴿ وأنه ﴾ أي الشأن العظيم٢ قال الجن : ﴿ تعالى ﴾ أي انتهى في العلو ٣والارتفاع٤ إلى حد٥ لا يستطاع ﴿ جد ﴾ أي عظمة وسلطان وكمال غنى ﴿ ربنا ﴾ أي الموجد لنا والمحسن إلينا، وإذا كان هذا التعالي لجده فما بالك به، وكذا حكت هذه القراءة بقول الجن ما بعد هذا إلا
وأن لو استقاموا }[ الجن :١٦ ] و
﴿ أن المساجد لله ﴾٦[ الجن :١٨ ] و
﴿ أنه لما قام ﴾[ الجن :١٩ ] فإنه مفتوح فيها عطفاً على الموحى به فهو في محل رفع إلا عند أبي جعفر فإنه فتح ﴿ وأنه تعالى ﴾ [ الجن :٣ ] ٧و ﴿ أنه كان يقول٨ [ الجن :٤ ]
﴿ وأنه كان رجال ﴾[ الجن :٦ ] ووافقهم نافع وأبو بكر عن عاصم في غير
﴿ وأنه لما قام ﴾[ الجن :١٩ ] فإنهما كسراها وفتح الباقون وهم ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم الكل إلا ما صدر بالفاء٩ على أنه معطوف على محل الجار في " به " أي صدقناه وصدقنا أنه - لا على لفظه١٠ وإلا لزم إعادة الجارّ عند نحاة البصرة، وقيل :عطف على لفظ الضمير في " به " على المذهب الكوفي الذي نصره أبو حيان وغير واحد من أهل اللسان.
ولما وصفوه بهذا التعالي الأعظم المستلزم للغنى المطلق والتنزه عن كل شائبة نقص، بينوه بنفي ما ينافيه١١ بقولهم إبطالاً للباطل : ﴿ ما اتخذ ﴾ عبر بصيغة الافتعال بياناً لموضع النقص لا تقييداً ﴿ صاحبة ﴾ أي زوجة ﴿ ولا ولداً * ﴾ لأن العادة جارية بأنه لا يكون ذلك إلا بمعالجة١٢ وتسبيب، ومثل ذلك لا يكون إلا لمحتاج إلى بضاع أو غيره، والحاجة لا تكون إلا من ضعف وعجز، وذلك ينافي١٣ الجد، فالمحتاج لا يصح أصلاً أن يكون إلهاً وإن كان بغير تسبيب ومهلة، فهو عبث لأن مطلق الاختراع مغن عنه، فلم يبق إلا العبث الذي ينزه الإله عنه والصاحبة لا بد و١٤أن تكون من نوع صاحبها، ومن له نوع١٥ فهو مركب تركيباً عقلياً من صفة مشتركة وصفة مميزة، والولد لا بد وأن يكون جزءاً منفصلاً عن والده، ومن له أجزاء فهو مركب تركيباً حسياً، ومن المقطوع به أن ذلك لا يكون إلا لمحتاج، وأن الله تعالى متعال عن ذلك من تركيب حسي أو عقلي.
١ - من ظ وم، وفي الأصل: القوانين..
٢ - زيد في الأصل: الذي، ولم تكن الزيادة في ظ و م فحذفناها..
٣ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
٤ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
٥ - من ظ وم، وفي الأصل: الحد الذل..
٦ - سقط من ظ وم..
٧ - تكرر ما بين الرقمين في الأصل فقط..
٨ - تكرر ما بين الرقمين في الأصل فقط..
٩ - من ظ وم، وفي الأصل: تأكيد..
١٠ - من ظ وم، وفي الأصل: لطفه..
١١ - من ظ وم، وفي الأصل: بينا فيه..
١٢ - من ظ وم، وفي الأصل: بمعالجة..
١٣ - زيد من ظ وم..
١٤ - ليس الواو في ظ..
١٥ -* من ظ وم، وفي الأصل: أنواع..
ولما تبين لهم ما هو عليه سبحانه من النزاهة عن كل شائبة نقص، وصفوا من قال بضده صيانة لدينهم وعرضهم بالترفع عن الخسائس والرذائل بعدم التمادي في الباطل مقتاً للخلق في ذات الخلق مؤكدين لما١ للسامع في الغالب من تصديق ما يسمع والمحاجة عنه فقالوا : ﴿ وأنه ﴾ أي وقالوا إن الشأن - هذا على قراءة الكسر، وآمنا بأنه٢ - على قراءة الفتح ﴿ كان يقول ﴾ أي قولاً هو في عراقته٣ في الكذب بمنزلة الجبلة ٤والطبع٥ ﴿ سفيهنا ﴾ وهو الجنس فيتناول إبليس رأس الجنس تناولاً أولياً، وكل من تبعه ممن لم يعرف٦ الله لأن ثمرة العقل العلم، وثمرة العلم معرفة الله، فمن لم يعرفه فهو الذي يلازم الطيش والغي لأنه لا علم عنده أصلاً يحمله على الرزانة٧، كاذباً متقولاً ﴿ على الله ﴾ أي الذي له صفات الكمال المنافية لقول هذا السفيه في الولد ﴿ شططاً * ﴾ أي قولاً هو في بعده عن الصواب نفس البعد ومجاوزة الحد.
١ - من ظ وم، وفي الأصل: بما..
٢ - من ظ وم، وفي الأصل: به..
٣ - من م، وفي الأصل: غاية العراقة، وفي ظ: مراقبته-كذا..
٤ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
٥ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
٦ - من ظ وم، وفي الأصل: لا يعرف..
٧ - من ظ وم، وفي الأصل: الزياه..
ولما ذكروا ما هدوا إليه من الحق في الله وفيمن كان يحملهم على الباطل، ذكروا عذرهم في اتباعهم للسفيه وفي وقوعهم في١ مواقع التهم، فقالوا مؤكدين لأن ما كانوا عليه من الكفر جدير بأن يظن أنه لا يخفى على أحد لشدة٢ وضوح بطلانه : ﴿ وأنا ﴾ أي معشر المسلمين من الجن ﴿ ظننا ﴾ أي بما لنا من سلامة الفطر المقتضية لتحسين الظن بشهادة حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند أحمد٣ " المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم " ﴿ أن ﴾ أي أنه، وزادوا في التأكيد لما مضى فقالوا : ﴿ لن تقول ﴾ وبدأوا بأفضل الجنسين فقالوا : ﴿ الإنس ﴾ وأتبعوهم قرناءهم فقالوا : ﴿ والجن ﴾ أي متخرصين ﴿ على الله ﴾ أي الملك الأعلى الذي بيده النفع والضر ﴿ كذباً * ﴾ أي قولاً هو لعراقته في مخالفة الواقع نفس الكذب، وهو في قراءة أبي٤ جعفر بفتح القاف والواو المشددة المفتوحة مصدر من غير اللفظ، وإنما ظننا ذلك لما٥ طبع عليه المجبول على الشهوات من تصديق الأشكال لا سيما إذا كان قولهم جازماً وعظيماً لا يقال مثله إلا بعد تثبت٦ لا سيما إذا كان على ملك الملوك لا سيما إذا كان القائل كثيراً لا سيما إذا تأيدوا بجنس آخر، فصاروا لا يحصون كثرة، ولا تطيق العقول مخالفة جمع بهذه الصفة إلا بتأييد إلهي بقاطع نقلي، والآية على قراءة أبي جعفر من الاحتباك :فعل التقول أولاً دليل على فعل الكذب ثانياً، ومصدر الكذب ثانياً دليل على مصدر التقول أولاً، وسره أن٧ التقول دال على التعمد٨ فهو أفحش ٩معنى والكذب أفحش١٠ لفظاً، وهذا مرشد إلى أنه لا ينبغي التقليد في شيء لأن الثقة بكل أحد عجز، وإنما ينكشف ذلك بالتجربة، والتقليد قد يجر إلى الكفر المهلك١١ هلاكاً أبدياً، وإليه أرشد النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان١٢ عن النعمان بن بشير رضي الله عنه بأن " من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه " وفي١٣ ذلك غاية الحث على أن الإنسان لا يقدم ولا يحجم في أصول الدين إلا بقاطع.
١ -زيد من ظ وم..
٢ - من ظ وم، وفي الأصل: شد..
٣ - راجع المسند ٢/ ٣٩٤..
٤ - زيد من ظ وم..
٥ - من ظ وم، وفي الأصل: لمن..
٦ - من ظ وم، وفي الأصل: تلبث..
٧ - زيد من ظ وم..
٨ - من ظ وم، وفي الأصل: النعمة..
٩ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
١٠ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
١١ - من ظ وم، وفي الأصل: فيهلك..
١٢ - صحيح البخاري- كتاب الإيمان وصحيح مسلم- كتاب المساقاة..
١٣ - زيد من ظ وم..
ولما علم من قولهم أن مستند الضلال ظنون وشبه متى حكت على محك النظر بان فسادها، وأظهر١ زيفها نقادها، أتبعه شبهة أخرى زادت الفريقين ضلالاً بعضهم ببعض للتقيد بالمحسوسات، والوقوف مع الخيالات الموهومات، فقال حاكياً عنهم تنبيهاً على عدم الاغترار بالمدح والإطراء الموجبين للغلط في النفس وعلى أنه يجب٢ التثبت حتى لا يقع الغلط في الأسباب المسخرة فيظن أنها مؤثرة فيتجاوز بها الحد عن رتبة الممكنات إلى رتبة الواجب، مؤكدين لأنه لا يكاد يصدق أن الجن يخاطبهم الإنس فيكارمونهم : ﴿ وإنه ﴾ أي الشأن ﴿ كان رجال ﴾ أي ذوو قوة وبأس ﴿ من الإنس ﴾ أي النوع الظاهر في عالم الجنس٣ ﴿ يعوذون ﴾ أي يلجؤون ويعتصمون - خوفاً على أنفسهم وما معهم - إذا نزلوا وادياً ﴿ برجال من الجن ﴾ أي القبيل المستتر عن الأبصار فإنه كان القوم منهم إذا نزلوا وادياً أو غيره من القفر تعبث بهم٤ الجن في بعض الأحيان لأنه لا مانع لهم٥ منهم من ذكر الله تعالى ولا دين صحيح، ولا كتاب من الله صريح، فحملهم ذلك على أن يستجيروا بعظمائهم٦ فكان الرجل يقول عند خوفه :إني أعوذ بعظيم هذا الوادي من٧ شر سفهاء قومه أو٨ نحو هذا فلا يرى إلا خيراً٩، وربما هدوه إلى الطريق وردوا عليه ضالته، فكان١٠ ذلك فتنة للإنس باعتقادهم في الجن غير ما هم عليه، فتبعوهم في الضلال، وفتنة الجن بأن يغتروا بأنفسهم ويقولوا سدنا :الجن والإنس، فيضلوا ويضلوا، ولذلك سبب عنه قوله : ﴿ فزادوهم ﴾ أي الإنس١١ الجن باستعاذتهم هذه المرتب عليها إعاذتهم، والجن١٢ الإنس بترئيس الإنس لهم وخوفهم منهم ﴿ رهقاً * ﴾ أي ضيقاً وشدة وغشياناً لما هم فيه من أحوال الضلال التي يلزم منها الضيق والشدة، وأصل الرهق غشيان بقوة وشدة وقهر، وقال البغوي١٣ :والرهق في كلام العرب الإثم وغشيان المحارم.
كما يتفق لمن يسلك من أهل التصوف على غير أصل فيرى في أثناء السير أنواراً وأشياء تعجبه شيطانية فيظنها رحمانية، فيقف عندها ويأنس بها لفساد في أصل جبلته١٤ نشأ عنه١٥ سوء مقصده، فربما كان ذلك سبباً لكفره فيزداد هو وأمثاله من الإنس ١٦ضلالاً ويزداد١٧ من أضله من الجن ضلالاً وإضلالاً١٨ وعتواً، ويزداد الفريقان١٩ بعداً عن اللجأ إلى الله وحده، ولقد أغنانا٢٠ الله سبحانه وتعالى بالقرآن والذكر المأخوذ عن خير خلقه بشرطه في أوقاته عن كل شيء كما أخبر٢١ صلى الله عليه وسلم أن من قال عند إتيانه الخلاء " بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث " ستر عن الجن، وأن من قال إذا أتى امرأته " اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني " فأتاه ولد لم يقدر الشيطان أن يضره، ومن أذن أمن تغول الغيلان، وروى الترمذي٢٢ وأحمد٢٣ - قال المنذري :ورواته رواة٢٤ الصحيح - عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ما من مسلم يأخذ مضجعه فيقرأ سورة من كتاب الله تعالى إلا وكل الله تعالى به ملكاً فلا يقربه شيء يؤذيه حتى يهب متى هب " وللطبراني في الكبير - قال المنذري :ورواته رواة الصحيح إلا المسيب بن واضح، قال الهيثمي٢٥ :وهو ضعيف وقد وثق - عن عبد الله بن بسر٢٦ رضي الله عنه قال :" خرجت من حمص فآواني الليل إلى البقيعة٢٧ فحضرني من أهل الأرض فقرأت هذه الآية من الأعراف
إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض٢٨ في ستة أيام ثم استوى على العرش }٢٩[ الأعراف :٥٤ ] إلى آخر الآية، فقال بعضهم لبعض٣٠ :احرسوه الآن حتى يصبح، فلما أصبحت ركبت دابتي " والأحاديث في هذا كثيرة في آية٣١ الكرسي وغيرها، وكذا حكايات من اعترضه بعض الجن فلما قرأ ذهب عنه.
١ - من ظ وم، وفي الأصل: ظهر..
٢ - من ظ وم، والأصل: يجيب..
٣ - من ظ وم، وفي الأصل: الحس..
٤ - من ظ وم، وفي الأصل: منهم..
٥ - من ظ وم، وفي الأصل: له..
٦ - من ظ، وفي الأصل وم: بعظمائهم..
٧ - زيد في الأصل: عظيم هذا الوادي، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
٨ - من ظ وم، وفي الأصل "و"..
٩ - زيد في الأصل: دائما، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
١٠ - من ظ وم، وفي الأصل: وكان..
١١ - زيدت الواو في ظ وم..
١٢ - زيدت الواو في الأصل، ولم تكن في ظ وم فحذفناها..
١٣ - في المعالم ٧/ ١٣٣..
١٤ - من م، وفي الأصل وظ: جبلتها..
١٥ - من ظ وم، وفي الأصل: عنها..
١٦ - تكرر ما بين الرقمين في الأصل فقط..
١٧ - تكرر ما بين الرقمين في الأصل فقط..
١٨ - زيد من ظ.
١٩ - من وم، وفي الأصل: الفريقين..
٢٠ - من ظ وم، وفي الأصل: أعاذنا..
٢١ - زيد في الأصل: الله تعالى- مع يسير من البياض، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
٢٢ - راجع الجامع ٢/ ١٧٧..
٢٣ - راجع المسند ٤/ ١٢٥..
٢٤ - زيد من ظ وم..
٢٥ - في مجمع الزوائد ٧/ ٢٤..
٢٦ - من م والمجمع، وفي الأصل: بشير، وفي ظ: بشر..
٢٧ - من ظ وم والمجمع، وفي الأصل: النفعة..
٢٨ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
٢٩ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
٣٠ - زيد من المجمع..
٣١ - من ظ وم، وفي الأصل: آخر سورة..
ولما كان التقدير :فضل١ كل من الفريقين بالآخر ضلالاً بعيداً حتى أبعدوا عن الشرائع النبوية، واعتقدوا ما لا يجوز اعتقاده من التعطيل واعتقاد الطبيعة، فلا يزال الأمر هكذا أرحام تدفع وأرض تبلع ولا رسول يهديهم ولا بعث للأرض على بارئهم، عطف عليه٢ قولهم مؤكدين في قراءة الكسر إشارة إلى ظهور٣ دلائل البعث، وأنه لا يكاد يصدق أن أحداً يكذب به منبهاً على أن الأهواء والأغاليط قد يتطابق٤ عليها الجم الغفير، حثاً للمهتدي على أن لا يستوحش في طريق الهدى لقلة السالكين، ولا يغتر بطرق٥ الردى لكثرة الهالكين : ﴿ وأنهم ﴾ أي الإنس إن كانوا يخاطبون٦ الجن، والجن إن كانوا يخاطبون الإنس ﴿ ظنوا ﴾ أي الجن أو٧ الإنس ظناً ليسوا فيه على ثلج والظن قد يصيب، وقد يخطىء وهو أكثر ﴿ كما ظننتم ﴾ أي أيها الجن أو٨ الإنس، والمعنى في قراءة الفتح :وأوحى إليّ أن الإنس أو الجن ظنوا، وسدوا٩ عن مفعولي " ظن " بقولهم : ﴿ أن ﴾ أي أن الشأن العظيم ﴿ لن ﴾ أكد للدلالة على شدة إنكارهم لذلك ﴿ يبعث ﴾ وأشاروا إلى١٠ خطأ هذا الظن بالتعبير بالجلالة فقالوا : ﴿ الله ﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة علماً وقدرة ﴿ أحداً * ﴾ أي بعد موته لما لبس به١١ عليهم إبليس حتى رأوا حسناً ما ليس بالحسن، أو أحدا من الرسل١٢ يزيل به١٣ عماية الجهل وما عليه الإنس ١٤من استغواء١٥ الجن لهم وغير ذلك من الضلال، وقد ظهر بالقرآن أن هذا الظن كاذب وأنه لا بد من البعث في الأمرين لأنه حكمة الملك وخاصة الملك.
١ - من ظ وم، وفي الأصل: فقيل..
٢ - من ظ وم، وفي الأصل: عليهم..
٣ - زيد من ظ وم..
٤ - من ظ وم، وفي الأصل: تطابقت..
٥ - من ظ وم، وفي الأصل: بطريق..
٦ - من ظ وم، وفي الأصل: يخالطون..
٧ - من ظ وم، وفي الأصل "و"..
٨ - من ظ وم، وفي الأصل "و"..
٩ - في ظ وم: سد..
١٠ - زيد في الأصل: شدة، ولم تكن الزيادة في ظ م فحذفناها..
١١ - زيد من ظ وم..
١٢ - زيد في الأصل: ما، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
١٣ - زيد من ظ وم..
١٤ - من ظ وم، وفي الأصل: لمن سبقوا..
١٥ - من ظ وم، وفي الأصل: لمن سبقوا..
ولما كان عدم البعث من خلل في القدرة، شرعوا في إثبات تمام القدرة على وجه١ دال على صحة القرآن وحراسته من الجان، لئلا يظن أنه من نحو ما للكهان، فقالوا مؤكدين في قراءة الكسر لاستبعاد الوصول إلى السماء حثاً على طلب المهمات وإن بعد مكانها : ﴿ وإنا ﴾ ولما كان يعبر عن الإمعان في التفتيش بالالتماس، وكان تجريد الفعل أعظم من ذلك للدلالة على الخفة وعدم الكلفة قال : ﴿ لمسنا السماء ﴾ أي الدنيا التمسنا أخبارها على ما كان من عادتنا لاستماع ما يغوى به الإنسان التماساً هو كالحس باللمس باليد ﴿ فوجدناها ﴾ من جميع نواحيها وهو من الوجدان ﴿ ملئت ﴾ أي ملأً هو في غاية السهولة والخفة على فاعله ﴿ حرساً ﴾ أي حراساً اسم جمع، فهو مفرد اللفظ، ولذلك وصف بقوله : ﴿ شديداً ﴾ أي بالملائكة ﴿ وشهباً * ﴾ جمع سهاب وهو المتوقد من النار، فعلت هممهم حتى طلبوا المهمات الدنيوية والشهوات النفسانية من مسيرة٢ خمسمائة سنة صعوداً، فأفّ لمن يكسل عن٣ مهمات الدين المحققة من مسيرة ساعة أو دونها، وأن يقعد في مجلس العلم ساعة أو دونها، والتعبير بالملأ يدل على أنها كانت قبل ذلك٤ تحرس لكن لا على هذا٥ الوجه فقيل :إنها حرست لنزول التوراة ثم اشتد الحرس للانجيل ثم ملئت لنزول القرآن فمنعوا من الاستماع أصلاً إلا ما يصدق القرآن إرهاصاً للنبوة العظمى الخاتمة لئلا يحصل بهم٦ نوع لبس.
١ -زيدت في الأصل: بات، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
٢ - من ظ وم، وفي الأصل: مسير..
٣ - زيد في ظ: طلب..
٤ - زيد من ظ وم..
٥ - زيد من ظ وم..
٦ - من ظ وم، وفي الأصل: لهم..
ولما أخبروا عن حالها إذ ذاك لأنه الأهم عندهم، أخبروا عن حالها قبل، فقالوا مؤكدين لما للإنس من التكذيب١ بوصول أحد إلى السماء : ﴿ وإنا كنا ﴾ أي فيما مضى ﴿ نقعد منها ﴾ أي السماء ﴿ مقاعد ﴾ أي كثيرة قد علمناها لا حرس فيها فهي صالحة ﴿ للسمع ﴾ أي لأن نسمع٢ منها بعض ما تتكلم به الملائكة بما أمروا بتدبيره، وقد جاء في الخبر أن صفة قعودهم هي أن يكون الواحد منهم فوق الآخر حتى يصلوا إلى السماء، قال أبو حيان٣ :فمتى احترق الأعلى كان الذي تحته مكانه فكانوا يسترقون٤ الكلمة فيلقونها إلى الكهان فيزيدون معها الكذب.
ولما كان التقدير :فنستمع منها فنسمع٥ ما يقدر لنا من غير مانع، عطف عليه قوله : ﴿ فمن يستمع ﴾ أي يجتهد في الوصول إلى السمع ﴿ الآن ﴾ أي في هذا الوقت فيما يستقبل أنهم قسموا الزمان إلى ما كان من إطلاق الاستماع لهم وإلى ما صار إليه الحال من الحراسة، وأطلقوا " الآن " على الثاني كله، لأنهم أرادوا وقت قولهم فقط أو أرادوه لأنهم يعلمون ما بعده فيجوزون٦ أن يكون الحال فيه على غير ذلك ﴿ يجد له ﴾ أي لأجله ﴿ شهاباً ﴾ أي شعلة من نار٧ ساطعة محرقة.
ولما كان الشهاب في معنى الجمع لأن المراد أن كل موضع منها٨ كذلك، وصفه باسم الجمع فقال : ﴿ رصداً * ﴾ أي يرصده الرامون به من غير غفلة، ويجوز أن يكون مصدراً على المبالغة كرجل عدل، والرصد الترقب لأنه لما كان لا تأخر ٩عن رميه١٠ عند الدنوّ من السماء كان كأنه هو الراصد١١ له، المراقب١٢ لأمره، الملاحظ الذي لا فتور عنده و١٣لا غفلة بوجه بل هو الرصد وهو المعنى بنفسه، فمتى تسنم للاستماع رمي به فيمنعه١٤ من الاستماع وإن أدركه أحرقه١٥، وأما السمع فقد امتنع١٦ لقوله تعالى ﴿ وإنهم عن السمع لمعزولون ﴾[ الشعراء :٢١٢ ].
١ - زيد من ظ وم..
٢ - من ظ وم، وفي الأصل: يسمع..
٣ - في البحر المحيط ٨/ ٣٤٩..
٤ - من ظ وم والبحر، وفي الأصل: يستمعون..
٥ - زيد من ظ وم..
٦ - من ظ وم، وفي الأصل: فيجوز..
٧ - من ظ وم وفي الأصل: النار..
٨ - من ظ وم، وفي الأصل: فيها..
٩ - من ظ وم، وفي الأصل: الرمية..
١٠ - من ظ وم، وفي الأصل: الرمية..
١١ - من ظ وم، وفي الأصل: الرصد..
١٢ - من ظ وم، وفي الأصل: المترقب..
١٣ - زيد من ظ وم..
١٤ - من ظ وم، وفي الأصل: فمنعه..
١٥ - من ظ وم، وفي الأصل: أحقه..
١٦ - في الأصل بياض ملأناه من ظ وم..
ولما أخبروا عن إيمانهم أنه كان عقب سماعهم من غير توقف، ثم ذكروا منعهم من الاستراق، ذكروا أنه اشتبه عليهم المنع فلم يعلموا سره دلالة على أن جهل بعض المسائل الفرعية١ لا يقدح٢، وندباً إلى رفع الهمة عن الخوض في شيء بغير علم، وحثاً على التفويض إلى علام الغيوب، فبينوا الذي حملهم على ضرب مشارق الأرض ومغاربها حتى وجدوا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن :فقالوا مؤكدين لأن العرب كانوا ينسبونهم إلى علم المغيبات و٣حل المشكلات : ﴿ وإنا لا ندري ﴾ أي بوجه من الوجوه وإن دافعنا واجتهدنا ﴿ أشر٤ ولما كان المحذور نفس الإرادة الماضية لا كونها من معروف مع أن الفاعل معروف، وهو الفاعل المختار الذي له الإرادة الماضية٥ النافذة، بنوا للمفعول قولهم : ﴿ أريد ﴾ معلمين للأدب في أن الشر يتحاشى من إسناده إليه سبحانه حيث لا إشكال في معرفة أنه لا يكون شيء إلا به ﴿ بمن في الأرض ﴾ أي بهذه الحراسة فينشأ عنها الغي ﴿ أم أراد بهم ربهم ﴾ أي المحسن إليهم المدبر لهم، بنوه للفاعل في جانب الخير إعلاماً مع تعليم الأدب بأن رحمته سبقت غضبه، وإشارة إلى أنه قد يكون أراد بهذا المنع الخير ﴿ رشداً * ﴾ أي سداداً٦ فينشأ عنه الخير٧، فالآية من الاحتباك :ذكر الشر أولاً دليلاً على الخير ثانياً، والرشد ثانياً دليلاً على الغنى أولاً.
١ - زيد من ظ وم..
٢ - زيد في الأصل: في، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
٣ - زيد في الأصل: علم، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
٤ - وقع في الأصل قبل "أريد" والترتيب من ظ وم..
٥ - زيد من ظ وم..
٦ - من ظ وم، وفي الأصل: سداد..
٧ -زيد في الأصل: انتهى، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
ولما أخبر سبحانه بسهولة١ إيمانهم، فكان ربما ظن أن ذلك ما كان إلا لأن شأنهم اللين، أتبعه ما يعلم أن ذلك خارقة لأجله صلى الله عليه وسلم كانت، و٢لإعظامه وإكرامه٣ وجدت، فقال حكاية عنهم مؤكدين لأن الكلام السابق ظاهر في سلامة طباع الكل : ﴿ وإنا منا ﴾ أي أيها الجن ﴿ الصالحون ﴾ أي العريقون في صفة الصلاح التي هي مهيئة لقبول كل خير.
ولما كان غير الصالح٤ قد يكون فاسداً بأن يكون مباشراً للفساد قاصداً له وقد يكون غير مباشر له، قالوا متفطنين٥ لمراتب العلوم والأعمال المقربة والمبعدة : ﴿ ومنا ﴾ وبنى الظرف المبتدأ به لإضافته إلى مبني فقيل : ﴿ دون ﴾ أي قوم في أدنى رتبة من٦ ﴿ ذلك ﴾ أي هذا الوصف الشريف العالي.
ولما كان من دون الصالح ذا أنواع٧ كثيرة بحسب قابليته للفساد أو الصلاح وتهيؤه له أو بعده عنه، حسن بيان ذلك بقولهم٨ : ﴿ كنا ﴾ أو كوناً هو كالجبلة ﴿ طرائق ﴾ أي ذوي طرق٩ أي مذاهب ووجوه كثيرة، وأطلقوا الطرق على أصحابها إشارة إلى شدة تلبسهم بها.
ولما كان الانفصال قد يكون بأدنى شيء، بين أنه على أعلى الوجوه فأطلق عليهم نفس المنقطع ووصفهم به فقال : ﴿ قدداً * ﴾ أي فرقاً متفرقة أهواؤها، جمع قدة وهي الفرقة من الناس هواها على غير هواهم١٠، من القد و١١هو القطع الموجب للتفرق العظيم مثل السيور التي تقطع من الجلد وتقد منه بحيث تصير كل فرقة١٢ على حدتها، قال الحسن والسدي١٣ :كافرين ومسلمين ورافضة ومعتزلة و١٤مرجئة وغير ذلك مثل فرق الإنس.
١ - زيد من ظ وم..
٢ - زيد من ظ وم..
٣ - من ظ وم، وفي الأصل: لا كرامه..
٤ - من ظ وم، وفي الأصل: الصلاح..
٥ - من ظ وم، وفي الأصل: متفطنين..
٦ - زيد من ظ وم..
٧ - من ظ وم، وفي الأصل: الأنواع..
٨ - من ظ وم، وفي الأصل: قولهم..
٩ - زيد في الأصل: متعددة وطريق، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
١٠ - من ظ وم، وفي الأصل: هواها..
١١ - زيد من ظ وم..
١٢ - راجع معالم التنزيل ٧/ ١٣٣..
١٣ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
١٤ - زيد من ظ وم..
ولما دلوا على قهرهم عما كانوا يقدرون عليه من أمر١ السماء بما ذكروا، وعلى قهر مفسديهم بهذا القرآن عن كثير مما كانوا يفعلونه بأهل الأرض، فقهروا بهذا القرآن ٢العظيم الشأن٣ في الحقيقة عن الخافقين فمنعنا منهم وحفظاً به، ودلوا على أنهم موضع القهر بالتفرق، كان ذلك موجباً للعلم بشمول قدرته تعالى حتى لا يدركه طالب، ولا ينجو منه هارب، لما أبدى لهم من شؤون عظمته وقهره في الحراسة وغيرها، فذكر سبحانه ما أثر ذلك عندهم من الاعتراف والإذعان للواحد القهار، فقال حاكياً عنهم ذلك ندباً إلى الاقتداء بهم في معرفة النفس بالعز والذل والضعف بالتفرق٤ والانقسام، ومعرفة الرب سبحانه بالقدرة الكاملة والسلطان والعظمة بالتفرد٥ التام الذي لا يقبل المماثلة ولا القسمة : ﴿ وإنا ﴾ أكدوا لظن الإنس في قوتهم غير ما هو لها ﴿ ظننا ﴾ أطلقوا الظن على العلم إشارة إلى أن العاقل ينبغي له أن يجتنب ما يخيله ضاراً ولو بأدنى أنواع الحيل فكيف٦ إذا تيقن ﴿ أن ﴾ أي أن الشأن العظيم، وزادوا في التأكيد لما تقدم فقالوا : ﴿ لن نعجز الله ﴾ أي أن٧ نقاومه إن أراد بنا سوءاً لما له من الإحاطة بكل شيء علماً وقدرة لأنه واحد لا مثل له، ودلوا على وجه الضعف٨ بقولهم : ﴿ في الأرض ﴾ أي كائنين فيها مقيمين وهي جهة السفل الملزومة للقهر، وذلك أقصى جهدنا فأين نحن من سعة ملكه الذي هو في قبضته ﴿ ولن نعجزه ﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿ هرباً * ﴾ أي ذوي هرب أو من جهة الهرب، أي هربنا من الأرض إلى غيرها فإن السماء منعت منا وليس لنا مضطرب إلا في قبضته، فأين٩ أم إلى أين المهرب، وقد منعوا بذلك وجهي النجاة باللقاء والنصر١٠ والهرب عند القهر.
١ - زيد من ظ وم..
٢ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
٣ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
٤ - في ظ وم: بالتفرقة..
٥ - من ظ وم، وفي الأصل: والتفرد..
٦ - من ظ وم، وفي الأصل: وكذا..
٧ - من ظ وم، وفي الأصل: لن..
٨ - زيد من ظ وم..
٩ - زيد في الأصل: المفر، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
١٠ - من ظ وم، وفي الأصل: الضرب..
ولما كان الظانّ قد يبادر على العمل١ بموجب ظنه وقد لا، بينوا٢ أن مرادهم به العلم، وأنهم بادروا إلى العمل بما دعا إليه، فقالوا مؤكدين لما للجن من الإباء والعسر : ﴿ وإنا لما سمعنا ﴾ أي من النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ الهدى ﴾ أي القرآن الذي له٣ من العراقة التامة٤ في صفة البيان والدعاء إلى الخير ما سوغ أن يطلق عليه نفس الهدى : ﴿ آمنا به ﴾ أي من غير وقفة أصلاً عملاً بما له من هذا الوصف العظيم.
ولما كان التقدير :فآمنا بسبب إيماننا الذي قادنا إليه حفظ السماء من الإيقاع بنا لتمام قدرته علينا الذي هدانا إليه منعنا من الاستماع بالحراسة، سببوا عن ذلك قولهم معترفين بالعجز عن مقاومة التهديد٥ من الملك طالبين التحصن بتحصينه والاعتصام بحبله : ﴿ فمن يؤمن ﴾ أي يوجد حقيقة الإيمان ويستمر على تجديدها كل لحظة.
ولما فهموا أن دعاءه إليه وبيانه للطريق مع قدرته التامة إنما هو من عموم لطفه ورحمته، ذكروا وصف الإحسان٦ لزيادة الترغيب فقالوا : ﴿ بربه ﴾ أي المحسن إليه منا ومن غيرنا.
ولما كان المؤمن هو المختص من بين٧ الخلق بالنجاة، أدخل الفاء على الجواب ورفعه على تقدير مبتدأ دلالة على ذلك وعلى أن نجاتهم ما لا بد منه فقال : ﴿ فلا ﴾ أي فهو خاصة لا٨ ﴿ يخاف ﴾ أصلاً ﴿ بخساً ﴾ أي نقصاً وقلة وخبثاً ونكداً في الثواب والإكرام بوجه من الوجوه ﴿ ولا رهقاً * ﴾ أي مكروهاً يلحقه٩ فيقهره لأنه لم يفعل مع أحد شيئاً من ذلك ليجازى عليه، فهذا حث للمؤمن على اجتناب ذلك لئلا يجازى به، وقد١٠ هدى السياق إلى تقدير : ١١ومن١٢ يشرك به فلا، يأمن محقاً ولا صعقاً١٣.
١ -من ظ وم، وفي الأصل: العلم..
٢ - من ظ وم، وفي الأصل: يثبتوا..
٣ - من ظ وم، وفي الأصل: هو..
٤ - من ظ وم، وفي الأصل: الثابتة..
٥ - من ظ وم، وفي الأصل: التقدير..
٦ - من ظ وم، وفي الأصل: الإنسان..
٧ - من ظ وم، وفي الأصل: بيان..
٨ - زيد من ظ وم..
٩ -زيد في الأصل: فيقره، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
١٠ - وقع في الأصل فقط بياض قدر ثلاث كلمات..
١١ - من ظ وم، وفي الأصل: فمن..
١٢ - من ظ وم، وفي الأصل: فمن..
١٣ - زيد في الأصل: انتهى، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
ولما كان هذا ظاهراً في أنهم أسلموا كلهم، قالوا نافين لهذا الظاهر مؤكدين لأن إسلامهم مع١ ٢شديد نفرتهم٣ لا يكاد يصدق : ﴿ وأنا منا ﴾ أي أيها الجن ﴿ المسلمون ﴾ أي المخلصون في صفة الإسلام للهادي فأسلموه قيادهم فهم عريقون في ذلك مقسطون مستقيمون، فلا يفارقون الدليل فهم على الصراط السوي العدل الرضي، ومنا الجافون الكافرون ﴿ ومنا٤ القاسطون ﴾ وهم الجائرون عن المنهج٥ الأقوم الساقطون في المهامه٦ المجاهل التي ليس بها٧ معلم، فهم بربهم كافرون، ومنا المقسطون٨، يقال :قسط - إذا جار جوراً، أسقطه عن رتبة الإنسان إلى ٩رتبة أدنى١٠ الحيوان، وأقسط - إذا أزال الجور فعدل، فالآية١١ من الاحتباك :" المسلمون " يدل على الكافرين، و " القاسطون " يدل على المقسطين.
ولما كانوا قد علموا مما١٢ سمعوا من القرآن أنه لا بد من البعث للجزاء، سببوا عن هذه القسمة قولهم : ﴿ فمن أسلم ﴾ أي أوقع الإسلام كله بأن أسلم ظاهره وباطنه للدليل من الجن ومن١٣ غيرهم.
ولما كان في مقام الترغيب في الحق، ربط بفعلهم ذلك١٤ تسبيباً عنه قوله مدحاً لهم : ﴿ فأولئك ﴾ أي العالو الرتبة ﴿ تحروا ﴾ أي توخوا١٥ وقصدوا مجتهدين ﴿ رشداً * ﴾ أي صواباً عظيماً وسداداً، ١٦كان - لما١٧ عندهم من النقائص - شارداً عنهم١٨ فعالجوا أنفسهم حتى ملكوه فجعلوه لهم منزلاً، من قولهم :الحرا - بالقصر :أفحوص القطاة يأوي إليه الظبي، والناحية والموضع، وما أحراه بكذا :ما أوجبه له، وبالحرا أن يكون كذا أي خليق كونه، وفلان حري بكذا أي خليق، وقد يجيء بالحر - من غير ياء، يراد به بالجهد، وتحريت الشيء :قصدت ناحيته، فكان لهم ذلك إلى الجنة سبباً، ومن قسط فأولئك ضلوا فنالوا١٩ غياً وشططاً٢٠.
١ -زيد من ظ وم..
٢ من ظ وم، وفي الأصل: تشديد مضرتهم..
٣ - من ظ وم، وفي الأصل: تشديد مضرتهم..
٤ - زيد في الأصل: أيضا، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
٥ - من ظ وم، وفي الأصل: المنتهج..
٦ - من ظ وم، وفي الأصل: المهامة..
٧ - من ظ وم، وفي الأصل: لها..
٨ - من ظ وم، وفي الأصل: القاسطون..
٩ - من ظ وم، وفي الأصل: أدنى رتبة..
١٠ - من ظ وم، وفي الأصل: أدنى رتبة..
١١ - من ظ وم، وفي الأصل: والآية..
١٢ - من ظ وم، وفي الأصل: ما..
١٣ - زيد من ظ وم..
١٤ - من ظ وم، وفي الأصل: تسيبا عنهم..
١٥ - من ظ وم، وفي الأصل: توخوا..
١٦ - من ظ وم، وفي الأصل: ولما كان..
١٧ - من ظ وم، وفي الأصل: ولما كان..
١٨ - من ظ وم، وفي الأصل: عندهم..
١٩ - زيد من ظ وم..
٢٠ - زيد في الأصل: انتهى، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
ولما عرفوا بالأمن الاعتصام بطاعة الله، نبهوا على خطر التعرض لبطشه فقالوا : ﴿ وأما القاسطون ﴾ أي العريقون ١في صفة٢ الجور عن الصواب من الجن وغيرهم فأولئك أهملوا أنفسهم فلم يتحروا لها فضلوا فأبعدوا٣ عن المنهج فوقعوا في المهالك التي لا منجى منها : ﴿ فكانوا ﴾ بجبلاتهم ﴿ لجهنم ﴾ أي النار البعيدة القعر التي تلقاهم بالتجهم والكراهة والعبوسة ﴿ حطباً * ﴾ توقد بهم النار فهي في اتقاد ما داموا أحياء، وهم أحياء ما دامت تتقد لا يموتون فيستريحون ولا يحيون فينتعشون٤، فالآية من الاحتباك، وهو منطوق لما أوجبه من السياق لا مفهوم :ذكر التحري أولاً دليلاً على تركه ثانياً وذكر جهنم ثانياً دليلاً على حذف الجنة أولاً، وسر ذلك أنهم في مقام الترهيب فذكروا ما يحذر، وطووا ما يجب العلم به لأن الله تعالى لا يضيع لأحد أجراً بل لا يقتصر٥ على ما يقابل الحسنة في العرف بل لا بد أن يزيد عليها تسعة أضعافها وعنده المزيد ٦ولا حول ولا قوة لنا إلا به سبحانه وتعالى٧.
١ - من ظ وم، وفي الأصل: بصفة..
٢ من ظ وم، وفي الأصل: بصفة..
٣ - من ظ وم، وفي الأصل: وابعدوا..
٤ - من ظ وم، وفي الأصل: فينتشعون..
٥ - من ظ وم، وفي الأصل: لا يقتص..
٦ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
٧ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
ولما رغب ورهب سبحانه على ألسنة الجن بما هداهم له ونور قلوبهم به، وكانت الآية السالفة آخر ما حكى عنهم، وكان التقدير :أوحي إلي أن القاسطين من قومي وغيرهم لو آمنوا فعل بهم من الخير١ ما فعل بمؤمني الجني حين آمنوا، فأغناهم الله في الدنيا بحلاله عن حرامه من غير كلفة فكسا لهم كل عظم لقوه لحماً أوفر ما كان، وأعاد لهم كل روث٢ رأوه أحسن ما كان ببركة هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم٣ التسليم ﴿ وأن ﴾ أي وأوحي إليّ أن٤ الشأن العظيم ﴿ لو استقاموا ﴾ أي٥ طلب القاسطون من الخلق كلهم الجن والإنس القوم وأوجدوه، كائنين ﴿ على الطريقة ﴾ أي٦ التي لا طريقة غيرها ٧وهي٨ التي فهمها الجن من القرآن من ٩الإسلام والإقساط١٠ المؤدية إلى الفلاح في الدارين.
ولما كان الماء١١ أصل كل خير كما قال تعالى في قصة نوح عليه الصلاة والسلام
﴿ يرسل السماء عليكم مدراراً ﴾[ نوح :١١ ] وكان منه كل شيء حيّ وكان عزيزاً عند العرب، قال معظماً له بالالتفات١٢ إلى مظهر العظمة : ﴿ لأسقيناهم ﴾ أي جعلنا لهم بما عندنا من العظمة ﴿ ماء غدقاً * ﴾ أي كثيراً عظيماً عظيم النفع ١٣نكثر به١٤ الرزق ونزين به الأرض ونرغد به العيش.
١ - زيد في الأصل: هم، ولم تكن الزيادة في ظ و م فحذفناها..
٢ - من ظ وم، وفي الأصل: ورث..
٣ - سقط من ظ وم..
٤ - زيد في الأصل: هذا، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
٥ - زيد في الأصل: لو، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
٦ - زيد من ظ وم..
٧ - من ظ وم، وفي الأصل: فهي..
٨ - من ظ وم، وفي الأصل: فهي..
٩ - من ظ وم، وفي الأصل: الأقساط والإسلام..
١٠ - من ظ وم، وفي الأصل: الأقساط والإسلام..
١١ - زيد من م..
١٢ - من ظ وم، وفي الأصل: بالالتفاء..
١٣ - من ظ وم، وفي الأصل: بكثرته..
١٤ - من ظ وم، وفي الأصل: بكثرته..
ولما كانت نعمه فضلاً منه وليس مستحقة عليه بعبادة ولا غيرها، قال تعالى معرفاً /أن غايتها استحقاق الثواب أو العقاب على ما كتبه على نفسه سبحانه ولا ١يبدل القول لديه٢ وأن جميع ما يعامل به عباده سبحانه وتعالى من نفع وضر إنما هو فتنة لهم يستخرج ما جبلوا عليه من حسن أو قبيح : ﴿ لنفتنهم ﴾ أي نعاملهم معاملة المختبر بما لنا من العظمة ﴿ فيه ﴾ أي في ذلك الماء الذي تكون عنه أنواع النعم لينكشف حال الشاكر والكافر٣، قال الرازي :وهذا بعد ما حبس عنهم المطر سنين٤ - انتهى. وقال غيره :قال عمر رضي الله تعالى عنه :أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة. وقال الحسن وغيره :كانوا سامعين مطيعين ففتحت عليهم كنوز كسرى وقيصر ففتنوا بها فوثبوا بإمامهم فقتلوه - يعني عثمان رضي الله تعالى عنه ويجوز أن يكون مستعاراً للعلم وأنواع المعارف الناشئة عن العبادات التي هي للنفوس كالنفوس للأبدان و٥تكون الفتنة بمعنى التخليص ٦من الهموم الرذائل٧ في الدنيا والنقم في الآخرة، من فتنت الذهب٨ - إذا خلصته٩ من غشه١٠.
ولما كان التقدير :فمن يقبل على ذكر ربه ننعمه ١١في دار السلام١٢ أبداً، عطف عليه قوله : ﴿ ومن يعرض ﴾ أي إعراضاً مستمراً إلى الموت ﴿ عن ذكر ربه ﴾ أي مجاوزاً عن عبادة المحسن إليه المربي له الذي لا إحسان عنده من غيره ﴿ نسلكه١٣ أي ندخله ﴿ عذاباً ﴾ يكون مطرفاً١٤ له كالخيط يكون١٥ في ثقب الخرزة في غاية الضيق ﴿ صعداً * ﴾ أي شاقاً شديداً يعلوه ويغلبه ويصعد عليه، ويكون كل يوم أعلى مما قبله جزاء وفاقاً، فإن الإعراض كلما تمادى زمانه كان أقوى مما كان.
١ - من ظ وم، وفي الأصل: ما..
٢ - من ظ وم، وفي الأصل: لدى..
٣ - زيدت الواو في الأصل ولم نكن في ظ وم فحذفناها..
٤ - راجع أيضا قول مقاتل في المعالم ٧/ ١٣٤..
٥ - من ظ وم، وفي الأصل: أو..
٦ - من ظ وم، وفي الأصل: بالعموم..
٧ - من ظ وم، وفي الأصل: بالعموم..
٨ - في ظ: فتنة..
٩ - من ظ وم، وفي الأصل: خلصت..
١٠ - من ظ وم، وفي الأصل: عيشة..
١١ - -من ظ وم، وفي الأصل: لنعمة..
١٢ - من ظ وم، وفي الأصل: الإسلام..
١٣ - وقراءة حفص عن عاصم..
١٤ - من ظ وم، وفي الأصل: طرفا..
١٥ سقط من ظ وم..
ولما كان التقدير :لأنه أوحى إليّ أن الأمر على ما تتعارفونه بينكم من أن من خدم غير سيده عذبه أبداً، عطف عليه قوله مبيناً لسيرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما يجب لهم من الكمال الذي يكون بقوتي١ العلم والعمل، والتكميل الذي يكون بهما مع قوة البيان، ومن لم يكن كاملاً لم يتصور منه تكميل ليكون له ولد قلب كما أن من لم يكن٢ بالغاً لم يتحقق منه ولد صلب، ومبيناً لما يجوز عليهم وما يستحيل منهم وما لله تعالى من العناية بشأنهم : ﴿ وأن ﴾ أي وأوحى إليّ أن ﴿ المساجد ﴾ أي مواضع السجود٣ من العالم الآفاقي من الأرض ومن العالم النفسي من الجسد - كما قاله سعيد بن جبير وطلق بن حبيب ﴿ لله ﴾ أي مختصة٤ بالملك الأعظم ﴿ فلا تدعوا ﴾ أي بسبب ذلك أيها المخلوقون على وجه العادة ﴿ مع الله ﴾ أي٥ الذي له جميع العظمة ﴿ أحداً * ﴾٦ لأن من تعبد لغير سيده في ملك سيده الذي هو٧ العالم الآفاقي وبآلة سيده الذي هو العالم النفسي كان أشد الناس لوماً وعقوبة فكيف يليق بكم أن يخلق لكم وجهاً ويدين ورجلين وأرضاً تنتفعون بها وسماء تتم نفعها فتسجدون بالأعضاء التي أوجدها لكم في الأرض التي أمكنكم من الانتفاع بها تحت السماء التي أتم منافعها بها لغيره فتكونون قد صرفتم نعمة السيد التي يجب شكره عليها لغيره أيفعل هذا عاقل ؟ قال البغوي٨ :فإن جعلت المساجد مواضع الصلاة فواحدها بكسر الجيم، وإن جعلتها الأعضاء فواحدها بفتح الجيم.
١ - من ظ وم، وفي الأصل: بقوة..
٢ - زيد من ظ وم..
٣ - من م، وفي الأصل وظ: موضع..
٤ - من ظ وم، وفي الأصل: مخصصة..
٥ - زيد من ظ وم..
٦ - زيد في الأصل: أي، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
٧ - زيد من ظ وم..
٨ -في المعالم ٧/١٣٤..
ولما كان من يدعو سيده وينقطع إليه عاملاً للواجب عليه اللائق بأمثاله لا ينكر عليه ولا يعجب منه١، إنما يعجب ممن دعا غير سيده أو مال إليه أدنى ميل فيسأل عن سببه، قال معجباً من القاسطين من الجن والإنس : ﴿ وأنه ﴾ أي وأوحي إليّ أو قال الجن لمن أطاعهم من قومهم حاكين ما رأوا من صلاته صلى الله عليه وسلم وازدحام أصحابه عليه متعجبين من ذلك أن الشأن أو٢ القصة العظيمة العجيبة ﴿ لما ﴾ قمت كادوا يكونون عليّ - هكذا كان الأصل ولكنه عبر بالعبد كما تقدم من أن من دعا٣ سيده ولو كان ذلك السيد أحقر الموجودات لا يفعل به ذلك، فكيف إذا كان٤ سيده مالك الملك٥ وملك الملوك ﴿ قام عبد الله ﴾ أي عبد الملك الأعلى الذي له الجلال كله والجمال فلا موجود يدانيه بل كل موجود من فائض فضله ﴿ يدعوه ﴾ أي يدعو٦ سيده دعاء عبادة من حيث٧ كونه عبده ومن حيث كون٨ سيده يسمع من دعاه ويجيبه.
ولما كان القاسطون أكثر الناس بل الناس٩ كلهم في ذلك الزمان جناً وإنساً، قال مبيناً لأنه١٠ يجوز على الأنبياء أن يؤذوا وينتقصوا رفعاً لدرجاتهم وتسلية لوراثهم وإن كانت رتبتهم تأبى ذلك، ﴿ كادوا ﴾ أي قرب القاسطون من الفريقين الجن والإنس ﴿ يكونون عليه ﴾ أي على عبد الله ﴿ لبداً * ﴾ أي متراكمين بعضهم على بعض من شدة ازدحامهم حتى كان ذلك جبلة لهم تعجباً مما رأوا منه من عبادته وإرادة لرده عن ذلك، وذلك أمر لا يعجب منه، وإنما العجب ما ١١فعلوا هم١٢ من عبادتهم لغيره سبحانه وتعالى ومن تعجبهم من عبادة عبده له وإخلاصه في دعائه، وهو جمع لبد - بكسر اللام، وقرىء بضم اللام جمع لبدة بضمها، وهي ما١٣ تلبد بعضه١٤ على بعض.
١ - زيدت الواو في ظ..
٢ - من ظ، وفي الأصل و "م"..
٣ - سقط ما بين الرقمين من م..
٤ - سقط ما بين الرقمين من م..
٥ - من ظ وم، وفي الأصل: المالك..
٦ - من ظ وم، وفي الأصل: سيدعو..
٧ - زيد من ظ وم..
٨ - من ظ وم، وفي الأصل: كونه..
٩ - من ظ وم، وفي الأصل: أنه..
١٠ - من ظ وم، وفي الأصل: فعلوه..
١١ - من م، وفي الأصل و ظ: بعضها..
١٢ - من ظ وم، وفي الأصل: فعلوه..
١٣ - زيد من ظ وم..
١٤ - من م، وفي الأصل وظ: بعضها..
ولما استشرفت١ - على قراءة الكسر - نفس السامع إلى قوله صلى الله عليه وسلم لمن تراكموا عليه من ذلك، استأنف٢ الجواب بقوله مبيناً لما يستحيل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من دعاء غير الله ومن ترك الدعاء إليه من مخالفة شيء من أمره قال، أو٣ لما تاقت نفسه صلى الله عليه وسلم على قراءة الفتح إلى ما يدفع به ما رأى منهم، قال تعالى مرشداً له إلى ذلك : ﴿ قل ﴾ أي لمن ازدحم عليك عاداً لهم عداد الجاهلين بما تصنع لأنهم عملوا عمل الجاهل : ﴿ إنما أدعوا ﴾ أي دعاء العبادة ﴿ ربي ﴾ أي الذي أوجدني ورباني ولا نعمة عندي إلا منه وحده، لا أدعو غيره حتى تعجبوا مني فتزدحموا عليّ والظاهر المتبادر إلى الفهم أن المعنى :وأوحي إليّ أي٤ لما قمت في الصلاة٥ أعبد الله في بطن نخلة ورآني الجن الذين وجههم إبليس نحو تهامة و٦سمعوا القرآن ازدحموا عليّ حتى كادوا يغشونني ويكون بعضهم على بعض فسمعوا توحيدي لله وتمجيدي له وإفراده ٧بالقدرة والعلم٨ وجميع صفات الكمال آمنوا، وقيل :هو حكاية الجن لقومهم٩ عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه وراءه١٠ في تراصهم في صلاتهم وحفوفهم به ووعظه وتعليمه لهم، ويحكى هذا القول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وسعيد بن جبير١١ فإن ذلك هيئة غريبة، يحكى أن ملك الفرس أرسل من دخل في١٢ المسلمين لما قصدوا بلاده فكان مما حكي له عنهم أن قال :إذا صلوا١٣ صفوا أنفسهم١٤ صفوفاً ويقدمهم رجل يقومون بقيامة ويسجدون بسجوده ويقعدون بقعوده ويفعلون كفعله، لا تخالف بينهم، فلما سمع الملك ذلك راعه وقال :ما لي ولهؤلاء، ما لي ولعمر، ونقل أبو حيان١٥ عن مكحول أنه بلغ من تابع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن سبعين ألفاً وفرغوا عند١٦ انشقاق الفجر.
ولما كان الداعي لولي نعمته يمكن أن يكون أشرك غيره في دعائه ولو بأدنى وجوه الإشراك، ويكون الحصر باعتبار الأغلب فاستحق الإنكار عليه١٧ والازدحام، نفى ذلك بقوله تأكيداً لمعنى الحصر وتحقيقاً له : ﴿ ولا أشرك به ﴾ أي الآن ولا في١٨ مستقبل الزمان بوجه من الوجوه ﴿ أحداً * ﴾ من ود وسواع ويغوث وغيرها من الصامت والناطق.
١ - من ظ وم، وفي الأصل: استرقت..
٢ - من ظ وم، وفي الأصل: استأنفوا..
٣ - من ظ وم، وفي الأصل "و"..
٤ - زيد من ظ وم..
٥ - زيد من ظ وم..
٦ - زيد من م..
٧ - من ظ وم، وفي الأصل: بالعلم والقدرة..
٨ - من ظ وم، وفي الأصل: بالعلم والقدرة..
٩ - من ظ وم، وفي الأصل: لقولهم..
١٠ - من ظ وم، وفي الأصل: وراهم..
١١ - زيد في الأصل: أيضا رضي الله، ولم تكن الزيادة في ظ و م فحذفناها..
١٢ - من ظ وم، وفي الأصل: إلى..
١٣ - من ظ وم وفي الأصل: صليتم..
١٤ - من ظ وم، وفي الأصل: نفسكم..
١٥ - راجع البحر المحيط: الأحقاف..
١٦ - من ظ وم والبحر، وفي الأصل: عن..
١٧ - زيد من ظ وم..
١٨ - زيد من ظ وم..
ولما كان السامع ربما قال :ما له هو١ لا يهلكهم أو٢ يدعو ربه في دفع المتلبدين عليه عنه بالإهلاك أو٣ التوبة والمتابعة، أمره بما يبين عظمة ربه وأنه لا يفعل إلا ما يريد بقوله مبيناً أنه يستحيل عليه٤ الصلاة والسلام ما٥ يستحيل على جميع الممكنات من أن يؤثر في شيء بنفسه أو يخالف ربه : ﴿ قل ﴾ أي لهؤلاء الذين خالفوك، وأكد فطماً لمن ربما اعتقد - لكثرة ما يرى من الكرامات - أنه مهما أراده فعله الله له٦ : ﴿ إني لا أملك ﴾ أي الآن ولا بعد ﴿ لكم ﴾ بنفسي من غير إقدار٧ الله لي لأنه لا مؤثر ٨في شيء٩ من الأشياء إلا الله سبحانه وتعالى.
ولما كان المقام لدفع شرهم عنه، قال : ﴿ ضراً ﴾ فأفهم ذلك " ولا نفعاً ولا غياً " ﴿ ولا رشداً * ﴾ أي صواباً وسداداً. فالآية من الاحتباك وهو ظاهر على هذا التقدير، قال أبو حيان١٠ :فحذف من كل ما يدل١١ مقابله عليه - انتهى. ويجوز أن يكون تقديره :لا أملك ضراً لأني لا أملك لكم إضلالاً ولا أملك لكم١٢ رشداً فلا أملك لكم نفعاً، فإنه لا نفع في غير الرشاد، ولا ضر في غير الضلال، فقبح الله ابن عربي الطائي الذي يقول في فصوصه :إن الضلال أهدى من الهدى، فلا أسخف١٣ عقلاً منه إلا من تبعه - عليهم ١٤لعنة الله وخزيه١٥، فإن قالوا :إنه أراد غير ما يفهم من ظاهر اللفظ فقل :كذبتم فقد بين مراده إطباقكم على الفسق والفجور لا يكاد يجد منكم من يتهم بمذهبه وهو يتقيد١٦ بشرع، ولم تخرج الآية بهذا عن الاحتباك، فإن ذكر الضر أولاً دل على حذف النفع ثانياً، وذكر الرشد ثانياً دل على حذف الضلال أولاً.
١ - من ظ وم، وفي الأصل: مولا..
٢ - من ظ وم، وفي الأصل: "و"..
٣ - - من ظ وم، وفي الأصل "و"..
٤ - من ظ وم، وفي الأصل: في حقه..
٥ - من ظ وم، وفي الأصل: بما..
٦ - زيد من ظ وم..
٧ - من ظ وم، وفي الأصل: إنذار..
٨ - من ظ وم، وفي الأصل: لشيء..
٩ - من ظ وم، وفي الأصل: لشيء..
١٠ - راجع البحر ٨/ ٣٥٣..
١١ -زيد في الأصل: على، ولم تكن الزيادة في ظ وم والبحر فحذفناها..
١٢ - سقط من م..
١٣ - من ظ وم، وفي الأصل: استخف..
١٤ - في ظ: رحمة الله ومغفرته..
١٥ - في ظ: رحمة الله ومغفرته..
١٦ - من ظ وم، وفي الأصل: يتقلد..
ولما أجاب من تشوف١ إلى علة صبره عن دفعهم٢ عنه بما حاصله أنه لا شيء بيده، لأن إلهه من العظمة في إحاطة العلم٣ والقدرة وأنه لا يخرج شيء عن مراده فلا يعجل في شيء بحيث لا يفعل إلا ما يريد سواء سئل أو لا، فكان ذلك ربما أوجب أن يظن منه صلى الله عليه وسلم موافقته لهم لئلا يضروه لأنهم يستعجلون في أذى من خالفهم، أجاب ما حاصله أنه بين ضررين أحدهما منهم إن خالفهم، والآخر منه سبحانه وتعالى إن أعرض عنه وهو سبحانه وتعالى يرد أذاهم إن أراد، وهم لا يقدرون على رد أذاه بوجه فقال : ﴿ قل ﴾ أي لمن يدعوك إلى موافقتهم، وأكد لما في ظن كثير من الناس من أن الأسباب لا تتخلف فقال : ﴿ إني ﴾ وزاد في التأكيد لأن ذلك في غاية الاستقرار في النفوس فقال : ﴿ لن يجيرني ﴾ أي فيدفع عني ما يدفع الجار عن جاره ﴿ من الله ﴾ أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه٤ ﴿ أحد * ﴾ أي كائناً من كان إن أرادني سبحانه بسوء. ولما كان من هو بهذه المثابة ربما٥ هرب منه المطلوب قال مؤكداً : ﴿ ولن أجد ﴾ أي أصلاً. ولما كانت كل رتبة دون رتبته٦، وكانت الرتب التي دون رتبته كثيرة جداً لما له من العلو المطلق ولغيره من٧ مراتب السفول التي لا تحد، قال مشيراً لذلك بالجارّ : ﴿ من دونه ﴾ أي الله تعالى ﴿ ملتحداً * ﴾ أي٨ معدلاً وموضع ميل وركون ومدخلاً وملتجأ وحيلة، وإن اجتهدت كل الاجتهاد لأن اللحد أصله٩ الميل ولا يقال إلا في ميل من حق إلى باطل، والحد :جادل ومارى وركن.
١ - من ظ وم، وفي الأصل: يتشوف..
٢ - من ظ وم، وفي الأصل: دفعيهم..
٣ - زيد من ظ وم..
٤ - من ظ وم، وفي الأصل: منه..
٥ - من ظ وم، وفي الأصل: بما..
٦ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
٧ - زيد من ظ وم..
٨ - زيد من ظ وم..
٩ - من ظ وم، وفي الأصل: هو..
ولما كان من المعلوم أن هذا شيء لا مثنوية فيه، وكانت الرتب التي دون شريف رتبته سبحانه كثيرة جداً١ لما له من العلو المطلق٢ وكان ما يليها له حكم شرفها وحقيقها٣، وكان أول ذلك البلاغ منه سبحانه بلا واسطة ثم البلاغ بواسطة٤ ملائكته الكرام منه، استثنى من " ملتحداً " على طريق لا٥ ملجأً ولا منجى منك إلا إليك ففروا إلى الله فقال٦ : ﴿ إلا بلاغاً ﴾ أي يبلغني كائناً ﴿ من الله ﴾ أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً، ولكنه لسعة رحمته يجري الأمور على ما يتعارفونه في أنه لا يأخذ أحداً٧ إلا بحجة يعترفون بأنها حجة. ولما بين الرتبة الأولى٨ التي هي أعلى، أتبعها التي تليها فقال : ﴿ ورسالاته ﴾ التي أوحي إليّ بها٩ بواسطة الملك فإني أتلقى ذلك حق تلقيه بحفظه والعمل به فيكون، ذلك عاصماً من كل سوء في الدنيا والآخرة.
ولما كان التقدير لبيان أن الله شرف الرسل بأن أعطاهم عظمة من عظمته فجعل عصيانهم عصيانه، فيكون١٠ جزاء من عصاهم هو جزاء من عصاه سبحانه وتعالى لأنهم إنما يتكلمون بأمره، فمن يطع الله ورسوله فإن له جنة نعيم يكونون فيها مدى الدهر سعداء، عطف عليه قوله : ﴿ ومن يعص الله ﴾ أي الذي له العظمة كلها ﴿ ورسوله ﴾ الذي ختم به النبوة والرسالة فجعل رسالته محيطة بجميع خلقه في التوحيد أو١١ غيره على سبيل الجحد ﴿ فإن له ﴾ أي خاصة ﴿ نار جهنم ﴾ أي التي تلقاه بالعبوسة والغيظ، ولما عبر بالإفراد١٢ نظراً إلى لفظ " من " لأنه أصرح في كل فرد، عبر بالجمع حملاً على معناها١٣ لأنه أدل على عموم الذل فقال : ﴿ خالدين فيها ﴾ وأكد المعنى وحققه لقول من يدعي١٤ الانقطاع فقال : ﴿ أبداً * ﴾ وأما من يدعي أنها لاتحرق وأن عذابها١٥ عذوبة فليس١٦ أحد أجنّ منه إلا من يتابعه على ضلاله وغيه ومحاله، وليس لهم دراء إلا السيف في الدنيا والعذاب في الآخرة بما سموه عذوبة وهم صائرون إليه وموقوفون عليه١٧.
١ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
٢ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
٣ - من ظ وم، وفي الأصل: حقيقتها..
٤ - زيد من ظ وم..
٥ - زيد من ظ وم..
٦ - زيد من ظ..
٧ - في ظ وم: أحد..
٨ - من ظ وم، وفي الأصل: الأول..
٩ - زيد من ظ وم..
١٠ - في ظ وم: حتى يكون..
١١ - من ظ وم، وفي الأصل "و"..
١٢ - من ظ وم، وفي الأصل: بالإفراط..
١٣ - من ظ وم، وفي الأصل: معناه..
١٤ - من ظ وم، وفي الأصل: يدع..
١٥ - زيد من ظ وم..
١٦ - من ظ وم، وفي الأصل: فلا..
١٧ - زيد من ظ وم..
ولما ذكر تلبدهم عليه وقدم ما هو الأهم من أمره من كشف غمومهم١ بإعلامهم أن ذلك الذي أنكروه عليه هو الذي يحق له، ومن٢ أنه مع٣ ضعفه عن مقاواتهم هو عن٤ الإعراض عن الله أضعف لأن الله أقوى من كل شيء وأنه لا يسعه إلا امتثال أمره، وأشار إلى أنهم عاجزون عن٥ سطواته سبحانه بعدم٦ القدرة على الإجارة عليه، صرح بذلك مهدداً لهم، فقال مغيياً٧ لتلبدهم عليه : ﴿ حتى إذا رأوا ﴾ أي بأبصارهم فيه ﴿ ما ﴾ أي الشيء الذي. ولما كان المنكي من الوعيد بروكه على كل من كان لأجله الوعيد٨ لا كونه٩ من معين قال : ﴿ يوعدون ﴾ أي ما حصل الإيعاد في الدنيا أو في الآخرة ١٠أما في الآخرة١١ فواضح، وأما في الدنيا فمثل إخراج النبي صلى الله عليه وسلم مع اجتماع١٢ المشركين على المكر به لقتله واجتهادهم في ذلك ثم سراياه وغزواته مثل غزوة بدر وغيرها من أيام الله التي ملأت الأرض نوراً وأهل الحق سروراً وحبوراً، وأهل الباطل خسراً وبوراً ورعباً وهلاكاً وقبوراً ﴿ فسيعلمون ﴾ أي من ذلك اليوم الذي يكون١٣ فيه تأويله بوعد لا خلف فيه ولا طولً لأمده ﴿ من أضعف ناصراً ﴾ أي من جهة الناصر١٤ أنا وإن كنت في هذا الوقت وحيداً مستضعفاً أو هم١٥ ﴿ وأقل عدداً * ﴾ وإن كانوا الآن بحيث لا يحصيهم عدداً إلا الله سبحانه، فيا لله ما أعظم كلام الرسل حيث يستضعفون١٦ أنفسهم من حيث هي، ويذكرون قوتهم من ١٧جهة مولاهم الذي بيده الملك وله١٨ جنود السماوات والأرض بخلاف أهل الإلحاد فإنه لا كلام لهم إلا في تعظيم أنفسهم وازدراء من سواهم، وإذا حاققت أحداً من أتباع أحد منهم قال هذا على لسان النبوة - ونحو هذا من مخادعاتهم١٩.
١ - في ظ: غمهم..
٢ - من ظ وم، وفي الأصل: مع..
٣ - زيد من ظ وم..
٤ - زيد من ظ وم..
٥ - زيد من ظ وم..
٦ - من ظ وم، وفي الأصل: بعد..
٧ - من ظ وم، وفي الأصل: معنا..
٨ - زيد في م: من..
٩ - من ظ وم، وفي الأصل: لكونه..
١٠ - سقط ما بين الرقمين من ظ..
١١ - سقط ما بين الرقمين من ظ..
١٢ - من ظ وم، وفي الأصل: إجماع..
١٣ - من ظ وم، وفي الأصل: لا يكون..
١٤ - من م، وفي الأصل وظ: حجة..
١٥ - من ظ وم، وفي الأصل: هما..
١٦ - من ظ وم، وفي الأصل: يضعفون..
١٧ - من ظ وم، وفي الأصل: لمن..
١٨ - من م، وفي الأصل وظ: لله..
١٩ - من ظ وم، وفي الأصل: مخادعتهم..
ولما كان من المعلوم أنهم إذا سمعوا هذا الوعيد قالوا استهزاء وعمى عن طريق الصواب واستعلاء :متى يكون عجل به، استأنف قوله جواباً لهم جواب من لا يستخفه عجلة ولا ضجر١ لأنه لا يخاف الفوت ولا يلحقه ضرر ببقاء العدو واجتهادهم في أذى أوليائه ميبناً ما يجوز على الرسل من أنه يخفى عليهم ما على البشر ويطلعهم الله تعالى على ما يخفي على غيرهم : ﴿ قل ﴾ أي في جوابهم إن كذبوا بإتيانهم العذاب وسألوا استهزاء منه عن وقت وقوعه أما كونه فلا بد منه لأنه قد برز٢ الوعيد به ممن لا يخلف الميعاد، وأما تعيين وقته فقد أخفاه سبحانه لأنه٣ أقعد في التهديد وهو٤ معنى قوله : ﴿ إن ﴾ أي ما ﴿ أدري ﴾ بوجه من الوجوه وإن عالجت ذلك وتسببت فيه، وزاد في تقرير خفائه وأنه لا يزال في حيز ما يسأل عنه بصيغة الاستفهام فقال مقدماً ما يخفيهم : ﴿ أقريب ما توعدون ﴾ أي يكون الآن أو قريباً من هذا الأوان بحيث يتوقع عن قرب٥ ﴿ أم ﴾ بعيد ﴿ يجعل له ﴾ أي لهذا الوعي. ولما كان التأخير٦ ربما أفهم تهاوناً بالولي. فقال دافعاً٧ لذلك : ﴿ ربي ﴾ أي المحسن إليّ إن قدمه أو أخره ﴿ أمداً * ﴾ أي أجلاً مضروباً عظيماً بكل اعتبار حتى في البعد لا يتأتى مع ذلك أن يكون الآن ولا أن يتوقع دون ذلك الأمد، فهو في كل حال متوقع فكونوا٨ على غاية الحذر لأنه لا بد من وقوعه فوقوعه٩ لا كلام فيه، وإنما الكلام في تعيين وقته.
١ - من ظ وم، وفي الأصل: ضر..
٢ - من م، وفي الأصل وظ: هي..
٣ - زيد من ظ وم..
٤ - من م، وفي الأصل وظ: هي..
٥ - من ظ وم، وفي الأصل: قريب..
٦ - زيد من ظ وم..
٧ - من ظ وم، وفي الأصل: رافعا..
٨ - من م، وفي الأصل وظ: يكونوا..
٩ - زيد من م..
ولما نفى صلى الله عليه وسلم علمه عن نفسه الشريفة، نفى ذلك عن غيره على وجه عام لجميع الغيب جالٍ من عظمة مرسله ما تنقطع دونه الأعناق فقال واصفاً١ له : ﴿ عالم الغيب ﴾ أي كله وهو ما لم يبرز إلى عالم الشهادة فهو مختص سبحانه بعلمه، فلذلك٢ سبب عنه قوله : ﴿ فلا يظهر ﴾ أي بوجه من الوجوه في وقت من الأوقات ﴿ على غيبه ﴾ أي٣ الذي غيبه عن غيره فهو مختص به ﴿ أحداً * ﴾ لعزة علم الغيب ولأنه خاصة الملك.
١ - من ظ وم، وفي الأصل: وصفا..
٢ - زيد من ظ وم..
٣ - من ظ وم، وفي الأصل: قريب..
ولما كان لا يعلم الغيب إلا ببروزه إلى عالم الشهادة، وكان لأول من يطلع عليه شرف ينبغي أن يعرف له قال : ﴿ إلا من ارتضى١ أي عمل الله تعالى في كونه٢ رضي عمل من يتعمد ذلك ويجتهد فيه، وبين " من " بقوله : ﴿ من رسول ﴾ أي من الملائكة و٣من الناس فإنه يظهر عليه ذلك المرتضى الموصوف لا كل مرتضى بأن يظهره على ما شاء منه لأن الغيب جنس لا تحقق له إلا في ضمن أفراده، فإذا ظهر فرد منه فقد ظهر فيه الجنس لظهور حصة منه، وتارة يكون٤ ذلك الرسول ملكاً، وتارة يكون بشراً يكلمه الله بغير واسطة كموسى عليه الصلاة والسلام في أيام المناجاة، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج في العالم الأعلى في حضرة قاب قوسين أو أدنى، وإذا ظهر عليه الرسول خرج عن كونه غيباً، وأوصله الرسول إلى من أذن له في إيصاله٥ له تارة بالوحي للأنبياء وتارة بالنفث والإلهام للأولياء، وذلك عند تهييء نفوسهم بسكون قواها عن منازعة العقل بالشهوات والحظوظ كما يكون للنفوس عامة حين سكون القوى٦ عن المنازعة بالنوم فتكون متهيئة للنفث فيها فمن٧ أعرض عن جانب الحس وأقبل على جناب٨ القدس فقد هيأ نفسه لنفث٩ الملك في ورعه بعلم ما لم يكن يعلم١٠ وليس أحد من الناس إلا وقد علم من نفسه أنه إذا أقبل على شيء بكليته حدث له فيه أمور حدسية إلهامية بغتة من غير سابقة فكر وطلب، و١١على قدر التهيئة١٢ يكون النفث من قبل الله سبحانه وتعالى، وربما كان النفث شيطانياً بما تلقته الشياطين من الاستراقات ١٣من الملائكة إما من الأرض بعد نزولهم أو من السماء بالاستراق فيها - والله أعلم، ويجوز أن يكون للأولياء مشافهة من الملك١٤ كما كان لمريم عليها السلام من الملائكة، وقال جبريل عليه الصلاة والسلام عن بعضهم إنه لو سلم رد عليه. ولما دل هذا السياق على عزة علم الغيب و١٥كانت عزته سبباً لحراسة من يطلع عليه ليؤديه إلى من أمر به كما أمر به١٦، أعلم سبحانه وتعالى بذلك بقوله مؤكداً١٧ تمييزاً له من علم الكهان١٨ الذي أصله من الجان١٩ دالاًّ على إجلال الرسل وإعظامهم وتبجيلهم وإكرامهم : ﴿ فإنه ﴾ أي الله سبحانه وتعالى يظهر ذلك الرسول على ما يريد من الغيب.
وذلك أنه إذا٢٠ أراد إظهاره عليه ﴿ يسلك ﴾ أي يدخل إدخال السلك في الجوهرة في تقومه ونفوذه من غير أدنى تعريج إلى غير المراد. ولما كان الغرض يحصل بمن يقيمه سبحانه من جنوده للحراسة ولو أنه واحد من كل جهة بل وبغير ذلك، وإنما جعل هذا الإخراج للأمر على ما يتعارفه العباد، عبر بالجارّ دليلاً على عدم استغراق الرصد٢١ للجهات إلى منقطع الأرض مثلاً فقال : ﴿ من بين يديه ﴾ أي الجهة التي يعلمها ذلك الرسول ﴿ ومن خلفه ﴾ أي الجهة التي تغيب عن علمه، فصار ذلك كفاية عن كل جهة، ويمكن أن يكون ذكر الجهتين دلالة٢٢ على الكل وخصهما لأن العدو متى أعريت واحدة منهما٢٣ أتى منها٢٤، ومتى حفظت لم يأت من غيرهما، لأنه يصير بين الأولين والآخرين ﴿ رصداً * ﴾ أي حرساً من جنوده يحرسونه ويحفظونه بحفظ ما معه من الغيب من اختطاف الشياطين أو غيرهم لئلا يسترقوا شيئاً من خبره - قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وقال مقاتل٢٥ وغيره رضي الله عنهما :يخبرونه٢٦ بمن أنكره بأن يحذروه منه إن كان شيطاناً أو يأمروه بالسماع منه إن كان ملكاً، وذلك أن إبليس كان٢٧ يأتي الأنبياء في صورة جبريل عليه السلام٢٨ ٢٩ولكن الله عصمهم منه٣٠.
١ - من ظ وم، وفي الأصل: قريب..
٢ - زيدت الواو في الأصل وظ، ولم تكن في م فحذفناها..
٣ - من ظ وم، وفي الأصل: أو..
٤ - من ظ وم، وفي الأصل: ليكون..
٥ - من م، وفي الأصل وظ: إرساله..
٦ - من م، وفي الأصل وظ: النفوس..
٧ - زيد من ظ وم..
٨ - من م، وفي الأصل وظ: جانب..
٩ - من ظ وم، وفي الأصل: للنفث..
١٠ - زيد في الأصل وظ: ما لم يعلم، ولم تكن الزيادة في م فحذفناها..
١١ - زيد في الأصل: قد، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
١٢ - في ظ: التهيا..
١٣ - من ظ وم، وفي الأصل: الاسترقات..
١٤ - زيد من م..
١٥ - زيد من ظ وم..
١٦ -زيد من ظ وم..
١٧ - زيدت الواو في الأصل ولم تكن في ظ وم فحذفناها..
١٨ - من ظ وم، وفي الأصل: الكهانة..
١٩ - من ظ وم، وفي الأصل: الجنان..
٢٠ - زيد من ظ وم..
٢١ - من ظ وم، وفي الأصل: الوصل..
٢٢ - من ظ وم، وفي الأصل: دالا..
٢٣ - من م، وفي الأصل: أتى منها، وسقط ما بين الرقمين من ظ..
٢٤ - من م، وفي الأصل: أتى منها، وسقط ما بين الرقمين من ظ..
٢٥ - راجع معالم التنزيل ٧/ ١٣٦..
٢٦ - من ظ وم، وفي الأصل: يخبره..
٢٧ - زيد من ظ..
٢٨ - زيد من ظ وم..
٢٩ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
٣٠ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
ولما كان هذا الدأب من الحفظ في كل١ رسول بين الغاية جامعاً٢ تعييناً لما اقتضاه الجنس، وبياناً لأن الأفراد أولاً مراد به الجمع، وأنه ما عبر به إلا لتشمل الحراسة كل فرد٣ منهم فقال : ﴿ ليعلم ﴾ أي الله علماً كائناً واقعاً على هذه الصفة التي تعلق٤ بها علمه٥ في الأزل قبل وجودها بما لا يعلمه إلا هو سبحانه أنها ستكون ﴿ أن ﴾ أي إن الرسل عليهم الصلاة والسلام ﴿ قد أبلغوا ﴾ أي إلى من أرسلوا إليه ﴿ رسالات ربهم ﴾ أي الذي أوجدهم ودبر جميع أمورهم واختارهم لرسالاته٦ على ما ٧هي عليه٨ لم يشبها شائبة ولا لحقها غبر. ولما كان هذا ربما أوهم أنه محتاج في الحفظ إلى الرصد٩ أزال ذلك بقوله١٠ : ﴿ وأحاط ﴾ أي فعل ذلك والحال أنه قد أحاط ﴿ بما لديهم ﴾ أي الرسل والمرسل إليهم من الملائكة والبشر على أدق الوجوه وأعظمها وأغربها بما أشار إليه التعبير بلدى، ولما كان هذا كافياً في المقصود، لكنه قاصر على محل الحاجة عم تعريفاً بالأمر على ما هو عليه، فقال حاملاً على شدة الوثوق بما تقوله الرسل عن ربهم وأنه لا لبس فيه ولا غائلة بوجه، مبيناً غاية البيان كذب حديث الغرانيق الذي ذكره بعض المفسرين وغيرهم في سورة والنجم : ﴿ وأحصى ﴾ أي الله سبحانه وتعالى ﴿ كل شيء ﴾ أي على العموم من غير استثناء أصلاً ﴿ عدداً * ﴾ أي من جهة العدد لكل١١ ما يمكن عده ولو على أقل مقادير١٢ الذر فيما لم يزل وفيما لا يزال، فهو دليل قاطع على علمه تعالى بالجزئيات كعلمه بالكليات، وقد التقى أول السورة وآخرها وباطنها الغيبي وظاهرها، فدل آخرها على الأول المجمل، وأولها على الآخر المفصل، وذلك أن أول السورة بين عظمة الوحي بسبب الجن، ثم بين في أثنائها حفظه من مسترقي السمع، وختم بتأكيد حفظه و١٣حفظ جميع١٤ كلماته واستمر في تأكيد أمره حتى بانت عظمة هذا القرآن، وظهرت عزة هذا الفرقان، على كل كتاب، بكل اعتبار وحساب
١ - زيد من ظ وم..
٢ - من ظ وم، وفي الأصل: جامعة..
٣ - زيد في م: فرد..
٤ - من م، وفي الأصل وظ: يتعلق..
٥ - زيد من ظ وم..
٦ - من م، وفي الأصل وظ: رسالته..
٧ - سقط ما بين الرقمين من ظ..
٨ - سقط ما بين الرقمين من ظ..
٩ - زيد من ظ وم..
١٠ - زيد من ظ وم..
١١ - من م، وفي الأصل وظ: من كل..
١٢ - من ظ وم، وفي الأصل: تقدير تقادير..
١٣ - من ظ، وفي الأصل: جمع، وفي م: حفظ..
١٤ - من ظ، وفي الأصل: جمع، وفي م: حفظ..
السورة التالية
Icon