0:00
0:00

سورة الجن
مكية عددها ثمان وعشرون آية كوفي

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ﴾ وذلك أن السماء لم تكن تحرس في الفترة ما بين عيسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم فلما بعث الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم حرست السماء، ورميت الشياطين بالشهب، فقال :إبليس لقد حدث في الأرض حدتا فاجتمعت الشياطين، فقال لهم إبليس :ائتوني بما حدث في الأرض من خبر، قالوا :نبي بعث في أرض تهامة. وكان في أول ما بعث تسعة نفر جاءوا من اليمين، ركب من الجت، ثم من أهل نصيبين من أشراف الجن وساداتهم إلى أرض تهامة فساروا حتى بلغوا بطن نخلة ليلا فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قائما يصلي مع نفر من أصحابه وهو يقرأ القرآن في صلاة الفجر ﴿ فقالوا ﴾ فذلك قول الجن يعني أولئك التسعة النفر يا قومنا ﴿ إنا سمعنا قرآنا عجبا ﴾ يعني عزيزا لا يوجد مثله.
﴿ يهدي إلى الرشد ﴾ يقول :يدعو إلى الهدى ﴿ فآمنا به ﴾ يعني بالقرآن أنه من الله تعالى ﴿ ولن نشرك ب ﴾ عبادة ﴿ بربنا أحدا ﴾ آية من خلقه
﴿ وأنه تعالى جد ربنا ﴾ ارتفع ذكره وعظمته ﴿ ما اتخذ صاحبة ﴾ يعني امرأة ﴿ ولا ولدا ﴾
﴿ وأنه كان يقول سفيهنا ﴾ يعني جاهلنا يعني كفارهم ﴿ على الله شططا ﴾ آية يعني جورا بأن مع اله شريكا، كقوله عز وجل في ص : ﴿ ولا تشطط واهدنا ﴾ [ الآية :٢٢ ] يقول :لا تجر في الحكم
﴿ وأنا ظننا ﴾ يعني حسبنا ﴿ أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا ﴾ آية بأن معه شريكا
﴿ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ﴾ من دون الله عز وجل، فأول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن من بني حنيفة، ثم فشا ذلك في سائر العرب، وذلك أن الرجل كان يسافر في الجاهلية فإذا أدركه المساء في الأرض القفر قال :أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه فيبيت آمنا في جوارهم حتى يصبح، يقول : ﴿ فزادوهم رهقا ﴾ آية يقول :إن الإنس زادت الجن رهقا يعني غيا لتعوذهم بهم، فزادوا الجن فخرا في قومهم
﴿ وأنهم ظنوا كما ظننتم ﴾ يعني حسب كفار الإنس الذين تعوذوا برجال من الجن في الجاهلية كما حسبتم يا معشر كفار الجن ﴿ أن لن يبعث الله أحدا ﴾ آية يعني رسولا بعد عيسى بن مريم.
وقالت الجن : ﴿ وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا ﴾ من الملائكة ﴿ وشهبا ﴾ آية من الكواكب فهي تجرح ونخيل ولا تقتل
﴿ وأنا كنا نقعد منها ﴾ يعني من السماء قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم وتحرس السماء ﴿ مقاعد للسمع فمن يستمع الآن ﴾ إلى السماء إذ بعث محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ يجد له شهابا ﴾ يعني رسيا من الكواكب و ﴿ رصدا ﴾ آية من الملائكة،
وقالت الجن مؤمنوهم ﴿ وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض ﴾ بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم فيكذبونه فيهلكم ﴿ أم أراد بهم ربهم رشدا ﴾ آية يقول :أم أراد أن يؤمنوا فيهتدوا
﴿ وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ﴾ يعني دون المسلمين كافرين، فلذلك قوله : ﴿ كنا طرائق قددا ﴾ آية يقول :أهل ملل شتى، مؤمنين وكافرين ويهود ونصارى
﴿ وأنا ظننا ﴾ يقول :علمنا ﴿ أن لن نعجز الله في الأرض ﴾ يعني أن لن نسبق الله في الأرض فنفوته ﴿ ولن نعجزه ﴾ يعني ولن نسبقه ﴿ هربا ﴾ آية فنفوته.
ثم قال : ﴿ وأنا لما سمعنا الهدى ﴾ يعني القرآن ﴿ آمنا به ﴾ يقول :صدقنا به أنه من الله تعالى ﴿ فمن يؤمن بربه ﴾ فمن يصدق بتوحيد الله عز وجل ﴿ فلا يخاف ﴾ في الآخرة ﴿ بخسا ﴾ يقول :لن ينقص من حسناته شيئا، ثم قال : ﴿ ولا ﴾ يخاف ﴿ رهقا ﴾ آية يقول :لا يخاف أن يظلم حسناته كلها حتى يجازى بعمله السيئ كله، مثل
قوله تعالى : ﴿ فلا يخاف ظلما ﴾ [ طه :١١٢ ] أن ينقص من حسناته كلها، ولا هضما أن يظلم من حسناته
﴿ وأنا منا المسلمون ﴾ يعني المخلصين، هذا قول التسعة ﴿ ومنا القاسطون ﴾ يعني العادلين بالله وهم المردة ﴿ فمن أسلم ﴾ يقول :فمن أخلص لله عز وجل من كفار الجن ﴿ فأولئك تحروا رشدا ﴾ آية يعني أخلصوا بالرشد.
﴿ وأما القاسطون ﴾ يعني العادلين بالله ﴿ فكانوا لجهنم حطبا ﴾ آية يعني وقودا فهذا كله قول مؤمني الجن التسعة،
ثم رجع في التقديم إلى كفار مكة فقال : ﴿ وألو استقاموا على الطريقة ﴾ يعني طريقة الهدى ﴿ لأسقيناهم ماء غدقا ﴾ آية يعني كثيرا من السماء، وهو المطر، بعد ما كان رفع عنهم المطر سبع سنين، فيكثر خيرهم
﴿ لنفتنهم فيه ﴾ يقول لكي نبتليهم فيه بالخطب، والخير، كقوله في سورة الأعراف : ﴿ ولو أن أهل القرى آمنوا ﴾ يقول :صدقوا ﴿ واتقوا لفتحنا عليهم بركات السماء ﴾ [ الآية :٩٦ ] يعني المطر والأرض، يعني به النبات. ثم قال : ﴿ ومن يعرض عن ذكر ربه ﴾ القرآن ﴿ يسلكه عذابا صعدا ﴾ آية يعني شدة العذاب الذي لا راحة له فيه
﴿ وأن المساجد لله ﴾ يعني الكنائس والبيع والمساجد لله ﴿ فلا تدعوا مع الله أحدا ﴾ آية وذلك أن اليهود والنصارى يشركون في صلاتهم في البيع والكنائس، فأمر الله المؤمنين أن يوحدوه.
ثم رجع إلى مؤمني الجن التسعة فقال : ﴿ وأنه لما قام عبد الله ﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ يدعوه ﴾ يعني يعبده في بطن نخلة بين مكة والطائف، ﴿ كادوا يكونون عليه لبدا ﴾ آية يقول :كادوا أن يرتكبوه حرصا على حفظ ما سمعوا من القرآن، تعجبا وهم الجن التسعة،
ثم انقطع الكلام، قال عز وجل : ﴿ قل إنما أدعوا ربي ﴾ وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم بمكة :إنك جئت بأمر عظيم لم نسمع مثله قط، وقد عاديت الناس كلهم، فأرجع عن هذا الأمر فنحن، فأنزل الله تعالى : ﴿ قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا ﴾ معه
﴿ قل ﴾ لهم يا محمد ﴿ إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ﴾ آية يقول :لا أقدر على أن أدفع عنكم ضرا ولا أسوق إليكم رشدا، والله يملك ذلك كله
﴿ قل إني لن يجيرني من الله ﴾ يعني يمنعني من الله ﴿ أحد ولن أجد من دونه ملتحدا ﴾ آية يعنى ملجا ولا حرزا،
ثم استثنى، فقال : ﴿ إلا بلاغا من الله ورسالاته ﴾ فذلك الذي يجيرني من عذابه، التبليغ لاستعجالهم بالعذاب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" إني لا أملك لكم ضر ولا رشدا : ﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ في التوحيد فلا يؤمن ﴿ فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا ﴾ يدخله نارا خالدا فيها، يعني معمرا فيها لا يموتون،
ثم انقطع الكلام، فقال : ﴿ حتى إذا رأوا ما يوعدون ﴾ من عذاب الآخرة، وما يوعدون من العذاب في الدنيا يعني القتل يبدو ﴿ فسيعلمون ﴾ يعني كفار مكة عند نزول العذاب ببدر، نظيرها في سورة مريم : ﴿ من أضعف ناصرا ﴾ كفار مكة أو المؤمنون ﴿ و ﴾ من ﴿ وأقل عددا ﴾ آية يعني جندا أيقرب الله العذاب أم يؤخره، لما سمعوا الذكر يعني قول النبي صلى الله عليه وسلم في العذاب يوم بدر، قام النصر بن الحارث وغيره فقالوا :يا محمد، متى هذا الذي تعدنا ؟ تكذيبا به واستهزأ،
يقول الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في سورة الأنبياء، وفي هذه السورة ﴿ قل إن أدري ﴾ يعني ما أدري ﴿ أقريب ما توعدون ﴾ من العذاب في الدنيا يعني القتل ببدر ﴿ أم يجعل له ربي أمدا ﴾ آية يعني أجلا بعيدا، يقول :ما أدري أيقرب الله العذاب أو يؤخره، يعني بالأمد الأجل، القتل ببدر
﴿ عالم الغيب ﴾ يعني غيب نزول العذاب ﴿ فلا يظهر على غيبه أحدا ﴾ آية من الناس،
ثم استثنى فقال : ﴿ إلا من ارتضى من رسول ﴾ يعني رسل ربي فإنه يظهرهم على العذاب متى يكون، ومع جبريل صلى الله عليه وسلم أعوانا من الملائكة يحفظون الأنبياء حتى يفرغ جبريل من الوحي، قوله : ﴿ فإنه يسلك ﴾ يعني يجعل ﴿ من بين يديه ومن خلفه رصدا ﴾ آية قال :كان إذا بعث الله عز وجل نبيا أتاه إبليس على صورة جبريل وبعث الله تعالى من بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ومن خلفه رصدا من الملائكة فا يسمع الشيطان حتى يفرغ جبريل، عليه السلام، من الوحي إلى صلى الله عليه وسلم فإذا جاء إبليس أخبرته به الملائكة وقالوا :هذا إبليس،
وإذا أتاه جبريل ﴿ ليعلم ﴾ الرسول ﴿ أن قد أبلغوا رسالات ربهم ﴾ يقول ليعلم محمد صلى الله عليه وسلم أن الأنبياء قبله قد حفظت، وبلغت قومهم الرسالة، كما حفظ محمد صلى الله عليه وسلم وبلغ الرسالة، ثم قال : ﴿ وأحاط بما لديهم ﴾ يعني بما عندهم ﴿ وأحصى كل شيء عددا ﴾ آية يعني نزول العذاب بهم والله أعلم.
السورة التالية
Icon