0:00
0:00

سورة الجن مكية
وهي ثمان وعشرون آية وفيها ركوعان

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ قل أوحي إلي أنه ﴾، الضمير للشأن، ﴿ استمع نفر ﴾ :جماعة ما بين الثلاثة إلى العشرة، ﴿ من الجن١، أمر الله رسوله أن يخبر قومه أن جماعة من الجن استمعوا للقرآن، فآمنوا به وصدقوه، ﴿ فقالوا ﴾ :حين رجعوا إلى قومهم، ﴿ إنا سمعنا٢ قرآنا عجبا٣ :في نهاية البلاغة مصدر وضع المبالغة موضع العجيب،
١ واختلف هل رآهم النبي- صلى الله عليه وسلم- أم لم يرهم؟ فظاهر القرآن أنه لم يرهم، لأن المعنى: قل يا محمد لأمتك أوحى إلى على لسان جبريل أنه استمع نفر من الجن، ومثله قوله: ﴿وإذا صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن﴾ (الأحقاف:٢٩)، ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيح قال"ما قرأ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على الجن، وما رآهم" وروى ابن مسعود أنه رآهم ورجحه العلماء، والحق صحتهما وأن الأول وقع أولا، ثم نزلت السورة، ثم أمر بالخروج إليهم/١٢ فتح..
٢ أخرج أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن المنذر، والحاكم، وابن مردويه وأبو نعيم، والبيهقي، والطبراني، عن ابن عباس قال:" انطق النبي- صلى الله عليه وسلم- في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين، وخبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، ما هذا الذي حال بينكم و بين خبر السماء؟ فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهناك حين رجعوا إلى قومهم، فقالوا:" يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحد" فأنزل الله على نبيه- صلى الله عليه وسلم "قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن" وإنما أوحي إليه قول الجن/١٢ در منثور، وفي الفتح اختلفوا في وجود الجن فأنكره معظم الفلاسفة واعترف به جمع منهم، وسموهم بالأرواح السفلية، وزعموا أنهم أسرع إجابة من الأرواح الفلكية، إلا أنهم أضعف، وأما جمهور أرباب الملل، وهم أتباع الرسل والشرائع، فقد اعترفوا بوجودهم فلا اعتداد بمنكريهم، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل/١٢..
٣ لبدعته وحسن مبانيه، ودقة معانيه، وغرابة أسلوبه مع كونه متباينا لسائر الكتب/١٢ منه..
﴿ يهدي ﴾ :الخلق، ﴿ إلى الرشد ﴾ :إلى الصواب، والسداد، ﴿ فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ﴾، ولن نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك،
﴿ وأنه ﴾ أي :الشأن، ﴿ تعالى جد ﴾ :عظمة، ﴿ ربنا ﴾، أو علا ملكه، أو غناه، وقراءة " إن " بالكسر عطف على " إنا سمعنا " من جملة المقول، وأما الفتح، فعلى العطف على " به " في " آمنا به " بحذف حرف الجر وحذفه من أن وإن كثير والأولى عندي أن يكون عطفا لعلى أنه استمع أي :أوحى إلى هذا الكلام، وهو أنه تعالى جد ربنا حكاية عن كلام الجن حتى لا يحتاج في وأنه كان رجال وغيره إلى تمحل عظيم، فتأمل، ﴿ ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ﴾ بيان لقوله تعالى :" جد ربنا "، كأنه قال :تعالى عظمته عن اتخاذ الصاحبة والولد،
﴿ وأنه كان يقول سفيهنا ﴾ :إبليس، أو جاهلنا، ﴿ على الله شططا ﴾ أي :قولا ذا شطط، وهو مجاوزة الحد في الظلم،
﴿ وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا ﴾ أي :حسبنا أن أحدا لن يفتري عليه، فكنا نصدق ما أضافوا إليه حتى تبين لنا من القرآن افتراؤهم، و " كذبا " مصدر ؛ لأنه نوع من القول،
﴿ وأنه كان رجال من الإنس ويعودون برجال من الجن ﴾ إذا نزلوا واديا في الجاهلية قالوا :أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، كما كانت عادتهم دخول بلاد الأعداء في جوار رجل كبير منهم، وخفارته، ﴿ فزادوهم ﴾ أي :الجن والإنس، ﴿ رهقا ﴾ :إخافة وإرهابا، عن عكرمة :كان إذا نزل الإنس واديا هرب الجن منهم، فلما سمع الجن يقول الإنس :نعوذ بأهل هذا الوادي قالوا :نراهم يفرقون منا كما نفرق منهم فدنوا من الإنس فأصابوهم بالجنون، والخبل، أو فزاد الجن تكبرا وطغيانا بسبب استعاذة الإنس بهم،
﴿ وأنهم ﴾ :أي :الإنس : ﴿ ظنوا كما ظننتم ﴾ :أيها الجن، ﴿ أن لن يبعث الله أحد ﴾ :بعد ذلك بالرسالة أو لا بعث، ولا حشر، وهذا قول نفر من الجن لقومهم حين رجعوا إليهم،
﴿ وأنا لمسنا ﴾ :طلبنا، واللمس والمس استعير للطلب، لأن الماس طالب متعرف، ﴿ السماء ﴾ أي :بلوغها لاستراق السمع، ﴿ فوجدناها ملئت حرسا ﴾، اسم بمعنى الحراس كالخدم، ﴿ شديدا ﴾ :من الملائكة، ﴿ وشهبا ﴾ :من النجوم،
﴿ وأنا كنا ﴾ :قبل ذلك، ﴿ نقعد منها ﴾ :من السماء، ﴿ مقاعد ﴾ :صالحة للترصد، ﴿ للسمع١ :لاستماع أخبار السماء، ﴿ فمن يستمع الآن يجد٢ له شهابا رصدا ﴾ :راصدا لأجله يمنعه من الاستماع،
١ قوله: للسمع إما صفة والأظهر أنه متعلق بنقعد/١٢ وجيز..
٢ الآن ظرف زمان للحال، ويستمع مستقبل، فاتسع في الظرف واستعمل الاستقبال/١٢..
﴿ وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض ﴾ :بحراسة السماء، ﴿ أو أراد بهم ربهم رشدا ﴾ :خيرا، وهذا من أدبهم، حيث أسندوا الشر إلى غير فاعل، ثم اعلم أن الكواكب يرمي بها قبل المبعث، لكن ليس بكثير، والأحاديث تدل عليه، وبعد مبعثه قد كثرت الشهب بحيث لم يقدر الجن بعد على استراق السمع من غير أن يأتيه شهاب، فهال ذلك الإنس والجن، نعم :قد يسترق كلمة فيلقيها إلى صاحبه، ثم يدركه الشهاب كما ورد في الصحيحين، وهذا هو الذي حملهم على تطلب السبب في ذلك، فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها حتى وجدوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقرأ في الصلاة فعرفوا أن هذا هو السبب في حراسة السماء، فآمن من آمن منهم، وتمرد من تمرد،
﴿ وأنا منا الصالحون ومنا ﴾ :قوم، ﴿ دون ذلك ﴾، وهم الطالحون، أو المقتصدون، ﴿ كنا طرائق قددا ﴾ أي :كنا ذوي مذاهب متفرقة١،
١ كأن قولهم هذا اعتذار عن تمرد بعضهم/١٢ وجيز..
﴿ وأنا ظننا ﴾ أي :علمنا، ﴿ أن لن نعجز الله في الأرض ﴾ :إن أراد بنا أمرا، ﴿ ولن نعجزه ﴾ :إن طلبنا، ﴿ هربا ﴾ :هاربين، وفي الأرض وهربا حالان وفائدة ذكر الأرض تصوير أنه مع تلك البسطة ليس فيها بمهرب من الله،
﴿ وأنا لما سمعنا الهدى ﴾ :القرآن، ﴿ آمنا به ﴾، كرروا ذلك للافتخار، ﴿ فمن يؤمن بربه فلا يخاف ﴾ أي :فهو لا يخاف بحذف المبتدأ للدلالة على الاختصاص، ولذلك لم يقل لا يخف، ﴿ بخسا ﴾ :نقصا في الجزاء، ﴿ ولا رهقا ﴾ :ظلما،
﴿ وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون١ :الحائرون عن الحق، ﴿ فمن أسلم فأولئك تحروا ﴾ :قصدوا، ﴿ رشدا٢ :عظيما،
١ والظاهر أن الكلام كله من قول الجن، وقيل من قوله:"فمن أسلم" قول الله لمحمد- صلى الله عليه وسلم/١٢ وجيز..
٢ فيه دليل على أن الجن يثاب بالجنة، وقد قدمنا هذا البحث في الحاشية على سورة الرحمن تحت قوله تعالى: ﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان﴾(الرحمن:٣١)/١٢..
﴿ وأما القاسطون١ فكانوا لجهنم حطبا ﴾ :كما لكفار الإنس،
١ لأنه لا يمكن عطفا على محل به في "آمنا به" لأنه لا معنى لقوله آمنا بأن لو استقاموا اللهم إلا أن يقال عبر تعالى كلامهم بهذه العبارة، وأصل كلامهم آمنا بأن لو استقمنا على الطريقة لأسقينا ماء، وهو بعيد جدا/١٢ منه..
﴿ وأن لو استقاموا ﴾، عطف على أنه استمع لا غير أي :وأن الشأن لو استقام الجن أو الإنس والجن، ﴿ على الطريقة ﴾ :الحسنى، وآمنوا كلهم، ﴿ لأسقيناهم ماء غدقا١ :مطرا كثيرا، ووسعنا عليهم في الرزق،
١ فإن الجن يحتاجون أيضا إلى أكل وشرب/١٢ منه..
﴿ لنفتنهم ﴾ :نحشرهم، ﴿ فيه ﴾ :في سقي الماء كيف يشكرونه ﴿ آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ﴾( العنكبوت :١، ٢ ) أو معناه١ أن لو استقاموا على طريقتهم القديمة من الكفر لأوسعنا عليهم الرزق استدراجا كما قال تعالى : ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ﴾ الآية ( الأنعام :٤٤ ) ﴿ ومن يعرض عن ذكر ربه ﴾ :ولم يؤمن به، ﴿ يسلكه ﴾ :يدخله، ﴿ عذابا صعدا ﴾ :شاقا يعلو المعذب مصدر وصف به ابن عباس- رضي الله عنهما- هو جبل في جهنم،
١ الأول: قول ابن عباس- رضي الله عنه- ومجاهد وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، والسدي ومحمد بن كعب القرظي وقتادة والضحاك، والثاني قول: ربيع بن أنس وزيد بن أسلم، والكلبي، وابن كيسان، وهو قول أبي مجلز/١٢ منه..
﴿ وأن المساجد ﴾ :مواضع بنيت للعبادة، أو المراد جميع الأرض، أو أعضاء السجود، ﴿ لله فلا تدعوا ﴾ :فلا تعبدوا أيها الإنس والجن، ﴿ مع الله أحدا ﴾ :فيها، أو بها نزلت حين قالت الجن :ائذن لنا يا رسول الله فنشهد معك الصلوات في مسجدك، أو حين قالوا :كيف نشهد الصلاة ونحن ناءون عنك ؟ وعن قتادة اليهود والنصارى أشركوا بالله في كنائسهم فأمرنا الله بالتوحيد،
﴿ وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ﴾ قال الجن لقومهم :لما قام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعبد الله ويصلي كاد أصحابه من الإنس عليه متراكمين للحرص على العبادة والإقتداء، أو كاد الإنس والجن يكونون عليه مجتمعين ليبطلوه١، ويطفئوه، أو لما قام ٢ يصلي كاد الجن يكونون عليه متراكمين تعجبا، وحرصا على الاستماع.
١ أي: لإبطال صلاته، وإطفاء نوره، ولكن أبى الله إلا أن يتم نوره/١٢ وجيز..
٢ في النسخة ن: كان..
﴿ قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا ﴾ :وليس هذا بأمر منكر١ عجيب بدع، وهذا يؤيد الوجه الثاني في قوله :كاد يكونون عليه لبدا،
١ بل المنكر العجيب هو الإشراك/١٢ وجيز..
﴿ قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ﴾ أي :لا ضرا ولا نفعا، ولا رشدا، أو غيا، بل الكل بيد الله إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي،
﴿ قل إني لن يجيرني من الله أحد ﴾ :إن أرادني بسوء، ﴿ ولن أجد من دونه ملتحدا ﴾ :ملجأ أميل إليه،
﴿ إلا بلاغا من الله ورسالاته ﴾ أي :لا أملك نفعا إلا أن أبلغ عن الله، وأبلغ رسالته التي أرسلني بها، و " من الله " صفة لبلاغا لا صلة١ له، وقوله :" قل إني لن يجيرني " معترضة تؤكد نفي الاستطاعة، أو الاستثناء منقطع أي :لكن الإبلاغ هو الذي يجيرني من عذاب الله، ﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ :ولم يؤمن، ﴿ فإن له نار جهنم خالدين٢ فيها أبدا ﴾
١ لأن البلاغ مستعمل بعن لا بمن/١٢ وجيز..
٢ جمعه باعتبار معنى من/١٢ وجيز..
﴿ حتى إذا رأوا ﴾، غاية لمحذوف دل عليه الحال أي :لا يزالون على ما هم عليه حتى وقيل :لقوله يكونون عليه لبدا على التوجيه الثاني، ﴿ ما يوعدون ﴾ :من العذاب، ﴿ فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا ﴾ :هو، أو هم،
﴿ قل إن ﴾ أي :ما، ﴿ أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا ﴾، غاية كأنهم قالوا متى يكون وقت ما تعدنا فقيل له، قل لا أدري أهو حال أم مؤجل،
﴿ عالم الغيب ﴾ أي :هو عالمه، ﴿ فلا يظهر ﴾ :لا يطلع١، ﴿ على غيبه٢، المختص به بدلالة الإضافة، ﴿ أحدا ﴾
١ إطلاع الأنبياء من الملك وهو علم، أو من إلقاء الله في روعهم فهو أيضا علم، وإما للأولياء من الكرامات، وأن تضم إليها علامات الصدق، فما هي إلا ظن غاية الأمر أنها ربما تصل إلى الظن الغالب، وهو ليس بعلم، وقوله لا يظهر على غيبه أحدا ينادي على أن المراد منه العلم/١٢ وجيز..
٢ على قوله:"فلا يظهر على غيبه أحدا" قال الواحدي: وفي هذا دليل على من ادعى أن النجوم تدل على ما يكون من حادث فقد كفر بما في القرآن، قال في الكشاف: وفي هذا إبطال للكرامات، لأن الذين تضاف إليهم الكرامات، وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل، وقد خص الله الرسل من بين المرتضين بالإطلاع على الغيب، وفيه أيضا إبطال للكهانة والسحر والتنجيم؛ لأن أصحابها أبعد شيء من الارتضاء، وأدخله في السخط. قال الرازي: وعندي أن الآية لا دلالة فيها على شيء مما قالوه إذ لا صيغة عموم في غيبه، فيحمل على غيب واحد، وهو وقت القيامة؛ لأنه واقع بعد قوله: ﴿أقريب ما توعدون﴾ الآية، فإن قيل: فما معنى الاستثناء حينئذ؟ قلنا: لعله إذا قربت القيامة يظهره، وكيف لا وقد قال: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا﴾(الفرقان:٢٥)، فتعلم الملائكة حينئذ قيام الساعة، أو هو استثناء منقطع أي: من ارتضاه من رسول يجعل من بين يديه، ومن خلفه حفظة يحفظونه من شر مردة الجن والإنس، ويدل على لأنه ليس المراد أنه لا يطلع أحد على شيء من المغيبات إلا الرسل أنه ثبت كما يقارب التواتر أن شقا وسطيحا كانا كاهنين، وقد عرفنا بحديث النبي- صلى الله عليه وسلم- قبل ظهوره، وكانا مشهورين بهذا العلم عند العرب حتى رجع إليهما كسرى، فثبت أن الله قد يطلع غير الرسل على شيء من المغيبات، وأيضا أطبق أهل الملل على أن معبر الرؤيا بخبر عن أمور مستقبلة، ويكون صادقا فيها، وأيضا قد نقل السلطان سنجر بن ملك شاه كاهنة من بغداد إلى خرسان، وسألها عن أمور مستقبلة فأخبرته بها فوقعت على وفق كلامها، قال: وأخبرني ناس محققون في علم الكلام والحكمة أنها أخبرت عن أمور غائبة بالتفصيل، فكانت على وفق خبرها، وبالغ أبو البركات في كتاب التعبير في شرح حالها، وقال: فحصت عن حالها ثلاثين سنة فتحققت أنها كانت تخبر عن المغيبات إخبارا مطابقا، وأيضا فإنا نشاهد ذلك في أصحاب الإلهامات الصادقة، ويوجد ذلك في السحرة أيضا، وقد نرى الأحكام النجومية مطابقة، وإن كانت قد تتخلف فلو قلنا: إن القرآن يدل على خلاف هذه الأمور المحسوسة لتطرق الطعن إلى القرآن، فيكون التأويل ما ذكرنا انتهى كلامه بمعناه.
قال محمد بن علي الشوكاني: أما قوله: إذ لا صيغة عموم في غيبه، فبالباطل فإن إضافة المصدر واسم الجنس من صيغ العموم كما صرح به أئمة الأصول وغيرهم، وأما قوله: أو هو استثناء منقطع فمجرد دعوى يأباه النظم القرآني، وأما قوله: إن شقا وسطيحا الخ فقد كانا في زمن تسترق فيه الشياطين السمع، ويلقون ما يسمعونه إلى الكهان فيخلطون الصدق بالكذب كما ثبت في الحديث الصحيح، وفي قوله: إلا من خطف الخطفة ونحوها من الآيات فباب الكهانة قد ورد بيانه في هذه الشريعة، وأنه كان طريقا لبعض الغيب بواسطة استراق الشياطين حتى منعوا ذلك بالبعثة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام والتحية، وقالوا:" وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا"، فباب الكهانة في الوقت الذي كانت فيه مخصوص بأدلته فهو من جملة ما يخصص به هذا العموم فلا يرد ما زعمه من إيراد الكهانة على هذه الآية، وأما حديث المرأة الذي أورده فحديث خرافة، ولو سلم وقوع شيء مما حكاه عنها من الأخبار لكان من باب ما ورد في الحديث" إن في هذه الأمة محدثين، وإن منهم عمر"، فيكون كالتخصيص لعموم هذه الآية لا نقضا وأما ما اجترأ به على الله وعلى كتابه من قوله: في آخر كلامه، فلو قلنا: إن القرآن يدل على خلاف هذه الأمور المحسوسة لتطرق الطعن إلى القرآن، فيقال له: ما هذه بأول زلة من زلاتك وسقطه من سقطاتك، وكم لها لديك من أشباه، وأمثال نبض بها عرق فلسفتك، وركض بها الشيطان الذي صار يتخبطك في مباحث تفسيرك، يا عجبا لك أيكون ما بلغك من خير هذه المرأة، ونحوه موجبا لتطرق الطعن إلى القرآن، وما أحسن ما قاله بعض أدباء عصرنا:
وإذا رامت الذبابة للشمس *** غطاء مدت عليها جناحا
وقلت من أبيات منها:
مهب رياح سده بجناح *** وقابل بالمصباح ضوء صباح.
فإن قلت إذا قد تقرر بهذا الدليل القرآني أن الله يظهر من ارتضى من رسله على ما شاء من غيبه فهل للرسول الذي أظهره الله على ما شاء من غيبه أن يخبر به بعض أمته، قلت: نعم، ولا مانع من ذلك، وقد ثبت عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من هذا ما لا يخفى على عارف بالسنة المطهرة، فمن ذلك ما صح أنه قام مقاما أخبر فيه بما سيكون إلى يوم القيامة، وما ترك شيئا مما يتعلق بالفتن ونحوها حفظ ذلك في حفظه، ونسيه من نسيه، وكذلك ما ثبت من أن حذيفة بن اليمان كان قد أخبره رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بما يحدث من الفتن بعده حتى سأله عن ذلك أكابر الصحابة، ورجعوا إليه وثبت في الصحيح، وغيره أن عمر بن الخطاب سأله عن الفتنة التي تموج كموج البحر، فقال: إن بينك وبينها بابا، فقال عمر: هل يفتح أو يكسر؟ فقال: بل يكسر، فعلم عمر أنه الباب، وأن كسره قتله كما في الحديث الصحيح المعروف أنه قيل لحذيفة: هل كان عمر يعلم ذلك؟ فقال: نعم كما يعلم أن دون غدا الليلة، كذلك ما ثبت من أخباره لأبي ذر بما يحدث له مما حدث له، وإخباره لعلي بن أبي طالب بخبر ذي الثدية ونحو هذا مما يكثر تعداده، ولو جمع لجاء منه مصنف مستقل، وإذا تقرر هذا فلا مانع من أن يختص بعض صلحاء هذه الأمة بشيء من أخبار الغيب التي أظهرها الله لرسوله صلى الله عليه وسلم- وأظهرها رسوله صلى الله عليه وسلم- لبعض أمته وأظهرها هذا البعض من الأمة لمن بعدهم، فتكون كرامات الصالحين من هذا القبيل، والكل من الفيض الرباني بواسطة الجناب النبوي انتهى كلامه رحمة الله تعالى عليه/١٢. .

﴿ إلا من ارتضى ﴾ للإطلاع، ﴿ من رسول ﴾، بيان لمن، ﴿ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ﴾ أي :يجعل من جميع جوانبه حرسا من الملائكة يحفظون الوحي من أن يسترقه الجن، فيلقيه إلى الكهنة، والرسول من أن يتشبه الشياطين في صورة الملك،
﴿ ليعلم ﴾ :النبي، ﴿ أن قد أبلغوا ﴾ أي :الملائكة، ﴿ رسالات ربهم ﴾، وليس بشيطان جاء بصورة ملك، وعن كثير من السلف، من الله حرس على كل يخبرونه إذا جاء أحد يخبره أنه ملك من الله، أو الشيطان فحاذر، أو ليعلم أن قد أبلغ الأنبياء ويتعلق علمه بتبليغهم رسالاته محروسة عن التغيير، ﴿ وأحاط ﴾ :الله، ﴿ بما لديهم ﴾ :بما عند الرسل، عطف على أبلغوا على التوجيه الأول، ﴿ وأحصى كل شيء عددا ﴾ أي :معدود فهو حال، أو عددا١ بمعنى إحصاء، أو أحصى بمعنى عد.
والحمد لله على وفور أفضاله.
١ فيكون مصدرا..
السورة التالية
Icon