0:00
0:00

مكية، وآياتها ثمان وعشرون
بسم الله الرحمان الرحيم
عالم الجن من العوالم الكونية كعالم الملائكة ؛ وقد أخبر الله تعالى أنه خلقه من مارج من نار. أي أن عنصر النار فيه هو الغالب، وأنه يرى الأناسي وهم لا يرونه، أي بصورته الجبلية ؛ وإن كان يرى حين يتشكل بأشكال أخرى ؛ كما رأى جبريل حين تشكل بشكل آدمي. وأخبر تعالى بأنه قادر على الأعمال الشاقة. وأنه سخر الشياطين لسليمان يعملون له ما يشاء، من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب. وأخبر بأن من الجن مؤمنين، ومنهم شياطين متمردين ؛ ومن هؤلاء إبليس اللعين.
ولم يختلف أهل الملل في وجودهم، بل اعترفوا به كالمسلمين، وإن اختلفوا في حقيقتهم. ولا تلازم بين الوجود والعلم بالحقائق، ولا بينه وبين الرؤية بالحواس. فكثير من الأشياء الموجودة لا تزال حقائقها مجهولة، وأسرارها محجبة ؛ وكثير منها لا يرى بالحواس. ألا ترى الروح – وهي مما لا شك في وجودها في الإنسان والحيوان-لم يدرك كنهها أحد ولم يرها أحد ؛ وغاية ما علم من أمرها بعض صفاتها وآثارها. وكم في العوالم من أسرار، وفي الكون من حجب وأستار، تشهد بأن وراء علم الإنسان علوما أحاط بها خالق الكون ومبدعه ؛ ومنه ما استأثر بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه.
وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجن ؛ كما بعث إلى الإنس. فدعاهم إلى التوحيد، وأنذرهم وبلغهم القرآن. وسيحاسبون على الأعمال يوم الحساب كما يحاسب الناس، فمؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم. وكل ذلك جاء صريحا في القرآن السنة.

﴿ قل أوحي إلى... ﴾ أوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن جماعة من الجن – وكانوا من جن نصيبين – استمعوا إليه وهو يقرأ القرآن في صلاة الفجر في بطن نخلة [ وهي في طريق الطائف على مسيرة ليلة من مكة ]
فعادوا إلى قومهم فأخبروهم بما سمعوا، وآمنوا بالله، وكذبوا ما دعا إليه سفيههم من الكفر والضلال [ آية ٢٩ الأحقاف ص ٣٢٣ ]. ﴿ قرآنا عجبا ﴾ بديعا مباينا لما سبقه من الكتب في خصائصه وعلومه، داعيا إلى الرشد والهدى، في نظم محكم، وأسلوب حكيم.
﴿ فآمنا به ﴾ فصدقناه وأذعنا له، ومحونا من قلوبنا الشرك والضلال، وعلمنا ما ينبغي لربنا من الكمال. ﴿ ولن نشرك بربنا أحدا ﴾ في عبادته.
﴿ وأنه ﴾ أي الحال والشأن. ﴿ تعالى ﴾ تعظم.
﴿ جد ربنا ﴾ عظمته وجلاله. أي تعاظمت عظمته، وجل جلاله عن أن ينسب إليه ما ينافي ربوبيته. أو تعاظم ملكه وسلطانه عن أن يكون له شريك، أو يكون له صاحبة أو ولد كما يزعم المشركون.
وقوله : ﴿ ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ﴾ بيان وتفسير لما قبله. وقوله : " وأنه " – بفتح الهمزة – معطوف على الضمير في " به " أو على محل الجار والمجرور في " فآمنا به " ؛ كأنه قيل :فصدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا. وكذلك يقال في توجيه القراءة بالفتح في الإحدى عشرة آية التالية لهذه الآية التي آخرها آية ١٤. وأما قراءتها بالكسر فلعطفها على المحكي بعد القول.
﴿ وأنه كان يقول ﴾ إبليس اللعين﴿ على الله شططا ﴾ قولا ذا شطط. أي بعد عن القصد، ومجاوزة للحد ؛ إذ نسب إليه الصاحبة والولد ! أي آمنا بأن قوله ذلك في وضلال بعد أن سمعنا القرآن، الدال على الرشد والحق.
﴿ وأنا ظننا أن لن تقول الإنسن والجن على الله كذبا ﴾ قولا مكذوبا، وهو ذلك القول الشطط ؛ أي حسبنا أن الإنسن والجن لا يكذبون على الله بنسبة الشريك والصاحبة والولد إليه، ولذلك صدقناهم في ذلك حتى سمعنا القرآن ؛ فعلمنا بطلانا قولهم وبطلان ما كنا نظنه بهم من الصدق، وآمنا بالحق. فهو اعتذار منهم عن تقليدهم لسفيههم.
﴿ وأنه كان رجال من الإنس... ﴾ أي وأنه كان في الجاهلية رجال من الإنس يستعيذون برجال من الجن حين ينزلون في أسفارهم بمكان موحش، ويقول قائلهم :أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه ؛
فيبيت في جواره حتى يصبح. وأول من فعل ذلك قوم من أهل اليمن، ثم من بني حنيفة، ثم فشت هذه الجهالة في العرب ؛ فلما جاء الإسلام عاذوا بالله تعالى، وتركوا العوذ بالجن﴿ فزادوهم ﴾ فزاد الإنسن الجن بهذا العوذ﴿ رهقا ﴾ طغيانا وسفها وجراءة عليهم. أو إثما واستحلالا لمحارم الله. وأصل الرهق :غشيان المحظور. ومراد هذا النفر :أنهم لما سمعوا القرن أيقنوا بخطأ الإنس في هذا العوذ، وبضلال الجن في الطغيان والإثم.
﴿ وأنهم ظنوا ﴾ أي وأن الإنس ظنوا﴿ كما ظننتم ﴾ أيها الجن على أنه كلام بعض الجن لبعض﴿ أن لن يبعث الله أحدا ﴾ بعد الموت، فأخطئوا وأخطأتم ؛ إذ جاء القرآن بالبعث والحساب والجزاء فآمنا بأنه الحق.
﴿ وأنا لمسنا السماء ﴾ طلبنا أخبارها كما هي عادتنا ؛ وكانوا يسترقون السمع من الملأ الأعلى، ليخبروا به الكهان إضلالا للناس. واللمس :المس ؛ فاستعير للطلب، لأن الماس طالب متعرف. ﴿ فوجدناها ملئت حرسا شديدا ﴾ حراسا أقوياء من الملائكة يحرسونها من استراق السمع. اسم جمع لحارس. ﴿ وشهبا ﴾ تنقص على مسترقي السمع [ آية ١٨ الحجر ص ٤٢٠ ].
﴿ مقاعد للسمع ﴾ مواضع في السماء نقعد فيها لاستراق السمع. ﴿ فمن يستمع الآن ﴾ بعد نزول القرآن الذي بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم. ﴿ يجد له شهابا رصدا ﴾ مرصدا ؛ أي معدا ومهيأ له، ينقض عليه فيصيبه ؛ فمنع الاستراق بعد المبعث ونزول القرآن. والصحيح أن الرجم كان موجودا قبل المبعث ؛ فلما بعث صلى الله عليه وسلم كثر وازداد، كما ملئت السماء بالحرس. وليس في الآية دلالة على أن كل ما يحدث من الشهب إنما هو للرجم ؛ بل إنهم إذا حاولوا استراق السمع رجموا بالشهب. وإلا فالشهب الآن وفيما مضى قد تكون ظواهر طبيعية، ولأسباب كونية.
﴿ وأنا منا الصالحون ﴾ أي الموصوفون بصلاح الحال واستقامته، وهم الأخيار. ﴿ ومنا دون ذلك ﴾ أي غير ذلك، وهم الأشرار. ﴿ كنا ﴾ قبل استماع القرآن. ﴿ طرائق قددا ﴾ أي مذاهب
متفرقة مختلفة. جمع طريقة، وهي الحالة والمذهب. وجمع قدة، وهي الفرقة من الناس هوى كل واحد على حدة. والجملة بيان لسابقتها.
﴿ وأنا ظننا... ﴾ تيقنا الآن بعد سماع القرآن أننا في قبضته تعالى وسلطانه، لن نفوته بهرب ولا غيره إن طلبنا.
﴿ وأنا لما سمعنا الهدى ﴾ أي القرآن. ﴿ آمنا به ﴾ صدقنا أنه من عند الله.
﴿ فلا يخاف بخسا ﴾ نقصا من ثوابه. ﴿ ولا رهقا ﴾ ظلما يلحقه بزيادة في سيئاته. أو غشيان ذلة بحمل سيئات غيره عليه.
﴿ ومنا القاسطون ﴾ الجائرون العادلون عن الإسلام وقصد السبيل. جمع قاسط، أي عادل عن الحق. اسم فاعل من قسط الثلاثي بمعنى جار. بخلاف المقسط، فإنه العادل إلى الحق ؛ من أقسط الرباعي بمعنى عدل. وحقيقة أقسط :أزال القسط وهو الجور ؛ فالهمزة فيه للسلب. ﴿ تحروا رشدا ﴾ قصدوا طريق الحق والهدى، وتوخوه باجتهاد. يقال :حرى الشيء يحريه، أي قصد حراه أي جانبه. وتجراه كذلك. والرشد :خلاف الغي، ويستعمل استعمال الهداية.
﴿ حطبا ﴾ وقودا توقد به.
﴿ وألو استقاموا على الطريقة... ﴾ هو من قوله تعالى لا من قول الجن. معطوف على قوله " أنه استمع " واسم " أن " المخففة ضمير الشأن. ﴿ لأسقيناهم ماء غدقا ﴾ كثيرا غزيرا. يقال :غدقت العين – كفرح -، كثر ماؤها فهي غدقة. والمراد أن الإنس والجن لو استقاموا على الإسلام لوسعنا عليهم الأرزاق، ومتعناهم بالعيش الرغيد. وخص الماء الغدق بالذكر لأنه أصل المعاش والسعة.
﴿ لنفتنهم فيه ﴾ لنختبرهم فيه ؛ أي لنعاملهم معاملة المختبر ؛ ليظهر للخلائق كيف شكرهم فيها خولناهم من النعم.
﴿ يسلكه عذابا صعدا ﴾ يدخله عذابا شديدا شاقا. والصعد :المشقة. يقال :فلان في صعد من أمره، أي في مشقة. وهو مصدر صعد – كفرح – صعدا وصعودا وصف به العذاب مؤولا باسم الفاعل.
﴿ وأن المساجد لله ﴾ أي وأوحى إلي أن المساجد – وهي المواضع المعدة للصلاة والعبادة – مختصة بالله تعالى وعبادته وحده. وكان اليهود والنصارى يشركون بالله في كنائسهم وبيعهم ؛ فأمر الله المؤمنين أن يفردوه في المساجد بالعبادة، ولا يدعوا فيها أحدا دونه.
﴿ وأنه لما قام عبد الله ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم ( يدعوه ) يعبد الله في صلاة الفجر بنخلة.
﴿ كادوا ﴾ أي الجن﴿ يكونون عليه لبدا ﴾ أي متراكمين من الازدحام عليه ؛ تعجبا مما شاهدوه من صلاته، وسمعوه من قراءته، ومن كمال اقتداء أصحابه به في الصلاة قياما وركوعا وسجودا ؛ إذ لم يكن لهم عهد بذلك من قبل. وقيل :الضمير في " كادوا " لكفار قريش والعرب ؛ أي وأنه لما قام يدعو لربه وحده، وينذر من أشرك به ؛ كادوا لتظاهرهم عليه يزدحمون عليه متراكمين ليطفئوا نوره، ولكن الله أبى إلا أن يتم نوره وينصره رسوله. و " لبدا " جمع لبدة – ككسرة وكسر - :وهي الجماعة ؛ شبهت الشيء الملبد بعضه على بعض.
﴿ قل إني لن يجيرني من الله أحد ﴾ أي لن يمنعني منه تعالى أحد من خلقه إن أرادني بسوء﴿ ولن أجد من دونه ملتحدا ﴾ ملجأ يركن إليه. يقال :التحد إلى كذا، مال إليه.
﴿ إلا بلاغا ﴾ أي لا أملك لكم شيئا إلا بلاغا لكم.
﴿ فسيعلمون ﴾ إذا حل بهم العذاب في الآخرة﴿ من أضعف ناصرا وأقل عددا ﴾ أجند الله الذين آمنوا به، أم هؤلاء المشركون به ! ﴿ أم يجعل له ربي أمدا ﴾ غاية بعيدة. والمراد :أنكم ستعذبون حتما، ولكن لا أدري ! أهو حال إلى مؤجل إلى أمد بعيد !
﴿ إلا من ارتضى من رسول... ﴾ فإنه يظهره على ما شاء من غبيه ؛ ليكون إخباره عنه معجزة له دالة على صدقة، وليخبر الناس بما يتعلق منه برسالته وشئون الآخرة من البعث والحساب والجزاء والخلود. فإذا أراد سبحانه إظهاره عليه يسلك من جميع جوانبه حرسا من الملائكة يحرسونه من تعرض الجن لما يريد إظهاره عليه ؛ لئلا يسترقوه ويهمسوا له إلى الكهنة قبل أن يبلغه الرسول. وليحفظوه من وساوس الجن وتخاليطهم حتى يبلغ رسالة ربه إلى الناس
﴿ ليعلم أن قد أبلغوا.. ﴾ أي أخبرنا صلى الله عليه وسلم بحفظنا الوحي ؛ ليعلم أن الرسل قبله كانوا على حالته من التبليغ بالحق والصدق، وأنه حفظ كما حفظوا من الجن. ﴿ وأحاط لما لديهم ﴾ أي وقد أحاط الله بكل ما عند الرسل والملائكة، وعلم عدد الأشياء كلها، فلم يخف عليه شيء منها.
والله أعلم.
السورة التالية
Icon