0:00
0:00

سورة الجن
مكيّة وهى ثمان وعشرون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ النفر من الثلاثة الى العشرة فقيل كانوا تسعة من جن نصيبين وقيل كانوا سبعة والجن أجسام ذات أرواح كالحيوان عاقلة كالانسان خفية عن أعين الناس ولذا سميت جنا خلقت من النار كما خلق آدم من طين قال الله تعالى والجان خلقناه من قبل من نار السموم تتصف بالذكورة والأنوثة وتتوالد والظاهر ان الشياطين قسم منهم بخلاف الملائكة فانهم لا يتصفون بالذكورة ولا بالانوثة ووجود الجن والشياطين والملائكة ثابت بالشرع وأنكره الفلاسفة وليست العقول العشرة التي اخترعها الفلاسفة من الملائكة من شى حيث يزعمونها مجردات بخلاف الملائكة فانها أجسام ذات أرواح والله تعالى اعلم وسوق هذا الكلام يقتضى ان النبي - ﷺ - لم ير الجن وانما اتفق حضورهم فى بعض اوقات قراءته فاستمعوها فقص الله ذلك على رسوله فيما اوحى اليه اخرج الشيخان والترمذي وغيرهم عن ابن عباس رض قال ما قرأ رسول الله - ﷺ - على الجن ولا رايهم ولكنه انطلق مع طائفة من أصحابه عامدين الى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فقالوا ما هذا الا بشى قد حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا هذا الذي حدث فانطلقوا فانصرف النفر الذين توجهوا نحو تهامه لى رسول الله - ﷺ - وهو بنخلة يصلى بأصحابه صلوة الفجر فلما سمعوا القران استمعوا له فقالوا هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهنالك رجعوا الى قومهم فقالوا يا قومنا انا سمعنا قرانا عجبا إلخ فانزل الله تعالى على نبيه قل اوحى الى قول الجن وقال اكثر المفسرين لما مات ابو طالب خرج رسول الله - ﷺ - وحده الى الطائف يلتمس من ثقيف النصر والمنعة له من قومه فروى محمد بن اسحق عن يزيد بن زياد عن محمد للقرظى انه قال لما انتهى رسول الله - ﷺ - الى الطائف عمد الى نفر من ثقيف وهم يومئذ سادت ثقيف واشرافهم وهم اخوة ثلثة عبد يا ليل ومسعود وحبيب بنو عمير وعند أحدهم امرأة من قريش
من بنى جمح فجلس إليهم فدعاهم الى الله وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه فقال له أحدهم هو يمرط ثياب الكعبة ان كان أرسلك الله وقال الاخر اما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال الثالث والله ما أكلمك ابدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لانت أعظم خطرا من ان أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله فلا ينبغى لى ان أكلمك فقام رسول الله - ﷺ - وقد يئس من خير ثقيف وقال لهم إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عنّى وكره رسول الله - ﷺ - ان يبلغ قومه فيزيد ذلك فى تجرئهم عليه فلم يفعلوا واغروا به سفهائهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس والجره الى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة وهما فيه فرجع عنه سفهاء ثقيف ومن كان تبعه فعمد الى ظل جنة من عتب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران اليه ويريان ما لقى من سفهاء ثقيف وقد لقى رسول الله - ﷺ - تلك المرأة من بنى جمح فقال لها ماذا لقينا من احمانك فلما اطمئن رسول الله - ﷺ - قال اللهم انى أشكو إليك ضعف قوتى وقلة حيلتى وهو انى على الناس وأنت ارحم الراحمين وأنت رب المستضعفين فانت ربى الى من تكلنى الى بعيد يتجّهمنى الى او الى عدو ملكته امرى ان لم يكن بك على غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هى أوسع لى أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه امر الدنيا والاخرة من ان تنزل بي غضبك او يحل علىّ سخطك لك العتبى حتى ترضى لا حول ولا قوة الا بك فلما رأه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس فقالا له خذ قطفا من هذا العنب وضعه فى ذلك الطبق ثم اذهب به الى ذلك الرجل فقل له يأكل منه ففعل عداس ثم اقبل به حتى وضعه بين يدى رسول الله - ﷺ - فلما وضع ومد رسول الله - ﷺ - يده قال باسم الله ثم أكل فنظر عداس الى وجهه فقال والله ان هذا الكلام ما يقول اهل هذه البلدة قال رسول الله - ﷺ - من اى البلاد أنت يا عداس وما دينك قال انا نصرانى
وانا رجل من اهل نينوى فقال رسول الله - ﷺ - أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى قال وما يدريك يونس بن متى قال رسول الله - ﷺ - ذلك أخي كان نبيا وانا نبى فاكب عداس على رسول الله صلى الله تعالى عليه واله وسلم فقبل راسه ويديه وقدميه قال فيقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه اما غلامك فقد أفسده عليك فلما جائهما عداس قالا له ويلك يا عداس ما لك تقبل راس هذا الرجل ويديه وقدميه قال يا سيدى ما على الأرض خير من
هذا الرجل فقد أخبرني بامر ما يعلمه الا نبى فقال ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فان دينك خير من دينه ثم ان رسول الله - ﷺ - انصرف من الطائف راجعا الى مكة حين يئس من خبر ثقيف حتى إذا قام بنخلة قام من جوف الليل يصلى فمر به نفر من جن نصيبين اليمن فاستمعوا له فلما فرغ من صلوته ولوا الى قومهم منذرين قد أمنوا وأجابوا لما سمعو فقص الله سبحانه تعالى خبرهم عليه واخرج ابن الجوزي فى كتاب الصفوة بسنده عن سهل بن عبد الله قال كنت فى ناحية وزاعا وإذا رايت مدينة من حجر منقور فى وسطها قصر من حجارة تأويه الجن فدخلت فاذا شيخ عظيم الخلق يصلى الى الكعبة وعليه جبة صوف فيها طراوة فلم أتعجب من عظم خلقته كتعجبى من طرارة جبته فسلمت عليه فرد على السلام وقال يا سهل ان الأبدان لا يخلق الثياب وانما يخلقها روايح الذنوب ومطاعم السحت وان هذه الجبة على منذ سبع مائة سنة لقيت بها عيسى ومحمدا عليهما السلام فامنت بهما فقلت له ومن أنت قال من الذين نزلت فيهم قل اوحى الى نفر من الجن وقال جماعه بل امر رسول الله - ﷺ - ان ينذر الجن ويدعوهم الى الله يقرأ عليهم القران فصرفوا اليه نفر من الجن من نينوى وجمعهم له فقال رسول الله - ﷺ - انى أمرت ان اقرأ على الجن الليلة فايكم يتبعنى فاطرقوا ثم استتبعهم فاتبعه عبد الله بن مسعود رض قال عبد الله ولم يحضر معنا غيرى فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة دخل بنى الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وأصحابه وسلم شعبا يقال له شعب الحجون وخط الى خطا ثم أمرني ان اجلس فيه وقال لا يخرج منه حتى أعود إليك ثم انطلق حتى قام فافتتح القران فجعلت ارى مثل النسور تهوى وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبى الله صلى الله تعالى عليه واله وسلم وغشيته اسودة كثيرة حالت بينى وبينه حتى ما اسمع صوته ثم طفقوا ينقطعون مثل قطع السحاب الذاهبين ففرغ رسول الله ﷺ مع الفجر فانطلق الى فقال أنمت قلت لا والله يا رسول الله ولقد هممت مرارا ان استغيث بالناس حتى سمعتك تقرع بعصاك تقول اجلسوا قال لو خرجت لم أمن عليك ان يتخطفك بعضهم ثم قال رأيت شيئا قلت نعم رأيت رجلا اسود مشتفرى ثياب بيض قال أولئك جن نصيبين سألونى المتاع والمتاع الزاد فمنعتهم لكل عظم عايل وروث وبعرة فقال يا رسول الله يقذرها الناس فنهى رسول الله ﷺ ان يستنجى بالعظم والروث قال فقلت يا رسول الله وما يغنى ذلك عنهم قال انهم لا يجدون عظما الا وجدوا عليه لحمه يوم يوكل ولا روثة الا وجدوا فيها حبها يوم
أكلت فقلت يا رسول الله سمعت لغطا شديدا فقال ان الجن تدارت فى قتيل قتل منهم فتحاكموا الى فقضيت بينهم بالحق قال ثم تبرز رسول الله - ﷺ - ثم أتاني فقال هل معك ماء قلت يا رسول الله معى اداوة فيها بشئ من نبيذ التمر فاستدعاه فصببت على يديه فتوضأ فقال تمرة طيبة وماء طهور وروى مسلم عن على بن محمد حدثنا اسمعيل بن ابراهيم عن داود عن عامر قال سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وأصحابه وسلم ليلة الجن قال فقال علقمة انا سألت ابن مسعود عنه فقلت هل شهد أحد منكم مع رسول الله - ﷺ - ليلة الجن قال كنا مع رسول الله - ﷺ - ذات ليلة تفقدناه فالتمسناه فى الاودية والشعاب فقلنا استطير أو اغتيل قال بشر ليلة بات بها قوم فقال أتاني داعى الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القران قال فأنطلق بنا فارانا اثارهم
واثار نيرانهم قال الشعبي وسألوه الزاد وكانوا من جن جزيرة فقال رسول الله ﷺ لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع فى ايديكم او ما يكون فيه لحم وذلك بعرة علف دوابكم فقال رسول الله - ﷺ - فلا تستنجوا بهما فانهما طعام إخوانكم من الجن وروى عن ابن مسعود انه رأى قوما من الزط فقال هؤلاء أشبه ما رايت من الجن ليلة الجن قلت والظاهر عندى ان استماع الجن القران من النبي - ﷺ - عامدا الى سوق عكاظ وقافلا من الطائف كان اولا وهو المحكي عنه بقوله تعالى قل اوحى الى واما ليلة الجن التي رواها ابن مسعود فكانت بعد ذلك قال البغوي فى تفسير سورة الأحقاف انه قال ابن عباس فاستجاب لهم اى تفر من الجن بعد ما استمعوا القران من النبي - ﷺ - بنخلة ورجعوا الى قومهم منذرين من قومهم سبعين رجلا من الجن فرجعوا الى رسول الله - ﷺ - فوافقوه فى البطحاء فقرأ عليهم القران وأمرهم ونهاهم وذكر الخفاجي انه قد دلت الأحاديث على ان وفادة الجن كانت ستة مرات وهذا يدل على انه صلى الله عليه واله وسلم كان مبعوثا الى الجن والانس جميعا وقال مقاتل لم يبعث قبله نبى الى الانس والجن والله تعالى اعلم فَقالُوا هؤلاء النفر من الجن حين رجعوا الى قومهم إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً بديعا مباينا لكلام المخلوق مصدر وصف به للمبالغة.
يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ الى الحق والصواب من التوحيد والإحسان الذي يقتضيه العقل والبرهان صفة اخرى للقران فَآمَنَّا بِهِ ط اى بالقران وَلَنْ نُشْرِكَ فى العبادة بِرَبِّنا أَحَداً من خلقه حيث نهى الله سبحانه عنه.
وَأَنَّهُ الضمير عائد الى ربنا او للشان
قرأ نافع وابن كثير وابو عمرو وشعبة بكسر الهمزة عطفا على مقولة قالوا يعنى انا سمعنا وهكذا فى أحد عشر موضعا غيره الى قوله وانا منا المسلمون وهذا ظاهر غير ان فى قوله تعالى وانه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن الاية التفات من المتكلم الى الغيبة وفى قوله تعالى وانهم ظنوا كما ظننتم التفات من الغيبة الى الخطاب وقرأ ابو جعفر وانه وانهم فى ثلثة مواضع بالفتح على انه استمع نفر بمعنى لوحى الى انه تعالى جد ربنا واوحى الى انه كان واوحى الى انهم ظنوا وفى تسعة مواضع الباقية بالكسر لما ذكرنا وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بفتح الهمزة فى المواضع كلها قال المفسرون فى توجيه هذه القراءات انه معطوف على انه استمع يعنى اوحى الى انه تعالى جد ربنا وهذا لا يستقيم الا الى الثلاثة الذي قرأها ابو جعفر بالفتح دون البواقي وقيل انه معطوف على حمل الجار والمجرور فى أمنا به يعنى صدقنا انه تعالى جد ربنا وهذا ايضا لا يستقيم الا فى بعض المواضع كما هو الظاهر ولولا هذه القراءة فى المتواترات لما احتجنا الى تكلفات فى توجيهها لكنها من المتواترات فوجب ارتكاب التكلفات والله تعالى اعلم تَعالى جَدُّ رَبِّنا الجملة خبر لان والعائد وضع المظهر موضع المضمر على تقدير كون الضمير عائدا الى تقديره انه تعالى جده فوضع المظهر موضع الضمير للتصريح على الربوبية فان الربوبية تقتضى ان يكون عظمته وشانه أعلى وارفع عن شان المربوبين ومعنى جد ربنا جلاله وعظمته كذا قال مجاهد وعكرمة وقتادة ومنه قول انس كان الرجل إذا قرأ بقرة وال عمران- جد فينا اى عظم قدره وقال السدى جد ربنا امر ربنا وقال الحسن غنا ربنا وقال ابن عباس قدرة ربنا وقال الضحاك فعله وقال القرطبي آلاؤه ونعمائه على خلقه وقال الأخفش ملك ربنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً خبر بعد خبر لان كانه تأكيد وبيان للجزاء الاول يعنى تعالى جلاله عن اتخاذ الصاحبة والولد كما هو شان المربوبين كانهم سمعوا من القرآن ما ينههم على خطاء ما اعتقدوه من الشرك فى العبادة ونسبة الصاحبة والولد اليه تعالى.
وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا جاهلنا قال قتادة ومجاهد هو إبليس وقيل المراد به مردة الجن عَلَى اللَّهِ شَطَطاً اى قولا ذا شطط وهو ابعد اى قولا بعيدا عن شانه والجور فى الحكم او التجاوز عن الحد فى القاموس شط عليه فى حكم جار فى سلعته جاوز القدر والحد وتباعد عن الحق اى كان يقول على الله تعالى ويحكم بالجور والتباعد عن الحق وهو نسبة الصاحبة والولد اليه تعالى.
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ
الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً اعتذار عن اتباع بعضهم السفيه فى ذلك بظنهم انه لا يكذب على الله أحد وكذبا منصوب على المصدرية لانه نوع من القول او على المفعولية على انه مقولة تقول او على انه وصف لمحذوف اى قولا مكذوبا وقرأ ابو جعفر تقول بفتح الواو والتشديد وعلى هذا مصدر البتة لان التقول لا يكون الا كذبا وان بعد الظن مصدرية او مخففة ومعنى الآيتين على تقدير فتح همزة ان وكونها معطوفة على به فى أمنا به- انه تيقنا انه كان قول سفيهنا بعيدا عن الحق حوازا فى الحكم وان زعمنا بعدم كذب الجن كان باطلا فان قيل كان الجن قبل مبعث النبي صلى الله عليه واله وسلم يقعدون من السماء مقاعد السمع فيستمعون كلام الملائكة من التسبيح وغير ذلك فما الوجه فى اتباعهم سفيههم وظنهم انهم لا يقولون كذبا وعدم ايمانهم مع استماعهم كلام الملائكة كثيرا وايمانهم لما سمعوا القران من النبي - ﷺ - مرة واحدة قلت الايمان امر وهبى لا يتصور وجوده فهذه تلقى الهداية من الله الهادي على الإطلاق وذلك التلقي لا يكون الا بواسطة يأخذ الفيض من الله تعالى لمناسبة المعنوية به تعالى بعلو استعداده ويفيض على العالمين لمناسبة بهم صورية وذلك الواسطة هى من الأنبياء عليهم السلام فان لهم مع الله مناسبة معنوية لاجل كون مبادى تعيناتهم ومربياتهم الصفات العاليات ولهم على قدر كمالهم فى مراتب النزول مناسبة صورية بالاسفلين واما الملاء الا على من الملائكة فلهم مناسبة مع الله كهيئة الأنبياء ولا مناسبة لهم بالاسفلين لكونهم متصاعدين مراتب غير محصلين كمالات النزول وكذلك لم يتاثر الجن منهم هداية ولا إيمانا وان سمعوا منهم كلمات الهداية وتأثروا من سفهاء الجن والشياطين لكمال المناسبة وكذا لم يتاثر من المكلفين من نوح عليه السلام وغيره من الأنبياء الذين لم يبلغوا فى مراتب النزول غاية وتأثروا من سيد الأنبياء فانه كان هاديا لكمالات الفروع والأصول محدد الدرجات العروج والنزول لاجل ذلك بعثه الله تعالى الى الناس كافة بل الى الجن والانس عامة فاستنار بنور هدايته العالمين واستضاء بضوع إرشاده جماهير المكلفين الا من ختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله حيث لم يخلق فيه استعداد قبول الحق والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم وهذا معنى قول الشيخ الأكبر أنكروا دعوة نوح لما كان من الفرقان وأجابوا دعوة محمدا كان من القران صلى الله عليه وعلى اله وسلم وعلى جميع إخوانه من الأنبياء والمرسلين وبارك وسلم.
وَأَنَّهُ الضمير الشان كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ اخرج ابن المنذر وابن ابى حاتم وابن ابى الشيخ عن كروم بن السائب الأنصاري قال خرجت مع ابى المدينة فى حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله - ﷺ - فاوانا المبيت الى راعى غنم فلما انتصف الليل جاء ذئب فاخذ حملا من الغنم فوثب الراعي فقال يا عامر الوادي جارك فنادى منادى لا نراه يا سرحان أرسله فاتى الحمل يشتد حتى دخل فى الغنم ولم تصبه كدمته فانزل الله تعالى على رسوله بمكة وانه كان رجال من الانس الاية واخرج ابن سعد عن ابى رجاء العطاردي قال بعث رسول الله ﷺ وقد رعيت على أهلي وكفيت فبهتهم فلما بعث النبي ﷺ خرجنا هرابا فاتينا على قلاة من الأرض وكنا إذا أمسينا بمثلها قال شيخنا انا نعوذ بعزيز هذا الوادي من الجن الليلة فقال ذلك فقيل لنا انما السبيل لهذا الرجل شهادة ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله من أقربها أمن على دمه وماله فرجعنا فى الإسلام قال ابو رجاء انى لارى هذه الاية نزلت فى وفى أصحابي وانه كان رجال من الانس الاية واخرج الجزائفى فى كتاب هو هواتف الجن بسنده عن سعيد بن جبير ان رجلا من بنى تميم يقال له رافع بن عمير يحدث عن بدأ إسلامه قال اتى لاسير برمل عالج ذات ليلة إذ غلبنى النوم فنزلت على راحلتى وأنختها ونمت وقد تعوذت قبل نومى فقلت أعوذ بعظيم هذا الوادي من الجن فرأيت فى منامى رجلا بيده حربة يريدان يضعها فى نحر ناقتى فانتبهت فزعا فنظرت يمينا وشمالا فلم ار شيأ فقلت هذا حلمهم ثم عدت فغفوت فرأيت مثل ذلك فانتبهت فدرت حول ناقتى فلم ار شيأ فاذا ناقتى ترعد ثم غفوت فرأيت مثل ذلك فانتبهت فرايت ناقتى تضطرب والتفت فاذا انا برجل شاب كالذى رايته فى المنام بيده حربة ورجل شيخ ممسك بيده يرد عنها فبينما هما يتنازعان إذا طلعت ثلثة أثوار من الوحش فقال الشيخ للفتى قم فخذايها شئت فداء ناقة جا الانسى فقام الفتى فاخذ منها ثورا عظيما وانصرف ثم التفت الى الشيخ فقال يا هذا إذا نزلت واديا من الاودية فخفت هو له فقل أعوذ بالله رب محمد من هول هذا الوادي وو لا تعد بأحد من الجن فقد بطل أمرها قال فقلت له من محمد هذا قال نبى عربى لا شرقى ولا غربى بعث يوم الاثنين قلت فاين مسكنه قال يثرب ذات النخل فركبت راحلتى حين برق الصبح وجددت السير حتى أتيت المدينة فراتى رسول الله ﷺ فحدثنى بحديثي قبل ان اذكر له شيئا ودعانى الى الإسلام فاسلمت قال سعيد بن جبير وكنا نرى انه هو الذي انزل الله فيه وانه كان رجال
من الانس يعوذون برجال من الجن فَزادُوهُمْ اى زاد الانس الجن باستعاذتهم بقادتهم رَهَقاً قال ابن عباس اثما وقال المجاهد طغيانا وقال مقاتل غيا وقال الحسن شرا وقال ابراهيم عظمة وذلك ان الجن كانوا يقولون سدنا الجن والانس او المعنى فزاد الجن الانس غيابان أضلوهم حتى استعاذوا بهم والرهق غشيان الشيء والمراد هاهنا غشيان المحارم والإثم وفى هذه الجملة ايضا اعتراف بسوء عقيدتهم فيما قيل.
وَأَنَّهُمْ اى الانس ظَنُّوا ظنا كَما ظَنَنْتُمْ يا معشر الجن أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً بعد موته ان لن يبعث قائم مقام المفعولين يعنى نزل القران أمنوا بالغيب بعد فساد ظنهم فانتم ايضا ايها الجن أمنوا بالبعث كايمانهم قال ذلك بعضهم لبعض هذا على قراءة كسر ان واما على تقدير فتحها فهذه الجملة وما قبلها اعنى كان رجال إلخ معترضات من كلام الله تعالى معطوفتان على انه استمع يعنى اوحى الى هذين الامرين وتاويل الاية على هذا التقدير انهم اى الجن ظنوا كما ظننتم ايها الكفار من قريش مكة عدم البعث فلما نزل القران واستمع الجن أمنوا بالبعث فعليكم ايها الكفار ان تؤمنوا كما أمنوا.
وَأَنَّا لَمَسْنَا أردنا المس السَّماءَ بعد مبعث النبي ﷺ والظاهر ان المراد بالسماء السحاب فان السماء يطلق على ما هو فوقك ويدل على هذا التأويل حديث عائشة رضى الله تعالى عنها قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول ان الملائكة تنزل فى العنان وهو السحاب فتذكر لامر الذي قضى فى السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتتوجه الى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم رواه البخاري فان قيل قد وقع فى بعض الاخبار بلفظ يدل على حقيقة السماء عن ابى هريرة رض ان النبي صلى الله تعالى عليه واله وسلم قال إذا قضى الله الأمر فى السماء ضربت الملائكة بأجنحتها فضعانا لقوله كانه سلسلة على صفوان فاذا فرغ عن قولهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الذي قال الحق وهو العلى الكبير فسمعها مسترقوا السمع هكذا بعضه فوق بعض ووضع سفيان بكفه ليستمع الكلمة فيلقها الى من تحته ثم يلقها الاخر الى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر او الكاهن فربما أدرك الشهاب قبل ان يلقيها وربما ألقيها قبل ان يدركه فيكذب معه مائة كذبة الحديث رواه البخاري وفى حديث ابن عباس ربنا تبارك وتعالى إذا قضى امرا سبح حملة العرش ثم سبح اهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح اهل هذه السماء الدنيا ثم قال الذين يحملون العرش ماذا قال ربكم فيخبرونهم
ما قال فبستخبر بعض اهل السموات بعضا حتى يبلغ هذا السماء الدنيا فيخطف الجن السمع فيقذفون الى أوليائهم ويرمون فما جاؤا به على وجهه فهو حق ولكنهم يغرقون فيه ويزيدون رواه مسلم قلنا ليس فى هذين الحديثين وما فى معناهما ان الجن يخطف من السماء الدنيا ولعل معناه حتى يبلغ الخبر هذا السماء الدنيا ثم اهل السماء الدنيا ينزلون الى العنان فتذكر الأمر الذي قضى فى السماء فيخطف الجن مسترقو السمع وهم بعض فوق بعض الى العنان فحينئذ يدركه الشهاب الثاقب من نجوم السماء والله تعالى اعلم فَوَجَدْناها اى السماء مُلِئَتْ حَرَساً حراسا اسم الجمع كالخدم شَدِيداً قويا من الملائكة الذين يمنعون هم عنها وَشُهُباً جمع شهاب وهو شعلة نار انتشرت من النجوم.
وَأَنَّا كُنَّا قبل ذلك نَقْعُدُ مِنْها اى من السماء اى من السحاب حال من مَقاعِدَ خالية عن الحرس والشهب صالحة للترصد والاستماع ظرف لتقعد لِلسَّمْعِ متعلق بنقعد او صفة لمقاعد فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يعنى بعد مبعث النبي صلى الله تعالى عليه واله وسلم يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً اى رصدا له ولاجله يمنعه من الاستماع بالرجم او ذوى شهاب راصدين على انه جمع للراصد فصار هذا معجزة للنبى صلى الله تعالى عليه واله وسلم لاجل الجن أمنوا به.
وَأَنَّا لا نَدْرِي يعنى انا كنا لا ندرى قبل ذلك أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ بحراسة أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً فاما الان إذا سمعنا القران ان الذي حال بينكم وبين خبر السماء هو بعث هذا النبي حتى يكون معجزة له يعجزه الكهنة عن إتيان خبر السماء مثله فظهر ان الله سبحانه تعالى انما أراد للعالمين هداية ورشدا ففى هذه الجمل الثلث احتجاج على حقية القران ورسول الله صلى الله تعالى عليه واله وسلم والشر والخير وان كانا جميعا بخلقه تعالى وإرادته لكنهم اسندوا ارادة الخير اليه تعالى صريحا وارادة الشر كناية بذكره على صيغة المجهول رعاية الأدب.
وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ عنوا بهم الذين كانوا منهم مؤمنين بالتورية وغيره من الكتب السماوية والأنبياء السابقين عليه السلام وَمِنَّا قوم دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ اى ذوى طرائق اى مذاهب او مثل طرائق فى اختلاف الأحوال او كانت طرائق قِدَداً متفرقة مختلفة وهذه الجملة اعنى قولهم كنا طرائق قددا تأكيد لمضمون ما سبق من قولهم انا منا الصالحون إلخ وقددا جمع قدة بمعنى القطعة من الشيء قال الحسن والسدى
الجن أمثالكم فمنهم قدرية ومرجية ورافضية وغير ذلك وقولهم فيما بينهم انا منا الصالحون إلخ تمهيد لما سياتى من قولهم انا ظننا ان لن نعجز الله الاية وانا لما سمعنا الهدى الاية يعنى ان الايمان والتصديق ليس امرا مبدعا منا بل كان الجن قبل ذلك طرائق قددا بعضهم كانوا صالحين وبعضهم دون ذلك وانا ان اتبعنا السفيه فى القول فى الشطط لكنا لما سمعنا قرانا ظننا ان لن نعجز الله وسمعنا الهدى وأمنا به كما كان بعض أسلافنا مومنين.
وَأَنَّا ظَنَنَّا اى علمنا وتيقنا بتعليم الله تعالى فى القران وهدايته او المعنى كنا نظن ذلك قبل هذا او المعنى كنا نتيقن ذلك بعلمنا ما فى التورية أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ اى لن تفوته ان أراد بنا سوأ وكائنا فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً اى هاربين من الأرض الى السماء ان طلبنا مهربا وهذا على كونه حالا من فاعل نعجز ويحتمل ان يكون مفعولا مطلقا بمعنى تهرب هربا او مفعولا له اى نعجزه للهرب او ظرفا اى نعجزه فى الهرب او تميزا من نسبة الفاعل اى نعجزه هربها.
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى اى القران فانه موجب للهدى آمَنَّا بِهِ فامنوا به أنتم ايضا يا قومنا معاشر الجن فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ شرط والفاء للسببية والجزاء ما بعده فَلا يَخافُ خبر مبتداء محذوف اى فهو لا يخاف بَخْساً نقصا فى الثواب وَلا رَهَقاً اى ولا ان ترهقه وتغشياه ذلة او المعنى لا يخاف جزاء نقص فى الطاعات ولا جزاء له رهوق ظلم اى غشيان ظلم لان من حق الايمان بالقران ان يحبب ذلك.
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ الأبرار وَمِنَّا الْقاسِطُونَ ط اى الجائرون عن الحق يقال اقسط الرجل إذا عدل وقسط إذا جار فهو قاسط انما ذكر هذه الجملة مع ذكر مفهون فيما سبق بقوله وانا منا الصالحون ومنا دون ذلك ليكون تمهيد التفصيل حال الفريقين والمقصود هاهنا تفصيل الحال وفيما سبق التفرق فحسب لدفع كون الإسلام امرا مبدعا ويحتمل ان يكون الذين يستمعون القران بعضهم اسلموا وبعضهم لم يسلموا وهذا مقولة المسلمين منهم لما رجعوا الى قومهم فَمَنْ أَسْلَمَ بالله ورسله فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً قصدوا طريقا موصلا الى الفلاح.
أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
توقد بهم جهنم كما توقد النار بالحطب وهذه الجمل السبعة من قوله تعالى وانا لمسنا السماء الى قوله وانا منا المسلمون فمن اسلم إلخ لا شك انها من كلام الجن فلا غبار على قراءة انا بالكسر واما على قراءة الفتح فلا بد ارتكاب تكلف
بان يقال انها معطوفة بهاء به فى أمنا به والمعنى أمنا بالقران ويتبعنا بمعجزاته فى الآفاق من ان لمسنا السماء الاية وانا كنا نقعد منها مقاعد الاية وانا لا ندرى ما أراد الله بالشهب حتى سمعناه وبمعجزاته وتأثيراته فى الأنفس وانا كنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ولان تيقنا ان لن نعجز الله وانا لما سمعنا الهدى أمنا به وتيقنا ان المسلمين منا تحروا رشدا واما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا والله تعالى اعلم بمراده ولا يتصور عطف هذه الجمل السبعة على انه استمع نفر من الجن كما لا يخفى (مسئلة:) اتفقت الائمة على ان الكفار من الجن يعذبون بالنار كما يدل عليه قوله تعالى واما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا واختلفوا فى ثواب المؤمنين منهم فقال قوم ليس لهم ثواب إلا نجاتهم من النار وتأولوا قوله تعالى يا قومنا أجيبوا داعى الله وأمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب اليم- قال البغوي واليه ذهب ابو حنيفة وحكى سفيان عن ليث قال الجن ثوابهم ان يجاروا من النار ثم يقال لهم كونوا ترابا مثل بهائم وعن ابى الزياد قال إذا قضى بين الناس قيل لمومنين الجن عودوا ترابا فيعودون ترابا وعند ذلك يقول الكافر يا ليتنى كنت ترابا وقيل مذهب ابى حنيفة فيه التوقف لقوله عليه السلام أبهموا ما أبهم الله- وقد ذكر الله تعالى عذاب الكفار منهم ولم يذكر ثواب المطيعين منهم الا المقر والجوار من النار وقال الآخرون يكون لهم ثواب فى الإحسان كما يكون لهم عذاب فى الاساءة كالانس واليه ذهب مالك وابن ابى ليلى وقال جرير عن الضحاك الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون اخرج ابو الشيخ وذكر النقاش فى تفسيره حديثا انهم يدخلون الجنة فقيل له هل يصيبون من نعمها قال يلههم الله تسبيحه وذكره فيصيبون من لذته ما يصيبون بنو آدم من نعيم الجنة قلت كانه الحق المؤمنين من الجن بالملائكة وقال الطاءة ابن المنذر سألت حمزة بن حبيب هل للجن ثواب قال نعم وقرأ لم يطمثهن انس قبلهم ولا جان قال فالانسيات للانس والجنيات للجن- أخرجه ابو الشيخ من طريق الضحاك عن ابن عباس رض قال الخلق باركة فخلق فى الجنة كلهم وهم الملائكة وخلق فى النار كلهم وهم الشيطان وخلقان فى الجنة والنار وهم الجن والانس لهم العذاب والثواب واخرج عن ابن وهب انه سئل هل للجن تواب وعقاب قال نعم قال الله تعالى أولئك الذين حق عليهم القول فى امم قد خلت من قبلهم من الجن والانس انهم كانوا خاسرين ولكل درجات فيما عملوا وقال عمرو بن العزيز ان مومن الجن
حول الجنة فى ربض ورحاب وليسوا فيها احتج القائلون بثواب الجن بالعمومات ان الذين أمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا ونحو ذلك بالخطابات الواردة فى سورة الرحمن حيث قال الله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان فباى آلاء ربكما تكذبان حور مقصورات فى الخيام فباى آلاء ربكما تكذبن لم يطمئهن انس قبلهم ولا جان فباى آلاء ربكما تكذبان قالت الحنفية فى الجواب ان العمومات محمولة على الانس بدلالة العرف فان اهل العرف لا يفهمون منه الا الانس واما الخطابات فى سورة الرحمن بقوله فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ط توبيخ للجن وللانس على مطلق التكذيب بآلاء الله سبحانه لايما ذكر قبل تلك الاية خاصة كيف وذلك لا يتصور فى مثل قوله تعالى يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران فباى آلاء ربكما تكذبان يعرف للجرمون بسيماهم فيوخذ بالنواصي والاقدام فباى آلاء ربّكما تكذبان ونحو ذلك وقد ذكر من الآلاء ما هى مختصة بالانس دون الجن حيث قال وله الجوار المنشأت فى البحر كالاعلام فباى آلاء ربكما تكذبان فيحتمل ان يكون نعيم الجنة مختصة بالانس وخوطب الثقلين بها توبيخا على تكذيب الطائفتين مطلق الآلاء والصحيح عندى ما قاله الجمهور وبه قال ابو يوسف ومحمد رحمهما الله
تعالى قال من اثبت الثواب فقوله مبنى على دليل وشهادة على الإثبات فيقبل بخلاف قول ابى حنيفة فانه متوقف بناء على عدم بدليل ولا شك ان قول ابن عباس واقوال عمرو بن عبد العزيز ونحوه من ثقات الصحابة والتابعين لها حكم الرفع وقد اخرج البيهقي عن انس رض عن النبي صلى الله تعالى عليه واله وسلم مرفوعا ان مومنى الجن لهم ثواب وعليهم عقاب فسالنا عن ثوابهم وعن مومنهم فقال على الأعراف وليسوا فى الجنة فسألنا وما الأعراف قال خارج الجنة تجرى فيه الأنهار وتنبت فيه الأشجار والأثمار والله تعالى اعلم.
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا ان مفتوحة بإجماع القراء مخففة من المثقلة واسمها ضمير الشأن محذوف وجملة الشرطية خبرها والجملة معطوفة على انه استمع نفر من الجن والمعنى انه اوحى الى انه لو استقاموا اى الجن والانس عَلَى الطَّرِيقَةِ المرضية لله تعالى وهى دين الإسلام والفطرة التي فطر الناس عليها لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً اى كثيرا قال مقاتل نزلت هذه الاية بعد ما رفع عنهم المطر سبع سنين وقيل المراد من الماء الغدق الرزق الواسع على التجوز لان الماء سبب للرزق كما أريد من الرزق المطر فى قوله تعالى وما انزل الله من السماء من رزق فاحيا به الأرض والمعنى لاعطينهم مالا كثيرا وعيشا رغدا وهذه الاية فى المعنى قوله تعالى ولو انهم أقاموا التورية والإنجيل وما انزل إليهم من ربهم لاكلون من فوقهم ومن تحت أرجلهم
وقوله تعالى ولو ان اهل القرى أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السما.
لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ط متعلق باسقيناهم اى لنختبرهم كيف شكرهم وهذا التأويل قول سعيد بن المسيب وعطاء بن ابى رباح والضحاك وقتادة ومقاتل والحسن وقيل معناه ان لو استقاموا على طريقة الكفر لاعطيناهم مالا كثيرا لنفتنهم فيه عقوبة لهم واستدراجا حتى يفتنوا بها فتذهب بهم نحو قوله تعالى فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شىء وهذا قول الربيع بن انس وزيد بن اسلم والكلبي وابن كيسان وهذا القول ليس بسديد والا يلزم ان يكون الكفر موجبا لسعة الرزق وحسن المعيشة ويابى ذلك قوله تعالى ولو انهم أقاموا التورية والإنجيل الاية وقوله تعالى ولو ان اهل القرى أمنوا الاية وكذا قوله تعالى ولولا ان يكون الناس امة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان سقفا من فضة الاية فان كلمة لولا لامتناع الثاني لا لاجل امتناع الاول واما قوله تعالى فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم واقعة حال ماضى لا يدل على العموم والا يلزم التعارض فيما لا يحتمل النسخ وايضا وقائع اهل مكة حالة على صحة التأويل الاول دون الثاني فان أبا جهل وغيره من كفار مكة الذين لم يومنوا ابتلوا بالقحط سبع سنين حتى أكلوا الروث ثم قتلوا ببدر فى أقبح حال والذين أمنوا مع النبي صلى الله تعالى عليه واله وسلم واستقاموا على الطريق أعطاهم الله ملك كسرى وقيصر وغيرهما وايضا يدل على صحة التأويل الاول مقابلته بقوله تعالى وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ حيث حكم بلزوم العذاب بالاعراض عن الذكر وذلك يقتضى الحكم بضد ذلك اى بحسن العيش على هذا الاعراض وهو المراد بالاستقامة على الشريعة كما هو عادة الله سبحانه فى كتابه والله تعالى اعلم يَسْلُكْهُ قرأ اهل كوفة ويعقوب بالياء على الغيبة اى يدخله ربه وآخرون بالنون على التكلم عَذاباً صَعَداً شاقا يعلو المعذب ويغلبه معهد وصف به والمراد بالعذاب منها اما عذاب الدنيا او عذاب القبر او عذاب الاخرة وكذلك فى قوله تعالى ومن اعرض عن ذكرى فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى والظاهر ان المراد به هاهنا عذاب الدنيا بدليل المقابلة وكذلك من ضنك المعيشة هنالك لعطف قوله ونحشره كما ان المراد بالحياة الطيبة فى قوله تعالى من عمل صالحا من ذكر او أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حيوة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون روى عن ابن عباس رض انه قال كل مال قل او كثر فلم؟؟؟
فيه فلا خير فيه وهو الضنك فى المعيشة وان قوما اعرضوا عن الحق وكانوا أول سعة من الدنيا
مكثرين فكانت معيشتهم ضنكا وذلك انهم يرون ان الله ليس بمخلف عليهم فاشتدت عليهم معائشهم من سوء ظنهم بالله وقال سعيد بن جبير رض تسلبه القناعة حتى لا يشبع قلت وهذا الأمر ظاهر فان اهل الدنيا لما سلب منهم القناعة فهم دائمون فى جد واجتهاد لاجل اكتساب المال وحفظه خائفون على فواته متحاسدون متباغضون فيما بينهم لاجله غير امنين على أنفسهم لكثرة الأعداء والحساد ولا شك ان هذا عذاب صعد ومعيشة ضنك ولو يعلمون ما للصوفية من الحيوة الطيبة وطمانينة القلب بذكر الله وشرح الصدور ورفع الحاجة بالقليل والاستغناء عن الخلق والشفقة على خلق الله تعالى كلهم أجمعين والشكر والسرور فى الضراء رجاء لكفارة المعاصي وحسن الجزاء فضلا عن الرخاء والسراء ليتحاسدوهم على ذلك والله يؤتى من يشاء من الدنيا والاخرة.
وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ عطف على ان لو استقاموا على الوحى به قيل المراد بالمساجد المواضع التي بنيت للصلوة- فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً قال قتادة كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعتهم وكنائسهم أشركوا بالله فأمر الله تعالى المؤمنين ان يخلصو الله الدعوات إذا دخلوا المساجد وأراد به المساجد كلها وامر بتطهيرها فقال طهرا بيتي للطائفين الاية وامر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال جنبوا مساجدنا صبيانكم ومجانينكم وشركائكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم واقامة حدودكم وسل سيوفكم واتخذوا على ابوابها المطاهر وجمروها فى الجمع رواه ابن ماجة عن واصلة مرفوعا ونهى عن تناشد الاشعار فى المسجد وعن البيع والشراء فيه وان يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة فى المسجد رواه ابو داود والترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقال البزاق فى المسجد خطيئة وكفارتها دفنها متفق عليه عن انس رض قال عرضت على أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد رواه ابو داود والترمذي عنه وقال من سمع رجلا ينشد ضالة فى المسجد فيقول لا ردها الله عليك فان المساجد لم تبن لهذا رواه مسلم عن ابى هريرة رض وروى الترمذي والدارمي وزاد إذا رأيتم من يبيع او يبتاع فى المسجد فقولوا لا اربح الله تجارتك والله تعالى اعلم وقال الحسن أراد بها البقاع كلها لان الأرض جعلت كلها مسجدا لهذه الامة يعنى لا تدعوا مع الله أحدا فى شىء من البقاع واخرج ابن ابى حاتم من طريق ابى صالح عن ابن عباس رض قال قالت الجن أتأذن لنا فنشهد معك الصلاة فى مسجدك فانزل الله تعالى ان المساجد لله فلا تدعوا
مع الله أحدا واخرج ابن جرير عن جبير قال قالت الجن للنبى ﷺ كيف لنا ان ناتى المسجد ونحن ما دون عنك او كيف نشهد الصلاة ونحن ما دون عنك فنزلت وقيل المراد بالمسجد أعضاء السجود يعنى انها مخلوقة لله تعالى فلا تسجدوا عليها غيره عن ابن عباس قال قال رسول الله - ﷺ - أمرت ان اسجد على سبعة أعظم على الجبهة واليدين والركبتين وأطراف القدمين ولا يكفت الثياب ولا الشعر.
وَأَنَّهُ الضمير للشان قرأ نافع وابو بكر بكسر الهمزة على الاستيناف والباقون بالفتح عطفا على الموحى به لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ محمد ﷺ انما ذكر لفظ العبد دون الرسول او النبي او غير ذلك للتواضع فانه واقع موقع كلامه عن نفسه والاشعار بما هو المقتضى لقيامه وقال المجدد العبودية أقصى مراتب الكمال يَدْعُوهُ حال من عبد الله اى يعبده ويذكره كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ع قرأ هشام لبد بضم اللام والباقون بالكسر وهو جمع لبدة واصل اللبد الجماعات بعضها فوق بعض ومعناه على ما قال الحسن وقتادة وابن زيد انه لما قام عبد الله بالدعوة الى التوحيد كاد الجن والانس يكونوا مجتمعين لابطال امره يريدون ان يطفؤا نور الله بأفواههم ويابى الله الا ان يتم نوره وينصره على من عاداه ويحتمل ان يكون معناه انه لما قام عبد الله يدعوه ويقرأ القران بنخلة كان الجن يكون عليه لبدا متراكمين من ازدحامهم عليه شوقا لاستماع القرآن.
قُلْ كذا قرأ عاصم وحمزة وابو جعفر بصيغة الأمر موافقا لما بعده والباقون بصيغة الماضي اى قال عبد الله إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً فما لكم يجتمعون على ابطال امرى او المعنى قال عبد الله حين اشتاق الجن الى كلامه انما ادعوا ربى فادعوا أنتم ايضا كدعائى ولا تشركوا به أحدا وقال مقاتل قال كفار مكة للنبى ﷺ لقد جئت بامر عظيم فارجع عنه فنحن بخيرك فنزلت هذه الاية وما بعدها.
قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً يعنى ضرا ولا نفعا او غيا ولا رشدا عبر عن أحدهما باسم وعن الاخر باسم سببه او مسببه اشعارا بالمعنيين.
قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ملتجأ أميل اليه ان أرادني سوء وهذين الجملتين المستانفتين كانهما فى جواب ما أقول حين يقول الكفار الذين اجتمعون لابطال امرى انك لن كنت نبيا فاتنا بعذاب من عند الله او يقول الكفار ارجع عن دينك فنحن بخيرك ويحتمل ان يكون الجملة الاولى
فى جواب ما أقول فى وقت اشتياق الجن الى رويتى ولقائى فان ازدحامهم عليه دليل على زعمهم بان النبي ﷺ يملك لهم ضرا ورشدا او الجملة الثانية تأكيد لمضمون السابقة على عجز النبي ﷺ واخرج ابن جرير عن حضرمى انه ذكر له ان جنيا من الجن من اشرافهم إذا تبع قال انما يريد محمد ان نجيره وانا أجيره فانزل الله تعالى قل لن يجيرنى الاية.
إِلَّا بَلاغاً كائنا مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ عطف على بلغا والاستثناء اما من قوله لا املك فان التبليغ ارشاد وإنفاع وما بينهما اعتراض موكد لنفى الاستطاعة فلا يلزم الفصل بأجنبي يعنى لا املك لكم من رفع الضرر او إيصال الرشد الا التبليغ والرسالة فانى أملكه واما من قوله أحد او ملتحدا على سبيل التنازع واعمال الثاني يعنى لا يجيرنى من الله أحد من دونه ملتحدا الا التبليغ والرسالة فان التبليغ والرسالة فريضة على من الله تعالى يجيرنى من عذاب الله ويعذبنى الله ان لم افعل كذلك قال الحسن ومقاتل قيل المعنى لا املك لكم خيرا ولا شرا ولا رشدا ولكن بلاغا من الله ورسالة ثابت وقيل الا مركب من ان الشرطية ولا النافية وجزاء الشرط محذوف اكتفاء بما مضى يعنى ان لا أبلغكم بلاغا كائنا من الله ورسالاته لن يجيرنى من الله أحد وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فى الأمر بالتوحيد ولم يؤمن به فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً أفرد ضمير يعص الله وضمير له نظرا الى لفظة من وجمع ضمير خالدين نظرا الى معناه وجملة ومن يعص الله معطوفة على مقدر يعنى ملك لكم بلاغا من الله ورسالاته فمن يطع الله ورسوله فاولئك تحروا رشدا ومن يعص الله ورسوله الاية حتى إذا رأوا اى الكفار غاية لقوله تعالى يكونون عليه لبدا ان كان المراد به اجتماع الكفار لابطال امر النبي صلى الله عليه واله وسلم والا فهو غاية لمحذوف دل عليه الحال من استضعاف الكفار له وعصيانهم له كانه قيل لا يزالون يعصونه ويستضعفونه.
حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ اما العذاب فى الدنيا كوقعة بدر واما الساعة ساعة الموت فان من مات فقد قامت له القيامة المشتملة على جهنم والساعة أدهى وامر فَسَيَعْلَمُونَ حين حلوله بهم مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً أهم أم النبي صلى الله عليه واله وسلم جملة استفهامية قائمة مقام المفعولين لقوله تعالى فسيعلمون فقال بعض الكفار متى هذا الوعد فنزل.
قُلْ يا محمد إِنْ أَدْرِي لا أدرى أَقَرِيبٌ خبر مبتداء بعده او مبتداء من القسم الثاني
وما بعده فاعله ما تُوعَدُونَ من العذاب او الساعة أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي قرأ نافع وابن كثير وابو عمرو بفتح الياء والباقون بالسكون أَمَداً غاية وأجلا لتطول مدتها لا يعلمه الا الله والجملة الاستفهامية قائم مقام مفعولى ان أدرى.
عالِمُ الْغَيْبِ صفة ربى او خبر مبتداء محذوف اى هو عالم الغيب لا غيره فكانه تعليل لقوله لا أدرى والمراد بالغيب ما لم يوجد بعد كاخبار المعاد او العدم بعد الوجود كاخبار المبدأ والقصص الماضية التي انقطعت الرواية عنها واما ما غاب عن العباد من اسماء الله تعالى وصفاته التوقيفية التي لا يدل عليه البرهان واما ما قام عليه الدليل والبرهان كوجوده تعالى ووجوبه وتوحده وكونه متصفا بصفات الكمال منزها عن سمات النقص والزوال فليس من الغيب بل من الشهادة لشهود ما يدل عليه من العالم وكذا مسئلة حدوث العالم مثلا ليس من الغيب بل من الشهادة لمشاهدة قابلية التغير الدال على الحدوث وهذه الاقسام من الغيب لا يمكن العلم بها الا بتوفيق من الله تعالى ومن الغيب ما هو غيب بالنسبة الى بعض دون بعض كاحوال الجن واحوال بعض أشياء البعيدة غيب بالنسبة الى الانس دون الجن ومن ثم زعم الانس ان الجن يعلمون الغيب وهم لا يعلمون الا ما يشهدونه قال الله تعالى فى قصة سليمان عليه السلام فلما خر تبينت الجن ان لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب المهين وكاحوال السموات بالنسبة الى اهل الأرض دون اهل السماء واحوال المشرق بالنسبة الى اهل المغرب وهذا القسم من علم الغيب قد يحصل بالوحى والإلهام وقد يحصل برفع الحجب وجعلها مثل الحجب الزجاجة روى مسلم عن ابى هريرة رض انه صلى الله عليه وآله وسلم قال لقد رايتنى فى الحجر وقريش سالنى عن مسراى فسألتنى عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربا ما كربت مثله فرفعه الله الى النظر اليه ما يسألنى عن شىء الا انبأتهم وروى البيهقي عن ابى عمران عمر بعث جيشا وامر عليهم رجلا يدعى سارية فبينما عمر يخطب فجعل يصيح يا سارية الجبل وروى ابو داود عن عائشة قالت لما مات النجاشي كنا نتحدث انه لا يزال يرى على قبره نور وعند رفع الحجب لا يكون هذا من علم الغيب بل من علم الشهادة وان كان من قبيل المعجزة او الكرامة فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً من الخلق.
إِلَّا مَنِ ارْتَضى العائد الى الموصول محذوف فانه يطلع من ارتضاه أحيانا ليكون معجزة ويبشر المطيعين ومنذر العاملين مِنْ رَسُولٍ أعم من البشر والملائكة ويشتمل لفظة الرسول الأنبياء ايضا قال الله تعالى
أرسلهم الى الناس لتبليغ الاحكام وتخصيص لفظ الرسول بمن أرسله الله بشريعة جديدة وكتاب اصطلاح وقيل بل يشتمل الأولياء ايضا بعموم المجاز قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم العلماء ورثة الأنبياء رواه احمد والترمذي وابو داود وابن ماجة والدارمي فى حديث عن كثير بن قيس وابن البخاري عن انس وابن عدى عن على بلفظ العلماء مصابيح الأرض وخلفاء الأنبياء او ورثتى وورثة الأنبياء وابن عقيل عن انس بلفظ العلماء أمناء الرسل ما لم يخالطوا السلطان ويداخلوا الدنيا الحديث وقال اهل السنة والجماعة كرامات الأولياء معجزة لنبيهم قال الله تعالى وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه وقد بعث الله تعالى خاتم النبيين الى كافة فاعتبر اهل السنة اتباعه ﷺ من العلماء والأولياء لسانا له ﷺ حتى يستقيم الحصر واستغراق الاضافة فى لسان قومه فعلى تقدير شمول لفظ الرسول للاولياء لا يلزم نقص بحصول علم الغيب لهم على وجه الكرامة وعلى تقدير عدم شموله نقول المراد بالعلم العلم القطعي والعلم الحاصل للاولياء بالإلهام وغيره ظنى ليس بقطعى ومن ثم قالت الصوفية العلية انه لا بد من عرض العلوم الحاصلة للصوفية على الكتاب والسنة فان طابقت قبلت إذ المطابق للقطعى قطعى وان خالفت ردت قالوا كل حقيقة ردته الشرع فهو زندقة وان كانت الشريعة عنها ساكنة قبلت مع احتمال الخطاء فاندفع ما قال صاحب الكشاف بناء على اعتزاله ان فى هذه الاية ابطال الكرامات لان الذين يضاف إليهم الكرامات وان كانوا اولياء مرتضين فليسوا الرسل إلخ وكفى التكذيب اهل الهواء قوله تعالى وأوحينا الى أم موسى ان أرضعيه فاذا خفت عليه فألقيه فى اليم ولا تخافي ولا تحزنى انا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين- وقوله تعالى وإذا وحيت الى الحواريين ان أمنوا بي وبرسولى وقوله تعالى وناديها من تحتها ان لا تحزنى قد جعل ربك تحتك سريا وهزى إليك بجزع النخلة تساقط عليك رطبا جنيّا فكلى واشربى وقرى عينا فاما ترين من البشر أحدا فقولى انى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيّا- فان أم موسى وأم عيسى والحواريين لم يكونوا أنبياء واعلم ان ما ذكرت لك ان العلم الحاصل للاولياء ظنى- المراد به العلم الحاصل علما حصوليا وذلك قد يكون بالإلهام بتوسط الملك وبغير توسطه وقد يكون بكشف الحجب كما ذكرنا فى حديث عمر يا سارية الجبل ومن هذا القبيل ما قيل انه قد ينكشف على بعض الأولياء فى بعض الأحيان اللوح المحفوظ
فينظرون فيه القضاء المبرم والمعلق وقد يكون بمطالعة عالم المثال فى المنام او المعاملة عن انس رض قال قال رسول الله ﷺ الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة متفق عليه وعن ابى هريرة رض قال قال رسول الله ﷺ لم يبق من النبوة الا المبشرات قالوا وما المبشرات قال الرؤيا الصالحة رواه البخاري وهذه الأنواع من العلم قد يقع فيه الخطاء بغير الأنبياء لوقوع الغلط وتخليط الشيطان فى الإلهام فان فى قلب بنى آدم بيتان فى أحدهما الملك وفى الاخر الشيطان فاحيانا يلتبس لمعة الملك بلمعة الشيطان وقوع تخليط الوهم وتلبيس الشيطان فى الكشف وروية عالم المثال عن ابى قتادة قال قال رسول الله ﷺ الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان متفق عليه وقال محمد بن سيرين قال الرؤيا ثلث حديث النفس وتخويف الشيطان وبشرى من الله متفق عليه ووقوع الغلط فى تأويل الرؤيا لكن وقوع الخطايا فى علوم الأولياء نادر لتشبههم بالأنبياء فالانبياء معصومون والأولياء محفوظون غالبا واما العلم الحاصل للاولياء علما حضوريا بل فوق الحضوري وهو العلم المتعلق بذات الله تعالى وصفاته المسمى بالعلم اللدني فهو لا يحتمل الخطاء وهو قطع وجداني بل فوق القطعي لان علم المرأ بنفسه علم حضورى وجداني فانه بحضور نفس المعلوم عند العالم من غير حصول صورة فيه وعلم الصوفي بالله فوق هذا العلم لان الله تعالى اقرب من
نفسه بنفسه قال الله تعالى نحن اقرب اليه منكم ولكن لا تبصرون ايها العوام ويبصره من أبصره الله تعالى وهذا العلم اللدني يحصل للاولياء بتوسط الرسول ﷺ ولو بوسائط فان قيل نحن اقرب إليكم منكم خطاب لسائر الناس ويلزم منه ان يكون لسائر الناس علما بالله تعالى حضور يا فوق علمه بنفسه قلنا نعم لكن العلم تابع للحيوة لا يتصور بدونها وقد ذكر فى تفسير سورة الملك ان الحيوة على اربعة اقسام منها ما يستتبع المعرفة وتلك الحيوة بالتجليات الذاتية والصفاتية ولاجل حصول هذه الحيوة الاكتساب والتصوف فان قيل لو كان هذا العلم الثاني قطعيا لما اخطأه فيه ولما تعارض أقوالهم وقد يخطئون كما يدل عليه تعارض أقوالهم المقتضى خطاء أحد المتنافيين فانه يقول بعضهم بالتوحيد الوجودي وبعضهم بالتوحيد الشهودى ونحو ذلك قلت هذا الخطاء انما يقع فى علم العلم الذي من قبيل العلم الحصولى دون نفسه وقد يقع فى بيانه وتصويره حيث لم يوضع لهذه المعاني ألفاظ فى اللغات قال الشاعر بالفارسي
گفتگوى كفر ودين آخر بكجا ميكشد خواب يك خوابست باشد مختلف تعبيرها
المراد بالكفر فى
هذا الشعر كفر الطريقة المسمى بالتوحيد الوجودي وبالدين الشريعة وفذلكة الكلام فى هذا المقام ان بين الخالق والخلق نسبة ليست بين اى الشيئين فرضتا من الأشياء إذ لا خالق الا هو فلا يمكن ان يشتبه تلك النسبة بما عداها من النسب لا يقال ليس نسبة الخالق مع المخلوق كنسبة النقش مع النقاش او نسبة القدح مع النجار لانه ليس كذلك فان القدح مادته الخشب والنقش مادته اللون ونحو ذلك مخلوقة لله تعالى والصورة الخاصة بعد فعل النجار ايضا مخلوقة لله تعالى وفعل النجار ايضا مخلوق لله تعالى على رغم انف المعتزلة والنجار انما هو كاسب لبعض من المعاملات فما لكم لا تعقلون ولما كانت النسب التي تدرك فى العقل بين اى الشيئين الموجودين فى الخارج او الذهن من العينيّة والغيرية والظلية وغيرها مسلوبة من تلك النسبة وهى وراء النسب ولم يوضع لها لفظ يدل عليها فقد يعبر عنها بانه تعالى ليس عين خلقه فيوهم انه غيره او ان الخلق ظله وقد يعبر بانه تعالى ليس غير الخلق وليس هناك نسبة الظلية فيوهم انه عين الأشياء ثم قد يطلق بالمجاز باعتبار الملازمة بين العينية وسلب الغيرية فى الأذهان بانه تعالى عين الأشياء كلها كذا قد يقال بانه غيرها وقد يقال انها ظله وليس ذلك الاختلاف والتعارض الا فى مراتب العلم الحضوري فى تعبيراتهم لضيق العبارات واحسن التعبيرات فى هذا المقام قوله تعالى ليس كمثله شىء وهو السميع البصير والمقصود من التصورات هو هذا العلم اللدني دون العلوم الحاصلة فى الظنون فانه لا اعتداد بها وان الظن لا يغنى من الحق شيئا والله تعرا علم فان قيل سلمنا ان علوم الأولياء داخلة فى المستثنى او خارجه من المستثنى منه لكونها ظنية فما قولكم فى علوم الكهنة والمنجمين وعلم الأطباء بالامراض وبما فيه شفاء المريض وبخواص النباتات ونحوها فان الاخبار والتجربة تشهد على صدق بعض اخبارهم روى البخاري عن ابى الناطور حديث صاحب ايليا وقد اسلم يحدث ان هرقل حين قدم ايليا أصبح يوما خبيث النفس فقال بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك قال ابن الناظور وكان هرقل ينظر فى النجوم فقال لهم حين سألوه انى رأيت الليلة حين نظرت فى النجوم ملك الختان قد ظهر الحديث. ثم كتب هرقل الى صاحب له برويته وكان نظيره فى العلم فاتاه كتاب من صاحبه يوافق راى هرقل على خروج النبي ﷺ وانه بنى وقد صح ان الكهنة والمنجمون اخبروه الخروج بموسى لفرعون وبزوال ملكه على يد غلام من بنى إسرائيل حتى كان فرعون يذبح أبنائهم ويستحى نساءهم قلنا اما علم الكهنة فما كان منها مطابقا
للواقع فذالك ما استراق السمع من الملائكة والملائكة رسل الله لكن الكهنة والشياطين يختلطون فيه أكاذيب ولذلك نهى الشرع عن تصديقهم ثم قد منع الجن بعد مبعث النبي ﷺ عن الاستراق اما مطلقا او غالبا فبطل الكهانة عن عائشة رض قالت سئل رسول الله ﷺ عن الكهان وقيل انهم يحدثون أحيانا بالشيء يكون حقا فقال رسول الله ﷺ تلك الكلمة من الحق يخطفها
الجنى فنقرها فى اذن وليه قرأ الدجاجة فيخلطون فيه اكثر من مائة كذبة متفق عليه واما علم الطب والنجوم فمبناهما اما التجارب وذلك من علم الشهادة دون الغيب والا ظهران ذينك العلمين اعنى العلم بخواص الادوية والطبائع وكذا بخواص النجوم من السعادة والنحوسة وغيرها مقتبسان من علوم الأنبياء فبقى العلمان فى الكتب ونسبحت عناكب النسيان على سلاسل الرواة واكتفوا بشهادة التجارب فى معرفتها قال الله تعالى فى قصة ابراهيم عليه السلام فنظر نظرة فى النجوم فقال انى سقيم اى ساسقم وذكر البغوي فى تفسير سورة سبأ ان سليمان عليه السلام ما يأتي عليه يوم الا تثبت فى محراب بيت المقدس شجرة فيسالها ما اسمك فيقول اسمى كذا فيقول لاى شى أنت فيقول لكذا وكذا فامر بها فينقطع فان كانت بنت الغرس غرس لها وان كانت الدواء كتب حتى تنبت الخروبة فقال لها ما أنت قالت الخروبة قال لاى شىء أنبتت قالت لخراب مسجدك كذا ذكر الامام حجة الإسلام محمد الغزالي رحمة الله تعالى فى رسالة المنقذ من الضلال ثم ان علم الطب والنجوم ليسا بوجهان للقطع فان التاثيرات المودعة فى الادوية والكواكب امر عادى جرت العادة الالهية على خلق تلك الآثار بعد استعمال تلك الادوية وبعد طلوع تلك النجوم ويتخلف تلك الآثار عنها كثيرا ان شاء الله ومن هاهنا يعلم ان من استدل بالنجوم على شىء وزعم ان الله تعالى يفعل كذلك بعد طلوع ذلك النجم جريا على عادته فلا يكفر كمن زعم ان الله تعالى يخلق الشفاء بعد شرب الدواء ويخلق الموت بعد شرب السم واما من زعم ان حدوث ذلك الشيء بذلك النجم فيكفر كما زعم ان الدواء علة تامة على الشفاء عن زيد بن خالد الجهني قال صلى لنا رسول الله ﷺ صلوة الصبح بالحديبية على اثر سماء كانت من الليل فلما انصرف اقبل على الناس فقال هل تدرون ماذا قال ربكم قالوا الله ورسوله اعلم قال قد أصبح قوم من عبادى مؤمن بي وكافر فاما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مومن بي والكافر بالكواكب واما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكواكب متفق عليه فهذا الحديث انما يدل
على كفر الثاني دون الاول غير ان الاشتغال بالنجوم مطلقا مكروه لكونه مما لا يعنيه قال رسول الله ﷺ من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد وما زاد رواه احمد وابو داود وابن ماجة عن ابن عباس رض وكذلك علم النقاط والخطوط الذين يسمونها إملاء فهو ايضا مقتبس من الأنبياء ويفيد ظنا لا قطعا واما الطيرة فليس بشئ عن معوية بن الحكم قال قلت يا رسول الله امور كنا نصنعه فى الجاهلية كنا ناتى الكهان قال فلا تأتوا الكهان قال قلت كنا نتطير قال ذلك شىء يجده أحدكم فى نفسه فلا يصدنكم قال قلت ومنا يخطون قال كان نبى من الأنبياء يخط فمن كان وافق خطه فذاك رواه مسلم وكذلك علم السحر منزل من السماء لكنه كفر قال الله تعالى وما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا انما نحن فتنة فلا تكفر وقدر فى سورة البقرة فان قيل قد يظهر علم الغيب على اهل الجوع والرياضة من الكفار استدراجا قلنا منشأ ذلك العلم الكشف او مطالعة عالم المثال والكشف ومطالعة عالم المثال يكون إذا تجلى للصوفى مشاعرة الظاهرة والباطنة اما باتباع الشريعة ونور السنة ويسمى بفراسة المؤمن واما بالجوع والرياضة ومخالفة النفس فحينئذ تنكشف الحجب عن بعض المغيبات فى بعض الأحيان او عن الصور المثالية فيرى ذلك عيانا فهو من العلم بالشهادة وليس من الغيب فى شىء على انه لما كان العلم الحاصل لاولياء الله تعالى بالكشف والمثال كشفا ظنيا محتملا للخطاء فكيف العلوم الحاصلة للكفار فانهم تلامذة للشياطين يوحى بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه ولكن الله يفعل ما يريد ومما يدل على ان المراد بظهور الغيب فى تلك الاية هو العلم القطعي الذي لا يكون للشيطان اليه سبيل قوله تعالى فَإِنَّهُ الفاء للسببية لان الله تعالى يَسْلُكُ اى يجعل مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ اى الرسول وَمِنْ خَلْفِهِ ذكر بعض الجهات وأراد جميعها رَصَداً جمع راصد اى حفظة من الملائكة يحفظونه من الشيطان
ان يسترق السمع او يخلطوا فى الوحى بما ليس منه قال مقاتل وغيره كان إذا بعث الله رسولا أتاه إبليس فى صورة ملك يخبره فبعث الله من بين يديه ومن خلفه رصدا من الملائكة يحرسونه ويطرد والشياطين فاذا جاء الشيطان فى صورة ملك اخبروه بانه شيطان فاحذره وإذا حاء ملك قال له هذا رسول ربك ونظيره هذه الاية قوله تعالى لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه.
لِيَعْلَمَ الله اى ليتعلق علمه به موجودا نظيره قوله تعالى ليعلم الله من
يخافه ورسله بالغيب متعلق بقوله تعالى يسلك علة للحفظ من الشياطين أَنْ مخففة من المثقلة اسمها ضمير الشان محذوف قَدْ أَبْلَغُوا اى الرسل رِسالاتِ رَبِّهِمْ كما هى والمعنى ليوجد من الرسل تبليغ رسالات ربهم بلا تغيير وتخليط وقيل ضمير ليعلم عائد الى الرسول اى ليعلم الرسول قطعا ولا شك انه قد ابلغ هو وإخوانه من الرسل رسالت ربهم ولم يقع فيه تغيير وتخليط من الشيطان او ليعلم الرسول انه قد ابلغ الملائكة رسالات ربهم ولم يتطرق فيه شيطان وقرأ يعقوب ليعلم بضم الياء على البناء للمجهول اى ليعلم الناس قطعا ان الرسل قد بلغوا وَأَحاطَ الله بِما لَدَيْهِمْ اى ما علم الله عند الرسل لا يخفى عليه شىء وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ع عدد مثاقيل الجبال وميكائيل البحار وعدد قطرات الأمطار وعدد ورق الأشجار وعدد ما اظلم عليه الليل وأشرق عليها النهار ونصب عدد أعلى الحال او على المصدر اى عدّد عددا او التميز اى احصى عدد كل شىء- والله اعلم.
السورة التالية
Icon