0:00
0:00

سورة الجن
وتسمى قل أوحي إلي وهي مكية بالاتفاق وآيها بلا خلاف ثمان وعشرون آية ووجه اتصالها قال الجلال السيوطي فكرت فيه مدة فلم يظهر لي سوى أنه سبحانه قال في سورة نوح استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا وقال عز وجل في هذه السورة لكفار مكة وإن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا وهذا بين في الارتباط انتهى وفي قوله لكفار مكة شيء ستعلمه إن شاء الله تعالى ويجوز أن يضم إلى ذلك اشتمال هذه السورة على شيء مما يتعلق بالسماء كالسورة السابقة وذكر العذاب لمن يعصى الله عز وجل في قوله سبحانه ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا فإنه يناسب قوله تعالى أغرقوا فأدخلوا نارا على وجه وقال أبو حيان في ذلك أنه تعالى لما حكى تمادى قوم نوح في الكفر والعكوف على عبادة الأصنام وكان أول رسول إلى أهل الأرض كما أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم آخر رسول إلى أهل الأرض والعرب الذين هو منهم صلى الله تعالى عليه وسلم كانوا عباد أصنام كقوم نوح حتى أنهم عبدوا أصناما مثل أصنام أولئك في الأسماء أي أو عينها وكان ما جاء به عليه الصلاة والسلام هاديا إلى الرشد وقد سمعته العرب وتوقف عن الإيمان به أكثرهم أنزل الله تعالى سورة الجن وجعلها أثر سورة نوح تبكيتا لقريش والعرب في كونهم تباطؤا عن الإيمان وكانت الجن خيرا منهم إذ أقبل للإيمان من أقبل منهم وهم من غير جنس الرسول عليه الصلاة والسلام حتى كادوا يكونون عليه لبدا ومع ذلك التباطيء فهم مكذبون له ولما جاء به حسدا وبغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده

بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ قُلْ أُوحِىَ إلي ﴾ وقرأ ابن أبي عبلة والعتكي عن أبي عمرو وجؤبة بن عائذ الأسدي وحي بلا همزة وهو بمعنى أوحي بالهمز ومنه قول العجاج
ا القرار فاستقرت ***
وقرأ زيد بن علي وجؤبة فيما روى عنه الكسائي وابن أبي عبلة في رواية أحي بإبدال واو وحي همزة كما قالوا في وعد أعد قال الزمخشري وهو من القلب المطلق جوازه في كل واو مضمومة وقد أطلقه المازني في المكسورة أيضاً كأشاح وإعاء وإسادة وهذا أحد قولين للمازني والقول الآخر قصر ذلك على السماع وما ذكره من إطلاق الجواز في المضمومة تعقب بأن المضمومة قد تكون أولاً وحشوا وآخراً ولكل منها أحكام وفي بعضها خلاف وتفصيل مذكور في كتب النحو فليراجع وزاد بعض الأجلة قلب الواو المضموم ما قبلها فقال إنه أيضاً مقيس مطرد وأنه قد يرد ذلك في المفتوحة كأحد وعلى جميع القراآت الجار متعلق بما عنده ونائب الفاعل ﴿ أَنَّهُ ﴾ الخ على أنه في تأويل المصدر والضمير للشأن ﴿ استمع ﴾ أي القرآن كما ذكر في الاحقاق وقد حذف لدلالة ما بعده عليه ﴿ نَفَرٌ مّنَ الجن ﴾ النفر في المشهور ما بين الثلاثة والعشرة وقال الحريري في درته أن النفر إنما يقع على الثلاثة من الرجال إلى العشرة وقد وهم في ذلك فقد يطلق على ما فوق العشرة في الفصيح وقد ذكره غير واحد من أهل اللغة وفي كلام الشعبي حدثني بضعة عشر نفراً ولا يختص بالرجال بل ولا بالناس لإطلاقه على الجن هنا وفي المجمل الرهط والنفر يستعمل إلى الأربعين والفرق بينهما أن الرهط يرجعون إلى أب واحد بخلاف النفر وقد يطلق على القوم ومنه قوله تعالى وأعز نفراً وقول امرىء القيس
:فهو لا تنمى رميته *** ماله لا عد من نفره
وقال الإمام الكرماني للنفر معنى آخر في العرف وهو الرجل وأراد بالعرف عرف اللغة لأنه فسر به الحديث الصحيح فليحفظ والجن واحده جنى كروم ورومي وهم أجسام عاقلة تغلب عليها النارية كما يشهد له قوله تعالى : ﴿ وخلق الجان من مارج من نار ﴾ [ الرحمن :١٥ ] وقيل الهوائية قابلة جميعها أو صنف منها للتشكل بالأشكال المختلفة من شأنها الخفاء وقد ترى بصور غير صورها الأصلية بل وبصورها الأصلية التي خلقت عليها كالملائكة عليهم السلام وهذا للأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ومن شاء الله تعالى من خواص عباده عز وجل ولها قوة على الأعمال الشاقة ولا مانع عقلاً من أن تكون بعض الأجسام اللطيفة النارية مخالفة لسائر أنواع الجسم اللطيف في الماهية ولها قبول لإفاضة الحياة والقدرة على أفعال عجيبة مثلاً وقد قال أهل الحكمة الجديدة بأجسام لطيفة أثبتوا لها من الخواص ما يبهر العقول فلتكن أجسام الجن على ذلك النحو من الأجسام وعالم الطبيعة أوسع من أن تحيط بحصر ما أودع فيه الأفهام وأكثر الفلاسفة على إنكار الجن وفي رسالة الحدود لابن سينا الجني حيوان هوائي متشكل بأشكال مختلفة وهذا شرح الاسم وظاهره نفي أن يكون لهذه الحقيقة وجود في الخارج ونفي ذلك كفر صريح كما لا يخفي واعترف جمع عظيم من قدماء الفلاسفة وأصحاب الروحانيات بوجودهم ويسمونهم بالأرواح السفلية والمشهور أنهم زعموا أنها جواهر قائمة بأنفسها ليست أجساماً ولا جسمانية وهي أنواع مختلفة بالماهية كاختلاف ماهيات الأعراض فبعضها خيرة وبعضها شريرة ولا يعرف عدد أنواعها وأصنافها إلا الله عز وجل ولا يبعد على هذا أن يكون في أنواعها ما يقدر على أفعال شاقة عظيمة يعجز عنها البشر بل لا يبعد أيضاً على ما قيل أن يكون لكل نوع مها تعلق بنوع مخصوص من أجسام هذا العالم ومن الناس من زعم أن الأرواح البشرية والنفوس الناطقة إذا فارقت أبدانها ازدادت قوة وكمالاً بسبب ما في ذلك العالم الروحاني من انكشاف الأسرار الروحانية فإذا اتفق حدوث بدن آخر مشابه لما كان لتلك النفس المفارقة من البدن تعلقت تلك النفس به تعلقاً ما وتصير كالمعاونة لنفس ذلك البدن في أفعالها وتدبيرها لذلك البدن فإن اتفقت هذه الحالة في النفوس الخيرة سمي ذلك المعين ملكاً وتلك الإعانة إلهاماً وإن اتفقت في النفوس الشريرة سمي ذلك المعين شيطاناً وتلك الإعانة وسوسة والكل مختلف لأقوال السلف وظاهر الآيات والأحاديث وجمهور أرباب الملل معترفون بوجودهم كالمسلمين وإن اختلفوا في حقيقتهم وتمام الكلام في هذا المقام يطلق من آكام المرجان وفي «التفسير الكبير » طرف مما يتعلق بذلك فارجع إليه إن أردته واختلف في عدد المستمعين فقيل سبعة فعن زر ثلاث من أهل حران وأربعة من أهل نصيبين قرية باليمن غير القرية التي بالعراق وعن عكرمة أنهم كانوا إثني عشر ألفاً من جزيرة الموصل وأين سبعة أو تسعة من اثني عشر ألفاً ولعل النفر عليه القوم وفي «الكشاف » كانوا من الشيصبان وهم أكثر الجن عدداً وعامة جنود إبليس منهم والآية ظاهرة في أنه صلى الله عليه وسلم علم استماعهم له بالوحي لا بالمشاهدة وقد وقع في الأحاديث أنه عليه الصلاة والسلام رآهم وجمع ذلك بتعدد القصة قال في آكام المرجان ما محصله في الصحيحين في حديث ابن عباس ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم وإنما انطلق بطائفة من الصحابة لسوق عكاظ وقد حيل بين الجن والسماء بالشهب فقالوا ما ذاك إلا لشيء حدث فأضربوا مشارق الأرض ومغاربها فمر من ذهب لتهامة منهم به عليه الصلاة والسلام وهو يصلي الفجر بأصحابه بنخلة فلما استمعوا له قالوا هذا الذي حال بيننا وبين السماء ورجعوا إلى قومهم وقالوا ﴿ يا قومنا ﴾ [ الأحقاف :٣٠ ] الخ فأنزل الله تعالى عليه قل أوحي الخ ثم قال ونفي ابن عباس إنما هو في هذه القصة واستماعهم تلاوته صلى الله عليه وسلم في الفجر في هذه القصة لا مطلقاً ويدل عليه قوله تعالى ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن ﴾ [ الأحقاف :٢٩ ] الخ فإنها تدل على أنه عليه الصلاة والسلام كلمهم ودعاهم وجعلهم رسلاً لمن عداهم كما قاله البيهقي وروى أبو داود عن علقمة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" أتاني داعي الجن فذهبت معه وقرأت عليهم القرآن قال وانطلق بنا وأرانا آثارهم وآثار نيرانهم " الخ وقد دلت الأحاديث على أن وفادة الجن كانت ست مرات وقال ابن تيمية أن ابن عباس علم ما دل عليه القرآن ولم يعلم ما علمه ابن مسعود وأبو هريرة من إتيان الجن له صلى الله عليه وسلم ومكالمتهم إياه عليه الصلاة والسلام وقصة الجن كانت قبل الهجرة بثلاث سنين وقال الواقدي كانت سنة إحدى عشرة من النبوة وابن عباس ناهز الحلم في حجة الوداع فقد علمت أن قصة الجن وقعت ست مرات وفي «شرح البيهقي » من طرق شتى عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العشاء ثم انصرف فأخذ بيدي حتى أتينا مكان كذا فأجلسني وخط على خطا ثم قال لا تبرحن خطك فبينما أنا جالس إذ أتاني رجال منهم كأنهم الزط فذكر حديثاً طويلاً وأنه صلى الله عليه وسلم ما جاءه إلى السحر قال وجعلت أسمع الأصوات ثم جاء عليه الصلاة والسلام فقلت أين كنت يا رسول الله فقال أرسلت إلى الجن فقلت ما هذه الأصوات التي سمعت قال هي أصواتهم حين ودعوني وسلموا علي وقد يجمع الاختلاف في القلة والكثرة بأن ذلك لتعدد القصة أيضاً والله تعالى أعلم واختلف فيما استمعوه فقال عكرمة ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ [ العلق :١ ] وقيل سورة الرحمن ﴿ فَقَالُواْ ﴾ أي لقومهم عند رجوعهم إليهم ﴿ قُلْ أُوحِىَ إلي ﴾ أي كتاباً مقروءاً على ما فسره به بعض الأجلة وفسر بذلك للإشارة إلى أن ما ذكروه في وصفه مما يأتي وصف له كله دون المقروء منه فقط والمراد أنه من الكتب السماوية والتنوين للتفخيم أي قرآناً جليل الشأن ﴿ عَجَبًا ﴾ بديعاً مبايناً لكلام الناس في حسن النظم ودقة المعنى وهو مصدر وصف به للمبالغة.
﴿ يَهْدِى إلى الرشد ﴾ إلى الحق والصواب وقيل إلى التوحيد والإيمان وقرأ عيسى ﴿ الرشد ﴾ بضمتين وعنه أيضاً فتحهما ﴿ يَهْدِى إلى ﴾ أي بذلك القرآن من غي ريث ﴿ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبّنَا أَحَداً ﴾ حسبما نطق به ما فيه من دلائل التوحيد أو حسبما نطق به الدلائل العقلية على التوحيد ولم تعطف هذه الجملة بالفاء قال الخفاجي لأن نفيهم للإشراك أما لما قام عندهم من الدليل العقلي فحينئذ لا يترتب على الإيمان بالقرآن وإما لما سمعوه من القرآن فحينئذ يكفي في ترتبها عليه عطف الأول بالفاء خصوصاً والباء في به تحتمل السببية فيعم الإيمان به الإيمان بما فيه فإنك إذا قلت ضربته فتأدب وانقاد لي فهم ترتب الانقياد على الضرب ولو قلت فانقاد لم يترتب على الأول بل على ما قبله وقيل عطفت بالواو ولتفويض الترتب إلى ذهن السامع وقد يقال أن مجموع فآمنا به ولن نشرك مسبب عن مجموع ﴿ إنا سمعنا ﴾ [ الجن :١ ] الخ فكونه قرآناً معجز يوجب الإيمان به وكونه يهدي إلى الرشد ويوجب قلع الشرك من أصله والأول أولى وجوز أن يكون ضمير به لله عز وجل لأن قوله سبحانه بربنا يفسره فلا تغفل.
﴿ وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبّنَا ﴾ اختلفوا قراءة في أن هذه وما بعدها إلى ﴿ وأنا منا المسلمون ﴾ [ الجن :١٤ ] وتلك اثنتا عشرة فقرأها ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف وحفص بفتح الهمزة فيهن ووافقهم أبو جعفر في ثلاث ما هنا ﴿ وأنه كان يقول ﴾ [ الجن :٤ ] ﴿ وأنه كان رجال ﴾ [ الجن :٦ ] وقرأ الباقون بكسرها في الجميع واتفقوا على الفتح في ﴿ أنه استمع ﴾ [ الجن :١ ] ﴿ وأن المساجد ﴾ [ الجن :١٨ ] لأن ذلك لا يصح أن يكون من قول الجن بل هو مما أوحى بخلاف الباقي فإنه يصح أن يكون من قولهم ومما أوحي واختلفوا في ﴿ أنه لما قام ﴾ [ الجن :١٩ ] فقرأ نافع وأبو بكر بكسر الهمزة والباقون بفتحها كذا فصله بعض الأجلة وهو المعول عليه ووجه الكسر في أن هذه وما بعدها إلى ﴿ وإنا منا المسلمون ﴾ [ الجن :١٤ ] ظاهر كالكسر في أنا سمعنا قرآناً لظهور عطف الجمل على المحكي بعد القول ووضوح اندراجها تحته وأما وجه الفتح ففيه خفاء ولذا اختلف فيه فقال الفراء والزجاج والزمخشري هو العطف على محل الجار والمجرور وفي ﴿ آمنا به ﴾ [ الجن :٢ ] كأنه قيل صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا وأنه كان يقول سفيهنا وكذلك البواقي ويكفي في إظهاره المحل إظهار مع المرادف وليس من العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار الممنوع عند البصريين في شيء وإن قيل به هنا بناء على مذهب الكوفيين المجوزين له ولو قيل أنه بتقدير الجار لاطراد حذفه قبل أن وإن لكان سديداً كما في الكشف وضعف مكي العطف على ما في حيز آمنا فقال فيه بعد في المعنى لأنهم لم يخبروا أنهم آمنوا بأنهم لما سمعوا الهدى آمنوا به ولا أنهم آمنوا بأنه كان رجال إنما حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا ذلك مخبرين عن أنفسهم لأصحابهم وأجيب عن الذاهبين إليه بأن الإيمان والتصديق يحسن في بعض تلك المعطوفات بلا شبهة فيمضي في البواقي ويحمل على المعنى على حد قوله
:وزججن الحواجب والعيونا *** فيخرج على ما خرج عليه أمثاله فيؤول صدقنا بما يشمل الجميع أو يقدر مع كل ما يناسبه وقال أبو حاتم هو العطف على نائب فاعل أوحي أعني أنه استمع كما في أن المساجد على أن الموحي عين عبارة الجن بطريق الحكاية كأنه قيل قل أوحي إلى كيت وكيت وهذه العبارات وتعقب بأن حكاية عباراتهم تقتضي أن تكون أن في كلامهم مفتوحة الهمزة ولا يظهر ذلك ألا أن يكون في كلامهم ما يقتضي الفتح كاسمعوا أو اعلموا أو نخبركم لكنه أسقط وقت الحكاية ولا يظهر لإسقاطه وجه وعلى تقدير الظهور فالفتح ليس لأجل العطف فإن النائب عن الفاعل عليه مجموع كل جملة على إرادة اللفظ دون المنسبك من أن وما بعدها وإلا لما صح أن يقال الموحى كيت وكيت وهذه العبارات فإن كانت أن في كلامهم مكسورة الهمزة وصحت دعوى أن الحكاية اقتضت فتحها مع صحة إرادة هذه العبارات معه فذاك وإلا فالأمر كما ترى فافهم وتأمل والجد العظمة والجلال يقال جد في عيني أي عظم وجل أي وصدقنا أن الشأن ارتفع عظمة وجلال ربنا أي عظمت عظمته عز وجل وفيه من المبالغة ما لا يخفي وقال أبو عبيدة والأخفش الملك والسلطان وقيل الغني وهو مروي عن أنس والحسن في الآية والأول مروي عن الجمهور والجد على جميع هذه الأوجه مستعار من الجد الذي هو البخت وقوله عز وجل : ﴿ مَا اتخذ صاحبة وَلاَ وَلَداً ﴾ عليها تفسير للجملة وبيان لحكمها ولذا لم يعطف عليها فالمراد وصفه عز وجل بالتعالي عن الصاحبة والولد لعظمته أو لسلطانه أو لغناه سبحانه وتعالى وكأنهم سمعوا من القرآن ما نبههم على خطأ ما اعتقده كفرة الجن من تشبيهه سبحانه بخلقه في اتخاذ الصاحبة والولد فاستعظموه ونزهوه تعالى عنه.
وقرأ حميد بن قيس جد بضم الجيم قال في «البحر » ومعناه العظيم حكاه سيبويه وإضافته إلى ربنا من إضافة الصفة إلى الموصوف والمعنى تعالى ربنا العظيم وقرأ عكرمة جد منونا مرفوعاً ربنا بالرفع وخرج على أن الجد بمعنى العظيم أيضاً وربنا خبر مبتدأ محذوف أي هو ربنا أو بدل من جد وقرأ أيضاً جداً منوناً منصوباً على أنه تمييز محول عن الفاعل وقرأ هو أيضاً وقتادة جداً بكسر الجيم والتنوين والنصب ربنا بالرفع قال ابن عطية نصب جداً على الحال والمعنى تعالى ربنا حقيقة ومتمكناً وقال غيره هو صفة لمصدر محذوف أي تعالياً جداً وقرأ ابن السميفع جداً ربنا أي جدواه ونفعه سبحانه وكان المراد بذلك الغنى فلا تغفل.
﴿ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا ﴾ هو إبليس عند الجمهور وقيل مردة الجن والإضافة للجنس والمراد سفهاؤنا ﴿ عَلَى الله شَطَطاً ﴾ أي قولاً ذا شطط أي بعد عن القصد ومجاوزة الحد أو هو في نفسه شطط لفرط بعده عن الحسن وهو نسبة الصاحبة والولد إليه عز وجل وتعلق الإيمان والتصديق بهذا القول بناء على ما يقتضيه العطف على ما في حيز ﴿ فآمنا ﴾ [ الجن :٢ ] ليس باعتبار نفسه فإنهم كانوا عالمين بقول سفيههم من قبل بل باعتبار كونه شططاً كأنه قيل وصدقنا إن ما كان يقول سفيهنا في حقه سبحانه كان شططاً.
﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الإنس والجن عَلَى الله كَذِباً ﴾ اعتذار منهم عن تقليدهم لسفيههم أي كنا نظن أن لن يكذب على الله تعالى أحد فينسب إليه سبحانه الصاحبة والولد ولذلك اعتقدنا صحة قول السفيه ولعل الإيمان متعلق بما يشعر به كلامهم هذا وينساق إليه من خطئهم في ظنهم كأنه قيل وصدقنا بخطئنا في ظننا الذي لأجله اعتقدنا ما اعتقدنا وكذبا مصدر مؤكد لتقول لأنه نوع من القول كما في قعدت القرفصاء أو وصف لمصدر محذوف أي قولاً كذباً أي مكذوباً فيه لأنه لا يتصور صدور الكذب منه وإن اشتهر توصيفه به كالقائل وجوز أن يكون من الوصف بالمصدر مبالغة وهي راجعة للنفي دون المنفي وقرأ الحسن والجحدري وعبد الرحمن بن أبي بكرة ويعقوب وابن مقسم تقول مضارع تقول وأصله تتقول بتاءين فحذفت أحدهما فكذبا مصدر مؤكد لأن الكذب هو التقول.
﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ الجن ﴾ كان الرجل من العرب إذا أمسى في واد قفر وخاف على نفسه نادى بأعلى صوته يا عزيز هذا الوادي أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك يريد الجن وكبيرهم فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا سدنا الجن والإنس وذلك قوله تعالى : ﴿ فَزَادوهُمْ ﴾ أي زاد الرجال العائذون ﴿ رَهَقاً ﴾ أي تكبراً وعتواً فالضمير المرفوع لرجال الإنس إذ هم المحدث عنهم والمنصوب لرجال الجن وهو قول مجاهد والنخعي وعبيد بن عمير وجماعة إلا أن منهم من فسر الرهق بالإثم وأشند الطبري لذلك قول الأعشى
:
لا شيء ينفعني من دون رؤيتها لا يشتفي وامق ما لم يصب رهقاً
فإنه أراد ما لم يغش محرماً فالمعنى هنا فزادت الإنس والجن مأثماً لأنهم عظموهم فزادوهم استحلالاً لمحارم الله تعالى أو فزاد الجن العائذين غياً بأن أضلوهم حتى استعاذوا بهم فالضميران على عكس ما تقدم وهو قول قتادة وأبي العالية والربيع وابن زيد والفاء على الأول للتعقيب وعلى هذا قيل للترتيب الإخباري وذهب الفراء إلا أن ما بعد الفاء قد يتقدم إذا دل عليه الدليل كقوله تعالى ﴿ وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا ﴾ [ الأعراف :٤ ] وجمهور النحاة على خلافه وقيل في الكلام حذف أي فاتبعوهم فزادوهم والآية ظاهرة في أن لفظ الرجال يطلق على ذكور الجن كما يطلق على ذكور الإنس وقيل لا يطلق على ذكور الجن ومن الجن في الآية متعلق بيعوذون ومعناها أنه كان رجال من الإنس يعوذون من شر الجن برجال من الإنس وكان الرجل يقول مثلاً أعوذ بحذيفة بن بدر من جن هذا الوادي وهو قول غريب مخالف لما عليه الجمهور المؤيد بالآثار ولعل تعلق الإيمان بهذا باعتبار ما يشعر به من كون ذلك ضلالاً موجباً لزيادة الرهق. وقد جاء في بعض الأخبار ما يقال بدل هذه الاستعاذة ففي حديث طويل أخرجه أبو نصر السجزي في الإبانة من طريق مجاهد عن ابن عباس وقال غريب جداً أنه صلى الله عليه وسلم قال : «إذا أصاب أحداً منكم وحشة أو نزل بأرض مجنة فليقل أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزها بر ولا فاجر من شر ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن فتن النهار ومن طوارق الليل إلا طارقاً يطرق بخير »
﴿ وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ ﴾ أي الإنس ﴿ كَمَا ظَنَنتُمْ ﴾ أيها الجن على أنه كلام بعضهم لبعض ﴿ أَن لَّن يَبْعَثَ الله أَحَداً ﴾ أي من الرسل إلى أحد من العباد وقيل إن لم يبعث سبحانه أحدا بعد الموت وأياً ما كان فالمراد وقد أخطؤا وأخطأتم ولعله متعلق الإيمان وقيل المعنى أن الجن ظنوا كما ظننتم أيها الكفرة ﴿ أَن لَّن ﴾ الخ فتكون هذه الآية من جملة الكلام الموحى به معطوفة على قوله تعالى ﴿ إنه استمع ﴾ [ الجن :١ ] وعلى قراءة الكسر تكون استئنافاً من كلامه تعالى وكذا ما قبلها على ما قيل وفي «الكشاف » قيل الآيتان يعني هذه وقوله تعالى ﴿ وأنه كان رجال ﴾ [ الجن :٦ ] الخ من جملة الموحى وتعقب ذلك في «الكشف » بأن فيه ضعفاً لأن قوله سبحانه ﴿ وإنا لمسنا السماء ﴾ [ الجن :٨ ] الخ من كلام الجن أو مما صدقوه على القراءتين لأن من الموحى إليه فتخلل ما تخلل وليس اعتراضاً غير جائز إلا أن يؤول بأنه يجري مجراه لكونه يؤكد ما حدث عنهم في تماديهم في الكفر أولاً ولا يخفي ما فيه من التكلف انتهى وأبو السعود اختار في جميع الجمل المصدرة بأنا العطف على أنه استمع على نحو ما سمعت عن أبي حاتم وقد سمعت ما فيه آنفاً وأن مخففة من الثقيلة اسمها ضمير الشأن والجملة بعدها خبر وجملة أن لن يبعث الخ قيل سادة مسد مفعولي ظنوا وجوز أن تكون سادة مسد مفعولي ظننتم ويكون الساد مسد مفعولي الأول محذوفاً كما هو المختار في أمثال ذلك ورجح الأول في الآية بأن ظنوا هو المقصود فيها فجعل المعمول المذكور له أحسن وأما كما ظننتم فمذكور بالتبع ومنه يعلم أن كون المختار أعمال الثاني في باب التنازع ليس على إطلاقه.
﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السماء ﴾ أي طلبنا بلوغها لاستماع كلام أهلها أو طلبنا خبرها واللمس قيل مستعار من المس للطلب كالجس يقول لمسه والتمسه وتلمسه كطلبه وأطلبه وتطلبه والظاهر أن الاستعارة هنا لغوية لأنه مجاز مرسل لاستعماله في لازم معناه والسماع على ظاهرها ﴿ فوجدناها ﴾ أي صادفناها وأصبناها فوجد متعد لواحد وقوله تعالى : ﴿ مُلِئَتْ ﴾ في موضع الحال بتقدير قد أو بدونه وإن كانت وجد من أفعال القلوب فهذه الجملة في موضع المفعول الثاني وقرأ الأعرج مليت بالياء دون همز ﴿ حَرَساً ﴾ أي حراساً اسم جمع كخدم كما ذهب إليه جمع لأنه على وزن يغلب في المفردات كبصر وقمر ولذا نسب إليه فقيل حرسي وذهب بعض إلى أنه جمع والصحيح الأول ولذا وصف بالمفرد فقيل ﴿ شَدِيداً ﴾ أي قوياً نحوه قوله
بنيته بعصبة من ماليا *** أخشى رجيلاً وركيباً عادياً
ولو روعي معناه جمع بأن يقال شداداً إلا أن ينظر لظاهر وزن فعيل فإنه يستوي فيه الواحد والجمع والمراد بالحرس الملائكة عليهم السلام الذين يمنعونهم عن قرب السماء ﴿ وَشُهُباً ﴾ جمع شهاب وقد مر الكلام فيه وجوز بعضهم أن يكون المراد بالحرس الشهب والعطف مثله في قوله
:وهند أتى من دونها النأي والبعد *** وهو خلال الظاهر ودخول إنا لمسنا الخ في حيز الإيمان وكذا أكثر الجمل الآتية في غاية الخفاء والظاهر تقدير نحو نخبركم فيها لا يظهر دخوله في ذلك أو تأويل ﴿ آمنا ﴾ من أول الأمر بما ينسحب على الجميع.
﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ ﴾ قبل هذا ﴿ مِنْهَا ﴾ أي من السماء ﴿ مقاعد لِلسَّمْعِ ﴾ أي مقاعد كائنة للسمع خالية عن الحرس والشهب أو صالحة للترصد والاستماع وللسمع متعلق بنقعد أي لأجل السمع أو بمضمر هو صفة لمقاعد وكيفية قعودهم على ما قيل ركوب بعضهم فوق بعض وروى في ذلك خبر مرفوع وقيل لا مانع من أن يكون بعروج من شاء منهم بنفسه إلى حيث يسمع منه الكلام ﴿ فَمَن يَسْتَمِعِ الآن ﴾ قال في «شرح التسهيل » الآن معناه هنا القرب مجازاً فيصح مع الماضي والمستقبل وفي «البحر » أنه ظرف زمان للحال ويستمع مستقبل فاتسع في الظرف واستعمل للاستقبال كما قال
:سأسعى الآن إذ بلغت أناها *** فالمعنى فمن يقع منه استماع في الزمان الآتي ﴿ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ﴾ أي يجد شهاباً راصداً له ولأجله يصده عن الاستماع بالرجم فرصد صفة شهاباً فإن كان مفرداً فالأمر ظاهر وإن كان اسم جمع للراصد كحرس فوصف المفرد به لأن الشهاب لشدة منعه وإحراقه جعل كأنه شهب ونظير ذلك وصف المعا وهو واحد الأمعاء بجياع في قول القتامى
كأن قيود رجلي حين ضمت *** حوالب غرزاو معا جياعا
وجوز كونه مفعولاً له أي لأجل الرصد وقيل يجوز أن يكون اسم جمع صفة لما قبله بتقدير ذوي شهاب فكأنه قيل يجد له ذوي شهاب راصدين بالرجم وهم الملائكة عليهم السلام الذين يرجمونهم بالشهب ويمنعونهم من الاستماع وفيه بعد وفي الآية رد على من زعم أن الرجم حدث بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو إحدى آياته عليه الصلاة والسلام حيث قيل فيها ملئت وهو كما قال الجاحظ ظاهر في أن الحادث هو الملء والكثرة وكذا قوله سبحانه نقعد منها مقاعد على ما في «الكشاف » فكأنه قيل كنا نجد فيها بعض المقاعد خالية من الحرس والشهب والآن ملئت المقاعد كلها فمن يستمع الخ ويدل على وجود الشهب قبل ذكرها في شعر الجاهلية قال بشر قال بشر بن أبي خازم
:والعير يرهقها الغبار وجحشها *** ينقض خلفهما انقضاض الكوكب
وقال أوس بن حجر
:وانقض كالدري يتبعه *** نقع يثور تخاله طنبا
وقال عوف بن الخرع يصف فرساً
:يرد علينا العير من دون إلفه *** أو الثور كالدري يتبعه الدم
فإن هؤلاء الشعراء كلهم كما قال التبريزي جاهليون ليس فيهم مخضرم وما رواه الزهري عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما عن ابن عباس بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من الأنصار إذ رمى بنجم فاستنار فقال ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية قالوا كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم وروى عن معمر قلت للزهري أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية قال نعم قلت أرأيت قوله تعالى : ﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ ﴾ فقال غلظت وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم وكأنه أخذ ذلك من الآية أيضاً وقال بعضهم إن الرمي لم يكن أولاً ثم حدث للمنع عن بعض السموات ثم كثر ومنع به الشياطين عن جميعها يوم تنبأ النبي عليه الصلاة والسلام وجوز أن تكون الشهب من قبل لحوادث كونية لا لمنع الشياطين أصلاً والحادث بعد البعثة رمى الشياطين بها على معنى أنهم إذا عرجوا للاستماع رموا بها فلا يلزم أيضاً أن يكون كل ما يحدث من الشهب اليوم للرمي بل يجوز أن يكون لأمور أخر بأسباب يعلمها الله تعالى ويجاب بهذا عن حدوث الشهب في شهر رمضان مع ما جاء من أنه تصفد مردة الشياطين فيه ولمن يقول إن الشهب لا تكون إلا للرمي جواب آخر مذكور في موضعه وذكروا وجدانهم المقاعد مملوءة من الحراس ومنع الاستراق بالكلية قيل بيان لما حملهم على الضرب في البلاد حتى عثروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمعوا قراءته عليه الصلاة والسلام.
وقولهم :
﴿ وَأَنَّا لاَ نَدْرِى أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرض ﴾ بحراسة السماء ﴿ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً ﴾ أي خيراً كالتتمة لذلك فالحامل في الحقيقة تغير الحال عما كانوا ألفوه والاستشعار أنه لأمر خطير والتشوق إلى الإحاطة به خبراً ولا يخفي ما في قولهم أشر أريد الخ من الأدب حيث لم يصرحوا بنسبة الشر إلى الله عز وجل كما صرحوا به في الخير وإن كان فاعل الكل هو الله تعالى ولقد جمعوا بين الأدب وحسن الاعتقاد.
﴿ وَأَنَّا مِنَّا الصالحون ﴾ أي الموصوفون بصلاح الحال في شأن أنفسهم وفي معاملتهم مع غيرهم المائلون إلى الخير والصلاح حسبما تقتضيه الفطرة السليمة لا إلى الشر والفساد كما هو مقتضى النفوس الشريرة ﴿ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ أي قوم دون ذلك المذكور ويطرد حذف الموصوف إذا كان بعض اسم مجرور بمن مقدم عليه والصفة ظرف كما هنا أو جملة كما في قوله منا أقام ومنا ظعن وأرادوا بهؤلاء القوم المقتصدين في صلاح الحال على الوجه السابق لا في الإيمان والتقوى كما قيل فإن هذا بيان لحالهم قبل استماع القرآن كما يعرب عنه قوله تعالى : ﴿ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً ﴾ وأما حالهم بعد استماعه فستحكى بقوله تعالى ﴿ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الهدى ﴾ إلى قوله تعالى : ﴿ وَأَنَّا مِنَّا المسلمون ﴾ [ الجن :١٣، ١٤ ] إلخ وجوز بعضهم كون دون بمعنى غير فيكون دون ذلك شاملاً للشرير المحض وأياً ما كان فجملة ﴿ كُنَّا ﴾ الخ تفسير للقسمة المتقدمة لكن قيل الأنسب عليه كون دون بمعنى غير والكلام على حذف مضاف أي كنا ذوي طرائق أي مذاهب أو مثل طرائق في اختلاف الأحوال أو كانت بطرائقنا طرائق قدداً وكون هذا من تلقي الركبان لا يلتفت إليه وعدم اعتبار التشبيه البليغ ليستغني عن تقدير مثل قيل لأن المحل ليس محل المبالغة وجوز الزمخشري كون طرائق منصوباً على الظرفية بتقدير في أي كنا في طرائق وتعقب بأن الطريق اسم خاص لموضع يستطرق فيه فلا يقال للبيت أو المسجد طريق على الإطلاق وإنما يقال جعلت للمسجد طريقاً فلا ينتصب مثله على الظرفية إلا في الضرورة وقد نص سيبويه على أن قوله
:كما عسل الطريق الثعلب *** شاذ فلا يخرج القرآن الكريم على ذلك وقال بعض النحاة هو ظرف عام لأن كل موضع يستطرق طريق والقدد المتفرقة المختلفة قال الشاعر :
القابض الباسط الهادي بطاعته في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد
جمع قدة من قداداً قطع كأن كل طريق لامتيازها مقطوعة من غيرها.
﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّا ﴾ أي علمنا الآن ﴿ أَن لَّن نُّعْجِزَ الله ﴾ أي أن الشأن لن نعجز الله تعالى كائنين ﴿ في الأرض ﴾ أي أينما كنا من أقطارها ﴿ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً ﴾ أي هاربين منها إلى السماء فالأرض محمولة على الجملة ولما كان ولن الخ في مقابلة ما قبل لزم أن يكون الهرب إلى السماء وفيه ترق ومبالغة كأنه قيل لن نعجزه سبحانه في الأرض ولا في السماء وجوز أن لا ينظر إلى عموم ولا خصوص كما في أرسلها العراك ويجعل الفوت على قسمين أخذاً من لفظ الهرب والمعنى لن نعجزه سبحانه في الأرض إن أراد بنا أمراً ولن نعجزه عز وجل هرباً إن طلبنا وحاصله إن طلبنا لم نفته وإن هربنا لم نخلص منه سبحانه وفائدة ذكر الأرض تصوير أنها مع هذه البسطة والعراضة ليس فيها منجا منه تعالى ولا مهرب لشدة قدرته سبحانه وزيادة تمكنه جل وعلا ونحوه قول القائل
:
وإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقيل فائدة ذكر الأرض تصوير تمكنهم عليها وغاية بعدها عن محل استوائه سبحانه وتعالى وليس بذاك وكون في الأرض وهرباً حالين كما أشرنا إليه هو الذي عليه الجمهور وجوز في هرباً كونه تمييزاً محولاً عن الفاعل أي لن يعجزه سبحانه هربنا.
﴿ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الهدى ﴾ أي القرآن الذي هو الهدى بعينه ﴿ بِهِ إِنَّهُ ﴾ من غير تلعثم وتردد ﴿ فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ ﴾ وبما أنزله عز وجل ﴿ فَلاَ يَخَافُ ﴾ جواب الشرط ومثله من المنفي بلا يصح فيه دخول الفاء وتركها كما صرح به في شرح التسهيل إلا أن الأحسن تركها ولذا قدر ههنا مبتدأ لتكون الجملة اسمية ولزم اقترانها بالفاء إذا وقعت جواباً إلا فيما شذ من نحو :
من يفعل الحسنات الله يشكرها *** معلوم وبعضهم أوجب التقدير لزعمه عدم صحة دخول الفاء في ذلك أي فهو لا يخاف ﴿ بَخْساً ﴾ أي نقصاً في الجزاء وقال الراغب البخس نقصا الشيء على سبيل الظلم ﴿ وَلاَ رَهَقاً ﴾ أي غشيان ذلة من قوله تعالى ﴿ وترهقهم ذلة ﴾ [ يونس :٢٧ ] وأصله مطلق الغشيان وقال الراغب رهقه الأمر أي غشيه بقهر وفي الأساس رهقه دنا منه وصبى مراهق مدان للحلم وفي النهاية يقال رجل فيه رهق إذا كان يخف إلى الشر ويغشاه وحاصل المعنى فلا يخاف أن يبخس حقه ولا أن ترهقه ذلة فالمصدر أعني بخسا مقدر باعتبار المفعول وليس المعنى على أن غير المؤمن يبخس حقه بل النظر إلى تأكيد ما ثبت له من الجزاء وتوفيره كملا وأما غيره فلا نصيب له فضلاً عن الكمال وفيه أن ما يجزي به غير المؤمن مبخوس في نفسه وبالنسبة إلى هذا الحق فيه كل البخس وان لم يكن هناك بخس حق كذا في الكشف أو فلا يخاف بخسا ولا رهقاً لأنه لم يبخس أحداً حقاً ولا رهقه ظلماً فلا يخاف جزاءهما وليس من اضمار مضاف أعني الجزاء بل ذلك بيان لحاصل المعنى وان ما ذكر في نفسه مخوف فإنه يصح ان يقال خفت الذنب وخفت جزاءه لأن ما يتولد منه المحذور محذور وفيه دلالة على أن المؤمن لاجتنابه البخس والرهق لا يخافهما فإن عدم الخوف من المحذور إنما يكون لانتفاء المحذور وجاز أن يحمل على الاضمار وأصل الكلام فمن لا يبخس أحداً ولا يرهق ظلمه فلا يخاف جزاءهما فوضع ما في النظم الجليل موضعه تنبيهاً بالسبب على المسبب والأول كما قيل أظهر وأقرب مأخذاً وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال في الآية لا يخاف نقصاً من حسناته ولا زيادة في سيئاته وأخرج عيد بن حميد عن قتادة أنه قال فلا يخاف بخساً ظلماً بأن يظلم من حسناته فينتقص منها شيء ولا رهقاً ولا أن يحمل عليه ذنب غيره وأخرج نحوه عن الحسن ولعل المعنى الأول أنسب بالترغيب بالإيمان وبلفظ الرهق أيضاً نظراً إلى ما سمعت من قوله تعالى ﴿ وترهقهم ذلة ﴾ [ يونس :٢٧ ] وقرأ ابن وثاب والأعمش فلا يخف بالجزم على أن لا ناهية لا نافية لأن الجواب المقترن بالفاء لا يصح جزمه وقيل الفاء زائدة ولا للنفي وليس بشيء وأياً ما كان فالقراءة الأولى أدل على تحقق أن المؤمن ناج لا محالة وانه هو المختص بذلك دون غيره وذلك لتقدير هو عليها وبناء الفعل عليه نحو هو عرف ويجتمع فيه التقوى والاختصاص إذا اقتضاهما المقام وقرأ ابن وثاب بخساً بفتح الخاء المعجمة.
﴿ وَأَنَّا مِنَّا المسلمون وَمِنَّا القاسطون ﴾ الجائرون على طريق الحق الذي هو الإيمان والطاعة يقال قسط الرجل إذا جار وأنشدوا
. قوم هم قتلوا ابن هند عنوة عمرا وهم قسطوا على النعمان {
فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ } الإشارة إلى من أسلم والجمع باعتبار المعنى ﴿ تَحَرَّوْاْ ﴾ توخوا وقصدوا ﴿ رَشَدًا ﴾ عظيماً مبلغهم إلى الدار للثواب وقرأ الأعرج رشداً بضم الراء وسكون الشين.
﴿ وَأَمَّا القاسطون ﴾ الجائرون عن سنن الإسلام ﴿ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً ﴾ توقد بهم كما توقد بكفرة الإنس واستظهر أن ﴿ فمن أسلم ﴾ [ الجن :١٤ ] الخ من كلام الجن وقال ابن عطية الوجه أن يكون مخاطبة من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ويؤيده ما بعد من الآيات وفي الكشاف زعم من لا يرى للجن ثواباً أن الله تعالى أوعد قاسطيهم وما وعد مسلميهم وكفي به وعدا أن قال سبحانه ﴿ فأولئك تحروا رشداً ﴾ [ الجن :١٤ ] فذكر سبب الثواب والله عز وجل أعدل من أن يعاقب القاسط ولا يثيب الراشد وهو ظاهر في أنه من كلامه عز وجل.
وقوله تعالى : ﴿ وَإِن لو استقاموا ﴾ الخ معطوف قطعاً على قوله سبحانه ﴿ انه استمع ﴾ [ الجن :١ ] ولا يضر تقدم المعطوف على غيره على القول به لظهور الحال وعدم الالتباس وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وقرأ الأعمش وابن وثاب بضم واو لو والمعنى وأوحى إلى أن الشأن لو استقام الانس والجن أو كلاهما ﴿ عَلَى الطريقة ﴾ التي هي ملة الإسلام ﴿ لأسقيناهم مَّاء غَدَقاً ﴾ أي كثيراً وقرأ عاصم في رواية الأعمش بكسر الدال والمراد لوسعنا عليهم الرزق وتخصيص الماء الغدق بالذكر لأنه أصل المعاش وكثرته أصل السعة فقد قيل المال حيث الماء ولعزة وجوده بين العرب.
﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ أي لنختبرهم كيف يشكرونه أي لنعاملهم معاملة المختبر وقيل لو استقام الجن على الطريقة المثلى أي لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله تعالى وطاعته سبحانه ولم يتكبر عن السجود لآدم ولم يكفر وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم ووسعنا رزقهم لنختبرهم ويجوز على هذا رجوع الضمير إلى القاسطين وهو المروى عن ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جبير واعتبار المثلى قيل لأن التعريف للعهد والمعهود طريقة الجن المفضلة على غيرها وقيل لأن جعلها طريقة وما عداها ليس بطريقة يفهم منه كونها مفضلة وقيل المعنى أنه لو استقام الجن على طريقتهم وهي الكفر ولم يسلموا باستماع القرآن لوسعنا عليهم الرزق استدراجاً لنوقعهم في الفتنة ونعذبهم في كفران النعمة وروي نحو هذا عن الضحاك والربيع بن أنس وزيد بن أسلم وأبي مجاز بيد أنهم أعادوا الضمير على ﴿ من أسلم ﴾ [ الجن :١٤ ] وقالوا أي لو كفر من أسلم من الناس لأسقيناهم الخ وهو مخالف للظاهر لاستعمال الاستقامة على الطريق في الاستقامة على الكفر وكون النعمة المذكورة استدراجاً من غير قرينة عليه مع أن قوله تعالى ﴿ ولو أن أهل القرى أمنوا ﴾ [ الأعراف :٩٦ ] الخ يؤيد الأول وزعم الطيبي أن التذييل بقوله عز وجل : ﴿ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبّهِ ﴾ الخ ينصر ما قيل قال لأنه توكيد لمضمون السابق من الوعيد أي لنستدرجهم فيتبعوا الشهوات التي هي موجبة للبطر والاعراض عن ذكر الله تعالى وفيه نظر والذكر مصدر مضاف لمفعوله تجوز به عن العبادة أو هو بمعنى التذكير مضاف لفاعله ويفسر بالموعظة وقال بعضهم المراد بالذكر الوحي أي ومن يعرض عن عبادة ربه تعالى أو عن موعظته سبحانه أو عن وحيه عز وجل ﴿ يَسْلُكْهُ ﴾ مضمن معنى ندخله ولذا تعدى إلى المفعول الثاني أعني قوله تعالى : ﴿ عَذَاباً صَعَداً ﴾ بنفسه دون في أو هو من باب الحذف والإيصال والصعد مصدر وصف به مبالغة أو تأويلاً أي ندخله عذاباً يعلوا المعذب ويغلبه وفسر بشاق يقال فلان في صعد من أمره أي في مشقة ومنه قول عمر رضي الله تعالى عنه ما تصعدني شيء كما تصعدني خطبة النكاح أي ما شق علي وكأنه إنما قال ذلك لأنه كان من عادتهم أن يذكروا جميع ما كان في الخاطب من الأوصاف الموروثة والمكتسبة فكان يشق عليه ارتجالاً أو كان يشق أن يقول الصدق في وجه الخاطب وعشيرته وقيل إنما شق من الوجوه ونظر بعضهم إلى بعض وقال أبو سعيد الخدري وابن عباس صعد جبل في النار قال الخدري كلما وضعوا أيديهم عليه ذابت وقال عكرمة هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها فإذا انتهى إلى أعلاها جدر إلى جهنم فعلى هذا قال أبو حيان يجوز أن يكون بدلاً من عذاب على حذف مضاف أي عذاب صعد ويجوز أن يكون مفعول نسلكه وعذاباً مفعول من أجله وقرأ الكوفيون يسلكه بالياء وباقي السبعة بالنون وابن جندب بالنون من أسلك وبعض التابعين بالياء كذلك وهما لغتان سلك وأسلك قال الشاعر يصف جيشاً مهزومين
. حتى إذا أسلكوهم في قتائدة شلا كما تطرد الجمالة الشردا
وقرأ قوم صعدا بضمتين وابن عباس والحسن بضم الصاد وفتح العين قال الحسن معناه لا راحة فيه.
﴿ وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ ﴾ عطف على أنه استمع فهو من جملة الموحى والظاهر أن المراد بالمساجد المواضع المعدة للصلاة والعبادة أبي وأوحى إلى أن المساجد مختصة بالله تعالى شأنه ﴿ فَلاَ تَدْعُواْ ﴾ أي فلا تعبدوا فيها ﴿ مَعَ الله أَحَداً ﴾ غيره سبحانه وقال الحسن المراد كل موضع سجد فيه من الأرض سواء أعد لذلك أم لا إذا لارض كلها مسجد لهذه الأمة وكأنه أخذ ذلك مما في الحديث الصحيح جعلت لي الأرض مسجداً و طهورا واشتهر أن هذا من خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم أي شريعته فيكون له ولأمته عليه الصلاة والسلام وكان من قبل إنما تباح لهم الصلاة في البيع والكنائس واستشكل بأن عيسى عليه السلام كان يكثر السياحة وغيره من الأنبياء عليهم السلام يسافرون فإذا لم تجز لهم الصلاة في غير ما ذكر لزم ترك الصلاة في كثير من الأوقات وهو بعيد لاسيما في الخضر عليه السلام ولذا قيل المخصوص كونها مسجداً وطهوراً أي المجموع ويكفي في اختصاصه اختصاص التيمم وأجيب بأن المراد الاختصاص بالنسبة إلى الأمم السالفة دون أنبيائها عليهم السلام والخضر ان كان حيا اليوم فهو من هذه الأمة سواء كان نبياً أم لا لخبر لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي وحكمه قبله نبيا ظاهر والأمر فيه غير نبي سهل وقيل المراد بها المسجد الحرام أي الكعبة نفسها أو الحرم كله على ما قيل والجمع لأن كل ناحية منه مسجد له قبلة مخصوصة أو لأنه لما كان قبلة المساجد فإن كل قبلة متوجهة نحوه جعل كأنه جميع المساجد مجازاً وقيل المراد هو وبيت المقدس فقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس لم يكن يوم نزلت وأن المساجد لله الخ في الأرض مسجداً لا المسجد الحرام ومسجد أيليا بيت المقدس وأمر الجمع عليه أظهر منه على الأول لا أنه كالأول خلاف الظاهر وما ذكر لا يتم دليلاً له وقال ابن عطاء وابن جبير والزجاج والفراء المراد بها الأعضاء السبعة التي يسجد عليها واحدها مسجد بفتح الجيم وهي القدمان والركبتان والكفان والوجه أي الجبهة والأنف وروي أن المعتصم سأل أبا جعفر محمد بن علي بن موسى الكاظم رضي الله تعالى عنهم عن ذلك فأجاب بما ذكر وقيل السجدات على أن المسجد بفتح الجيم مصدر ميمي ونقل عن الخليل بن أحمد أن قوله تعالى وأن المساجد بتقدير لام التعليل وهو متعلق بما بعد والمساجد بمعناها المعروف أي لأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ولما لم تكن الفاء في جواب شرط محقق كانت في الحقيقة زائدة فلا يمتنع تقديم معمول ما بعدها عليها نعم قال غير واحد جيء بها لتضمن الكلام معنى الشرط والمعنى إن الله تعالى يحب أن يوحد ولا يشرك به أحد فإن لم يوحدوه في سائر المواضع فلا تدعوا معه أحداً في المساجد لأن المساجد له سبحانه مختصة به عز وجل فالاشراك فيها أقبح وأقبح ونظير هذا قوله تعالى ﴿ لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا ﴾ [ ١-٣ ] على وجه ولا يعد ذلك من الشرط المحقق ويندفع بما ذكر لزوم جعل الفاء لغواً لأنها للسببية ومعناها مستفاد من اللام المقدرة وقيل في دفعه أيضاً أنها تأكيد للام أو زائدة جيء بها للإشعار بمعناها وأنها مقدرة والخطاب في تدعوا قيل للجن وأيد بما روي عن ابن جبير قال إن الجن قالوا يا رسول الله كيف نشهد الصلاة معك على ناينا عنك فنزلت الآية ليخاطبهم على معنى أن عبادتكم حيث كانت مقبولة إذا لم تشركوا فيها وقيل هو خطاب عام وعن قتادة كان اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله عز وجل فأمرنا أن نخلص لله تعالى الدعوة إذا دخلنا المساجد يعني بهذه الآية وعن ابن جريج بدل فأمرنا الخ فأمرهم أن يوحدوه وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلق بذلك أيضاً وقرأ كما في البحر ابن هرمز وطلحة وإن المساجد بكسر همزة إن وحمل ذلك على الاستئناف.
﴿ وَأَنَّهُ ﴾ بفتح الهمزة عند الجمهور على أنه عطف على ﴿ أنه استمع ﴾ [ الجن :١ ] كالذي قبله فهو من كلامه تعالى أي وأوحى إلى أن الشان ﴿ لَّمَا قَامَ عَبْدُ الله ﴾ أي النبي صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى : ﴿ يَدْعُوهُ ﴾ حال من عبد أي لما قام عابداً له عز وجل وذلك قيامه عليه الصلاة والسلام لصلاة الفجر بنخلة كما مر ﴿ كَادُواْ ﴾ أي الجن كما قال ابن عباس والضحاك ﴿ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾ متراكمين من ازدحامهم عليه تعجباً مما شاهدوا من عبادته وسمعوا من قراءته واقتداء أصحابه به قياماً وركوعا وسجوداً لأنهم رأوا ما لم يروا مثله وسمعوا ما لم يسمعوا نظيره وهذا كالظاهر في أنهم كانوا كثيرين لا تسعة ونحوها وإيراده عليه الصلاة والسلام بلفظ العبد دون لفظ النبي أو الرسول أو الضمير اما لأنه مقول على لسانه صلى الله عليه وسلم لأنه أمر أن يقول أوحى كذا فجيء به على ما يقتضيه مقام العبودية والتواضع أو لأنه تعالى عدل عن ذلك تنبيهاً على أن العبادة من العبد لا تستبعد ونقل عليه الصلاة والسلام كلامه سبحانه كما هو رفعا لنفسه عن البين فلا وجود للأثر بعد العين وحيث كان هذا العدول منه جل وعلا إما لكذا أو لكذا لا أنه تصرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمتنع كما قال بعض الأجلة الجمع بين الحسنيين وقال الحسن وقتادة ضمير كادوا لكفار قريش والعرب فيراد بالقيام القيام بالرسالة وبالتلبد التلبد للعداوة والمعنى وانه لما قام عبد الله بالرسالة يدعو الله تعالى وحده ويذر ما كانوا يدعون من دونه كاد والتظاهر هم عليه وتعاونهم على عداوته يزدحمون عليه متراكمين وجوز أن يكون الضمير على هذا للجن والإنس وعن قتادة أيضاً ما يقتضيه قال تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفؤه فأبى الله تعالى إلا أن ينصره ويظهره على من ناواه وفي البحر أبعد من قال عبد الله هنا نوح عليه السلام كاد قومه يقتلونه حتى استنقذه الله تعالى منهم قاله الحسن وأبعد منه قول من قال إنه عبد الله بن سلام اه ولعمري أنه لا ينبغي القول بذلك ولا أظن له صحة بوجه من الوجوه وقرأ نافع وأبو بكر كما قدمنا وابن هرمز وطلحة كما في البحر وأنه بكسر الهمزة وحمل على أن الجملة استئنافية من كلامه عز وجل وجوز أن تكون من كلام الجن معطوفة على جملة ﴿ أنا سمعنا ﴾ [ الجن :١ ] حكوا فيها لقومهم لما رجعوا إليهم ما رأوا من صلاته صلى الله عليه وسلم وازدحام أصحابه عليه في ائتمامهم به وحكى ذلك عن ابن جبير وجوز نحو هذا على قراءة الفتح بناء على ما سمعت عن أبي حاتم أو بتقدير ونخبركم بأنه أو نحوه هذا وفي الكشف الوجه على تقديران يكون وان المساجد من جملة الموحى أن يكون ﴿ فلا تدعوا ﴾ [ الجن :١٨ ] خطاباً للجن محكيا أن جعل قوله تعالى وانه لما قام على قراءة الكسر من مقول الجن لئلا ينفك النظم لو جعل ابتداء قصة ووحيا آخر منقطعاً عن حكاية الجن وكذلك لو جعل ضمير كادوا للجن على قراءة الفتح أيضاً والأصل أن المساجد لله فلا تدعوا أيها الجن مع الله أحداً فقيل قل يا محمد لمشركي مكة أوحى إلى كذا وإذا كان كذلك فيجيء في ضمن الحكاية إثبات هذا الحكم بالنسبة إلى المخاطبين أيضاً لاتحاد العلة وأما لو جعل خطاباً عاماً فالوجه أن يكون ضمير كادوا راجعاً إلى المشركين أو إلى الجن والإنس وأن يكون على قراءة الكسر جملة استئنافية ابتداء قصة منه جل شأنه في الاخبار عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تمهيد لما يأتي من بعد وتوكيد لما ذكر من قبل فكأنه قيل قل لمشركي مكة ما كان من حديث الجن وإيمان بعضهم وكفر آخرين منهم ليكون حكاية ذلك لطفاً لهم في الانتهاء عما كانوا فيه وحثا على الإيمان ثم قيل وانه لما قام عبد الله يدعوه ويوحده كاد الفريقان من كفرة الجن والانس يكونون عليه لبداً دلالة على عدم ارتداعهم مع هذه الدلائل الباهرة والآيات النيرة وما أحسن التقابل بين قوله تعالى ﴿ وأن المساجد ﴾ [ الجن :١٨ ] وبين هذا القول كأنهم نهوا كلهم عن الإشراك ودعوا إلى التوحيد فقابلوا ذلك بعداوة من يوحد الله سبحانه ويدعوه ولم يرضوا بالإباء وحده وهذا من خواص الكتاب الكريم وبديع أسلوبه إذا أخذ في قصة غب قصة جعلهما متناصفتين فيما سيق له الكلام وزاد عليه التآخي بينهما في تناسب خاتمة الأولى وفاتحة الثانية ولعل هذا الوجه من الوجاهة بمكان وأما لو فسر بما حكى عن الخليل ولأن المساجد لله فلا تدعوا الخ فالوجه أن يكون استطرداً ذكر عقيب وعيد المعرض والحمل على هذا على الأعضاء السبعة أظهر لأن فيه تذكيراً لكونه تعالى المنع بها عليهم وتنبيهاً على أن الحكمة في خلقها خدمة المعبود من حيث العدول عن لفظ الأعضاء وأسمائها الخاصة إلى المساجد ودلالة على أن ذلك ينافي الإشراك وحينئذ لا يبقى اشكال في ارتباط ما بعده بما قبله على القراءتين والأوجه والله تعالى أعلم اه فتأمل. واللبد بكسر اللام وفتح الباء كما قرأ الجمهور جمع لبدة بالكسر نحو كسرة وكسر وهي الجماعات شبهت بالشيء المتلبد بعضه فوق بعض ويقال للجراد ومنه كما قال الجبائي قول عبد مناف بن ربع الهذلي
:
صافوا بستة أبيات وأربعة حتى كأن عليهم جابياً لبدا
وقرأ مجاهد وابن محيصن وابن عامر بخلاف عنه لبدا بضم اللام جمع لبدة كزبرة وزبر وعن ابن محيصن أيضاً تسكين الباء وضم اللام وقرأ الحسن والجحدري وأبو حيوة وجماعة عن أبي عمرو بضمتين جمع لبد كرهن ورهن أو جمع لبود كصبور وصبر وقرأ الحسن والجحدري أيضاً بخلاف عنهما لبدا بضم اللام وتشديد الباء جمع لا بد وأبو رجاء بكسرها وشد الباء المفتوحة
﴿ قُلْ إِنَّمَا ادعوا رَبِّي وَلاَ أشرِكُ بهِ ﴾ في العبادة. ﴿ أَحَدًا ﴾ فليس ذلك ببدع ولا مستنكر يوجب التعجب أو الإطباق على عداوتي وقرأ الأكثرون قل على أنه حكاية منه تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم للمتراكمين عليه أو حكاية عن الجن له عند رجوعهم إلى قومهم فلا تغفل وقراءة الأمر وهي قراءة عاصم وحمزة وأبي عمرو بخلاف عنه أظهروا وفق لقوله سبحانه : ﴿ قُلْ إِنّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً ﴾.
﴿ قُلْ إِنّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً ﴾ أي ولا نفعا تعبيراً باسم السبب عن المسبب والمعنى لا أستطيع أن أضركم ولا أنفعكم إنما الضار والنافع هو الله عز وجل أولا أملك لكم غيا ولا رشداً على أن الضر مراد به الغي تعبير باسم السبب عن السبب ويدل عليه قراءة أبي غيا بدل ضرا والمعنى لا أستطيع أن أقسركم على الغي والرشد إنما القادر على ذلك هو الله سبحانه وتعالى وجوز أن يكون في الآية الاحتباك والأصل لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً ولا غياً ولا رشداً فترك من كلا المتقابلين ما ذكر في الآخر وقرأ الأعرج رشداً بضمتين.
﴿ قُلْ إِنّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ الله أَحَدٌ ﴾ إن أرادني سبحانه بسوء ﴿ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً ﴾ أي معدلاً و منحرفاً وقال الكلبي مدخلا في الأرض وقال السدي حرزاً وأصله المدخل من اللحد والمراد ملجأ يركن إليه وأنشدوا
:
يا لهف نفسي ونفسي غبر مجدية عني وما من قضاء الله ملتحد
وجوز فيه الراغب كونه اسم مكان وكونه مصدراً وهذا على ما قيل بيان لعجزه عليه الصلاة والسلام عن شؤون نفسه بعد بيان عجزه صلى الله عليه وسلم عن شؤون غيره وقيل في الكلام حذف وهو قالوا اترك ما تدعوا إليه ونحن نجيرك فقيل له قل إني لن يجيرني الخ وقيل هو جواب لقول وردان سيد الجن وقد ازدحموا عليه أنا أرحلهم عنك فقال أني لن يجيرني الخ ذكره الماوردي والقولان ليسا بشيء.
وقوله تعالى : ﴿ إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ الله ﴾ استثناء من مفعول ﴿ لا أملك ﴾ [ الجن :٢١ ] كما يشير إليه كلام قتادة وما بينهما اعتراض مؤكد لنفي الاستطاعة فلا اعتراض بكثرة الفصل المبعدة لذلك فإن كان المعنى لا أملك أن أضركم ولا أنفعكم كان استثناء متصلاً كأنه قيل لا أملك شيئاً إلا بلاغاً وان كان المعنى لا أملك أن أقسركم على الغي والرشد كان منقطعاً أو من باب
لا عيب فيهم غير أن سيوفهم. *** كما في الكشف وظاهر كلام بعض الأجلة أنه اما استثناء متصل من ﴿ رشدا ﴾ فإن الإبلاغ ارشاد ونفع والاستثناء من المعطوف دون المعطوف عليه جائز واما استثناء منقطع من ﴿ ملتحداً ﴾ قال الرازي لأن البلاغ من الله تعالى لا يكون داخلاً تحت قوله سبحانه من دونه ملتحداً لأنه لا يكون من دون الله سبحانه بل منه جل وعلا وبإعانته وتوفيقه وفي البحر قال الحسن هو استثناء منقطع أي لن يجيرني أحد لكن ان بلغت رحمتي بذلك والإجارة مستعارة للبلاغ اذ هو سبب إجارة الله تعالى ورحمته سبحانه وقيل هو على هذا المعنى استثناء متصل والمعنى لن أجد شيئاً أميل إليه واعتصم به إلا أن أبلغ وأطيع فيجيرني فيجوز نصبه على الاستثناء من ملتحداً أو على البدل وهو الوجه لأن قبله نفياً وعلى البدل خرجه الزجاج انتهى والأظهر ما تقدم وقيل أن الا مركبة من أن الشرطية ولا النافية والمعنى أن لا أبلغ بلاغاً وما قبله دليل الجواب فهو كقولك إلا قياماً فقعوداً وظاهره ان المصدر سد مسد الشرط كمعمول كان ولهم في حذف جملة الشرط مع بقاء الاداة كلام والظاهر أن اطراد حذفه مشروط ببقاء لا كما في قوله
:فطلقها فلست لها بكفء *** وإلا يعل مفرقك الحسام
ما لم يسد مسده شيء من معمول أو مفسر كان أحد من المشركين استجارك والناس مجزيون بأعمالهم أن خيراً فخير وهذا الوجه خلاف المتبادر كما لا يخفي وقوله تعالى : ﴿ ورسالاته ﴾ عطف على بلاغا ومن الله متعلق بمحذوف وقع صفة له أي بلاغاً كائناً من الله وليس بصلة له لأنه يستعمل بعن كما في قوله صلى الله عليه وسلم : «بلغوا عني ولو آية » والمعنى على ما علمت أولا في الاستثناء لا أملك لكم إلا تبليغاً كائناً منه تعالى ورسالاته التي أرسلني عز وجل بها وفي الكشف في الكلام إضمار أي بلاغ رسالاته وأصل الكلام الإبلاغ رسالات الله فعدل إلى المنزل ليدل على التبليغين مبالغة وان كلا من المعنيين أعني كونه من الله تعالى وكونه بلاغ رسالاته يقتضي التشمر لذلك انتهى. وفي عبارة الكشاف رمز ما إليه لكن قيل عليه لا ينبغي تقدير المضاف فيه أعني بلاغ فإنه يكون العطف حينئذ من عطف الشيء على نفسه إلا أن يوجه بأن البلاغ من الله تعالى فيما أخذه عنه سبحانه بغير واسطة والبلاغ للرسالات فيما هو بها وهو بعيد غاية البعد فافهم واستظهر أبو حيان عطفه على الاسم الجليل فقال الظاهر عطف رسالاته على الله أي إلا أن أبلغ عن الله وعن رسالاته وظاهره جعل من بمعنى عن وقد تقدم منه أنها لابتداء الغاية وقرئ قال لا أملك أي قال عبد الله للمشركين أو للجن وجوز أن يكون من حكاية الجن لقومهم هذا ووجه ارتباط الآية بما قبلها قيل بناء على أن التلبد للعداوة أنهم لما تلبدوا عليه صلى الله عليه وسلم متظاهرين للعداوة قيل له عليه الصلاة والسلام ﴿ قُلْ إِنّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً ﴾ [ الجن :٢١ ] أي ما أردت إلا نفعكم وقابلتموني بالإساءة وليس في استطاعتي النفع الذي أردت ولا الضر الذي أكافئكم به إنما ذان إلى الله تعالى وفيه تهديد عظيم وتوكيل إلى الله جل وعلا وأنه سبحانه هو الذي يجزيه بحسن صنيعه وسوء صنيعهم ثم فيه مبالغة من حيث أنه لا يدع التبليغ لتظاهرهم هذا فإن الذي يستطيعه عليه الصلاة والسلام هو التبليغ ولا يدع المستطاع ولهذا قال إلا بلاغاً وجعله بدلاً من ﴿ ملتحداً ﴾ شديد الطباق على هذا والشرط قريب منه وأما ان كان الخطاب للجن والتلبد للتعجب فالوجه أنهم لما تلبدوا لذلك قيل له عليه الصلاة والسلام قل لهم ما لكم ازدحمتم على متعجبين مني ومن تطامن أصحابي على العبادة أني ليس إلى النفع والضر إنما أنا مبلغ عن الضار النافع فاقبلوا أنتم مثلنا على العبادة ولا تقبلوا على التعجب فإن العجب ممن يعرض عن المنعم المنتقم الضار النافع ولعل اعتبار قوة الارتباط يقتضي أولوية كون التلبد كان للعداوة ومعصية الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ أي في الأمر بالتوحيد إذ الكلام فيه فلا يصح استدلال المعتزلة ونحوهم بالآية على تخليد العصاة في النار وجوز أن يراد بالرسول رسول الملائكة عليهم السلام دون رسول البشر فالمراد بعصيانه أن لا يبلغ المرسل إليه ما وصل إليه كما وصل وهو خلاف الظاهر ﴿ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا ﴾ أي في النار أو في جهنم وجمع خالدين باعتبار معنى من كما أن الافراد قبل باعتبار لفظها ولو روعي هنا أيضاً لقيل خالداً.
﴿ أَبَدًا ﴾ بلا نهاية وقرأ طلحة فإن بفتح الهمزة على أن التقدير كما قال ابن الأنباري وغيره فجزاءه أن له الخ وقد نص النحاة على أن أن بعد فاء الشرط يجوز فيها الفتح والكسر فقول ابن مجاهد ما قرأ به أحد وهو لحن لأنه بعد فاء الشرط ناشىء من قلة تتبعه وضعفه في النحو.
وقوله تعالى : ﴿ حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً ﴾ جملة شرطية مقرونة بحتى الابتدائية وهي وان لم تكن جارة فيها معنى الغاية فمدخولها غاية لمحذوف دلت عليه الحال من استضعاف الكفار لانصاره عليه الصلاة والسلام واستقلالهم لعدده كأنه قيل لا يزالون يستضعفون ويستهزؤون حتى إذا رأوا ما يوعدون من فنون العذاب في الآخرة تبين لهم أن المستضعف من هو ويدل على ذلك أيضاً جواب الشرط وكذا ما قيل على ما قيل لأن قوله سبحانه ﴿ قل إنما أدعو ربي ﴾ [ الجن :٢٠ ] تعريض بالمشركين كيفما قدر بل السورة الكريمة من مفتتحها مسوقة للتعريض بحال مشركي مكة وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتسرية عنه عليه الصلاة والسلام وتعبير لهم بقصور نظرهم من الجن مع ادعائهم الفطانة وقلة انصافهم ومبادهتهم بالتكذيب والاستهزاء بدل مبادهة الجن بالتصديق والاستهداء ويجوز جعل ذلك غاية لقوله تعالى ﴿ يكونون عليه لبداً ﴾ [ الجن :١٩ ] أن فسر بالتلبد على العداوة ولا مانع من تخلل أمور غير أجنبية بين الغاية والمغيا فقول أبي حيان أنه بعيد جداً لطول الفصل بينهما بالجمل الكثيرة ليس بشيء كجعله إياه غاية لما تضمنته الجملة قبل يعني ﴿ فإن له نار جهنم ﴾ [ الجن :٢٣ ] من الحكم بكينونة النار له ومثل ذلك ما قيل من أنه غاية لمحذوف والتقدير دعهم حتى إذا رأوا الخ والظاهر أن من استفهامية كما أشرنا إليه وهي مبتدأ وأضعف خبر والجملة في موضع نصب بما قلبها وقد علق عن العمل لمكان الاستفهام وجوز كونها موصولة في موضع نصب بيعلمون وأضعف خبر مبتدأ محذوف والجملة صلة لمن والتقدير فسيعرفون الذي هو أضعف وحسن حذف صدر الصلة طولها بالتمييز وجوز تفسير ما يوعدون بيوم بدر ورجح الأول بأن الظاهر أن قوله سبحانه : ﴿ قُلْ إِنْ أَدْرِى ﴾.
﴿ قُلْ إِنْ أَدْرِى ﴾ أي ما أدري ﴿ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبّى أَمَداً ﴾ رد لما قاله المشركون عند سماعهم ذلك ومقتضى حالهم أنهم قالوا انكاراً واستهزاء متى يكون ذلك الموعود بل روي عن مقاتل أن النضر بن الحرث قال ذلك فقيل قل إنه كائن لا محالة وأما وقته فما أدري متى يكون والأحرى بسؤالهم وهذا الجواب إرادة ما في يوم القيامة المنكرين له أشد الإنكار والخفي وقته عن الخلائق غاية الخفاء والمراد بالأمد الزمان البعيد بقرينة المقابلة بالقريب وإلا فهو وضعا شامل لهما ولذا وصف ببعيداً في قوله تعالى : ﴿ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا ﴾ [ آل عمران :٣٠ ] وقيل أن معنى القريب ينبىء عن مشارفة النهاية فكأنه قيل لا أدري أهو حال متوقع في كل ساعة أم هو مؤجل ضرب له غاية والأول أولى وأقرب.
﴿ عالم الغيب ﴾ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو سبحانه عالم الغيب وجوز أبو حيان كونه بدلاً من ﴿ ربي ﴾ وغيره أيضاً كونه بياناً له ويأبى الوجهين الفاء في قوله تعالى : ﴿ فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً ﴾ إذ يكون النظم حينئذ أم يجعل له عالم الغيب أمداً فلا يظهر على غيبه أحداً وفيه من الاخلال ما لا يخفي وإضافة عالم إلى الغيب محضة لقصد الثبات فيه فيفيد تعريف الطرفين التخصيص وتعريف الغيب للاستغراق وفي الرضى أن اسم الجنس أعني الذي يقع على القليل والكثير بلفظ الواحد إذا استعمل ولم تقم قرينة تخصصه ببعض ما يصدق عليه فهو في الظاهر لاستغراق الجنس أخذاً من استقراء كلامهم فمعنى التراب يابس والماء بارد كل ما فيه هاتان الماهيتان حاله كذا فلو قلت في قولهم النوم ينقض الطهارة النوم مع الجلوس لا ينقضها لكان مناقضاً لذلك اللفظ انتهى وهو يؤيد إرادة ذلك هنا لأن الغيب كالماء يقع على القليل والكثير بلفظ واحد ولا يضر في ذلك جمعه على غيوب كما لا يضر فيه جمع الماء على مياه وكذا المراد بغيبه جميع غيبه وقد نص عليه عزمي زاده معللا له بكون اسم الجنس المضاف بمنزلة المعرف باللام سيما إذا كان في الأصل مصدراً وعزى إلى شرح المقاصد ما يقتضيه وربما يقال يفهم ذلك أيضاً من اعتبار كون الإضافة للعهد وان المعهود هو الغيب المستغرق أو من اعتبارها للاختصاص وان الغيب المختص به تعالى بمعنى المختص علمه سبحانه به هو كل غيب واعتناء بشأن الاختصاص جيء بالمظهر موضع المضمر والجملة استئناف لدفع توهم نقص من نفي الدراية والفاء لترتيب عدم الإظهار على تفرده تعالى بعلم الغيب والمراد بالإظهار المنفي الاطلاع الكامل الذي تنكشف به جلية الحال على أتم وجه كما يرشد إليه حرف الاستعلاء فكأنه قيل ما على إذا قلت ما أدري قرب ذلك الموعد الغيب ولا بعده فالله سبحانه وتعالى عالم كل غيب وحده فلا يطلع على ذلك المختص علمه به تعالى اطلاعاً كاملاً أحداً من خلقه ليكون اليق بالتفرد وأبعد عن توهم مساواة علم خلقه لعلمه سبحانه وإنما يطلع جل وعلا إذا اطلع من شاء على بعضه مما تقتضيه الحكمة التي هي مدار سائر أفعاله عز وجل وما نفيت عني العلم به مما لم يطلعني الله تعالى عليه لما أن الاطلاع عليه مما لا تقتضيه الحكمة التشريعية التي يدور عليها فلك الرسالة بل هو مخل بها وان شئت فاعتبر الجلمة واقعة موقع التعليل لنفي الدراية السابقة ولما كان مساق الكلام ما قد يتوهمون منه أنه عليه الصلاة والسلام لم يطلع على شيء من الغيب عقب عز وجل الكلام بالاستثناء المنقطع كما روي في البحر عن ابن عباس الذي هو بمعنى الاستدراك لدفع ذلك على أبلغ وجه حيث عمم الأمر في الرسل المرتضين وأقام كيفية الاظهار مقام الاظهار مع الإشارة إلى البعض الذي اطلعوا عليه المناسب لمقام الدعوة فقال عز من قائل : ﴿ إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ﴾
﴿ إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ﴾ أي لكن الرسول المرتضى يظهره جل وعلا على بعض الغيوب المتعلقة برسالته كما يعرب عنه بيان من ارتضى بالرسول تعلقاً ما اما لكونه من مباديها بأن يكون معجزة واما لكونه من أركانها وأحكامها كعامة التكاليف الشرعية وكيفيات الأعمال وأجزيتها ونحو ذلك من الأمور الغيبية التي بيانها من وظائف الرسالة بأن يسلك من جميع جوانبه عند اطلاعه على ذلك حرسا من الملائكة عليهم السلام يحرسونه من تعرض الشياطين لما أريد اطلاعه عليه اختطافاً أو تخليطاً.
﴿ لِيَعْلَمَ ﴾ متعلق بيسلك وعلة له والضمير لمن أي لأجل أن يعلم ذلك المرتضى الرسول ويصدق تصديقاً جازماً ثابتاً مطابقاً للواقع ﴿ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ ﴾ أي الشأن قد أبلغ إليه الرصد وهو من قبيل بنوا تميم قتلوا زيداً فإن المبلغ في الحقيقة واحد معهم وهو جبريل عليه السلام كما هو المشهور من أنه المبلغ من بين الملائكة عليهم السلام إلى الأنبياء ﴿ رسالات رَبّهِمْ ﴾ وهي الغيوب المظهر عليها كما هي من غير اختطاف ولا تخليط وعلى هذا فليكن ﴿ من ﴾ مبتدأ وجملة أنه يسلك خبره وجيء بالفاء لكونه اسم موصول وقوله تعالى : ﴿ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ﴾ أي بما عند الرصد ﴿ وأحصى كُلَّ شيء ﴾ أي مما كان ومما سيكون ﴿ عَدَدًا ﴾ أي فرداً فرداً حال من فاعل يسلك بتقدير قد أو بدونه جيء به لمزيد الاعتناء بأمر علمه تعالى بجميع الأشياء وتفرده سبحانه بذلك على أتم وجه بحيث لا يشاركه سبحانه في ذلك الملائكة الذين هم وسائط العلم فكأنه قيل لكن المرتضى الرسول يعلمه الله تعالى بواسطة الملائكة بعض الغيوب مما له تعلق ما برسالته والحال أنه تعالى قد أحاط علماً بجميع أحوال أولئك الوسائط وعلم جل وعلا جميع الأشياء بوجه جزئي تفصيلي فأين الوسائط منه تعالى أو حال من فاعل أبلغوا جيء به للإشارة إلى أن الرصد أنفسهم لم يزيدوا ولم ينقصوا فيما بلغوا كأنه قيل ليعلم الرسول أن قد أبلغ الرصد إليه رسالات ربه في حال أن الله تعالى قد علم جميع أحوالهم وعلم كل شيء فلو أنهم زادوا أو نقصوا عند الإبلاغ لعلمه سبحانه فما كان يختارهم للرصدية والحفظ هذا ما سنح لذهني القاصر في تفسير هذه الآيات الكريمة ولست على يقين من أمره بيد أن الاستدلال بقوله سبحانه ﴿ فلا يظهر ﴾ [ الجن :٢٦ ] الخ على نفي كرامة الأولياء بالاطلاع على بعض الغيوب لا يتم عليه لأن قوله تعالى : ﴿ فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً ﴾ في قوة قضية سالبة جزئية لدخول ما يفيد العموم في حيز السلب وأكثر استعمالاته لسلب العموم وصرح به فيما هنا في شرح المقاصد لا لعموم السلب وهو سلب جزئي فلا ينافي الإيجاب الجزئي كان يظهر بعض الغيب على ولي على نحو ما قال بعض أهل السنة في قوله تعالى ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ [ الأنعام :١٠٣ ] ولا يرد أن الاستثناء يقتضي أن يكون المرتضى الرسول مظهراً على جميع غيبه تعالى بناءً على أن الاستثناء من النفي يقتضي إيجاب نقيضه للمستثنى ونقيض السالبة الجزئية الموجبة الكلية مع أنه سبحانه لا يظهر أحداً كائناً من كان على جميع ما يعلمه عز وجل من الغيب وذلك لانقطاع الاستثناء المصرح به ابن عباس وكذا لا يرد أن الله تعالى نفي إظهار شيء من غيبه على أحد إلا على الرسول فيلزم أن لا يظهر سبحانه أحداً من الملائكة على شيء منه لأن الرسول هنا ظاهر في الرسول البشري لقوله تعالى : ﴿ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ ﴾ [ الجن :٢٧ ] الخ وذلك ليس إلا فيه كما لا يخفي على من علم حكمة ذلك ويلزم أن لا يظهر أيضاً أحداً من الأنبياء الذين ليسوا برسل بناءً على إرادة المعنى الخاص من الرسول هنا وذلك لما ذكرنا أولاً وكذا لا يرد أنه يلزم أن لا يظهر المرتضى الرسول على شيء من الغيوب التي لا تتعلق برسالته ولا يخل الإظهار عليها بالحكمة التشريعية إذ لا حصر للبعض المظهر فيما يتعلق بالرسالة وإنما أشير إلى المتعلق بها لاقتضاء المقام لذلك وكون كل غيب يظهر عليه الرسول لا يكون إلا متعلقاً برسالته محل توقف وللمفسرين ههنا كلام لا بأس بذكره بما له وما عليه حسب الإمكان ثم الأمر بعد ذلك إليك فنقول لما كان مذهب أكثر أهل السنة القول بكرامة الولي بالاطلاع على الغيب وكان ظاهر قوله تعالى ﴿ عالم الغيب فلا يظهر ﴾ [ الجن :٢٦ ] الخ دالاً على نفيها ولذا قال الزمخشري :إن في هذا إبطال الكرامات أي في الجملة وهي ما كان من الإظهار على الغيب لأن الذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل وقد خص الله تعالى الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب وإبطال الكهانة والتنجيم لأن أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط انتهى أنجدوا وأتهموا وأيمنوا وأشأموا في تفسير الآية على وجه لا ينافي مذهبهم ولا يتم عليه استدلال المعتزلي على مذهبه فقال الإمام ليس في قوله تعالى على غيبه صيغة عموم فيكفي العمل بمقتضاه أن لا يظهر تعالى خلقه على غيب واحد من غيوبه فنحمله على وقت وقوع القيامة فيكون المراد من الآية أنه تعالى لا يظهر هذا الغيب لأحد فلا يبقى في الآية دلالة على أنه سبحانه لا يظهر شيئاً من الغيوب لأحد ويؤكد ذلك وقوع الآية بعد قوله تعالى : ﴿ قُلْ إِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ ﴾ [ الجن :٢٥ ] والمراد به وقوع يوم القيامة ثم قال فإن قيل إذا حملتم ذلك على القيامة فكيف قال سبحانه إلا من ارتضى من رسول مع أنه لا يظهر هذا الغيب لأحد من رسله قلنا بل يظهره عند القرب من إقامة القيامة وكيف لا وقد قال تعالى ﴿ يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً ﴾ [ الفرقان :٢٥ ] ولا شك أن الملائكة يعلمون في ذلك الوقت وأيضاً يحتمل أن يكون هذا الاستثناء منقطعاً كأنه قيل عالم الغيب فلا يظهر على غيبه المخصوص وهو قيام القيامة أحداً ثم قيل إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه حفظة يحفظونه من شر مردة الإنس والجن انتهى وتعقب بأن في غيبه ما يدل على العموم كما سمعت أولاً والسياق لا يأباه اللهم إلا أن يطعن في ذلك وأيضاً ظاهر جوابه الأول عن القيل كون المراد بالرسول في الآية الرسول الملكي ويأباه ما بعد من قوله تعالى : ﴿ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ ﴾ [ الجن :٢٧ ] الخ على أن علم الملائكة بوقت الساعة يوم تشقق السماء ليس من الإظهار على الغيب بل هو من إظهار الغيب وإبرازه للشهادة كإظهار المطر عند نزوله وما في الأرحام عند وضعه إلى غير ذلك وأيضاً الانقطاع على الوجه الذي ذكره بعيد جداً إذ فيه قطع المناسبة بين السابق واللاحق بالكلية اللهم إلا أن يقال مثله لا يضر في المنقطع وقيل إن الإظهار على الغيب بمعنى الاطلاع عليه على أتم وجه بحيث يحصل به أعلى مراتب العلم والمراد عموم السلب ولا يضر في ذلك دخول ما يفيد العموم في حيز النفي لأن القاعدة أكثرية لا مطردة لقوله تعالى : ﴿ والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [ الحديد :٢٣ ] وقوله سبحانه : ﴿ والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ [ البقرة :٢٧٦ ] وقد نص على ذلك العلامة التفتازاني فيكون المعنى فلا يظهر على شيء من غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه سبحانه يظهره على شيء من غيبه بأن يسلك الخ ولا يرد كرامة الولي إذ ليست من الإظهار المذكور إذ لا يحصل له أعلى مراتب العلم بالغيب الذي يخبر به وإنما يحصل له ظنون صادقة أو نحوها وكذا شأن غيره من أرباب الرياضات من الكفرة وغيرهم وتعقب بأن من الصوفية من قال كالشيخ محيي الدين قدس سره بنزول الملك على الولي وإخباره إياه ببعض المغيبات أحياناً ويرشد إلى نزوله عليه قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا ﴾ [ الأحقاف :١٣ ] الآية وكون ما يحصل له إذ ذاك ظن أو نحوه لا علم كالعلم الحاصل للرسول بواسطة الملك لا يخلو عن بحث بل قد يحصل له بواسطة الإلهام والنفث في الروع نحو ما يحصل للرسول وأيضاً يلزم أن لا يظهر الملك على الغيب إذ الرسول المستثنى رسول البشر على ما هو الظاهر والتزام أنه لا يظهر بالمعنى السابق ويظهر بواسطته مما لا وجه له أصلاً وأيضاً يلزم أن ما يحصل للنبي غير الرسول بالمعنى الأخص المتبادر هنا ليس بعلم بالمعنى المذكور وهو كما ترى وقيل المراد بالغيب في الموضعين الجنس والإظهار عليه على ما سمعت وكذا عدم ورود الكرامة والبحث فيه كالبحث في سابقه وزيادة وقال صاحب الكشف في الرد على الزمخشري الغيب إن كان مفسراً بما فسره في قوله تعالى ﴿ يؤمنون بالغيب ﴾ [ البقرة :٣ ] فالآية حجة عليه لأنه جوز هنالك أن يعلم بإعلامه تعالى أو بنصبه الدليل وهذا الثاني أعني القسم العقلي تنفيه الآية وترشد إلى أن تهذيب طرق الأدلة أيضاً بواسطة الأنبياء عليهم السلام والعقل غير مستقل وأهل السنة عن آخرهم على أن الغيب بذلك المعنى لا يطلع عليه إلا رسول أو آخذ منهم وليس فيه نفي الكرامة أصلاً وإن أراد الغائب عن الحس في الحال مطلقاً فلا بد من التخصيص بالاتفاق فليس فيه ما ينفيها أيضاً وإن فسر بالمعدوم كما ذكره في قوله تعالى ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ [ الأنعام :٧٣ ] فلا بد أيضاً من التخصيص وكذلك لو فسر بما غاب عن العباد أو بالسر على أن ظاهر الآية أنه تعالى عالم كل غيب وحده لا يظهر على غيبه المختص به وهو ما يتعلق بذاته تعالى وصفاته عز وجل بدلالة الإضافة إلا رسولاً وهو كذلك فإن غيبه تعالى لا يطلع عليه إلا بالإعلام من رسول ملكي أو بشري ولا كل غيبه تعالى الخاص مطلع عليه بل بعضه وأقل القليل منه فدل المفهوم على أن غير هذا النوع الخاص من الغيب لا منع من اطلاع الله تعالى غير الرسول عليه فهذا ظاهر الآية دون تعسف ثم لو سلم فالثاني إما مستغرق وإذا قال سبحانه لا يطلع على جميعه أحداً إلا من ارتضى من رسول لم يدل على أنه لا يجوز اطلاع غير الرسول على البعض وأما مطلق ينزل على الكامل منه فيرجع إلى ما اخترناه وتعاضد دلالتا تشريف الإضافة والإطلاق فلا وجه لتعليقه بهذه الآية ومنه يظهر أن الاستدلال من الآية على إبطال الكهانة والتنجيم غير ناهض وإن كان إبطالهما حقاً لأنكره فضلاً عن تكفير من قال بدلالته على حياة أو موت لأنه كفر بهذه الآية كما نقله شيخنا الطيبي عن الواحدي والزجاج وصاحب المطلع انتهى وبحث فيه بأن حمل غيبه على الغيب الخاص بمعنى ما يتعلق بذاته تعالى وصفاته عز وجل مما لا يناسب السياق وبأن ظاهر ما قرره على احتمال الاستغراق يقتضي على تقدير اتصال الاستثناء وإيجاب ضد ما نفي للمستثنى أن يظهر الرسول على جميع غيبه تعالى إلى ما يظهر بالتأمل وذكر العلامة البيضاوي أولاً ما يفهم منه على ما قيل حمل غيبه على العموم مع الاختصاص أي عموم الغيب المخصوص به علمه تعالى وحمل ﴿ فلا يظهر ﴾ [ الجن :٢٦ ] على سلب العموم وحمل الرسول على الرسول البشري واعتبار الاستثناء منقطعاً على أن المعنى فلا يظهر على جميع غيبه المختص به علمه تعالى أحداً إلا من ارتضى من رسول فيظهره على بعض غيبه حتى يكون إخباره به معجزة فلا يتم الاستدلال بالآية على نفي الكرامة وفسر الاختصاص بأنه لا يعلمه بالذات ولكنه علماً حقيقياً يقينياً بغير سبب كاطلاع الغير إلا هو سبحانه وأما علم غيره سبحانه لبعضه فليس علماً للغيب إلا بحسب الظاهر وبالنسبة لبعض البشر وقيل أراد بالغيب المخصوص به تعالى ما لم ينصب عليه دليل ولا يقدح في الاختصاص علم الغير به بإعلامه تعالى إذ هو إضافي بالنسبة إلى من لم يعلم وقال ثانياً في الجواب عن الاستدلال ولعله أراد الجواب عند القوم ما نصه وجوابه تخصيص الرسول بالملك والإظهار بما يكون بغير توسط وكرامات الأولياء على المغيبات إنما تكون تلقياً من الملائكة أي بالنفث في الروع ونحوه وحاصله أن الاستدلال إنما يتم أن لو تحقق كون المراد بالرسول رسول البشر والملك جميعاً أو رسول البشر فقط وبالإظهار الإظهار بواسطة أولاً والكل ممنوع إذ يجوز أن يخص الرسول برسول الملك وأن يراد بالإظهار الإظهار
السورة التالية
Icon