0:00
0:00
سورة الجن
وهي مكية باتفاق الجميع، وعدد آياتها ثمان وعشرون آية.
وهي تتضمن حقائق إسلامية نطق بها القرآن على لسان الجن، مع ذكر توجيهات إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وحقائق تتعلق بالرسالة.
الجن واستماعهم للقرآن [سورة الجن (٧٢) :الآيات ١ الى ١٥]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (٤)
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (٥) وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (٩)
وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤)
وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥)
المفردات:
أُوحِيَ الوحى: هو ما يلقى إلى الأنبياء من عند الله، وفيه معنى الخفاء والسرعة، والإيحاء: أن تلقى إلى غيرك ما يريده عن طريق الإيماء أو الإشارة أو الرسالة أو الكتابة أو الإلهام. نَفَرٌ النفر: العدد القليل، هو من الثلاثة إلى العشرة.
اسْتَمَعَ: أصغى. عَجَباً المراد: يثير العجب ويدعو للغرابة والدهشة.
جَدُّ رَبِّنا يقال: جد هذا في عيني، أى: عظم، فالمراد: تعالى جلال ربنا وعظمته، وقيل الجد: الملك والسلطان. يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً السفيه:
من عنده خفة وطيش تنشأ عن حمق وجهل، والقول الشطط: الذي تخطى صاحبه فيه حد العدل والحق. يَعُوذُونَ: يطلبون النجاة والعون. رَهَقاً: طغيانا وإثما، أو ذلة وخوفا لا يطاق. لَمَسْنَا السَّماءَ: طلبنا بلوغها واستماع أخبارها.
حَرَساً: لفظ يدل على الجمع، والمراد عليها حراس من الملائكة شداد.
شُهُباً: وهي شعلة من نار ساطعة. رَصَداً: يرصده ويرقبه لينقض عليه.
رَشَداً المراد: خيرا ورحمة. نُعْجِزَ اللَّهَ: لن نفوته ونفلت من قدرته.
بَخْساً أى: انتقاصا من حقه في الثواب فيعطى أقل مما له. وَلا رَهَقاً:
لا يخاف ظلما غير محتمل. تَحَرَّوْا رَشَداً أى: طلبوا الأحرى والأهدى من الطريقين. الْقاسِطُونَ قسط: ظلم وجار وأقسط: أزال الظلم والجور أى:
عدل.
لقد ثبت في الصحاح أن الجن «١» استمعوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يصلى بأصحابه، ويقرأ القرآن بصوت أمال الجن فصرفهم إليه، فلما استمعوا، وأفهموا حقائق من كلام الله انطلقوا إلى أهليهم يبشرونهم ويحملون إليهم ما عرفوه، ولقد أوحى الله إلى النبي بهذا ليطمئن خاطره، وتستمر نفسه كما هي قوية شديدة في دعوتها، فإن أعرض عنها المشركون فها هم أولاء الجن يؤمنون ويدعون غيرهم للإيمان بها، نزلت هذه الآية بالإجمال في سورة الأحقاف، الآيتان: ٢٩، ٣٠ ومرة بالتفصيل كما هنا، نزلت فيما نزلت تبكيتا لقريش والعرب، حيث تباطأوا عن الإيمان وكانت الجن أسرع منهم في قبول الدعوة مع أنهم من غير جنس البشر، أما القرشيون والعرب فقد كذبوا حسدا من عند أنفسهم وبغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده.
المعنى:
قل لهم يا محمد: لقد أوحى الله إلىّ أنه استمع نفر من الجن إلى القرآن فقالوا لقومهم عند رجوعهم إليهم: إنا سمعنا قرآنا جليل الشأن بديعا يدعو إلى العجب لأنه مخالف لكلام البشر، بل ولكل الكتب السابقة، في نظامه وأسلوبه وأغراضه ومعانيه، وهو كتاب يهدى إلى الرشد وإلى الخير والحق، وإلى الصراط المستقيم، فنشأ عن ذلك أننا آمنا به وبمن أنزل عليه، وبعد ما آمنا بالقوى القادر الذي أنزله على عبده محمد، ولن نشرك بعد هذا بربنا أحدا من خلقه أيّا كان.
وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا «٢» أى: وصدقنا أن الحال والشأن ارتفع جلال ربنا وعظمته أى: عظمت عظمته وتعالى سلطانه، فهو صاحب الملك والسلطان، تبارك
(١) عالم آخر غير عالمنا، مستتر لا يرى، الله أعلم بحقيقته، ولا نعرف عنه الا ما أخبرنا به الحق أو رسوله في خبره الصحيح، فهو مخلوق من نار وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ وقد بعثت لهم الرسل كما نص القرآن امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
؟ وهم كالبشر سواء بسواء، يثاب مؤمنهم، ويعاقب كافرهم، وهل أمر النبي بدعوتهم فدعاهم أو هم صرفوا إليه فدعاهم ثانيا، الله أعلم. هذا عالم غيبي فلا نقول فيه إلا ما قاله خالقه الذي يعلمه.
(٢) هنا بضع عشرة آية مفتتحة بأن، وقد اختلف القراء في فتح أن وكسرها وقيل: الكسر في الجميع، وقيل:
اتفقوا على الفتح في (أنه استمع). (وأن المساجد لله) ووجه الخلاف في ذلك أن قوله تعالى: قل أوحى إلى أنه استمع، وقوله: فقالوا إنا سمعنا.. فآمنا به تصلح أن تكون معطوفا عليه ثم جاءت هذه الآيات فهل تعطف بالفتح على الموحى به الذي هو أنه استمع؟ أو بالكسر على المقول أى: إنا سمعنا، وجوز بعضهم الفتح عطفا على محل الجار والمجرور في قوله: آمنا به كأنه قيل: صدقنا به، وصدقنا بأنه تعالى جد ربنا، كذلك البواقي، ولك أن تقدر له فعلا يناسب المقام كما ذكر في الشرح.
اسمه وتعالى سره، ما اتخذ صاحبة ولا ولدا، كأن الجن حينما سمعوا القرآن نبههم ذلك إلى خطأ كان يعتقده الكفرة من الجن حيث شبهوا الله بالحادث المحتاج إلى الصاحبة والزوجة والذي يجوز عليه الانفصال والاتصال، ويحتاج إلى الأولاد، وكيف يكون ذلك مع أنه تعالى الغنى عن كل شيء؟
آمنا بالله وصدقنا بأن ما كان يقوله سفيهنا في حقه- سبحانه وتعالى- كان شططا وخروجا عن حد المعقول لفرط بعده عن الحق إذ كان ينسب الصاحبة والولد إليه عز وجل.
وها هم يعتذرون عن تقليدهم لسفيههم وقائدهم في الشر فيقولون: آمنا بالله وصدقنا بخطئنا في ظننا الذي لأجله اعتقدنا ما اعتقدنا في نسبة ما لا يليق بالله، لأننا كنا نظن أن من المستحيل أن يقول واحد من الإنس والجن على الله قولا كاذبا فيه كنسبة الصاحبة والولد له جل شأنه.
كان الرجل من العرب إذا أمسى في واد مقفر، وخاف على نفسه نادى بأعلى صوته يا عزيز هذا الوادي- يريد رئيس الجن فيه- أعوذ بك من سفهاء قومك، فإذا سمع الجن ذلك استكبروا وزادهم هذا إرهاقا وتعنتا وعتوا وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً بمعنى: آمنا بالله وآمنا بأنه كان رجال من الإنس يلجئون إلى الجن يستعيذون بهم، فكان الجن يزدادون بذلك عتوّا واستكبارا وقيل إن معنى الآية: وأنه كان رجال من الإنس يستجيرون برجال منهم وهم الكهان والمنجمون والعرافون، يستجيرون بهم من أذى الجن، فيزداد الكهان والعرافون عتوّا واستكبارا، وهذا علاج جاء على لسان إخواننا الجن لرد البشر إلى الصواب في اعتقادهم في الجن. وعلى ذلك فكاذب من يقول: إن بعض الناس يستخدم الجن أو إن للجن عملا نافعا أو ضارّا في حياتنا يقول الآلوسي: ولعل تعلق الإيمان بهذا باعتبار ما يشعر به من كون ذلك ضلالا موجبا لزيادة الرهق.
وآمنا بأن الإنس ظنوا خطأ كما ظننتم أن الله لن يبعث أحدا من الرسل إلى أحد من العباد، وقيل المعنى: أوحى إلى أن الجن ظنوا كما ظننتم أيها الكفرة أن الله لن يبعث أحدا من خلقه بعد موته.
وبخبركم بأننا طلبنا بلوغ السماء لنسمع كلام أصحابها كما كنا فوجدناها قد ملئت حرسا قويّا من الملائكة أعد لطرد من يسترق السمع، وملئت شهبا رصدا لمن يريد السمع لتحرقه.
ونخبركم كذلك بأننا كنا نقعد منها مقاعد كثيرة لاستراق السمع قبل بعثة النبي صلّى الله عليه وسلّم فمن يستمع الآن يجد له شهابا خاصا به رصد لأجله لا يخطئه، وهذه الشهب لا يمنع وجودها الآن وقبل الآن، وكونها ظاهرة طبيعية لا يمنع أنها أعدت بعد البعثة لذلك مع صفتها الأصيلة، وكثرت لهذا الغرض، ويفيد ذلك قوله: «ملئت».
وآمنا بأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض بحراسة السماء أم أراد بهم ربهم رشدا وخيرا؟
وآمنا بأنا منا الصالحون، أى: في أنفسهم، الطيبون في المعاملات مع غيرهم، المائلون للخير بطبعهم، ومنا غير ذلك، وهم كثير، كنا طرائق مختلفة حيث وكلنا إلى أنفسنا.
وآمنا بأنا لن نعجز الله ولن نفلت منه أبدا أينما كنا في الأرض ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء فالكل في قبضته وتحت تصرفه.
وآمنا بأنا سمعنا الهدى، أى: القرآن فآمنا به من غير تلعثم وتردد فمن يؤمن بربه وبما أنزله- عز وجل- فلا يخاف نقصا ولا يخاف ظلما إذ لا يظلم ربك مثقال ذرة.
وفي الواقع أن ربك لا يظلم أحدا بل الكل يأخذ جزاءه، لكن نصت الآية على أن المؤمن لا ينقص من حسناته! ولا يبخس شيء من عمله.
وبعد سماع القرآن آمنا بأنا منا المسلمون، ومنا القاسطون الجائرون على طريق الهدى، فأما المسلمون المهذبون فأولئك قوم توخوا العدل والحق وقصدوه واتبعوه وآمنوا وعملوا: وأما القاسطون الجائرون عن سنن الحق والعدل والكرامة التي هي سنن الإسلام فأولئك مأواهم جهنم بل كانوا لها حطبا ووقودا.
تلك حقائق إسلامية أوردها القرآن على لسان الجن فكانت دواء لكثير من أمراضنا وتصحيحا لكثير من أفهامنا.
توجيهات إلهية للرسول عليه السلام [سورة الجن (٧٢) :الآيات ١٦ الى ٢٨]
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (١٧) وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠)
قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢) إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (٢٥)
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨)
المفردات:
عَلَى الطَّرِيقَةِ: على ملة الإسلام. غَدَقاً: كثيرا نافعا. لِنَفْتِنَهُمْ لنختبرهم فيه. يَسْلُكْهُ: يدخله. صَعَداً يعلو المعذب فيه، وقيل: شاقّا
الْمَساجِدَ: أماكن السجود، والمراد المواضع المعدة للعبادة والصلاة.
لِبَداً: جمع لبدة، مأخوذة من تلبد القوم: إذا تجمعوا، وعليه قولهم: لبدة الأسد للشعر المتراكم حول عنقه. يُجِيرَنِي: ينفعني ويدفع عنى. مُلْتَحَداً أى:
ملتجأ ألتجئ إليه، أو حرزا أتحصن به. أَمَداً: زمنا بعيدا. يَسْلُكُ المراد:
يقيم ويثبت. رَصَداً: حراسا وحفظة.
المعنى:
قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن، وأوحى إلى أن الحال والشأن لو استقام الإنس والجن على ملة الإسلام التي هي الطريقة المثلى، الطريقة المحكمة التي فيها خير الدنيا والآخرة، أن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء كثيرا مباركا فيه وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف ٩٦] وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [سورة المائدة آية ٦٦].
لو استقام الخلق لأتتهم الدنيا وكثرت أرزاقهم، ثم أتت مرحلة أخرى هي مرحلة الاختبار والابتلاء ليظهر أهم من الشاكرين أم من الذين يكفرون بالنعم! وهذا معنى قوله تعالى: لنفتنهم فيه، ومن يعرض عن ذكر ربه، ولا يقبل على عبادته فإنه يدخله عذابا يعلوه ويكون هو فيه، عذاب- والعياذ بالله- شديد وبئس هذا المصير.
وأوحى إلى أنه لما قام عبد الله ورسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم يدعو الناس إلى الخير وإلى الهدى والنور، لما قام يدعوه كادوا- أى: الإنس والجن- يكونون عليه متراكمين متكتلين ليطفئوا نور الله فأبى الله إلا أن ينصره ويظهر دينه ولو كره المشركون وقد كان ذلك كذلك.
قل لهم يا محمد: ما لكم! وماذا فعلت! إنما أدعو ربي وأعبده وحده ولا أشرك به شيئا فليس هذا بأمر يضركم أو يدعو إلى ما تفعلون.
قل لهم: ما لكم تقفون منى هذا الموقف!! إنى لا أملك لكم ضرّا ولا نفعا، والذي يملك ذلك هو الله، فلم أكن مقصرا في حقكم في شيء!
قل لهم: وماذا أعمل لو لم أدعكم إلى الخير فعاقبنى الله بالسوء!! إنى لن يجيرني من الله أحد، ولن يدفع عنى العذاب أحد، ولن أجد من دونه ملتجأ فأنا مكلف ومأمور بهذا العمل من الله، ولو تأخرت لعاقبنى فما لكم تفعلون معى هذا!! قل لهم: إنى لا أملك لكم شيئا إلا أن أبلغ بلاغا جاءني من الله لكم، هذا البلاغ هو القرآن الذي يهدى إلى التي هي أقوم، إلا بلاغا من الله ورسالاته التي هي أوامره ونواهيه الدينية فمن سمع البلاغ ووعاه، وامتثل جميع الأوامر والنواهي، وتقبل الرسالات الإلهية وتدبرها كانت له الجنة خالدا فيها أبدا.
ومن يعص الله ورسوله في رسالاته وبلاغه، فيعرض عن سماعها وتدبرها والعمل بها فإن له نار جهنم خالدا فيها جزاء وفاقا لتكذيبه وإعراضه وسوء صنيعه.
ولا يزال المشركون سائرين في ضلالهم مغرورين بأنفسهم وبقوتهم، ويستهزئون بك وبوعيدك وبمن معك حتى يروا العذاب، فإذا رأوه فسيعلمون من هو أضعف ناصرا، ومن هو أقل عددا، وسيعلمون أى الفريقين خير مقاما وأحسن نديا!! فاحذروا يا آل مكة هذا.
وكان المشركون حينما يسمعون هذا التهديد بالعذاب يوم القيامة ينكرونه ويستهزئون به فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يقول لهم: ما أدرى وقت هذا العذاب، أما نفس العذاب فواقع لا محالة، غير أنى لست أدرى أقريب هو أم بعيد؟ قد جعل له ربي زمنا طويلا.
هو عالم الغيب وحده، لا يطلع على غيبه أحدا، إلا من ارتضاه من رسول فإنه يطلعه على بعض غيبه مما يحتاج إليه في رسالته ويكون من الخير الاطلاع عليه، أما غير ذلك فلا يرقى إلى غيبه مخلوق من إنس أو جن أو ملك، وكيف يكون ذلك؟ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [سورة الأنعام آية ٥٩].
والخلاصة: أن الله عنده علم الغيب، ولا يطلع عليه أحدا من خلقه إنسيّا كان أو جنيّا حكيما أو كاهنا أو غيرهما، إلا من ارتضى من رسله الذين هم أصحاب الشرائع السماوية، فإن الله أطلعهم على بعض غيوبه فكانت التوراة والزبور والإنجيل والقرآن وما فيهم. ذلك هو الغيب الذي أطلع الله عليه بعض خلقه بواسطة الوحى به على لسان الأمين جبريل وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [سورة التكوير آية ٢٤] فالمراد بالغيب القرآن، أى: ما هو بمتهم عليه حتى يتصور أنه غير أو بدل.
ويريد الله أن يعلمنا أن هذا الغيب وصل إلى الرسل عن طريق محكم جدّا، وبلغه الرسل بأمانة ودقة وحكمة، لم يكن معه نسيان أو إهمال أو خطأ في شيء، ألا ترى قوله: فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ فإنه يسلك من بين يدي الرسول ومن خلفه حرسا شديدا يحفظونه من الوساوس والاختلاط، والذهول والنسيان حتى لا يترك بعض ما أوحى إليه أو يقصر في تبليغه إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
[سورة القيامة آية ١٧] وهذا ما يسمى في عرف علماء التوحيد بالأمانة والعصمة.
كل ذلك ليعلم ربك علم ظهور وانكشاف- أى: يتحقق هذا في الخارج ويشاهده الجميع- أن قد أبلغوا- أى: الرسل- رسالات ربهم، أو ليعلم أن قد أبلغ جبريل زعيم الملائكة رسالات ربهم، والحال أن الحق- تبارك وتعالى- أحاط بما لديهم كله إحاطة العليم الخبير، الناقد البصير، وأحصى كل شيء من هذا الكون حالة كونه معدودا مميزا عن غيره، فهل يعقل أن يتطرق إلى الرسل شك في زيادة أو نقص إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ! [سورة الحجر آية ٩].
وانظر إلى ختام السورة، بإبراز الغيب الإلهى محاطا بسور لا يقربه إلا المرتضى المختار من الرسل الكرام، أما الجن والكهان ومن يدعى علم الغيب فأولئك كذبة فجرة، لا يعرفون أنفسهم..
السورة التالية
Icon