0:00
0:00

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة الجن
مقدمة وتمهيد
١- سورة " الجن " من السور المكية الخالصة، وتسمى بسورة [ قل أوحي... ]، وعدد آياتها ثمان وعشرون آية بلا خلاف، وكان نزولها بعد سورة " الأعراف " وقبل سورة " يس " وقد سبقها في ترتيب النزول ثمان وثلاثون سورة، إذ هي السورة التاسعة والثلاثون –كما ذكر السيوطي-.
أما ترتيبها في المصحف، فهي السورة الثانية والسبعون.
٢- والمتدبر لهذه السورة الكريمة، يراها قد أعطتنا صورة واضحة عن عالم الجن، فهي تحكي أنهم أعجبوا بالقرآن الكريم، وأن منهم الصالح ومنهم غير الصالح، وأنهم لا يعلمون الغيب، وأنهم أهل للثواب والعقاب، وأنهم لا يملكون النفع لأحد، وأنهم خاضعون لقضاء الله –تعالى- فيهم.
كما أن هذه السورة قد ساقت لنا ألوانا من سنن الله التي لا تتخلف، والتي منها :أن الذين يستقيمون على طريقه يحيون حياة طيبة في الدنيا والآخرة..
كما أنها لقنت النبي صلى الله عليه وسلم الإجابات التي يرد بها على شبهات المشركين وأكاذيبهم، وساقت له ما يسليه عن سفاهاتهم، وما يشرح صدره، ويعينه على تبليغ رسالة ربه..
ويبدو أن نزول هذه السورة الكريمة كان في حوالي السنة العاشرة، أو الحادية عشرة، من البعثة –كما سنرى ذلك من الروايات-، وأن نزولها كان دفعة واحدة..

قد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات روايات منها ما أخرجه الشيخان والترمذى، عن ابن عباس أنه قال : " انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فى طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ بنخلة، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا :مالكم ؟ قالوا :حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا :حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا :ما ذاك إلا لشئ حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذى حال بيننا وبين خبر السماء ؟ فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربهما، فمر النفر - من الجن - الذى أخذوا نحو تهامة، عامدين إلى سوق عكاظ، فوجدوا الرسول صلى الله عليه وسلم بنخلة يصلى بأصحابه صلاة الصبح، فلما سمعوا القرآن، استمعوا إليه وقالوا :هذا الذى حال بيننا وبين خبر السماء ".
فرجعوا إلى قومهم فقالوا :يا قومنا، إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا آحدا، وأنزل الله - تعالى - على نبيه ﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن ﴾.
وروى أبو داود عن علقمة عن ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أتانى داعى الجن، فذهبت معهم، فقرأت عليهم القرآن.. "
وهناك رواية ثالثة لابن إسحاق ملخصها :أنه لما مات أبو طالب، خرج النبى صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس النصرة من أهلها ويدعوهم إلى الإِيمان.. فأغروا به سفهاءهم، يسبونه ويستهزئون به..
فانصرف صلى الله عليه وسلم عنهم، حتى إذا كان ببطن نخلة - هو موضع بين مكة والطائف - قام يصلى من الليل، فمر به نفر من جن نصيبين - وهو موضع قرب الشام - فاستمعوا إليه، فلما فرغ من صلاته، ولوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله - تعالى - خبرهم عليه..
وهناك روايات أخرى فى عدد هؤلاء الجن، وفى الأماكن التى التقوا فيها مع النبى صلى الله عليه وسلم وفيما قرأه الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم، وفيمن كان معه من الصحابة خلال التقائه بهم..
ويبدو لنا من مجموع الروايات، أن لقاء النبى صلى الله عليه وسلم بالجن قد تعدد، وأنهم تارة استمعوا إليه صلى الله عليه وسلم دون أن يراهم، وتارة التقى بهم وقرأ عليهم القرآن.
قال الآلوسى :وقد دلت الأحاديث على أن وفادة الجن كانت ست مرات، ويجمع بذلك بين اختلاف الروايات فى عددهم وفى غير ذلك. وذكر ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال :صرفت الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين.
قال القرطبى :واختلف أهل العلم فى أصل الجن. فعن الحسن البصرى :أن الجن ولد إبليس، والإِنس ولد آدم، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون، وهم شركاء فى الثواب والعقاب، فمن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنا فهو ولى الله، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان.
وعن ابن عباس :أن الجن هم ولد الجان وليسوا بشياطين ومنهم المؤمن والكافر، والشياطين هم ولد إبليس، لا يموتون إلا مع إبليس..
وقال بعض العلماء :عالم الجن من العوالم الكونية، كعالم الملائكة وقد أخبر الله - تعالى - أنه خلقه من مارج من نار، أى :أن عنصر النار فيه هو الغالب، وأنه يرى الأناسى وهم لا يرونه، أى :بصورته الجبلية، وإن كان يرى حين يتشكل بأشكال أخرى، كما رئى جبريل حين تشكل بشكل آدمى.
وأخبر - سبحانه - بأن الجن قادرون على الأعمال الشاقة. وأن الله سخر الشياطين لسليمان يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل..
وأخبر بأن من الجن مؤمنين، وأن منهم شياطين متمردين، ومن هؤلاء إبليس اللعين.
ولم يختلف أهل الملل فى وجودهم، بل اعترفوا به كالمسلمين، وإن اختلفوا فى حقيقتهم، ولا تلازم بين الوجود والعلم بالحقائق، ولا بينه وبين الرؤية بالحواس، فكثير من الأشياء الموجودة لا تزال حقائقها مجهولة، وأسرارها محجوبة، وكثير منها لا يرى بالحواس. ألا ترى الروح - وهى مما لا شك فى وجودها فى الإِنسان والحيوان - لم يدرك كنهها أحد ولم يرها أحد، وغاية ما علم من أمرها بعض صفاتها وآثارها..
وقد بعث النبى صلى الله عليه وسلم إلى الجن، كما بعث إلى الإِنس، فدعاهم إلى التوحيد، وأنذرهم وبلغهم القرآن، وسيحاسبون على الأعمال يوم الحساب كما يحاسب الناس، فمؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم وكل ذلك جاء صريحا فى القرآن والسنة..
وقد افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بأمر النبى صلى الله عليه وسلم بأن يقول الناس ما حدث من الجن عند سماعهم للقرآن. فقال : ﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن ﴾.
وفى هذا الأمر دلالة على أن المأمور به شئ هام، يستدعى من السامعين التيقظ والانتباه، والامتثال للمأمور به، وتصديقه صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به.
والنفر :الجماعة من واحد إلى عشرة، وأصله فى اللغة الجماعة من الإِنس فأطلق على الجماعة من الجن وعلى وجه التشبيه.
أى :قل - أيها الرسول الكريم - للناس، إن الله - تعالى - قد أخبرك عن طريق أمين وحيه جبريل :أن جماعة من الجن قد استمعوا إليك وأنت تقرأ القرآن..
فقالوا - على سبيل الفرح والإِعجاب لما سمعوا - : ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا ﴾ من الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿ قُرْآناً عَجَباً ﴾ أى :إنا سمعنا قرآنا جليل الشأن، بديع الأسلوب، عظيم القدر.
هذا القرآن ﴿ يهدي إِلَى الرشد ﴾ أى :إلى الخير والصواب والهدى ﴿ فَآمَنَّا بِهِ ﴾ إيمانا حقا، لا يخالطه شك أو ريب ﴿ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً ﴾ أى :فآمنا بما اشتمل عليه هذا الكتاب من دعوة إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، ولن نشرك معه فى العبادة أحدا كائنا من كان هذا الحد.
والمقصود من أمره صلى الله عليه وسلم بذلك، دعوة مشركى قريش إلى الإِيمان بالحق الذى جاء به صلى الله عليه وسلم كما آمن جماعة من الجن به، وإعلامهم بأن رسالته صلى الله عليه وسلم تشمل الجن والإِنس.
وضمير " أنه " للشأن، وخبر " أن " جملة ﴿ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن ﴾، وتأكيد هذا الخبر بأن، للاهتمام به لغرابته. ومفعول " استمع " محذوف لدلالة قوله : ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً ﴾ عليه.
ووصفهم للقرآن بكونه ﴿ قُرْآناً عَجَباً. يهدي إِلَى الرشد ﴾ يدل على تأثرهم به تأثرا شديدا، وعلى إعجابهم العظيم بنظمه المتقن، وأسلوبه الحكيم، ومعانيه البديعة.. ولذا أعلنوا إيمانهم به بدون تردد، كما يشعر بذلك التعبير بالفاء فى قوله : ﴿ فَآمَنَّا بِهِ... ﴾.
والتعبير بقوله - تعالى - : ﴿ فقالوا إِنَّا سَمِعْنَا.. ﴾ يحتمل أنهم قالوا ذلك فيما بينهم، أو لإِخوانهم الذين رجعوا إليهم، كما فى قوله - تعالى - فى سورة الأحقاف : ﴿ قَالُواْ ياقومنآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يهدي إِلَى الحق وإلى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ ويحتمل أنهم قالوا ذلك فى أنفسهم على سبيل الإِعجاب، كما فى قوله - تعالى - : ﴿ وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ ﴾ بل إننا نرجح أن قولهم هذا قد شمل كل ذلك، لأن هذا هو الذى يتناسب مع إعجابهم بالقرآن الكريم، ومع حرصهم على إيمان أكبر عدد منهم به.
ثم حكى - سبحانه - أن هذا النفر من الجن بعد استماعهم إلى القرآن وإيمانهم به، أخذوا فى الثناء على الخالق - عز وجل - فقال حكاية عنهم : ﴿ وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتخذ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدا ﴾.
ولفظ " وأن " قد تكرر فى هذه السورة الكريمة أكثر من عشرمرات، تارة بالإِضافة إلى ضمير الشأن، وتارة بالإِضافة إلى ضمير المتكلم.
ومن القراء السبعة من قرأة بفتح الهمزة، ومنهم من قرأه بكسرها، فمن قرأ ﴿ وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا... ﴾ بالفتح فعلى أنه معطوف على محل الجار والمجرور فى قوله ﴿ فَآمَنَّا بِهِ... ﴾ فكأنه قيل :فصدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا.. ومن قرأ بالكسر فعلى أنه معطوف على المحكى بعد القول، أى :قالوا :إنا سمعنا قرآنا عجبا، وقالوا :إنه تعالى جد ربنا..
قال الجمل فى حاشيته ما ملخصه :قوله - تعالى - : ﴿ وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا... ﴾ قرأه حمزة والكسائى وأبو عامر وحفص بفتح " أنّ " وقرأه الباقون بالكسر.
وتلخيص هذا أن " أنّ " المشددة فى هذه السورة على ثلاثة أقسام :قسم ليس معه واو العطف، فهذا لا لخلاف بين القراء فى فتحه أو كسره، على حسب ما جاءت به التلاوة واقتضته العربية، كقوله ﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع... ﴾ لا خلاف فى فتحه لوقوعه موقع المصدر، وكقوله : ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً ﴾ لا خلاف فى كسره لأنه محكى بالقول.
القسم الثانى أن يقترن بالواو، وهو أربع عشرة كلمة، إحداها :لا خلاف فى فتحها، وهى قوله : ﴿ وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ... ﴾ وهذا هو القسم الثالث. والثانية وهى قوله : ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله... ﴾ كسرها ابن عامر وأبو بكر وفتحها الباقون.
والاثنتا عشرة الباقية، فتحها بعضهم، وكسرها بعضهم وهى قوله :- تعالى - : ﴿ وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا... ﴾ وقوله : ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ.... ﴾ ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّآ... ﴾ ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ... ﴾ ﴿ وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ... ﴾ ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا... ﴾ ﴿ وَأَنَّا كُنَّا... ﴾ ﴿ وَأَنَّا لاَ ندري.... ﴾ ﴿ وَأَنَّا مِنَّا الصالحون... ﴾ ﴿ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الهدى... ﴾ ﴿ وَأَنَّا مِنَّا المسلمون ﴾.
وقوله : ﴿ تعالى ﴾ من التعالى وهو شدة العلو. و ﴿ جَدُّ رَبِّنَا ﴾ الجد - بفتح الجيم - العظمة والجلال.
قال القرطبى :الجد فى اللغة :العظمة والجلال، ومنه قول أنس :كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد فى عيوننا. أى :عظم. فمعنى جد ربنا :عظمته وجلاله.
وقيل معنى " جد ربنا.. " غناه، ومنه قيل للحظ جد، ورجل مجدود، أى :محظوظ. وفى الحديث : " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " أى :ولا ينفع ذا الغنى منك غناه، وإنما تنفعه الطاعة..
وجملة ﴿ مَا اتخذ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدا ﴾ بيان وتفسير لما قبله.
أى :آمنا به - سبحانه - إيمانا حقا، وصدقنا نبيه فيما جاءنا به من عنده، وصدقنا - أيضا - أن الحال والشأن تعالى وتعاظم جلال ربنا، وتنزه فى ذاته وصفاته، عن أن يكون له شريك فى ملكه. أو أن تكون له صاحبة أو أن يكون له ولد، كما زعم الزاعمون من الكافرين الجاهلين.
وفى هذا القول من هذا النفر من الجن، رد على أولئك المشركين الذين كانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله - تعالى -، وأنهم - أى الملائكة - جاءوا عن طريق مصاهرته - سبحانه - للجن، كما حكى عنهم - سبحانه - ذلك فى قوله : ﴿ وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجنة إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ. سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ ﴾
ثم حكى - سبحانه - أقوالا أخرى لهؤلاء المؤمنين من الجن فقال : ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى الله شَطَطاً... ﴾ والمراد بالسفينة هنا :إبليس - لعنة الله - وقيل المراد به الجنس فيشمل كل كافر ومتمرد من الجن، والشطط، مجاوزة الحد والعدل فى كل شئ، أى :أننا ننزه الله - تعالى - عما كان يقوله سفهاؤنا - وعلى رأسهم إبليس - من أن الله - عز وجل - صاحبة أو ولدا، فإن هذا القول بعيد كل البعد عن الحق والعدل والصواب.
وقوله : ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ الإنس والجن عَلَى الله كَذِباً ﴾ اعتذار منهم من كفرهم السابق، فكأنهم يقولون بعد أن استمعوا إلى القرآن، وآمنوا بالله - تعالى - وحده :إننا ننزه الله - تعالى - عما قاله السفهاء فى شأنه.. وإذا كنا قد اتبعناهم قبل إيماننا، فسبب ذلك أننا صدقنا هؤلاء السفهاء فيما قالوه لنا، وما كنا نعتقد أو نتصور أو نظن أن هؤلاء السفهاء يصل بهم الفجور والكذب.. إلى هذا الحد الشنيع.
وقوله : ﴿ كذبا ﴾ مفعول به لتقول، أو صفة لمصدر محذوف، أى :قولا مكذوبا
ثم - حكى - سبحانه - عنهم تكذيبهم لما كان متعارفا عليه فى الجاهلية من أن الجن سلطانا على الناس، وأن لهم قدرة على النفع والضر.. فقال - تعالى - : ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن فَزَادُوهُمْ رَهَقاً.. ﴾.
وقوله : ﴿ يَعُوذُونَ ﴾ من العَوْذ بمعنى الاستجارة بالشئ والالتجاء إليه طلبا للنجاة.
والرهق :الإِثم وغشيان المحارم.
قال صاحب الكشاف :والرهق :غشيان المحارم، والمعنى :أن الإِنس باستعاذتهم بهم - أى بالجن - زادوهم كفرا وتكبرا. وذلك أن الرجل من العرب كان إذا أمسى فى واد قفر فى بعض مسايره، وخاف على نفسه قال :أعوذ بسيد هذا الوادى من سفهاء قومه، يريد الجن وكبيرهم، فإذا سمعوا ذلك استكبروا وقالوا :سدنا الجن والإِنس، فذلك رهقهم، أو :فزاد الجنُّ والإِنسَ رهقا بإغوائهم وإضلالهم لاستعاذتهم بهم..
فالمقصود به من الآية الكريمة بيان فساد ما كان شائعا فى الجاهلية - بل وفى بعض البيئات حتى الآن - من أن الجن لهم القدرة على النفع والضر وأن بعض الناس كانوا يلجأون إليهم طلبا لمنفعتهم وعونهم على قضاء مصالحهم.
وإطلاق اسم الرجال على الجن، من باب التشبيه والمشاكلة لوقوعه من رجال من الإِنس، فإن الرجل اسم للمذكر البالغ من بنى آدم.
وقوله - سبحانه - : ﴿ وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ الله أَحَداً ﴾ بيان لما استنكره هؤلاء النفر المؤمنون من الجن على قومهم الكافرين. وعلى من يشبهونهم فى الكفر من الإِنس.
أى :وأنهم - أى الإِنس - ظنوا واعتقدوا ﴿ كَمَا ظَنَنتُمْ ﴾ واعتقدتم أيها الجن، أن الله - تعالى - لن يبعث أحدا بعد الموت، وهذا الظن منهم ومنكم ظن خاطئ فاسد، فإن البعث حق، وإن الحساب حق، وإن الجزاء حق.
وفى هذا القول من مؤمنى الجن، تعريض بمشركى قريش، الذين أنكروا البعث، وقالوا : ﴿ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر.. ﴾
ثم حكى - سبحانه - عنهم ما قالوه عند اقترابهم من السماء، طلبا لمعرفة أخبارها.
. قبل أن يؤمنوا فقال : ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ﴾.
وقوله : ﴿ لَمَسْنَا ﴾ من اللمس، وحقيقته الجس واليد، واستعير هنا، لطلب أخبار السماء، لأن الماس للشئ فى العادة، إنما يفعل ذلك طلبا لاختباره ومعرفته.
والحرس :اسم جمع للحراس، كخدم وكخدام، والشهب :جمع شهاب، وهو القطعة التى تنفصل عن بعض النجوم، فتسقط فى الجو أو على الأرض أو فى البحر.
أى :وأنا طلبنا أخباء السماء كما هى عادتنا قبل أن نؤمن ﴿ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ﴾ أى :فوجدناها قد امتلأت بالحراس الأشداء من الملائكة الذين يحرسونها من استراق السمع.. كما أنا قد وجدناها قد امتلأت بالشهب التى تنقض على مسترقى السمع فتحرقهم.
﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا ﴾ أى من السماء ﴿ مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ﴾ أى :كنا نقعد منها مقاعد كائنة للسمع، خالية من الحرس والشهب.
﴿ فَمَن يَسْتَمِعِ الآن ﴾ بعد نزول القرآن، الذى هو معجزة للنبى صلى الله عليه وسلم والذى آمنا به وصدقناه.
﴿ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ﴾ أى :فمن يجلس الآن ليسترق السمع من السماء يجد له شهابا معدا ومهيأ للانقضاض عليه فيهلكه.
فالرصد :جمع راصد، وهو الحافظ للشئ، وهو وصف لقوله " شهابا ".
والفاء فى قوله : ﴿ فَمَن يَسْتَمِعِ الآن ﴾ للتفريع على محذوف، وكلمة " الآن " فى مقابل كلمة " كنا " الدالة على المحذوف.
والتقدير :كنا نقعد منها مقاعد للسمع، فنستمع أشياء، وقد انقضى ذلك، وصرنا من يستمع الآن منا يجد له شهابا رصدا، ينقض عليه فيحرقه.
والمقصود من هاتين الآيتين :تأكيد إيمانهم بالله - تعالى -، وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وحض غيرهم على اتباعهم، وتحذيرهم من التعرض لاستراق السمع.
قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين : " يخبر الله - تعالى - عن الجن حين بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له أن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا، وحفظت من سائر أرجائها، وطردت الشياطين عن مقاعدها التى كانت تقعد فيها قبل ذلك، لئلا يسترقوا شيئا من القرآن، فيلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس الأمر ويختلط ولا يدرى من الصادق، وهذا من لطف الله بخلقه، ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز، ولهذا قالت الجن : ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ﴾ أى :من يروم أن يسترق السمع اليوم يجد له شهابا مرصدا، لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يمحقه ويهلكه ".
وقال بعض العلماء :والصحيح أن الرجم كان موجودا قبل المبعث. فلما بعث صلى الله عليه وسلم كثر وازداد، كما ملئت السماء بالحرس والشهب.
وليس فى الآية دلالة على أن كل ما يحدث من الشهب إنما هو للرجم، بل إنهم إذا حاولوا استراق السمع رجموا بالشهب، وإلا فالشهب الآن وفيما مضى قد تكون ظواهر طبيعية ولأسباب كونية..
ثم حكى - سبحانه - ما قالوه على سبيل الإِقرار بأنهم لا يعلمون شيئا من الغيوب فقال : ﴿ وَأَنَّا لاَ ندري أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً ﴾.
أى :وقال هؤلاء الجن المؤمنون على سبيل الاعتراف بأن مرد علم الغيوب إلى الله - تعالى - وحده :قالوا وإنا لا ندرى ولا نعلم الآن، بعد هذه الحراسة المشددة للسماء، أأريد بأهل الأرض ما يضرّ بهم، أم أراد الله - تعالى - بها ما ينفعهم ؟
قال الآلوسى :ولا يخفى ما فى قولهم هذا من الأدب، حيث لم يصرحوا بنسبة الشر إلى الله - تعالى -، كما صرحوا به فى الخير، وإن كان فاعل الكل هو الله - تعالى - ولقد جمعوا بين الأدب وحسن الاعتقاد..
ثم حكى - سبحانه - ما قالوه فى وصف حالهم وواقعهم فقال : ﴿ وَأَنَّا مِنَّا الصالحون... ﴾ أى :منا الموصوفون بالصلاح والتقوى.. وهم الذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا، ولم يشركوا معه فى العبادة أحدا..
﴿ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ أى :ومنا قوم دون ذلك فى الصلاح والتقوى.. وهم الذين فسقوا عن أمر ربهم، ولم يستقيموا على صراطه ودينه.
وقوله : ﴿ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً ﴾ تشبيه بليغ. والطرائق :جمع طريقة، وهى الحالة والمذهب.
وقددا :جمع قِدَّة، وهى الفرقة والجماعة من الناس، الذين تفرقت مشاربهم وأهواؤهم.
والجملة الكريمة بيان وتفسير لما قبلها.
أى :وأنا من واقع أمرنا منا الصالحون الأخيار.. ومنا من درجته ورتبته أقل من ذلك بكثير أو بقليل.. فنحن فى حياتنا كنا قبل سماعنا للقرآن كالمذاهب المختلفة فى حسنها وقبحها، وكالطرق المتعددة فى استقامتها واعوجاجها.. أما الآن فقد وفقنا الله - تعالى - إلى الإِيمان به، وإلى إخلاص العبادة له..
ومن وجوه البلاغة فى الآية الكريمة، أنهم قالوا : ﴿ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ﴾، ليشمل التعبير من هم دون الكمال فى الصلاح، ومن هم قد انحدروا فى الشرور والآثام إلى درجة كبيرة، وهم الأشرار.
والمقصود به الآية الكريمة، مدح الصالحين، وذم الصالحين، ودعوتهم إلى الاقتداء بأهل الصلاح والتقوى والإِيمان.
ثم حكى - سبحانه - ما قالوه بشأن عجزهم المطلق أمام قدرة خالقهم فقال : ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ الله فِي الأرض وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً ﴾.
والظن هنا بمعنى العلم واليقين. وقوله : ﴿ نُّعْجِزَهُ ﴾ من الإِعجاز، وهو جعل الغير عاجزا عن الحصول على ما يريد. وقوله ﴿ فِي الأرض ﴾ و ﴿ هَرَباً ﴾ فى موضع الحال.
أى :وأننا قد علمنا وتيقنا بعد إيماننا وبعد سماعنا للقرآن.. أننا فى قبضة الله - تعالى - وتحت قدرته، ولن نستطيع الهرب من قضائه سواء أكنا فى الأرض أم فى غيرها.
فقوله : ﴿ فِي الأرض ﴾ إشارة إلى عدم قدرتهم على النجاة من قضائه - تعالى - مهما حاولوا اللجوء إلى أية بقعة من بقاعها، ففى أى بقعة منها يكونون، يدركهم قضاؤه وقدره.
وقوله : ﴿ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً ﴾ إشارة إلى أن هربهم إلى السماء لا إلى الأرض، لن ينجيهم مما يريده - سبحانه - بهم.
فالمقصود بالآية الكريمة :إظهار عجزهم المطلق أمام قدرة الله - تعالى - وعدم تمكنهم من الهرب من قضائه، سواء ألجأوا إلى الأرض، أم إلى السماء.
وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - : ﴿ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾
ثم حكى - سبحانه - حالهم عندما سمعوا ما يهديهم إلى الرشد.. فقال - تعالى - : ﴿ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الهدى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً.. ﴾.
أى :وأننا لما سمعنا الهدى، أى :القرآن من النبى صلى الله عليه وسلم ﴿ آمَنَّا بِهِ ﴾ بدون تردد أو شك ﴿ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ ﴾ وبما أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً ﴾ أى :نقصا فى ثوابه ﴿ وَلاَ رَهَقاً ﴾ أى :ولا يخاف - أيضا - ظلما يحلقه بزيادة فى سيئاته، أو إهانة تذله وتجعله كسير القلب، منقبض النفس.
فالمراد بالبخس :الغبن فى الأجر والثواب. والمراد بالرهق :الإِهانة والمذلة والمكروه.
والمقصود بالآية الكريمة إظهار ثقتهم المطلقة فى عدالة الله - تعالى -.
وقوله - سبحانه - : ﴿ وَأَنَّا مِنَّا المسلمون وَمِنَّا القاسطون فَمَنْ أَسْلَمَ فأولئك تَحَرَّوْاْ رَشَداً. وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً ﴾ تأكيد وتفصيل لما قبله.
والقاسطون :هم الجائرون الظالمون، جمع قاسط، وهو الذى ترك الحق واتبع الباطل، اسم فاعل من قسط الثلاثى بمعنى جار، بخلاف المقسط فهو الذى ترك الباطل واتبع الحق مأخوذ من أقسط الرباعى بمعنى عدل.
أى :وأنا - معاشر الجن - ﴿ مِنَّا المسلمون ﴾ الذين أسلموا وجوههم لله وأخلصوا له العبادة.
﴿ وَمِنَّا القاسطون ﴾ أى :الجائرون المائلون عن الحق إلى الباطل.
﴿ فَمَنْ أَسْلَمَ ﴾ منا ﴿ فأولئك ﴾ المسلمون ﴿ تَحَرَّوْاْ ﴾ أى :توخوا وقصدوا الرشد والحق.
﴿ وَأَمَّا القاسطون ﴾ وهم الذين آُروا الغى على الرشد ﴿ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً ﴾ أى :وقودا لجهنم، كما توقد النار بما يلقى فيها من حطب وما يشبهه.
وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد حكت أقوالا متعددة، لهؤلاء النفر من الجن، الذين استمعوا إلى القرآن، فآمنوا به، وقالوا لن نشرك بربنا أحدا.
ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف، وهى أن الاستقامة على طريقة توصل إلى السعادة، وأن الإِعراض عن طاعته - تعالى - يؤدى إلى الشقاء، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعلن للناس حقائق دعوته، وخصائص رسالته، وإقراره أمامهم بأنه لا يملك لهم ضرا ولا نفعا، وأن علم الغيب مرده إلى الله - تعالى - وحده، فقال - سبحانه - :
﴿ وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى... ﴾.
قوله سبحانه : ﴿ وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقة لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً.. ﴾ معطوف على قوله - تعالى - : ﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن.. ﴾ فهو من جملة الموحى به، وهو من كلام الله - تعالى - لبيان سنة من سننه فى خلقه، واسم " أن " المخففة ضمير الشأن الخبر قوله، ﴿ وَأَلَّوِ استقاموا.. ﴾ والضمير يعود على القاسطين سواء أكانوا من الإِنس أم من الجن.
والماء الغدق :هو الماء الكثير، يقال :غَدِقَتْ فلان غَدَقاً - كفرح - إذا كثر دمعها فهى غدقة، ومنه الغيداق للماء الواسع الكثير، والمراد :لأعطيناهم نعما كثيرة.
أى :ولو أن هؤلاء العادلين عن طريق الحق إلى طريق الباطل استقاموا على الطريقة المثلى، التى هى طريق الإِسلام، والتزموا بما جاءهم به النبى صلى الله عليه وسلم من عند ربه..
لو أنهم فعلوا ذلك، لفتحنا عليهم أبواب الرزق، ولأعطيناهم من بركاتنا وخيراتنا الكثير.. وخص الماء الغدق بالذكر، لأنه أصل المعاش والسعة.
ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - : ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ﴾ وقوله - سبحانه - ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء والأرض... ﴾ وقوله - تعالى - ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ ثم بين - سبحانه - الحكمة فى هذا العطاء لعباده فقال : ﴿ لِّنَفْتِنَهُمْ ﴾ وأصل الفتن الامتحان والاختبار. تقول :فتنت الذهب بالنار، أى :اختبرته لتعرف مقدار جودته.
والمعنى :نعطيهم ما نعطيهم من خيراتنا، لنختبرهم ونمتحنهم، ليظهر للخلائق موقفهم من هذه النعم، أيشكروننا عليها فنزيدهم منها، أم يجحدون ويبطرون فنمحقها من بين أيديهم.. ؟
والجملة الكريمة معترضة بين ما قبلها، وبين قوله - تعالى - بعد ذلك : ﴿ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ﴾.
وقوله : ﴿ يَسْلُكْهُ ﴾ من السلك بمعنى إدخال الشئ فى الشئ ومنه قوله - تعالى - : ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين ﴾ والصَّعَد :الشاق. يقال :فلان فى صَعَد من أمره، أى :فى مشقة وتعب، وهو مصدر صَعِد - كفرح - صعداً وصعودا.
أى :ومن يعرض عن طاعة ربه ومراقبته وخشيته.. يدخله - سبحانه - فى عذاب شاق أليم، لا مفر منه، ولا مهرب له عنه.
ومن الحقائق والحكم التى نأخذها من هاتين الآيتين، أن الاستقامة على أمر الله، تؤدى إلى السعادة التى ليس بعده سعادة، وأن رخاء العيش وشظافته هما لون من ألوان الابتلاء والاختبار، كما قال - تعالى - : ﴿ وَنَبْلُوكُم بالشر والخير ﴾ وأن الإِعراض عن ذكر الله.. عاقبته الخسران المبين، والعذاب الأليم.
قال القرطبى ما ملخصه :قوله : ﴿ لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ أى لنختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك النعم.
وقال عمر بن الخطاب فى هذه الآية :أنيما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة فمعنى ﴿ لأَسْقَيْنَاهُم ﴾ لوسعنا عليهم فى الدنيا، وضرب الماء الغدق الكثير لذلك مثلا، لأن الخير والرزق كله، بالمطر يكون، فأقيم مقامه.
وفى صحيح مسلم، عن أبى سعيد الخدرى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أخوف ما أخاف عليكم، ما يخرج لكم من زهرة الدنيا، قالوا :وما زهرة الدنيا ؟ قال :بركات الأرض.. ".
وقال صلى الله عليه وسلم : " والله ما الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من قبلكم، فتنافسوها، كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ".
قوله سبحانه : ﴿ وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقة لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً.. ﴾ معطوف على قوله - تعالى - : ﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن.. ﴾ فهو من جملة الموحى به، وهو من كلام الله - تعالى - لبيان سنة من سننه فى خلقه، واسم " أن " المخففة ضمير الشأن الخبر قوله، ﴿ وَأَلَّوِ استقاموا.. ﴾ والضمير يعود على القاسطين سواء أكانوا من الإِنس أم من الجن.
والماء الغدق :هو الماء الكثير، يقال :غَدِقَتْ فلان غَدَقاً - كفرح - إذا كثر دمعها فهى غدقة، ومنه الغيداق للماء الواسع الكثير، والمراد :لأعطيناهم نعما كثيرة.
أى :ولو أن هؤلاء العادلين عن طريق الحق إلى طريق الباطل استقاموا على الطريقة المثلى، التى هى طريق الإِسلام، والتزموا بما جاءهم به النبى صلى الله عليه وسلم من عند ربه..
لو أنهم فعلوا ذلك، لفتحنا عليهم أبواب الرزق، ولأعطيناهم من بركاتنا وخيراتنا الكثير.. وخص الماء الغدق بالذكر، لأنه أصل المعاش والسعة.
ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - : ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ﴾ وقوله - سبحانه - ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء والأرض... ﴾ وقوله - تعالى - ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ ثم بين - سبحانه - الحكمة فى هذا العطاء لعباده فقال : ﴿ لِّنَفْتِنَهُمْ ﴾ وأصل الفتن الامتحان والاختبار. تقول :فتنت الذهب بالنار، أى :اختبرته لتعرف مقدار جودته.
والمعنى :نعطيهم ما نعطيهم من خيراتنا، لنختبرهم ونمتحنهم، ليظهر للخلائق موقفهم من هذه النعم، أيشكروننا عليها فنزيدهم منها، أم يجحدون ويبطرون فنمحقها من بين أيديهم.. ؟
والجملة الكريمة معترضة بين ما قبلها، وبين قوله - تعالى - بعد ذلك : ﴿ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ﴾.
وقوله : ﴿ يَسْلُكْهُ ﴾ من السلك بمعنى إدخال الشئ فى الشئ ومنه قوله - تعالى - : ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين ﴾ والصَّعَد :الشاق. يقال :فلان فى صَعَد من أمره، أى :فى مشقة وتعب، وهو مصدر صَعِد - كفرح - صعداً وصعودا.
أى :ومن يعرض عن طاعة ربه ومراقبته وخشيته.. يدخله - سبحانه - فى عذاب شاق أليم، لا مفر منه، ولا مهرب له عنه.
ومن الحقائق والحكم التى نأخذها من هاتين الآيتين، أن الاستقامة على أمر الله، تؤدى إلى السعادة التى ليس بعده سعادة، وأن رخاء العيش وشظافته هما لون من ألوان الابتلاء والاختبار، كما قال - تعالى - : ﴿ وَنَبْلُوكُم بالشر والخير ﴾ وأن الإِعراض عن ذكر الله.. عاقبته الخسران المبين، والعذاب الأليم.
قال القرطبى ما ملخصه :قوله : ﴿ لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ أى لنختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك النعم.
وقال عمر بن الخطاب فى هذه الآية :أنيما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة فمعنى ﴿ لأَسْقَيْنَاهُم ﴾ لوسعنا عليهم فى الدنيا، وضرب الماء الغدق الكثير لذلك مثلا، لأن الخير والرزق كله، بالمطر يكون، فأقيم مقامه.
وفى صحيح مسلم، عن أبى سعيد الخدرى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أخوف ما أخاف عليكم، ما يخرج لكم من زهرة الدنيا، قالوا :وما زهرة الدنيا ؟ قال :بركات الأرض.. ".
وقال صلى الله عليه وسلم : " والله ما الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من قبلكم، فتنافسوها، كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ".
ثم بين - سبحانه - أن المساجد التى تقام فيها الصلاة والعبادات، يجب أن تنسب إلى الله - تعالى - وحده، فقالك ﴿ وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً ﴾.
والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك : ﴿ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن ﴾ والمساجد :جمع مسجد، وهو المكان المعد لإقامة الصلاة والعبادة فيه. واللام فى قوله ﴿ لله ﴾ للاستحقاق.
أى :وأوحى إلىَّ - أيضا - أن المساجد التى هى أماكن الصلاة والعبادة لا تكون إلا الله - تعالى - وحده، ولا يجوز أن تنسب إلى صنم من الأصنام، أو طاغوت من الطواغيت.
قال الإِمام ابن كثير :قال قتادة :كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كناسئهم وبيعهم، أشركو بالله، فأمر الله نبيه والمؤمنين، أن يوحدوه وحده.
وقال سعيد بن جبير :نزلت فى أعضاء السجود :أى :هى لله فلا تسجدوا بها لغيره.. وفى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :أمرت أن أسجد على سبعه أعظم :على الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين.
ويبدو لنا أن المراد بالمساجد هنا الأماكن المعدة للصلاة والعبادة، لأن هذا هو المتبادر من معنى الآية، وأن المقصود بها توبيخ المشركين الذين وضعوا الأنصاب والأصنام، فى المسجد الحرام وأشركوها فى العبادة مع الله - تعالى -.
وأضاف - سبحانه - المساجد إليه، على سبيل التشريف والتكريم وقد تضاف إلى غيره - تعالى - على سبيل التعريف فحسب، وفى الحديث الشريف : " الصلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فى غيره، إلا المسجد الحرام ".
ثم بين - سبحانه - حال الصالحين من الجن، عندما استمعوا إلى النبى صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن، ويتقرب إلى الله - تعالى - بالعبادة فقال : ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾
أى :وأوحى الله - تعالى - فيما أوحى من شأن الجن، ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله ﴾ وهو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ يَدْعُوه ﴾ أى :يدعو الله - تعالى - ويعبده فى الصلاة، ﴿ كَادُواْ ﴾ أى :الجن ﴿ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾ أى :كادوا من شدة التزاحم عليه، والتكتل حوله.
. يكونون كاللبد، أى :كالشئ الذى تلبد بعضه فوق بعض. ولفظ " لِبَدا " جمع لِبْدَة، وهى الجماعة المتزاحمة، ومنه لبدة الأسد للشعر المتراكم فى رقبته.
ووضع - سبحانه - الاسم الظاهر موضع المضمر، إذ مقتضى الظاهر أن يقال :وأنه لما قمت تدعو الله.. أو لما قمتُ أدعو الله.. تكريما للنبى صلى الله عليه وسلم حيث وصفه بأنه " عبد الله " لما فى هذه الإِضافة من التشريف والتكريم.
والجن :إنما ازدحموا حول الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يصلى ويقرأ القرآن.. تعجبا مما شاهدوه من صلاته، ومن حسن قراءته، ومن كمال اقتداء أصحابه، قياما، وركوعا، وسجودا.. ومنهم من يرى أن الضمير فى " كادوا " يعود لكفار قريش، فيكون المعنى :وأنه لما قام محمد صلى الله عليه وسلم يدعو ربه.. كادوا من تزاحمهم عليه، يكونون كاللبد، لا لكى ينتفعوا بما يسمعون، ولكن لكى يطفئوا نور الله بأفواههم، والحال أن الله - تعالى - قد رد كيدهم فى نحورهم، وأبى إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.
قال صاحب الكشاف : " عبد الله " هو النبى صلى الله عليه وسلم، فإن قلت :هلا قيل :رسول الله أو النبى ؟ قلت :لأن تقديره وأوحى إلى أنه لما قام عبد الله، فلما كان واقعا فى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه، جئ به على ما يقتضيه التواضع والتذلل، أو لأن المعنى أن عبادة عبد الله، لله - تعالى - ليست بأمر مستبعد عن العقل ولا مستنكر، حتى يكونوا عليه لبدا.
ومعنى " قام يدعوه " :قام يعبده. يريد :قيامه لصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن، فاستمعوا لقراءته، وتزاحموا عليه.
وقيل معناه :لما قام رسول يعبد الله وحده، مخالفا المشركين فى عبادتهم كاد المشركون لتظاهرهم عليه وتعاونهم على عداوته، يزدحمون عليه متراكمين..
ويبدو لنا أن عودة الضمير فى " كادوا " على مؤمنى الجن أرجح، لأن هذا هو الموافق لإِعجابهم بالقرآن الذى سمعوه من النبى صلى الله عليه وسلم لأن هذا هو الظاهر من سياق الآيات، حيث ن الحديث عنهم، ولأن الآثار قد وردت فى أن الجن قد التفوا حول النبى صلى الله عليه وسلم حين سمعوا يقرأ القرآن.
ومن هذه الآثار قول الزبير بن العوام :هم الجن حين استمعوا القرآن من النبى صلى الله عليه وسلم كادوا يركب بعضهم بعضا ازدحاما عليه..
ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلن لجميع من أرسل إليهم، أنه لا يعبد أحدا سواه - عز وجل - فقال : ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ﴾.
أى :قل - أيها الرسول الكريم - لجميع من أرسلناك إليهم من الجن والإِنس :إنى أعبد ربى وحده، وأتوجه إليه وحده بالدعاء والطلب، ولا أشرك معه أحدا فى عبادتى أو صلاتى أو نسكى.. وقل لهم، كذلك : ﴿ قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً ﴾
﴿ قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً ﴾ أى :لا أملك ما يضركم ﴿ وَلاَ رَشَداً ﴾ أى :ولا أملك ما ينفعكم، وإنما الذى يملك ذلك هو الله - تعالى - وحده
وقل لهم للمرة الثالثة :{ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ الله أَحَدٌ
﴿ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ الله أَحَدٌ ﴾ أى :إنى لن يمنعنى أحد من الله - تعالى - إن أرادنى بسوء.
﴿ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً ﴾ أى :ولن أجد من دونه ملجأ أركن إليه. يقال :التحد فلان إلى كذا، أى :مال إليه.
فالآية الكريمة بيان لعجزه صلى الله عليه وسلم عن شئون نفسه أمام قدرة خالقه - عز وجل - بعد بيان عجزه عن شئون غيره.
وقوله - سبحانه - : ﴿ إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ الله وَرِسَالاَتِهِ... ﴾ استثناء من مفعول ﴿ لاَ أَمْلِكُ ﴾، وهما قوله قبل ذلك : ﴿ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً ﴾ وما يليهما اعتراض مؤكد لنفى الاستطاعة. أى :قل لهم - أيها الرسول الكريم - إنى لا أملك ما يضركم ولا أملك ما ينفعكم، وإنما الذى أملكه هو تبليغ رسالات ربى إليكم، بأمانة واجتهاد.
والبلاغ :مصدر بلَّغ، وهو إيصال الكلام أو الحديث إلى الغير، ويطلق على الكلام المبلغ من إطلاق المصدر على المفعول، مثل : " هذا خلق الله "، و " من " ابتدائية صفة لقوله : " بلاغا " أى :بلاغا كائنا من جهة الله - تعالى - وأمره. والرسالات :جمع رسالة، وهى ما يرسل إلى الغير من كلام أو كتاب. والمراد بها هنا :تبليغ ما أوحاه الله - تعالى - إلى نبيه للناس.
قال الآلوسى ما ملخصه وقوله : ﴿ إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ الله... ﴾ استثناء من مفعول لا أملك.. وما بينهما اعتراض.. فإن كان المعنى :لا أملك أن أضركم ولا أن أنفعكم، كان استثناء متصلا، كأنه قيل :لا أملك شيئا إلا بلاغا، وإن كان المعنى :لا أملك أن أقسركم على الغى والرشد، كان منقطعا، أو من باب :لا عيب فيهم غير أن سيوفنا.. أى :أنه من أسلوب تأكيد الشئ بما يشبه ضده، وقوله ﴿ وَرِسَالاَتِهِ ﴾ عطف على قوله ﴿ بَلاَغاً ﴾ وقوله : ﴿ مِّنَ الله ﴾ متعلق بمحذوف وقع صفه له. أى :بلاغا كائنا من الله..
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة من يخالف أمره فقال : ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ فيما أمرا به، أو نهيا عنه.
﴿ فَإِنَّ لَهُ ﴾ أى :لهذا العاصى ﴿ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ﴾ أى :فحكمه أن له نار جهنم، وجمع - سبحانه - خالدين باعتبار معنى " من "، كما أن الإِفراد فى قوله ﴿ فَإِنَّ لَهُ ﴾ باعتبار لفظها.
وقوله : " أبدا " مؤكد لمعنى الخلود. أى :خالدين فيها خلودا أبديا لا نهاية له.
وقوله - سبحانه - : ﴿ حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً ﴾ تهديد ووعيد للكافرين بسبب استهزائهم بالمؤمنين، فقد حكى القرآن عن الكفار أنهم قالوا : ﴿ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ ﴾ ﴿ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ وقالوا : ﴿ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ و ﴿ حتى ﴾ هنا حرف ابتداء، وهى متعلقة بمحذوف دل عليه الكلام، وهو سخرية الكافرين من المؤمنين و ﴿ إذا ﴾ اسم زمان للمستقبل مضمن معنى الشرط، وهى فى محل نصب بجوابه الذى هو قوله ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ ﴾.
والمعنى :أن هؤلاء الكفار لا يزالون على ما هم عليه من غرور وعناد وجحود.. حتى إذا رأوا ما يوعدون من العذاب فى الدنيا والآخرة ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ ﴾ حينئذ من هو أضعف جندا وأقل عددا، أهم المؤمنون - كما يزعم هؤلاء الكافرون - ؟ أم أن الأمر سيكون على العكس ؟ لا شك أن الأمر سيكون على العكس، وهو أن الكافرين فى هذا اليوم سيكونون فى غاية الضعف والذلة والهوان.
وجئ بالجملة التى أضيف إليها لفظ " إذا " فعلا ماضيا، للتنبيه على تحقق الوقوع. والآية الكريمة تشير إلى خيبة هؤلاء الكافرين، وتلاشى آمالهم.. فإنهم فى هذا اليوم سيفقدون الناصر لهم، كما أنهم سيفقدونه من جهة أنفسهم، لأنهم مهما كثر عددهم، فهم مغلوبون.
ثم أمر الله - تعالى - رسوله للمرة الرابعة، أن يعلن للناس أن هذا اليوم الذى يأتى فيه نصر الله للمؤمنين لا يعلمه إلا هو، فقال - تعالى - : ﴿ قُلْ إِنْ أدري أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ ربي أَمَداً... ﴾.
أى :وقل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين إن نصر الله لنا آت لا ريب فيه، وعذاب الله لكم آت - أيضا - لا ريب فيه، ولكنى لا أدرى ولا أعلم أيتحقق ذلك فى الوقت العاجل القريب، أم يجعل الله - تعالى - لذلك " أمدا " أى :غاية ومدة معينة من الزمان، لا يعلم وقتها إلا هو - سبحانه -.
والمقصود من الآية الكريمة :بيان أن العذاب نازل بهم قطعا ولكن موعده قد يكون بعد وقت قريب، وقد يكون بعد وقت بعيد، لأن تحديد هذا الوقت مرده إلى الله - تعالى - وحده.
وقوله - تعالى - بعد ذلك : ﴿ عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً ﴾ تعليل لما قبله. أى :أنا لا أدرى متى يكون عذابكم - أيها الكافرون - لأن مرد علم ذلك إلى الله - تعالى - الذى هو عليم بكل شئ من الظواهر والبواطن، والذى اقتضت حكمته أن لا يطلع أحدا على غيوبه، وعلى ما استتر وخفى من أمور خلقه.
وقوله : ﴿ إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ﴾ استثناء من النفى فى قوله : ﴿ فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً ﴾.
أى :هو - سبحانه - عالم الغيب، فلا يطلع على غيبه أحدا من خلقه، إلا الرسول الذى ارتضاه واختاره من خلقه، فإنه - سبحانه - قد يطلعه على بعض غيوبه، ليكون ذلك معجزة له، دالة على صدقه أمام قومه.
فإذا ما أراد - سبحانه - إطلاع رسوله المصطفى لحمل رسالته على بعض غيوبه، سخر له من جميع جوانبه حرسا من الملائكة يحرسونه من وسوسة الشيطان ونوازعه، ومن كل ما يتعارض مع توصيل وحيه - سبحانه - إلى رسله - بكل أمانة وصيانة.
ومعنى ﴿ إِلاَّ مَنِ ارتضى... ﴾ من اختار واصطفى واجتنبى، وعبر عن ذلك بقوله ﴿ مَنِ ارتضى ﴾ للإِشعار بأنه - سبحانه - يخص هؤلاء الذين رضى عنهم ورضوا عنه بالاطلاع على بعض غيوبه، على سبيل التأييد والتكريم لهم.
و " من " فى قوله ﴿ مِن رَّسُولٍ ﴾ للبيان. والمراد بالرسول هنا :ما يشمل كل رسول اختاره - سبحانه - لحمل رسالته، سواء أكان من البشر أم من الملائكة.
والضمير فى قوله - تعالى - ﴿ فَإِنَّهُ ﴾ و ﴿ يَسْلُكُ ﴾ يعودان على الله - عز وجل - وأطلق السلك على إيصال الخبر إلى الرسول المرتضى، للإِشعار بأن هذا الخبر الذى أطلع الله - تعالى - رسوله عليه، قد وصل إليه وصولا مؤكدا، ومحفوظا من كل تحريف، كما يدخل الشئ فى الشئ دخولا تاما بقوة وضبط، إذ حقيقة السلك. إدخال الشئ فى الشئ بشدة وعناية..
والمراد بقوله : ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ جميع الجهات، وعبر عن جميع الجهات بذلك، لأن معظم ما يتعرض له الإِنسان يكون من هاتين الجهتين.
والرصد :جمع راصد، وهو ما يحفظ الشئ، ويصونه من كل ما لا يريده، أى :إلا من ارتضى - سبحانه - من رسول، فإنه - عز وجل - يطلعه على ما يشاؤه من غيوبه، ويجعل له حراسا من جميع جوانبه، يحفظونه من كل سوء.
قال الآلوسى :قوله : ﴿ إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ.. ﴾ أى :لكن الرسول المرتضى بظهره - جل وعلا - على بعض الغيوب المتعلقة برسالته.. إما لكون بعض هذه الغيوب من مباديها، بأن يكون معجزة، وإما لكونه من أركانها وأحكامها كعامة التكاليف الشرعية، وكيفيات الأعمال وأجزيتها، ونحو ذلك من الأمور الغيبية، التى بيانها من وظائف الرسالة، بأن يسلك من جميع جوانبه عند إطلاعه على ذلك، حرسا من الملائكة يحرسونه من تعرض الشياطين، لما أريد إطلاعه عليه..
واللام فى قوله - تعالى - : ﴿ لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ.. ﴾ متعلقة بقوله ﴿ يَسْلُكُ ﴾
والضمير فى ﴿ يعلم ﴾ يعود إلى الله - تعالى -، والمراد بالعلم :علم المشاهدة الذى يترتب عليه الجزاء، أى :أطلع الله - تعالى - من ارتضاهم على بعض غيوبه، وحرسهم من وصول الشياطين إلى هذا الذى أظهرهم عليه من غيوب.. ليعلم - تعالى - علم مشاهدة يترتب عليه الجزاء، أن الرسل قد أبلغو رسالته - سبحانه - إلى خلقه، وأنه - تعالى - قد ﴿ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ﴾ أى :أحاط علمه - تعالى - بكل ما لدى الرسل وغيرهم من أقوال وأفعال، ﴿ وأحصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ﴾ أى :وأحصى كل شئ فى هذا الكون إحصاء تاما، وعلما كاملا.
قال الشوكانى :قوله : ﴿ لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ... ﴾ اللام متعلقة بيسلك، والمراد به العلم المتعلق بالإِبلاغ الموجود بالفعل، و " أن " هى المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والخبر الجملة، والرسالات عبارة عن الغيب الذى أريد إظهاره لمن ارتضاه الله من رسول..
وقال قتادة :ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو، وفيه حذف تتعلق به اللام، أى :أخبرناه صلى الله عليه وسلم بحفظنا الوحى، ليعلم أن الرسل قبله كانوا على حالته من التبليغ بالحق والصدق.
وقيل :ليعلم الرسل أن الملائكة قد بلغوا رسالات ربهم..
ويبدو لنا أن عودة الضمير فى " ليعلم " إلى الله - تعالى - هو الأظهر، أى :ليعلم الله - تعالى - أن رسله قد أبلغوا رسالاته علم مشاهدة كما علمه غيبا، لأن علم الله بذلك لا يكون إلا على وفق ما وقع..
وهكذا ساقت لنا سورة " الجن " الكثير من الحقائق التى تتعلق بإصلاح العقائد والأخلاق والسلوك والأفكار التى طغى كثير منها على العقول والأفهام..
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
السورة التالية
Icon