0:00
0:00
فبين سورة «نوح» وسورة «الجن» مقابلة بين عالمين: عالم الإنس، وعالم الجن، وفى عالم الإنس شرّ كان حريّا أن يكون خيرا، وفى عالم الجن خير، كان متوقعا أن يكون شرا.. وفى هذا عبرة، وذكرى لأولى الألباب.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الآيات: (١- ١٥) [سورة الجن (٧٢) :الآيات ١ الى ١٥]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (٤)
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (٥) وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (٩)
وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤)
وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥)
» التفسير:
قوله تعالى:
«قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً».
جاء فى سورة الأحقاف قوله تعالى: «وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ، أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» (٢٩- ٣٢: الأحقاف) - وهذا يعنى أن الجن عقلاء، مكلفون من الله سبحانه وتعالى، ومدعوون إلى الإيمان بالله على يد رسل منهم، أو من البشر، فقد كان منهم المؤمنون بشريعة موسى عليه السلام، كما كان منهم الذين آمنوا بشريعة الإسلام.
وهذه الآيات، هى أخبار خاص للنبى- صلوات الله وسلامه عليه- بما كان من توجيه الله سبحانه وتعالى نفرا من الجن إلى مجلس النبي، يستمعون إليه، وهو يتلو آيات الله، ليلة مبيته بموضع يقال له نخلة، وهو فى طريق عودته من ثقيف، بعد أن جاءهم يعرض عليهم الإيمان برسالته، فجبهوه بالبهت، وردوه فى غلظة وجفاء.
وقد سعد النبي الكريم بهذا الخبر الذي تلقاه من ربه، وأن مالقيه من ثقيف لم يكن إلا حدثا عارضا، وأن أمداد الله سبحانه وتعالى إليه لا تنقطع أبدا، وأنه إذا كان الإنس قد أبو أن يقبلوا هذا الخير الذي يدعوهم إليه، كما أبوا على آذانهم أن تستمع إلى آيات الله يتلوها عليهم- فإن لله جندا فى عالم الظلام والضلال- عالم الجن- قد خرجوا من هذا الظلام إلى النور، وجاءوا إلى حيث يتلو النبي آيات ربه، فاستمعوا إليه، وآمنوا به، وأصبحوا دعاة لدعوته، وجندا يدافعون عنها، ويقاتلون فى سبيلها..
لقد كان هذا الخبر زادا طيبا للنبى الكريم، يتزود منه على مسيرة دعوته، التي توشك أن تنتهى المرحلة الأولى منها، فيتحول بعدها النبي- صلوات الله وسلامه عليه- من مكة إلى المدينة، بعد أن يلتقى بأهل السابقة من الأنصار، الذين جاءوا ليبايعوه على الإسلام، والنصرة، فى بيعتى العقبة الأولى والثانية «١» وهنا فى سورة «الجن» أمر من الله تعالى للنبى بأن يتحدث إلى قريش، وإلى الناس عامة، بأنه قد تلقّى وحيا من ربه، بأن نفرا من الجن، قد استمعوا إليه، وآمنوا به، وتحدثوا عن القرآن الذي استمعوا إليه، هذا الحديث الذي يصف القرآن ببعض ماله من صفات المجادة والعظمة والجلال..
وقد يقول قائل: ما الفرق بين الخبر الذي تلقاه النبي فى سورة الأحقاف، وهذا الأمر الذي تلقاه فى سورة «الجن» وهو يحمل فى كيانه محتوى هذا الخبر الذي تلقاه فى سورة الأحقاف؟ وما الفرق بين أن يجىء الخبر غير مصدّر بالأمر بالقول، وبين الخبر الذي يجىء مطلقا، إذا كان القرآن كله فى معرض العرض على الناس، دون أن يختص النبي بشىء منه يحتجزه لنفسه، ولا يذيعه فى الناس؟
(١) انظر فى هذا المبحث الخاص تحت عنوان: بيعة العقبة وليلة الجن «التفسير القرآنى للقرآن» - الكتاب الثالث عشر- سورة الأحقاف.
ونقول- والله أعلم- إن الخبر الذي تصدّر إلى النبي بهذا الأمر من الله سبحانه بلفظ «قل» إنما يراد به مواجهة المشركين خاصة، والاستعداد لتلقّى ما يثيره هذا الخبر فيهم من ثائرات البهت والتكذيب، وما يفتح لهم من أبواب التشنيع على الرسول والسخرية منه، وأن على النبىّ ألا يلتفت إلى تخرصات هؤلاء المشركين، ولا يحفل بما يثرثرون به من لغو وهذر، إزاء هذه الحقيقة التي استيقنها النبىّ، بعد أن أخبره الله سبحانه وتعالى بها، فى الآيات التي تلقاها من سورة الأحقاف..
فالخبر الذي تلقاه النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- فى سورة الأحقاف: «وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ..» هو أشبه بالسرّ بينه وبين الله سبحانه وتعالى، وإن كان هذا السرّ لا يلبث أن يذاع بعد أن تلقاه النبىّ قرآنا يتلوه على الناس..
أما الخبر الذي تلقاه- صلوات الله وسلامه عليه.. فى سورة الجنّ، فهو أمر بالمبادرة بإذاعة هذا السرّ، الذي كان من شأنه أن يذاع، إن لم يكن اليوم فغدا، أو بعد غد.. إنه حثّ على المبادرة بإذاعة هذا الخبر، وتلاوته جهرا على الناس حتى يقرع أسماع المشركين، وليكن منهم ما يكون!! وسؤال آخر.. هو:
(مخاطبات القرآن وحكايتها كما هى.. ما سرّها؟) هذا الخبر، أو هذه الأخبار، التي يتلقاها النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- مصدّرة بلفظ «قل» أو «يا أيها النبىّ» أو «يا أيها الرسول» لماذا يلتزم النبىّ أن ينقلها كما تلقاها، دون أن يتصرف فيها، فيأخذ منها ماله،
ويدع ما ليس له، بمعنى أن يقطع مقول القول، عن القول، أو أداة النداء والمنادى، عن الخاطب به، فيقول ما أمر بقوله، دون أن يصدره بلفظ: قل، أو يا أيها النبىّ؟
إن المألوف فى لغة التخاطب أن يقال للإنسان مثلا: قل: «لا إله إلا الله محمد رسول الله».. فيقول: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» ولا يقول: «قل لا إله إلا الله محمد رسول الله» :إنه لو قال هذا لما كان ممتثلا للأمر. بل مردّدا لصدى الكلام الذي سمعه.. أفهذا كان شأن رسول الله حين لم ينقل الصورة اللفظية التي سمعها، قولا، ومقولا؟
والجواب- والله أعلم- من وجوه:
فأولا: هذا الأمر الموجه إلى النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- والمصدّر بلفظ «قل» هو أمر صادر إليه من الله سبحانه وتعالى، وأن هذا الذي يوحى من الحق جل وعلا، يملأ الوجود كله، ويسرى فى كل ذرّة من ذرّاته، فهو ليس مجرد قول من شخص إلى شخص، وإنما هو من كلام ربّ العزّة، الذي تبلغ كلماته أسماع الكون، وتنفذ إلى أعماق كل ذرة موجودة فيه.
وثانيا: وتأسيسا على هذا.. أن النبىّ صلوات الله وسلامه عليه.. حين تبلغه كلمات ربّه، يمتلىء بها كيانه، وتفيض بها مشاعره، وتلبسه هذه الكلمات كما تلبس الروح الجسد.. ومن هنا فإنه لا يستطيع أن يفصل بعضا منها عن كيانه، كما لا يستطيع الإنسان أن يقطع بعض روحه، لأنها سر مضمر فيه، يجده ملء وجوده، ولكن لا يعرف لها ذاتا، ولا كنها، ولعلّ هذا من بعض ما يشير إليه قوله تعالى: «وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا»
فإذا كان ما يتلقاه النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- من كلمات ربّه، هو روح منه، فهل يستطيع أن يغيّر من حقيقة الرّوح؟: «قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» (٨٥: الإسراء).. فهو سبحانه وحده، الذي يملك أمرها، ويملك أن يغير أو يبدّل فيها كما يشاء.. ولعل هذا بعض ما يشير إليه قوله تعالى:
«وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا.. لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ» (١١٥: الأنعام).
وثالثا: أن اتصال الأمر بالمأمور به فى كتاب الله، يجعل المأمور به دائما حيّا فى حياة الناس جميعا، ويجعل المؤمنين به فى حال حضور مع النبي، وهو يتلقى أمر ربه.. فكلماتلا المؤمنون آية من آيات الله، فيها خطاب من الله سبحانه وتعالى لنبيه الكريم- تمثّل لهم منها رسول الله ﷺ وهو يتلقى هذا الخطاب من ربه، ويصدع، بما يحمل هذا الخطاب إليه من أمر، أو نهى..
وهذا من شأنه أن يحرك مشاعرهم إلى متابعة النبي والتأسّى به، كلما تلوا آيات الله، وطلع عليهم هذا المشهد الذي يرون فيه رسول الله فى مجلس التأديب، والتعليم من ربه.. وهذا هو بعض السر فى أن كانت تلاوة القرآن، من عبادة المؤمنين التي تعبّدهم الله تعالى بها.. كما يقول سبحانه «فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ» (٢٠: المزمل).
ورابعا: فى خطاب الله سبحانه وتعالى للنبىّ، وفى خطابه سبحانه للمؤمنين، فى القرآن الكريم، شاهد يشهد بأن هذا القرآن هو من عند الله سبحانه وتعالى، لفظا ومعنى، وأنه ليس للنبى فيه كلمة واحدة، وأنه كلام الله سبحانه وتعالى، وأن النبي هو اللسان الذي أنطقه الله بكلماته التي أوحاها إليه، فسمعها الناس منه دون أن يبدل حرفا منه.. فإن الذي يتلقاه النبىّ من كلمات ربّه، هو روح تستولى عليه وتشيع فى كيانه كله.
ويمكن أن نشبه هذا- مع الفارق البعيد فى صورتى التشبيه- بما يكون من مسجّلة الصوت، حين تلتقط صوتا ما، ثم تعيده كما تلقته، دون أن يقع فيه أي تبديل، أو تحريف..
فالنبى صلوات الله وسلامه عليه، إذ يسمع قوله تعالى له: «قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ..
الآية: (٨٤: آل عمران) - لا يملك أن يبدل حرفا مما سمع، ولا يستطيع إلا أن يقول كما سمع: «قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ، وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا.. الآية»
والنبي إذ يسمع قوله تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ». (١٩٩: الأعراف) - لا يستطيع إلا أن يقول: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ»..
وهكذا يحكى النبىّ ما سمع، دون أن يبدل كلمة، أو يغير حرفا.. والله سبحانه وتعالى يقول له: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ» (٦٧: المائدة) فالأمر بالتبليغ، هو أمر بتبليغ ما أنزل إليه، كما هو، كلمة كلمة، وحرفا حرفا.. فإن بدل حرفا، أو غير كلمة- وحاشاه- فما بلّغ ما أنزل إليه من ربه.. إنه المطلوب من النبي فى مقام التبليغ أن يقول ما يقال له من ربه، لأن ما أنزل إليه، سواء أكان خطابا خاصا، أو خطابا عاما للناس- هو منزل للناس أيضا، كما يقول سبحانه: «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» (٤٤: النحل) فهو- صلوات الله وسلامه عليه- مطالب أولا بأن يبلّغ الناس ما نزّل
إليهم، وهو ما نزل عليه من كلمات الله.. ثم هو مطالب ثانيا، بعد هذا التبليغ أن يبين للناس ما خفى عليهم فهمه مما نزل عليهم من آيات الله..
فالتبليغ شأن، وبيان ما يبلّغه شأن آخر..
وبهذا التدبير الحكيم فى نظم القرآن، يظل النبي صلوات الله وسلامه عليه، قائما فى مقام الخطاب من ربه، وفى الحضور بين يديه، كلما تلا آية من آيات الله، أو سمع تاليا يتلوها عليه، فقد روى أنه صلى الله عليه وسلم، كان يطلب إلى بعض أصحابه أن يقرءوا عليه ما تيسر من كلام الله، فيقول قائلهم له:
أأتلوه عليك وعليك أنزل؟ فيقول صلوات الله وسلامه عليه: «نعم إنى أحب أن أسمعه من غيرى.. ففى البخاري عن عبد الله بن مسعود، قال: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ علىّ» فقلت يا رسول الله: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «نعم.. إنى أحب أن أسمعه من غيرى» فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) فقال: «حسبك الآن».. فإذا عيناه تذرفان».
وهذا الأسلوب الذي جاء عليه نظم القرآن، والذي يجعل النبي فى مقام الحضور، والخطاب من الله بكلمات الله- هذا الأسلوب من شأن القرآن وحده، ومما اختص به من بين الكتب السماوية المنزلة..
فالتوراة ليس فى نظمها موقف واحد لأى نبى من الأنبياء مع الله سبحانه وتعالى، يمثله في موقف حضور وخطاب من الله سبحانه، حتى موسى عليه السلام الذي كلمه الله تكليما من غير وساطة ملك الوحى، جاءت كل كلمات الله سبحانه وتعالى إليه فى التوراة على سبيل الحكاية.. هكذا: «وكلم الرب موسى قائلا: «فى الشهر السابع، فى أول الشهر يكون لكم عطلة، تذكار هتاف البوق محفل مقدس.. عملا ما من الشغل لا تعملوا، ولكن تقدمون وقودا للرب..
وكلم الرب موسى قائلا: «أما العاشر من هذا الشهر السابع فهو يوم الكفارة.. محفلا مقدسا يكون لكم، تذللون نفوسكم، وتقدمون وقودا للرب» (لاويين الإصحاح: ٢٣)..
وتقول التوراة أيضا: «فقال الرب لموسى: قل لهارون مدّ يدك بعصاك على الأنهار والسواقى والآجام، وأصعد الضفادع على أرض مصر.. فمدّ هارون يده على مياه مصر، فصعدت الضفادع، وغطت أرض مصر، وفعل كذلك العرافون بسحرهم وأصعدوا الضفادع على أرض مصر» (خروج:
الإصحاح: ٨)..
وتقول التوراة: «فقال الرب لموسى: انظر.. أنا جعلتك إلها لفرعون وهارون أخوك يكون نبيك.. أنت تتكلم بكل ما آمرك، وهارون أخوك يكلم فرعون ليطلق بنى إسرائيل من أرضه» (خروج: الأصحاح: ٧)..
وهكذا تمضى كل مخاطبات التوراة، فيما يتلقّى موسى من ربه، وفيما يتلقى بنو إسرائيل من موسى..
وهذا يعنى أن موسى عليه السلام، كان بعد أن يتلقى كلمات الله سبحانه وتعالى إليه- كان يلقى قومه بما أمره به فيهم، فيقول لهم: قال الله لى كذا، وكذا، فيكتبون هم: قال الله لموسى كذا، وكذا.. دون أن يتقيدوا بالنص الحرفىّ لما سمعوه من موسى، فبدلا من أن يكتبوا: قال الله لى كذا، يكتبون: قال الله لموسى كذا وكذا، كما أن موسى عليه السلام، لم يتقيد بالنص الحرفى لما استمع من ربه، فبدلا من أن يقول، كما قال الله سبحانه وتعالى له:
يا موسى افعل كذا، أو قل لقومك كدا» - بدلا من أن يقول هذا، يقول:
قال الله لى فعل كذا، أو افعلوا كذا..
وهذا الخروج على النص الحرفى، وإن بدا أنه مما يقتضيه الحال، حيث ينتقل موسى من حال المخاطب (بفتح الطاء) إلى حال المخاطب (بكسر الطاء) وحيث ينتقل قومه من حال المواجهة له، إلى حال الغيبة فى نقل ما سمعوا منه- هذا، وإن بدا أنه لازم لمراعاة مقتضى الحال- إلا أنه يشير إلى أمور:
أولها: أن كلمات الله التي استمع إليها موسى، ظلت مرتسمة فى كيانه، مضمرة فى فؤاده، وأن ما ينشره على قومه منها إنما هو صورة هذه الكلمات وظلالها، والأنوار المشعة منها.. أما ما تلقاه محمد من كلمات ربه، فإنه عرضها كما سمعها، حرفا حرفا، وكلمة كلمة.. كما يقول له سبحانه له. «اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ» (٤٥: العنكبوت)..
وذلك أنه ليس المطلوب من كلمات الله إلى موسى أن يقيم منها معجزة متحدّية، على خلاف ما أوحى الله به إلى محمد من كلماته، فإنه سبحانه جعل على فمه معجزات متحدية.. وإن المعجزة لا تتم حتى تعرض كما تلقاها من ربه، دون أن يغير من وضعها، أو يبدل من صورتها..
وثانيا: أن ما أوحى الله سبحانه وتعالى به إلى موسى، يجوز روايته بالمعنى، دون التقيد بالنص اللفظي، على خلاف القرآن الكريم، فإنه لا يجوز روايته أو تلاوته بالمعنى، كما يجوز ذلك فى الحديث القدسىّ، الذي يشبه وحي التوراة.
وثالثا: أن القرآن الكريم، هو الكتاب الذي تأخذ آياته، وكلماته، الوصف بأنها آيات الله، وكلمات الله، وأن التوراة وغيرها من الكتب السماوية، تأخذ الوصف بأنها وصايا لله، أو أوامر لله، أو شريعة لله..
وأما تكليم الله سبحانه وتعالى لموسى فهو خاص بموسى وهو أوامر الله سبحانه وتعالى إليه هو، فى خاصة نفسه.. أما الشريعة التي حملها موسى إلى قومه،
فهى ما تضمنته الألواح التي تلقاها موسى من ربه، فهى أشبه بالأحاديث القدسية التي تلقاها رسول الله ﷺ من ربه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى لموسى عليه السلام:
«يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ» (١٤٤- ١٤٥: الأعراف) فالله سبحانه وتعالى- كما تشير الآيات- قد اصطفى موسى بهذه الرسالات التي تلقاها لتكون شريعة لقومه، كما اصطفاه بتكليمه.. فالرسالات التي تلقاها موسى شىء، وتكليم الله له شىء آخر.. كلام الله صفة من صفاته، والرسالات خلق من خلقه.
وعلى هذا، فالقرآن الكريم خطاب مباشر من الله سبحانه وتعالى للنبى والمؤمنين، أما التوراة، فهى حكاية خطاب الله تعالى لموسى، ثم هى حكاية لخطاب موسى لقومه الذين تلقوها منه.
ونعود بعد هذا إلى موقفنا بين يدى قوله تعالى:
«قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً».
النفر: الجماعة بين الثلاثة والعشرة..
والإسماع: الإصغاء والالتفات إلى المسموع..
وهذا يعنى أن جماعة الجنّ التي توافدت على مجلس القرآن بين يدى النبىّ صلوات الله وسلامه عليه- قد أعطت سمعها للقرآن، والتفتت بمشاعرها كلها إليه.. ذلك أنّ «استمع» غير «سمع» من حيث المعنى الاشتقاقى الذي يدل عليه كلّ منهما لما يسمع، فالاستماع يدل على التطلع إلى سماع الحديث
والإقبال عليه، أما «السمع» فيدلّ على مجرّد وقوع المسموع إلى أذن السامع، سواء أكان ذلك عن قصد، أو غير قصد، وسواء أكان مقبلا أو معرضا! ولهذا جاء الأمر إلى المؤمنين وهم فى مجلس القرآن أن يستمعوا، كما يقول سبحانه وتعالى: «وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» (٢٠٤: الأعراف) ولم يجىء الأمر بلفظ «اسمعوا».. فإن الاستماع هو الذي يحقق معنى الإصفاء والإنصات الذي جاء تاليا للأمر بالاستماع. وإنه بغير الاستماع لا يتحقق الإصغاء.. وهذا ما كان من الجنّ فى مجلس القرآن، ودعوة بعضهم بعضا إلى الإنصات إليه، كما يقول سبحانه، عنهم: «وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا» (٢٩: الأحقاف).
فالله سبحانه، قد وجههم إلى النبي مستمعين، لا سامعين..
وهذا يعنى أيضا أن النبي ﷺ لم يكن يعلم بأمر هؤلاء الجن الذين استمعوا إليه فى تلك الليلة، حتى أنبأه الله سبحانه وتعالى بذلك، ولم تكن منه فى تلك الليلة دعوة إليهم، وإنما هم الذين دعوا أنفسهم إلى الإيمان، بعد أن استمعوا إلى ما استمعوا إليه من آيات الله التي كان يتلوها النبي، قائما بين يدى ربه، متعبدا بتلاوتها..
وفى هذا إشارة إلى تلك المفارقة البعيدة بين المشركين الذين يدعون إلى آيات الله، فلا يستمعون إليها، ولا يؤمنون بها، وبين الجن الذين يضرب بهم المثل فى العتوّ، والعناد، والضلال، حيث ورد واردهم على النبي، وحضر مجلس تلاوته، من غير أن يدعوا إلى هذا.. فاستمعوا، وأصغوا، ثم اهتدوا
وآمنوا.. فمال هؤلاء المشركين لا يؤمنون؟ وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون؟.
وأما ما يروى من أن النبي ﷺ قد التقى بالجن، ودعاهم إلى الله سبحانه، فيما تلا عليهم من آيات الله، فقد يكون ذلك فى ليلة بعد تلك الليلة، وبعد أن حمل هؤلاء النفر إلى قومهم نبأ النبي الذي نزل عليه هذا القرآن الذي استمعوا إلى بعض منه.. فجاءوا يطلبون مزيدا، ويلقون النبي لقاء مواجها، بعد أن عرفوا ما بين يديه من هدى ونور.
وعلى أىّ فإنه ليس مما يدخل فى عقيدتنا، أو يلزمنا التصديق به، أن النبي ﷺ قد بعث إلى الجن، كما بعث إلى الإنس، وحسبنا أن نؤمن بأنه رسول الله إلينا نحن البشر، وأن الرسالة الإسلامية، وكتابها الكريم، موجهان إلينا نحن البشر، أما أن تستفيد من ذلك عوالم أخرى فذلك ما لا يدخل فى عقيدتنا، ولا يلزمنا البحث عنه. والله أعلم.
وقوله تعالى: «فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً» - هو بيان للأثر الذي كان للقرآن من استماع الجن إليه، وأنهم عجبوا لما سمعوا، لأنهم لم يسمعوا كلاما مثله، فكان ذلك مثار عجبهم، ودهشهم.. إنهم يسمعون كلاما، ولكنه كلام عجب، فيما له من سلطان على النفوس، وتمكن من القلوب..
وقولهم «سمعنا» بدلا من «استمعنا» لأنهم خرجوا من مجلس الاستماع، وقد أصبح الذي استمعوا إليه مسموعا لهم سماعا متمكنا، واعيا.. ولو قالوا «استمعنا» لدلّ ذلك على أنهم تكلفوا جهدا لما سمعوا، وأنهم حملوا أنفسهم على ذلك حملا طوال مجلس الاستماع، والواقع غير هذا، فإنهم ما إن
جلسوا بين يدى ما يتلى من آيات الله، حتى ملك القرآن زمامهم، وأحال وجودهم كله آذانا صاغية، وقلوبا خاشعة، من غير معالجة أو معاناة، من داخل أنفسهم أو خارجها..
وقوله تعالى: «يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ» هو صفة أخرى للقرآن، على لسان الجن، بعد الصفة الأولى التي وصفوه بها..
فالصفة الأولى، وصف لنظمه، وأنه كلام عجب لم يسمعوا مثله..
والصفة الأخرى، وصف لمعانيه، ولما اشتمل عليه نظمه العجيب من معان كريمة، مضيئة بنور الحق، تهدى إلى الرشد، والفلاح..
وقوله تعالى: «فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً» - هو المسبب عن هذه الأوصاف، التي رآها الجن فى القرآن، والتي وقعت فى نفوسهم منه، ولهذا فهم يؤمنون بهذا القرآن، وبأنه كلام الله، ونوره المرسل هدى ورحمة للعالمين..
وهم لهذا لن يشركوا بالله، ولن يعبدوا إلها معه، كما كانوا يفعلون من قبل فعل الضالين والمشركين من الإنس..
وقوله تعالى:
«وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً»..
جدّ ربنا: ملكه، وسلطانه، ومجده،. وأصل الجد: الحظ، والنصيب الذي يصيبه الإنسان فى حياته من حظوظ الدنيا.. فجدّه هو كل ماله من مال، ومتاع، وبنين، وعلم، وجاه وسلطان..
وقوله تعالى: «وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا» هو معمول لفعل محذوف، معطوف على قوله تعالى:
«إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً» «سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً» وعلمنا مما سمعنا أنه «تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً»..
وهكذا كل ما جاء على لسان الجن بعد هذا، هو معمول لفعل مترتب على استماعهم لما استمعوا من آيات الله وما كشفت لهم من حق وهدى.
وقولهم: «تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً» أي عظم مجده، وتعالى سلطانه، وتنزهت عزته عن أن يتخذ صاحبة أو ولدا.. فإن اتخاذ الصاحبة أو الولد، إنما يكون عن حاجة إليهما، بحيث لو افتقد الإنسان وجودهما بين يديه تطلعت إليهما نفسه، وشغل بهما قلبه، والله- سبحانه- فى غنى عن كل شىء.. فكل شىء هو منه، وله، وإليه..
قوله تعالى:
«وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً»..
أي وعلمنا مما استمعنا إليه من هذا القرآن العجب أن ما كان يقوله السفهاء منّا عن الله، وعن اتخاذه الصاحبة والولد- هو قول بعيد عن الحق، مشتط عن الصواب، فى حق الله سبحانه، وفيما ينبغى أن يكون لذاته من كمال، وجلال، وأن هؤلاء الذين جعلوا لله أندادا، واتخذوا من دونه أولياء، ونسبوا إليه الزوج والولد- هؤلاء ضالون مشركون..
والشطط، والاشتطاط، الخروج عن القصد والاعتدال، ومجاوزة الحد فى القول، أو العمل.. وهذا مثل قوله تعالى على لسان أصحاب الكهف:
«لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً» (١٣: الكهف)..
قوله تعالى:
«وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً»..
أي وكان مما علمنا من استماعنا لهذا القرآن العجب- أننا كنا على ظن خاطئ فيما ظنناه من أن الإنس والجن لن تقول على الله كذبا، وأن تقوم فيهم تلك الدعوات المضللة، وهذه العقائد الباطلة، مع ما فيهم من عقول، وما بين أيديهم من الشواهد الناطقة، التي تشهد بوحدانية الله تعالى، وتفرده بالملك والعزة والسلطان..
ولقد بان لنا أن الإنس والجن قالوا على الله كذبا، فيما نسبوه إليه من الزوج والولد، وفيما جعلوا له من أنداد، وشركاء..
وذلك بعد أن استمعنا إلى آيات الله، وعرفنا طريق الحق الذي أضلّنا عنه المضلون، وأغوانا بالانصراف عنه المغوون، لقد كنا مخدوعين بهذا الظن الذي ظنناه فى الجن والإنس من أنهم لن يفتروا على الله، ولن ينسبوا إليه مالا يليق به..!
قوله تعالى:
«وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً»..
الرهق: الإعياء، والضعف، والكلال، مما يعترى الإنسان من معاناة أمر صعب يحاوله، ثم لا يبلغ منه شيئا، لأنه يحاول أمرا محالا، أو قريبا من المحال.. ومنه قوله تعالى: «سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً» (١٧: المدثر)..
والمعنى: أنه قد اتضح لنا مما سمعناه من هذا القرآن العجب، أن ما كان من استعانة بعض شياطين الإنس، بشياطين الجن، فى اختلاق الأكاذيب، وتلفيق المفتريات على الله- اتضح لنا أن ذلك لم يزد العائذين بالجن، إلا ارتكاسا، وعجزا، عن الوصول إلى طريق الحق، وأن كل ما اختلفوا من أكاذيب، وما لفقوا من مفتريات، لم يمس جوهر الحقيقة، ولم يعمّ سبيل الحق عن طلابه، والساعين إليه، وأن هذه الأكاذيب، وتلك المفتريات إذا طلعت عليها شمس الحقيقة فرت من بين يديها، كما يفر ظلام الليل بين يدى أضواء الصبح! قوله تعالى:
«وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً».
أي وأننا علمنا مما استمعنا إليه من هذا القرآن العجب، أن الإنس ظنوا كما ظننا نحن الجن، أن لن يبعث الله أحدا من رسله بعد موسى، وعيسى، عليهما السلام.. وهذا ظن باطل، فها هوذا رسول من عند الله، يتلو هذا القرآن العجب، فيبلّغ به رسالة الله.
وفى هذا الذي ينطق به الجن بعد أن آمنوا، تبكيت للمشركين، واستخفاف بعقولهم، واستخفاف لأحلامهم، وأنهم عموا عن هذا الهدى الذي طلعت شمسه فى سمائهم، فلم يهتدوا به، وقد سبقهم إليه أبعد الخلق عنه، وهم الجن.
قوله تعالى:
«وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً» ومن دلائل هذا الرسول الذي بعثه الله، ليس هذا القرآن وحسب.. بل
إننا قبل أن نلتقى به فى مجلس القرآن، شاهدنا إرهاصات عجيبة، تنبىء بأن حدثا عظيما قد حدث فى هذا الوجود، وأن آثار هذا الحدث لا بد أن يكون لها شأن بهذا العالم الأرضى، وما يعيش فيه من جن وإنس.. وذلك أننا لمسنا السماء، كما اعتدنا أن نلم بها من قبل، ونستطلع أنباءها، فوجدناها قد ملئت حرسا شديدا من الملائكة، وشهبا راصدة يرمون بها كل من يدنو من مشارف السماء.. وهذا أمر لا بد أن يكون له ما بعده!! وها نحن أولاء قد عابنّا ما بعد هذا الأمر، فى هذا الرسول، وفيما بين يديه من آيات الله..
قوله تعالى:
«وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً».
أي وأننا كنا نصعّد فى السماء، ونتخذ هناك مقاعد نستمع فيها إلى ما يجرى فى الملأ الأعلى، وذلك قبل مبعث هذا النبي.. أمّا الآن فإن من يحاول أن يستمع منا، يجد شهابا رصدا برمى به قبل أن يبلغ المجلس الذي اعتاد أن يتخذه من قبل..
قوله تعالى:
«وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً» أي ولقد حرنا فى تأويل هذا الحدث، وعجزنا عن أن نجد التعليل الصحيح له، وللأحداث التي تنجم عنه، وهل هذا شرّ يراد بمن فى الأرض من جنّ وإنس، أم هو خير لهم.؟. إن الأيام هى التي ستأتى بتأويل هذا..
وها نحن أولاء نشهد عناد المشركين، وتصدّيهم لدعوة رسول الله، وتكذيبهم لما جاءهم به من عند الله، فهل سيمضون فى طريقهم هذا، فتكون عاقبتهم أن يدمر الله عليهم كما دمر على المكذبين برسل الله قبلهم، أم أنهم سيراجعون أنفسهم، ويرجعون إلى عقولهم، فيؤمنون بالله، ويهتدون بهذا
النور الذي يحمله رسول الله إليهم؟ لا ندرى أشر أراد الله بالناس من هذه الرسالة، بإلزامهم الحجة، ثم إهلاكهم، أم أنه أراد لهم الهداية والرشاد، فيهتدوا ويرشدوا؟ إن الأمر لم ينته إلى نهايته بعد.. وسنرى ما يكون؟
قوله تعالى:
«وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ.. كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً».
وهنا يلتفت هؤلاء النفر من الجن إلى قومهم، وهل يتقبلون هذا الهدى الذي اهتدوا هم إليه، بعد استماعهم إلى آيات الله، التي تلاها عليهم رسول الله، أم أنهم يرفضونه كما رفضه هؤلاء المشركون من قريش؟ إنهم يتساءلون هذه التساؤلات قبل أن يبرحوا مجلس النبي، وفى قلوبهم الإيمان، وبين أيديهم الهدى.. ثم يحدّث بعضهم بعضا، بأن حال قومهم هى حال الناس من أبناء آدم، فيهم الصالحون، وفيهم الفاسدون، وفيهم من هم بين الصالحين، والفاسدين.. إنهم طرائق مختلفة.. لكل منهم طريقة كما أن الناس طرقهم..
والطرائق: جمع طريقة، وهى المتجه الذي يأخذه المرء فى حياته، من استقامة أو عوج..
والقدد: جمع قدة، وهى القطعة من الشيء، أىّ قطعة، ومنه قوله تعالى:
«وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ» (٢٥: يوسف) أي قطعته..
وقوله تعالى:
«وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً» أي وأننا بعد تطوافنا فى الأرض وفى السماء، قد أيقنّا أننا بين يدى الله حيث كنا، وأننا تحت قهر سلطانه القائم على الوجود كله.. وأننا لن
نخرج من سلطان الله، ولن نفر من القدر المقدور لنا، سواء انطلقنا فى وجوه الأرض، أو صعدنا فى أجواء السماء.. والظن هنا بمعنى اليقين.
قوله تعالى:
«وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ.. فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً».
أي وهذا شأننا نحن من بين قومنا، وذلك أننا لما سمعنا الهدى- أي القرآن- آمنا به.. ومن يؤمن به فإنه لا يخاف بخسا، بنقص حسناته، ولا رهقا بمضاعفة سيئاته، بل سيجزى الجزاء الذي يقوم على ميزان العدل المطلق..
ومعنى نفى الخوف من البخس والرهق، هو أن المؤمن يلقى الله وبين يديه بشريات إيمانه، التي تملأ قلبه سكينة وأمنا، أما غير المؤمن فإنه يتوقع أن يسام سوء العذاب، وأن يلقى الهوان والنكال من كل وجه، فهو فى مهب عواصف الخوف دائما.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ» (٤٠: فصلت).
وقوله تعالى: «فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً» - هو جواب الشرط، وقد اقترن بالفاء لوقوعه منفيا.
قوله تعالى:
«وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً» - هنا يعود الجن إلى أنفسهم مرة أخرى، فينطقون بما تنطق به حالهم، من أن منهم مسلمين، أي مستقيمين على طريق الإسلام، والسلامة، ومنهم القاسطون، أي الظالمون، المنحرفون عن طريق الحق والهدى..
وقسط، فهو قاسط: أي ظلم، واعتدى..
وأقسط، فهو مقسط: أي عدل، واستقام.. ومنه قوله تعالى:
«وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» (٩: الحجرات) وقوله تعالى: «فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً» هو تعقيب من الجن، أو من المؤمنين، أو من الوجود كله.. على هذا الخبر الذي أخبر به الجن عن أحوالهم.. وأن الذين أسلموا وجوههم لله، وآمنوا بالله ورسوله، والكتاب الذي أنزل على رسوله- قد تحروا رشدا، أي اختاروا طريق الهداية والرشاد، وأنهم تعرفوا إليه بعد نظر الاستدلال.
فالمسلمون قد تخيروا طريق الأمن والسلامة، ولن تكون خاتمتهم إلا الأمن والسلامة..
وأما الحائدون عن طريق الإسلام، الذين ركبوا طرق الضلال، فهم حصب جهنم وحطبها..
وقد فرق النظم القرآنى بين الحالين، فجاء على غير أسلوب المقابلة التي يقتضيها نظم كلامنا نحن البشر.. ولو جاء النظم على أسلوب المقابلة، لكان هكذا:
«فمن أسلم فأولئك لهم الجنة، وأما من كفر فأولئك هم أصحاب النار» أو جاء فى صورة أخرى هكذا:
«فمن أسلموا فقد اهتدوا وشدوا، وأما من كفروا فقد ضلوا وخسروا..»
ولكن هذا كلام الله المعجز، المتحدى للإنس والجن أن يأتوا بمثله! فالذين أسلموا قد اختاروا طريق السلامة بعد بحث ونظر.. وقد يؤدى بهم هذا الطريق إلى الجنة أو لا يؤدى، لأن دخول الجنة أمر لا يملكه أحد،
ولا يناله مخلوق، بعمله، وإنما هو بتوفيق الله، ومن فضله، وإحسانه..
ولكنهم أي (المسلمون) قد اختاروا الطريق الذي ينبغى أن يختاره كل عاقل، وهم على رجاء وطمع من رحمة الله، ومغفرته، ورضوانه.. إنه طريق الأمن والسلامة، وقد اهتدوا إليه بعقولهم، ووجب عليهم أن يسلكوه.. أما خاتمة هذا الطريق، فهى فى علم الله، وليس من شأننا أن نقطع بها، وإن كان لنا أن نحسن الظن بفضل ربنا وإحسانه..
وأما الذين كفروا، فالنار موعدهم، لا محيص لهم عنها، لأنهم ركبوا طريقا مهلكة، لا يقيم سالكها إلا على متن الهلاك، ولا يبيت إلا على موعد معه.. وهذا ما يحكم به العقلاء على كل من يركب مهلكة من المهالك، إنهم لا يتوقعون له إلا أن يهلك على يديها.. تماما، كمن يدخل على الأسد عرينه، أو يمد إلى الحية يده فى جحرها.. إنه لا محالة هالك.
الآيات: (١٦- ٢٨) [سورة الجن (٧٢) :الآيات ١٦ الى ٢٨]
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (١٧) وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠)
قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢) إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (٢٥)
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً» هو دعوة من الله سبحانه وتعالى إلى هؤلاء القاسطين الذين يسرعون إلى الهلاك بخطى حثيثة، حيث يكونون حطبا لجهنم- أنه دعوة إليهم بالرجوع إلى الله والاستقامة على طريق الحق، والإيمان بالله ورسوله، واليوم الآخر..
وقوله تعالى: «لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً» - هو وعد منه سبحانه لأهل الإيمان بأنه لا يفوّت عليهم ما يطلبون فى الدنيا من خير، فإن الإيمان بالله، والعمل للآخرة، لا يعوّق من سعى الإنسان ولا يعطل من جهده فى تحصيل الرزق..
فالرزق بيد الله، وأنه سبحانه لا يعاقب المؤمنين بالتضييق عليهم فى الرزق، وإنما هو يرزقهم بما هو أصلح لهم وأنفع، وأنه إذا كان من المؤمنين من يرى أنه مضيق عليه فى رزقه، فذلك ابتلاء من الله سبحانه وتعالى له، وأن هؤلاء الذين لا يرضون من الإيمان إلا أن يكون معه سعة فى الرزق وكثرة فى الأموال والأولاد- هؤلاء لو آمنوا لأفاض الله سبحانه عليهم من الرزق، ولأرسل السماء مدرارا عليهم، حيث يكون من وراء ذلك الخصب والنماء، ووفرة المال
والمتاع، ولكن هذا الرزق هو فتنة لهم، أي امتحان وابتلاء.. فإن هذا الرزق عبء، قد يؤودهم حمله، وقد يقصم ظهورهم، إذا هم لم يحسنوا سياسته، ولم يحفظوا أنفسهم من إغرائه، ويؤدوا حقّ الله فيه.. وهذا مثل قوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ» (٩٦: الأعراف).
هذا، وقد قرن الله سبحانه الإيمان بالتقوى، وذلك ليكون للإيمان هذه الثمرة الطيبة التي يبارك الله بها الرزق، وينمّيه، ويملأ قلوب المتقين أمنا وسكينة ورضا..
فالتقوى، إذا خالطت قلب إنسان، رفرفت عليه أعلام السلام، وإذ دهرت فيه مغارس الخير، فوجد القليل كثيرا، والشرّ خيرا، والفقر غنى.. إنه فى رضا دائم، وفى حبور لا ينقطع.. فمن استقام على طريق الحقّ، فهو فى عيشة راضية، وفى سعادة غامرة، وإن لم يكن بين يديه من حطام الدنيا إلا لقيمات، يتبلّغ بها.. إنه يجد من نور الإيمان، ومن ثمرات التقوى، أنه قد حاز الخير كله، وحصل من الحياة أكرم جواهرها، وأغلى ما يعرض فى سوقها.
وقوله تعالى: «وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً» إشارة إلى أن من يبتعد عن الله، ويأخذ طريقا غير طريق الهدى، فإنه لن يجد الأمن والسلام أبدا، ولو اجتمع بين يديه ما يشاء من مال وبنين.. بل إنه سيتقلب فى أحوال شتّى من القلق والهمّ، ويتنقل من سيىء إلى أسوأ، حيث تنمو هذه العلل، وتتضاعف هذه الآلام، مع الزمن، حتى تبلغ غايتها، حين يذهب كل شىء كان فى يده، من قوة، وشباب، ومال، وأصحاب، ثم يقطع الموت فى نهاية الأمر، ما بينه وبين كل ما معه من أسباب، وإذا هو فى موقف الحساب
والجزاء، فيساق إلى مصيره المشئوم، ثم يلقى به فى نار جهنم، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى» (١٢٤: طه).
وفى التعبير عن أخذ المعرض عن ذكر ربه بالعذاب، وتدرجه فيه صعدا- فى التعبير عن هذا بقوله تعالى: «يسلكه» - إشارة إلى اتصال هذا العذاب، وأنه فى اتصاله وتعدده أشبه بحبات العقد، ينتظمها سلك واحد.. فهو- أي المعرض عن ذكر ربه- فى دائرة مغلقة من العذاب، يظل يدور فيها، دون أن يستطيع الإفلات منها، أو الخروج عنها، مع تدرجه فى العذاب، وتنقله فيه من سيىء إلى ما هو أسوأ، حتى يلقى به فى العذاب الأليم.. وفى هذا ما يشير إلى أن المعرض عن ذكر ربه، هو فى عذاب دائم متصل، فى الدنيا والآخرة، وأنه ينتقل من عذاب الدنيا، إلى عذاب الآخرة: «وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» (٣٣: القلم)..
قوله تعالى:
«وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً»..
المراد بالمساجد- والله أعلم- هو مواطن السجود فى الأرض.. فحيث كان مكان فى هذه الأرض، يصلح للسجود، ووضع الجباه عليه، فهو لله سبحانه وتعالى، أي هو ملك لله، الذي خلق السموات والأرض.. فالسجود فى ملك الله لغير الله، كفر مبين، وضلال عظيم.. إنه عدوان على الله، ومحادّة له..
ويجوز أن تكون المساجد، جمع «مسجد» اسم آلة، وهو العضو المشارك فى عملية السجود.. ويكون المراد بالمساجد هنا، أعضاء السجود، وهى عظام الكفّين، وأطراف القدمين، وعظما الركبتين، وعظم الجبهة، وهى سبعة عظام، كما يشير إلى ذلك قول الرسول الكريم: «أمرت أن أسجد على
سبعة أعظم».. فهذه الأعضاء- أعضاء السجود، هى لله، وهو سبحانه الذي خلقها، فلا ينبغى أن يسجد بها لغير خالقها..
قوله تعالى:
«وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً».
عبد الله، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى إضافته- صلوات الله وسلامه عليه- إلى الله سبحانه وتعالى بصفة العبودية، تكريم وتشريف له، ورفع لمقامه الكريم عند ربه، وأنه عبد الله، الخالص العبودية لله، والمثل الكامل لهذه العبودية، التي تحققت فيه وحده، فانفرد بها فى هذا المقام، فحيث أضيف عبد إلى الله من غير ذكر اسمه، فالمقصود هو محمد صلوات الله وسلامه عليه..
وقد أضاف الله سبحانه وتعالى كثيرا من عباده المكرمين إليه بلفظ العبودية، ولكنها لم تكن إضافة مطلقة، بل كانت مقيدة بذكر اسم هذا العبد المضاف إلى الله، كما يقول سبحانه: «ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا» (٢: مريم) وكما يقول تبارك اسمه: «وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ» (٤١: ص) ويقول جل شأنه: «وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ» (٤٥: ص) وفرق كبير فى مقام التكريم والتشريف بين إضافة رسول الله ﷺ بالعبودية إلى ربه إضافة مطلقة، وبين قيد هذه الإضافة بالاسم الدال على صاحبها، وإن كانت تلك الإضافة مما يلبس صاحبها تاج الكمال وينزله أعلى منازل الرضوان.. ولكن فوق هذا المقام الكريم العظيم مقام، ينفرد به رسول الله محمد وحده..
وقد أضيف رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- عبدا لربه، إضافة مطلقة، على صور متعددة، فتارة يضاف إلى ضمير الذات العلية فى مقام الغيبة، كما فى قوله تعالى: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» (١: الإسراء) وتارة يضاف إلى ضمير الذات فى مقام الحضور، كما فى قوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ» (٤١: الأنفال) وتارة يضاف إلى اسم الذات كما فى قوله تعالى: «وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ». (١٩: الجن) ولا شك أن فى تنوع هذه الإضافات زيادة تشريف وتكريم، فوق هذا التشريف والتكريم، حيث يضيف الحق سبحانه وتعالى عبده، متجليا عليه بذاته ظاهرا، وباطنا..
وبهذا المقام العظيم استحق الرسول الكريم، أن يصلّى عليه ربه، وأن تصلى عليه ملائكة ربه، وأن يدعى كل مؤمن ومؤمنة بالله، للصلاة عليه:
«إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ.. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً» (٥٦: الأحزاب).. فصلى الله عليك يا رسول الله وعلى آلك وصحبك، وسلم تسليما..
وقوله تعالى «يَدْعُوهُ» أي يدعو ربه، وهو حال من الفاعل فى قوله تعالى: «وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ» وقوله تعالى: «كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً» أي كاد المشركون أن يكونوا لبدا على النبىّ، أي جمعا واحدا عليه، يجتمع بعضهم إلى بعض فى مساندة وتلاحم، كما يجتمع اللّبد، وهو الشعر الكثيف، حيث يكون كتلة واحدة مثل لبد الأسد المجتمع على صدره، وحول عنقه، ومنه قوله تعالى: «يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً» (٦: البلد) أي كثيرا مجتمعا بعضه إلى بعض..
وفى هذا التصوير لاجتماع المشركين، وتكتلهم على الوقوف فى وجه النبىّ- فى هذا ما يشير إلى أمور:
أولها: أن هذا المجتمع الذي يضم المشركين بعضهم إلى بعض فى مواجهة النبىّ- ليس له من داعية معقولة، وإنما هو صادر عن كائنات ميتة، لا حسّ ولا إدراك لها، إنها تجتمع وتتفرق، بيد من يجمعها أو يفرقها، كما يجتمع الشعر ويتفرق فى يد من يجمعه، أو يفرقه.. والشيطان هنا هو اليد التي تجمع هؤلاء المشركين، أو تفرقهم حسب مشيئته فيهم..
وثانيها: أن هذه الجموع الكثيفة المحيطة بالنبيّ من المشركين، إنما هى على كثرتها غثاء كغثاء السيل، وأنها لا تلبث أن تعر من وجه الحق إذا طلع عليها وضربها الضربة القاضية.. إنها كائنات من مخلفات الحياة، ليس لها جذور تمدها بالغذاء، وتمسك عليها الحياة.. وإنه سرعان، ما تجف وتتطاير، فتذهب بها الريح، وترمى بها فى كل وجه..
وثالثها: أن هذا اللبد المجتمع حول النبىّ، هو أشبه باللبد المجتمع حول رقبة الأسد، فهو شىء عارض، لا يؤثر فى ذاتية الأسد، وأنه يتطاير فى كل لحظة ليخلى مكانه لغيره.
ورابعها: أن هذا اللّبد المجتمع حول النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- وإن كان فى هذا الوقت لبدا يشوكه، ويؤذيه، فإنه سيتحول عما قريب إلى لبد يحميه، ويدفع عنه كل أذى.. وهكذا فإنه بعد سنوات قليلة اجتمع للنبىّ من هؤلاء المشركين جند الله، المدافعون عن دينه، والمجاهدون فى سبيله، وهم المهاجرون، الذين كانوا مع إخوانهم الأنصار الكتيبة الأولى حملت راية الإسلام. وركزتها في أعزّ، وأمكن مكان، ودافعت عنها بالأرواح والأموال، وفدّتها بالأبناء والآباء..
قوله تعالى:
«قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً»..
هو توجيه من الله سبحانه للنبىّ الكريم، بما يلقى به قومه الذين كادوا يكونون عليه لبدا.. فهو إذ يراهم وقد صاروا عصبا عليه، قد اجتمعوا على عداوته والكيد له- إذ يراهم على تلك الحال، يقول لهم: «إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً».. فهذه هى دعوتى.. فماذا تنكرون منها؟
وماذا تنكرون من الذين يعبدون ما أعبد؟ إنها دعوة لا إكراه فيها، فمن قبلها، فذلك من شأنه هو، ومن أعرض عنها، واتخذ سبيلا غيرها، فذلك من شأنه أيضا.. فلم إذن تصدّون الناس عن سبيل الله؟ ولم لا تتركون الناس وما اختاروا، كما تركتم أنتم وما اخترتم؟
قوله تعالى:
«قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً».
هو من قول النبي المشركين، فهو إذ يعبد ربّه، ويوجه إليه وجهه، وحده، لا شريك له، فإنه لا يملك المشركين ضرّا، ولا رشدا.. وإنما ذلك إلى الله وحده. «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ» (١٢٥: الأنعام).
وفى مقابلة الضرّ بالرشد، إشارة إلى أن الضر لا يكون إلا عن متابعة الهوى، واتباع أهل الضلال، كما أن الخير، لا يكون إلا من ثمرات الهدى، والاستقامة والتقوى.. وهكذا تقع المقابلة بين الضرّ والرشد، وقوعا يشمل الظاهر والباطل جميعا..
فالضرّ، ظاهر، يخفى وراءه الهوى، والضلال، والشرك.. والرشد باطن، يفوح منه طيب الخير، وتهمى من سمائه غيوث الرحمة والإحسان..
أو بعبارة أوضح نقول: إن الضرّ فرع غاب أصله، والرشد أصل غاب فرعه.. فالضرّ ثمر كريه مرّ حاضر، لا تكاد تقع العين عليه حتى تعرف الشجرة التي أثمرته..
والرّشد، شجرة طيبة مباركة.. يكفى أن تقع العين عليها فتعرف الثمر الطيب الكريم، الذي تجود به.. أو نقول: إن المقابلة هنا بين المسبب، وهو الضرّ، وبين السبب لما يقابله وهو الرشد الذي مسبّبه الخير..
وهكذا فى كلمتين، يتجلى وجه من وجوه إعجاز القرآن.. ففى المقابلة بين هاتين الكلمتين: الضرّ، والرشد، تتحرك المعاني المولدة منهما، ويقابل بعضها بعضا، فتتآلف منها صورة معجزة، الكلمة القرآنية، التي لا ينفد لها عطاء.
فعلى وجه الضرّ تلوح معالم الشرك، والكفر، والضلال، وتتراقص شياطين الغواية، والإثم..
وعلى وجه الرّشد، تتألق عرائس الخير، وتتهادى حور الجنان وولدانها.
وهنا سؤال، وهو: لماذا آثر النظم القرآنى، المقابلة بين الضرّ والرشد، على المقابلة بين الكفر، والخير، أي المقابلة بين مسبب وسبب، دون المقابلة بين مسبّب ومسبب، أو بين سبب وسبب؟
ونقول- والله أعلم- إنه فى جانب الضرّ أغفل السبب الوارد منه هذا الضرّ، وهو الكفر والشرك، وأقيم المسبّب- وهو الضرّ- مقامه، ليرى الشرك والكفر فى ثمرتهما المرّة النكدة التي أثمراها..
وأما فى جانب الرّشد، فقد أغفل المسبب عنه، وهو الخير، والنعمة والسلامة والعافية، وما أشبه هذا مما يسعد به الإنسان فى الدنيا والآخرة، وأقام السبب مقامه، وذلك للتنويه بالرّشد فى ذاته، وأنه وحده خير، وخير كثير، وأنه يجب أن يكون مطلوبا لذاته، غير منظور إلى الخير الذي يجىء منه.. إنه فى ذاته خير، فلا حاجة إلى النظر فيما وراءه.
والنبىّ- وهو رسول الله، والحامل لرسالته، والداعي إليها- هو فى قبضة الله، وتحت سلطان مشيئته.. وأنه لو أراد الله ضرّه، فليس هناك من يدفع عنه هذا الضرّ، وليس له من ملتحد، أي ملجأ يلجأ إليه، فرارا من هذا الضرّ الذي هو رهن بمشيئة الله..
إنه لا محاباة عند الله، حتى ولو لرسول الله- وإنما الناس عند الله بأعمالهم، وما هم عليه من إيمان وكفر، ومن تقوى وفجور.. والله سبحانه وتعالى يقول: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ» (١٣: الحجرات) أي أشدكم خوفا من الله، ومراقبة له، واتقاء لحرماته.. ولما كان رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، هو أتقى الأتقياء، كانت منزلته عند الله أعلى المنازل وأكرمها، فهو مطمئن إلى ماله عند الله من مقام كريم، وأجر عظيم..
قوله تعالى:
«إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً» هو مستثنى من قوله تعالى: «قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً» فهو بمعنى لا أملك لكم من الله شيئا، إلا هذا البلاغ الذي أبلغكم به من الله، وإلا هذه الرسالات التي أحملها إليكم فى آيات الله.. فهذا هو
الذي أملكه من الله لكم، بعد أن ملّكنى إياه.. وها هو ذا أعرضه عليكم، وأبلغكم ما أرسلت به إليكم.. أما ما وراء هذا، فلا أملك لكم من الله شيئا منه، فلا أملك هداية لمن أضله الله، أو إضلالا لمن هداه الله..
وفى جمع «الرسالات» مع أن رسالة الرسول واحدة، لا جمعا- فى هذا إشارة إلى أن كل آية من آيات الله، هى رسالة من رسالات الله، إلى عباد الله، يرون فى أنوارها، مواقع الهدى والرشاد، وإنه بحسب الإنسان العاقل أن يتلو آية من آيات الله، أو يستمع إليها، فيجد طريقه إلى الإيمان والهدى.. ولقد استمع الجن إلى آيات من القرآن الكريم فكان فيها هداهم ورشدهم..
وقوله تعالى: «وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً».
هو تعقيب على قوله تعالى: إلا بلاغا من الله ورسالاته، فهذا البلاغ من الله، وتلك الرسالات المنزلة فى آياته- هو مما بلغه الرسول إياهم، ودعاهم إلى تصديقه، والإيمان به، وأن من يعص الله، فلم يؤمن بآياته، ويعص الرسول، فلم يستجب له- فإن له نار جهنم خالدا فيها أبدا.. فذلك هو جزاء من يعصى الله ورسوله..
وفى عود الضمير مفردا على اسم الشرط «من» فى قوله تعالى: «فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ» ثم عوده عليه جمعا فى قوله تعالى: «خالِدِينَ فِيها أَبَداً» - فى هذا إشارة إلى أن العصيان لأمر الله ورسوله، هو عن استجابة لهوى الإنسان وحده، وأنه هو المسئول عن ركوبه هذا الطريق المهلك..
أما المصير الذي يصير إليه هذا الإنسان، فهو مصير عام يلتقى عنده أهل الضلال جميعا، وهو النار..
قوله تعالى:
«حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً» هو تهديد المشركين، وأنهم إذا كانوا فى يومهم هذا، يعتزون بقوتهم، وكثرة عددهم، ويتسلطون على تلك القلة المستضعفة المؤمنة، ببغيهم وعدوانهم، ويجتمعون لبدا عليهم- فإنه سيأتى اليوم الذي يوعدون فيه بهذا العذاب، حيث يرون أنه قد تخلّى عنهم كل ما كان موضع قوة وعزة لهم، وأنهم قد صاروا حطبا لنار جهنم.
ويجوز أن يكون مما يوعدون به، هو ما تهددهم الله به من الهزيمة والخذلان فى الدنيا، فى قوله تعالى: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ» (٤٥: القمر) وفى قوله تعالى: لنبيه الكريم: «وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ» (٤٦: يونس).. وغير ذلك من الآيات التي أشارت إلى نهاية هذا الصراع القائم بين المشركين، والمؤمنين.. وأن النصر، والغلب والعزة ستكون لله، ولرسوله، وللمؤمنين..
ولقد رأى المشركون مصداق قوله تعالى: «فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً» - لقد رأوا ذلك رأى العين، يوم الفتح، حيث دخل النبي مكة على المشركين فى عشرة آلاف من أصحابه، فانقبع المشركون، وزلزلت الأرض بهم، ثم جاءوا إلى النبي مقيدين بقيد المهانة والذلة، حتى أطلقهم الرسول الكريم بقولته الخالدة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» !
قوله تعالى:
«قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً» «إن» هنا نافية، بمعنى «ما»..
أي قل أيها النبي لهؤلاء المشركين، إن هذا اليوم الذي توعدون به، والذي ستعلمون فيه أنكم أضعف ناصرا وأقل عددا- هذا اليوم لا أدرى متى هو؟.. أهو قريب، قد أظلكم، وأطلّ عليكم بوجهه، أم هو ممتد إلى ما يعلم الله سبحانه ويجعل له أمدا ينتهى عنده..
وفى قوله تعالى: «يَجْعَلُ» بمعنى يقدّر، وفى التعبير عن التقدير بفعل المستقبل، إشارة إلى إخراج هذا التقدير من حيز العلم المكنون عند الله، إلى حيز الواقع والمشاهد، حيث يبدو الناس ما وعدوا به يوم ينتهى الأمد المعلوم عند الله لهذا اليوم.
قوله تعالى:
«عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً» - أي أن ربى هو عالم الغيب، فلا يعلم الغيب إلا هو، ولا يظهر، أي يطلع على غيبه أحدا، إلا من ارتضى من رسول.
فقوله تعالى: «إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ الله» هو استثناء من قوله تعالى:
«فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً».. أي أنه سبحانه قد استأثر وحده بعلم الغيب، وأنه سبحانه لا يطلع أحدا على هذا الغيب إلا من ارتضى أي اختار من بعض رسله..
و «من» فى قوله تعالى: «مِنْ رَسُولٍ» للتبعيض، للإشارة إلى أنه ليس كل رسل الله يطلعهم الله على الغيب- وإنما يختار الله سبحانه من يشاء منهم، فيطلعه على ما يأذن لهم به من الغيب.. فإن الذي يوحيه الله سبحانه وتعالى إلى بعض رسله، هو من بعض هذا الغيب، حيث لا يعلم هذا الموحى به إلا الرسول.. كما أوحى الله سبحانه إلى نوح بغرق قومه، وكما أوحى إلى إبراهيم بهلاك قوم لوط. وكما أوحى إلى صالح بهلاك قومه بعد ثلاثة أيام من عقر الناقة.. فهذا من الغيب الذي أطلع الله سبحانه بعض رسله عليه.
والرسول- صلوات الله وسلامه عليه- كان يعلم مما علّمه الله، كثيرا من الأحداث التي تقع على مسيرة دعوته، سواء أكان ذلك عن طريق الفهم الخاص لرسول الله بما ضمت عليه آيات القرآن من أسرار، أو كان هذا عن وحي خاص من الله سبحانه إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه..
وقوله تعالى: «فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً»..
أي أن الله سبحانه لا يطلع على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول، فإنه يطلعه على بعض الغيب، وذلك بما يقصّ عليه من أخبار إخوانه السابقين من الرسل، وما ووجهوا به من أقوامهم من سفاهات، وضلالات، وما احتملوا فى سبيل تبليغ رسالة الله، من ضر وأذى.. فهذا هو الرصد الذي يسلكه الله من خلف الرسول، أماما يسلكه بين يديه، فهو إخباره بما سيقع له من بعض الأحداث ذات الشأن العظيم، على طريق مسيرته هو بدعوته..
والرصد هو، الاستعداد، والترقب للأمر، والرصد يقال الواحد الراصد، والجماعة الراصدين، والشيء المرصود، أي المعد..
والمراد بالرصد فى الآية الكريمة- والله أعلم- هو المعالم المنصوبة بين يدى الرسول، ومن خلفه، مما يقصّه الله سبحانه وتعالى على الرسول من قصص الرسول السابقين، والمعاصرين لهذا الرسول، وبما يطلعه عليه من بعض أنباء الغيب مما سيقع له على طريق دعوته..
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى مخاطبا النبي الكريم، بعد أن قص عليه قصة يوسف: «ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ» (١٠٢ يوسف)..
وقوله تعالى: «وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ» (١٢٠: هود)..
وعلى هذا يكون الضمير فى قوله تعالى: «لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ» - عائدا إلى الرسول، الذي أطلعه الله سبحانه على بعض الغيب، وأن هذا الرسول بما علم من أنباء الرسل من قبله، قد علم أنهم أبلغوا رسالات ربهم، وأنهم أدوا أمانة التبليغ على وجهها، غير عابئين بما يلقاهم فى هذه السبيل من عنت وبلاء.. وفى هذا تثبيت الرسول فى موقفه المواجه لقومه، وما يرمون به من منكر القول، وسفيه العمل.. لما يرى من إخوانه الرسل، وما أصابهم من أقوامهم.
وقوله تعالى: «وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً» معطوف على قوله تعالى: «أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ»..
أي ويعلم الرسول أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم، وأن الله قد
أحاط بما كان لدى الرسل من طاقة صبر، وقوة واحتمال، على مواجهة السفهاء والضالين من أقوامهم، وأنه سبحانه قد علم كل شىء، وأحصاه عددا، لا يعزب عنه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء..
هذا وجه من وجوه التأويل لقوله تعالى: «إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا»..
وقيل، إن الرصد الذي يسلكه الله سبحانه وتعالى من بين يدى الرسول ومن خلفه، هو الحفظة من الملائكة، القائمين على الوحى المبلغ إلى الرسول، حتى يحفظوه من استراق سمع الشياطين له..
وعلى هذا يكون الضمير فى قوله تعالى: «ليعلم» عائدا إلى الله سبحانه وتعالى، أي ليعلم الله أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم على الوجه الذي أوحى إليهم به..
وعلم الله هنا ليس مقيّدا، ولا معلولا بهذا الرصد الذي يسلكه الله بين يدى ما يوحى به إلى رسله ومن خلفهم.. فعلم الله سبحانه وتعالى، علم ذاتى، لا يتعلق بأسباب، ولا يتولد عن علل.. وإنما المراد بالعلم هنا، العلم بما وقع من الرسل، فعلا، بعد أن كان هذا العلم واقعا على الأحداث قبل أن تقع.
وعلى هذا يكون قوله تعالى: «وأحاط بما لديهم وأحصى كل شىء عددا» حالان من فاعل: «ليعلم» وهو ضمير عائد على الله سبحانه وتعالى: أي ليعلم الله سبحانه أن الرسل قد أبلغوا رسالاته، والحال أنه سبحانه قد أحاط بما لديهم قبل أن يعملوه، وأحصى كل شىء عددا، قبل أن يوجد..
والله أعلم..
٧٣- سورة المزمل
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة القلم.
عدد آياتها: عشرون آية.
عدد كلماتها: مائتان وخمس وثمانون.. كلمة.
عدد حروفها: ثمانائة وستة وثلاثون حرفا..
مناسبتها لما قبلها
ختمت سورة «الجن» بهذا العرض الذي يكشف عن مقام رسل الله عند ربهم، وأنهم وحدهم من بين البشر، هم الذين اختارهم لرسالته إلى عباده، ولما يطلعهم عليه من الغيب المتصل برسالاتهم، وببعض الأحداث التي تقع لهم على طريق هذه الرسالات..
والنبي صلوات الله وسلامه عليه، واحد من هؤلاء الرسل الكرام، الذين اختارهم الله سبحانه لتبليغ رسالاته إلى الناس، ولما يوحى إليهم به من آياته التي لا يعلمها إلا هو..
فناسب ذلك أن تجىء سورة «المزمل» تالية سورة «الجن» وفيها هذا النداء الكريم من الله سبحانه وتعالى إلى رسوله، وقد آذنه بأنه قد اختير من الله سبحانه ليكون رسولا، وليتلقّى آيات الله الموحى بها إليه من ربه، وأنها من الغيب الذي سيطلعه الله عليه..
السورة التالية
Icon