0:00
0:00

مكية وآياتها ٢٨.

قوله عز وجل : ﴿ قُلْ أُوحِي إِلَىَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن ﴾ هؤلاءِ النفرُ من الجنِّ هم الذين صَادَفُوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقرأ ببطنِ نخلةٍ في صَلاَةِ الصِّبْحِ، وقد تَقَدَّمَ قَصَصَهم في سورةِ الأحقافِ، وقولُ الجن : ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا ﴾ الآيات، هو خطابٌ منهم لِقَوْمهم.
و﴿ قُرْآناً عَجَباً ﴾ :معناه :ذَا عَجَبٍ ؛ لأن العَجَبَ مصدرٌ يقعُ من سَامِعِ القرآن لبراعتِه وفصاحتِه ومُضَمَّناتِه.
وقوله : ﴿ وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا ﴾ قَالَ الجمهورُ :معناه :عَظَمَةُ ربنا، وروي عن أنسٍ أنه قال :كان الرجلُ إذا قَرَأ البَقَرَةَ، وآلَ عمرانَ جَدَّ في أعيننا، أي :عَظُم، وعن الحسن : ﴿ جَدُّ رَبِّنَا ﴾ غِنَاهُ وقال مجاهد :ذِكْرُهُ، وقال بعضهم :جَلاَلُه، ومَنْ فَتَح الألِفَ من قوله : ﴿ وَأَنَّهُ تعالى ﴾ اخْتَلَفُوا في تأويلِ ذلك، فقال بعضُهم :هو عَطْفٌ على ﴿ أَنَّهُ استمع ﴾ فيجيءُ عَلَى هذا قولُه تعالى : ﴿ قل أوحي ﴾ مما أُمِرَ أنْ يقولَ النبيَّ إنَّه أوحي إليه، ولَيْسَ هو من كلامِ الجنِّ، وفي هذا قَلَقٌ، وقال بعضهم :بل هو عطف على الضمير في ﴿ بِهِ ﴾ كأنه يقول :فآمنا به وبأنه تعالى، وهذا القول أبْيَنَ في المعنى، لكنَّ فيه من جهةِ النحو العطفَ على الضميرِ المخفوضِ دُونَ إعَادَةِ الخَافِضِ، وذلك لاَ يَحْسن ( ت ) :بلْ هُوَ حَسَنٌ ؛ إذ قَدْ أتى في النظم والنَّثْرِ الصحيحِ، مُثْبَتاً، وقرأ عكرمة :( تعالى جَدٌّ رَبُّنَا ) بِفَتْحِ الجيمِ وضَمِّ الدالِ وتَنْوِينِهِ ورفْعِ الرَّبِّ، كأنه يقول :تعَالَى عَظِيمٌ هو ربُّنا، فَرَبُّنَا بدَلٌ والجَدُّ :العَظِيمُ في اللغةِ، وقرأ أبو الدرداء : «تعالى ذِكْرُ رَبِّنَا » ورُوي عنه :( تعالى جَلاَلُ رَبِّنَا ).
وقوله تعالى : ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا ﴾ لا خِلاَفَ أن هَذَا مِنْ قَوْلِ الجِنَّ، والسفيهُ :المذكورُ قال جمهورٌ من المفسرينَ :هُو إبليسُ لعنه اللَّه، وقال آخرونَ :هو اسْمُ جنسٍ لكلِّ سفيهٍ مِنْهُمْ وَلاَ مَحَالَة أَنَّ إبليسَ صَدْرٌ في السفاهةِ، وهذا القول أحْسَنُ، والشَّطَطُ :التَّعَدِّي وتجاوُزُ الحدّ بقولٍ أو فعل، ( ص ) : ﴿ شَطَطًا ﴾ أبو البقاءِ :نَعْتٌ لمصدَرٍ محذوفٍ، أي :قَوْلاً شَطَطَا، انتهى.
ثم قال أولَئِكَ النفرُ : ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّا ﴾ قبلَ إيماننا ﴿ أَن لَّن تَقُولَ الإنس والجن عَلَى الله كَذِباً ﴾ في جِهَةِ الألوهيةِ وما يتعلق بذلك.
وقوله تعالى : ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن ﴾ الآية، منَ القُرَّاءِ مَنْ كَسَرَ الهمزةَ مِنْ ( إنَّهُ )، ومنهمْ من فَتَحَها، والكسْرُ أوْجَهُ، والمعنى في الآيةِ :ما كَانَتِ العربُ تفعله في أسْفَارِها من أنَّ الرَّجُلَ إذا أرادَ المَبِيتَ بِوَادٍ، صاحَ بأعلى صوتِه :يا عزيزَ هذا الوَادِي ؛ إني أعوذُ بكَ مِنَ السُّفَهَاءِ الذين في طاعتِكَ، ويعتقدُ بذلكَ أنَّ الجِنِّيَّ يحميه ويمنعَه، قال قتادة :فكانت الجنُّ تحتقرُ بني آدمَ وتَزْدَرِيهم لِمَا تَرَى مِنْ جَهلِهِم، فكانوا يَزِيدُونَهمْ مخافةً، ويتعرضُون للتَّخَيُّلِ لهم، ويُغْوُونَهم، في إرادَتِهم، فهذا هو الرَّهَقُ الذي زادته الجنُّ بني آدم، وقال مجاهد وغيره :بنو آدمَ همُ الذينَ زَادُوا الجنّ رَهَقاً وهي الجَرَاءَةُ والطُّغْيان وقَدْ فَسَّر قوم الرَّهَقَ بالإثْم.
وقوله : ﴿ وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ ﴾ يريدُ به بني آدم.
وقوله : ﴿ كَمَا ظَنَنتُمْ ﴾ مخاطبةٌ لقومِهم من الجنِّ وقولهم : ﴿ أَن لَّن يَبْعَثَ الله أَحَداً ﴾ يحتملُ معنيين :أحَدُهُما بَعْثُ الحَشْرِ من القبورِ، والآخرُ بَعْثُ آدَمِيٍّ رَسُولاً، وذكر المَهدوي تأويلاً ثالثاً، أنَّ المعنى :وأنَّ الجنَّ ظَنُّوا كما ظَنَنْتُمْ أيها الإنْسُ، فهِي مخاطَبَةٌ من اللَّهِ تعالى، قال الثعلبيُّ :وقيل :إن قَولَه : ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس ﴾ الآية، ابتداء إخْبارٍ مِنَ اللَّه تعالى، ليسَ هو من كلامِ الجنِّ، انتهى. فهو وِفَاقٌ لما ذكره المهدوي.
وقولهم : ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السماء ﴾ قال جمهورُ المتأولينَ :معناه الْتَمَسْنَا، و( الشُّهُبُ ) كواكبُ الرجْمِ و( الحَرَسُ ) يحتملُ أن يريدَ الرَّمْيَ بالشُّهُبِ، وكرَّرَ المعْنَى بلفظٍ مختلف، ويحتملُ أن يريدَ الملائكةَ.
و﴿ مقاعد ﴾ :جَمْع مَقْعَدِ وقَدْ تَقَدَّمَ بيانُ ذلِكَ في سورةِ الحِجْرِ، وقولهم : ﴿ فَمَن يَسْتَمِعِ ﴾ الآية، قَطْعٌ على أنَّ كلَّ مَنِ استمع الآنَ أحْرَقَه شهابٌ فليسَ هنا بَعْدُ سَمْعٌ إنَّما الإحراقُ عِنْدَ الاِستماعِ، وهذا يقتضي أنَّ الرَّجْمَ كَانَ في الجاهليةِ، ولكنَّه لم يكنْ بمُسْتأصِلٍ، فَلَمَّا جاءَ الإسْلاَمُ، اشْتَدَّ الأَمْرُ ؛ حتى لم يكُنْ فِيه وَلاَ يَسِيرُ سَمَاحَةً، و﴿ رَّصَداً ﴾ :نعتٌ ل«شِهَاب » ووصفَه بالمصْدَرِ.
وقولهم : ﴿ وَأَنَّا لاَ نَدْرِى أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرض ﴾ الآية، معناه :لاَ نَدْرِي أَيُؤْمِنُ الناسُ بهذا النبيِّ فَيَرْشُدُوا، أمْ يَكْفُرُونَ بهِ فَيَنْزِلَ بهِمُ الشَّرُّ، وعبارة الثعلبي : ﴿ وأَنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض ﴾ حينَ حُرِسَتِ السماءُ ومُنِعْنَا السَّمْعَ، ﴿ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً ﴾، انتهى.
وقولهم : ﴿ وَأَنَّا مِنَّا الصالحون ﴾ إلى آخرِ قولهم : ﴿ وَمِنَّا القاسطون ﴾ هُوَ من قولِ الجِنّ، وقولهم : ﴿ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ أي :غَيْرُ صالحين، ( ص ) : ﴿ دُونَ ذَلِكَ ﴾ قِيل :بمعنى غَيْرُ ذلك، وقيلَ : ﴿ دُونَ ذلكَ ﴾ في الصلاحِ، ( فدون ) في موضِع الصِّفَةِ لمحذوفٍ، أي :ومنَّا قومٌ دونَ ذلك، انتهى. و﴿ طرائقُ ﴾ :السِّيَرُ المختلفَة، و﴿ قِدَدا ﴾ كذلكَ هي الأشْياء المختلفة كأنه قَدْ قُدَّ بعضُها من بعضٍ وفُصِلَ، قال ابن عباس وغيره : ﴿ طَرَائِقَ قِدَداً ﴾ أهواء مختلفةً.
وقولهم : ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّا ﴾ أي :تَيَقَّنَّا، فالظِّنّ هنا بمعنى الْعِلْمِ ﴿ أَن لَّن نُّعْجِزَ الله فِي الأرض ﴾ الآية.
وهذا إخبارٌ منهم عَنْ حَالِهِمْ بَعْدِ إيمانِهم بما سمعوا من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، و﴿ الهدى ﴾ يريدونَ به القرآنَ، والبَخْسُ النَّقْصُ، والرَّهَقُ تَحْمِيلُ مَا لاَ يطاقُ، وما يَثْقُل، قال ابن عباس :البَخْسُ نَقْصُ الحسناتِ، والرَّهَقُ الزيادةُ في السيئات.
وقوله تعالى : ﴿ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً ﴾ الوجْهُ فيه أنْ يكونَ مخاطَبَةً من اللَّه تعالى لنبيه محمد عليه السلام ويُؤيِّدُه ما بَعْدَه من الآياتِ، و﴿ تَحَرَّوْاْ ﴾ معناه :طَلَبُوا باجتهادهم.
بَعْدُ سَمْعٌ إنَّما الإحراقُ عِنْدَ الاِستماعِ] «١»، وهذا يقتضي أنَّ الرَّجْمَ كَانَ في الجاهليةِ، ولكنَّه لم يكنْ بمُسْتأصِلٍ، فَلَمَّا جاءَ الإسْلاَمُ، اشْتَدَّ الأَمْرُ حتى لم يكُنْ فِيه وَلاَ/ يَسِيرُ سماحة، ورَصَداً: نعتٌ ل «شِهَاب» ووصفَه بالمصْدَرِ، وقولهم: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ... الآية، معناه: لاَ نَدْرِي أَيُؤْمِنُ الناسُ بهذا النبيِّ فَيَرْشُدُوا، أمْ يَكْفُرُونَ بهِ فَيَنْزِلَ بهِمُ الشَّرُّ، وعبارة الثعلبي: «وأَنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض» حينَ حُرِسَتِ السماءُ ومُنِعْنَا السَّمْعَ، أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً، انتهى.
[سورة الجن (٧٢) :الآيات ١١ الى ١٥]
وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥)
وقولهم: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ إلى آخرِ قولهم: وَمِنَّا الْقاسِطُونَ هُوَ من قولِ الجِنّ، وقولهم: وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ أي: غَيْرُ صالحين، - ص-: دُونَ ذلِكَ قِيل:
بمعنى غَيْرُ ذلك، وقيلَ: دُونَ ذلكَ في الصلاحِ، ف «دون» في موضِع الصِّفَةِ لمحذوفٍ، أي: ومنَّا قومٌ دونَ ذلك، انتهى، والطرائقُ: السِّيَرُ المختلفَة، والقِدَدُ كذلكَ هي الأشْياء المختلفة كأنه قَدْ قُدَّ بعضُها من بعضٍ وفُصِلَ، قال ابن عباس وغيره: طَرائِقَ قِدَداً أهواء مختلفةً «٢». وقولهم: وَأَنَّا ظَنَنَّا أي: تَيَقَّنَّا، فالظِّنّ هنا بمعنى الْعِلْمِ أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ... الآية، وهذا إخبارٌ منهم عَنْ حَالِهِمْ بَعْدِ إيمانِهم بما سمعوا من نبينا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والْهُدى يريدونَ به القرآنَ، والبَخْسُ النَّقْصُ، والرَّهَقُ تَحْمِيلُ مَا لاَ يطاقُ، وما يَثْقُل، قال ابن عباس: البَخْسُ نَقْصُ الحسناتِ «٣»، والرَّهَقُ الزيادةُ في السيئات.
وقوله تعالى: فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً الوجْهُ فيه أنْ يكونَ مخاطَبَةً من الله تعالى لنبيه محمّد ع ويؤيّده ما بعده من الآيات، وتَحَرَّوْا معناه: طلبوا باجتهادهم.
(١) سقط في: د.
(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٦٦)، رقم: (٣٥٠٨٩) بنحوه. وذكره ابن عطية (٥/ ٣٨٢)، وابن كثير (٤/ ٤٣٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٣٥)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.
(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٦٧)، رقم: (٣٥٠٩٥) بنحوه، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٨٢)، وابن كثير (٤/ ٤٣٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٣٥)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم.
وقوله سبحانه : ﴿ وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقة ﴾ الآية، قال ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جبير :الضميرُ في قوله : ﴿ استقاموا ﴾ عائِدٌ عَلى القاسِطينَ، والمعنى :لوِ اسْتَقَامُوا على طريقةِ الإسْلاَمِ والحَقِّ لأَنْعَمْنَا عليهم، وهذا المعنى نحوُ قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكتاب آمَنُواْ واتقوا ﴾ [ المائدة :٦٥ ] إلى قوله : ﴿ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ [ المائدة :٦٦ ] والقَاسِطُ الظَّالِم، والماء الغَدَقُ هو الماءُ الكثيرُ.
و﴿ لِّنَفْتِنَهُمْ ﴾ :معناه :لنختبرَهم، قال عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه :حيْثُ يكونُ الماءُ فَثَمَّ المالُ، وحَيْثُ المالُ فَثَمَّ الفِتْنَةُ، ونَزَعَ بهذه الآية، وقال الحسن وجماعة من التابعين :كانتِ الصحابَةُ رضي اللَّه عنهم سَامِعينَ مُطِيعينَ فَلَمَّا فُتِحْتْ كُنُوزُ كِسْرَى وقَيْصَرَ على الناس، ثَارَتِ الفِتَن، و( نُسْلكه ) نُدْخلُه، و﴿ صَعَداً ﴾ :معناه :شَاقًّا، وقال ابن عباس وأبو سعيد الخدري : ﴿ صعداً ﴾ جَبَلٌ في النارِ.
﴿ وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ ﴾ قيل :أرادَ البيوتَ التي للعبادةِ والصلاةِ في كلِّ ملةٍ، وقال الحسن :أرادَ بها كلَّ موضِع يُسْجَدُ فيه ؛ إذ الأَرْضُ كلها جُعِلَتْ مَسْجِداً لهذه الأمة، ورُوِيَ :أنّ هذه الآيةَ نَزَلَتْ بسبب تَغَلُّبِ قريشٍ عَلى الكعبةِ حينئذٍ، فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم المواضعُ كلُّها لِلَّهِ فَاعْبُدْه حيثُ كنتَ، قال ( ع ) :والمسَاجِدُ المخصوصَةُ بَيِّنَةُ التَمَكُنِ في كونها لِلَّهِ تعالى، فيصلُحُ أنْ تُفْرَدَ للعبادةِ، وكلِّ مَا هُوَ خَالِصٌ لِلَّهِ تعالى، وأنْ لاَ يُتَحَدَّثَ بها في أمورِ الدنيا، ولا يُجْعَلُ فيها لِغَيرِ اللَّهِ نَصِيبٌ.
وقوله تعالى : ﴿ وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ الله ﴾ يحتملُ :أنْ يكونَ خِطَاباً مِنَ اللَّهِ تعالى، ويحتملُ :أنْ يَكُونَ إخباراً عَنِ الجِنِّ، و﴿ عَبْدُ اللَّهِ ﴾ هو محمد صلى الله عليه وسلم، والضميرُ في ﴿ كَادُواْ ﴾ يحتملُ :أنْ يكونَ لكفارِ قريشٍ، وغيرِهم في اجتماعهم على رَدِّ أمرِهِ صلى الله عليه وسلم، وقيلَ :الضميرُ للجِنِّ، والمعنى أنهم كادوا يَتَقَصَّفُونَ عليه ؛ لاسْتِماعِ القرآن، وقال ابن جبير :معنى الآيةِ أنَّها قَوْلُ الجِنِّ لقومِهم ؛ يحكُون لَهُم، والعَبْدُ محمدٌ عليه السلام، والضميرُ في ﴿ كَادُواْ ﴾ لأَصْحَابهِ الذينَ يُطِيعُونَ له ويَقْتَدُونَ بهِ في الصلاةِ فَهُمْ عليه لِبَدٌ، و( اللِبَدُ ) :الجماعاتُ شُبِّهَتْ بالشَّيءِ المُتَلبِّدِ، وقال البخاريُّ :قال ابن عباس : ﴿ لِبَداً ﴾ أعْوَاناً، انتهى. ، و﴿ يَدْعُوهُ ﴾ معناه :يَعْبُدُه، وقيل :عبدُ اللَّهِ في الآيةِ المرادُ به نوحٌ.
وقرأ جمهور السبعة : ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبِّي ﴾ وقرأ حمزةُ وعاصمٌ وأبو عمرو بخلافٍ عنه :( قُلْ ).
ثم أمَرَ اللَّهُ تعالى محمداً عليه السلام بالتَّبَرِّي مِنَ القُدْرَةِ، وأنَّه لاَ يَمْلِكُ لأَحَدٍ ضَرًّا ولا نفعاً.
والملتَحَدُ :المَلْجَأُ الذي يُمَال إليه، ومنه الإلْحادُ وهو الميل.
وقوله : ﴿ إِلاَّ بَلاَغاً ﴾ قال قتادة :التقدير :لا أمْلِكُ إلاَّ بَلاَغاً إلَيْكُمْ، فأمَّا الإيمانُ وَالكُفْرُ، فَلاَ أَمْلِكُهُ، وقال الحسن :ما معناه أَنَّه اسْتِثْنَاءٌ منْقَطِع، والمعنى :لَنْ يجيرَني مِنَ اللَّه أحَدٌ إلا بلاغاً فإنّي إنْ بَلَّغْتُ، رَحِمَنِي بذلك، أي :بِسَبَبِ ذلك.
وقوله تعالى : ﴿ وَمَن يَعْصِ الله ﴾ يريدُ :بالكفر، بدليلِ تَأبِيدِ الخلود.
وقوله تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يحتملُ: أنْ يكونَ خِطَاباً مِنَ اللَّهِ تعالى، ويحتملُ: أنْ يَكُونَ إخباراً عَنِ الجِنِّ، وَعَبْدُ الله هو محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والضميرُ في كادُوا يحتملُ: أنْ يكونَ لكفارِ قريشٍ، وغيرِهم في اجتماعهم على رَدِّ أمرِهِ صلّى الله عليه وسلّم، وقيلَ: الضميرُ للجِنِّ، والمعنى أنهم كادوا يَتَقَصَّفُونَ عليه «١» لاسْتِماعِ القرآن، وقال ابن جبير: معنى الآيةِ أنَّها قَوْلُ الجِنِّ لقومِهم يحكُون لَهُم، والعبد محمّد ع «٢»، والضميرُ في كادُوا لأَصْحَابهِ الذينَ يُطِيعُونَ له ويَقْتَدُونَ بهِ في الصلاةِ فَهُمْ عليه لِبَدٌ، واللِبَدُ:
الجماعاتُ شُبِّهَتْ بالشَّيءِ المُتَلبِّدِ، وقال البخاريُّ: قال ابن عبّاس: لِبَداً أعوانا «٣»، انتهى، ويَدْعُوهُ معناه: يَعْبُدُه، وقيل: عبدُ اللَّهِ في الآيةِ المرادُ به نوحٌ، وقرأ جمهور السبعة: «قَالَ إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبِّي» وقرأ حمزةُ وعاصمٌ وأبو عمرو بخلافٍ عنه «٤» : «قُلْ»، ثم أمَرَ اللَّهُ تعالى محمّدا ع بالتَّبَرِّي مِنَ القُدْرَةِ، وأنَّه لاَ يَمْلِكُ لأَحَدٍ ضَرًّا ولا نفعاً، والملتَحَدُ: المَلْجَأُ «٥» الذي يُمَال إليه، ومنه الإلحاد وهو الميل.
[سورة الجن (٧٢) :الآيات ٢٣ الى ٢٤]
إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤)
وقوله: إِلَّا بَلاغاً قال قتادة: التقدير: لا أمْلِكُ إلاَّ بَلاَغاً إلَيْكُمْ، فأمَّا الإيمانُ وَالكُفْرُ، فَلاَ أَمْلِكُهُ «٦»، وقال الحسن: ما معناه أَنَّه استثناء منقطع، والمعنى: لن يجيرني من
(١) أي يزدحمون عليه. ينظر: «لسان العرب» (٣٦٥٥).
(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٧٢)، رقم: (٣٥١٣٣) بنحوه، وذكره البغوي (٤/ ٤٠٤)، وابن عطية (٥/ ٣٨٤)، وابن كثير (٤/ ٤٣٢).
(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٧٣)، رقم: (٣٥١٤١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٨٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٣٧)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(٤) وحجة هؤلاء إجماع على ما بعده على الأمر فردّ ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه أولى. وحجة الباقين أن ذكر الغيبة قد تقدم، وهو قوله: «وأنه لما قام عبد الله»، وقوله: «قال إنما أدعو».
ينظر: «السبعة» (٦٥٧)، و «الحجة» (٦/ ٣٣٣)، و «إعراب القراءات» (٢/ ٤٠٢)، و «حجة القراءات» (٧٢٩)، و «معاني القراءات» (٣/ ٩٨)، و «شرح الطيبة» (٦/ ٧٦)، و «العنوان» (١٩٨)، و «شرح شعلة» (٦١٠)، و «إتحاف» (٢/ ٥٦٧).
(٥) في د: الملتجأ.
(٦) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٧٥)، رقم: (٣٥١٥٠).
وقوله تعالى : ﴿ قُلْ إِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ ﴾ يعني عَذَابَهم الذي وُعِدُوا به، والأمدُ المُدَّةُ والغايةُ.
وقوله تعالى : ﴿ إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ ﴾ معناه فإنه يُظْهِرُه عَلَى ما شَاءَ مما هو قليلٌ من كثير، ثم يَبُثُّ تعالى حَوْلَ ذلك الملَكِ الرَّسُولِ حَفَظَةً رَصَداً لإبليسَ وحِزْبِه من الجنِ والإنْس.
وقوله تعالى : ﴿ لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ ﴾ الآية، قال ابنُ جُبَيْرٍ :لِيعْلَمَ محمدٌ أنَّ الملائِكَة الحَفَظَةَ الرَّصَد النازِلينَ بَيْنَ يدي جبريلَ وخَلْفَه قَدْ أبلغوا رسالاتِ رَبِّهم، وقال مجاهد :معناه لِيَعْلَمَ مَنْ كَذَّبَ أو أشْرَكَ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْ، وقيل :المعنى لِيَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى رُسُلَه مُبَلِّغَةً خَارِجَةً إلى الوُجُودِ، لأَنَّ عِلْمَه بكلِّ شَيْءٍ قَدْ تَقَدَّمَ، والضميرُ في ﴿ أَحَاطَ ﴾ و﴿ أحصى ﴾ للَّه سبحانه لاَ غَيْر.
السورة التالية
Icon