0:00
0:00

سورة الجن
مكية وآياتها ٢٨ نزلت بعد الأعراف

﴿ قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ﴾ تقدمت في الأحقاف قصة هؤلاء الجن الذين استمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم وأسلموا.
﴿ فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا ﴾ أي :قال ذلك بعضهم لبعض وعجبا مصدر وصف به للمبالغة لأن العجب مصدر قولك :عجبت عجبا وقيل :هو على حذف مضاف تقديره ذا عجب.
﴿ وأنه تعالى جد ربنا ﴾ جد الله جلاله وعظمته وقيل :معناه :من قولك فلان مجدود إذا استغنى وقرئ أنه في هذا الموضع بفتح الهمزة وكسرها وكذلك فيما بعده إلى قوله : ﴿ وأنا منا المسلمون ﴾ [ الجن :١٤ ] فأما الكسر فاستئناف أو عطف على إنا سمعنا لكنه كسر في معمول القول فيكون ما عطف عليه من قول : ﴿ الجن ﴾ وأما الفتح فقيل :إنه عطف على قوله : ﴿ أنه استمع نفر ﴾ وهذا خطأ من طريق المعنى لأن قوله استمع نفر في موضع معمول أوحي فيلزم أن يكون المعطوف عليه مما أوحي وأن لا يكون من كلام الجن وقيل :إنه معطوف على الضمير المجرور في قوله : ﴿ آمنا به ﴾ وهذا ضعيف لأن الضمير المجرور لا يعطف عليه إلا بإعادة الخافض وقال الزمخشري :هو معطوف على محل الجار والمجرور في ﴿ آمنا به ﴾ كأنه قال :صدقناه وصدقنا.
﴿ أنه تعالى جد ربنا ﴾ وكذلك ما بعده ولا خلاف في فتح ثلاث مواضع وهي : ﴿ أنه استمع ﴾، ﴿ وألو استقاموا ﴾، ﴿ وأن المساجد لله ﴾ ؛ لأن ذلك مما أوحي لا من كلام الجن.
﴿ وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ﴾ هذا من كلام الجن وسفيههم أبوهم إبليس، وقيل :هو اسم جنس لكل سفيه منهم واختار ذلك ابن عطية، والشطط التعدي ومجاوزة الحد.
﴿ وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا ﴾ أي :ظننا أن الأقوال التي كان الإنس والجن يقولونها على الله صادقة وليست بكذب لأنا ظننا أنه لا يكذب أحد على الله.
﴿ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ﴾ تفسير هذا ما روي :أن العرب كانوا إذا حل أحد منهم بواد صاح بأعلى صوته يا عزيز هذا الوادي أني أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك ويعتقد أن ذلك الجن الذي بالوادي يحميه.
﴿ فزادوهم رهقا ﴾ ضمير الفاعل للجن وضمير المفعول للإنس والمعنى :أن الجن زادوا الإنس ضلالا وإثما لما عاذوا بهم أو زادوهم تخويفا لما رأوا ضعف عقولهم، وقيل :ضمير الفاعل للإنس وضمير المفعول للجن والمعنى أن الإنس زادوا الجن تكبرا وطغيانا لما عاذوا بهم حتى كان الجن يقول أنا سيد الجن والإنس.
﴿ وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ﴾ الضمير في ظنوا لكفار الإنس وظننتم خطاب الجن بعضهم لبعض، فالمعنى :أن كفار الإنس والجن ظنوا أن لن يبعث الله أحدا، والبعث هنا يحتمل أن يريد به بعث الرسل أو البعث من القبور.
﴿ وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ﴾ هذا إخبار عن ما حدث عند مبعث النبي صلى الله عليه وسلم من منع الجن من استراق السمع من السماء ورجمهم واللمس :المس واستعير هنا للطلب، والحرس اسم مفرد في معنى الحراس كالخدم في معنى الخدام، ولذلك وصف بشديد وهو مفرد ويحتمل أن يريد به الملائكة الحراس أو النجوم الحارسة وكرر الشهب لاختلاف اللفظ.
﴿ وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ﴾ المقاعد جمع مقعد وقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة قعود الجن أنهم كانوا واحدا فوق واحد فمتى أحرق الأعلى طلع الذي تحته مكانه فكانوا يسترقون الكلمة فيلقونها إلى الكهان ويزيدون معها ثم يزيد الكهان للكلمة مائة كذبة.
﴿ فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ﴾ الرصد اسم جمع للراصد كالحراس للحارس وقال ابن عطية :هو مصدر وصف به ومعناه :منتظر قال بعضهم :إن رمي الجن بالنجوم إنما حدث بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم واختار ابن عطية والزمخشري أنه كان قبل المبعث قليلا، ثم زاد بعد المبعث وكثر حتى منع الجن من استراق السمع بالكلية والدليل أنه كان قبل المبعث قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقد رأى كوكبا انقض ما كنتم تقولون لهذا في الجاهلية ؟ قالوا كنا نقول ولد ملك أو مات ملك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ليس الأمر كذلك ثم وصف استراق الجن للسمع " وقد ذكر شعراء الجاهلية ذلك في أشعارهم.
﴿ وإنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض ﴾ الآية :قال ابن عطية :معناه :لا ندري أيؤمن الناس بهذا النبي فيرشدوا، أو يكفرون به فينزل بهم الشر ؟ وقال الزمخشري معناه :لا ندري هل أراد الله بأهل الأرض خيرا أو شرا من عذاب أو رحمة أن من خذلان أو من توفيق ؟.
﴿ وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ﴾ أي :منا قوم دون ذلك فحذف الموصوف وأراد به الذين ليس صلاحهم كاملا أو الذين ليس لهم صلاح فإن دون قد تكون بمعنى :أقل أو بمعنى :غير. ﴿ كنا طرائق قددا ﴾ الطرائق المذاهب والسير وشبهها والقدد المختلفة وهو جمع قدة وهذا بيان للقسمة المذكورة قبل وهو على حذف مضاف أي :كنا ذوي طرائق.
﴿ وإنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ﴾ الظن هنا بمعنى :العلم، وقال ابن عطية :هذا إخبار منهم عن حالهم بعد إيمانهم ويحتمل أن يكونوا اعتقدوا هذا الاعتقاد قبل إسلامهم.
﴿ سمعنا الهدى ﴾ يعنون القرآن.
{ فلا يخاف بخسا ولا رهقا ) البخس النقص والظلم، والرهق تحمل ما لا يطاق، وقال ابن عباس البخس نقص الحسنات، والرهق الزيادة في السيئات.
﴿ ومنا القاسطون ﴾ يعني :الظالمين :يقال :قسط الرجل إذا جار، وأقسط بالألف إذا عدل وها هنا انتهى ما حكاه الله من كلام الجن، وأما قوله : ﴿ فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ﴾ يحتمل أن يكون من بقية كلامهم أو يكون ابتداء كلام الله تعالى وهو الذي اختاره ابن عطية، وأما قوله : ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ فهو من كلام الله باتفاق وليس من كلامهم.
﴿ تحروا ﴾ أي :قصدوا الرشد.
﴿ وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ﴾ الماء الغدق الكثير وذلك استعارة في توسيع الرزق والطريقة هي طريقة الإسلام وطاعة الله فالمعنى :لو استقاموا على ذلك لوسع الله أرزاقهم فهو كقوله : ﴿ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ﴾ [ الأعراف :٩٦ ] وقيل :هي طريقة الكفر والمعنى على هذا لو استقاموا على الكفر لوسع الله عليهم في الدنيا أملاكهم استدراجا ويؤيد هذا قوله : ﴿ لنفتنهم فيه ﴾ [ طه :١٣١ ] والأول أظهر، والضمير في ﴿ استقاموا ﴾ يحتمل أن يكون للمسلمين أو للقاسطين المذكورين أو لجميع الجن أو للجن الذين سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم أو لجميع الخلق.
﴿ لنفتنهم فيه ﴾ إن كانت الطريقة الإيمان والطاعة، فمعنى الفتنة :الاختبار هل يسلمون أم لا وإن كانت الطريقة الكفر فمعنى الفتنة :الإضلال والاستدراج.
﴿ نسلكه عذابا صعدا ﴾ معنى نسلكه :ندخله والصعد الشديد المشقة وهو مصدر صعد يصعد ووصف بالمصدر للمبالغة يقال فلان في صعد أي :في مشقة وقيل :صعدا جبل في النار.
﴿ وأن المساجد لله ﴾ أراد المساجد على الإطلاق وهي بيوت عبادة الله، وروي :أن الآية نزلت بسبب تغلب قريش على الكعبة، وقيل :أراد الأعضاء التي يسجد عليها واحدها مسجد بفتح الجيم وهذا بعيد، وعطف أن المساجد لله على أوحى إلي أنه استمع وقال الخليل :معنى الآية لأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا، أي :لهذا السبب فلا تعبدوا غير الله.
﴿ وأنه لما قام عبد الله يدعوه ﴾ عبد الله هنا محمد صلى الله عليه وسلم ووصفه بالعبودية اختصاصا له وتقريبا وتشريفا وقال الزمخشري :أنه سماه هنا عبد الله ولم يقل الرسول أو النبي لأن هذا واقع في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه لأنه مما أوحى إليه فذكر صلى الله عليه وسلم نفسه على ما يقتضيه التواضع والتذلل وهذا الذي قاله :بعيد مع أنه إنما يمكن على قراءة أنه لما قام بفتح الهمزة فيكون إخبارا من الله أو من جملة كلام الجن فيبطل ما قاله. ﴿ كادوا يكونون عليه لبدا ﴾ اللبد الجماعات واحدها لبدة والضمير في كادوا يحتمل أن يكون للكفار من الناس أي يكادوا يجتمعون على الرد عليه وإبطال أمره أو يكون للجن الذين استمعوا أي :كادوا يجتمعون عليه لاستماع القرآن والبركة به.
﴿ ملتحدا ﴾ أي :ملجأ.
﴿ إلا بلاغا ﴾ بدل من ملتحد أي :لا أجد ملجأ إلا بلاغ الرسالة ويحتمل أن يكون استثناء منقطعا. ﴿ من الله ﴾ قال الزمخشري :هذا الجار والمجرور ليس بصلة البلاغ إنما هو بمعنى بلاغا كائنا من الله ويحتمل عندي أن يكون متعلقا ببلاغا والمعنى بلاغ من الله.
﴿ ورسالاته ﴾ قال الزمخشري :إنه معطوف على بلاغا كأنه قال :إلا التبليغ والرسالة، ويحتمل أن يكون ورسالاته معطوفا على اسم الله.
﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا ﴾ جمع خالدين على معنى من يعص لأنه في معنى الجمع والآية في الكفار وحملها المعتزلة على عصاة المؤمنين لأن مذهبهم خلودهم في النار والدليل على أنها في الكفار وجهان :
أحدهما :أنها مكية والسورة المكية إنما الكلام فيها مع الكفار.
والآخر :دلالة ما قبلها وما بعدها على أن المراد بها الكفار.
﴿ حتى إذا رأوا ما يوعدون ﴾ تعلقت حتى بقوله : ﴿ يكونون عليه لبدا ﴾ وجعلت غاية لذلك والمعنى :أنهم يكفرون ويتظاهرون عليه حتى إذا رأوا ما يوعدون قال ذلك الزمخشري وقال أيضا يجوز أن يتعلق بمحذوف يدل على المعنى كأنه قيل :لا يزالون على ما هم عليه من الكفر حتى إذا رأوا ما يوعدون وهذا أظهر.
﴿ قل إن أدري أقريب ما توعدون ﴾ إن هنا نافية والمعنى :قل لا أدري أقريب ما توعدون أم بعيد وعبر عن بعده بقوله : ﴿ أم يجعل له ربي أمدا ﴾ ويعني :بما توعدون قتلهم يوم بدر أو يوم القيامة.
﴿ فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ﴾ أي :لا يطلع أحدا على علم الغيب إلا من ارتضى وهم الرسل فإنه يطلعهم على ما شاء من ذلك ومن في قوله : ﴿ من رسول ﴾ لبيان الجنس لا للتبعيض والرسل هنا يحتمل أن يراد بهم الرسل من الملائكة وعلى هذا حملها ابن عطية أو الرسل من بني آدم وعلى هذا حملها الزمخشري واستدل بها على نفي كرامات الأولياء الذين يدعون المكاشفات فإن الله خص الاطلاع على الغيب بالرسل دون غيرهم وفيها أيضا دليل على إبطال الكهانة والتنجيم وسائر الوجوه التي يدعي أهلها الاطلاع على الغيب بالرسل دون غيرهم لأنهم ليسوا من الرسل.
﴿ فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ﴾ أي :لا يطلع أحدا على علم الغيب إلا من ارتضى وهم الرسل فإنه يطلعهم على ما شاء من ذلك ومن في قوله : ﴿ من رسول ﴾ لبيان الجنس لا للتبعيض والرسل هنا يحتمل أن يراد بهم الرسل من الملائكة وعلى هذا حملها ابن عطية أو الرسل من بني آدم وعلى هذا حملها الزمخشري واستدل بها على نفي كرامات الأولياء الذين يدعون المكاشفات فإن الله خص الاطلاع على الغيب بالرسل دون غيرهم وفيها أيضا دليل على إبطال الكهانة والتنجيم وسائر الوجوه التي يدعي أهلها الاطلاع على الغيب بالرسل دون غيرهم لأنهم ليسوا من الرسل.
﴿ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ﴾ المعنى :أن الله يسلك من بين يدي الرسل ومن خلفه ملائكة يكونون رصدا يحفظونه من الشياطين وقد ذكرنا رصدا في هذه السورة قال بعضهم :ما بعث الله رسولا إلا ومعه ملائكة يحرسونه حتى يبلغ رسالة ربه.
﴿ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ﴾ في الفاعل بيعلم ثلاثة أقوال :
الأول :أي ليعلم الله أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم أي :يعلمه موجودا وقد كان علم ذلك قبل كونه.
الثاني :ليعلم محمد أن الملائكة الرصد أبلغوا رسالات ربهم.
الثالث :ليعلم من كفر أن الرسل قد بلغوا الرسالة والأول أظهر وجمع الضمير في أبلغوا وفي ربهم حملا على المعنى لأن من ارتضى من رسول يراد به جماعة.
﴿ وأحاط بما لديهم ﴾ أي :أحاط الله بما عند الرسل من العلوم والشرائع وهذه الجملة معطوفة على قوله : ﴿ ليعلم ﴾ لأن معناه أنه قد علم قال ذلك ابن عطية ويحتمل أن تكون هذه الجملة في موضع الحال.
﴿ وأحصى كل شيء عددا ﴾ هذا عموم في جميع الأشياء وعددا منصوب على الحال أو تمييزا أو مصدر من معنى أحصى.
السورة التالية
Icon