0:00
0:00

مكية وآياتها ٢٨

قرئ «أحى » وأصله وحي ؛ يقال :أوحي إليه ووحي إليه، فقلبت الواو همزة، كما يقال :أعد وأزن ﴿ وَإِذَا الرسل أُقّتَتْ ﴾ [ المرسلات :١١ ]، وهو من القلب المطلق جوازه في كل واو مضمومة ؛ وقد أطلقه المازني في المكسورة أيضاً كإشاح وإسادة، وإعاء أخيه، وقرأ ابن أبي عبلة «وحى » على الأصل ﴿ أَنَّهُ استمع ﴾ بالفتح، لأنه فاعل أوحى. وإنا سمعنا :بالكسر ؛ لأنه مبتدأ محكي بعد القول، ثم تحمل عليهما البواقي، فما كان من الوحي فتح، وما كان من قول الجنّ كسر :وكلهن من قولهم إلا الثنتين الأخريين ﴿ وَأَنَّ المساجد ﴾ [ الجن :١٨ ]، ﴿ وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ ﴾ [ الجن :١٩ ]، ومن فتح كلهنّ فعطفاً على محل الجار والمجرور في آمنا به، كأنه قيل :صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا، وأنه كان يقول سفيهنا، وكذلك البواقي ﴿ نَفَرٌ مِّنَ الجن ﴾ جماعة منهم ما بين الثلاثة إلى العشرة. وقيل :كانوا من الشيصبان، وهم أكثر الجنّ عدداً وعامة جنود إبليس منهم ﴿ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا ﴾ أي :قالوا لقومهم حين رجعوا إليهم، كقوله : ﴿ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ( ٢٩ ) قَالُواْ يا قومنا إِنَّا سَمِعْنَا كتابا ﴾ [ الأحقاف :٢٩ ٣٠ ]، ﴿ عَجَبًا ﴾ بديعاً مباينا لسائر الكتب في حسن نظمه وصحة معانيه، قائمة فيه دلائل الإعجاز. وعجب مصدر يوضع موضع العجيب. وفيه مبالغة :وهو ما خرج عن حد أشكاله ونظائره.
﴿ يهدى إِلَى الرشد ﴾ يدعو إلى الصواب. وقيل :إلى التوحيد والإيمان. والضمير في ﴿ بِهِ ﴾ للقرآن ؛ ولما كان الإيمان به إيماناً بالله وبوحدانيته وبراءة من الشرك :قالوا : ﴿ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً ﴾ أي :ولن نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك به في طاعة الشيطان.
ويجوز أن يكون الضمير لله عز وجل ؛ لأنّ قوله : ﴿ بِرَبِّنَا ﴾ يفسره ﴿ جَدُّ رَبِّنَا ﴾ عظمته من قولك :جدّ فلان في عيني، أي :عظم. وفي حديث عمر رضي اللَّه عنه :كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا. وروي في أعيننا. أو ملكه وسلطانه أو غناه، استعارة من الجد الذي هو الدولة والبخت ؛ لأن الملوك والأغنياء هم المجدودون والمعنى :وصفه بالتعالي عن الصاحبة والولد لعظمته. أو لسلطانه وملكوته أو لغناه. وقوله : ﴿ مَا اتخذ صاحبة وَلاَ وَلَداً ﴾ بيان لذلك. وقرىء «جدّا ربنا » على التمييز و«جدّ ربنا » بالكسر، أي :صدق ربوبيته وحق إلهيته عن اتخاذ الصاحبة والولد، وذلك أنهم لما سمعوا القرآن ووفقوا للتوحيد والإيمان، تنبهوا على الخطأ فيما اعتقده كفرة الجنّ من تشبيه الله بخلقه واتخاذه صاحبة وولداً، فاستعظموه ونزهوه عنه.
سفيههم :إبليس لعنه الله أو غيره من مردة الجن. والشطط :مجاوزة الحدّ في الظلم وغيره. ومنه :أشط في السوم، إذا أبعد فيه، أي :يقول قولا هو في نفسه شطط ؛ لفرط ما أشطَّ فيه، وهو نسبة الصاحبة والولد إلى الله.
وكان في ظننا أنّ أحداً من الثقلين لن يكذب على الله ولن يفتري عليه ما ليس بحق، فكنا نصدّقهم فيم أضافوا إليه من ذلك، حتى تبين لنا بالقرآن كذبهم وافتراؤهم ﴿ كَذِبًا ﴾ قولاً كذباً، أي :مكذوباً فيه. أو نصب نصب المصدر لأنّ الكذب نوع من القول. ومن قرأ «أن لن تقوّل » وضع كذباً موضع تقوّلا، ولم يجعله صفة ؛ لأنّ التقوّل لا يكون إلا كذباً.
الرهق :غشيان المحارم. والمعنى :أنّ الإنس باستعاذتهم بهم زادوهم كبراً وكفراً ؛ وذلك أنّ الرجل من العرب كان إذا أمسى في واد قفر في بعض مسايره وخاف على نفسه قال :أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد الجن وكبيرهم ؛ فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا :سدنا الجن والإنس ؛ فذلك رهقهم. أو فزاد الجن الإنس رهقاً بإغوائهم وإضلالهم لاستعاذتهم بهم.
﴿ وَأَنَّهُمْ ﴾ وأنّ الإنس ﴿ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ ﴾ وهو من كلام الجن، يقوله بعضهم لبعض. وقيل الآيتان من جملة الوحي. والضمير في ( وأنهم ظنوا ) للجنّ، والخطاب في ﴿ ظَنَنتُمْ ﴾ لكفار قريش.
اللمس :المس، فاستعير للطلب ؛ لأن الماس طالب متعرف قال :
مَسَسْنَا مِنَ الآبَاءِ شَيْئاً وَكُلُّنَا إلى نَسَبٍ في قَوْمِهِ غَيْرِ وَاضِعِ
يقال :لمسه والتمسه، وتلمسه «كطلبه وأطلبه وتطلبه » ونحوه :الجس. وقولهم ؛ جسوه بأعينهم وتجسسوه. والمعنى :طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها. والحرس :اسم مفرد في معنى الحرّاس، كالخدم في معنى الخدّام ؛ ولذلك وصف بشديد، ولو ذهب إلى معناه لقيل :شداداً ؛ ونحوه.
أَخْشَى رُجَيْلاً أَوْ رُكُيْباً غَادِيَا***
لأنّ الرجل والركب مفردان في معنى الرجال والركاب. والرصد :مثل الحرس :اسم جمع للراصد، على معنى :ذوى شهاب راصدين بالرجم، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب، ويمنعونهم من الاستماع. ويجوز أن يكون صفة للشهاب. بمعنى الراصد أو كقوله :
. . . . . . وَمعى جِيَاعاً ***
يعني يجد شهاباً راصداً له ولأجله.
فإن قلت :كأن الرجم لم يكن في الجاهلية، وقد قال الله تعالى : ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رُجُوماً للشياطين ﴾ [ الملك :٥ ]، فذكر فائدتين في خلق الكواكب :التزيين، ورجم الشياطين ؟ قلت :قال بعضهم حدث بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو إحدى آياته، والصحيح أنه كان قبل المبعث ؛ وقد جاء ذكره في شعر أهل الجاهلية. قال بشر بن أبي خازم :
وَالْعِيرُ يُرْهِقُهَا الْغُبَارُ وَجَحْشُهَا يَنْقَضُّ خَلْفَهُمَا انْقِضَاضَ الْكَوْكَبِ
وقال أوس بن حجر :
وَانْقَضَّ كَالدُّرِّيِّ يَتْبَعُه نَقْعٌ يَثُورُ تَخَالهُ طُنُبَا
وقال عوف بن الخرع :
يَرُدُّ عَلَيْنَا الْعِيرَ مِنْ دُونِ إلْفِهِ أَوِ الثَّوْرَ كَالدُّرِّىِّ يَتْبَعُهُ الدَّمُ
ولكن الشياطين كانت تسترق في بعض الأحوال، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم :كثر الرجم وزاد زيادة ظاهرة ؛ حتى تنبه لها الإنس والجن، ومنع الاستراق أصلاً. وعن معمر :قلت للزهري :أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية ؟ قال :نعم.
قلت :أرأيت قوله تعالى : ﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ ﴾ فقال :غلظت وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم. وروى الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما :بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من الأنصار إذ رمى بنجم فاستنار، فقال :" ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية ؟ " فقالوا :كنا نقول :يموت عظيم أو يولد عظيم. وفي قوله : ﴿ مُلِئَتْ ﴾ دليل على أن الحادث هو المل والكثرة، وكذلك قوله : ﴿ نَقْعُدُ مِنْهَا مقاعد ﴾ أي كنا نجد فيها بعض المقاعد خالية من الحرس والشهب، والآن ملئت المقاعد كلها، وهذا ذكر ما حملهم على الضرب في البلاد حتى عثروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمعوا قراءته.
يقولون :لما حدث هذا الحادث من كثرة الرجم ومنع الاستراق، قلنا :ما هذا إلا لأمر أراده الله بأهل الأرض، ولا يخلو من أن يكون شراً أو رشداً، أي :خيراً، من عذاب أو رحمة، أو من خذلان أو توفيق.
﴿ مِنَّا الصالحون ﴾ منا الأبرار المتقون ﴿ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ ومنا قوم دون ذلك، فحذف الموصوف، كقوله : ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ [ الصافات :١٦٤ ] وهم المقتصدون في الصلاح غير الكاملين فيه أو أرادوا الطالحين ﴿ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً ﴾ بيان للقسمة المذكورة، أي :كنا ذوي مذاهب مفترقة مختلفة. أو كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة. أو كنا في طرائق مختلفة، كقوله :
كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ ***
أو كانت طرائقنا طرائق قدداً على حذف المضاف الذي هو الطرائق وإقامة الضمير المضاف إليه مقامه ؛ والقدّة من قدّ، كالقطعة من قطع، ووصفت الطرائق بالقدد، لدلالتها على معنى التقطع والتفرّق.
﴿ فِى الأرض ﴾ و ﴿ هَرَباً ﴾ حالان، أي :لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها، ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء. وقيل :لن نعجزه في الأرض إن أراد بنا أمراً، ولن نعجزه هرباً إن طلبنا. والظن بمعنى اليقين ؛ وهذه صفة أحوال الجن وما هم عليه من أحوالهم وعقائدهم :منهم أخيار، وأشرار، ومقتصدون ؛ وأنهم يعتقدون أنّ الله عز وجل عزيز غالب لا يفوته مطلب ولا ينجى عنه مهرب.
﴿ لَمَّا سَمِعْنَا الهدى ا ﴾ هو سماعهم القرآن وإيمانهم به ﴿ فَلاَ يَخَافُ ﴾ فهو لا يخاف، أي فهو غير خائف ؛ ولأنّ الكلام في تقدير مبتدأ وخبر دخلت الفاء، ولولا ذاك لقيل :لا يخف.
فإن قلت :أي فائدة :في رفع الفعل وتقدير مبتدأ قبله حتى يقع خبراً له ووجوب إدخال الفاء، وكان ذلك كله مستغنى عنه بأن يقال :لا يخف ؟ قلت :الفائدة فيه أنه إذا فعل ذلك، فكأنه قيل :فهو لا يخاف، فكان دالاً على تحقيق أنّ المؤمن ناج لا محالة وأنه هو المختص بذلك دون غيره وقرأ الأعمش :فلا يخف، على النهي ﴿ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً ﴾ أي جزاء بخس ولا رهق، لأنه لم يبخس أحداً حقاً ولا رهق ظلم أحد فلا يخاف جزاءهما. وفيه دلالة على أن من حق من آمن باللَّه أن يجتنب المظالم. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : « المؤمن من أمنه الناس على أنفسهم وأموالهم » ويجوز أن يراد :فلا يخاف أن يبخس بل يجزى الجزاء الأوفى، ولا أن ترهقه ذلة، من قوله عز وجل : ﴿ ترهقهم ذلة ﴾ [ القلم :٤٣ ].
﴿ القاسطون ﴾ الكافرون الجائرون عن طريق الحق. وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه :أنّ الحجاج قال له حين أراد قتله :ما تقول فيّ ؟ قال :قاسط عادل، فقال القوم :ما أحسن ما قال، حسبوا أنه يصفه بالقسط والعدل ؛ فقال الحجاج :يا جهلة، إنه سماني ظالماً مشركاً، وتلا لهم قوله تعالى : ﴿ وَأَمَّا القاسطون ﴾ وقوله تعالى : ﴿ ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ [ الأنعام :١ ]، وقد زعم من لا يرى للجن ثواباً أنّ الله تعالى أوعد قاسطيهم وما وعد مسلميهم ؛ وكفى به وعداً أن قال : ﴿ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً ﴾ فذكر سبب الثواب وموجبه، والله أعدل من أن يعاقب القاسط ولا يثيب الراشد.
﴿ وَأَلَّوِ استقاموا ﴾ أن مخففة من الثقيلة، وهو من جملة الموحى والمعنى :وأوحي إليّ أن الشأن والحديث لو استقام الجن على الطريقة المثلى، أي :لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله والطاعة ولم يستكبر عن السجود لآدم ولم يكفر وتبعه ولده على الإسلام، لأنعمنا عليهم ولوسعنا رزقهم. وذكر الماء الغدق وهو الكثير بفتح الدال وكسرها. وقرىء بهما، لأنه أصل المعاش وسعة الرزق.
﴿ لنفتنهم فِيهِ ﴾ لنختبرهم فيه كيف يشكرون ما خوّلوا منه. ويجوز أن يكون معناه :وأن لو استقام الجن الذين استمعوا على طريقتهم التي كانوا عليها قبل الاستماع ولم ينتقلوا عنها إلى الإسلام لوسعنا عليهم الرزق مستدرجين لهم، لنفتنهم فيه :لتكون النعمة سبباً في اتباعهم شهواتهم، ووقوعهم في الفتنة، وازديادهم إثماً ؛ أو لنعذبهم في كفران النعمة ﴿ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ ﴾ عن عبادته أو عن موعظته أو عن وحيه ﴿ يَسْلُكْهُ ﴾ وقرىء بالنون مضمومة ومفتوحة، أي :ندخله ﴿ عَذَاباً ﴾ والأصل :نسلكه في عذاب، كقوله : ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ ﴾ [ المدثر :٤٢ ] فعدّى إلى مفعولين :إمّا بحذف الجار وإيصال الفعل، كقوله : ﴿ واختار موسى قَوْمَهُ ﴾ [ الأعراف :١٥٥ ] وإمّا بتضمينه معنى «ندخله » يقال :سلكه وأسلكه قال :
حَتَّى إذَا أسْلَكُوهُمْ في قتَائِدَةٍ ***
والصعد :مصدر صعد، يقال :صعد صعداً وصعوداً، فوصف به العذاب، لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه. ومنه قول عمر رضي اللَّه عنه :ما تصعدَني شيء ما تصعَّدَتني خطبة النكاح، يريد :ما شق على ولا غلبني.
﴿ وَأَنَّ المساجد ﴾ من جملة الموحى. وقيل معناه :ولأن المساجد ﴿ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ ﴾ على أنّ اللام متعلقة بلا تدعوا، أي :فلا تدعوا ﴿ مَعَ الله أَحَداً ﴾ في المساجد، لأنها لله خاصة ولعبادته. وعن الحسن :يعني الأرض كلها ؛ لأنها جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم مسجداً. وقيل :المراد بها المسجد الحرام، لأنه قبلة المساجد. ومنه قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه ﴾ [ البقرة :١١٤ ] وعن قتادة :كان اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بالله، فأمرنا أن نخلص لله الدعوة إذا دخلنا المساجد. وقيل :المساجد أعضاء السجود السبعة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أمرت أن أسجد على سبعة آراب :وهي الجبهة، والأنف، واليدان، والركبتان، والقدمان » وقيل :هي جمع مسجد وهو السجود.
﴿ عَبْدُ الله ﴾ النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن قلت :هلا قيل :رسول الله أو النبي ؟ قلت :لأن تقديره :وأوحى إليَّ أنه لما قام عبد الله فلما كان واقعاً في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه :جيء به على ما يقتضيه التواضع والتذلل أو لأن المعنى أن عبادة عبد الله ليست بأمر مستبعد عن العقل ولا مستنكر، حتى يكونوا عليه لبداً. ومعنى ( قام يدعوه ) قام يعبده، يريد :قيامه لصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن فاستمعوا لقراءته صلى الله عليه وسلم ﴿ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾ أي يزدحمون عليه متراكمين تعجباً مما رأوا ممن عبادته واقتداء أصحابه به قائماً وراكعاً وساجداً، وإعجاباً بما تلا من القرآن، لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا بما لم يسمعوا بنظيره. وقيل معناه :لما قام رسولاً يعبد الله وحده مخالفاً للمشركين في عبادتهم الآلهة من دونه :كاد المشركون لتظاهرهم عليه وتعاونهم على عداوته يزدحمون عليه متراكمين ﴿ لِبَداً ﴾ جمع لبدة وهو ما تلبد بعضه على بعض، ومنها «لبدة الأسد » وقرىء «لبدا » واللبدة في معنى اللبدة ؛ ولبدا :جمع لابد، كساجد وسجد ولبدا بضمتين :جمع لبود، كصبور وصبر وعن قتادة :تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه فأبى الله إلا أن ينصره ويظهره على من ناوأه. ومن قرأ «وإنه » بالكسر :جعله من كلام الجن :قالوه لقومهم حين رجعوا إليهم حاكين ما رأوا من صلاته وازدحام أصحابه عليه في ائتمامهم به.
( قال ) للمتظاهرين عليه ﴿ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّى ﴾ يريد :ما أتيتكم بأمر منكر، إنما أعبد ربي وحده ﴿ وَلآ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ﴾ وليس ذاك مما يوجب إطباقكم على مقتى وعداوتي. أو قال للجن عند ازدحامهم متعجبين :ليس ما ترون من عبادتي الله ورفضي الإشراك به بأمر يتعجب منه، إنما يتعجب ممن يدعو غير الله ويجعل له شريكاً. أو قال الجن لقومهم ذلك حكاية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
﴿ وَلاَ رَشَداً ﴾ ولا نفعاً أو أراد بالضر :الغيّ، ويدل عليه قراءة أبيّ «غياً ولا رشداً » والمعنى لا أستطيع أن أضركم وأن أنفعكم، إنما الضارّ والنافع الله. أو لا أستطيع أن أقسركم على الغيّ والرشد، إنما القادر على ذلك الله عز وجل :و ﴿ إِلاَّ بلاغا ﴾ استثناء منه. أي لا أملك إلا بلاغاً من الله.
و ﴿ قُلْ إِنّى لَن يُجِيرَنِى ﴾ جملة معترضة اعترض بها لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه وبيان عجزه، على معنى أنّ الله إن أراد به سوءاً من مرض أو موت أو غيرهما :لم يصح أن يجيره منه أحد أو يجد من دونه ملاذا يأوي إليه :والملتحد :الملتجأ، وأصله المدَّخل، من اللحد. وقيل :محيصاً ومعدلاً وقرىء «قال لا أملك » أي قال عبد الله للمشركين أو للجن. ويجوز أن يكون من حكاية الجن لقومهم. وقيل :( بلاغاً ) بدل من ﴿ مُلْتَحَدًا ﴾ أي :لن أجد من دونه منجى إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به.
وقيل : ﴿ إِلاَّ ﴾ هي «أن لا » ومعناه :أن لا أبلغ بلاغاً كقولك :إن لا قياماً فقعوداً ﴿ ورسالاته ﴾ عطف على بلاغاً، كأنه قيل :لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات. والمعنى :إلا أن أبلغ عن الله فأقول :قال الله كذا، ناسباً لقوله إليه، وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها من غير زيادة ولا نقصان.
فإن قلت :ألا يقال :بلغ عنه ومنه قوله عليه الصلاة والسلام :" بلغوا عني بلغوا عني " ؟ قلت :من ليست بصلة للتبليغ، إنما هي بمنزلة من في قوله : ﴿ بَرَاءةٌ مّنَ الله ﴾ [ التوبة :١ ] بمعنى بلاغا كائناً من الله. وقرىء «فأن له نار جهنم » على :فجزاؤه أنّ له نار جهنم كقوله : ﴿ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ﴾ [ الأنفال :٤١ ] أي :فحكمه أنّ لله خمسه. وقال : ﴿ خالدين ﴾ حملا على معنى الجمع في من.
فإن قلت :بم تعلق «حتى »، وجعل ما بعده غاية له ؟ قلت :بقوله : ﴿ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾ [ الجن :١٩ ] على أنهم يتظاهرون عليه بالعداوة، ويستضعفون أنصاره ويستقلون عددهم.
﴿ حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ ﴾ من يوم بدر وإظهار الله له عليهم. أو من يوم القيامة ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ ﴾ حينئذ أنهم ﴿ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً ﴾ ويجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال :من استضعاف الكفار له واستقلالهم لعدده، كأنه قال :لا يزالون على ما هم عليه ﴿ حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ ﴾ قال المشركون :متى يكون هذا الموعود ؟ إنكاراً له.
فقيل ﴿ قُلْ ﴾ إنه كائن لا ريب فيه، فلا تنكروه ؛ فإن الله قد وعد ذلك وهو لا يخلف الميعاد.
وأما وقته فما أدري متى يكون ؛ لأنّ الله لم يبينه لما رأى في إخفاء وقته من المصلحة.
فإن قلت :ما معنى قوله : ﴿ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ ربى أَمَداً ﴾ والأمد يكون قريباً وبعيداً ألا ترى إلى قوله : ﴿ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا ﴾ [ آل عمران :٣٠ ] ؟ قلت :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقرب الموعد، فكأنه قال :ما أدري أهو حال متوقع في كل ساعة أم مؤجل ضربت له غاية أي :هو.
﴿ عالم الغيب فَلاَ يُظْهِرُ ﴾ فلا يطلع.
و ﴿ مِن رَّسُولٍ ﴾ تبيين لمن ارتضى، يعني :أنه لا يطلع على الغيب إلا المرتضى الذي هو مصطفى للنبوة خاصة، لا كل مرتضى. وفي هذا إبطال للكرامات ؛ لأنّ الذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين، فليسوا برسل. وقد خصّ الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب وإبطال الكهانة والتنجيم، لأنّ أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط ﴿ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ يدي من ارتضى للرسالة ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ﴾ حفظة من الملائكة يحفظونه من الشياطين يطردونهم عنه ويعصمونه من وساوسهم وتخاليطهم، حتى يبلغ ما أوحى به إليه. وعن الضحاك :ما بعث نبيّ إلا ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك.
﴿ لِّيَعْلَمَ ﴾ الله ﴿ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رسالات رَبِّهِمْ ﴾ يعني الأنبياء :وحد أولا على اللفظ في قوله :( من بين يديه ومن خلفه ) ثم جمع على المعنى، كقوله : ﴿ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خالدين ﴾ [ الجن :٢٣ ]، والمعنى :ليبلغوا رسالات ربهم كما هي، محروسة من الزيادة والنقصان ؛ وذكر العلم كذكره في قوله تعالى : ﴿ حتى نَعْلَمَ المجاهدين ﴾ [ محمد :٣١ ]، وقرىء : «ليعلم » على البناء للمفعول ﴿ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ﴾ بما عند الرسل من الحكم والشرائع، لا يفوته منها شيء ولا ينسى منها حرفاً، فهو مهيمن عليها حافظ لها ﴿ وأحصى كُلَّ شَىْءٍ عَدَداً ﴾ من القطر والرمل وورق الأشجار، وزبد البحار، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه وعدداً :حال، أي :وضبط كل شيء معدوداً محصوراً. أو مصدر في معنى إحصاء.
السورة التالية
Icon