0:00
0:00

وهي مكية بإجماع من المفسرين

قرأ جمهور الناس «قل أوحي إلي » من أوحى يوحي. وقرأ أبو أُناس جوية بن عائذ : «قل أوحى إلي »، من وحى يحي ووحى وأوحى، بمعنى واحد، وقال العجاج : «وحى لها القرار فاستقرت »١. وقرأ أيضاً جوية فيما روى عنه الكسائي، «قل أحي » أبدلت الواو همزة كما أبدلوها في وسادة وإسادة، وغير ذلك وكذلك قرأ ابن أبي عبلة٢، وحكى الطبري عن عاصم أنه كان يكسر كل ألف في السورة من «أن » و «إن » إلا قوله تعالى : ﴿ وأن المساجد لله ﴾ [ الجن :١٨ ]. وحكي عن أبي عمرو أنه يكسر من أولها إلى قوله ﴿ وإن لو استقاموا على الطريقة ﴾ [ الجن :١٦ ] فإنه كان يفتح همزة وما بعدها إلى آخر السورة. فعلى ما حكي يلزم أن تكون الهمزة مكسورة في قوله «إنه استمع »، وليس ما ذكر بثابت. وذكر أبو علي الفارسي أن ابن كثير وأبا عمرو فتحا أربعة أحرف من السورة وكسرا غير ذلك ﴿ أنه استمع ﴾، ﴿ وإن لو استقاموا ﴾ [ الجن :١٦ ]، ﴿ وإن المساجد ﴾ [ الجن :١٨ ]، ﴿ وإنه لما قام ﴾ [ الجن :١٩ ]، وأن نافعاً وعاصماً في رواية أبي بكر والمفضل وافقا في الثلاثة وكسرا ﴿ وإنه لما قام ﴾ [ الجن :١٩ ] مع سائر ما في السورة. وذكر أن ابن عامر وحمزة والكسائي كانوا يقرأون كل ما في السورة بالفتح إلا ما جاء بعد قول أو فاء جزاء، وكذلك حفص عن عاصم، فترتب إجماع القراء على فتح الألف من ﴿ أنه استمع ﴾ و «أن لو استقاموا » «وأن المساجد ». وذكر الزهراوي عن علقمة أنه كان يفتح الألف في السورة كلها. واختلف الناس في الفتح من هذه الألفات وفي الكسر اختلافاً كثيراً يطول ذكره وحصره وتقصي معانيه. قال أبو حاتم :أما الفتح فعلى ﴿ أوحي ﴾، فهو كله في موضع رفع على ما لم يسم فاعله. وأما الكسر فحكاية وابتداء وبعد القول. وهؤلاء النفر من الجن هم الذين صادفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ببطن نخلة في صلاة الصبح وهو يريد عكاظ٣. وقد تقدم قصصهم في سورة الأحقاف في تفسير قوله تعالى : ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن ﴾٤ [ الأحقاف :٢٩ ].
وقول الجن : ﴿ إنا سمعنا ﴾ الآيات، هو خطاب منهم لقومهم الذين ولوا إليهم منذرين، و ﴿ قرآناً عجباً ﴾ معناه ذا عجب، لأن العجب مصدر يقع من سامع القرآن لبراعته وفصاحته ومضمناته، وليس نفس القرآن هو العجب.
١ هذا البيت من قصيدة قالها العجاج في وصف الخالق سبحانه وتعالى وأعماله ويوم الحساب وأهواله، وقيل إنه أنشدها أمام أبي هريرة رضي الله عنه، وفيها يقول:
الحمد لله الذي تعلت بأمره السماء واستقلت
بإذنه الأرض وما تعنت أرسى عليها بالجبال الثبت
وحى لها القرار فاستقرت رب البلاد والعباد القنت
فقال له أبو هريرة: إنك تؤمن بيوم الحساب، هذا والعجاج من شعراء النصرانية..

٢ قال أبو الفتح في "المحتسب": "وأصله" "وحي" فلما انضمت الواو ضما لازما همزت، على قوله تعالى: (وإذا الرسل أقتت...) وتقول على هذا: أحي إليه فهو موحي إليه، فترد الواو لزوال الضمة عنها، ومثله: أعد فهو موعود، وأرث فهو موروث"..
٣ أخرج أحمد وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن المنذر، والحاكم، والطبراني وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي معا في "الدلائل"، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: مالكم؟ فقالوا: أحيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب،فقالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدثن فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين ذهبوا نحو تهامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا، إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا، فأنزل الله على نبيه: (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن)، وإنما أوحي إليه قول الجن. .
٤ من الآية ٢٩..
وقرأ جمهور الناس «إلى الرُّشْد » بضم الراء وسكون الشين. وقرأ عيسى الثقفي «إلى الرَّشَد » بفتح الراء والشين. وقرأ عيسى «إلى الرُّشد » ومن كسر الألف من قوله «وإنه تعالى »
وقرأ عيسى «إلى الرُّشد » ومن كسر الألف من قوله «وإنه تعالى »فعلى القطع ويعطف الجملة على قوله ﴿ إنا سمعنا ﴾، ومن فتح الألف من قوله «وأنه تعالى » اختلفوا في تأويل ذلك، فقال بعضهم هي عطف على ﴿ إنه استمع ﴾، فيجيء على هذا قوله ﴿ تعالى ﴾ مما أمر أن يقول إنه أوحي إليه وليس يكون من كلام الجن، وفي هذا قلق.
وقال بعضهم بل هي عطف على الضمير في ﴿ به ﴾ فكأنه يقول فآمنا به وبأنه تعالى. وهذا القول ليس في المعنى، لكن فيه من جهة النحو العطف على الضمير المخفوض دون إعادة الخافض وذلك لا يحسن. وقرأ جمهور الناس «جدُّ ربنا » بفتح الجيم وضم الدال وإضافته إلى الرب، وقال جمهور المفسرين معناه عظمته.
وروي عن أنس أنه قال :كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران، جد في أعيننا أي عظم. وقال أنس بن مالك والحسن : ﴿ جد ربنا ﴾ معناه، فهذا هو من الجد الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : «ولا ينفع ذا الجد منك الجد »١، وقال مجاهد :ذكره كله متجه لأن الجد هو حظ المجدود من الخيرات والأوصاف الجميلة، فجد الله تعالى هو الحظ الأكمل من السلطان الباهر والصفات العلية والعظمة، ومن هذا قول اليهودي حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة : «يا بني قيلة هذا جدكم الذي تنتظرون »٢ أي حظكم من الخيرات وبختكم. وقال علي بن الحسين رضي الله عنه وأبو جعفر الباقر وابنه جعفر والربيع بن أنس ليس لله جد، وهذه مقالة قوم جهلة من الجن، جعلوا الله جداً أبا أب. قال كثير من المفسرين هذا قول ضعيف. وقوله : ﴿ ولن نشرك بربنا أحداً ﴾ يدفعه، وكونهم فيما روي على شريعة متقدمة وفهمهم للقرآن. وقرأ محمد بن السميفع اليماني «جِد ربنا » وهو من الجد والنفع. وقرأ عكرمة «جَدٌّ ربُّنا » بفتح الجيم وضم الدال وتنوينه ورفع الرب كأنه يقول تعالى عظيم هو ربنا ف «ربنا » بدل والجد العظيم في اللغة. وقرأ حميد بن قيس٣ «جُد ربنا » بضم الجيم. ومعناه ربنا العظيم حكاه سيبويه وبإضافته إلى الرب فكأنه قال عظيم، وهذه إضافة تجديد يوقع النحاة هذا الاسم إذا أضيفت الصفة إلى الموصوف، كما تقول جاءني كريم زيد تريد زيداً الكريم ويجري مجرى هذا عند بعضهم.
قول المتنبي [ البسيط ]
عظيم الملك في المقل٤*** أراد الملك العظيم قال بعض النحاة، وهذا المثال يعترض بأنه أضاف إلى جنس فيه العظيم والحقير، وقرأ عكرمة أيضاً «جَداً ربُّنا » بفتح الجيم والدال وتنوينها ورفع الرب ونصب «جداً » على التمييز كما تقول تفقأت شحماً٥ وتصببت عرقاً، وقرأ قتادة «جِداً ربُّنا » بكسر الجيم ورفع الباء وشد الدال، فنصب جداً على الحال ومعناه تعالى حقيقة ومتمكناً.
وهذا معنى غير الأول، وقرأ أبو الدرداء «تعالى ذكر ربنا »، وروي عنه «تعالى جلال ربنا ».
١ أخرجه البخاري في الأذان والاعتصام والقدر والدعوات، ومسلم في الصلاة والمساجد، وأبو داود في الصلاة والوتر والأدب، والترمذي في الصلاة، والنسائي في السهو، والدارمي في الصلاة، ومالك في القدر من موطئه، وأحمد في مسنده (٣/٨٧، ٤/٩٣، ٩٧، ٩٨، ١٠١)، ولفظه كما جاء فيه عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى اله عليه وسلم إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: (اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، ومعنى ذلك أن من كان له حظ في الدنيا لم ينفعه ذلك الحظ في الآخرة..
٢ جاء هذا في حديث طويل عن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ورواه البخاري في مناقب الأنصار عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها..
٣ هو حميد بن قيس المكي الأعرج، أبو صفوان القاريء قال عنه في "تقريب التهذيب" ليس به بأس، وعده من الطبقة السادسة، وقال: إنه مات سنة ثلاثين، وقيل: بعدها..
٤ هذا جزء من بيت قاله المتنبي في قصيدة له وردت في الديوان تحت عنوان: (أنا الغريق فما خوفي من البلل)؟ وهي قصيدة قالها في مدح سيف الدولة، والبيت بتمامه:
مطاعة اللحظ في الألحاظ مالكة لمقلتيها عظيم الملك في المقل
واللحظ: النظر بجانب العين من الخارج، والمقلة: العين، يصف جمال عينيها ونظراتها فيقول: إن لحظها مطاع بين ألحاظ النساء الحسان، إذا دعا أحدا إلى هواها أجاب مطيعا، فهي مالكة بين ذوات القناع تعلوهن جمالا ودلالا، ومقلتاها مالكتان في دولة المقل لهما من دون هذه الدولة الأمر النافذ، وابن عطية يستشهد بأن كلمة "عظيم" صفة لكلمة "الملك" وهي مضافة إليها، فهي من إضافة الصفة إلى الموصوف، ولقد اعترض بعض النحاة على ذلك بما ذكر المؤلف..

٥ الفقء: الشق، يقال: فقأ الثمرة فقأ: شقها، وتفقؤا مصدر تفقأ، ومعنى تفقأت شحما: امتلأت شحما حتى تشقق جلدي..
وقوله تعالى : ﴿ وإنه كان يقول ﴾ لا خلاف أن هذا من قول الجن، وكسر الألف فيه أبين وفتحها لا وجه له إلا اتباع العطف على الضمير. كأنهم قالوا الآن بأن ﴿ سفيهنا ﴾ كان قوله ﴿ شططاً ﴾. والسفيه المذكور قال جميع المفسرين هو إبليس لعنه الله. وقال آخرون هو اسم جنس لكل سفيه منهم. ولا محالة أن إبليس صدر في السفهاء وهذا القول أحسن. والشطط :التعدي وتجاوز الحد بقول أو فعل ومنه قول الأعشى : [ البسيط ]
أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط*** كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل١
١ هذا البيت من قصيدة الأعشى التي بدأها بقوله: (ودع هريرة إن الركب مرتحل)، وفيها يفتخر بشجاعة قومه ويخاطب يزيد بن مسهر الشيباني بأن يبلغ قومه بهذه الشجاعة وبأنهم فعلوا الأفاعيل في بني أسد وغيرهم، ثم يقول: إذا علمتم ذلك هل تنهون عن قتالنا؟ إنه لا ينهى العدو المتجاوز للحدود إلا الطعن القوي الذي يصيبه بجراح واسعة يغيب فيها الزيت والفتائل. والشطط: تجاوز الحد والمبالغة في العدوان، وهو موضع الاستشهاد هنا..
وقوله تعالى : ﴿ وإنا ظننا ﴾ هو كلام أولئك النفر لا يحتمل غير ذلك، وكسر الألف فيه أبين. والمعنى :إنا كنا نظن قبل إيماننا أن الأقوال التي تسمع من إبليس وغواة الجن والإنس في جهة الآلهة وما يتعلق بذلك حق وليست بكذب، لأنا كنا نظن بهم أنهم لا يكذبون على الله ولا يرضون ذلك. وقرأ جمهور الناس «تقول ». وقرأ الحسن والجحدري وابن أبي بكرة ويعقوب «تَقوَّلَ » بفتح القاف والواو وشد الواو، والتقول خاص بالكذب، والقول عام له وللصدق، ولكن قولهم ﴿ كذباً ﴾ يرد القول هنا معنى التقول.
هذه الألف من ﴿ أنه ﴾ كان مما اختلف في فتحها وكسرها والكسر أوجه. والمعنى في الآية ما كانت العرب تفعله في أسفارها وتعزبها في الرعي وغيره، فإن جمهور المفسرين رووا أن الرجل كان إذا أراد المبيت أو الحلول في واد، صاح بأعلى صوته يا عزيز هذا الوادي، إني أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك فيعتقد بذلك أن الجني الذي بالوادي يمنعه ويحميه، فروي أن الجن كانت عند ذلك تقول :ما نملك لكم ولأنفسنا من الله شيئاً. قال مقاتل :أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن ثم بنو حنيفة ثم فشا ذلك في العرب. وروي عن قتادة أن الجن لذلك كانت تحتقر بني آدم وتزدريهم لما ترى من جهلهم، فكانوا يزيدونهم مخافة ويتعرضون للتخيل لهم بمنتهى طاقاتهم ويغوونهم في إرادتهم لما رأوا رقة أحلامهم، فهذا هو الرهق الذي زادته الجن ببني آدم. وقال مجاهد والنخعي وعبيد بن عمير :بنو آدم زادوا الجن ﴿ رهقاً ﴾ وهي الجرأة والانتخاء عليهم والطغيان وغشيان المحارم والإعجاب، لأنهم قالوا سدنا الجن والإنس، وقد فسر قوم الرهق بالإثم وأنشد الطبري في ذلك بيت الأعشى : [ البسيط ]
لا شيء ينفعني من دون رؤيتها*** لا يشتفي وامق ما لم يصب رهقا١
قال معناه ما لم يغش محرماً فالمعنى زادت الإنس والجن مأثماً لأنهم عظموهم فزادوهم استحلالاً لمحارم الله.
١ قال الأعشى هذا البيت من قصيدة يصف هواه ووجده بمحبوبته، ومطلعها: (نام الخلي وبت الليل مرتفقا)، والبيت في اللسان، والقرطبي، والبحر، وفتح القدير. والوامق: المحب، وفي بعض الروايات (يشتفي عاشق)، وفي اللسان: "والرهق: غشيان المحارم من شرب الخمر ونحوه، قال ابن بري: وكذلك فسر الرهق في شعر الأعشى بأنه غشيان المحارم وما لا خير فيه في قوله: لا شيء ينفعني...البيت"، وقد يفسر الرهق في البيت بأنه الضعف والتذلل للمحبوب، والأقوال في معنى الرهق كثيرة، فقد قيل: هو الفساد، وقيل: الظلم، وقيل: السفه، وقيل: الذلة والضعف، وقيل: السرعة إلى الشر، وقيل: العظمة والطغيان، وقيل غير ذلك، راجع اللسان..
وقوله ﴿ وأنهم ظنوا كما ظننتم ﴾ يريد به بني آدم الكفار. وقوله ﴿ كما ظننتم ﴾، مخاطبة لقومهم من الجن. وقولهم ﴿ أن لن يبعث الله أحداً ﴾، يحتمل معنيين أحدهما :بعث الحشر من القبور والآخر بعث آدمي رسولاً. و ﴿ أن ﴾ في قوله ﴿ أن لن ﴾ مخففة من «أن » الثقيلة وهي تسد مسد المفعولين. وذكر المهدوي تأويلاً أن المعنى وأن الجن ظنوا كما ظننتم أيها الإنس فهي مخاطبة من الله تعالى.
وقولهم ﴿ وأنا لمسنا ﴾ قال معناه التمسنا ويظهر بمقتضى كلام العرب أنها استعارة لتجربتهم أمرها وتعرضهم لها فسمي ذلك لمساً إذ كان اللمس غاية غرضهم ونحو هذا قول المتنبي : [ الطويل ]
تعد القرى والمس بنا الجيش لمسة*** نبادرْ إلى ما تشتهي يدك اليمنى١
فعبر عن صدم الجيش بالجيش وحربه باللمس، وهذا كما تقول المس فلاناً في أمر كذا، أي جرب مذهبه فيه، و ﴿ ملئت ﴾ إما أن يكون في موضع المفعول الثاني ل «وجدنا »، وإما أن يقصر الفعل على مفعول واحد ويكون ﴿ ملئت ﴾ في موضع الحال، وكان الأعرج يقرأ «مليت » لا يهمز، والشهب :كواكب الرجم، والحرس :يحتمل أن يريد الرمي بالشهب. وكرر المعنى بلفظ مختلف، ويحتمل أن يريد الملائكة.
١ هذا البيت من قصيدة قالها المتنبي يحث سيف الدولة على لقاء الروم في السنبوس سنة أربعين وثلاثمائة (٩٥١م)، وكان قد عزم على لقائهم ثم بلغه عدتهم أربعين ألفا فتهيب أصحابه الموقف، لكن المتنبي تحدث عن بطولات العرب والمسلمين وعن أمجادهم، وقال: إنا نقصد للموت كما يقصد الحبيب لقاء محبوبه، ومعنى (تعد القرى): تجاوزها، والخطاب لسيف الدولة، و(نبار) معناها: نسابق، يقول لسيف الدولة: تجاوز القرى العامرة إلى الصحراء والق بنا جيش الروم حتى نلامسه ملامسة فستجدنا نسابق يدك اليمنى ونسبقها إلى ما تشتهي نفسك وهو هزيمة الروم والسيطرة على بلادهم، ولعله يعني أن النصر بنا يكون أسرع إليك مما لو تناولته بيدك أنت، والشاهد أنه عبر عن صدام الجيش بالجيش مستخدما لفظه اللمس..
و ﴿ مقاعد ﴾ جمع مقعد، وقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة قعود الجن أنهم كانوا واحداً فوق واحد، فمتى أحرق الأعلى طلع الذي تحته مكانه، فكانوا يسترقون الكلمة فيلقونها إلى الكهان ويزيدون معها ثم يزيد الكهان بالكلمة مائة كذبة، وقوله : ﴿ فمن يستمع الآن ﴾ الآية قطع على أن كل من استمع الآن أحرقه شهاب.
فليس هنا بعد سمع، إنما الإحراق عند الاستماع، وهذا يقتضي أن الرجم كان في الجاهلية. ولكنه لم يكن يستأصل وكان الحرس ولكنه لم يكن شديداً، فلما جاء الإسلام اشتد الأمر حتى لم يكن فيه ولا يسير سماحة، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقد رأى كوكباً راجماً : «ماذا كنتم تقولون لهذا في الجاهلية ؟ » قالوا كنا نقول :ولد ملك، مات ملك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «ليس الأمر كذلك، » ثم وصف صورة قعود الجن١ «. وقد قال عوف بن الجزع وهو جاهلي : [ الكامل ]
فانقض كالدري يتبعه*** نقع يثورُ تخاله طنبا٢
وهذا في أشعارهم كثير، و ﴿ رصداً ﴾ نعت لشهاب ووصفه بالمصدر.
١ هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد عن علي بن الحسين عن ابن عباس رضي الله عنهم، كما أخرجه مسلم من حديث صالح بن كيسان والأوزاعي ويونس، ومعقل بن عبيد الله، أربعتهم عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس، عن رجل من الأنصار، كما رواه النسائي في تفسير من حديث الزبيدي، عن الزهري، ورواه الترمذي عن الحسين بن حريث، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، ولفظه كما في مسند أحمد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في نفر من أصحابه – قال عبد الرزاق: من الأنصار- فرمي بنجم فاستنار، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية)؟ قالوا:كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم- قلت للزهري: أكان يرمى بها في الجاهلية؟ قال نعم ولكن غلظت حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم- قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياتهن ولكن ربنا تبارك وتعالى إذا قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح السماء الدنيا، ثم يستخبر أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، وتخطف الجن السمع فيرمون، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يفرقون فيه ويزيدون)، قال الإمام ابن كثير في تفسيره بعد أن أورد الحديث: هكذا رواه الإمام أحمد.
وقد روى البخاري عند تفسير قوله تعالى: (حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير) عن عكرمة أنه قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض- ووصف سفيان بيده فحرفها ونشر أصابعه- فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، وكذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء)، قال ابن كثير: "انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم من هذا الوجه، وقد رواه أبو داود والترمذي، وابن ماجه، من حديث سفيان بن عيينة به، والله أعلم). .

٢ هذا البيت لأوس بن حجر، وليس لعوف بن الخرع، وهو في أول قصيدة في ديوان أوس، وهو في وصف ثور وحشي يخوض معركة مع كلاب صيد أطلقها عليه صاحبها، والدري –بضم الدال المشددة أو بكسرها أو بفتحها- هو الكوكب المضيء الثاقب. منسوب إلى الدر –وفيه كلام كثير- ورواية الديوان: دريء، وهو أيضا الكوكب المنقض يدرأ على الشيطان –هكذا قال صاحب اللسان- والنقع: الغبار الثائر اللامع، والطنب: الفسطاط المضروب – الخيمة المنصوبة- وتخاله: تحسبه، يشبه بالكوكب اللامع الذي ينقض من السماء، ويشبه الغبار الذي أثاره في هجومه على الكلاب بالخيمة المنصوبة، أما بيت عوف المقصود فهو قوله:
فرد علينا العير من دون إلفه أو الثور كالدري يتبعه الدم.

وقوله : ﴿ وأنّا لا ندري أشرّ أريد بمن في الأرض ﴾ الآية، معناه لا ندري أيؤمن الناس بهذا النبي فيرشدون، أم يكفرون به فينزل بهم الشر.
وقولهم ﴿ ومنا دون ذلك ﴾، أي غير الصالحين كأنه قال :ومنا قوم أو فرقة دون صالحين، وهي لفظة تقع أحياناً موقع غير. والطرائق :السير المختلفة، والقدد كذلك هي الأشياء المخالفة، كأنه قد قدّ بعضها من بعض وفصل. قال ابن عباس وعكرمة وقتادة : ﴿ طرائق قدداً ﴾ أهواء مختلفة. قال غيره فرق مختلفون. قال الكميت : [ البسيط ]
جمعت بالرأي منهم كل رافضة*** إذ هم طرائق في أهوائهم قدد١
١ الروافض: جنود تركوا قائدهم وانصرفوا فكل طائفة منهم رافضة، والنسبة إليهم، رافضي، والطرائق: الفرق المختلفة، والآراء والمذاهب المتبانية، ومفردها: طريقة، وأوضح معانيها: السنة والمذهب والرأي وما هو عليه، والقدة: الفرقة والطريقة من الناس إذا كان هوى كل واحد على حدة، يقول الشاعر: جمعتهم على رأي واحد بعد أن كانوا فرقا مختلفة..
وقولهم ﴿ وأنّا ظننا أن لن نعجز ﴾ الظن هنا بمعنى العلم. وهذا إخبار منهم عن حالهم بعد إيمانهم بما سمعوا من محمد صلى الله عليه وسلم.
و ﴿ الهدى ﴾، يريد القرآن، سموه هدى من حيث هو سبب الهدى، والبخس :النقص، والرهق :تحميل ما لا يطاق وما يثقل من الأنكاد ويقرح. قال ابن عباس :البخس :نقص الحسنات، والرهق :الزيادة في السيئات. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب «فلا يخف » بالجزم دون ألف.
وقسم الله تعالى بعد ذلك حال الناس في الآخرة على نحو ما قسم قائل الجن، فقوله : ﴿ وأنّا منا المسلمون ومنا القاسطون ﴾ والقاسط :الظالم، قاله مجاهد وقتادة والناس، ومنه قول الشاعر : [ الكامل ]
قوم همُ قتلوا ابن هند عنوة*** عمراً وهم قسطوا على النعمان١
والمقسط :العادل، وإنما هذا التقسيم ليذكر حال الطريقين من النجاة والهلكة، ويرغب في الإسلام من لم يدخل فيه، فالوجه أن يكون ﴿ فمن أسلم ﴾، مخاطبة من الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم، ويؤيده ما بعده من الآيات، و ﴿ تحروا ﴾ :معناه طلبوا باجتهادهم، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : «لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها »٢.
١ هذا البيت من قصيدة قالها الفرزدق يمدح بني تغلب ويهجو جريرا، وقد بدأها بقوله: (يا ابن المراغة والهجاء إذا التقت أعناقه...) وقبل البيت يقول:
ماضر تغلب وائل أهجوتها أم بلت حيث تناطح البحران؟
يا ابن المراغة إن تغلب وائل رفعوا عناني فوق كل عنان
وابن هند هو عمرو بن المنذر اللخمي، ملك الحيرة في الجاهلية، وكان شديد البأس، قتله عمرو بن كلثوم أنفة وغضبا لأمه حين أرادت أم الملك أن تستخدمها في خبر طويل يروى في كتب الأدب، وعنوة: قهرا، وقسطوا: جاروا، وهي موضع الاستشهاد، فإن (قسط) بمعنى (جار)، و(أقسط) بمعنى (عدل)..

٢ أخرجه البخاري في المواقيت وفي فضل الصلاة في المسجد الحرام، ومسلم في المسافرين،والنسائي في المواقيت، ومالك في القرآن من الموطأ، وأحمد في مسنده (٦/٢٥٥، ٢/١٣، ١٩، ٣٣)، ولفظه كما جاء في مسند أحمد: عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة أن يتحرى بها طلوع الشمس وغروبها. .
وقوله تعالى : ﴿ لجهنم حطباً ﴾ نظير قوله تعالى : ﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾١ [ البقرة :٢٤، التحريم :٦ ].
١ من الآية ٢٤ من سورة البقرة، ثم تكررت في الآية ٦ من سورة التحريم..
الضمير في قوله ﴿ استقاموا ﴾ قال أبو مجلز والفراء والربيع بن أنس وزيد ابن أسلم والضحاك بخلاف عنه :الضمير عائد على قوله ﴿ من أسلم ﴾ [ الجن :١٤ ]، و ﴿ الطريقة ﴾ طريقة الكفر، لو كفر من أسلم من الناس ﴿ لأسقيناهم ﴾ إملاء لهم واستدراجاً. وقال قتادة وابن جبير وابن عباس ومجاهد الضمير عائد على «القاسطين ». والمعنى على طريقة الإسلام والحق لأنعمنا عليهم، وهذا المعنى نحو قوله : ﴿ ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ﴾١ [ المائدة :٦٥ ]، وقوله ﴿ لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾٢ [ المائدة :٦٦ ]. وهذا قول أبين لأن استعارة الاستقامة للكفر قلقة. وقرأ الأعمش وابن وثاب «وأن لوُ » بضم الواو. وقال أبو الفتح هذا تشبيه بواو الجماعة اشتروا الضلالة بالهدى٣، والماء الغدق :هو الماء الكثير. وقرأ جمهور الناس «غدَقاً » بفتح الدال، وقرأ عاصم في رواية الأعشى عنه بكسرها.
١ من الآية ٦٥ من سورة المائدة..
٢ من الآية ٦٦ من سورة المائدة..
٣ من الآية ١٦ من سورة البقرة..
وقوله تعالى : ﴿ لنفتنهم ﴾ إن كان المسلمون فمعناه لنختبرهم، وإن كان القاسطون فمعناه لنمتحنهم ونستدرجهم، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :حيث يكون الماء فثم المال، وحيث يكون المال فثم الفتنة، ونزع بهذه الآية، وقال الحسن وابن المسيب وجماعة من التابعين :كانت الصحابة سامعين مطيعين، فلما فتحت كنوز كسرى وقيصر وثب بعثمان فقتل وثارت الفتن. و ﴿ يسلكه ﴾ معناه يدخله، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح الياء أي «يسلكه » الله، وقرأ بعض التابعين «يُسلكه » بضم الياء من أسلك وهما بمعنى، وقرأ باقي السبعة «نسلكه » بنون العظمة، وقرأ ابن جبير «نُسلِكه » بنون مضمومة ولام مكسورة. و ﴿ صعداً ﴾ معناه شاقاً، تقول فلان في صعد من أمره أي في مشقة، وهذا أمر يتصعدني، وقال عمر :ما تصعدني شيء كما تصعدني خطبة النكاح، وقال أبو سعيد الخدري وابن عباس :صعد جبل في النار، وقرأ قوم «صُعُوداً » بضم الصاد والعين، وقرأ الجمهور بفتح الصاد والعين، وقرأ ابن عباس والحسن بضم الصاد وفتح العين، وقال الحسن :معناه لا راحة فيه،
ومن فتح الألف من ﴿ أن المساجد لله ﴾ جعلها عطفاً على قوله ﴿ قل أوحي إلي أنه ﴾ [ الجن :١ ]، ذكره سيبويه، و ﴿ المساجد ﴾ قيل أراد بها البيوت التي هي للعبادة والصلاة في كل ملة.
وقال الحسن :أراد كل موضع سجد فيه كان مخصوصاً لذلك أو لم يكن، إذ الأرض كلها مسجد لهذه الأمة. وروي أن هذه الآية نزلت بسبب تغلب قريش على الكعبة، حينئذ فقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم :المواضع كلها لله فاعبده حيث كان وقال ابن عطاء : ﴿ المساجد ﴾ :الآراب١ التي يسجد عليها، واحدها مسجد بفتح الجيم، وقال سعيد بن جبير :نزلت الآية لأن الجن قالت يا رسول الله :كيف نشهد الصلاة معك على نأينا عنك :فنزلت الآية يخاطبهم بها على معنى أن عبادتكم حيث كنتم مقبولة.
وقال الخليل بن أحمد :معنى الآية، ولأن ﴿ المساجد لله فلا تدعوا ﴾ أي لهذا السبب، وكذلك عنده ﴿ لإيلاف قريش ﴾ [ قريش :١ ] ﴿ فليعبدوا ﴾٢ [ قريش :٣ ] وكذلك عنده ﴿ وأن هذه أمتكم أمة واحدة٣ [ الأنبياء :٩٢، المؤمنون :٥٢ ]. و ﴿ المساجد ﴾ المخصوصة بينة التمكن في كونها لله تعالى فيصح أن تفرد للصلاة والدعاء وقراءة العلم، وكل ما هو خالص لله تعالى، وأن لا يتحدث بها في أمور الدنيا. ولا يتخذ طريقاً، ولا يجعل فيها لغير الله نصيب، ولقد قعدت للقضاء بين المسلمين في المسجد الجامع بالمرية مدة، ثم رأيت فيه من سوء المتخاصمين وأيمانهم وفجور الخصام وعائلته ودخول النسوان ما رأيت تنزيه البيت عنه فقطعت القعود للأحكام فيه.
١ الآراب: جمع إرب وهو العضو، يقال: السجود على سبعة آراب، أي أعضاء..
٢ الآيات (١،٢،٣) من سورة قريش..
٣ من الآية ٩٢ من سورة الأنبياء..
وقوله عز وجل : ﴿ وأنه لما قام عبد الله ﴾ يحتمل أن يكون خطاباً من الله تعالى، ويحتمل أن يكون إخباراً عن الجن، وقرأ بعض القراء على ما تقدم «وأنه » يفتح الألف، وهذا عطف على قوله ﴿ أنه استمع ﴾ [ الجن :١ ]، والعبد على هذه القراءة قال قوم :هو نوح، والضمير في ﴿ كادوا ﴾ لكفار قومه، وقال آخرون، هو محمد، والضمير في ﴿ كادوا ﴾ للجن. المعنى أنهم ﴿ كادوا ﴾ يتقصفون١ عليه لاستماع القرآن، وقرأ آخرون منهم «وإنه لما قام » بكسر الألف، والعبد محمد عليه السلام، والضمير في ﴿ كادوا ﴾ يحتمل أن يكون للجن على المعنى الذي ذكرناه، ويحتمل أن يكون لكفار قومه وللعرب في اجتماعهم على رد أمره، ولا يتجه أن يكون العبد نوحاً إلا على تحامل في تأويل نسق الآية، وقال ابن جبير :معنى الآية، إنما قول الجن لقومهم يحكون، والعبد محمد صلى الله عليه وسلم.
والضمير في ﴿ كادوا ﴾ لأصحابه الذين يطوعون له ويقتدون به في الصلاة، فهم عليه لبد. واللبد الجماعات شبهت بالشيء المتلبد بعضه فوق بعض، ومنه قول عبد بن مناف بن ربع : [ البسيط ]
صافوا بستة أبيات وأربعة*** حتى كأن عليهم جانياً لبدا٢
يريد الجراد سماه جانياً لأنه يجني كل شيء، ويروى جابياً بالباء لأنه يجبي الأشياء بأكله٣، وقرأ جمهور السبعة وابن عباس : «لِبداً » بكسر اللام جمع لِبدة، وقال ابن عباس :أعواناً. وقرأ ابن عامر بخلاف عنه وابن مجاهد وابن محيصن : «لُبَداً » بضم اللام وتخفيف الباء المفتوحة وهو جمع أيضاً. وروي عن الجحدري : «لُبُدا » بضم اللام والباء. وقرأ أبو رجاء : «لِبداً » بكسر اللام، وهو جمع لا بد فإن قدرنا الضمير للجن فتقصفهم٤ عليه لاستماع الذكر، وهذا تأويل الحسن وقتادة.
١ يتقصفون: يجتمعون عليه مع تدافع شديد حتى يقصف بعضهم بعضا من شدة الزحام، وفي حديث أبي بكر رضي الله عنه: (كان يصلى ويقرأ القرآن فتتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم)، أي يزدحمون..
٢ البيت من قصيدة قالها عبد مناف بن ربع الهذلي وهو في ديوان الهذليين، وفي اللسان –صاب وجبأ-، ومعنى صابوا بهم وقعوا بهم، والجاني هو الجراد، سمي بذلك لأنه يجني الثمار، أو يجني على القوم في طعامهم، أما رواية جابيا بالباء فالمراد أيضا الجراد، قال صاحب اللسان نقلا عن التهذيب: "الجابىء: الجراد، يهمز ولا يهمز، وجبأ الجراد: على البلد، قال الهذلي: صابوا بستة.. البيت"، واللبد: الكثير، يقال: مال لبد أي كثير لا يخاف فناؤه كأنه التبد بعضه على بعض، وفي التنزيل العزيز (أهلكت مالا لبدا)، أي كثيرا جما..
٣ ما بين العلامتين (....) سقط من أكثر النسخ..
٤ أي: باجتماعهم وازدحامهم حوله..
و ﴿ أدعو ﴾ معناه أعبده، وقرأ جمهور السبعة وعلي بن أبي طالب : «قال إنما »، وهذه قراءة تؤيد أن العبد نوح، وقرأ عاصم وحمزة بخلاف عنه : «قال إنما » وهذه تؤيد بأنه محمد عليه السلام وإن كان الاحتمال باقياً من كليهما. واختلف القراء في فتح الياء من ﴿ ربي ﴾ وفي سكونها.
ثم أمر تعالى محمداً نبيه عليه السلام بالتبري من القدرة وأنه لا يملك لأحد ﴿ ضراً ولا رشداً ﴾، بل الأمر كله لله. وقرأ الأعرج «رُشُداً » بضم الراء والشين، وقرأ أبيّ بن كعب «لكم غياً ولا رشداً ».
وقولهم ﴿ من دونه ﴾ أي من عند سواه. و «الملتحد » :الملجأ الذي يمال إليه ويُركَن، ومنه الإلحاد الميل، ومنه اللحد الذي يمال به إلى أحد شقي القبر.
اختلف الناس في تأويل قوله ﴿ إلا بلاغاً ﴾ :فقال الحسن ما معناه أنه استثناء منقطع، والمعنى لن يجيرني من الله أحد ﴿ إلا بلاغاً ﴾، فإني إن بلغت رحمني بذلك، والإجارة :للبلاغ مستعارة إذ هو سبب إجارة الله تعالى ورحمته، وقال بعض النحاة على هذا المعنى هو استثناء متصل. والمعنى لن أجد ملتحداً ﴿ إلا بلاغاً ﴾، أي شيئاً أميل إليه وأعتصم به إلا أن أبلغ وأطيع، فيجبرني الله. وقال قتادة :التقدير لا أملك ﴿ إلا بلاغاً ﴾ إليكم، فأما الإيمان أو الكفر فلا أملكه. وقال بعض المتأولين ﴿ إلا ﴾ بتقدير الانفصال، و «إن » شرط و «لا » نافية كأنه يقول :ولن أجد ملتحداً إن لم أبلغ من الله ورسالته، و ﴿ من ﴾ في قوله ﴿ من الله ﴾ لابتداء الغاية. وقوله تعالى : ﴿ ومن يعص الله ﴾ يريد الكفر بدليل الخلود المذكور. وقرأ طلحة وابن مصرف، «فإن له » على معنى فجزاؤه أن له.
وقوله ﴿ حتى إذا رأوا ﴾، ساق الفعل في صيغة الماضي تحقيقاً لوقوعه. وقوله تعالى : ﴿ من أضعف ﴾ يحتمل أن تكون ﴿ مَن ﴾ في موضع رفع على الاستفهام والابتداء و ﴿ أضعف ﴾ خبرها، ويحتمل أن تكون في موضع نصب ب ﴿ سيعلمون ﴾، و ﴿ أضعف ﴾ خبر لابتداء مضمر.
ثم أمره تعالى بالتبري من معرفة الغيب في وقت عذابهم الذي وعدوا به، والأمد :المدة والغاية.
و ﴿ عالم ﴾ يحتمل أن يكون بدلاً من ﴿ ربي ﴾ [ الجن :٢٠ ] ويحتمل أن يكون خبر ابتداء مضمر على القطع، وقرأ السدي : «عالم الغيب » على الفعل الماضي ونصب الباء١، وقرأ الحسن : «فلا يَظهَر » بفتح الياء والهاء «أحدٌ » بالرفع.
١ أي من قوله تعالى (الغيب)..
وقوله تعالى : ﴿ إلا من ارتضى من رسول ﴾ معناه فإنه يظهره على ما شاء مما هو قليل من كثير، ثم يبث تعالى حول ذلك الملك الرسول حفظة ﴿ رصداً ﴾ لإبليس وحزبه من الجن والإنس.
وقوله تعالى : ﴿ ليعلم ﴾ قال قتادة معناه ﴿ ليعلم ﴾ محمد أن الرسل ﴿ قد أبلغوا رسالات ربهم ﴾ وحفظوا ومنع منهم. وقال سعيد بن جبير :معناه يعلم محمد أن الملائكة الحفظة، الرصد النازلين بين يديه جبريل وخلفه ﴿ قد أبلغوا رسالات ربهم ﴾. وقال مجاهد ﴿ ليعلم ﴾ من كذب وأشرك أن الرسل قد بلغت.
قال القاضي أبو محمد :وهذا العلم لا يقع لهم إلا في الآخرة، وقيل معناه ﴿ ليعلم ﴾ الله رسالته مبلغة خارجة إلى الوجود لأن علمه بكل شيء قد تقدم، وقرأ الجمهور : «ليَعلم » بفتح الياء أي الله تعالى. وقرأ ابن عباس : «ليُعلم » بضم الياء، وقرأ أبو حيوة : «رسالة ربهم » على التوحيد، وقرأ ابن أبي عبلة : «وأحيط » على ما لم يسم فاعله، وقوله تعالى : ﴿ وأحصى كل شيء ﴾ معناه كل شيء معدود، وقوله تعالى : ﴿ ليعلم ﴾ الآية، مضمنه أنه تعالى قد علم ذلك، فعلى هذا الفعل المضمر انعطف ﴿ وأحاط ﴾، ﴿ وأحصى ﴾ والله المرشد للصواب بمنه وكرمه.
السورة التالية
Icon