0:00
0:00

سورة الجن مكية وآيها ثمان وعشرون.

﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَي ﴾ وقُرِئ أُحيَ إليَّ أصلُه وُحيَ وقد قُرِئَ كذلكَ منْ وُحيَ إليهِ فقلبتْ الواوُ المضمومةُ همزةٌ كأعدَ وَأزنَ في وَعَدَ ووَزَنَ ﴿ أَنَّهُ ﴾ بالفتحِ لأنَّه فاعل أُوحي والضمير للشأن ﴿ استمع ﴾ أي القرآن كما ذكر فِي الأحقافِ وقد حُذِفَ لدلالة ما بعدَهُ عليه ﴿ نَفَرٌ منَ الجن ﴾ النفرُ ما بينَ الثلاثةِ للعشرةِ، والجنُّ أجسام عاقلةٌ خفيةٌ يغلبُ عليهْمِ الناريةُ أو الهوائيةُ، وقيلَ :نوعٌ منَ الأرواحِ المجردةِ وقيلَ :هيَ النفوسُ البشريةُ المفارقةُ عن أبدانِها وفيهِ دِلالةٌ عَلى أنَّه عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ لم يشُعْر بهمِ وباستماعِهم ولم يقرأْ عليهمْ وإنَّما اتفقَ حضورُهم في بعض أوقات قراءته فسمعوها فأخبره الله تعالى بذلك وقد مر ما فيه من التفصيلِ في الأَحْقَافِ ﴿ فَقَالُوا ﴾ لقومِهم عندَ رجوعِهم إليهِم ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً ﴾ كتاباً مقرُوءاً ﴿ عَجَبًا ﴾ بديعاً مبايناً لكلام الناسِ في حسن النظمِ ودقة المَعْنى وهو مصدرٌ وصفَ به للمبالغةِ.
﴿ يَهْدِي إِلَى الرشد ﴾ إلى الحقِّ والصوابِ ﴿ فَآمَنَّا بِهِ ﴾ أيْ بذلكَ القرآن ﴿ وَلَن نشرِكَ بِرَبنَا أَحَداً ﴾ حسبمَا نطقَ به مَا فيهِ منْ دلائلِ التوحيدِ.
﴿ وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبّنَا ﴾ بالفتحِ قالُوا هُوَ وما بعدَهُ من الجمل المصدّرةِ بأنَّ فِي أحدَ عشرَ موضعاً عطفٌ عَلى محلِّ الجارِّ والمجرورِ في فآمنا به كأنَّه قيلَ :فصدقناهُ وصدقنا أنَّه تعالَى جَدُّ ربِنا أي ارتفعَ عظمتُه، منْ جَدَّ فلانٌ في عَينْي أيْ عظُم تمكنُّهُ أو سلطانُهُ أو غِناهُ على أنه مستعارٌ منَ الجَدِّ الذي هُوَ البَختُ والمَعْنى وصفُهُ بالاستغتاءِ عنِ الصاحبةِ والولدِ لعظمتِه أوْ لسلطانه لغناهُ وقُرِئَ بالكسر وكَذا الجملُ المذكورةُ عطفاً على المحكيِّ بعدَ القولِ وهو الأظهرُ لوضوح اندراجِ كُلِّها تحتَ القولِ، وأما اندراجُ الجملِ الآتيةِ تحتَ الإيمانِ والتصديقِ كما يقتضيهُ العطفُ عَلى محلِّ الجارِّ والمجرورِ ففيهِ إشكالٌ كَما ستحيطُ به خُبْراً وقولُه تعالَى ﴿ مَا اتخذ صاحبة وَلاَ وَلَداً ﴾ بيانٌ لِحُكمِ تعالِي جَدِّهِ وقُرِئَ جَدَّاً ربُّنَا على التمييزِ وجَدُّ ربِنا بالكسرِ أيْ صدقُ ربوبيتِه وحقُّ إلهيةِ عنِ اتخاذِ الصاحبةِ والولدِ، وذلكَ أنَهُم لَمَّا سمعُوا القرآنَ ووفقُوا للتوحيدِ والإيمانِ تنبهُوا للخطأِ فيما اعتقدَهُ كفرةُ الجنِّ من تشبيهِ الله تعالَى بخلقِه في اتخاذِ الصاحبةِ والولدِ فاستعظمُوه ونزهُوه تعالَى عَنْهُ.
﴿ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا ﴾ أي إبليسُ أو مردةُ الجنِّ ﴿ عَلَى الله شَطَطاً ﴾ أي قولاً ذَا شططٍ أيْ بعدٍ عن القصدِ ومجاوزةٍ للحدِّ أوْ هُو شططٌ في نفسِه لفرطِ بعدِهِ عن الحقِّ وهُو نسبةُ الصاحبةِ والولدِ إليهِ تعالَى وتعلقُ الإيمانِ والتصديقِ بهذَا القولِ ليسَ باعتبارِ نفسِه فإنهم كانُوا عالمِين بقولِ سفهائِهم منْ قبلُ أيضاً بلْ باعتبارِ كونِه شططاً كأنَّه قيلَ :وصدقنَا أنَّ مَا كَان يقولُه سفيهُنَا في حقِّه تعالَى كانَ شططاً وأما تعلقُهَما يقولِه تعالَى : ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لن تَقُولَ الإنس والجن عَلَى الله كَذِباً ﴾ فغيرُ ظاهرٍ وهُو اعتذارٌ منْهُم عن تقليدِهم لسفيهِهم أيْ كُنَّا نظنُّ أنه لنْ يكذبَ على الله تعالى أحدٌ أبداً ولذلكَ اتبعنَا قولَهُ وكَذِباً مصدرٌ مؤكدٌ لتقولَ لأنَّه نوعٌ من القولِ أو وصفٌ لمصدرِه المحذوفِ أيْ قولاً كذباً أيْ مكذوباً فيهِ وقُرِئَ لنْ تَقوَّلَ بحذفِ إحدَى التاءينِ فكذباً مصدرٌ مؤكدٌ له لأنَّ الكذبَ هو التقولُ. .
﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الإنس والجن عَلَى الله كَذِباً﴾ فغيرُ ظاهرٍ وهُو اعتذارٌ منْهُم عن تقليدِهم لسفيهِهم أيْ كُنَّا نظنُّ أنه لنْ يكذبَ على الله تعالى أحدٌ أبداً ولذلكَ اتبعنَا قولَهُ وكَذِباً مصدرٌ مؤكدٌ لتقولَ لأنَّه نوعٌ من القولِ أو وصفٌ لمصدرِه المحذوفِ أيْ قولاً كذباً أيْ مكذوباً فيهِ وقُرِىءَ لنْ تَقوَّلَ بحذفِ احدَى التاءينِ فكذبا مصدر مؤكذ لأنَّ الكذبَ هو التقولُ
﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ منَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ منَ الجن ﴾ كان الرجلُ من العربِ إذا أمسَى في وادٍ قفرٍ وخافَ على نفسِه يقولُ أعوذُ بسيدِ هَذَا الوادِي من سفهاءِ قومِه يريدُ الجنِّ وكبيرَهُم فإذا سمعُوا بذلكَ استكبرُوا وَقَالُوا سُدنا الإنسَ والجنَّ وذلكَ قولُه تعالَى : ﴿ فَزَادوهُمْ ﴾ أيْ زادَ الرجالُ العائدونَ الجِنَّ ﴿ رَهَقاً ﴾ أي تكبراً وعتواً أو فزادَ الجنُّ العائذينَ غياً بأنْ أضلوهُمْ حتى استعاذُوا بهمْ.
﴿ وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا ﴾ أي الإنسُ ﴿ كَمَا ظَنَنتُمْ ﴾ أيُّها الجِنُّ على أنَّه كلامُ بعضِهم لبعضٍ ﴿ أَن لن يَبْعَثَ الله أَحَداً ﴾ وقيل :المَعْنى أنَّ الجنَّ ظنُّوا كما ظننتُمْ أيُّها الكفرةُ الخ فتكونُ هذهِ الآيةُ وما قبلَها منْ جملة الكلامِ المُوحَى به والأقربُ أنهُمَا كذلكَ علَى كُلِّ تقديرٍ عطفاً على أنه استمَع إذ لاَ معْنَى لإدراجهما تحتَ ما ذكرَ من الإيمان والتصديقِ.
وكذا قولُه تعالَى : ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السماء ﴾ وما بعدَهُ من الجُمَلِ المُصدرةِ بأنَّا ينبغِي أنْ تكونَ معطوفةً على ذلكَ عَلى أنَّ المُوحَى عينُ عبارةِ الجنِّ بطريقِ الحكايةِ كأنَّه قيلَ :قُلْ أُوحيَ إليَّ كيت وكيت وهذهِ العباراتُ أي طلبنَا بلوغَ السماءِ أو خبرَها واللمسُ مستعارٌ من المسِّ للطلبِ كالجسِّ يقال لمسَهُ والتمسَهُ وتلمسَهُ كطلَبُه واطلَبُه وتطلَبُه ﴿ فوجدناها مُلِئَتْ حَرَساً ﴾ أي حُراساً اسمُ جمعٍ كخدمٍ، مفردُ اللفظِ، ولذلكَ قيلَ : ﴿ شَدِيداً ﴾ قوياً وهُم الملائكةُ يمنعونَهُم عنها ﴿ وَشُهُباً ﴾ جمعُ شهابٍ، وهيَ الشعلةُ المقتبسةُ من نارِ الكواكبِ.
﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ ﴾ قبلَ هَذا ﴿ مِنْهَا ﴾ من السماءِ ﴿ مقاعد لِلسَّمْعِ ﴾ خاليةً عن الحرسِ والشهبِ أو صالحةٍ للترصدِ والاستماعِ، وللسمعِ متعلقٌ بنقعدَ أي لأجلِ السمعِ أو بمضمرٍ هو صفةٌ لمقاعدَ كائنةً للسمعِ ﴿ فَمَن يَسْتَمِعِ الآن ﴾ في مقعدٍ من المقاعدِ ﴿ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً ﴾ أي شهاباً راصداً لهُ ولأجلِه يصدُّه عن الاستماعِ بالرجمِ أو ذوي شهابٍ راصدينَ لهُ على أنَّه اسمٌ مفردٌ في مَعْنى الجمعِ كالحرسِ، قيلَ :حدثَ هذا عندَ مبعثِ النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ والصحيحُ أنه كانَ قبلَ البعثِ أيضاً لكنَّه كثُر الرجمُ بعدَ البعثةِ وزادَ زيادةً حتَّى تنبه لها الإنسُ والجنُّ ومُنعَ الاستراقُ أصلاً فقالُوا ما هذا إلا لأمرِ أراده الله تعالى بأهلِ الأرضِ وذلك قولهم ﴿ وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرض ﴾.
﴿ وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرض ﴾ بحراسةِ السماءِ ﴿ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً ﴾ أي خيراً، ونسبةُ الخيرِ إلى الله تعالى دونَ الشرِّ من الآداب الشريفةِ القرآنيةِ كما في قولِه تعالى : ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾ [ سورة الشعراء، الآية ٨٠ ] ونظائرُه.
﴿ وَأَنَّا مِنَّا الصالحون ﴾ أي الموصوفونَ بصلاحِ الحالِ في شأنِ أنفسِهم وفي معاملتِهم مع غيرِهم المائلونَ إلى الخيرِ والصلاحِ حسبما تقتضيهِ الفطرةُ السليمةُ لا إلى الشرِّ والفسادِ كما هو مقتضَى النفوسِ الشريرةِ ﴿ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ أي قومٌ دونَ ذلكَ فحذف الموصوفَ وهم المقتصدونَ في صلاحِ الحالِ على الوجهِ المذكورِ لا في الإيمانِ والتَّقوى كما توهَم فإنَّ هذا بيانٌ لحالِهم قبل استماعِ القرآنِ كما يُعربُ عنه قولِه تعالى ﴿ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً ﴾ وأمَّا حالُهم بعد استماعِه فسيُحكى بقولِه تعالى : ﴿ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الهدى ﴾ [ سورة الجن، الآية ١٣ ] إلى قولِه تعالى : ﴿ وَأَنا مِنَّا المسلمون ﴾ [ سورة الجن، الآية ١٤ ] أي كُنَّا قبل هذا ذَوِي طرائقَ أي مذاهبَ أو مثلَ طرائقَ في اختلافِ الأحوالِ، أم كانتْ طرائقُنَا طرائقَ قِدداً أي متفرقةً مختلفةً جمعُ قِدَّةٍ من قدَّ كالقِطْعةِ من قَطَع.
﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّا ﴾ أي علمنَا الآنَ ﴿ أَن لن نُعْجِزَ الله ﴾ أي أنَّ الشأنَ لنْ نعجزَ الله كائنينَ ﴿ فِي الأرض ﴾ أينما كُنَّا من أقطارِها ﴿ وَلَن نُعْجِزَهُ هَرَباً ﴾ هاربينَ منها إلى السماءِ أو لن نعجزَهُ في الأرضِ إنْ أرادَ بنا أمراً ولن نُعجزَهُ هرباً إنْ طلبنَا.
﴿ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الهدى ﴾ أي القرآنَ الذي هُو الهُدَى بعينِه ﴿ آمَنَّا بِهِ ﴾ من غيرِ تلعثمٍ وترددٍ ﴿ فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ ﴾ وبما أنزلَهُ ﴿ فَلاَ يَخَافُ ﴾ فهو لا يخافُ ﴿ بَخْساً ﴾ أي نقصاً في الجزاءِ ﴿ وَلاَ رَهَقاً ﴾ ولا أنْ ترهقَهُ ذلةٌ أو جزاءَ بخسٍ ولا رهقٍ إذَا لم يبخسْ أحداً حقَّا ولا رهقَ أحداً ظلماً، فلا يخافُ جزاءَهما وفيهِ دِلالةٌ على أنَّ من حقِّ من آمنَ بالله تعالى أن يجتنبَ المظالمَ. وقُرِئَ فلا يخفْ، والأولُ أدلُّ على تحقيقِ نجاةِ المؤمنِ واختصاصِها بهِ.
﴿ وَأَنا مِنَّا المسلمون وَمِنَّا القاسطون ﴾ الجائرونَ عن طريقِ الحقِّ الذي هو الإيمانُ والطَّاعةُ ﴿ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ ﴾ إشارةٌ إلى مَنْ أسلمَ والجمعُ باعتبارِ المَعْنى ﴿ تَحَرَّوا ﴾ توخَّوا ﴿ رَشَدًا ﴾ عظيماً يبلغُهم إلى دار الثوابِ.
﴿ وَأَما القاسطون ﴾ الجائرونَ عن سنن الإسلامِ ﴿ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ﴾ تُوقدُ بهم كَما تُوقدُ بكفرةِ الإنسِ.
﴿ وَأن لو استقاموا ﴾ أنْ مخففةٌ من الثقيلةِ، والجملةُ معطوفةٌ قطعاً على أنَّه استمعَ والمَعْنى وأُوحيَ إليَّ أنَّ الشأنَ لو استقامَ الجِنُّ والإنسُ أو كلاهُما ﴿ عَلَى الطريقة ﴾ التي هي ملَّةُ الإسلامِ ﴿ لأسقيناهم ماء غَدَقاً ﴾ أيْ لوسَّعنا عليهم الرزقَ وتخصيصُ الماءِ الغدقِ -وهو الكثيرُ- بالذكر، لأنَّه أصلُ المعاشِ والسَّعةِ ولعزةِ وجودِه بين العربِ وقيل :لو استقامَ الجنُّ على الطريقةِ المُثْلَى أي لو ثبتَ أبُوهم الجانُّ على ما كان عليه من عبادة الله تعالى وطاعتِه ولم يتكبرْ عن السجود لآدمَ عليه السَّلامُ ولم يكفرُ وتبعه ولدُه في الإسلامِ لأنعمنا عليهم ووسَّعنا رزقَهم.
﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ لنختبرَهُم كيفَ يشكرونَهُ وقيل :معناهُ إنَّه لو استقامَ الجنُّ على طريقتِهم القديمةِ ولم يسلموا باستماع القُرآنِ لوسّعنا عليهم الرزقَ استدراجاً لنوقعَهُم في الفتنةِ ونعذبهم في كُفرانِ النعمةِ ﴿ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبّهِ ﴾ عن عبادتِه أو عن موعظتِه أو وحيهِ ﴿ يَسْلُكْهُ ﴾ يُدخله ﴿ عَذَاباً صَعَداً ﴾ أي شاقَّاً صعباً يعلُو المعذبَ ويغلبُه على أنَّه مصدرٌ وصفَ به مبالغةً.
﴿ وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ ﴾ عطفٌ على قولِه تعالى أنَّه استمعَ أي وأُوحيَ إليَّ أنَّ المساجدَ مختصَّةٌ بالله تعالَى وقيلَ :معناهُ ولأنَّ المساجدَ لله ﴿ فَلاَ تَدْعُوا ﴾ أي لا تعبدُوا فيَها ﴿ مَعَ الله أَحَداً ﴾ غيرَه. وقيلَ :المرادُ بالمساجدِ المسجدُ الحرامُ والجمعُ لأنَّ كلَّ ناحيةٍ منْهُ مسجدٌ له قبلةٌ مخصوصةٌ أو لأنَّه قبلة المساجدِ وقيلَ :الأرضُ كلُّها لأنَّها جعلتْ مسجداً للنبيِّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقيلَ :مواضعُ السجودِ على أنَّ المرادَ نهيُ السجودِ لغير الله تعالَى وقيل :أعضاءُ السجودِ السبعةُ وقيلَ :السجداتُ على أنَّه جمعُ المصدرِ الميميِّ.
﴿ وَأَنَّهُ ﴾ من جُملةِ المُوحَى أي وأُوحيَ إليَّ أنَّ الشأنَ ﴿ لمَّا قَامَ عَبْدُ الله ﴾ أي النبيُّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإيرادُه بلفطِ العبدِ للإشعارِ بَما هُو المُقتضِي لقيامِه وعبادتِه للتواضعِ لأنَّه واقعٌ موقعَ كلامِه عن نفسِه ﴿ يَدْعُوهُ ﴾ حالٌ من فاعلِ قامَ أي يعبدُه وذلكَ قيامُه لصلاةِ الفجرِ بنخلةَ كما مرَّ تفصيلُه في سورةِ الأحقافِ. ﴿ كَادُوا ﴾ أي الجنُّ ﴿ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾ متراكمينَ من ازدحامِهم عليه تعجباً ممّا شاهدُوا من عبادتِه وسمعُوا من قراءتِه واقتداءِ أصحابِه بهِ قياماً وركوعاً وسجوداً لأنَّهم رأوا ما لَم يَرَوا مثلَهُ وسمعُوا بما لم يسمعُوا بنظيرِه وقيلَ :معناهُ لمَّا قامَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يعبدُ الله وحدَهُ مخالفاً للمشركينَ كاد المشركون يزدحمون عليه متراكمينَ واللِّبدُ جمعُ لبدةٍ وهيَ ما تلبَّد بعضُه على بعضٍ، ومنَها لبدةُ الأسدِ. وقُرِئَ لبُدُا جمعُ لبدةٍ وهي بمعنى اللبدةِ ولُبَّد جمع لابدٍ كساجدٍ وسُجّدٍ ولُبْداً بضمتينِ جمعُ لَبُودٍ كصبُورٍ وصُبُرٍ وعن قتادةَ تلبدتِ الإنسُ والجنُّ على هذا الأمرِ ليطفئُوه فأبَى الله ألا أنْ يظهرَهُ على مَنْ ناوأه.
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو ﴾ أي أعبدُ ﴿ رَبي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ ﴾ بربِّي في العبادةِ ﴿ أَحَدًا ﴾ فليسَ ذلكَ ببدعٍ ولا مستنكرٍ يوجبُ التعجبَ أو الإطباقَ على عداوتِي. وقُرِئَ قالَ على أنَّه حكايةٌ لقولِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ للمتراكمينَ عليهِ والأولُ هُو الأظهرُ والأوفقُ لقولِه تعالى : ﴿ قُلْ إِنّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً ﴾.
﴿ قُلْ إِنّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً ﴾ كأنَّه أريدَ لا أملكُ لكُم ضراً ولا نفعاً ولا غياً ولا رشداً فتركَ منْ كِلا المتقابلينِ ما ذُكِرَ في الآخر.
﴿ قُلْ إِنّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ الله أَحَدٌ ﴾ إنْ أرادني بسوءٍ ﴿ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً ﴾ ملتجأً ومعدلاً هذا بيانٌ لعجزِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عن شؤونِ نفسِه بعد بيانِ عجزِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام عن شؤونِ غيرِه.
وقولُه تعالى : ﴿ إِلاَّ بَلاَغاً منَ الله ﴾ استثناءٌ من قولِه لا أملكُ، فإنَّ التبليغَ إرشادٌ ونفعٌ وما بينهما اعتراضٌ مؤكدٌ لنفي الاستطاعة أو منْ مُلتحداً أي لنْ أجدَ من دونه منجاً إلا أنْ أُبلغَ عنه ما أَرسلنِي به، وقيلَ :إلاَّ مركبةٌ من إنِ الشرطيةِ ولا النافيةِ ومعناهُ أنْ لاَ أبلغَ بلاغاً من الله والجوابُ محذوفٌ لدلالة ما قبلَهُ عليهِ ﴿ ورسالاته ﴾ عطفٌ على بلاغاً ومن الله صفتُه لا صلتُه أي لا أملكُ لكُم إلا تبليغاً كائناً منهُ تعالى ورسالاتِه التي أرسلني بها ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ في الأمرِ بالتوحيد إذ الكلامُ فيه ﴿ فَإنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ ﴾ وقُرِئ بفتح الهمزة على معنى فحقُّه أو فجزاؤه أنَّ له نارَ جهنَم ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ في النار أو في جهنمَ والجمعُ باعتبار المَعْنى ﴿ أَبَدًا ﴾ بلا نهايةٍ.
وقولُه تعالى : ﴿ حتى إِذَا رَأَوا مَا يُوعَدُونَ ﴾ غايةٌ لمحذوف يدلُّ عليه الحالُ من استضعاف الكفارِ لأنصارِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ واستقلالِهم لعدده كأنَّه قيلَ لا يزالونَ على ما هُم عليهِ حتَّى إذَا رَأَوا ما يُوعدونَ من فنون العذابِ في الآخرة ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ ﴾ حينئذٍ ﴿ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً ﴾ وحُمل ما يُوعدونَ على ما رأوه يوم بدر يأباه.
قوله تعالى : ﴿ قُلْ إِنْ أَدْرِي ﴾ أي ما أدْرِي ﴿ أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبّي أَمَداً ﴾ فإنه ردٌّ لما قالَه المشركونَ عند سماعِهم ذلكَ متَى يكونُ ذلكَ الموعدُ إنكاراً له واستهزاءً به فقيلَ قُل إنه كائنٌ لا محالةَ وأما وقتُه فما أدْرِي متَى يكونُ.
﴿ عالم الغيب ﴾ بالرفعِ قيل :هو بدلٌ من ربِّي أو عطفُ بيانٍ له ويأباهُ الفاءُ في قولِ تعالَى ﴿ فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً ﴾ إذ يكونُ النظمُ حينئذٍ أمْ يجعلُ له عالمُ الغيبِ أمداً فلا يُظهر عليهِ أحداً، وفيهِ من الاختلالِ ما لا يَخْفى فهو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أيْ هُو عالمُ الغيبِ. والجملةُ استئنافٌ مُقررٌ لما قبلَهُ من عدم الدرايةِ والفاءُ لترتيب عدمِ الإظهارِ على تفرده تعالى بعلم الغيبِ على الإطلاق أي فلا يُطلْعُ على غيبِه إطلاعاً كاملاً ينكشفُ به جليةُ الحالِ انكشافاً تاماً مرحباً لعين اليقينِ أحداً من خلقه.
﴿ إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رسُولٍ ﴾ أي إلا رسولاً ارتضاهُ لإظهارِه على بعضِ غيوبهِ المتعلقةِ برسالتِه كما يُعربُ عنه بيانُ من ارتضَى بالرسول تعلقاً تاماً إما لكونه من مبادئ رسالتِه بأنْ يكونَ معجزةً دالةً على صحتها وإما لكونه من أركانِها وأحكامِها كعامَّة التكاليفِ الشرعيةِ التي أُمرَ بها المكلفونَ، وكيفياتِ أعمالِهم وأجزيتِها المترتبةِ عليها في الآخرةِ وما تتوقفُ هيَ عليهِ من أحوالِ الآخرةِ التي من جُمْلتِها قيامُ الساعةِ والبعثُ وغيرُ ذلكَ من الأمورِ الغيبيةِ التي بيانُها من وظائفِ الرسالةِ، وأما ما لا يتعلقُ بها على أحد الوجهينِ من الغيوبِ التي من جُمْلتِها وقتُ قيامِ الساعةِ فلا يُظهر عليهِ أحداً أبداً على أنَّ بيانَ وقتِه مخلٌّ بالحكمةِ التشريعيةِ التي عليها يدورُ فلكُ الرسالةِ وليسَ فيه ما يدلُّ على نفي كراماتِ الأولياءِ المتعلقةِ بالكشفِ فإنَّ اختصاصَ الغايةِ القاصيةِ من مراتب الكشفِ بالرسل لا يستلزمُ عدمَ حصولِ مرتبةٍ مَا منْ تلكَ المراتبِ لغيرِهم أصلاً ولا يدَّعِي أحدٌ لأحدٍ من الأولياءِ ما في رتبةِ الرُّسلِ عليهم السَّلامُ من الكشفِ الكاملِ الحاصلِ بالوحي الصريحِ. وقولُه تعالَى : ﴿ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ﴾ تقريرٌ وتحقيقٌ للإظهارِ المستفادِ من الاستثناءِ وبيانٌ لكيفيته أي فإنَّه يسلكُ من جميع جوانبِ الرسولِ عليه السَّلامُ عند إظهارِه على غيبه حرساً من الملائكةِ يحرسُونه من تعرضِ الشياطينِ لما أظهَرُه عليهِ من الغيوبِ المتعلقةِ برسالتِه.
وقولُه تعالى : ﴿ ليَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رسالات رَبّهِمْ ﴾ متعلقٌ بيسلكُ غايةٌ لهُ من حيثُ إنَّه مترتبٌ على الإبلاغ المترتبِ عليه إذ المرادُ به العلمُ المتعلقُ بالإبلاغ الموجود بالفعلِ، وأنْ مخففةٌ من الثقيلةِ واسمُها الذي هو ضميرُ الشأنِ محذوفٌ والجملةُ خبرُها، ورسالاتِ ربِّهم عبارةٌ عن الغيبِ الذي أُريدَ إظهارُ المُرتضَى عليهِ والجمعُ باعتبار تعددِ أفرادِه، وضميرُ أبلغُوا إمَّا للرصَدِ فالمَعْنى أنَّه تعالَى يسلُكهم من جميع جوانبِ المرتَضى ليعلمَ أنَّ الشأنَ قد أبلغُوه رسالاتِ ربِّهم سالمةً عن الاختطافِ والتخليط علماً مستتبعاً للجزاءِ، وهُو أنْ يعلَمُه موجوداً حاصلاً بالفعل كَما في قولِه تعالى : ﴿ حتى نَعْلَمَ المجاهدين ﴾ [ سورة محمد، الآية ٣١ ] والغايةُ في الحقيقة هو الإبلاغُ والجهادُ وإيرادُ علمهِ تعالَى لإبراز اعتنائِه تعالى بأمرِهما والإشعار بترتيب الجزاءِ عليهما والمبالغة في الحثِّ عليهما والتحذير عن التفريط فيهما وإما لمن ارتضَى والجمعُ باعتبارِ مَعْنى مَنْ كَما أنَّ الإفرادَ في الضميرين السابقينِ باعتبار لفظِهما فالمَعْنى ليعلمَ أنَّه قد أبلغَ الرسلَ الموحَى إليهم رسالات ربِّهم إلى أُممهم كما هيَ من غير اختطافٍ ولا تخليطِ بعد ما أبلغها الرصَدُ إليهم كذلكَ. وقولُه تعالَى : ﴿ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ﴾ أيْ بَما عندَ الرَّصَدِ أو الرُّسلِ عليهم السَّلامُ حالٌ من فاعلِ يسلكُ بإضمارِ قَدْ أو بدونِه على الخلافِ المشهورِ جيءَ بها لتحقيقِ استغنائِه تعالى في العلمِ بالإبلاغِ عمَّا ذُكِرَ من سلكِ الرصدِ على الوجِه المذكورِ أي يسلكُهم بينَ يديه ومن خلفه يترتبُ عليه علمُه تعالَى بما ذُكِرَ والحالُ أنَّه تعالَى قد أحاطَ بما لديِهم من الأحوالِ جميعاً.
﴿ وأحصى كُلَّ شَيء ﴾ مما كانَ وما سيكونُ ﴿ عَدَدًا ﴾ أي فرداً فرداً وهُو تمييزٌ منقولٌ من المفعول به كقوله تعالى : ﴿ وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً ﴾ [ سورة القمر، الآية ١٢ ] والأصلُ أحصَى عددَ كلِّ شيءٍ وقيلَ :هو حالٌ أي معدوداً محصوراً أو مصدرٌ بمَعْنى إحصاءً وأيَّا ما كان ففائدتُه بيانُ أنَّ علمَهُ تعالَى بالأشياء ليس على وجهٍ كليَ إجماليَ بلْ على وجهٍ جزئيَ تفصيليَ فإنَّ الإحصاءَ قد يرادُ به الإحاطةُ الإجماليةُ كما في قولِه تعالى : ﴿ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا ﴾ [ سورة إبراهيم، الآية ٢٤. وسورة النحل، الآية ١٨ ] أي لا تقدروا على حصرها إجمالاً فضلاً عن التفصيلِ وذلكَ لأنَّ أصلَ الإحصاءِ أنَّ الحاسبَ إذا بلغ عَقداً معيناً من عُقودِ الأعدادِ كالعشرةِ والمائةِ والألفِ وضعَ حصاةً ليحفظَ بها كميةً ذلكَ العقدِ فيبنِي عَلَى ذلكَ حسابَهُ هذا وأمَّا مَا قيلَ :مِنْ أنَّ قولَه تعالى : ﴿ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ﴾ [ سورة الجن، الآية ٢٨ ] الخ معطوفٌ على مقدرٍ يدلُّ عليه قولُه تعالى ليعلمَ كأنه قيل :قد علمَ ذلكَ وأحاطَ بما لديهم الخ فبمعزلٍ من السدادِ.
السورة التالية
Icon