0:00
0:00

سورة الجن
ثمان وعشرون آية وهي مكية قال القرطبي في قول الجميع، عن ابن عباس قال نزلت بمكة وعن عائشة وابن الزبير مثله وتسمى سورة قل أوحي.

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا ( ١ ) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ( ٢ ) ﴾
﴿ قل ﴾ يا محمد للناس ﴿ أوحي إليّ ﴾ ليعرفوا بذلك وأنك مبعوث إلى الجن كالإنس، ولتعلم قريش أن الجن مع تمردهم لما سمعوا القرآن وعرفوا إعجازه آمنوا قرأ الجمهور أوحي رباعيا وقرئ وحي ثلاثيا وهما لغتان، والمعنى أخبرت بالوحي من الله.
﴿ إنه استمع نفر من الجن ﴾ واختلف هل رآهم النبي صلى الله عليه وسلم أم لم يرهم، فظاهر القرآن أنه لم يرهم لأن المعنى قل يا محمد لأمتك أوحي أليّ على لسان جبريل أنه استمع نفر من الجن، ومثله قوله ﴿ وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ﴾.
ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيح قال " ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن وما رآهم "، وروى ابن مسعود أنه رآهم، ورجحه العلماء والحق صحتهما وإن الأول وقع أولا ثم نزلت السورة، ثم أمر بالخروج إليهم، قال عكرمة والسورة التي كان يقرؤها رسول الله صلى الله لعيه وسلم هي ﴿ اقرأ باسم ربك الذين خلق ﴾ وقد تقدم في سورة الأحقاف ذكر ما يفيد زيادة في هذا.
والنفر اسم الجماعة ما بين الثلاثة إلى العشرة، قال البغوي كانوا تسعة وقيل سبعة وقد اختلف الناس قديما وحديثا في ثبوت وجود الجن فأنكر وجودهم معظم الفلاسفة، واعترف به جمع منهم وسموهم بالأرواح السفلية، وزعموا أنهم أسرع إجابة من الأرواح الفلكية إلا أنهم أضعف.
وأما جمهور أرباب الملل وهم أتباع الرسل والشرائع فقد اعترفوا بوجودهم، لكن اختلفوا في ماهيتهم وقد نطق الكتاب العزيز والسنة المطهرة بوجودهم فلا اعتداد بمنكريهم، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، قال الضحاك :والجن ولد الجان وليسوا بشياطين، وقال الحسن :إنهم ولد إبليس وقيل هم أجسام عاقلة خفية تغلب عليهم النارية والهوائية، وقيل نوع من الأرواح المجردة وقيل هي النفوس البشرية المفارقة لأبدانها.
وقد اختلف أهل العلم في دخول مؤمني الجن الجنة كما تدخل عصاتهم النار لقوله في سورة تبارك ﴿ وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير ﴾ وقول الجن فيما سيأتي في هذه السورة ﴿ وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ﴾ وغير ذلك من الآيات، فقال الحسن :يدخلون الجنة وقال مجاهد :لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار والأول أولى لقوله في سورة الرحمن.
﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ﴾ وفي سورة الرحمن آيات غير هذه تدل على ذلك فراجعها، وقد قدمنا أن الحق أنه لم يرسل الله إليهم رسلا منهم بل الرسل جميعا من الإنس، وإن أشعر قوله ﴿ قد أرسلنا إليكم رسلا منكم ﴾ بخلاف هذا فهو مدفوع الظاهر بآيات كثيرة في الكتاب العزيز دالة على أن الله سبحانه لم يرسل الرسل إلا من بني آدم، وهذه الأبحاث الكلام فيها يطول، والمراد الإشارة بأخصر عبارة، قال ابن مسعود في الآية :كانوا من جن نصيبين.
وقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن ابن عباس " قال انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم، فقيل حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب، قالوا ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها لتعرفوا ما هذا الأمر الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له قالوا هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهناك رجعوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا ﴿ إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ﴾ فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن ﴾ وإنما أوحي إليه قول الحق.
﴿ فقالوا ﴾ لقومهم لما رجعوا إليهم ﴿ إنا سمعنا قرآنا ﴾ أي كلاما مقروءا ﴿ عجبا ﴾ في فصاحته وبلاغته وغزارة معانيه وغير ذلك، وقيل عجبا في مواعظه، وقيل في بركته، وعجبا مصدر وصف به للمبالغة أو على حذف المضاف أي ذا عجب أو المصدر بمعنى اسم الفاعل أي معجبا.
﴿ يهدي إلى الرشد ﴾ أي إلى مراشد الأمور، وهي الحق والصواب والإيمان، وقيل إلى معرفة الله والتوحيد، والجملة صفة أخرى للقرآن ﴿ فآمنا به ﴾ أي صدقنا بأنه من عند الله ﴿ ولن نشرك ﴾ بعد اليوم ﴿ ربنا أحدا ﴾ من خلقه ولا نتخذ معه إلها آخر لأنه المتفرد بالربوبية، وفيه دليل على أن أولئك النفر كانوا مشركين قيل كانوا يهودا وقيل كانوا نصارى وقيل مجوسا ومشركين.
وفي هذا توبيخ للكفار من بني آدم حيث آمنت الجن بسماع القرآن مرة واحدة وانتفعوا بسماع آيات يسيرة منه، وأدركوا بعقولهم أنه كلام الله وآمنوا به، ولم ينتفع كفار الإنس لاسيما رؤساؤهم وعظماؤهم بسماعه مرارا متعددة، وتلاوته عليهم في أوقات مختلفة، مع كون الرسول منهم يتلوه عليهم بلسانهم، لا جرم صرعهم الله أذل مصرع وقتلهم أقبح مقتل ولعذاب الآخرة أشد لو كانوا يعلمون.
﴿ وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ( ٣ ) وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ( ٤ ) وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا ( ٥ ) وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ( ٦ ) وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ( ٧ ) ﴾
﴿ وأنه تعالى جد ربنا ﴾ قرئ بفتح أن وكذا فيما بعدها وذلك أحد عشر موضعا إلى قوله ﴿ وأنه لما قام عبد الله ﴾ وقرئ بالكسر في هذه المواضع كلها إلا في قوله ﴿ وأن المساجد لله ﴾ فإنهم اتفقوا على الفتح، أما من قرأ بالفتح في هذه المواضع فعلى العطف على محل الجار والمجرور في ﴿ فآمنا به ﴾ كأنه قيل فصدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا الخ.
وأما من قرأ بالكسر في هذه المواضع فعلى العطف على ﴿ إنا سمعنا ﴾ أي ﴿ فقالوا إنا سمعنا قرآنا ﴾ وقالوا ﴿ إنه تعالى جد ربنا ﴾ الخ :واختار أبو حاتم وأبو عبيدة قراءة الكسر لأنه كله من كلام الجن. ومما هو محكي عنهم بقوله ﴿ فقالوا إنا سمعنا ﴾
وقرئ بالفتح في ثلاثة مواضع وهي ﴿ وأنه تعالى جد ربنا، وأنه كان يقول سفيهنا، وأنه كان رجال من الإنس ﴾ لأنه من الوحي وكسر ما بقي لأنه من كلام الجن، وقرأ الجمهور ﴿ وأنه لما قام عبد الله ﴾ بالفتح لأنه معطوف على قوله أنه استمع. وقرئ بالكسر في هذا الموضع عطفا على ﴿ فآمنا به ﴾ بذلك التقدير السابق.
واتفقوا على الفتح في ﴿ أنه استمع ﴾ كما اتفقوا على الفتح في ﴿ أن المساجد ﴾ وفي ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ واتفقوا على الكسر في ﴿ فقالوا إنا سمعنا ﴾ وقال إنما أدعو ربي وقل إن أدري وقل إني لا أملك لكم.
والجد عن أهل اللغة العظمة والجلال، يقال جد في عيني أي أعظم، فالمعنى ارتفع عظمة ربنا وجلاله، وبه قال عكرمة ومجاهد وقال الحسن :المراد تعالى غناؤه ومنه قيل للحظ جد ورجل مجدود أي محفوظ، وفي الحديث " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " قال أبو عبيد والخليل أنه لا ينفع ذا الغنى منك الغنى، أي وإنما ينفعه الطاعة، وقال القرطبي والضحاك :جده آلاؤه وعظمته وأمره وقدرته، وقال أبو عبيدة والأخفش :ملكه وسلطانه وقال السدي :أمره وقال سعيد بن جبير.
﴿ وأنه تعالى جد ربنا ﴾ أي تعالى ربنا وقيل جده قدرته، وقال محمد بن علي بن الحسن وابنه جعفر الصادق والربيع بن أنس :ليس لله جد، وإنما قالته الجن للجهالة، والجد أيضا أبو الأب قرأ الجمهور جد بفتح الجيم وقرئ بكسرها وهو ضد الهزل. وقرئ جدي ربنا أي جدواه ومنفعته وقرئ بتنوين جد رفع ربنا على أنه بدل من جد.
﴿ ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ﴾ هذا بيان لتعالى جده سبحانه قال الزجاج :تعالى جلال ربنا وعظمته عن أن يتخذ صاحبة أو ولدا لأن الصاحبة تتخذ للحاجة والولد للاسئناس به، والله تعالى منزه عن كل نقص، وكأن الجن نبهوا بهذا على خطأ الكفار الذين ينسبون إلى الله الصاحبة والولد، ونزهوا الله سبحانه عنهما.
﴿ وأنه كان يقول سفيهنا ﴾ أي جاهلنا ﴿ على الله شططا ﴾ أي غلوا في الكذب بوصفه بالصاحبة والولد، والضمير في " أنه " للحديث أو الأمر وسفيهنا يجوز أن يكون اسم كان ويقول الخبر، ويجوز أن يكون سفيهنا فاعل يقول، والجملة خبر كان واسمها ضمير يرجع إلى الحديث أو الأمر، ويجوز أن تكون كان زائدة، ومرادهم بسفيههم عصاتهم ومشركوهم.
وقال مجاهد وابن جريج وقتادة :أرادوا به إبليس، عن أبي موسى الأشعري مرفوعا " قال إبليس "، أخرجه ابن مردويه والديلمي قال السيوطي بسند واه، والشطط الغلو في الكفر، وقال أبو مالك الجور وقال الكلبي الكذب، وأصله البعد عن القصد ومجاوزة الحد.
﴿ وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا ﴾ أي إنا حسبنا أن الإنس والجن كانوا لا يكذبون على الله بأن له شركاء وصاحبة وولدا، فلذلك صدقناهم في ذلك حتى سمعنا القرآن فعلمنا بطلان قولهم، وبطلان ما كنا نظنه بهم من الصدق، وانتصاب كذبا على أنه مصدر مؤكد ليقول، لأن الكذب نوع من القول أو صفة لمصدر محذوف أي قولا كذبا، وقرئ أن لن تقول من التقول فعلى هذا كذبا مفعول به.
﴿ وأنه كان رجال ﴾ في الجاهلية ﴿ من الإنس يعوذون ﴾ أي يستعيذون ﴿ برجال من الجن ﴾ حين ينزلون في سفرهم بمخوف، قال الحسن وابن زيد وغيرهما :كان العرب إذا نزل الرجل بواد قال أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في جواره حتى يصبح، فنزلت هذه الآية، قال مقاتل :كان أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن ثم من بني حنيفة ثم فشا ذلك في العرب، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم.
وعن عكرمة بن أبي السائب الأنصاري " قال خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم فوثب الراعي فقال يا عامر الوادي أنا جارك، فنادى مناد يا سرحان أرسله فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم، وأنزل الله على رسوله بمكة ﴿ وأنه كان رجال ﴾ الآية وذكر ابن الجوزي في تفسيره بغير سند ( ١ ).
﴿ فزادوهم ﴾ أي زاد رجال الجن من يعوذ بهم من رجال الإنس، أو زاد المستعيذون من رجال الإنس من استعاذوا بهم من رجال الجن ﴿ رهقا ﴾ لأن المستعاذ بهم كانوا يقولون سدنا الجن والإنس، وبالأول قال مجاهد وقتادة وبالثاني قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد.
والرهق في كلام العرب الإثم وغشيان المحارم، ورجل رهق إذا كان كذلك، ومنه قوله ﴿ ترهقهم ذلة ﴾ أي تغشاهم وقيل الرهق الخوف أي أن الجن زادت الإنس بهذا التعوذ بهم خوفا منهم، وقيل كان الرجل من الإنس يقول أعوذ بفلان من سادات العرب من جن هذا الوادي.
ويؤيد هذا ما قيل من أن لفظ رجال لا يطلق على الجن فيكون قوله برجال وصفا لمن يستعيذون به من رجال الإنس أي يعوذون بهم من شر الجن، وهذا فيه بعد، وإطلاق لفظ رجال على الجن على تسليم عدم صحته لغة لا مانع من إطلاقه عليهم هنا من باب المشاكلة، قال ابن عباس :كان القوم في الجاهلية إذا نزلوا بالوادي قالوا نعوذ بسيد هذا الوادي من شر ما فيه، فلا يكون شيء أشد ولعا منهم بهم، فذلك قوله : ﴿ فزادهم رهقا ﴾.
١ ذكر هذا الحديث ابن كثير في التفسير من رواية ابن أبي حاتم، وفي سنده عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي، وهو ضعيف، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٧/١٢٩ وقال: رواه الطبراني، وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي، وهو ضعيف، قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة" في ترجمة "كردم بن أبي السائب" بعدما ساق حديثه هذا من رواية العقيلي من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن أبيه عن كردم بن أبي السائب: وأخرجه ابن مردويه في "التفسير" من هذا الوجه، وأخرج لها شاهدا من حديث معاوية بن قرة عن أبيه. وأورده السيوطي في "الدر" ٦/٢٧١ وزاد نسبته لابن المنذر، وأبي الشيخ في "العظمة" وبأن عساكر عن كدرم بن أبي السائب الأنصاري رضي الله عنه. قال ابن كثير: وروي عن عبيد بن عمير، ومجاهد، وأبي العالية، والحسن، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي نحوه، ثم قال: وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحمل وهو ولد الشاة، كان جنّيا حتى يرهب الإنسي ويخاف منه، ثم ردّه عليه لما استجار به ليضله ويخرجه عن دينه، والله أعلم. ا هـ..
﴿ وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ﴾ أي وأن الجن ظنوا كما ظننتم أيها الناس أنه لا بعث بعد الموت، فتكون هذه الآية وما قبلها من جملة الكلام الموحى به، وقيل المعنى :وأن الإنس ظنوا كما ظننتم أيها الجن. على أنه كلام بعض الجن لبعض، والمعنى أنهم لا يؤمنون بالبعث كما أنكم لا تؤمنون به. وهذان القولان من كلام الله تعالى معترضان في خلال كلام الجن المحكي عنهم عند بعض المفسرين. وعند بعضهم هما من جملة كلام الجن، وعليه فلا اعتراض في الكلام، تأمل.
﴿ وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ( ٨ ) وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ( ٩ ) وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ( ١٠ ) وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا ( ١١ ) وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا ( ١٢ ) وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا ( ١٣ ) وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ( ١٤ ) ﴾
﴿ وأنا لمسنا السماء ﴾ هذا من قول الجن أيضا أي طلبنا خبرها كما جرت به عادتنا، واللمس المس فاستعير للطلب لأن الماس طالب متعرف ﴿ فوجدناها ملئت حرسا شديدا ﴾ أي جمعا أقوياء من الملائكة يحرسونها عن استراق السمع، والحرس جمع حارس وهو الرقيب، والمصدر الحراسة، وقيل اسم مفرد في معنى الحراس كالخدم في معنى الخدام، ولذا وصف بشديد، ولو نظر إلى معناه لقيل شدادا، وشهبا جمع شهاب وهو الشعلة المقتبسة من نار الكوكب. كما تقدم بيناه في تفسير قوله : ﴿ وجعلناها رجوما للشياطين ﴾.
﴿ وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ﴾ أي وإنا كنا معشر الجن قبل هذا نقعد من السماء مواضع نقعد في مثلها لاستماع الأخبار من السماء ؛ وللسمع متعلق بنقعد أي لأجل السمع أو بمضمر هو صفة لمقاعد أي مقاعد كائنة للسمع، والمقاعد جمع مقعد اسم مكان وذلك أن مردة الجن كانوا يفعلون ذلك ليسمعوا من الملائكة أخبار السماء فيلقونها إلى الكهنة، فحرسها الله سبحانه ببعثة رسوله صلى الله عليه وسلم بالشهب المحرقة.
عن ابن عباس قال :" كانت الشياطين لهم مقاعد في السماء يسمعون فيها الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا فأما الكلمة فتكون حقا. وأما ما زادوا فيكون باطلا فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك فقال لهم ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يصلي بين جبلين بمكة، فأتوه فأخبروه فقال هذا الحدث الذي حدث في الأرض " أخرجه أحمد والترمذي وصححه النسائي وغيرهم.
﴿ فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ﴾ أي أرصد له ليرمي به أو لأجله لمنعه من الاستماع، قوله ﴿ الآن ﴾ هو ظرف للحال واستعير هنا للاستقبال لأنهم لا يردون به وقت قولهم فقط، وانتصاب رصدا على أنه صفة لشهابا أو مفعول له وهو مفرد، ويجوز أن يكون اسم جمع كالحرس.
وقد اختلف أهل العلم هل كانت الشياطين ترمى بالشهب وتقذف قبل المبعث أم لا ؟ فقال قوم لم يكن ذلك وحكى الواحدي عن معمر قال قلت للزهري ؟ أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية ؟ قال نعم قلت أفرأيت قوله ﴿ وأنا كنا نقعد منها ﴾ الآية ؟ قال غلظ وشدد أمرها حين بعث محمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن قتيبة :إن الرجم قد كان قبل مبعثه ولكنه لم يكن مثله في شدة الحراسة بعد مبعثه، وكانوا يسترقون السمع في بعض الأحوال، فلما بعث منعوا من ذلك أصلا.
وقال عبد الملك بن سابور :ولم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام :فلما بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم حرست السماء ورميت الشياطين بالشهب، ومنعت من الدنو إلى السماء، وقال نافع بن جبير :كانت الشياطين في الفترة تسمع فلا ترمى، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله رميت بالشهب، قال الزمخشري :والصحيح أنه كان قبل البعث، فلما بعث صلى الله عليه وسلم كثر الرجم وازداد زيادة ظاهرة حتى تنبه لها الإنس والجن ومنع الاستراق أصلا ؛ وقد تقدم البحث عن هذا.
﴿ وإنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض ﴾ بسبب هذه الحراسة للسماء. وارتفاع الشر على الاشتغال أو على الابتداء وخبره ما بعده. والأول أولى لتقدم طالب الفعل على الاشتغال أو على الابتداء وخبره ما بعده. والأول ﴿ أم أراد بهم ربهم رشدا ﴾ أي خيرا. قال ابن زيد قال إبليس لا ندري أأراد الله بهذا المنع أن ينزل على أهل الأرض عذابا أو يرسل إليهم رسولا ؟ والجملة سادة مسد مفعولي ندري، والأولى أن هذا من قول الجن فيما بينهم، وليس من قول إبليس كما قال ابن زيد.
﴿ وأنا منا الصالحون ﴾ أي قال بعض لبعض لما دعوا أصحابهم إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وإنا كنا قبل استماع القرآن منا الموصوفون بالصلاح ﴿ ومنا دون ذلك ﴾ أي قوم دون الموصوفين بالصلاح، وقيل أراد بأهل الصلاح المؤمنين وبمن هم دون ذلك الكافرين، والأول أولى، وقال ابن عباس يقول منا المسلم ومنا المشرك.
﴿ كنا طرائق قددا ﴾ أي جماعات متفرقة وفرقا شتى، وأصنافا مختلفة وذوي مذاهب متفاوتة، والقدة القطعة من الشيء وصار القوم قددا إذا تفرقت أحوالهم، واستعمال القدد في الفرق مجاز، والمعنى كنا ذوي طرائق قددا أو كانت طرائقنا طرقا قددا أو كنا مثل طرائق قددا أو كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة :وقال السدي والضحاك :أديانا مختلفة، وقال قتادة :أهواء متباينة، وقال ابن عباس :أهواء شتى. وقال سعيد بن المسيب :كانوا مسلمين ويهودا ونصارى ومجوسا، وكذا قال مجاهد :قال الحسن :الجن أمثالكم قدرية ومرجئة وخوارج ورافضة وشيعة وسنية وكذا قال السدي.
﴿ وأنا ظننا ﴾ الظن هنا بمعنى العلم واليقين أي وأنا علمنا وتيقنا بالتفكر والاستدلال في آيات الله ﴿ أن لن نعجز الله في الأرض ﴾ أينما كنا فيها ولن نفوته بهرب ولا غيره إن أراد بنا أمرا ﴿ ولن نعجزه هربا ﴾ مصدر في موضع الحال أي ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء. وهذه صفة الجن وما هم عليه من أحوالهم وعقائدهم.
﴿ وأنا لما سمعنا الهدى ﴾ يعنون القرآن ﴿ آمنا به ﴾ وصدقنا أنه من عند الله ولم نكذب به كما كذبت به كفرة الإنس ﴿ فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا ﴾ أي لا يخاف نقصا في عمله وثوابه ولا ظلما ومكروها يغشاه، والبخس النقصان، والرهق العدوان والطغيان، والمعنى لا يخاف أن ينقص من حسناته ولا أن يزاد في سيئاته، وقد تقدم تحقيق الرهق قريبا، قرأ الجمهور بخسا بسكون الخاء، وقرئ بفتحها وقرئ فلا يخف جزما على جواب الشرط، ولا وجه لهذا بعد دخول الفاء والتقدير فهو لا يخاف، والأمر ظاهر، وفي الآية دليل على أن العمل ليس من الإيمان، قاله النسفي.
﴿ وأنا منا المسلمون ﴾ وهم الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ومنا القاسطون ﴾ أي الجائرون الكافرون الظالمون الذين حادوا عن طريق الحق. ومالوا إلى طريق الباطل، يقال قسط إذا جار وأقسط إذا عدل ( ١ ) قال ابن عباس القاسطون العادلون عن الحق. وعن سعيد بن جبير أن الحجاج قال له حين أراد قتله ما تقول فيّ قال قاسط عادل فقال القوم ما أحسن ما قال، حسبوا أنه يصفه بالقسط والعدل فقال الحجاج يا جهلة إنه سماني ظالما مشركا، وتلا لهم قوله تعالى ﴿ وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ﴾ وقوله ﴿ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ ذكره الخطيب.
﴿ فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ﴾ أي قصدوا طريق الحق وتوخوه باجتهاد، ومنه التحري في الشيء، قال الراغب :حرى الشيء يحريه أي قصد حراه أي جانبه وتحراه كذلك. وقال الفراء :أموا الهدى قال النسفي :تحرى طلب الأحرى. أي الأولى وفيه دليل على أن الجن يثاب بالجنة.
١ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في "صحيحه" عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن المقسطين عند الله على منابر من نور"..
﴿ أما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ( ١٥ ) ﴾
﴿ وأما القاسطون فكانوا ﴾ في علم الله ﴿ لجهنم حطبا ﴾ أي وقودا للنار يوقد بهم كما يوقد بكفرة الإنس، وفيه دليل على أن الجني الكافر يعذب في النار، وأنهم وإن خلقوا منها لكنهم تغيروا عن تلك الكيفية فصاروا لحما ودما هكذا قيل، وأيضا النار قويها قد يأكل ضعيفها فيكون الضعيف حطبا للقوي.
﴿ وأن لو استقاموا على الطريقة ﴾ قرأ الجمهور بكسر الواو من " لو " لالتقاء الساكنين وقرئ بضمها تشبيها بواو الضمير، وهذا ليس من قول الجن بل هو معطوف على أنه استمع نفر من الجن، والمعنى وأوحي إلى أن الشأن لو استقام الجن والإنس، أو كلاهما على الطريقة وهي طريقة الإسلام.
وقد قدمنا أن القراء اتفقوا على فتح " أن " ههنا. قال ابن الأنباري والفتح ههنا على إضمار يمين تأويلها، والله أن لو استقاموا على الطريقة كما يقال في الكلام :ولله لو قمت قمت، قال أو على ( أوحي إليّ أنه استمع ) ( وأن لو استقاموا } أو على ( آمنا به ) أي آمنا به وبأن لو استقاموا، وعلى هذا يكون جميع ما تقدم معترضا بين المعطوف والمعطوف عليه، قال ابن عباس :لو أقاموا على ما أمروا به.
﴿ لأسقيناهم ماء غدقا ﴾ وليس المراد خصوص السقيا بل المراد لوسعنا عليهم في الدنيا وبسطنا لهم في الرزق، وقال ابن عباس :معينا، وقال مقاتل :ماء كثيرا من السماء، وذلك بعد ما رفع عنهم المطر سبع سنين، وقال ابن قتيبة :المعنى لو آمنوا جميعا لوسعنا عليهم في الدنيا، وضرب الماء الغدق مثلا لأن الخير والرزق كله بالمطر، وهذا كقوله :
﴿ ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا ﴾ الآية وقوله ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ وقوله ﴿ استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ﴾ الآية.
وقيل المعنى وأن استقام أبوهم على عبادته وسجد لآدم ولم يكفر. وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم، واختار هذا الزجاج، والماء الغدق هو الكثير في لغة العرب، قرأ العامة غدقا بفتحتين وقرئ بفتح الغين وكسر الدال، وهما لغتان في الماء الغزير، ومنه الغيداق للماء الكثير وللرجل الكثير العدو، والكثير النطق ويقال غدقت عينه تغدق أي هطل دمعها، وفي المصباح غدقت العين غدقا من باب تعب كثر ماؤها فهي غدقة وأغدقت إغداقا كذلك.
﴿ لنفتنهم فيه ﴾ أي لنختبرهم فنعلم كيف شكرهم على تلك النعم علم ظهور للخلائق وإلا فهو تعالى لا يخفى عليه شيء، وقال الكلبي المعنى وأن لو استقاموا على الطريقة التي هم عليها من الكفر فكانوا كلهم كفارا لأوسعنا أرزاقهم مكرا بهم واستدراجا حتى يفتنوا بها فنعذبهم في الدنيا والآخرة، وبه قال الربيع بن أنس وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن والثمالي ويمان بن ريان وابن كيسان وأبو مجلز، واستدلوا بقوله.
﴿ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ وقوله ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ﴾ الآية والأول أولى، وقال عمر :في الآية حيثما كان الماء كان المال وحيثما كان المال كانت الفتنة، وقال ابن عباس :لنبتليهم به.
﴿ ومن يعرض عن ذكر ربه ﴾ أي ومن يعرض عن القرآن أو عن العبادة أو عن الموعظة أو عن التوحيد أو عن جميع ذلك ﴿ يسلكه ﴾ أي يدخله ﴿ عذابا صعدا ﴾ أي شاقا، قرأ الجمهور نسلكه بالنون مفتوحة من سلكه، وقرئ بالياء التحتية، واختار هذه القراءة أو عبيد وأبو حاتم لقوله ( عن ذكر ربه ) ولم يقل عن ذكرنا، وقرئ بضم النون وكسر اللام من أسلكه، والصعد في اللغة المشقة تقول تصعد بي الأمر إذا شق عليك، وهو مصدر صعد يقال صعد صعدا وصعودا فوصف به العذاب مبالغة لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغمره ويغلبه فلا يطيقه.
قال أبو عبيدة :الصعد مصدر أي عذابا ذا صعد، وقال عكرمة :الصعد هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها فإذا انتهى إلى أعلاها حدر إلى جهنم كما في قوله ﴿ سأرهقه صعودا ﴾ والصعود العقبة الكؤود، وقال ابن عباس :عذابا صعدا شقة من العذاب يصعد فيها، وعنه قال جبلا في جهنم، وعنه قال لا راحة فيه.
﴿ وأن المساجد لله ﴾ أي وأوحي إليّ أن المساجد مختصة بالله، وقال الخليل التقدير ولأن المساجد، والمساجد المواضع التي بنيت للصلاة فيها، جمع مسجد بكسر الجيم وهو موضع السجود، قال سعيد بن جبير :قالت الجن كيف لنا أن نأتي المساجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناؤون فنزلت، وقال الحسن أراد بها كل البقاع لأن الأرض جعلت كلها مسجدا للنبي صلى الله عليه وسلم، وقال سعيد بن المسيب وطلق بن حبيب أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها العبد ( ١ )، وهي القدمان والركبتان واليدان والجبهة والأنف، وهو على هذا جمع مسجد بالفتح يقول هذه أعضاء أنعم الله بها عليك فلا تسجد بها لغيره فتجحد نعمة الله، وكذا قال عطاء وقيل المساجد هي الصلاة لأن السجود من جملة أركانها قاله الحسن، قال ابن عباس :لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام ومسجد إيليا ببيت المقدس، وقيل المراد بها البيوت التي تبنيها أهل الملل للعبادة، والقول بأنها البيوت المبنية للعبادة أظهر الأقوال إن شاء الله تعالى وهو مروي عن ابن عباس، وإضافة المساجد إلى الله إضافة تشريف وتكريم وقد تنسب إلى غيره تعريفا، قال صلى الله عليه وسلم " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " ( ٢ ) ذكره القرطبي.
﴿ فلا تدعوا ﴾ أي فلا تعبدوا ﴿ مع الله أحدا ﴾ من خلقه كائنا من كان، هذا توبيخ للمشركين في دعائهم مع الله غيره في المسجد الحرام، قال مجاهد كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيه والمؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا المساجد كلها، يقول فلا تشركوا فيها صنما أو غيره مما يعبد، وقيل المعنى أفردوا المساجد بذكر الله تعالى ولا تجعلوا لغير الله تعالى فيها نصيبا، وفي الصحيح " من نشد ضالة في المسجد فقولوا لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا ".
١ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة (وأشار بيده إلى أنفه)، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين"..
٢ صحيح الجامع /٢٧٣٣..
﴿ وأنه ﴾ أي وأوحي أليّ أن الشأن ﴿ لما قام عبد الله ﴾ وهو النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل نبي الله أو رسول الله لأنه من أحب الأسماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ولأنه لما كان واقعا في كلامه صلى الله عليه وسلم عن نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع ؛ أو لأن عبادة عبد الله المستفادة من قوله :
﴿ يدعوه ﴾ ليست بمستبعدة ؛ ثم كان وقوع هذا الأمر ببطن نخل على ما قاله المحلي ؛ وقال الحفناوي سياق هذه الآية إنما يظهر في المرة الثانية من مرّتي الجن وهي التي كانت بحجون مكة ؛ وكان معه فيها ابن مسعود وكان الجن اثني عشر ألفا أو أكثر، وأما المرة الأولى التي تقدم الكلام فيها التي كانت ببطن نخل فكانوا فيها تسعة أو سبعة ولا يظهر في حقهم أن يقال ﴿ كادوا يكونون عليه لبدا ﴾ كما لا يخفى فليتأمل ا ه.
ومعنى الآية أنه لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ويتلو القرآن كاد الجن أن يكونوا عليه صلى الله عليه وسلم متراكمين من ازدحامهم عليه لسماع القرآن منه ؛ قال الزجاج :ومعنى لبدا يركب بعضهم بعضا ؛ ومن هذا اشتقاق هذه اللبود التي تفرش. قرأ الجمهور لبدا بكسر اللام وفتح الباء وقرئ بضم اللام وفتح الباء وبضم الباء واللام وبضم اللام وتشديد الباء مفتوحة فعلى القراءة الأولى المعنى ما ذكرناه وعلى الثانية المعنى كثيرا كما في قوله.
﴿ أهلكت مالا لبدا ﴾ وقيل المعنى كاد المشركون يركب بعضهم بعضا حردا على النبي صلى الله عليه وسلم وقال الحسن وقتادة وابن زيد :لما قام عبد الله محمد بالدعوى تلبدت الجن والإنس على هذا الأمر ليطفئوه فأبى الله إلا أن ينصره ويتم نوره، واختار هذا ابن جرير.
قال مجاهد :لبدا أي جماعات وهو من تلبد الشيء أي اجتمع، ومنه اللبد الذي يفرش لتراكم صوفه وكل شيء ألصقته إلصاقا شديدا فقد لبدته، ويقال للشعر الذي على ظهر الأسد لبدة وجمعها لبد، ويقال للجراد الكثير لبد ويطلق اللبد بضم اللام وفتح الباء على الشيء الدائم، ومنه قيل لنسر لقمان لبد لطول بقائه.
وعن ابن مسعود قال :" خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة إلى نواحي مكة فخط لي خطا وقال لا تحدثن شيئا حتى آتيك ؛ ثم قال لا يهولنك شيء تراه ؛ فتقدم شيئا ثم جلس فإذا رجال سود كأنهم رجال الزط وكانوا كما قال الله تعالى ﴿ كادوا يكونون عليه لبدا ﴾ أخرجه ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل ".
وعن ابن عباس في الآية قال :" لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن كادوا يركبونه من الحرص لما سمعوه ودنوا منه فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول فجعل يقرئه ﴿ قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن ﴾ أخرجه ابن جرير وابن مردويه.
وعنه في الآية قال :" لما أتى الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده فعجبوا من طواعية أصحابه، فقالوا لقومهم لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا " أخرجه عبد بن حميد والحاكم والترمذي وصححاه وغيرهم ؛ وعنه قال لبدا أي أعوانا.
﴿ قل ﴾ يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجيبا للكفار ﴿ إنما أدعو ربي ﴾ وحده وأعبده ﴿ ولا أشرك به ﴾ في العبادة ﴿ أحدا ﴾ من خلقه، قرأ الجمهور " قال " وقرئ قل على الأمر، وهي سبعية، ففي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، وسبب نزولها أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إنك جئت بأمر عظيم وقد عاديت الناس كلهم فارجع عن هذا فنحن نجيرك.
﴿ قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ﴾ أي لا أقدر أن أدفع عنكم غيا ( ١ ) ولا أسوق إليكم خيرا لأن الضار والنافع هو الله سبحانه وقيل الضر الكفر والرشد الهدى، والأول أولى لوقع النكرتين في سياق النفي فهما يعمان كل ضرر وكل رشد في الدنيا والدين.
١ استعمال الضر في الغي من استعمال المسبب في السبب فهو مجاز مرسل ا هـ منه..
﴿ قل إني لن يجيرني من الله أحد ﴾ أي لا يدفع عني أحد عذابه إن أنزله بي كقول صالح ﴿ فمن ينصرني من الله إن عصيته ﴾ وهذا بيان لعجزه عن شؤون نفسه بعد بيان عجزه عن شؤون غيره ﴿ ولن أجد من دونه ملتحدا ﴾ أي ملجأ ومعدلا وحرزا ألجا إليه وأحترز به، والملتحد معناه في اللغة الممال أي موضعا أميل إليه، في القاموس ألحد إليه مال كالملتحد، والملتحد الملتجأ، وفي المصباح الملتحد بالفتح اسم الموضع وهو الملجأ ا ه قال قتادة :مولى، وقال السدي :حرزا، وقال الكلبي :مدخلا في الأرض مثل السرب، وقيل مذهبا ومسلكا، والمعنى متقارب.
﴿ إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا ( ٢٣ ) ﴾
والاستثناء في قوله ﴿ إلا بلاغا ﴾ هو من قوله لا أملك أي لا أملك ضرا ولا رشدا إلا التبليغ ﴿ من الله ﴾ فإن فيه أعظم الرشد أو من ملتحدا أي لن أجد من دونه ملجأ إلا التبليغ، وقال مقاتل :ذلك الذي يجيرني من عذابه، وقال قتادة :إلا بلاغا من الله فذلك الذي أملكه بتوفيق الله، فأما الكفر والإيمان فلا أملكهما، قال الفراء لكن أبلغكم ما أرسلت به فهو على هذا منقطع، وقال الزجاج هو منصوب على البدل من ملتحدا أي لن أجد من دونه ملتحدا إلا أن أبلغ ما يأتي من الله.
﴿ ورسالاته ﴾ معطوف على بلاغا إي إلا بلاغا من الله وإلا رسالاته التي أرسلني بها إليكم أو إلا أن أبلغ عن الله وأعمل برسالاته، فآخذ نفسي بما آمر به غيري، وقيل معطوف على الاسم الشريف أي إلا بلاغا عن الله وعن رسالاته كذا قال أبو حيان ورجحه واستظهره الكرخي.
﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ في الأمر بالتوحيد ولم يؤمن لأن السياق فيه ﴿ فإن له نار جهنم ﴾ قرأ الجمهور بكسر " إن " على أنها جملة مستأنفة مستقلة، وقرئ بفتحها لأن ما بعد فاء الجزاء موضع ابتداء، وأن مع في حيزها خبر لمبتدأ مضمر، والتقدير فجزاؤه أو فحكمه أن له نار جهنم.
﴿ خالدين فيها ﴾ أي يدخلون في النار أو في جهنم مقدرا خلودهم والجمع باعتبار معنى " من " كما أن التوحيد في قوله فإن له باعتبار لفظه ﴿ أبدا ﴾ تأكيد لمعنى الخلود أي خالدين فيها بلا نهاية.
﴿ حتى إذا رأوا ما يوعدون ﴾ من العذاب في الدنيا أو في الآخرة، والمعنى لا يزالون على ما هو عليه من الإصرار على الكفر وعداوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين إلى أن يروا الذي يوعدون به من العذاب، وحتى ابتدائية فيها معنى الغاية لمقدر قبلها يدل عليه الحال وهي قوله ﴿ خالدين ﴾ فإن الخلود في النار يستلزم استمرارهم على كفرهم وعدم انقطاعه بالإيمان إذ لو آمنوا لم يخلدوا في النار، ولو جعلت لمجرد الابتداء من غير ملاحظة معنى الغاية كما أشار إليه القرطبي لكان أسهل وأوضح فتكون جملة مستقلة بالاستفادة.
﴿ فسيعلمون ﴾ عند حلوله بهم يوم بدر أو يوم القيامة ﴿ من أضعف ناصرا ﴾ " من " موصولة أي هو أضعف جندا ينتصر به أو استفهامية، والأول أولى ﴿ وأقل عددا ﴾ أي أعوانا أهم أم المؤمنون قال الخطيب أي أنا وإن كنت في هذا الوقت وحيدا مستضعفا وأقل عددا، أو هم وإن كانوا الآن بحيث لا يحصيهم عددا إلا الله تعالى.
فيا الله ما أعظم كلام الرسل حيث يستضعفون أنفسهم ويذكرون قوتهم من جهة مولاهم الذي بيده الملك وله جنود السماوات والأرض بخلاف الجبابرة فإنهم لا كلام لهم إلا في تعظيم أنفسهم، وازدراء غيرهم، والظاهر أن " إذا " شرطية وأن قوله ( فسيعلمون ) جوابها لكن يشكل عليه الاستقبال المفاد بالسين وذلك لأن وقت رؤية العذاب يحصل علم الضعيف من القوي، والسين تقتضي أنه يتأخر عنه، فليتأمل هذا المحل فإنه لم ينبه عليه أحد من المفسرين، ولا يتلخص منه إلا بجعل السين لمجرد التأكيد لا للاستقبال وله نظائر كثيرة، قاله الحفناوي.
﴿ قل إن ﴾ أي ما ﴿ أدري أقريب ﴾ حصول ﴿ ما توعدون ﴾ من العذاب أو يوم القيامة أي فيكون واقعا الآن أو قريبا من هذا الأوان بحيث يتوقع عن قريب ﴿ أم يجعل له ربي أمدا ﴾ أي غاية ومدة فلا يتوقع دون ذلك الأمد، أمره الله سبحانه أن يقول لهم هذا القول لما قالوا له متى يكون هذا الذي توعدنا به، ولا يقال إنه صلى الله عليه وسلم قال " بعثت أنا والساعة كهاتين " ( ١ ) فكان عالما بقرب وقوع القيامة، فكيف قال ههنا لا أدري أقريب الخ لأن المراد بقرب وقوعه الذي علمه هو أن ما بقي من الدنيا أقل مما انقضى، فهذا القدر من القرب معلوم، وأما معرفة مقدرا القرب فغير معلوم لا يعلمه إلا الله، وهو على كل حال متوقع لا كلام فيه، وإنما الكلام في تعيين وقته وليس إليه صلى الله عليه وآله وسلم، قال عطاء :يريد أنه لا يعرف يوم القيامة إلا الله سبحانه وحده، والمعنى أن علم وقت العذاب علم غيب لا يعلمه إلا الله ( ٢ ).
١ قال ابن كثير: وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الحديث الذي يتداوله كثير من الجهلة من أنه عليه الصلاة والسلام لا يؤلّف تحت الأرض، كذب لا أصل له، ولم نره في شيء من الكتب، وقد كان صلى الله عليه وسلم يسأل عن وقت الساعة، فلا يجيب عنها، ولما تبدّى له جبريل في صورة أعرابي، كان فيما سأله أن قال: يا محمد: فأخبرني عن الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" وما ناداه ذلك الأعرابي بصوت جهوري فقال: يا محمد متى الساعة؟ قال: "ويحك إنها كائنة فما أعددت لها؟" قال: أما إني لم أعدّ لها كثير صلاة ولا صيام. ولكني أحب الله ورسوله، قال:" فأنت مع من أحببت" قال أنس: فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث..
٢ زاد المسير ٨/٣٨٥..
﴿ عالم الغيب ﴾ قرأ الجمهور بالرفع على أنه بدل من ربي أو بيان له أو خبر مبتدأ محذوف، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها من عدم الدراية، وقرئ بالنصب على المدح، وقرأ السري ( علم الغيب ) بصيغة الماضي ونصب الغيب والفاء في قوله :
﴿ فلا يظهر على غيبه أحدا ﴾ لترتيب عدم الإظهار على تفرده سبحانه بعلم الغيب أي لا يطلع على الغيب الذي يعلمه وهو ما غاب عن العباد أحدا منهم.
ثم استثنى فقال ﴿ إلا من ارتضى من رسول ﴾ أي إلا من اصطفاه من الرسل أو من ارتضاه منهم لإظهاره على بعض غيبه ليكون ذلك دالا على نبوته.
قال القرطبي قال العلماء لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضى من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم وجعله معجزة لهم، ودلالة على نبوتهم.
وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى، وينظر في الكفّ ويزجر بالطير، ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه، فهو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه، وقال سعيد بن جبير ﴿ إلا من ارتضى من رسول ﴾ هو جبريل وفيه بعد، وقيل المراد أنه يطلعه على بعض غيبه وهو ما يتعلق برسالته كالمعجزة وأحكام التكاليف وجزاء الأعمال وما يبينه من أحوال الآخرة لا ما لا يتعلق برسالته من الغيوب كوقت قيام الساعة ونحوه.
قال الواحدي :وفي هذا دليل على أن من ادعى أن النجوم تدله على ما يكون من حادث فقد كفر بما في القرآن، قال في الكشاف :وفي هذا إبطال للكرامات لأن الذين تضاف إليهم الكرامات وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل، وقد خص الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب، وفيه أيضا إبطال للكهانة والسحر والتنجيم لأن أصحابها أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط.
قال الرازي وعندي أن الآية لا دلالة فيها على شيء مما قالوه إذ لا صيغة عموم في غيبه فيحمل على غيب واحد، وهو وقت القيامة لأنه واقع بعد قوله ( أقريب ما توعدون ) الآية.
فإن قيل فما معنى الاستثناء حينئذ، قلنا لعله إذا قربت القيامة يظهره وكيف لا وقد قال ﴿ يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا ﴾ فتعلم الملائكة حينئذ قيام الساعة، أو هو استثناء منقطع أي من ارتضاه من رسول يجعل من بين يديه ومن خلفه حفظة يحفظونه من شر مردة الجن والإنس، ويدل على أنه ليس المراد أنه لا يطلع أحدا على شيء من المغيبات إلا الرسل أنه ثبت كما يقارب التواتر أن شقا وسطيحا كانا كاهنين وقد عرفا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم قبل ظهوره، وكانا مشهورين بهذا العلم عند العرب حتى رجع إليهما كسرى، فثبت أن الله قد يطلع غير الرسل على شيء من المغيبات.
وأيضا أطبق أهل الملل على أن معبر الرؤيا يخبر عن أمور مستقبلة ويكون صادقا فيها، وأيضا قد نقل السلطان سنجر بن ملك شاه كاهنة من بغداد إلى خراسان وسألها عن أمور مستقبلة فأخبرته بها فوقعت على وفق كلامها، قال وأخبرني ناس محققون في علم الكلام والحكمة أنها أخبرت عن أمور غائبة بالتفصيل فكانت على وفق خبرها، وبالغ أبو البركات في كتاب المعتبر في شرح حالها، وقال فحصت عن حالها ثلاثين سنة فتحققت أنها كانت تخبر عن المغيبات إخبارا مطابقا، وأيضا فإنا نشاهد ذلك في أصحاب الإلهامات الصادقة، وقد يوجد ذلك في السحرة أيضا، وقد نرى الأحكام النجومية مطابقة وإن كانت قد تتخلف، فلو قلنا إن القرآن يدل على خلاف هذه الأمور المحسوسة لتطرق الطعن إلى القرآن فيكون التأويل ما ذكرنا انتهى كلامه بمعناه.
قال محمد بن علي الشوكاني :أما قوله :إذ لا صيغة عموم في غيبه، فباطل فإن إضافة المصدر واسم الجنس من صيغ العموم كما صرح به أئمة الأصول وغيرهم، وأما قوله :أو هو استثناء منقطع، فمجرد دعوى يأباه النظم القرآني، وأما قوله :إن شقا وسطيحا الخ فقد كانا في زمن تسترق فيه الشياطين السمع ويلقون ما يسمعونه إلى الكهان فيخلطون الصدق بالكذب، كما ثبت في الحديث الصحيح، وفي قوله ﴿ إلا من خطف الخطفة ﴾ ونحوها من الآيات، فباب الكهانة قد ورد بيانه في هذه الشريعة وإنه كان طريقا لبعض الغيب بواسطة استراق الشياطين حتى منعوا ذلك بالبعثة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام والتحية، وقالوا ﴿ وأنّا لمسنا المساء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا* وأنّا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ﴾ فباب الكهانة في الوقت الذي كانت فيه مخصوص بأدلته، فهو من جملة ما يخصص به هذا العموم، فلا يرد ما زعمه من إيراد الكهانة على هذه الآية.
وأما حديث المرأة الذي أورده فحديث خرافة، ولو سلم وقوع شيء مما حكاه عنها من الأخبار لكان من باب ما ورد في الحديث " إن في هذه الأمة محدثين وإن منهم عمر " فيكون كالتخصيص لعموم هذه الآية لا نقضا، وأما ما اجترأ به على الله وعلى كتابه من قوله في آخر كلامه :فلو قلنا إن القرآن يدل على خلاف هذه الأمور المحسوسة لتطرق الطعن إلى القرآن، فيقال له ما هذه بأول زلة من زلاتك وسقطة من سقطاتك، وكم لها لديك من أشباه وأمثال نبض بها عرق فلسفتك، وركض بها الشيطان الذي صار يتخبطك في مباحث تفسيرك، يا عجبا لك أيكون ما بلغك من خبر هذه المرأة ونحوه موجبا لتطرق الطعن إلى القرآن، وما أحسن ما قاله بعض أدباء عصرنا.
وإذا رامت الذبابة للشم س غطاء مدت عليها جناحا
وقلت من أبيات منها :
مهب رياح سده بنجاح وقابل بالمصباح ضوء صباح
فإن قلت :إذا قد تقرر بهذا الدليل القرآني أن الله يظهر من ارتضى من رسله على ما شاء من غيبه فهل للرسول الذي أظهره الله على ما شاء من غيبه أن يخبر بعض أمته.
قلت نعم، ولا مانع من ذلك، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا ما لا يخفى على عارف بالسنة المطهرة، فمن ذلك ما صح أنه قام مقاما أخبر فيه بما سيكون إلى يوم القيامة، وما ترك شيئا مما يتعلق بالفتن ونحوها، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه، وكذلك ما ثبت من أن حذيفة ابن اليمان كان قد أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحدث من الفتن بعده حتى سأله عن ذلك أكابر الصحابة ورجعوا إليه.
وثبت في الصحيح وغيره أن عمر بن الخطاب سأله عن الفتنة التي تموج كموج البحر فقال إن بينك وبينها بابا فقال عمر هل يفتح أو يكسر ؟ فقال بل يكسر، فعلم عمر أنه الباب وأن كسره قتله كما في الحديث الصحيح المعروف أنه قيل لحذيفة هل كان عمر يعلم ذلك ؟ فقال نعم كما يعلم أن دون غد الليلة.
وكذلك ما ثبت من إخباره لأبي ذر بما حدث له وإخباره لعلي بن أبي طالب بخبر ذي الثدية ونحو هذا مما يكثر تعداده، ولو جمع لجاء منه مصنف مستقل.
وإذا تقرر هذا فلا مانع من أن يختص بعض صلحاء هذه الأمة بشيء من أخبار الغيب التي أظهرها الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وأظهرها رسوله لبعض أمته وأظهرها هذا البعض من الأمة لمن بعدهم، فتكون كرامات الصالحين من هذا القبيل، والكل من الفيض الرباني بواسطة الجناب النبوي ا ه كلامه رحمة الله تعالى عليه.
قال ابن عباس " في الآية أعلم الله رسوله من الغيب الوحي وأظهر عليه مما أوحى إليهم من غيبه وما يحكم الله فإنه لا يعلم ذلك غيره " أخرجه ابن المنذر وابن مردويه.
ثم ذكر سبحانه أنه يحفظ ذلك الغيب الذي يطلع عليه الرسول فقال : ﴿ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ﴾ والجملة تقرير للإظهار المستفاد من الاستثناء والمعنى أنه يجعل سبحانه بين يدي الرسول ومن خلفه حرسا من الملائكة يحرسونه من تعرض الشياطين لما أظهره عليه من الغيب، أو يجعل بين يدي الوحي وخلفه حرسا من الملائكة يحوطونه من أن يسترقه الشياطين فتلقيه إلى الكهنة والمراد من جميع الجوانب، قال الضحاك :ما بعث الله نبيا إلا ومعه ملائكة يحفظونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك، فإذا جاءه شيطان في صورة الملك قالوا هذا شيطان فاحذره، وإن جاءه الملك قالوا هذا رسول ربك.
قال ابن زيد :رصدا أي حفظة يحفظون النبي صلى الله عليه وسلم من أمامه وورائه من الجن والشياطين، قال قتادة، وسعيد بن المسيب :هم أربعة من الملائكة حفظة، وقال الفراء :المراد جبريل قال في الصحاح :الرصد القوم يرصدون كالحرس يستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث والمذكر والراصد الشيء الراقب له، يقال رَصَدَه يَرْصُدُه رَصْدا ورَصَدا والترصد الترقب والمرصد موضع الرصد.
قال ابن عباس في قوله ( رصدا ) هي معقبات من الملائكة يحفظون رسول الله من الشياطين حتى يبين الذي أرسل إليهم به، وذلك حتى يقول أهل الشرك قد أبلغوا رسالات ربهم وعنه قال ما أنزل الله على نبيه آية من القرآن إلا ومعها أربعة من الملائكة يحفظونها حتى يؤدوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قرأ الآية.
﴿ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ﴾ اللام متعلقة بيسلك والمراد به العلم المتعلق بالإبلاغ الموجود بالفعل وأن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن والخبر الجملة، والرسالات عبارة عن الغيب الذي أريد إظهاره لمن ارتضاه الله من رسول، وضمير أبلغوا يعود إلى الرصد، وقال قتادة ومقاتل ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو الرسالة، وفيه حذف يتعلق به اللام أي أخبرناه بحفظنا الوحي ليعلم أن الرسل قبله كانوا على حالته من التبليغ، وقيل ليعلم محمد أن جبريل ومن معه قد أبلغوا إليه رسالات ربه، قاله سعيد بن جبير.
وقيل ليعلم الرسل أن الملائكة قد بلغوا رسالات ربهم، وقيل ليعلم إبليس أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم من غير تخليط، وقال ابن قتيبة :ليعلم الجن أن الرسل قد أبلغوا ما أنزل إليهم ولم يكونوا هم المبلغين باستراق السمع عليهم، وقال مجاهد ليعلم من كذب الرسل أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم.
قرأ الجمهور ليعلم بفتح التحتية على البناء الفاعل أي ليعلم الناس أن الرسل قد أبلغوا، وقال الزجاج :ليعلم الله أن رسله قد أبلغوا رسالاته أي ليعلم ذلك عن مشاهدة كما علمه غيبا، وقرئ بضم الياء على البناء للمفعول، وقرئ بضم الياء وكسر اللام.
﴿ وأحاط بما لديهم ﴾ أي بما عند الرصد من الملائكة أو بما عند الرسل المبلغين لرسالاته، والجملة في محل نصب على الحال من فاعل يسلك بإضمار قد أي والحال أنه تعالى قد أحاط بما لديهم من الأحوال، وقال سعيد بن جبير ليعلم أن ربهم قد أحاط بما لديهم فبلغوا رسالاته.
﴿ وأحصى كل شيء عددا ﴾ معطوف على أحاط، وعددا يجوز أن يكون منتصبا على التمييز محولا من المفعول به أي وأحصى عدد كل شيء كما في قوله : ﴿ وفجرنا الأرض عيونا ﴾ ويجوز أن يكون منصوبا على المصدرية أو في موضع الحال أي معدودا، والمعنى أن علمه سبحانه بالأشياء ليس على وجه الإجمال بل على وجه التفصيل، أي أحصى كل فرد من مخلوقاته التي كانت والتي ستكون على حدة فلم يخف عليه منها شيء على حدة.
السورة التالية
Icon