0:00
0:00

سورة الجن
١٨٩ - قال الله تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: انطلق النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسلت عليهم الشهب، فرجعت
الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأُرسلت علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تِهامة إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو بنخلة، عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهنالك حين رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢). فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - على نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ) وإنما أُوحي إليه قول الجن.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات. وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث وجعلوه سبب نزولها منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.
قال الطبري: (يقول جل ثناؤه لنبيه محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قل يا محمد أوحى الله إليَّ: (أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ) هذا القرآن: فَقَالُؤأ لقومهم لما سمعوه (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ) يقول: يدل على الحق وسبيل الصواب (فَآمَنَّا بِهِ) يقول: (صدقناه (وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) من خلقه.
وكان سبب استماع هؤلاء النفر من الجن القرآن كما حدثني محمد بن معمر). اهـ. ثم ساق الحديث.
وقال القرطبي: (قل يا محمد لأمتك: أوحى الله إليَّ على لسان جبريل أنه استمع إليَّ نفر من الجن وما كان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عالماً به قبل أَن أُوحي إليه. هكذا قال ابن عبَّاسٍ وغيره على ما يأتي). اهـ.
قال ابن كثير: (يقول تعالى آمراً رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يخبر قومه أن الجن استمعوا القرآن فآمنوا به وصدقوه وانقادوا له، وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ). اهـ. بتصرف.
وقال ابن عاشور: (أمر اللَّه رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأن يُعلم المسلمين وغيرهم بأن الله أوحى إليه وقوع حدث عظيم في دعوته أقامه اللَّه تكريماً لنبيه وتنويهاً بالقرآن وهو أن سخر بعضاً من النوع المسمى جناً لاستماع القرآن وألهمهم أو علمهم فهم ما سمعوه واهتدائهم إلى مقدار إرشاده إلى الحق والتوحيد) اهـ.
وقال السعدي: (قل يا أيها الرسول للناس أُوحي إليَّ أنه استمع نفر من الجن صرفهم اللَّه إلى رسوله، لسماع آياته، لتقوم عليهم الحجة، وتتم عليهم النعمة ويكونوا منذرين لقومهم، وأمر رسوله أن يقص نبأهم على الناس، وذلك أنهم لما حضروه قالوا: انصتوا، فلما أنصتوا فهموا معانيه ووصلت حقائقه إلى قلوبهم) اهـ.
* النتيجة:
أن الحديث الذي معنا سبب نزول الآية الكريمة لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته لسياق القرآن، وإجماع المفسرين عليه واللَّه أعلم.
* * * * *
سورة المدثر
السورة التالية
Icon