0:00
0:00

سورة الجن وهي مكية

الآية١ :قوله تعالى : ﴿ قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ﴾اختلف في السبب الذي كان به مجيء الجن إلى رسول الله صلى الله عليه سلم.
فمنهم من ذكر أن إبليس صعد إلى السماء، فوجدها قد ملئت حرسا شديدا وشهبا، فتيقن أن قد حدث في الأرض حادث، ففرق جنوده ليعلم علم ذلك.
ومنهم من يقول بأن الأصنام خرّت لوجوهها حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلم إبليس أنه حدث في الأرض خير حادث حتى خرّت له الأصنام، ففرق جنوده ليصل إلى علم ذلك. ثم من الناس من يزعم أن قصة هذه السورة وقصة قوله عز وجل : ﴿ وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ﴾[ الأحقاف :٢٩ ]واحدة.
وقال بعضهم بأن هؤلاء النفر الذين ذكروا في هذه السورة كانوا من مشركي الجن والذين ذكروا في سورة الأحقاف كانوا من يهود الجن ؛ دليله أنه قال في هذه السورة في ما حكى عن الجن : ﴿ وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ﴾[ الآية :٧ ] واليهود يقرون بالبعث، ولا ينكرون، فثبت أنهم كانوا من جن المشركين، وقال في سورة الأحقاف : ﴿ قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ﴾[ الآية :٣٠ ]فثبت أنه١ قد كان عندهم علم بالكتاب المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم [ وكانوا به مقرين، واليهود هم الذين يؤمنون بكتاب موسى، لا بغيره. ٢
ثم في ما حكى الله تعالى عن الجن من تصديقهم هذا الكتاب واستماعهم ما جرى من المخاطبات فيما بينهم فوائد :أحدها ]٣ :أن رسول صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى الجن والإنس حتى صرف الجن إلى الاستماع إليه.
والثانية٤ :أنهم لما أخذوا القرآن من لسانه قالوا في ما بين القوم بإنذارهم، وأعانوه في التبليغ على ما أخبر عز وجل : ﴿ فلما قضي الأمر ولّوا إلى قومهم منذرين ﴾[ الأحقاف :٢٩ ].
والثالثة٥ :أن أولئك النفر تسارعوا إلى الإجابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون فيه تسفيه قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين نشأ بين أظهرهم لأنهم عرفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما بينهم بالصيانة والعدالة، ولم يقفوا منه على كذب قط٦.
وحق من يعرف/٦٠١ أ/ بالصدق، إن لم يصدق ألا يتسارع إلى تكذيبه فيما يأتي من الأنباء، بل يوقف في حاله إلى أن يتبين منه ما يظهر كذبه.
وقومه استقبلوه بالتكذيب، ولم يعاملوه معاملة من كان معروفا بالصدق والصيانة.
والجن الذين صدقوه لم يكونوا عارفين بأحواله في ما قبل أنه صدوق أو ممن يرتاب في خبره، ثم تسارعوا إلى تصديقه بما لاحت لهم الحجة، وثبتت عندهم آية الرسالة، وتعاملوا٧معه معاملة من عرف بالصدق. فدل أنهم كانوا في غاية من السعة.
والرابعة٨ :دلالة رسالته صلى الله عليه وسلم لأن قوله تعالى : ﴿ إنا سمعنا قرآنا عجبا ﴾﴿ يهدي إلى الرشد ﴾[ الآيتان :١و٢ ]إلى آخر القصة فيما بينهم إخبار عن علم الغيب، ثبت أنه بالله تعالى علم.
ثم يجوز أن يكون الذي حملهم على الإيمان به ما عرفوا أنه أتى بالمعجز الذي يعجز الخلق عن إتيان مثله وبما وقفوا على أحكام معانيه وحسن تأليفه ونظمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشعر بمجيئهم حتى أوحي إليه أنه قد أتاه نفر من الجن يستمعون الى ما أوحي إليه، فيكون فيه دلالة على [ فساد قول ]٩ الباطنية حين١٠ يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الوحي بالجسد الروحاني، لأنه لو كان كما وصفوا لرأى الجن عندما حضروا إليه ؛ إذ الجسد الروحاني مما يبصر الجن، ولم يكن يوحى إليه، فيعرف أن قد حضره نفر من الجن.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريل عليه السلام أن يراه على صورته، فقال له جبريل :إنك لا تطيقها١١، لأن الأرض لا تسعني، ولكن انظر إلى أفق السماء. ولو كان يأخذ الوحي بالجسد الروحاني لكان قد رأى جبريل عليه السلام على صورته، فتبطل فائدة هذا١٢ السؤال. فثبت أن الأمر ليس كما زعموا، بل كان يقبله بالصورة الجسدانية وأنه كما وصفه الله تعالى بقوله : ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ﴾الآية [ الكهف :١١٠ ].
قال القتبي :النفر ما بين الثلاثة إلى التسعة.
وقوله تعالى : ﴿ إنا سمعنا قرآنا عجبا ﴾ قال بعضهم :العجب الغريب، وإنما استغربوا ذلك منه، لأنهم سمعوا من أمي، لا يعرف الكتابة، ولا يقرأ الكتب.
ومنهم من قال بأن حسن تأليفه١٣ ونظمه ووصفه، هو الذي حملهم على التعجب.
ومنهم من قال :إنما تعجبوا من آياته وحججه، لأنه جاء في تثبيت التوحيد وإثبات الرسالة وإثبات البعث، ولم يكن لهم معرفة بالوحدانية، بل كانوا أهل شرك، ولم يكونوا أهل معرفة بالبعث والرسالة، فكانت الآيات عجيبة حين١٤ قررت عندهم هذه الأوجه، والله أعلم.
ثم في هذه[ الآية ]١٥ وفي قوله : ﴿ وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ﴾ [ الأحقاف :٢٩ ] إخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يشعر بمجيئهم.
وروي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما تلا على أصحابه سورة الرحمن قال لأصحابه :{ إن الجن كانوا أحسن إجابة منكم، وإني تلوت عليهم هذه السورة، فكانوا يقولون :ما بشيء من آلائك نكذب، ربنا، فلك الحمد " [ الترمذي٣٢٩١ ].
ففي هذا الخبر أنه قد رآهم، وشعر بمجيئهم، فيكون فيه إثبات الوجهين جميعا :أن قد شعر مرة، ولم يشعر أخرى.
ثم يجوز أن يكون رآهم بما قوى الله عز وجل بصره حتى احتمل إدراك الجن، وضعّف أبصار غيره عن رؤيتهم.
ألا ترى أن أهل الجنة يرون الملائكة عندما تأتيهم بالتحف من ربهم، فيقوي عز وجل بصرهم حتى يعاينوا الملائكة بجوهرهم، وإن ضعفت أبصارهم في الدنيا ؟ ففي ذلك يجوز أن يكون الله قوى بصر نبيه صلى الله عليه سلم حتى رأى الجن على صورتهم. وجائز أن يكون الله تعالى صور الجن على صورة الإنس حتى رآهم، وشعر بمجيئهم، والله أعلم.
ثم ما ذكرنا من السندين في أمر مجيء الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول السورة من قول أهل التأويل، لا يقطع القول بذلك، وإن كان في حد الإمكان والجواز، لأنهم تكلفوا استخراج ذلك بالتدبير والاجتهاد، وما كان سبيل معرفته الاجتهاد لم يجز أن يقطع القول فيه بالشهادة.
وقد يجوز أن يكون الذي حملهم على المجيء غير ذينك الوجهين ؛ وهو أن يكون النفر من منذري الجن لأنه ذكر أن [ للجن نذرا ]١٦ وأن الرسل من الإنس دون الجن، فتفرقوا على رجاء أن يظفروا برسول، فيتلقفوا منه ما يقومون١٧ به بالنذارة في ما بين قومهم ؛ إذ كانوا يصعدون إلى السماء، فيسمعون الأخبار، وينذرون١٨ قومهم بها. ثم انقطع ذلك عنهم حتى١٩ لم يجدوا مسلكا إلى الصعود لأنها قد ملئت حرسا، وعلموا أن الله تعالى لا يبقيهم حيارى، ويقطع عنهم وجه المعرفة، فتفرقوا في الأرض رجاء أن يظفروا بمن يزيل عنهم الشبه، ويوضح لهم الحجج والبراهين، فوصلوا إلى مقصودهم من جهة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
ويجوز أن يكون عندهم أن لا أحد في الأرض من جني أو إنسي، يكذب على الله كما حكى الله تعالى عنهم بقوله : ﴿ وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا ﴾[ الآية :٥ ] فلما تحقق عندهم الكذب خافوا على أنفسهم أن[ تبتلى به ]٢٠ وأن يشبه عليهم الصراط السوي، فتفرقوا في الأرض على رجاء أن يظفروا بمن يدلهم على الطريقة المثلى حتى وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويجوز أن يكونوا لما صعدوا إلى السماء، فرأوها مملوءة من الحرس والشهب، أيقنوا أن ذلك لحادث خير، وخافوا حلول نقمته بأهل الأرض فتفرقوا في البلاد لما لعلهم يصلون إلى علم ذلك.
ثم الذي حقق كون هذا الخبر، هو أن السماء﴿ ملئت حرسا شديدا وشهبا ﴾ [ الآية :٨ ] في حق الكفرة وانقطاع الكهنة بعد ذلك.
ولو كان الأمر على خلاف هذا لكانوا لا ينقطعون٢١، لأن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء، فيأتون الكهنة بما يسمعون من الأخبار، ويلقونها إليهم، [ فيضلون ]٢٢ بها الخلق.
فلو لم يمنعوا عن السماء لكانوا لا ينقطعون. ومن ادعى الكهانة اليوم فلا يجد عنده خبرا حادثا سوى ما تلقفوه من ألسن الرسل عليهم السلام وكان أمر الشهاب أمرا ظاهرا عرفته الكفرة في ما بينهم، فكانت هذه حجة سماوية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقررة عند الكفرة رسالته ؛ إذ لم يدع أحد منهم بكون الشهاب قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم فصار انقطاع الكهنة دليلا على صدقه في مقالته، والله المستعان.
١ من م، في الأصل: و..
٢ في م: غير..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل و م: وفيه..
٥ في الأصل و م: وفيه..
٦ من م، في الأصل: فقط..
٧ في الأصل و م: و عاملوا..
٨ في الأصل و م: وفيه أيضا..
٩ في الأصل و م: قول فساد..
١٠ في الأصل و م: حيث..
١١ في الأصل و م: تطيقه..
١٢ في الأصل و م: هذه..
١٣ من م، في الأصل: تأويله..
١٤ في الأصل و م: حيث..
١٥ ساقطة من الأصل و م..
١٦ في الأصل: الجن نذيرا، في م: من الجن نذيرا..
١٧ في الأصل و م: يقوموا..
١٨ في الأصل و م: وينذروا..
١٩ في الأصل و م: حيث..
٢٠ يبتلوا به..
٢١ في الأصل و م: ينقطعوا..
٢٢ ساقطة من الأصل و م..
الآية ٢ :وقوله تعالى : ﴿ يهدي إلى الرشد فآمنّا به ﴾ أي إلى الحق على ما ذكرنا بيانه في سورة الأحقاف في قوله عز وجل : ﴿ يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ﴾[ الآية :٣٠ ].
وقوله تعالى : ﴿ ولن نشرك بربنا أحدا ﴾ قال أبو بكر الأصم :إنهم كانوا مشركي العرب، فتبرّؤوا من الشرك بما استمعوا، وسمعوا القرآن بقولهم : ﴿ ولن نشرك بربنا أحدا ﴾.
وقد يحتمل هذا الذي قالوا، ويحتمل أنه لم يسبق منهم الإشراك، بل كانوا من جملة الموحدين، ولكنهم أحدثوا إيمانا بما سمعوا من القرآن، وأحدثوا تبرّيا من الشرك، وقد يتبرأ المرء من الشرك عندما يحدث له زيادة إيقان، وإن لم يسبق منه/ ٦٠١ ب/ الإشراك كما قال موسى عليه السلام﴿ سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ﴾[ الأعراف :١٤٣ ].
الآية ٣ :وقوله تعالى : ﴿ وأنه تعالى ربنا ﴾ اختلف في تأويل الجد :فمنهم من يقول بأن هذه الكلمة يتكلم بها في من يظفر بكل ما يريده، فيوصف بأنه ذو جد. فجائز أن يكونوا أرادوا بهذا أن ربنا، هو الظافر بكل ما يريده، لا يستقيله خلافه، ولا تمسه حاجة.
وعلى هذا التأويل قوله[ صلى الله عليه وسلم ]١ :( ولا ينفع ذا الجد منك الجد ) [ البخاري :٨٤٤ ] أي من كان له الجد في الدنيا، فإذا كان في تقدير الله تعالى خلاف ذلك، لم يغنه ذلك من عذاب الله شيئا، وإن كان هذا، هو المراد، فمعناه أن من هذا وصفه يتعالى عن أن يكون له شريك، ويحتاج إلى صاحبة أو إلى اتخاذ ولد، لأن هذه الأشياء كلها أمارات الحاجة. ومن ظفر بكل ما يريده لم تقع[ له ]٢ حاجة.
وجائز أن يكون الجد صلة، ومعناه :تعالى ربنا. وجائز أن يكون الجد عبارة عن العظمة والرفعة ؛ يقال :فلان جد في قومه إذا عظم، وشرف فيهم.
وقال الحسن﴿ تعالى جد ربنا ﴾ أي غنى ربنا.
ألا ترى كيف ذكر الله تعالى عندما نزه نفسه عن اتخاذ الأولاد بقوله : ﴿ قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني ﴾[ يونس :٦٨ ] وقد ذكر اتخاذ الولد ههنا على إثر قوله عز وجل : ﴿ جد ربنا ﴾. ومنهم من يقول :تأويله :ملك ربنا. وجائز أن يكون أريد به قوة ربنا، فتعالى ربنا عن كل ما نسب إليه، كان فيه أي٣ فعل للرزالة والتسفل.
ثم الحق ألا نتكلف٤ تفسير قوله : ﴿ جد ربنا ﴾ ههنا لأنه حكاية عن مقالة الجن. فمراد هذه الكلمة إنما يعرف بأخبار الجن.
ثم الشرك في ما جرى به الكتاب على أوجه أربعة :
مرة على العبادة بقوله عز وجل : ﴿ ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ﴾ [ بالكهف :١١٠ ] وشرك في الخلق بقوله عز وجل : ﴿ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه ﴾[ الرعد :١٦ ] وشرك في الحكم بقوله تعالى : ﴿ ولا يشرك في حكمه أحدا ﴾[ الكهف :٢٦ ] وشرك في الملك بقوله : ﴿ ولم يكن له شريك في الملك ﴾[ الإسراء :١١١و. . ].
فثبت أن الشرك يقع مرة في العبادة ومرة في العباد ومرة في الملك ومرة في الحكم.
فهم بقولهم : ﴿ ولن نشرك بربنا أحدا ﴾تبرؤوا من الشرك في هذه الأوجه الأربعة.
ثم إذا كان الجد عبارة عن الذي يظفر بكل ما يريده، ففيه ما ينقض على المعتزلة قولهم، لأنهم يزعمون أن الله تعالى أراد من كل كافر الإيمان. فإذا لم يؤمنوا فهو غير ظافر بما يريد على قولهم، ويدخل عليهم النقض من وجه آخر، وهو أنا قد بينا أن الشرك قد يقع مرة في الخلق، وهم ينفون خلق الأفعال عن الله تعالى. وإذا نفوا ذلك فقد جعلوا له في الخلق شركاء، وقد أخبر عز وجل أنه هو المتفرد بخلق الخلائق.
فثبت أن الأفعال من حيث الخلق والإنشاء من الله تعالى، ومن جهة الكسب والفعل للخلق. فمن الوجه الذي يضاف إلى الله تعالى لا يجوز أن يضاف من ذلك الوجه إلى الخلق عندنا. فلا يقع في الخلق تشابه، لأنه لا يتحقق من العباد الفعل من الوجه[ الذي ]٥ تحقق من الله تعالى.
[ ألا ترى أنه يضاف الملك إلى الله تعالى ]٦ وإلى الخلق ؟ ثم لا يقع فيه إشراك لأنه من الوجه الذي يضاف إلى الله تعالى على جهة التحقيق.
فكذلك إضافة الأفعال إلى الله تعالى وإلى الخلق، لا يجب الشرك لاختلاف الجهتين، والله الموفق.
وقوله تعالى : ﴿ ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ﴾ لأن اتخاذ الصاحبة من الخلق لغلبة الشهوة، وهو منشئ الشهوات، فلا يجوز أن يغلبه ما هو خلقه، فيبعثه ذلك على اتخاذ الصاحبة.
وبهذا نرد على من زعم أن الملائكة بنات الله، والبنات تحدث من الصاحبة، وهو متعال، لم يتخذ صاحبة، فأنى يكون له بنات ؟.
وقوله تعالى : ﴿ ولا ولدا ﴾ فالأصل أن الأولاد يرغب فيهم المرء لإحدى خصال :
إما لما يناله من الوحشة، فيطلب الولد ليستأنس بهم، أو يرغب فيهم لما حل به٧ من الضعف، فيريد أن يستنصرهم، أو لما يخاف زوال ملكه، فيطلب الولد ليأمن من زواله، وجل الله سبحانه وتعالى عن أن تلحقه وحشة أو يصيبه ضعف، أو يخاف زوال الملك.
فإذا كانت الطرق التي بها يرغب في اكتساب الأولاد منقطعة في حقه لزم تنزيهه عن اتخاذ الأولاد. ولهذا[ في ]٨ ما ذكر عندما يشتبه الملاحدة في اتخاذ الأولاد :غناه بقوله : ﴿ سبحانه هو الغني ﴾[ يونس :٦٨ ] أي غني عن كل الوجوه التي تتوجه إلى اتخاذ الأولاد، وبالله التوفيق.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: إلى..
٤ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: نتكلم..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ في الأصل و م: بهم..
٨ ساقطة من الأصل و م..
الآية٤ :وقوله تعالى : ﴿ وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ﴾ فمنهم من ذكر أن سفيههم إبليس، وليس هذا يرجع إلى كل من يوجد منه فعل السفه.
ألا ترى أنه إذا قيل :كان يقول مسيئنا كذا، أو كان يقول فاسقنا كذا، لم يعن به فاسق ولا مسيء واحد على الإساءة، بل يراد به كل معروف بالإساءة والفسق ؟.
فعلى ذلك قوله : ﴿ وأنه كان يقول سفيهنا ﴾ ليس بمقتصر على الواحد، بل هو راجع إلى كل من يوجد منه ذلك.
ثم في هذه الآية دلالة أن النفر الذين استمعوا كانوا مؤمنين، ولم يكونوا من أهل الكفر، لأنهم لو كانوا أهل شرك لكانوا لا يضيفون فعل السفه إلى غيرهم، ويخرجون أنفسهم منه، وقد وجد منهم فعل السفه، ولو كانوا مشركين أيضا لكانوا يقولون مكان هذه الكلمة :وأنا كنا نقول على الله شططا ليكون ذلك منهم توبة ورجوعا عما كانوا فيه من الشرك والكفر وشكرا بما أنعم الله عليهم من عظيم النعمة بأن هداهم للإيمان لا أن يضيفوا ذلك إلى سفهائهم. فثبت أنهم كانوا مؤمنين.
والشطط الجور، وقال بعضهم :الكذب، وقال بعضهم :الظلم. والشطط ههنا الجور، والجور ما أتوا به من الفاحش، وهو الشرك بالله تعالى، وهذا يبين أن الجور قبيح في كل الألسن وفي ما بين أهل الأديان. ألا ترى كيف سفّهوا من يقول على الله تعالى بالجور ؟.
الآية٥ :وقوله تعالى : ﴿ وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا ﴾ ذكر أبو بكر الأصم أنهم كانوا اعتقدوا أن لله تعالى صاحبة وولدا لما سمعوا الجن والإنس، يقولون ذلك، وكان عندهم أنهم في ذلك صادقون. فذلك المعنى، هو الذي حملهم على القول بأن لله تعالى ولدا وصاحبة.
فلما ظهر عندهم كذب من يدعي اتخاذ الولد والصاحبة تبرؤوا ممن يقول ذلك. فثبت بهذا أنهم كانوا أهل شرك إلى هذا الوقت.
فلما استمعوا إلى قراءة الرسول صلى الله عليه سلم ولاحت لهم الحجج، وارتفعت عنهم الشبهة، آمنوا به، وتبرؤوا من مقالتهم المتقدمة.
وقد يحتمل غير ما ذكره أبو بكر من التأويل، وهو أن القوم١ :كانوا أنشئوا على الهدى والإيمان، فكانوا يظنون أن الجن والإنس على الهدى وأنهم لا يكذبون على الله حتى ظهر عندهم كذب الإنس والجن بقولهم :إن لله ولدا وصاحبة.
وجائز أن يكون معناه :أنا كنا نظن ألا تسخو نفس أحد من الممتحنين بالكذب على الله بما أراهم الله قبح الكذب، وقرّ عندهم بالحجج والأدلة تنزيهه عن اتخاذ الأولاد والصاحبة حتى ظهر عندهم ذلك بما أظهروه بألسنتهم.
ثم الذي/٦٠٢ أ/ يدل على أن التأويل الذي ذكره أبو بكر ليس بمحكم أنه قد كان في الجن والإنس مصدق، يصف الله تعالى بالتنزيه، وقد كان فيهم من يقول من يقول بالولد أو الصاحبة. ألا ترى إلى قوله حكاية عنهم : ﴿ وأنّا منّا المسلمون ومنا القاسطون ﴾[ الجن :١٤ ] وإلى قوله : ﴿ وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا ﴾ ؟ [ الجن :١١ ].
ولا يحتمل أن يقع عندهم أن الفريقين جميعا على الصواب، ولكن كان في ظنونهم أن القوم جميعا على الهدى على ما هم عليه. فلما تبين عندهم الكذب من أولئك قالوا هذا القول، والله أعلم.
١ في الأصل و م: القول..
الآية ٦ :وقوله تعالى : ﴿ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ﴾ وذكر أن الإنس، وهم قوم من١ العرب، كانت إذا نزلت بواد استجارت بسيد الوادي، وقالت :نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه.
ثم اختلف بعد هذا، فمنهم من ذكر أنهم كانوا يجيرونهم، ومنهم من زعم أنهم كانوا لا يجيرونهم، وكان ذلك يزيد في رهق الإنس والجن، وقالوا :الرهق الخوف والفرق، كذلك روي عن أبي روق. ومنهم من يقول :هو الذلة والضعف، فكانوا يزدادون[ ضعفا وذلة وخوفا وفرقا ]٢ بامتناعهم عن الإجارة٣ ومنهم من يقول بأنهم كانوا يجيرون من استجارهم. ولكن مع هذا كانوا يفرقون منهم ومن كيدهم في الأماكن التي لم تستجيروا فيها إليهم وفي غير الأوقات التي وقعت فيها الإجارة.
وعلى اختلافهم اتفقوا أن الجن هي التي كانت تزيد الإنس رهقا.
وقيل بأن هذا الفعل من الإنس، وهو الاستجارة بهم، شرك لأن الله تعالى، وهو المجير، فكان الحق عليهم أن يستجيروا بالله تعالى ليدفع عنهم مكايد الجن ولا يروا لأنفسهم ناصرا غير الله، جل جلاله، فإذا فزعوا في الاستجارة إلى الجن فقد رأوا غير الله تعالى، يقوم عنهم بالذب والنصر، فكان ذلك منهم إشراكا ولأن الجن أضعف من الإنس.
ألا ترى أنها تختفي من الإنس٤، وتتصور بغير صورتها فرقا لئلا يشعر بها، وبلغ من ضعفها أنها لا تقدر على إتلاف أحد من البشر، ولا تقدر على سلب أموالهم ولا إفساد طعامهم وشرابهم ؟ واستنصار القوي بالضعيف إراءة الذلة، فيخرج تأويل من قال بأن الرهق، هو الذلة والضعف على هذا.
ومنهم من يقول بأن الإنس، هي التي كانت تزيد الجن رهقا، وقالوا :الرهق التجبر والتكبر، وقيل :هو السفه والجهل والمأثم٥.
وقال القتبي :هو العبث في الظلم ؛ يقال :فلان مرهق في دينه إذا كان مفسدا.
ووجه زيادة الرهق، هو أن الرؤساء من الجن، يرون لأنفسهم الفضل على أتباعهم من الجن، فيتداخلهم الكبر من ذلك، ويزدادون به تجبرا وتعظما، فكان ذلك يمنعهم عن النظر في حجج الرسل.
وكذلك أكابر الكفرة من الإنس كانوا يمتنعون عن الإجابة للرسول صلى الله عليه وسلم بما يرون لأنفسهم من الفضل على من سواهم.
ألا ترى إلى قوله : ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ﴾ الآية ؟ [ الأنعام :١٢٣ ].
فمن زعم أن الرّهق الإثم أو السفه أو الجور أو الظلم أو العبث يرجعه٦ كله إلى هذا المعنى الذي ذكرنا لأن سفههم، هو الذي كان يحملهم على التجبر والتكبر لأنه كان يستعيذ بهم إلا الجاهل السفيه، وليس في إعاذة الجاهل منقبة لما يتكبر لأجلها، وهم بتكبرهم ازدادوا إثما وبعدا من رحمة الله تعالى، والله أعلم.
١ ساقطة من م..
٢ في الأصل و م: الضعف والذلة والخوف..
٣ في الأصل و م: الإعاذة..
٤ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: الأصل..
٥ في الأصل و م: وهي المأثم..
٦ في الأصل وم: يرجع..
الآية٧ :وقوله تعالى : ﴿ وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ﴾ فجائز أن يكونوا نفوا القدرة عن الله تعالى[ على البعث ]١ لما لم يشاهدوا البعث، ورأوه أمرا خارجا عن طوقهم وقواهم، فظنوا أن القدرة لا تنتهي إلى هذا، لا أن يكونوا نفوا خروج البعث عن حد الحكمة لأنهم لو أرادوا به نفي البعث لكانوا يقتصرون على قولهم : ﴿ لن يبعث الله ﴾ تعالى، فلما وصلوا به الكلام الذي يتكلم به للتأكيد، وهو قوله : ﴿ أحدا ﴾ دل أنهم نفوا القدرة.
وجائز أن يكونوا ظنوا﴿ أن لن يبعث الله أحدا ﴾ لأنه أمر خارج عن الحكمة ؛ إذ ليس من الحكمة أن يهلك، ثم يعاد، بل إن أريد الإبقاء فلن يفنى حتى لا يحاج٢ إلى الإعادة.
ثم هذا الكلام ليس بحكاية عن الجن، بل الله تعالى[ قال ]٣ :إن الجن ظنت أن لا بعث كما ظننتم أنتم. وقوله تعالى : ﴿ ظننتم ﴾ في الظاهر إشارة إلى الإنس جملة مسلمهم وكافرهم. ومعلوم بأن المسلمين لم يكونوا يظنون ذلك بل قد أيقنوا بالبعث، ولكن معناه أن الكفرة من الجن ظنت أن لا بعث كما ظنت الكفرة منكم أيها الإنس في هذه الآية إبانة أنهم كانوا يقولون :لا بعث بالظن، ليس بالعلم.
والذي حملهم على الظن إعراضهم عن السبب الذي يوجب القول بالبعث، وكل يأنف بالطبع أن يلزم الظنون، ففيه دعاء وترغيب في النظر إلى حجج البعث وترك الاعتماد على الظنون.
ثم ذكر النحويون أن كان ابتداؤه بالكسر في هذه السورة أعني حرف﴿ أن ﴾ فهو حكاية عن الجن نحو قوله : ﴿ فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا ﴾ وما كان فيه من الحكاية لا عن الجن، فحقه أن يقرأ بالنصب، فاختاروا النصب في قوله عز وجل : ﴿ وأنهم ظنوا كما ظننتم ﴾ لما ليس هو بحكاية عن قول الجن، والله أعلم.
١ في الأصل و م: بالبعث..
٢ في الأصل و م: يحوج..
٣ ساقطة من الأصل و م..
الآية٨ :وقوله تعالى : ﴿ وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ﴾ فجائز أن يكون لمسهم السماء ليجدوا أبوابها، فيدخلوا فيها للاستماع، إذ أخبارها ليست في جملة آفاق السماء ولا أبوابها محيطة بجملة السماء، فكانوا يلمسونها ليظفروا بأبوابها.
وجائز أن يكون أريد من لمس أبوابها ليفتحوها١، فيدخلوا فيها، فيستمعوا٢ إلى الأخبار.
وقوله تعالى : ﴿ فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ﴾ فجائز أن تكون بعض الأبواب ملئت من الحرس، وبعضها من الشهب. فإن أتوا إلى الأبواب التي ملئت من الحرس دفعتهم الحرس، وطردتهم، وإن أتوا إلى الأبواب التي ملئت بالشهب تبعتهم الشهب كما قال عز وجل﴿ ويقذفون من كل جانب ﴾﴿ دحورا ﴾ [ الصافات :٨و ٩ ].
وجائز أن تكون الأبواب كلها مملوءة من الحرس والشهب جميعا لأن الحرس لم يمتحنوا بالحراسة خاصة، بل امتحنوا[ بها وبغيرها ]٣ من الأعمال.
فجائز أن يكون اشتغالهم بتلك الأعمال يمنعهم من الحرس، فإذا رأوا [ من يسترق ]٤ السمع في وقت شغلهم تبعتهم[ بالشهب الثاقبة ]٥ وقذفتهم عن مرادهم.
وجائز أن يصعد الجن إلى المكان الذي لا يراهم الملائكة، ويسمع الجن كلامهم، لأن المرء قد يتكلم بكلام، فينتهي صوته إلى حيث لا يراه البصر، فتكون الشهب تحت الحرس، فيقذفون عنها بالشهب، والله أعلم.
١ في الأصل و م: ليفتحوا بها..
٢ في الأصل و م: فيستمعون..
٣ في الأصل و م: به وبغيره..
٤ في الأصل و م: استراق..
٥ في الأصل و م: الشهاب الثاقب..
الآية٩ :وقوله تعالى : ﴿ وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ﴾/٦٠٢ ب/ قيل :الشهاب من الكواكب، والرصد من الملائكة، والأصل١ في ذلك أن الجن قد حبسوا وقت مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خبر السماء، وكانوا يسترقون السمع قبل ذلك، حتى[ ينقطع عن ]٢ الكهنة ؛ إذ لا يجوز أن يأتوا بخبر السماء وقت مبعث النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا٣ يختلط أمر الكهنة بأمره صلى الله عليه وسلم فحبسوا عن الصعود إلى السماء وإتيان الخبر عنها حتى ينقطع أمر الكهنة، فجاءهم الرسول بعد ذلك ليعلموا أن ذلك ليس بكهانة، وإنما هو وحي ثابت من السماء ؛ إذ لو كان كهانة كان غيره لا يمنع عن مثله كما في سالف الأزمان.
فهذه الآية كأنها٤ حكاية عن قول الجن لما رجعوا إلى قومهم منذرين، قالوا هذا كله لقومهم.
١ الواو ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: أنفع من..
٣ في الأصل و م: كان..
٤ في الأصل و م: كأن..
الآية ١٠ :وقوله تعالى : ﴿ وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ﴾ فهو يحتمل وجهين :
أحدهما :لا ندري بم قطعت ؟ بالحرس أم١ بالشهب أخبار السماء عن أهل الأرض ؟ وحبس الذين يصعدون السماء عن أخبار السماء﴿ ويقذفون من كل جانب ﴾ ﴿ دحورا ﴾ [ الصافات :٨ و٩ ] بأهل الأرض﴿ أشر ﴾٢ وهو إنزال العذاب عليهم[ ﴿ أم أراد بهم ربهم ﴾ أن يرسل رسولا ]٣ يرشدهم.
[ والثاني ]٤ :جائز أن يكونوا أيقنوا أن أخبار السماء إنما انقطعت عن أهل الأرض بما يرسل إليهم من الرسل٥، فيكون الرسول، هو الذي يخبرهم بمالهم إليه من حاجة، ولكنهم لم يدروا أنه أريد بهم الرشد بإرسال الرسول أم٦ الشر، لأنهم كانوا علموا أن من آمن بالرسول المبعوث، ونظر إليه بعين الاستهداء والاسترشاد٧، فقد رشد، ومن نظر إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء استؤصلوا، فلم يدروا أيكذبون الرسول، فيحل بهم الهلاك في العاقبة أم٨ يصدقون، فيرشدون به. وهذا تبين أن العواقب في الأشياء هي المقصودة، وأن الحكيم ما يفعل من الأمر يفعله للعواقب.
وفي هذا إباتة أن الجن من المسلمين، لم يكونوا معتزلة ؛ إذ من قول المعتزلة أن الله تعالى لا يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم في الدين والدنيا في حقهم، والجن قد أيقنوا أن الله تعالى قد يريد الشر لمن يعلم أنه يؤثر فعل الشر على فعل الخير، ويريد الخير لمن يعلم بأنه يؤثره على فعل الشر.
١ في الأصل و م: و..
٢ في الأصل و م: الشر..
٣ في الأصل و م: أو أريد بهم أن يرسل رسول..
٤ في الأصل و م: و..
٥ في الأصل و م: الرسول..
٦ في الأصل و م: أو..
٧ في الأصل و م: والإرشاد..
٨ في الأصل و م: و..
الآية١١ :وقوله تعالى : ﴿ وأنا منا الصالحون ومنا ما دون ذلك ﴾ قال بعضهم : ﴿ الصالحون ﴾ هم المؤمنون، و﴿ دون ذلك ﴾ هم الكافرون. ويشبه أن يكون﴿ الصالحون ﴾ و ﴿ دون ذلك ﴾ ليس على الإيمان والكفر، لأن هذا قد ذكر في ما تقدم من الآيات بقوله : ﴿ وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ﴾[ الآية :١٤ ] ولو كان التأويل على ما ذكروا لكان يقع موقع التكرار.
ولكن تأويله عندنا : ﴿ وأنا منا الصالحون ﴾ أي منا من عرف بالصلاح والستر﴿ ومنا دون ذلك ﴾ وهم الفسقة، فيكون فيه إبانة أن كل أهل دين، فيهم الصالح المرضي، وفيهم الفاسق المفسد في دينه، كقول١ الله تعالى : ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم ﴾[ النور :٣٢ ] ولو لم يكن منا غير صالح لم يكن لاشتراط الصالحين معنى، وكقوله عز وجل : ﴿ وأشهدوا ذوي عدل منكم ﴾[ الطلاق :٢ ] فلو لم يكن منا أهل فسق لم يقل هذا.
وقوله تعالى : ﴿ كنا طرائق قددا ﴾ أي أهواء متفرقة، ولم يذكروا الأهواء٢ المتفرقة في الأصلح والأدون، ذكروا ذلك عند ذكر الفاسق والصالح، لأن أهل الأهواء، كل[ يعتقد ]٣ في نفسه أنه، هو المحق، وغيره على الباطل، وأما الفاسق فهو يعرف أنه يتعاطى بفسقه ما لا يحل له، ويرتكب ما نهي عنه، وكذلك كل من شاهد فسقه يعرف أنه على الباطل. فإذا٤ كان كذلك ظهر الدون فيه، وظهر الصالح، ولم يظهر ذلك في اعتقاد المذاهب، فلم يتكلم فيه بالدون والصالح.
ثم الطرائق، هي المذاهب والأهواء، والقدد القطع ؛ يقال :قده٥ أي قطعه ؛ فمعناه أنا كنا على مذاهب متفرقة وأهواء متسننة.
ففي٦ الآية أن في الجن أهواء متفرقة كما أن ذلك في الإنس.
والأصل أن معرفة المذهب والدين بالفكر والاجتهاد للتوصل إلى الحق، والمجتهد قد يصيب الطريق مرة، ويزيغ عنه أخرى. فلهذا٧ أصاب البعض من الخلائق الطريق المستقيم، ومنهم من زاغ عنه، ويعلم بهذا أن سبيل الجن في التوحيد وسبيل الإنس واحد، وهو الفكر، وله اجتهاد، وأن فيهم آيات متشابهة كما في الإنس إذ عن المتشابه يتولد الزيغ. لذلك تفرقوا في أهواء متفرقة مختلفة.
وأما أسباب الفسق مجتمعة فتعرف بالمعاينة، فتظهر الأدون والأرفع في الدين.
١ في الأصل و م: قال..
٢ أدرج قبلها في الأصل و م: في..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ الفاء ساقطة من الأصل و م..
٥ الهاء ساقطة من الأصل و م..
٦ في الأصل و م: في..
٧ أدرج بعدها في الأصل و م: ما..
الآية١٢ :وقوله تعالى : ﴿ وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا ﴾ ذكر أبو بكر أنه على كفرهم ظنوا ألا يعجزوا الله تعالى، ولكن أكثر أهل التأويل ذكر أن الظن ههنا في موضع العلم، ويؤكد تأويلهم قراءة حفصة رضي الله عنها فإنها كانت تقرأ :وأنا علمنا أن لن نعجز الله في الأرض فررة، ولن نسبقه هربا.
فقوله : ﴿ لن نعجز الله في الأرض ﴾ أي لن نفوته، ولا يتهيأ لنا أن نعجز الله بأهل الأرض عن إيصال نقمته وعذابه إلينا.
ويخرج قوله﴿ هربا ﴾١ على ذلك، أي لو فررنا من عذابه لن نعجزه ألا يعذبنا.
والفرار قد يكون بدون الطلب ؛ قال الله عز وجل : ﴿ ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ﴾[ الذاريات :٥٠ ]. ولم يرد به الفرار من الطلب.
وأما الهرب فإنه لا يكون إلا عن طلب ؛ فكأنهم قالوا :لا يتهيأ لنا الفرار من عذاب الله تعالى لكثرة الأعوان والأنصار، ولا يعجز هربنا عن طلب، أو يكون قوله عز وجل : ﴿ لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا ﴾ وإن دخلنا تحت تخوم الأرضين، ولن نعجزه بالهرب على وجه الأرض، فيكون فيه إقرار بأنا لا نقدر بالحيل والأسباب أن نحترز من عذاب الله تعالى كما يتهيأ الاحتراز من ملوك الأرض بالحيل والأسباب.
ثم مثل هذا الكلام يصدر عن أهل الإسلام، لأن مثل هذا الكلام إنما يتكلم به من يخاف نقمة الله تعالى عليه والذي أيقن بالبعث، ويذكر مقامه بين يدي ربه.
وأما أهل الكفر فلم يؤمنوا بالبعث حتى يحملهم خوف العاقبة على النظر في مثل هذا.
فثبت أن هذه المقالة صدرت عن أهل الإسلام، ليس عن أهل الكفر[ كما ذكر ]٢ أبو بكر الأصم أن هذه المقالة صدرت[ عنهم ]٣ والله أعلم.
١ في الأصل و م: فررة..
٢ في نسخة الحرم المكي: كما ذكره، في الأصل و م: ذكره..
٣ ساقطة من الأصل و م..
الآية ١٣ :وقوله تعالى : ﴿ وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به ﴾ فالهدى، هو الدعاء إلى الحق، فيحتمل أن يكون لما دعينا إلى الحق، وهو القرآن، آمنا به.
ألا ترى إلى قوله عز وجل : ﴿ يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ﴾[ الأحقاف :٣٠ ] وقوله١ تعالى في أول السورة : ﴿ يهدي إلى الرشد ﴾ ؟ [ الجن :٢ ].
ويجوز٢ أن يكون الهدى، هو الاهتداء، أي لما سمعنا ما به اهتدينا.
وظن أبو بكر الأصم أنهم كانوا كفرة إلى أن سمعوا الهدى، فآمنوا به ؛ لأنهم٣ لو كانوا/٦٠٣ أ/ على الهدى من قبل لكان الإيمان منهم سابقا، فلا يجوز لقوله﴿ فآمنا به ﴾ وقد آمنوا به من قبل، معنى. وليس يثبت كفرهم بما ذكر لأنه قد يجوز ان يكونوا على الإيمان، فلما٤ سمعوا الهدى أحدثوا إيمانا بهذا الهدى على ما سبق منهم من الإيمان بالجملة.
ألا ترى إلى قوله عز وجل : ﴿ فزادتهم إيمانا ﴾[ التوبة :١٢٤ ] وقوله٥ : ﴿ ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ﴾ ؟ [ الفتح :٤ ] أي زادوا إيمانا لتفسير مع ما سبق منهم من الإيمان بالجملة[ لا ]٦ أنهم لم يكونوا من قبل مؤمنين، فأحدثوه للحال، وكذلك قولهم٧ : ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ [ الفاتحة :٦ ] [ وقد هدوا الصراط المستقيم ]٨ ولكنهم يريدون بهذا الدعاء :أن اهدنا بالإشارة إليه والتعيين الصراط المستقيم على ما هديتنا في الجملة. فكذلك إحداثهم الإيمان بما سمعوا من الهدى، لا ينفي عنهم الإيمان في ما سبق من الأوقات، بل يجوز أن يكونوا مؤمنين من قبل، ثم يحدثوا٩ الإيمان بكل أمر يجيئهم من عند الله عز وجل ولا يدل إيمانهم على أنهم لم يكونوا من قبل مسلمين، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا ﴾ قال، رحمه الله :إنه لا أحد من أهل الإيمان من جني ولا إنسي يخاف البخس والرهق من الله تعالى إلا المعتزلة ؛ فإنهم يخافون ذلك لأنهم ليسوا يخرجون مرتكبي الكبائر، بل١٠ يطلقون القول فيهم :إنهم يخلدون في النار، وفي التخليد تخويف البخس والرهق، بل فيه ما يزيد على البخس، وهو النقصان، وفي التخليد ذهاب منفعة الإيمان ومنفعة الخيرات التي سبقت منهم.
وقال تعالى : ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾[ البقرة :٢٨٦ ] والمعتزلة تزعم أنه لو آخذهم بالخطأ والنسيان كان جائرا، وقال : ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا إذ هديتنا ﴾[ آل عمران :٨ ] وهم يزعمون أنه لو أزاغ قلوبهم بعد الهدى كان منه جورا وظلما ؛ فهم أبدا على خوف من جور ربهم، ونحن نقول :إنه لو آخذهم به كان يكون ذلك منه عدلا، وإذا عفا عنهم كان ذلك منه إنعاما وإفضالا.
فنحن ندعو الله تعالى، ونتضرع إليه ألا يعاملنا بعدله، فنهلك، بل[ ندعوه أن ]١١ يعاملنا بالإفضال والإنعام.
وعلى قول المعتزلة : [ من ]١٢ ارتكب كبيرة ردت عليه حسناته، وصار عدوا لله تعالى[ وخلد ]١٣ وفي النار أبدا الآبدين، والله تعالى يقول : ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ﴾[ النساء :٤٠ ] وأولى الحسنات التي تستوجب عليها المضاعفة، هي الإيمان بالله تعالى، فلا يجوز أن يخلد في النار، وتذهب عنه منفعة الإيمان﴿ سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ﴾[ الإسراء :٤٣ ].
ثم قوله تعالى : ﴿ بخسا ولا رهقا ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما :البخس النقصان أي لا ينقص من حسناته، والرهق الظلم، كقوله تعالى : ﴿ فلا يخاف ظلما ولا هضما ﴾[ طه :١١٢ ] ولا يحمل عليه من سيئات ارتكبها غيره :
والثاني : ﴿ فلا يخاف بخسا ﴾ أي لا تقبل حسناته إذا تاب﴿ ولا رهقا ﴾ أي يظلم فلا تحسب له حسناته شيئا.
١ في الأصل و م: وقال الله..
٢ الواو ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل و م: لأنه..
٤ في الأصل و م: فلا..
٥ في الأصل و م: وقال..
٦ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٧ في الأصل و م: قال..
٨ من م، ساقطة من الأصل..
٩ في الأصل و م: يحدثون..
١٠ في الأص و م: ثم..
١١ ساقطة من الأصل و م..
١٢ من نسخة الحرم المكي ساقطة من الأصل و م..
١٣ من نسخة الحرم المكي ساقطة من الأصل و م..
الآية١٤ :وقوله تعالى : ﴿ وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ﴾ فالقاسط الجائر العادل. ثم[ في ]١ العدل ثلاث لغات ؛ يقال :عدل عنه إذا مال، وجار، وعدل به إذا جعل[ له ]٢ شريكا وعديلا، وعدل فيه إذا حكم بالعدل.
وقوله تعالى : ﴿ فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ﴾ التحري والتوخي، هو القصد ؛ فكأنه يقول :قصد الرشد بالإسلام.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
الآية ١٥ :وقوله تعالى : ﴿ وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ﴾ قال أبو بكر الأصم :دلت الآية على أن للجن لحما ودما كما للإنس لأنه [ قال في الإنس ]١ : ﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾[ البقرة :٢٤ والتحريم :٦ ] فلو لم يكونوا لحما ودما لم يصيروا لجهنم حطبا.
ولكن لا يدل[ على ذلك ]٢ لأن اللحم من شأنه أن يحترق، وينتضج، ولا يصلح أن يكون٣ وقودا، ولكن الله تعالى باللطف صير لحمان الإنس وقودا، ليس أن صار حطبا بما كان لحما، فليس في الآية ما ذكر، بل فيه أن الجن امتحنوا بالعبادة كما امتحن بها الإنس، وأنهم إذا عصوا ربهم استوجبوا العقاب مثل ما يستوجبه الإنس.
ثم ذكر عن أبي حنيفة، رحمه الله، أنه قال :ليس للجن ثواب [ وعليهم العقاب إذا عصوا، ومعنى قوله :ليس لهم ثواب ]٤ عندنا :ليس يريد به أن الله تعالى لا يرضى عنهم إذا عبدوه، ولا تعظم منزلتهم عنده، ولكنه يريد به أن الذي وعد للإنس من المأكل والمشارب والأزواج الحسان والحور في الجنة على الخلود، ليس لهم لأن الوعد من الله تعالى بها جرى للإنس، ولم يجر الوعد للجن، ولا ذكر ذلك في شيء من القرآن.
والذي وعد به الإنس طريقة الإفضال والإنعام لا أن يكون ذلك حقا للإنس قبله.
فإذا لم يجر لهم الوعد بذلك لم يجب القول لهم بالموعود.
وأما العقاب فإن الحكمة توجب التعذيب لمن كفر به، فلا يجوز أن تكون [ الحكمة ]٥ توجب تعذيب الكفرة، ثم لا يعذب الجن إذا كفروا، ولذلك وجب القول بعقابهم، ولم يجب القول بالثواب، والله الموفق.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: يكونوا..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
الآية ١٦ :وقوله تعالى : ﴿ وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ﴾ اختلف فيه :
فمنهم من قال :طريقة الهدى، ومنهم من قال :طريقة الكفر.
فمن قال :المراد، هو طريقة الهدى، قال :إن الطريقة المعروفة المعهودة، هي طريق الله تعالى، فعند الإطلاق تنصرف إليه كالدين متى ذكر مطلقا ينصرف إلى دين الحق، وكذلك السبيل المطلق.
قال الله تعالى : ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾[ الفاتحة :٦ ] وهو الإسلام. ثم يخرّج هذا على وجوه :
أحدها :ينصرف إلى الكفرة أنهم لو استقاموا على الطريقة، أي لو أجابوا إلى ما يدعون إليه من الهدى﴿ لأسقيناهم ماء غدقا ﴾ أي وسعنا عليهم، وكثرنا أموالهم، ويكون ذكر الماء ههنا كناية عن السعة، لأن سعة الدنيا كلها، تتصل بالماء، والماء أصلها. قال الله تعالى : ﴿ وفي السماء رزقكم وما توعدون ﴾[ الذاريات :٢٢ ] فأخبر أن رزق الخلق من السماء ماء، وهو المطر، وجعل ذلك رزقا ؛ إذ هو أصل رزق الخلق، فكذلك ذكر الماء ههنا كناية عن السعة من الوجه الذي ذكرنا.
فإن كان على هذا فيكون الخطاب راجعا إلى الوقت الذي كانوا ابتلوا فيه بالقحط والسنين، فوعد لهم أنهم لو أجابوا إلى ما دعوا إليه لرفع عنهم القحط والسنين، ولوسّع عليهم في الرزق، وهو كقول١ نوح وهود وغيرهما ووعدهم أقوامهم٢ بإرسال الأمطار وتكثير الأموال والأولاد[ ونحو ذلك ]٣.
ويجوز أن يكون هذا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا في أول الإسلام في ضيق الحال وشدة من العيش، وكانوا يتفرقون في الشعاب والأودية[ لشدة ]٤ ما حل بهم من الجوع ليصيبوا من عيشها، وعند اشتداد الحال تخاف النفس من هولها٥ والتبديل، فوعدوا السعة في العيش﴿ وألو استقاموا على الطريقة ﴾التي كانوا هم عليها، أي داموا عليها، ولم يبدلوا الدين الحق والهدى بالباطل كما وعد لهم النصر والظفر على الأعداء مع قلة أنصارهم، إن داموا على الإسلام.
ويحتمل ما قال بعضهم :إن تأويل قوله عز وجل : ﴿ وألّو استقاموا على الطريقة ﴾ أي لو أسلم أهل الأرض كلهم جميعا لوسعنا عليهم الدنيا، وكثرنا أموالهم وأولادهم، حتى يفتنوا فيها، فيمتحنوا بمحن شديدة، فيتحمل البعض منهم، فيبقوا مؤمنين، ولا يتحمل البعض، فيفتنوا، ويعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر حتى لا يقع/٦٠٣ -/ الخلف في وعدنا، فإن الله تعالى وعد أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولا يجوز أن يقع في وعيده خلف، وهم لو استقاموا على الطريقة، ولم يبغوا أدّى ذلك إلى خلف الوعيد[ لا أن ]٦ يملأ إذا داموا على الطريقة، ولم يبغوا، وتكون الحكمة في بغيهم أن يعرف الخلق أن الله تعالى، لم يخلقهم لمنافع، تحصل له، ولكن خلقهم لأنفسهم :إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم، وإن أساؤوا فعليهم، ولو أبقاهم على الطريقة المستقيمة، وظهرت الموالاة في الجملة لكان يسبق إلى الأوهام أنه إنما خلقهم لمنافع نفسه.
وهذا من الله تعالى بيان علمه بما لا يكون :أن لو كان، كيف يكون أن الله تعالى علم الإيمان من البعض والكفر من البعض للحكمة التي ذكرنا وغيرها مما لا يقف على بعضها الخلق دون البعض، وحكم كذلك[ الحكم ]٧ ؟
ثم أخبر أنه لو حكم بأن يستقيم الكل على طريقة الحق، ويؤمنوا، لم يحكم على طريق الأبد في حق، بل حكمه أن يستقيم عليها البعض إلى مدة، ثم يترك، ويبدل الحق بالباطل، ويدوم البعض عليها تحقيقا لما ذكرنا من الحكم، وهو كقوله : ﴿ لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ﴾[ آل عمران :١٥٤ ] أي لو [ لم ]٨ يفرض عليهم الجهاد والخروج إلى القتال لبرز الذين كتب عليهم القتل، ومنتهى آجالهم القتل، إلى حوائج أنفسهم، فيقتلون٩ منه [ بيانا لحكمه ]١٠ الذي يحكم أنه لو حكم كيف كان ؟ فكذا هذا.
وأما من قال :معناه طريقة الكفر فهو أن يكون المراد بالاستقامة ههنا الإقامة، ولفظة الإقامة يعبر بها عن الإقامة على الكفر والإسلام جميعا، وتكون الطريقة ههنا إشارة إلى الطريقة التي كانوا عرفوها قبل الإسلام، وهي الكفر.
وإن كانت الطريقة إذا أطلق ذكرها أريد بها طريقة الهدى، لأن طريقة الكفر، هي التي كانت معروفة في ما بينهم، وكذلك ذكر أهل التأويل أن الطريقة ههنا طريقة الكفر، فقوله تعالى : ﴿ لأسقيناهم ماء غدقا ﴾ أي وسعنا عليهم، وكثرنا أموالهم، ليعلموا جود ربهم كيف بسط عليهم الرزق مع اختيارهم عداوته كما بسط على أوليائه، وليعلموا حلمه حين١١ لم يؤاخذهم بذنوبهم، ولم يعجل بإنزال النقمة، والله أعلم.
١ في الأصل و م: قول..
٢ في الأصل و م: قومهم..
٣ في الأصل و م: ونحوه..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل و م: أهلها..
٦ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: لأنه..
٧ ساقطة من الأصل و م..
٨ من م، ساقطة من الأصل..
٩ في الأصل و م: فيقتلوا..
١٠ من م، في الأصل: لها..
١١ في الأصل و م: حيث..
الآية ١٧ :وقوله تعالى : ﴿ لنفتنهم فيه ﴾ فالفتنة المحنة التي فيها الشدة ؛ فإن كان هذا في أهل الكفر ففي بسط[ الرزق ]١ عليهم محنة شديدة لأن ذلك يمنعهم عن الخضوع والانقياد لرسوله الله صلى الله عليه وسلم لما يرون٢ من الفضل على من دونهم في المال والسعة. ألا ترى إلى قوله تعالى : ﴿ وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون ﴾[ سبأ :٣٤ ] [ وقوله تعالى ]٣ : ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ﴾ ؟ [ الأنعام :١٢٣ ].
وإن كان التأويل منصرفا إلى أهل الإسلام ففي التوسيع عليهم محنة شديدة، وكذلك جميع ما امتحنا به، فيه قال الله تعالى : ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾[ الأنبياء :٣٥ ] فما من حال تعترض الإنسان إلا وله٤ فيها شدة.
وقوله تعالى : ﴿ ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا ﴾ فجائز أن يكون :ومن يعرض عن طاعة ربه وعبادته، أو يعرض عن توحيده، أو يعرض عن القرآن، إذ هو الذكر٥، والإعراض ههنا عبارة عن الإيثار والاختيار، أي من يختر غير ذكر الله تعالى على ما ذكره أو طاعة غيره على طاعته.
وقوله تعالى : ﴿ يسلكه عذابا صعدا ﴾ على التحقيق كما ذكره أهل التفسير أنهم يكلفون الصعود على جبل من نار، لا يقدرون إلا بعد شدة عظيمة، ثم إذا بلغوا أعلاها يهوون فيها. فذلك دأبهم. وجائز أن يكون على التمثيل، وذلك لأن الصعود أشد من الهبوط، فيكون الصعود عبارة عن المشقة ههنا :أن يستقبله ما يشق عليه.
وقيل :المشقة التي عليه، هي٦ ما يحل به من العذاب متتابعا عذابا بعد عذاب.
وقال القتبي :الصعود المشقة، يقال :يصعد عليّ هذا الأمر يشق عليّ.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال :ما يصعدني أمر ما يصعدني خطبة النكاح، أي ما يشق عليّ، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل و م: يروا..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ كم م، في الأصل: ولها..
٥ في الأصل وم: ذكر.
٦ في الأصل و م: هو..
الآية ١٨ :وقوله تعالى : ﴿ وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا ﴾ أي ما يسجد فيه وما يسجد به :فما يسجد فيه، هي١ البقاع، وما يسجد به، هي٢ الجوارح ؛ فكأنه يقول :إن البقاع التي يسجد فيها، والأعضاء التي يسجد بها، لله تعالى لأنه، هو الذي خلقها، وأنشأها، والمساجد التي بنيت فإنما تبنى لعبادة الله تعالى وليدعى فيها، فلا تشركوا غيره في العبادة والدعاء.
وقال بعضهم :أراد بالمساجد المسجد٣ الحرام، روي ذلك عن الضحاك وغيره، فكأنه إنما صرف التأويل إلى المسجد الحرام لأن هذه السورة مكية، ولم يكن في غيرها من البقاع مساجد.
وقال بعضهم :المساجد ههنا البيع والكنائس لأن البيع والكنائس بنيت ليعبد الله تعالى فيها، فنهاهم أن يعبدوا فيها غير الله، فيخرج هذا مخرج الاحتجاج :أنكم قد علمتم أن المساجد بنيت لتعبدوا الله فيها فلا تعبدوا فيها غيره.
وإذا كان الله منشئها وخالقها دون غيره فكيف تشركون معه غيره في العبادة والدعاء، وليس هو بمنشئ لها ؟.
وقوله تعالى : ﴿ فلا تدعو مع الله أحدا ﴾ فجائز أن يكون على الدعاء نفسه، فيكون معناه ألا تدعو مع الله أحدا لأن الإله اسم المعبود ؛ كان القوم إذا عبدوا شيئا سموه إلها، فيقول :لا تدعو معه أحدا إلها، فإنه هو الإله، وهو المستحق للعبادة من كل أحد.
وجائز أن يكون أريد بالدعاء العبادة ؛ قال عليه السلام :( الدعاء مخ العبادة )[ الترمذي :٣٣٧١ ].
وقال تعالى : ﴿ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ﴾[ غافر :٦٠ ] فجعل دعاءهم إيّاه عبادة منهم له، فيكون قوله تعالى : ﴿ فلا تدعوا مع الله أحدا ﴾أي لا تشركوا غيره معه في العبادة، والله أعلم.
١ في الأصل و م: هو..
٢ في الأصل و م: هو.
٣ في الأصل وم: مسجد.
الآية ١٩ :وقوله تعالى : ﴿ وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ﴾فمنهم من يقول :إنهم﴿ كادوا يكونون عليه لبدا ﴾ على جهة الرغبة فيه وموالاتهم له ؛ فقوله تعالى : ﴿ كادوا يكونون عليه لبدا ﴾ أي كاد يلتصق بعضهم ببعض١ ليتصلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم أو﴿ كادوا يكونون عليه لبدا ﴾ أي على رسول الله صلى الله عليه وسلم كادوا يلتصقون به حبا لما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حرصا على حفظ ما سمعوا لأنهم كانوا من منذري الجن، فحرصوا على حفظه ووعيه لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، وتعجبوا مما سمعوا لأنهم سمعوه من مكان لم يكن مكان قراءة الكتب، وسمعوه٢ من الأمّيّ الذي لم يقرأ كتابا قط، ولا عرف المكتوب، فتعجبوا منه أشد التعجب. واللبد التصاق الشيء بالشيء التصاقا لا يفصل بعضه من بعض، وسمي اللبد لبدا من هذا لأن الصوف يلتصق بعضه ببعض٣ حتى لا يسرد٤. ومنهم من زعم أنهم فعلوا هذا لشدة معاداتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون على هذا منصرفا إلى الكفرة.
فقوله تعالى : ﴿ وأنه لما قام عبد الله يدعوه ﴾فمعناه/٦٠٤- أ/ أي لمّا قام محمد صلى الله عليه وسلم يوحد الله تعالى، ويدعو الخلق إلى عبادته وطاعته، همّ المشركون من الإنس والجنّ، وتلبدوا على هذا الأمر أن يطفئوه، فأبى الله إلا أن ينصره، ويمضيه.
وإن كان هذا من أهل الإسلام من الجن، والدعاء راجع إلى العبادة، فكأنه يقول :لمّا قام بعبادة الله تعالى، وهي الصلاة﴿ كادوا يكونون عليه لبدا ﴾ لشدة حرصهم في تحفظ ما سمعوا وشدة حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولما سمعوا.
١ في الأصل و م: إلى بعض..
٢ في الأصل و م: وسمعوا..
٣ في الأصل و م: من بعض..
٤ في الأصل و م: يسر..
الآية ٢٠ :وقوله تعالى : ﴿ قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا ﴾ ففيه إخبار عن دينه أن دينه التوحيد :لا إشراك بالله تعالى، وإخبار عمّا يدعو الخلق إليه ؛ وذلك توحيد الله تعالى والقيام بطاعته.
وجائز أن يكون هذا على إثر سؤال منهم ودعوتهم إلى عبادة الأصنام على ما ذكر في الأخبار أنهم قالوا :إنّا نعبد إلهك يوما، وتعبد آلهتنا يوما، وهو كقوله عز وجل : ﴿ * ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار ﴾﴿ تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ﴾ الآية [ غافر :٤١ و٤٢ ].
وجائز أن يكون كلاما مبتدأ :يؤيسهم، ويقنطهم، ويقطع طمعهم على عوده إلى ما هم عليه.
الآية ٢١ :وقوله تعالى : ﴿ قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ﴾ أي ضرا في الدين ورشدا في الدين.
والأصل في الأسماء المشتركة أن ينظر إلى [ مقابلها، فيظهر١ مرادها بما يقابلها كقوله تعالى : ﴿ وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ﴾[ الجن :١٤ ] والقاسط الجائر، وقد يكون غير الكافر جائرا، ثم صرف الجور إلى الكفر، فيظهر مراده بمقابله ]٢ وهو قوله : ﴿ ومنا القاسطون ﴾.
والضر قد يكون في الدين وفي المال والنفس، ولكنه لمّا ذكر قوله : ﴿ رشدا ﴾ والرشد يتكلم به في الدين، علم أن قوله : ﴿ ضرا ﴾ راجع إليه أيضا ؛ فكأنه يقول :لا أملك إضلالكم ولا رشدكم، إنما ذلك إلى الله تعالى : ﴿ يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾الآية[ فاطر :٨ ].
والمعتزلة تزعم أن الله تعالى، لا يملك رشد أحد ولا غيّه، بل٣ رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر ملكا، لأنه يملك أن يدعو الخلق إلى الهدى بنفسه، والله تعالى لا يملك ذلك إلا برسوله. وقال عز وجل : ﴿ ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ الآية [ البقرة :٢٧٢ ] وقال : ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ﴾[ القصص :٥٦ ].
ولو كان المراد من الهداية المضافة إلى الله تعالى الدعوة والبيان لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهديهم، لأنه داع ومبين. فثبت أن في الهداية من الله تعالى لطفا لا يبلغه تدبير البشر.
١ في م: فينظر..
٢ من م، في الأصل: مقابله..
٣ من م، في الأصل: يا..
الآية ٢٢ :وقوله تعالى : ﴿ قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا ﴾ فكأنهم طلبوا منه ترك تبليغ الرسالة إلى قوم أو كتمان شيء ممّا أمر بإظهاره أو محاباة أحد من الأجلّة، فأمره أن يخبرهم أنه لا يجيره أحد من الله تعالى، لا يجد لنفسه ملجأ إن فعل ذلك سوى أن يبلغ رسالات ربه، فيجيره من عذابه، فيكون له عنده ملجأ.
الآية ٢٣ :قوله تعالى : ﴿ إلا بلاغا من الله ورسالاته ﴾استثناء من قوله : ﴿ قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ﴾﴿ إلا بلاغا من الله ﴾ أي إني لا أملك لكم هدايتكم وإضلالكم إلا ما كلفت لأجلكم من تبليغ الرسالة.
ومنهم من جعل هذا استثناء من قوله : ﴿ قل إني لن يجيرني من الله أحد ﴾إن عدلت عن أمره، ولم١ أبلغ الرسالة، فلا يجيرني من عذابه إلا أن أبلغ الرسالة. قال الله تعالى : ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ﴾[ المائدة :٦٧ ] وقال : ﴿ فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ﴾[ النور :٥٤ ] لأنه لا يجوز أن تقع له الحاجة[ إلى الإجارة ]٢ من عذاب الله، ولم يلح٣ منه تقصير ولا تضييع، يستوجب به العقاب، فلا بد من أن يمكن فيه ما ذكرنا من التقصير في التبليغ والعدول عمّا كلف حتى يستقيم ذكر الإجارة فيه.
وذكر أبو معاذ صاحب التفسير أن الاستثناء راجع إلى قوله : ﴿ قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ﴾ [ الجم :٢١ ] ليس إلى قوله : ﴿ قل إني لن يجيرني من الله أحد ﴾[ الجن :٢٢ ] واستدل على ذلك بقراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ :قل إني لا أملك لكم غيا ولا رشدا إلا بلاغا من الله.
وليس في ما ذكرنا قطع الاستثناء على قوله : ﴿ قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ﴾ للوجه الذي ذكر. ولأن أكثر أهل التأويل أجمعوا على صرف الاستثناء إلى قوله : ﴿ قل إني لن يجيرني من الله أحد ﴾ فلا يجوز أن يحمل قولهم على الخطإ لما ذكره أبو معاذ. ولما ذهبوا إليه وجه الصحة والسداد.
وجائز أن يكون البلاغ والرسالة واحدا، فيكون الذي يبلغ﴿ بلاغا من الله ورسالاته ﴾ ويكون ذلك على التكرار، وهو كقوله : ﴿ ويعلمه الكتاب والحكمة ﴾[ آل عمران :٤٨ ] قيل :إنهما واحد.
وجائز أن تكون الرسالة نفس ما أنزل الله، وهو الكتاب، والبلاغ ما أودع فيه من الحكمة والمعاني.
وكذلك قيل في قوله تعالى : ﴿ ويعلمه الكتاب والحكمة ﴾ فالكتاب هو المنزل نفسه، والحكمة ما تضمن فيه من المعاني.
وجائز أن يكون البلاغ من الله تعالى منصرفا إلى حكمه ورسالاته إلى خبره٤، أو تكون رسالاته حكمه والبلاغ خبره، وهو كقوله تعالى : ﴿ وتمت كلمات ربك صدقا ﴾ أخباره﴿ وعدلا ﴾[ الأنعام :١١٥ ] أو﴿ بلاغا من الله ﴾ حق الله عليهم﴿ ورسالاته ﴾ بما به مصالحهم، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ولن أجد من دونه ملتحدا ﴾ قالوا :لا ملجأ ومآل وموضع، يمال إليه، والالتحاد الإمالة، سمّي اللحد لحدا من هذه لأنه يمال عن سننه.
وقوله تعالى : ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا ﴾كقوله٥ في موضع آخر : ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ﴾[ الأحزاب :٥٧ ] وقوله٦ : ﴿ ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ﴾[ الأحزاب :٣٦ ] وكل من ارتكب المآثم فقد دخل في حد العصيان وإيذاء الرسول.
ولكن المراد ههنا :من يعتقد عصيان الرسول وأذاه لأن الله تعالى أضاف الأذى والعصيان إلى نفسه، ولا أحد يقصد قصد أذى الله تعالى، والله عز وجل لا يؤذى، ولكن أضاف أذى الرسول وعصيانه إلى نفسه، وقد كانوا يعتقدون عصيانه وأذاه، فجعل عصيانهم وأذاهم لرسوله أذى منهم لله تعالى وعصيانا له، فثبت أن هذا في الاعتقاد.
وقال عز وجل : ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾[ النساء :٨٠ ] وقال : ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴾[ النساء :٦٥ ] فجعل طاعة الرسول طاعة له وعصيان رسوله عصيانا له، ولأنه ذكر العصيان على [ إثر ]٧ تبليغ الرسالة ثبت٨ أن العصيان ههنا في ترك القبول بما أنزل على الرسول وفي اعتقاد العصيان له.
وروي عن أبي حنيفة، رحمه الله، أنه قال :من آمن بالله تعالى، ولم يؤمن برسوله فهو ليس بمؤمن لأن جهله بالله تعالى، هو الذي حمله على تكذيب الرسول، لأن الرسول ليس يدعو إلا إلى ما يقربه إلى الله تعالى وإلى ما ينجيه من عذابه. فلو كان يحب الله تعالى، ويؤمن به، لكان يدعوه ذلك إلى حب الرسول وإلى طاعته. فثبت أن المكذب للرسول جاهل بربه، والمطيع له مطيع لله عز وجل.
١ من م، في الأصل و م: ولن..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في م: يقع..
٤ في الأصل و م: غيره..
٥ في الأصل و م: وقال..
٦ في الأصل و م: وقال..
٧ ساقطة من الأصل و م..
٨ في الأصل و م: فثبت..
الآية ٢٤ :وقوله تعالى : ﴿ حتى إذا/ ٦٠٤- ب/ رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا ﴾كقوله١ في موضع آخر : ﴿ فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا ﴾[ مريم :٧٥ ].
ويحتمل أن يكون هذا في الدنيا والآخرة جميعا، ويكون ذلك راجعا [ إلى ]٢ يوم بدر كما ذكر أهل التأويل، إذ قد ظهر في ذلك اليوم أنهم﴿ فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا ﴾ أو أضعف ناصرا.
ويشبه أن يكون هذا في الآخرة، فإنهم يعلمون أنهم أقل عددا في الآخرة لأن كل واحد منهم يتبرأ من صاحبه وناصره ومعينه في الدنيا، ويصير عدوا له، فيقل عددهم، وأما في يوم بدر فقد كانوا عددا من المسلمين، فلم يبين لهم أنهم أقل في العدد.
ويجوز أن يكون يوم بدر يكون المسلمون أكثر عددا لأن الله تعالى أمدّ المسلمين بملائكته، فصار عددهم أكثر في التحقيق، وإن كانت الكفرة في رأي[ العين ]٣ أكثر منهم عددا.
ثم يشبه أن تكون هذه الآية نزلت على إثر تخويف الكفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة عددهم وقوتهم في أنفسهم وقلة عدد المسلمين، فوعد الله تعالى نبيه عليه السلام بالنصر وكثرة العدد عند وقوع الحاجة إليها، وبالله التوفيق.
١ في الأصل و م: وقال..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ ساقطة من الأصل و م..
الآية ٢٥ :وقوله تعالى : ﴿ قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا ﴾ فهذا ذكره عند ذكر الوعيد، وهو قوله : ﴿ فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا ﴾[ الآية :٢٤ ] فكأنهم سألوه :متى توقعت هذا الوعيد ؟ فأمر أن يقول : ﴿ قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا ﴾.
قد ذكرنا في ما تقدم من الآيات أن ليس في بيان وقت الوعيد فضل يقع في الوعيد، بل إذا لم يبين وقت الوعيد كان فيه فضل تخويف وتحذير، لا يوجد في ما يبين، لأنه إذا بين ؛ فإن كان فيه أمد سوّف الناس، وأخّروا التوبة لما أمنوا حلول النقمة بهم إلى مجئ ذلك اليوم، وإذا لم يمهلوا صاروا إلى الإياس، فيرتفع الخوف والرجاء، وفيه ارتفاع المحنة في الأصل بالعمل على الرجاء والخوف.
ولأنه إذا لم يبين كانوا على الحذر والخوف، فيحملهم ذلك على التسارع في الخيرات والانقلاع عن المساوئ، أمره١ أن يقول هذا[ لأن الذي ]٢ يقول هذا عالم بالوقت الذي يقع فيه الوعيد.
١ في الأصل و م: فأمر..
٢ في الأصل و م: وإلا والذي بان..
الآيتان ٢٦ و٢٧ :وقوله تعالى : ﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ﴾﴿ إلا من ارتضى من رسول ﴾ الأصل[ في ما ]١ غيب الله عن الخلق أنه على منازل ثلاثة :
أحدها :قد أعجز الخلق عن احتمال الوقوف عليه بالخلقة نحو الكيانات التي هي أصول الأشياء ؛ لو أراد أحد أن يعرف المعنى الذي صلح أن يكون كيانا لم يقف عليه، ونحو الماء[ الذي ]٢جعل حياة لكل شيء، ولو أراد أحد أن يتعرف المعنى الذي به يصلح أن يجعل حياة لم يقف عليه. وكذلك هذا في كل ما جعل كيانا موجودا.
والثاني :ما مكن معرفته وبلوغه إليه بالتأمل والنظر بدون معرفة السمع والأثر نحو معرفة الصانع ومعرفة وحدانيته.
والثالث :هو الذي لم يعجزهم عن إدراكه، ولا مكنهم من الوقوف عليه دون خبر يرد. فقوله تعالى : ﴿ فلا يظهر على غيبه أحدا ﴾﴿ إلا من ارتضى من رسول ﴾ في هذا والذي مكنوا فيه. لكنهم لا يبلغونه إلا بمعونة الخبر ؛ وذلك نحو الأشياء التي ترجع إلى مصالح الخلق والتي توصل إلى مصالح الأغذية مما ظهر بين الخلق، ولكنها لا تعرف إلا بالسماع ممن له علم من الخلق وانتشاره فيهم، وهو بحيث لا يحتمل إدراكه بالنظر، فبين أن ذلك بالرسول. ومتى وجد ذلك من شخص مشار إليه دل ذلك على الاختصاص له بالرسالة.
ثم ذكر بعضهم أن في هذه الآية دلالة تكذيب المنجّمة، وليس كذلك لأن فيهم من يصدق خبره، ويعرف المطالع والمغارب والمشارق والكواكب التي بها يتوالد الخلق والتي يقع عندها التغير والتبدل، وذلك مما لا يوقف على علمه بالتأمل والتدبر، وكذلك المطبّبة منهم من يعرف طبائع النبات أنها تصلح لكذا، وهذا يصلح لكذا، فتقع به المصالح للخلق.
ومعلوم٣ أن هذا من نوع ما لا يدرك بالتأمل والنظر، فعلم أنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره، وبقي علمه في الخلق، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ إلا من ارتضى من رسول ﴾ أي اختاره، واصطفاه.
والأصل أن الرسالة تلوم خلق الشهادة له بالصدق في كل خبر وبالعدل في كل حكم لقوله : ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴾[ النساء :٦٥ ] وبالإصابة في كل أمر في ما لم يبلغ مبلغا يوجب الأمر، فهو لا يختصه للرسالة.
وفي الاختصاص نعمة عظيمة على الخلق ؛ إذ به وصل الخلق إلى تعرف ما تبلغهم إليه الحاجة في أمر معاشهم ومعادهم ودينهم ودنياهم.
وقوله تعالى : ﴿ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ﴾ قيل :رصدا من بين يدي الرسول ومن خلفه من الملائكة ليمنع الإنس عن الرسل في منعهم عن التبليغ حتى يبلغوا. ذكر هذا عن الحسن البصري، رحمه الله، وكذلك قال في قوله : ﴿ إن ربك أحاط بالناس ﴾[ الإسراء :٦٠ ]. إن إحاطته هي أن يعصمه من الناس[ من أن يصل إليه منع الناس ]٤ إياه عن تبليغ الرسالة.
ويحتمل أن يكون الملائكة جعلوا رصدا للجن٥ عن استراق ما يوحى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وعن تلقنه حتى يكون الرسول هو الذي يبلغ إلى الخلق، ويشتهر ذلك بين الخلق أن الرسول، هو الذي قام بتبليغه إلى الخلق، لأنهم إذا لم يجعلوا رصدا[ لكان للجن ]٦ أن يسترقوه، ويبلغوه، فيأتوا بلدة، لم يتيسر عندهم علم ذلك من جهة الرسول، فيعرفوا ذلك من عند الجن قبل أن يبلغهم الرسول، فإذا بلّغ الرسول من بعد التبس الأمر على الذين ظهر فيهم العلم من جهة الجن، فجعل عليهم رصدا حتى ينتشر علم ذلك من جهة الرسول، [ فترتفع الشبه ]٧، إذ يكون الرصد يمنع الجن الذين سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغوا قومهم من الجن حتى ينتهي الخبر إليهم من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقال بعضهم : ﴿ من بين يديه ومن خلفه رصدا ﴾ إن الملائكة كانوا يرصدون النبي صلى الله عليه وسلم فإذا جاءه الملك قالوا :هذا وحي من الله تعالى، وإذا جاءه الشيطان أخبروه به، ولكن هذا بعيد، لا يحتمل أن يخفى عليه وحي الشيطان من وحي جبرائيل عليه السلام.
وقال بعضهم : ﴿ من بين يديه ومن خلفه رصدا ﴾ أي من بين يدي من يبلغ الرسالة إلى الرسول، وهو الملك الذي ينزل بالوحي، جعل من بين يديه ومن خلفه ملائكة يرصدونه كي لا يستلب الشيطان منه، ويحدث فيه حدثا من التغيير والتبديل، ليعلم رسول الله أنه إنما يبلغ إليه رسالة ربه، وهذا بعيد أيضا لأن المبلغ بالقوة يدفع٨ أذى الجن عن نفسه، وهو أمين لا يخاف من التغيير والتبديل حتى يجعله ممتحنا بالتبليغ، والذين معه من الرصد/٦٠٥ –أ/ امتحنوا بأمور أخر، لا أن جعلوا رصدا من الجن.
وجائز أن يكونوا أرسلوا لمكان تعظيم الوحي وتشريف الرسالة، والله أعلم.
١ من م، في الأصل: فيها..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ الواو ساقطة من الأصل و م..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل و م: من الجن..
٦ في الأصل و م: لكن الجن..
٧ في الأصل و م: فيترفع التشبيه..
٨ أدرج قبلها في الأصل و م: ما..
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٦: الآيتان ٢٦ و٢٧ :وقوله تعالى : ﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ﴾﴿ إلا من ارتضى من رسول ﴾ الأصل[ في ما ]١ غيب الله عن الخلق أنه على منازل ثلاثة :
أحدها :قد أعجز الخلق عن احتمال الوقوف عليه بالخلقة نحو الكيانات التي هي أصول الأشياء ؛ لو أراد أحد أن يعرف المعنى الذي صلح أن يكون كيانا لم يقف عليه، ونحو الماء[ الذي ]٢جعل حياة لكل شيء، ولو أراد أحد أن يتعرف المعنى الذي به يصلح أن يجعل حياة لم يقف عليه. وكذلك هذا في كل ما جعل كيانا موجودا.
والثاني :ما مكن معرفته وبلوغه إليه بالتأمل والنظر بدون معرفة السمع والأثر نحو معرفة الصانع ومعرفة وحدانيته.
والثالث :هو الذي لم يعجزهم عن إدراكه، ولا مكنهم من الوقوف عليه دون خبر يرد. فقوله تعالى : ﴿ فلا يظهر على غيبه أحدا ﴾﴿ إلا من ارتضى من رسول ﴾ في هذا والذي مكنوا فيه. لكنهم لا يبلغونه إلا بمعونة الخبر ؛ وذلك نحو الأشياء التي ترجع إلى مصالح الخلق والتي توصل إلى مصالح الأغذية مما ظهر بين الخلق، ولكنها لا تعرف إلا بالسماع ممن له علم من الخلق وانتشاره فيهم، وهو بحيث لا يحتمل إدراكه بالنظر، فبين أن ذلك بالرسول. ومتى وجد ذلك من شخص مشار إليه دل ذلك على الاختصاص له بالرسالة.
ثم ذكر بعضهم أن في هذه الآية دلالة تكذيب المنجّمة، وليس كذلك لأن فيهم من يصدق خبره، ويعرف المطالع والمغارب والمشارق والكواكب التي بها يتوالد الخلق والتي يقع عندها التغير والتبدل، وذلك مما لا يوقف على علمه بالتأمل والتدبر، وكذلك المطبّبة منهم من يعرف طبائع النبات أنها تصلح لكذا، وهذا يصلح لكذا، فتقع به المصالح للخلق.
ومعلوم٣ أن هذا من نوع ما لا يدرك بالتأمل والنظر، فعلم أنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره، وبقي علمه في الخلق، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ إلا من ارتضى من رسول ﴾ أي اختاره، واصطفاه.
والأصل أن الرسالة تلوم خلق الشهادة له بالصدق في كل خبر وبالعدل في كل حكم لقوله : ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴾[ النساء :٦٥ ] وبالإصابة في كل أمر في ما لم يبلغ مبلغا يوجب الأمر، فهو لا يختصه للرسالة.
وفي الاختصاص نعمة عظيمة على الخلق ؛ إذ به وصل الخلق إلى تعرف ما تبلغهم إليه الحاجة في أمر معاشهم ومعادهم ودينهم ودنياهم.
وقوله تعالى : ﴿ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ﴾ قيل :رصدا من بين يدي الرسول ومن خلفه من الملائكة ليمنع الإنس عن الرسل في منعهم عن التبليغ حتى يبلغوا. ذكر هذا عن الحسن البصري، رحمه الله، وكذلك قال في قوله : ﴿ إن ربك أحاط بالناس ﴾[ الإسراء :٦٠ ]. إن إحاطته هي أن يعصمه من الناس[ من أن يصل إليه منع الناس ]٤ إياه عن تبليغ الرسالة.
ويحتمل أن يكون الملائكة جعلوا رصدا للجن٥ عن استراق ما يوحى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وعن تلقنه حتى يكون الرسول هو الذي يبلغ إلى الخلق، ويشتهر ذلك بين الخلق أن الرسول، هو الذي قام بتبليغه إلى الخلق، لأنهم إذا لم يجعلوا رصدا[ لكان للجن ]٦ أن يسترقوه، ويبلغوه، فيأتوا بلدة، لم يتيسر عندهم علم ذلك من جهة الرسول، فيعرفوا ذلك من عند الجن قبل أن يبلغهم الرسول، فإذا بلّغ الرسول من بعد التبس الأمر على الذين ظهر فيهم العلم من جهة الجن، فجعل عليهم رصدا حتى ينتشر علم ذلك من جهة الرسول، [ فترتفع الشبه ]٧، إذ يكون الرصد يمنع الجن الذين سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغوا قومهم من الجن حتى ينتهي الخبر إليهم من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقال بعضهم : ﴿ من بين يديه ومن خلفه رصدا ﴾ إن الملائكة كانوا يرصدون النبي صلى الله عليه وسلم فإذا جاءه الملك قالوا :هذا وحي من الله تعالى، وإذا جاءه الشيطان أخبروه به، ولكن هذا بعيد، لا يحتمل أن يخفى عليه وحي الشيطان من وحي جبرائيل عليه السلام.
وقال بعضهم : ﴿ من بين يديه ومن خلفه رصدا ﴾ أي من بين يدي من يبلغ الرسالة إلى الرسول، وهو الملك الذي ينزل بالوحي، جعل من بين يديه ومن خلفه ملائكة يرصدونه كي لا يستلب الشيطان منه، ويحدث فيه حدثا من التغيير والتبديل، ليعلم رسول الله أنه إنما يبلغ إليه رسالة ربه، وهذا بعيد أيضا لأن المبلغ بالقوة يدفع٨ أذى الجن عن نفسه، وهو أمين لا يخاف من التغيير والتبديل حتى يجعله ممتحنا بالتبليغ، والذين معه من الرصد/٦٠٥ –أ/ امتحنوا بأمور أخر، لا أن جعلوا رصدا من الجن.
وجائز أن يكونوا أرسلوا لمكان تعظيم الوحي وتشريف الرسالة، والله أعلم.
١ من م، في الأصل: فيها..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ الواو ساقطة من الأصل و م..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل و م: من الجن..
٦ في الأصل و م: لكن الجن..
٧ في الأصل و م: فيترفع التشبيه..
٨ أدرج قبلها في الأصل و م: ما..

الآية ٢٨ :وقوله تعالى : ﴿ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ﴾ [ يحتمل وجهين :
أحدهما :ما ]١ قال قائلون :ليعلم محمد بالرصد أن قد أبلغ سائر الرسل رسالات ربهم على الوجه الذي أمروا كما أبلغ هو.
والثاني :أن يعلم كل في نفسه أن قد أبلغ رسالات ربنا وليعلم الأعداد أن قد أبلغ محمد عليه السلام رسالات ربه على الوجه الذي أمر، لم يقع فيه تغيير من شيطان ولا[ جنّيّ ولا عدو.
وقوله تعالى : ﴿ وأحاط بما لديهم ﴾أي بما عند الرسول وبما عند الملائكة أو بما عند الخلق.
وقوله تعالى : ﴿ وأحصى كل شيء عددا ﴾ أي أحاط بالعلم الذي ]٢ هو معدود لا بالعدد، وهو كقوله عز وجل : ﴿ وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ﴾[ الحجر :١٩ ] أي ما يوزن عند الخلق، أو أحاط العلم بما لدى الكفرة لا بالرصد.
وإن في نصب الرصد محنة وتكليفا على الرصد لا أن يقع بهم الحفظ، وهو كقوله عز وجل : ﴿ ألن يكفيكم أن يمدّكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ﴾[ إلى قوله ]٣ : ﴿ وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ﴾[ آل عمران :١٢٤ -١٢٦ ] فبين أن النصر من عنده وأن الملائكة إنما أرسلت لتطمئن بها قلوب المؤمنين، وتركن إليها طباعهم.
[ وقوله تعالى ]٤ ﴿ وأحصى كل شيء عددا ﴾ [ أي كل شيء ]٥عنده معدود ومحصى، لا يغفل، جلّ جلاله، عن معرفة عدده، ولا تعتريه أحوال، تعزب عنه٦ فيها علم ذلك، خلافا لما عليه أمر الخلق، والله الموفق[ وصلّى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين ]٧.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ من م، في الأصل: جن ولا..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ من نسخة الحرم المكي ساقطة من الأصل وم.
٦ في الأصل و م: عنها..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
السورة التالية
Icon