0:00
0:00

﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ...﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن حضرميّ: أنه ذكر له أنّ جنيًّا من الجن من أشرافهم ذا تبع قال: إنما يريد محمد أن يجيره الله وأنا أجيره، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ...﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لقومك ليعرفوا بذلك أنّك مبعوث إلى الجنّ كالإنس ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ﴾؛ أي: ألقي عليّ بطريق الوحي، واخبرت بإعلام من لله تعالى. والإيحاء: إعلام في خفاء. وفائدة (١) إخباره بهذه الأخبار بيان أنه رسول الثقلين، والنهي عن الشرك والحث على التوحيد، فإن الجن مع تمردهم وعدم مجانستهم إذا آمنوا فكيف لا يؤمن البشر مع سهولة طبعهم ومجانستهم؟. ﴿أَنَّهُ﴾ بفتح الهمزة؛ لأنّه نائب فاعل لـ ﴿أُوحِيَ﴾. وعند الكوفيين والأخفش يجوز نيابة الجار والمجرور مع غيره، والضمير للشأن والحديث؛ أي: إنَّ الشأن والحديث ﴿اسْتَمَعَ﴾؛ أي: أصغى القرآن أو طه أو اقرأ وقد حذف لدلالة ما بعده عليه. والاستماع: الإصغاء، والمستمع من كان قاصدًا للسماع مصغيًا إليه، والسامع: من اتفق سماعه من غير قصد إليه، فكل مستمتع سامع من غير عكس. ﴿نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾؛ أي: جماعة منهم ما بين الثلاثة والعشرة. قال في "القاموس": النفر: ما دون العشرة من الرجال كالنفير، والجمع أنفار. وفي"المفردات": النفر: عدة رجال يمكنهم النفر إلى الحرب. والجن واحده جني كروم ورومي ونحوه.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ رباعيًا. وقرأ ابن أبي عبلة، وأبو إياس جوبة بن عائد الأسدي، والعتكي عن أبي عمرو ﴿وحي﴾ ثلاثيًا، يقال: وحي وأوحي بمعنى واحد، وهما لغتان. وقرأ زيد بن عليّ، وجوبة فيما روى عن الكسائي، وابن أبي عبلة أيضًا ﴿أحي﴾ بإبدال الواو همزة، ما قالوا في وعد: أعد. وقال الزمخشري: وهو من القلب المطلق جوازه في كل واو مضمومة انتهى. وليس كما ذكر بل في
(١) روح البيان.
(٢) البحر المحيط.
ذلك تفصيل، وذلك أنَّ الواو المضمومة قد تكون أوّلًا وحشوا وآخرًا، ولكل منها أحكام، وفي بعضها تفصيل، وخلاف مذكور في كتب النحو. قال الزمخشري: وقد أطلقه المازني في المكسور أيضًا كإشاح وإسادة وإعاء أخيه انتهى.
واختلف (١) هل رآهم النبي - ﷺ - أو لم يرهم؛ فظاهر القرآن: أنّه لم يرهم لأنّ المعنى: قل يا محمد لأمّتك أوحي إليّ علي لسان جبريل ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾. ويؤيّد هذا ما ثبت في الصحيح عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله - ﷺ - على الجن وما رآهم. وقال عكرمة: والسورة التي كان يقرؤها رسول الله وهي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾. وقيل غير ذلك، كما مرّ آنفًا؛ إذ لو رآهم (٢) لما أسند معرفة هذه الواقعة إلى الوحي، فإن ما عرف بالمشاهدة لا يستند إثباته إلى الوحي، وكذا لم يشعر بحضورهم وباستماعهم، ولم يقرأ عليهم. وإنّما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته، فسمعوها فأخبره الله تعالى بذلك، وقد مضى ما فيه من التفصيل في سورة الأحقاف فلا نعيده. وقال الضحاك: والجنّ ولد الجانّ وليسوا شياطين. وقال الحسن: إنهم ولد إبليس. وقيل: هم أجسام رقاق في صورة تخالف صورة الملك والإنس عاقلة كالإنس خفيّة عن أبصارهم لا يظهرون لهم، ولا يكلّمونهم إلا صاحب معجزة بل يوسوسون سائر الناس يغلب عليهم النارية أو الهوائية، ويدل على الأوّل مثل قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾، فإن المشهور أنَّ المركبات كلها من العناصر، فما يغلب فيه النار فناري كالجن، وما يغلب فيه الهواء فهوائي كالطير، وما يغلب فيه الماء فمائي كالسمك، وما يغلب فيه التراب فترابي كالإنسان، وسائر الحيوانات الأرضية. وقيل: هي نوع من الأرواح المجردة؛ أي: الملائكة. وقيل: هي النفوس البشرية المفارقة لأبدانها.
وأكثر الفلاسفة ينكرون وجود الجن في الخارج، واعترف به جمع عظيم من قدمائهم، وكذا جمهور أرباب الملل المصدّقين بالأنبياء. قال الفاشانيّ: إنّ في الوجود نفوسًا أرضيّة قوية لا في غلظ النفوس السبعية والبهيمة وكثافتها وقلة إدراكها، ولا على هيئات النفوس الإنسانية واستعدادها ليلزم تعلقها بالأجرام الكثيفة
(١) الشوكاني.
(٢) روح البيان.
الغالب عليها الأرضية، ولا في صفاء النفوس المجردة ولطافتها لتتصل بالعالم العلوي، وتتجرد، أو تتعلق ببعض الأجرام السماويّة متعلقة بأجرام لطيفة غلبت عليها الهوائية، أو النارية أو الدخانية على اختلاف أحوالها. سماها بعض الحكماء الصور المعلقة، ولها علوم وإدراكات من جنس علومنا وإدراكاتنا، ولما كانت قريبة الطبع إلى الملكوت السماوي أمكنها أن تتلقي من عالمها بعض الغيب، فلا يستبعد أن ترتقي أفق السماء فتسترق السمع من كلام الملائكة؛ أي: النفوس المجردة. ولما كانت أرضيّة ضعيفة بالنسبة إلى القوى السماوية تأثرت تلك القوى، فرجمت بتأثيرها عن بلوغ شأنها وإدراك مداها من العلوم، ولا ينكر أن تشتعل أجرامها الدخانية بأشعة الكواكب فتحترق، وتهلك أو تنزجر عن الارتقاء إلى الأفق السماوي، فتتسفل فإنها أمور ليست بخارجة عن الإمكان.
وقد اختلف (١) أهل العلم في دخول مؤمني الجن الجنة كما يدخل عصاتهم النار لقوله في سورة تبارك: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ وقول الجنّ فيما سيأتي في هذه السورة: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ وغير ذلك من الآيات. فقال الحسن: يدخلون الجنة، وقال مجاهد: لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار. والأول أولى لقوله في سورة الرحمن: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ وفي سورة الرحمن آيات غير هذه تدل على ذلك، فراجعها. وقد قدمنا أن الحق أنه لم يرسل الله إليهم رسلًا منهم بل الرسل جميعًا من الإنس، وإن أشعر قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ بخلاف هذا فهو مدفوع الظاهر بآيات كثيرة في الكتاب العزيز دالة على أنّ الله سبحانه لم يرسل الرسل إلّا من بني آدم. وهذه الأبحاث يطول الكلام فيها. والمراد هنا الإشارة إليها بأخصر عبارة وأوجز إشارة.
والحاصل (٢): من الكتاب والسنة: العلم القطعي بأن الجن والشياطين موجودون متعبّدون بالأحكام الشرعية على النحو الذي يليق بخلقتهم وبحالهم، وأن النبي - ﷺ - رسول إلى الإنس والجن، فمن دخل في دينه فهو من المؤمنين، ومعهم في الدنيا والآخرة والجنة، ومن كفر به فهو من الشياطين المبعدين المعذبين فيها والنار مستقره.
(١) الشوكاني.
(٢) الخازن.
والمعنى (١): أمر الله رسوله أن يظهر لأصحابه ما أوحى به إليه من قصص الجن لما في علمه من فوائد ومنافع للناس منها:
١ - أن يعلموا أنه - ﷺ - كما بعث إلى الإنس بعث إلى الجن.
٢ - أن يعلموا أنّ الجن يستمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا.
٣ - أن يعلموا أن المؤمن منهم يدعو غيره من قبيلته إلى الإيمان.
٤ - أن يعلموا أن الجن مكلفون كالإنس.
٥ - أن تعلم قريش أنَّ الجن على تمردها، لما سمعت القرآن عرفت إعجازه وآمنت به.
وكان استماعهم للنبي - ﷺ - قبل الهجرة بثلاث سنين، والذين استمعوه هم جن نصيبين قرية باليمن، وذلك في صلاة الصبح يقرأ سورة الرحمن، أو سورة اقرأ ببطن نخل موضع بين مكة والطائف. وذكر الخطيب في سورة الأحقاف أنّ صلاته ببطن نخل كانت حين رجوعه من الطائف، فإن النبي - ﷺ - في السنة الحادية عشرة من النبوة لما أيس من أهل مكة خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإِسلام، فلم يجيبوه، فانصرف راجعًا إلى مكة، فأقام ببطن نخل، بينه وبين مكة مسيرة ليلة، يقرأ القرآن فمرّ به نفر من جنّ نصيبين اهـ. وعن عكرمة: أنهم كانوا اثني عشر ألفًا من جزيرة الموصل.
وقد حكى سبحانه عن الجن أشياء:
١ - ﴿فَقَالُوَا﴾ لقومهم عند رجوعهم إليهم ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا﴾؛ أي: كتابًا مقروءًا على لسان الرسول ﴿عَجَبًا﴾؛ أي: عجيبًا؛ أي: معجبًا في فصاحته وبلاغته، وقيل: في مواعظه، وقيل: في بركته. وهو مصدر بمعنى العجيب وضع موضعه للمبالغة، والعجيب ما خرج عن حدّ أشكاله ونظائره. والمعنى: كتابًا بديعًا مباينًا لكلام الناس في حسن النظم ودقّة المعنى. وقال البقليّ: كتابًا عجيبًا تركبه، وفيه إشارة إلى أنهم كانوا من أهل اللسان.
٢ - ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾؛ أي: إلى الحق والصواب وصلاح الدنيا والدين، كما قال عليه السلام: "اللهم ألهمني رشدي"؛ أي: الاهتداء إلى مصالح الدين والدنيا، فيدخل فيه التوحيد والتنزيه. وحقيقة الرشد هو الوصول إلى الله تعالى. والجملة صفة أخرى للقرآن.
(١) المراغي.
وقرأ الجمهور: ﴿الرُّشد﴾ بضم الراء وسكون الشين، وعيسى بضمّهما، وعنه أيضًا فتحهما. ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾؛ أي: بذلك القرآن، ومن ضرورة الإيمان به الإيمان بمن جاء به، أي: صدّقنا به بأنّه من عند الله تعالى. ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ﴾ بعد اليوم البتة؛ أي: بعد علمنا بالحق ﴿بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ حسبما نطق به ما فيه من دلائل التوحيد؛ أي: لا نجعل أحدًا من المعبودات شريكًا له سبحانه اعتقادًا، ولا نعبد غيره. فإن تمام الإيمان إنما يكون بالبراءة من الشرك والكفر كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. فلكونه قرآنًا معجزًا بديعًا وجب الإيمان به، ولكونه يهدي إلى الرشد وجب قطع الشرك من أصله. والدخول في دين الله كله فمجموع قوله: ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ مسبب عن مجموع قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾، ولذا عطف ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ﴾ بالواو مع أنّ الظاهر الفاء، وفي هذا توبيخ للكفّار من بني آدم حيث آمنت الجنّ بسماع القرآن مرّةً واحدةً، وانتفعوا بسماع آيات يسيرة منه، وأدركوا بعقولهم أنه كلام الله وآمنوا به، ولم ينتفع كفّار الإنس لا سيّما رؤوساؤهم وعظماؤهم بسماعه مرّات متعددة وتلاوته عليهم في أوقات مختلفة مع كون الرسول منهم يتلوه عليهم بلغاتهم لا جرم صرعهم الله أذل مصرع وقتلهم أقبح مقتل، ولعذاب الآخرة أشد لو كانوا يعلمون.
والمعنى (١): أي قالوا لقومهم حين رجعوا إليهم كما جاء في قولهم: ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: إنا سمعنا كتابًا بديعًا يهدي إلى الحق وإلى الطريق المستقيم، فصدّقنا به، ولن نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك بالله.
٢ - ٣ ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ بفتح الهمزة (٢) وكذا ما بعده من الجمل المصدرة بـ ﴿أنّ﴾ في أحد عشر موضعًا معطوف على ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾، فيكون من جملة الكلام الموحى به على أنَّ المُوحى عين عبارة الجن بطريق الحكاية كأنّه قيل: قل أوحي إليّ كيت وكيت. وهذه العبارات فاندفع ما قيل من أنّك لو عطفت ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾ و ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾ ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾ ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا﴾ وشبه ذلك على أنّه استمع لم يجز، لأنّه ليس مما أوحي إليه، وإنّما هو أمر أخبروا به عن أنفسهم انتهى. قلت: والذي يظهر لي أنّ ﴿أنّ﴾ المفتوحة في مواضعها كلها مستعملة استعمال إنّ المكسورة
(١) المراغي.
(٢) روح البيان.
توسعة لدائرة الكلام إلا في قوله: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ فتكون فيه على بابها، وفي سائر المواضع بمعنى ﴿إن﴾ المكسورة فتكون مقولا لقوله: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾. ومن قرأ بالكسر عطف على المحكي بعد القول، وهو الأظهر لوضوح اندراج الكلّ تحت القول. وقيل: في الفتح والكسر غير ذلك، والأقرب ما قلناه.
والمعنى: وأنّ الشأن ارتفع عظمة ربّنا كما تقول في الثناء على الله: وتعالى جدّك؛ أي: ارتفع عظمتك. وفي إسناد التعالي إلى العظمة مبالغة لا تخفى من قولهم: جدّ فلان في عيني؛ أي: عظم تمكّنه أو سلطانه؛ لأن الملك والسلطنة غاية العظمة. أو غناه على أنه مستعار من الجد الذي هو البخت والدولة والحظوظ الدنيوية سواء استعمل بمعنى الملك والسلطان أو بمعنى الغنى، فإن الجد في اللغة كما يكون بمعنى العظمة، وبمعنى أب الأب وأبي الأم يكون بمعنى الحظ والبخت، يقال: رجل مجدود؛ أي: محظوظ. شبه سلطان الله وغناه الذاتيان الأزليان ببخت الملوك والأغنياء، فأطلق اسم الجد عليه استعارة.
وقرأ الحرميّان (١): نافع وابن كثير، والأبوان: أبو عمرو وأبو بكر بفتح الهمزة من قوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى﴾ وما بعده، وهي اثنتا عشرة آية، آخرها ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾. وباقي السبعة بالكسر، فأما الكسر فواضح؛ لأنها معطوفات على قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾، فهي داخلة في معموم القول. وأما الفتح فقال أبو حاتم: هو معطوف على مرفوع ﴿أُوحِيَ﴾، فهو كله في موضع رفع على ما لم يسم فاعله انتهى. وهذا لا يصح؛ لأن من المعطوفات ما لا يصح دخوله تحت ﴿أُوحِيَ﴾، وهو كل ما كان فيه ضمير المتكلم كقوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾، ألا ترى أنه لا يلائم ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ﴾، وكذلك باقيها. وقال الزمخشري: ومن فتح كلهن فعطفًا على محل الجار والمجرور في ﴿آمَنَّا بِهِ﴾، كأنه قيل: صدقناه وصدّقنا بأنه تعالى جد ربنا، وبأنه كان يقول سفيهنا، وكذلك البواقي انتهى. ولم يتفطن لما تفطن له الفراء من أن بعضها لا يحسن أن يعمل فيه ﴿آمَنَّا﴾.
وتلخيص ما في هذا المقام (٢): أن ﴿إنّ﴾ المشددة في هذه السورة على قسمين:
(١) البحر المحيط.
(٢) الفتوحات.
القسم الأول: ليس معه واو العطف، فهذا لا خلاف بين القرّاء في فتحه أو كسره على حسب ما جاءت به التلاوة واقتضته العربية كقوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ لا خلاف في فتحه لوقوعه موضع المصدر، كقوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا﴾ لا خلاف في كسره؛ لأنه محكي بالقول.
والقسم الثاني: أن يقترن بالواو وهو أربع عشرة كلمة: إحداها لا خلاف في فتحها، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾. والثانية: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ﴾ كسرها ابن عامر وأبو بكر، وفتحها الباقون. والاثنتا عشرة الباقية فتحها الأخوان، وابن عامر وحفص، وكسرها الباقون كما تقدم تحرير ذلك كله. والاثنتا عشرة هي قوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ﴾، ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾، ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا﴾، ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ﴾، ﴿وَأَنَّا كُنَّا﴾، ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي﴾، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُون﴾، ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا﴾، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ﴾ اهـ اسمين.
وقرأ الجمهور (١): ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ بفتح الجيم ورفع الدال مضافًا إلى ﴿ربنا﴾؛ أي: عظمته، قاله الجمهور، وقال أنس والحسن: غناه، وقال مجاهد: ذكره، وقال ابن عباس: قدره وأمره. وقرأ عكرمة ﴿جد﴾ منونًا، ﴿ربنا﴾ مرفوع الباء كأنه قال: عظيم هو ربنا فربنا بدل، والجد في اللغة العظيم. وقرأ حميد بن قيس ﴿جدّ﴾ بضم الجيم مضافًا، ومعناه: العظيم، حكاه سيبويه، وهو من الإضافة إلى الموصوف.
والمعنى: تعالى ربنا العظيم. وقرأ عكرمة ﴿جدّا ربّنا﴾ بفتح الجيم والدال منونًا ورفع ﴿ربنا﴾، وانتصب ﴿جدّا﴾ على التمييز المحول من الفاعل، أصله: تعالى جدّ ربنا. وقرأ قتادة وعكرمة أيضًا ﴿جدّا﴾ بكسر الجيم والتنوين نصبًا ﴿ربّنا﴾ رفعًا. قال ابن عطية: نصب ﴿جدّا﴾ على الحال، ومعناه: تعالى حقيقة ومتمكنًا، وقال غيره: هو صفة لمصدر محذوف تقديره: تعاليًا جدًّا، و ﴿ربنا﴾ مرفوع بـ ﴿تعالى﴾. وقرأ ابن السميفع ﴿جَدَى ربنا﴾؛ أي: جدواه ونفعه.
وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً...﴾ أي: زوجة ﴿وَلَا وَلَدًا﴾؛ أي: ابنًا ولا بنتًا. بيان (٢) لحكم (تعالى جده)، كأنه قيل: ما الذي تعالى عنه؟ فقيل: ما اتخذ؛ أي:
(١) البحر المحيط.
(٢) روح البيان.
لم يختر لنفسه لكمال تعاليه زوجة ولا بنتًا ولا ابنًا كما يقول الظالمون: عيسى ابن الله، ومريم صاحبته، والملائكة بنات الله، وذلك أنهم لما سمعوا القرآن ووفقوا للتوحيد والإيمان تنبهوا للخطأ في ما اعتقده كفرة الجن من تشبيه الله بخلقه في اتخاذ الصاحبة والولد، فاستعظموه ونزهوه تعالى عنه لعظمته وسلطانه أو لغناه، فإن الصاحبة تتخذ للحاجة إليها. والولد للتكثير وإبقاء النسل بعد فوته، وهذه من لوازم الإمكان والحدوث، وأيضًا هو خارج عن دائرة التصور، والإدراك، فكيف يكيفه أحد؟ فيدخله تحت جنس حتى يتخذ صاحبة من صنف تحته أو ولدًا من نوع يماثله. وقد قالت النصارى أيضًا: المسيح ابن الله واليهود عزير ابن الله، وبعض مشركي العرب الملائكة بنات الله. ويلزم من كون المسيح ابن الله على ما زعموا أن تكون مريم صاحبة له، ولذا ذكر الصاحبة. يعني: أنّ الولد يقتضي الأمّ التي هي صاحبة الأب الوالد.
والمعنى (١): أي وإنهم كما نفوا عن أنفسهم الإشراك بالله نزّهوا ربهم عن الزوجة والولد؛ لأن الصاحبة تتخذ للحاجة إليها، ولأنها من جنس الزوج، كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾. والولد للتكثّر، والاستئناس به، والحاجة إليه حين الكبر وبقاء الذكر والشهرة، كما قال:
وَكَمْ أَبٍ قَدْ عَلا بابْنٍ ذُرَا شَرَفٍ كَمَا عَلَتْ بِرَسُوْلِ الله عَدْنَانُ
والله سبحانه منزه عن ذلك، تعالى ربنا علوًا كبيرًا.
والخلاصة: علا ملك ربنا وسلطانه أن يكون ضعيفًا ضعف خلقه الذين تضطرهم الشهوة إلى اتخاذ صاحبة أو ملامسة يكون منها الولد.
٣ - ٤ ﴿وَأَنَّهُ﴾؛ أي: وأن الشأن ﴿كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾؛ أي: جاهلنا، وهو إبليس أو مردة الجن. فقوله: ﴿سَفِيهُنَا﴾ للجنس. والظاهر (٢) أن يكون إبليس من الجنّ كما قال تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾. والسفه: خفّة النفس لنقصان العقل، ويكون في الأمور الدنيوية والأخروية، والمراد به في الآية هو السفه في الدين الذي هو السفه الأخروي، كذا في "المفرادت". ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ
(١) المراغي.
(٢) روح البيان.
﴿يَقُولُ﴾، عبر بـ ﴿عَلَى﴾ لأنّ ما قالوه عليه تعالى لا له ﴿شَطَطًا﴾؛ أي: كذبًا وبهتانًا وظلمًا، والمراد به نسبة الصاحبة والولد إليه تعالى. وفي "المفردات": الشطط: الإفراط في البعد عن الحق، أي: قولًا ذا شطط؛ أي: بعد عن القصد ومجاوزة الحدّ.
والمعنى: أي وقالوا: إن جهالنا كانوا يقولون ويفترون على الله قولًا بعيدًا عن الحق والصواب بنسبة الولد والصاحبة إليه تعالى. وفي الآية إشارة إلى أن العالم غير العامل في حكم الجاهل، فإن إبليس كان من أهل العلم، فلما لم يعمل بمقتضى علمه جعل سفيهًا جاهلًا لا يجوز التقليد له. فالاتباع للجاهل، ومن في حكمه اتباع للشيطان، والشيطان يدعو إلى النار؛ لأنّه خلق منها.
٤ - ٥ ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ﴾ مخفّفة من الثقيلة؛ أي: أنّ الشأن ﴿أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ اعتذار عن تقليدهم لسفيههم؛ أي: وقالوا: إنا كنا نظن أن الشأن والحديث لن يكذب على الله أحد أبدًالأولذلك اتبعنا قول سفيهنا وصدّقناه في أنَّ لله تعالى صاحبة وولدًا، فلما سمعنا القرآن، وتبين لنا الحق بسبه علمنا قد يكذبون عليه تعالى. و ﴿كَذِبًا﴾ مصدر مؤكد لـ ﴿تَقُولَ﴾؛ لأنه نوع من القول، أو صفة لمصدر محذوف؛ أي: قولًا كذبًا. وقرأ الجمهور (١) ﴿أَنْ لَنْ تَقُولَ﴾ مضارع قال. وقرأ الحسن، والجحدري، وعبد الرحمن بن أبي بكرة، ويعقوب، وابن مقسم ﴿تقوّل﴾ من التقول مضارع تقوَّل من باب تفعّل، أصله: تتقول حذفت منه إحدى التاءين، فيكون ﴿كَذِبًا﴾ على هذه القراءة الشاذّة مفعولًا به.
والمعنى: أي وقالوا: إنّا كنّا نظن (٢) أن لن يكذب أحد على الله تعالى، فينسب إليه الصاحبة والولد، ومن ثم اعتقدنا صحة قول السفيه، فلما سمعنا القرآن علمنا أنهم كانوا كاذبين، وهذا منهم إقرار بأنهم إنما وقعوا في تلك الجهالات بسبب التقليد، وأنهم إنما تخلصوا منها بالاستدلال والبحث.
٥ - ٦ ﴿وَأَنَّهُ﴾؛ أي: وأوحي إلى أن الشأن والحال ﴿كَانَ﴾ في الجاهلية ﴿رِجَالٌ﴾ كائنون ﴿مِنَ الْإِنْسِ﴾ صفة لـ ﴿رِجَالٌ﴾ ﴿يَعُوذُونَ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾؛ أي: يلتجئون ويتحضنون ﴿بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾؛ أي: يعوذون بهم من شرّ الجن. قال أبو حيان: وهذا
(١) البحر المحيط.
(٢) المراغي.
والذي بعده هما من الموحى به لا من كلام الجن، فهما معطوفان على قوله: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾، و ﴿أن﴾ فيهما على معناها. وفيه دلالة على أن للجن نساء كالإنس، لأن لهم رجالًا، ولذا قيل في حقهم: إنهم يتوالدون، لكنهم (١) ليسوا بمنظرين كإبليس وذريته. قال الحسن وابن زيد وغيرهما: كان العرب إذا نزل الرجل بواد قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه، فيبيت في جواره حتى يصبح، فنزلت هذه الآية. قال مقاتل: كان أوّل من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن، ثم من بني حنيفة ثم فشا ذلك في العرب. فلما جاء الإِسلام عاذوا بالله وتركوهم.
وكان رجال الجن إذا سمعوا عوذ الإنس بهم استكبروا، وقالوا: سدنا الإنس والجن. وذلك قوله تعالى: ﴿فَزَادُوهُمْ﴾ عطف على ﴿يَعُوذُونَ﴾، والماضي للتحقّق؛ أي: فزاد الرجال العائذون الإنسيون الجن ﴿رَهَقًا﴾ مفعول به ثان لـ ﴿زاد﴾؛ أي: تكبّرًا وعتوًّا وسفهًا، فإن الرهق يجيء لمعان منها: السفه وركوب الشر والظلم. قال في آكام المرجان: وبهذا يجيبون المعزم والراقي بأسمائهم وأسماء ملوكهم، فإنه يقسم عليهم بأسماء من يعظمونه فيحصل لهم بذلك من الرياسة والشرف على الإنس ما يحملهم على أن يعطوهم بعض سؤلهم وهم يعلمون أن الإنس أشرف منهم وأعظم قدرًا، فإذا خضعت الإنس لهم، واستعاذت بهم كان بمنزلة أكابر الناس إذا خضع لهم أصاغرهم يقضون لهم حاجاتهم. أو المعنى: فزاد الجن الإنس العائذين بهم غيًّا بأن أضلوهم حتى استعاذوا بهم، فإذا استعاذوا بهم فأمنوا ظنوا أن ذلك من الجن، فازدادوا رغبة في طاعة الشياطين وقبول وساوسهم. والفاء حينئذٍ لترتيب الإخبار، وإسناد الزيادة إلى الإنس أو الجن باعتبار السببية.
والمعنى: أي وأوحِي إلى أن رجالًا من الإنس كانوا يستعيذون في القفر برجال من الجن، فزادوا الجن بذلك طغيانًا وغيًّا بأن أضلوهم حتى استعاذوا بهم.
وخلاصة ذلك: أنهم لما استعاذوا بالجن خوفًا منهم، ولم يستعيذوا بالله استذلوهم واجترؤوا عليهم وزادوهم ظلمًا.
٦ - ٧ ﴿وَأَنَّهُمْ﴾ الضمير فيه راجع إلى الجن إن قلنا: إنه من كلام الله الموحي
(١) روح البيان.
به، فهو معطوف على ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾؛ أي: وأوحي إلى أن الجن ﴿ظَنُّوا﴾ أن لن يبعث الله أحدًا من الرسل إلى خلقه بالتكاليف، أو أن لن يبعث الله الخلق بعد الموت للجزاء ﴿كَمَا ظَنَنْتُمْ﴾ أيها المشركون ﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ من الرسل أو أحدًا من الخلق للجزاء يوم القيامة. أو إلى الإنس إن قلنا: إنه من كلام مؤمني الجن لكفّارهم حين رجعوا إلى قومهم منذرين، فيكون مقولًا لـ ﴿قالوا﴾، على أنّ ﴿أنّ﴾ المفتوحة مستعملة استعمال إن المكسورة، أي: فقالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾، وقالوا لكفّارهم حين رجعوا إليهم منذرين: إن الإنس الذين اتبعتموهم ظنوا أن لن يبعث الله أحدًا من الرسل أو أحدًا من الخلق للجزاء، كما ظننتم كذلك. و ﴿أن﴾ في قوله: ﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ مخفّفة من الثقيلة، والجملة (١) سادة مسد مفعولي ﴿ظَنُّوا﴾، وأعمل الأول على مذهب الكوفيين؛ لأنّ ﴿ما﴾ في ﴿كَمَا ظَنَنْتُمْ﴾ مصدرية فكان الفعل بعدها في تأويل المصدر، والفعل أقوى من المصدر في العمل. والظاهر: أن المراد بعثة الرسالة؛ أي: لن يبعث الله أحدًا بالرسالة بعد عيسى، أو بعد موسى يقيم به الحجة على الخلق. ثم إنه بعث محمدًا - ﷺ - خاتم النبيين، فآمنوا به. فافعلوا أنتم يا معشر الجن مثل ما فعل الإنس. وقيل: بعد القيامة؛ أي: لن يبعث الله أحدًا بعد الموت للحساب والجزاء.
٧ - ٨ ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ معطوف على قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾؛ أي: وقال الجن بعضهم لبعض: إنّا طلبنا بلوغ السماء لاستماع ما يقول الملائكة من الحوادث أو خبرها للإفشاء، بين الكهنة. واللمس مستعار من المس للطلب، شبه الطلب بالمسّ واللمس باليد في كون كل واحد منهما وسيلة إلى تعرّف حال الشيء، فعبر عنه بالمس واللمس، واللمس: إدارك بظاهر البشرة كالمس، ويعبر به عن الطلب. قال في "كشف الأسرار": ومنه حديث: إنّ رجلًا قال لرسول الله - ﷺ -: إنّ امرأتي لا تدع عنها يد لامس؛ أي: لا ترد يد طالب حاجة صفرًا، يشكو تضييعها ماله. ﴿فَوَجَدْنَاهَا﴾؛ أي: السماء اليوم ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا﴾؛ أي: حرّاسًا وحفظة من الملائكة يمنعون الجن عنها. و ﴿حَرَسًا﴾ محرَّكًا اسم جمع لحارس بمعنى حافظ كخدم لخادم مفرد اللفظ ولذلك قيل: ﴿شَدِيدًا﴾ بالإفراد؛ أي: قويًّا، ولو كان جمعًا لقيل:
(١) روح البيان.
شدَّادا. وقوله: ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا﴾ حال من مفعول ﴿وَجَدْنَاهَا﴾ بتقدير قد إن كان وجدنا بمعنى أصبنا وصادفنا، ومفعول ثان إن كان من أفعال القلوب؛ أي: فعلمناها مملوءة و ﴿حَرَسًا﴾ تمييز. ﴿وَشُهُبًا﴾ عطف على ﴿حَرَسًا﴾، وحكمه في الإعراب حكمه. جمع شهاب، وهي الشعلة المقتبسة من نار الكواكب، هكذا قالوا، وقد مرّ تحقيقه في تصير قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾.
والمراد من الآية: إخبار (١) الله سبحانه عن مقال الجنّ حين بعث محمّدًا - ﷺ -، وأنزل عليه القرآن، وحفظ منهم إنّ السماء ملئت حرّاسًا شدّادًا وشهبًا تحرسها من سائر أرجائها، وتمنعنا من استراق السمع كما كنّا نفعل أوّلًا.
أخرج أحمد والترمذي والنسائي عن ابن عباس قال: كان للشياطين مقاعد في السماء، يسمعون فيها الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعًا، فأمّا الكلمة فتكون ﴿حقًّا﴾ وأمّا ما زادوا فيكون باطلًا. فلما بعث رسول الله - ﷺ - منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال لهم: ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض فبعث جنوده، فوجدوا رسول الله - ﷺ - قائمًا يصلي بين جبلين بمكة، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا هو الحدث الذي حدث في الأرض.
٨ - ٩ ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ﴾؛ أي: وقالوا: إنّا كنا نقعد قبل هذا ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: من السماء ﴿مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾؛ أي: (٢) مقاعد وأماكن خالية عن الحرس والشهب، يحصل منها مقاصدنا من استماع الأخبار للإلقاء إلى الكهنة أو صالحة للترصّد والاستماع. وقوله: ﴿لِلسَّمْعِ﴾ متعلق بـ ﴿نَقْعُدُ﴾؛ أي: على الوجه الأول؛ أي: نقعد أماكن خالية عن الحرس لأجل السمع، أو بمضمر هو صفة لـ ﴿مَقَاعِدَ﴾؛ أي: على الثاني؛ أي: مقاعد كائنة للسمع. وفي "كشف الأسرار"؛ أي: مواضع لاستماع الأخبار من السماء، وكان لكل حيّ من الجنّ باب في السماء يستمعون فيه. والمقاعد: جمع مقعد اسم مكان، وذلك أن مردة الجن كانوا يفعلون ذلك ليسمعوا من الملائكة أخبار السماء فيلقونها إلى الكهنة، فحرسها الله سبحانه ببعثه رسوله - ﷺ - بالشهب المحرقة، وهو معنى قوله: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾.
(١) المراغي.
(٢) روح البيان.
وأخرج البخاري عن عائشة عن رسول الله - ﷺ - قال: "إنَّ الملائكة تنزل في العنان - وهو بالفتح: السحاب - فتذكر الأمر الذي قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون معه مائة كذبة من عند أنفسهم".
يقول الفقير: وجه التوفيق بين الاستراق من السماء ومن السحاب أن الملائكة مرة ينزلون في العنان فيتحدثون هناك، وأخرى يتذاكرون في السماء، ولا مانع من عروج الشياطين إلى السماء في مدة قليلة للطافة أجسامهم، وحيث كانت نارية أو هوائية أو دخانية لا يتأثرون من النار أو الهواء حين المرور بكرتهما، ولو سلم.. فعروجهم من قبيل الاستدراج. ولله في كل شيء حكمة وأسرار.
﴿فَمَن﴾ شرطية ﴿يَسْتَمِعِ﴾ في مقعد من المقاعد، ويطلب الاستماع ﴿الْآنَ﴾؛ أي: في الزمان المستقبل بعد المبعث. وهو ظرف حالي استعير للاستقبال. ﴿يَجِدْ لَهُ﴾ جواب الشرط، والضمير لـ ﴿مَنْ﴾؛ أي: يجد لنفسه ﴿شِهَابًا رَصَدًا﴾؛ أي: شهابًا رصدًا له أو أرصد لأجله يصده عن الاستماع بالرجم. والرصد في الأصل: الاستعداد للترقّب أو يجد له ملائكة ذوي شهاب راصدين له؛ ليرجموه بما معهم من الشهب على أنه اسم مفرد في معنى الجمع كالحرس، فيكون المراد بالشهاب الملائكة بتقدير المضاف. ويجوز نصب ﴿رَصَدًا﴾ على المفعول له.
والمعنى (١): أي وقالوا إنّا كنّا نقعد قبل ذلك فيها مقاعد خالية من الحرس والشهب لنسترق السمع، فطردنا منها حتى لا نسترق شيئًا من القرآن، ونلقيه على ألسنة الكهان، فيلتبس الأمر ولا يدرى الصادق، فكان ذلك من لطف الله سبحانه بخلقه ورحمته بعباده وحفظه لكتابه العزيز، فمن يستمع ويرم أن يسترق السمع اليوم.. يجد له شهابًا مرصدًا لا يتخطاه ولا يتعدّاه، بل يهلكه ويمحقه. وإنا لنؤمن بما جاء في الكتاب الكريم من أنّ الجن كانوا يسترقون السمع، ومنعوا من ذلك بعد بعثة النبي - ﷺ -، ولكن لا نعرف كيف كانوا يسترقون السمع، ولا نعرف عنه الحرس الذين منعوهم ولا المراد بالشهب التي كانت رصدًا لهم. والجن أجسام نارية، فكيف تحترق من الشهب؟ والله أعلم بحقيقة الحال.
(١) المراغي.
وقد اختلفوا (١): هل كانت الجنّ والشياطين ترمى بالشهب قبل المبعث أم لا؟ فقال قوم: لم يكن ذلك، وحكى الواحدي عن معمر قال: قلت للزهري: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؛ قال: نعم، قلت: أفرأيت قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾ الآية؟ قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث محمد - ﷺ -. قال ابن قتيبة: إن الرجم قد كان قبل مبعثه - ﷺ -، ولكنه لم يكن مثله في شدة الحراسة بعد مبعثه، وكانوا يسترقون في بعض الأحوال، فلما بعث منعوا من ذلك أصلًا. وقال عبد الملك بن سابور: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام، فلما بعث محمد - ﷺ - حرست السماء ورميت الشياطين بالشهب، ومنعت من الدنو إلى السماء. وقال نافع بن جبير: كانت الشياطين في الفترة تسمع فلا تُرمى، فلما بعث رسول الله - ﷺ -.. رميت بالشهب.
٩ - ١٠ ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي﴾؛ أي: وقالوا: إنا لا ندري؛ أي: قالت الجن بعضهم لبعض: لا ندري ولا نعرف ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ في الْأَرْضِ﴾ بحراسة السماء منّا ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾؛ أي: خيرًا وإصلاحًا أوفق لمصالحهم. والاستفهام لإظهار العجز عن الاطلاع على الحكمة، وارتفاع ﴿أَشَرٌّ﴾ على الاشتغال أو على الابتداء، وخبره ما بعده، والأول أولى، والجملة سادّة مسدّ مفعولي ﴿نَدْرِي﴾. والأصح: أن هذا من قول الجنّ فيما بينهم، وليس من قول إبليس، كما قاله ابن زيد.
والمعنى: أي إن السماء لم تحرس إلا لأحد الأمرين (٢):
الأول: إمّا لعذاب يريد الله أن ينزله على أهل الأرض بغتة.
الثاني: وإما لنبي مرشد مصلح. وكأنهم يقولون: أعذابًا أراد الله أن ينزله بأهل الأرض بمنعه إيَّانا السمع من السماء ورجمه من استمع منّا بالشهب.، أم أراد بهم ربهم الهدى بأن يبعث منهم رسولًا مرشدًا يهديهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
١٠ - ١١ ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾؛ أي: وقال الجن بعضهم لبعض لما دعوا أصحابهم
(١) الشوكاني.
(٢) المراغي.
إلى الإيمان بمحمد - ﷺ -: وإنا كنا قبل استماع القرآن منا الموصوفون بصلاح الحال في شأن أنفسهم، وفي معاملتهم مع غيرهم، أو بما يكون إلى الخير والصلاح حسبما تقتضيه الفطرة السليمة لا إلى الشرِّ والفساد، كما هو مقتضى النفوس الشريرة. والقصر ادّعائي كأنهم لم يعتدوا بصلاح غير ذلك البعض، فـ ﴿الصَّالِحُونَ﴾ مبتدأ و ﴿مِنَّا﴾ خبره المقدم، والجملة خبر ﴿إنّ﴾، ويجوز أن يكون ﴿الصَّالِحُونَ﴾ فاعل الجار والمجرور البخاري مجرى الظرف لاعتماده على المبتدأ. ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾؛ أي: قوم دون ذلك في الصلاح؛ أي: دون الموصوفين بالصلاح، فحذف الموصوف؛ لأنّه يجوز حذف هذا الموصوف في التفصيل بـ ﴿مِنْ﴾ حتى قالوا: مِنّا ظعن ومنّا أقام، يريدون منّا فريق ظعن ومنا فريق أقام. و ﴿دُونَ﴾ ظرف، وهم المقتصدون في صلاح الحال على الوجه المذكور غير الكاملين فيه لا في الإيمان والتقوى كما توهّم، فإن هذا بيان لحالهم قبل استماع القرآن كما يعرب به عنه قوله تعالى: ﴿كُنَّا﴾ قبل استماع القرآن ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾؛ أي: جماعات متفرقة وفرقًا مختلفة أهواؤها. وقد تعددوا قالوا: في الجن قدرية، ومرجئة، وخوارج، وروافض، وشيعية وسنية.
وأما حالهم بعد استماع القرآن فيحكى بقوله: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾؛ أي: كنا قبل هذا طرائق في اختلاف الأحوال، فهو بيان للقسمة المذكورة، ولا بدّ من تقدير مضاف؛ أي: كنّا ذوي طرائق لامتناع كون الذوات طرائق. قال في "المفردات": الطرائق جمع طرق، والطرق جمع طريق، فهو جمع الجمع. والظاهر: أن الطرائق جمع طريقة كقصائد جمع قصيدة، والطريق في الأصل: المكان الذي يطرق؛ أي: يضرب بالأرجل، ومنه استعير كل مسلك يسلكه الإنسان في فعل محمودًا كان أو مذمومًا والقدد: جمع قد، وهو قطع الشيء طولًا، والقدّ أيضًا المقدود، ومنه قيل لقامة الإنسان: قد، والقدّة: القطعة. يعني: أنها من النقد كالقطعة من القطع، وصفت الطرائق بالقدد لدلالتها على معنى التقطع والتفرق، يقال: صار القوم قددًا إذا تفرقت أحوالهم.
وقال بعض المفسرين: المراد بالصالحين السابقون بالخيرات، وبما دون ذلك؛ أي: أدنى مكان منهم المقتصدون الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيّئًا، وأمّا الظالمون لأنفسهم فمندرج في قوله تعالى: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾، فيكون تعميمًا
بعد تخصيص على الاستئناف، ويحتمل أن يكون ﴿دُونَ﴾ بمعنى غير، فيندرج القسمان الأخيران فيه.
وقيل المعنى: أي وقالوا: إنّا منا المسلمون العاملون بطاعة الله ومنّا قوم دون ذلك، وأنّا كنا أهواء مختلفة وفرقًا شتى، فمنا المؤمن والفاسق والكافر، كما هي الحال في الإنس، والأول أولى.
١١ - ١٢ ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾؛ أي: وقالوا: إنّا ظننا وعلمنا الآن بالاستدلال والتفكر في آيات الله. فالظن هنا بمعنى اليقين؛ لأن الإيمان لا يحصل بالظن، ولأن مقصودهم ترغيب أصحابهم وترهيبهم، وذلك بالعلم لا بالظن كما قال - ﷺ -: "أنا النذير العريان". ﴿أَن﴾؛ أي: أنَّ الشأن ﴿لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ﴾ سبحانه عن إمضاء ما أراد بنا، كائنين ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أينما كنّا من أقطارها، فقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ حال من فاعل ﴿نُعْجِزَ﴾، ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ﴾ سبحانه، وقوله: ﴿هَرَبًا﴾ حال من فاعل ﴿لَنْ نُعْجِزَ﴾؛ أي: هاربين من الأرض إلى السماء وإلى البحار وإلى جبل قاف، أو لن نعجزه في الأرض إن أراد بنا أمرًا، ولن نعجزه هربًا إن طلبنا. فالفرار من موضع إلى موضع وعدمه سيّان في أنّ شيئًا منهما لا يفيد فواتنا منه، ولعل الفائدة في ذكر الأرض حينئذٍ الإشارة إلى أنها مع سعتها، وانبساطها ليست منجى منه تعالى ولا مهربًا.
والمعنى: أي وقالوا: إنا علمنا أن الشأن لن نعجز الله في الأرض أينما كنا في أقطارها؛ ولن نفوته إن أراد بنا أمرًا، ولن نعجزه هاربين منها إن طلبنا فلا نفوته بحال.
والخلاصة: أنّ الله قادر علينا حيث كنا، فلا نفوته هربًا.
١٢ - ١٣ ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾؛ أي: وقالوا: إنّا لمّا سمعنا القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ من غير تأخّر ولا تردّد، وصدّقنا أنّه من عند الله، ولم نكذب به كما كذبت به كفرة الإنس. ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ﴾ وبما أنزله من الهدى ﴿فَلَا يَخَافُ﴾؛ أي: فهو لا يخاف. فالكلام على تقدير مبتدأ، ولذلك دخلت الفاء، ولولا ذلك لقيل: لا يخف. وفائدة رفع الفعل ووجوب إدخال الفاء أنه قال على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة، وأنه المختص بذلك دون غيره. ﴿بَخْسًا﴾؛ أي: نقصًا في جزاء حسناته ﴿وَلَا رَهَقًا﴾؛ أي: ظلمًا بزيادة في جزاء سيئاته، أو جزاء بخس
ولا رهق؛ أي: ظلم إذا لم يبخس أحدًا حقًا ولا رهقًا؛ أي: ظلم أحدًا فلا يخاف جزاءهما، وفيه دلالة على أنّ من حق من آمن بالله أن يجتنب المظالم، ومنه قوله - ﷺ -: "المؤمن من أمنه الناس على أنفسهم وأموالهم". قال الواسطي رحمه الله: حقيقة الإيمان: ما أوجب الأمان، فمن بقي في مخاوف المرتابين لم يبلغ إلى حقيقة الإيمان.
والمعنى: أي وقالوا إنّا لمّا سمعنا القرآن الذي يهدي إلى الصراط المستقيم صدّقنا به، وأقررنا بأنه من عند الله تعالى، واتبعناه، ومن يصدّق بوحدانية الله، وبما أنزله على رسله فلا يخاف نقصًا من حسناته، ولا ذنبًا يحمل عليه من سيئات غيره، قاله قتادة. وقصارى ذلك: أنّه ينال جزاء وافرًا كاملًا.
وقرأ يحيى بن وثّاب والأعمش (١): ﴿فلا يخف﴾ بالجزم على أنه جواب الشرط ولا وجه لهذا بعد دخول الفاء. وقرأ الجمهور ﴿بَخْسًا﴾ بسكون الخاء. وقرأ يحيى بن وثّاب بفتحها.
١٣ - ١٤ ﴿وَ﴾ قالوا ﴿أَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ بعد استماع القرآن ﴿وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾؛ أي: الجائرون الظالمون الذين حادوا عن طريق الحقّ والهدى الذي هو الإيمان والطاعة إلى طريق الباطل والفساد الذي هو الكفر والمخالفة لأمر الله تعالى. فالقاسط هو الجائر؛ لأنّه عادل عن الحق، والمقسط: العادل؛ لأنه عادل إلى الحق، يقال: قسط إذا جار، وأقسط إذا عدل. وقد غلب (٢) هذا الاسم؛ أي: القاسط على فرقة معاوية رضي الله عنه، ومنه الحديث خطابًا لعليّ رضي الله عنه: "تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين". فالناكثون أصحاب عائشة رضي الله عنها، فإنهم الذين نكثوا البيعة مع عليّ؛ أي: نقضوها واستنزلوا عائشة، وساروا بها إلى البصرة على جمل اسمه عسكر، ولذا سميت الواقعة يوم الجمل. والقاسطون: أصحاب معاوية رضي الله عنه؛ لأنهم قسطوا، أي: جاروا حين حاربوا الإِمام الحقّ. والوقعة تعرف بيوم صفين، والمارقون الخوارج فإنّهم الذين مرقوا، أي: خرجوا من دين الله واستحلّوا القتال مع خليفة رسول الله - ﷺ -، وهم عبد الله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير البجلي المعروف بذي الثدية، وتعرف تلك الواقعة
(١) الشوكاني.
(٢) روح البيان.
بيوم النهروان هي من أرض العراق على أربعة فراسخ من بغداد.
والمعنى: أي وإنّا بعد سماع القرآن مختلفون، فمنّا المخلصون في صفة الإِسلام، ومنّا المائلون عن طريق الحقّ.
﴿فَمَنْ أَسْلَمَ﴾؛ أي: أخلص بالتوحيد. قال سعدي المفتي: يجوز أن يكون من كلام الجنّ، ويجوز أن يكون من كلام الله مخاطبة لرسوله، ويؤيده ما بعده من الآيات. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارة إلى من أسلم، والجمع باعتبار المعنى ﴿تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾؛ أي: قصدوا طريق حقّ وصواب. والتحرّي في الأصل: طلب الأحرى والأليق قولًا أو فعلًا؛ أي: طلبوا وقصدوا رشدًا وصوابًا وحقًا، يقال: رشد كنصر وفرح رشدا ورشدًا ورشادًا: اهتدى اهتداء عظيمًا إلى طريق الحقّ والصواب يبلغهم إلى دار الثواب، فتحري الرشد مجاز عن ذلك بعلاقة السببية. وقرأ الأعرج ﴿رشدا﴾ بضمّ الراء وسكون الشين، والجمهور بفتحهما.
١٥ - ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ﴾؛ أي: الجائرون عن سنن الهدى ﴿فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾؛ أي: وقودًا توقد بهم كما توقد بكفرة الإنس.
فإن قيل: الجنّ مخلوقون من النار فكيف يكونون حطبًا لها؟
أجيب: بأنهم وإن خلقوا منها.. لكنهم تغيروا عن تلك الكيفية، فصاروا لحمًا ودمًا، هكذا قيل اهـ خطيب. وأيضًا قويها قد يأكل ضعيفها، فيكون الضعيف حطبًا للقوي.
والمعنى (١): أي وأنا منا المؤمنون الذين أطاعوا الله وأخبتوا إليه وعملوا صالح الأعمال، ومنا الجائرون عن النهج القويم، وهو الإيمان بالله وطاعته، ومن آمن بالله وأطاعه فقد سلك الطريق الموصل إلى السعادة، وقصد ما ينجيه من العذاب. ثم ذمّ الكافرين منهم فقالوا: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ﴾؛ أي: وأمّا الجائرون عن سنن الإِسلام، فكانوا حطبًا لجهنم توقد بهم كما توقد بكفرة الإنس، وقد ذكر ثواب المؤمنين منهم بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾. وإلى هنا انتهى كلام الجن.
١٦ - ثم عاد إلى ذكر الموحى به إلى رسوله فقال: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ هذا
(١) المراغي.
ليس من كلام الجنّ بل هو من جملة الموحى به قطعًا، فهو معطوف على قوله: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا﴾. و"أن" مخففة من الثقيلة، والمعنى: وأوحي إليَّ أنَّ الشأن والحال لو استقام وتمسّك وثبت واستقر الجن أو الإنس أو كلاهما على الطريقة المستقيمة التي هي طريقة دين الإِسلام. ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾؛ أي: ماء كثيرًا واسعًا. وقرأ الأعمش وابن وثّاب بضم واو ﴿لو﴾. وقرأ الجمهور بكسرها لالتقاء الساكنين. والإسقاء والسقي بمعنى واحد. وقال الراغب: السقي والسقيا: هو أن تعطيه ماء ليشربه والإسقاء: أن تجعل له ذلك حتى يتناوله كيف يشاء، يقال: غدق الماء من باب علم إذا غزر، وصف به للمبالغة في غزارته كرجل عدل، وتخصيص الماء الكثير بالذكر؛ لأنّه أصل السعة، وإن كان أصل المعاش هو أصل الماء لا كثرته ولعزّة وجوده بين العرب قال عمر رضي الله عنه: "أينما كان الماء.. كان العشب، وأينما كان العشب كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة".
والمعنى: لأعطيناهم مالًا كثيرًا وعيشًا رغدًا، ووسّعنا عليهم الرزق في الدنيا. وذلك بعدما رفع عنهم المطر سبع سنين. وفيه دلالة على أن الجن يأكلون ويشربون. وقال بعضهم: وضرب الماء الغدق مثلًا؛ لأنّ الخير كلّه، والرزق بالمطر.
وقيل المعنى: وأن لو استقام أبوهم على عبادته وسجد لآدم، ولم يكفر وتبعه أولاده على الإِسلام.. لأنعمنا عليهم. واختار الزجاج هذا القول.
والخلاصة: وأوحي إليّ أنّه لو استقام الإنس والجنّ على ملة الإِسلام.. لوسعنا عليهم أرزاقهم، ولبسطنا لهم في الدنيا. وإنما خص الماء الغدق بالذكر؛ لأنه أصل المعاش وكثرته أصل السعة، ولندرة وجوده بين العرب. ومن ثم امتن الله سبحانه على نبيه بقوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ على تفسير الكوثر بالنهر البخاري. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.
وسر هذا: ما عرفت غير مرّة من أن الخصب والسعة لا يوجدان إلا حيث توجد الطمأنينة والعدل، ويزول الظلم، وتكون الناس سواسية في نيل الحقوق، فلا ظلم ولا إرهاق ولا محاباة، ولا رُشًا في الأحكام.
١٧ - ثم ذكر سبب البسط حينئذٍ فقال: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾؛ أي: لنختبرهم في ذلك الإسقاء والتوسيع كيف يشكرونه، كما قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ﴾ أو في ذلك الماء الغدق، والمآل واحد.
وقال الكلبيّ: المعنى وأن لو استقاموا على الطريقة التي هم عليها من الكفر، فكانوا كلهم كفّارًا.. لأوسعنا أرزاقهم مكرًا بهم واستدراجًا حتى يفتنوا بها، فنعذّبهم في الدنيا والآخرة، وبه قال الربيع بن أنس، وزيد بن أسلم، وكيسان، وأبو مجلز وغيرهم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ الآية، والأول أولى.
وفي الآية: إشارة إلى أن المرزوق بالرزق الروحانيّ والغذاء المعنوي يجب عليه القيام بشكره أيضًا، وذلك بوظائف الطاعات وصنوف العبادات وضروب الخدمات.
والمعنى (١): أي لنختبرهم فيه؛ أي: لنعاملهم معاملة المختبر لنرى هل يشكروننا على هذه النعم، فإن وفوها حقَّها كان لهم من الجزاء الأوفى، وإن نكصوا على أعقابهم استدرجناهم وأمهلناهم، ثم أخذناهم أخذ عزيز مقتدر، كما قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٨٣)﴾.
﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾؛ أي: عن عبادة ربّه أو عن موعظته أو وحيه أو عن القرآن، أو عن جميع ذلك. ﴿يَسْلُكْهُ﴾؛ أي: يدخله ﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾؛ أي: عذابًا شاقًّا صعبًا يتصعد عليه؛ أي: يعلو المعذب ويغلبه، فلا يطيقه على أنه مصدر وصف به للمبالغة.
أي: ومن يعرض عن القرآن وعظاته فلا يتبع أوامره ولا ينتهي عن نواهيه ندخله في العذاب الشاقّ الذي يعلوه ويغلبه، ولا يطيق له حملًا. يقال: سلكت الخيط في الإبرة إذا أدخلته فيها؛ أي: نسلكه في عذاب صعد كما قال: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)﴾؛ أي: أدخلهم فيها. فحذف الجار، وأوصل الفعل ثم إن كان
(١) المراغي.
إعراضه بعدم التصديق.. فعذابه بالتأبيد، وإلا فبقدر جريمته إن لم يغفر له.
وقرأ الجمهور (١): ﴿نسلكه﴾ بالنون مفتوحة من سلكه الثلاثي. وقرأ الكوفيّون وأبو عمرو في رواية عنه بالياء التحتية من سلك الثلاثي أيضًا. واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم لقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾، ولم يقل: عن ذكرنا. وقرأ مسلم بن جندب، وطلحة بن مصرف، والأعرج ﴿نسلكه﴾ بالنون المضمومة من أسلكه الرباعي، وبعض التابعين بالياء من أسلك أيضًا. وهما لغتان سلك وأسلك. وقرأ الجمهور (٢): ﴿صَعَدًا﴾ بفتحتين، وهو مصدر صعد المكسور، يقال: صعد صعدًا وصعودًا، فوصف به العذاب مبالغةً؛ لأنه يتصعّد المعذب؛ أي: يعلوه ويغلبه فلا يطيقه. قال أبو عبيد: الصعد مصدر؛ أي: عذابًا ذا صعد؛ أي: مشقة. وقال عكرمة: الصعد هو صخرة ملساء في جهنم، يكلّف صعودها، فإذا انتهى إلى أعلاها حدر إلى جهنم كما في قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾. والصعود العقبة الكؤود. وروي: أنّ ﴿صَعَدًا﴾ جبل في النار إذا وضع عليه يديه أو رجليه ذابتا، وإذا رفعهما عادتا. وقرأ قوم (٣) ﴿صعدا﴾ بضمّتين. وقرأ ابن عباس والحسن بضمّ الصاد وفتح العين، قال الحسن: معناه: لا راحة فيه.
١٨ - وقرأ الجمهور: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ بفتح الهمزة عطفًا على قوله: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾؛ أي: وأوحي إليّ أن المساجد مختصة بالله تعالى وبعبادته خصوصًا المسجد الحرام، ولذلك قيل: بيت الله فالمراد بالمساجد (٤): المواضع التي بنيت للصلاة فيها وذكر الله، ويدخل فيها البيوت التي يبنيها أهل الملل للعبادة نحو: الكنائس والبيع ومساجد المسلمين. ثم هذا لا ينافي أن تضاف المساجد وتنسب إلى غيره تعالى بوجه آخر إما لبانيها كمسجد رسول الله - ﷺ -، أو لمكانها كمسجد بيت المقدس إلى غير ذلك من الاعتبارات. وأعظم المساجد حرمة المسجد الحرام، ثم مسجد المدينة، ثم مسجد بيت المقدس، ثم الجوامع، ثم مساجد المحال، ثم مساجد الشوارع، ثم مساجد البيوت. وقال الحسن: أراد بها كل البقاع؛ لأنَّ الأرض كلها مسجد، وكأنه أخذ مما في الحديث الصحيح: "جُعلت لي
(١) البحر المحيط والشوكاني.
(٢) البحر المحيط.
(٣) البحر المحيط.
(٤) روح البيان.
الأرض مسجدًا وطهورًا".
وقال سعيد بن المسيب وطلق بن حبيب: أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها العبد، وهي: القدمان، والركبتان، واليدان، والجبهة. يقول: هذه أعضاء أنعم الله بها عليك، فلا تسجد بها لغيره فتجحد نعمة الله، وكذا قال عطاء. وقيل: المساجد هي الصلاة؛ لأنّ السجود من جملة أركانها، قاله الحسن أيضًا. وقال الخليل: معنى الآية؛ ولأن المساجد لله فلا تدعوا الخ، أي: لهذا السبب، وكذلك عنده ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾ ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ أي: ولأن هذه.
وقرأ ابن هرمز وطلحة (١): ﴿وإن المساجد﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف وعلى تقدير الخليل فالمعنى: فلا تدعوا مع الله أحدًا في المساجد؛ لأنها لله خاصة ولعبادته.
والفاء: في قوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا﴾؛ أي: لا تعبدوا فيها. ﴿مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ للسببية؛ أي: لا تجعلوا أحدًا غير الله شريكًا لله في العبادة، فإذا كان الإشراك مذمومًا فكيف يكون حال تخصيص العبادة بالغير.
والمعنى: أي قل أوحي إليَّ أنّه استمتع نفر من الجنّ، وأن المساجد لله، فلا تعبدوا فيها أحدًا غير الله تعالى كائنًا ما كان، ولا تشركوا به فيها شيئًا. وعن قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله معبودات أخرى لهم، فأمرنا بهذه الآية أن نخلص لله تعالى الدعوة إذا دخلنا المساجد.
قال بعض أهل المعرفة (٢): إنما تبرأ الله سبحانه عن الشريك؛ لأنّه عدم والله وجود، فتبرّأ من العدم الذي لا يلحقه؛ إذ هو واجب الوجود لذاته، والله تعالى مع الخلق، وما الخلق مع الله؛ لأنّه تعالى يعلمهم وهم لا يعلمونه فهو تعالى معهم أينما كانوا في ظرفية أمكنتهم وأزمنتهم وأحوالهم، وما الخلق معه تعالى فإنهم لا يعرفونه حتى يكونوا معه، ولو عرفوه من طريق الإيمان وهم كانوا كالأعمى يعلم أنه جليس زيد، ولكن لا يراه فهو كأنّه يراه انتهى.
(١) البحر المحيط.
(٢) روح البيان.
١٩ - وقرأ الجمهور (١): ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بفتح الهمزة عطفًا على قوله: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾. وقرأ ابن هرمز، وطلحة، ونافع، وأبو بكر بكسرها على الاستئناف. وعبد الله هو رسول الله - ﷺ -؛ أي: وأوحي إليَّ أن الشأن لما قام عبد الله، وهو النبي - ﷺ - حال كونه ﴿يَدْعُوهُ﴾ حال من فاعل قام؛ أي: حال كون عبد الله يعبد الله ويذكره. وذلك ببطن نخلة حين قام رسول الله - ﷺ - يصلي صلاة الفجر بأصحابه، ويتلو القرآن ﴿كَادُوا﴾؛ أي: قرب الجن ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ﴾ - ﷺ - ﴿لِبَدًا﴾؛ أي: مزدحمين على استماع قراءته - ﷺ -. جمع لبدة بالكسر نحو: قربة وقرب، وهي ما تلبد بعضه على بعض؛ أي: تراكب وتلاصق، ومنها: لبدة الأسد، وهي الشعر المتراكب بين كتفيه.
والمعنى: متراكمين يركب بعضهم بعضًا، ويقع من ازدحامهم على النبي - ﷺ - تعجبًا مما شاهدوا من عبادته، وما سمعوا من قراءته واقتداء أصحابه به قيامًا وقعودًا وسجودًا؛ لأنّهم رأوا ما لم يروا مثله قبله، وسمعوا مما لم يسمعوا بنظيره. وعلى قراءة الكسر إذا جعل من مقول الجن فضمير ﴿كَادُوا﴾ لأصحابه - ﷺ - الذين كانوا مقتدين به في الصلاة. أي: وقالوا: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ كاد أصحابه يكونون مزدحمين عليه.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿لِبَدًا﴾ أو بكسر اللام وفتح الباء، جمع لبدة نحو كسرة وكسر، وهي الجماعات، شبّهت بالشيء المتلبّد بعضه فوق بعض. وقرأ مجاهد وابن محيصن وابن عامر بخلاف عنه بضمّ اللام وفتح الباء، جمع لبدة كزبرة وزبر، وعن ابن محيصن أيضًا تسكين الباء وضمّ اللام. وقرأ الحسن، والجحدري وأبو حيوة، ومحمد بن السمفيع، والعقيليّ، وجماعة عن أبي عمرو بضمّتين جمع لبد كرهن ورهن، أو جمع لبود كصبور وصبر. وقرأ الحسن والجحدري بخلاف عنهما، وأبو العالية والأعرج بضمّ اللام وتشديد الباء مفتوحة. فعلى القراءة الأولى المعنى ما ذكرناه، وعلى القراءة الثانية يكون المعنى: كثيرًا كما في قوله تعالى: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾.
(١) روح البيان.
(٢) البحر المحيط.
والمعنى (١): وأوحيَ إليَّ أنه لما قام رسول الله - ﷺ - يعبد الله، ويذكره ببطن نخلة في صلاة الصبح كاد الجنّ، وقربوا يكونون جماعات متراكمات بعضها فوق بعض تعجّبًا مما شاهدوا من عبادته، وسمعوا من قراءته واقتداء أصحابه به قيامًا وركوعًا وسجودًا، إذ رأوا ما لم يروا مثله قطّ، وسمعوا ما لم يسمعوا مثله. وقال الحسن وقتادة: إنّه لما قام عبد الله بالرسالة يدعو الله وحده مخالفًا للمشركين في عبادتهم الأوثان كاد الكفّار لتظاهرهم عليه وتعاونهم على عداوته يزدحمون متراكمين جماعات جماعات.
فإن قلت: (٢) لِمَ قيل: ﴿عَبْدُ اللَّهِ﴾ وهلّا قيل: رسول الله أو النبي؟
قلتُ: لأن تقديره: وأوحي إليَّ أنه لما قام عبد الله، فلما كان واقعًا في كلام رسول الله - ﷺ - عن نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع والتذلل.
٢٠ - قال مقاتل: إن كفار مكة قالوا للنبي - ﷺ -: إنك جئت بأمر عظيم، وقد عاديت الناس كلّهم، فأرجع عن هذا، فأنزل الله قوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد ﴿إِنَّمَا أَدْعُو﴾ وأعبد ﴿رَبِّي﴾ ومالك أمري ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِهِ﴾ أي: بربّي في العبادة ﴿أَحَدًا﴾ فليس ذلك ببدع، فلا مستنكر يوجب التعجب أو الإطباق على عدواتي، وهذا حالي فليكن حالكم أيضًا كذلك. وقرأ الجمهور ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾؛ أي: قال عبد الله: إنما أدعو ربي وأعبده ولا أشرك به أحدًا من خلقه".
أي: قال للمتظاهرين عليه من الكفّار: إنما أدعو ربي، أي: لم آتِكم بأمر ينكر إنما أدعو ربي وحده، وليس ذلك مما يوجب إطباقكم على عدواتي، أو قال للجن عند ازدحامهم متعجبين ليس ما ترون من عبادة الله أمرًا يتعجّب منه، إنما يتعجب ممن يعبد غيره تعالى، أو قال الجن لقومهم ذلك حكاية عن رسول الله - ﷺ -، وهذا كله مرتب على الخلاف في عود الضمير في ﴿كادوا﴾. وقرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو بخلاف عنه ﴿قُلْ﴾؛ أي: قل يا محمد لهؤلاء المزدحمين عليك وهم إما الجن، وإما المشركون على اختلاف القولين في ضمير ﴿كَادُوا﴾.
٢١ - ثم بين أنه لا يملك من الأمر شيئًا فهو لا يستطيع هدايتهم ولا جلب الخير لهم، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين: ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ﴾؛ أي: لا أستطيع
(١) المراغي.
(٢) الكشاف.
﴿لَكُمْ﴾ أيها المشركون ﴿ضَرًّا﴾ ولا نفعًا، ولا أملك لكم غيّا ﴿وَلَا رَشَدًا﴾؛ أي: هدايةً، أي: ليس هذا كله بيدي بل بيد الله تعالى، فإنه هو الضارّ النافع الهادي المضلّ، فترك من كلا المتقابلين ما ذكر في الآخر فالآية فيها من المحسنات البديعية الاحتباك، وهو الحذف من كل متقابلين ما يدل عليه الآخر.
والمعنى: أي قل أيها الرسول لأولئك المشركين الذين ردّوا عليك ما جئتهم به من النصيحة: إنّي لا أملك لكم ضرًّا في دينكم ولا دنياكم، ولا نفعًا أجلبه لكم، إنما الذي يملك ذلك كله هو الله الذي له ملك كلّ شيء، وهو القادر على ذلك وحده، وكأنه عليه السلام أمر أن يقول ما أردت إلا نفعكم فقابلتموني بالإساءة، وليس في استطاعتي النفع الذي أردت، ولا الضر الذي أكافئكم به إنّما ذان لله تعالى. وفي هذا تهديد عظيم لهم، وتوكل على الله عزّ وجلّ، وإنه هو الذي يجزيه بحسن صنيعه، ويجزيهم بسوء صنيعهم. وفيه إيماء إلى أنه لا يدع التبليغ لتظاهرهم عليه.
٢٢ - ثم بين عجزه عن شؤون نفسه بعد عجزه عن شؤون غيره، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين: ﴿إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾؛ أي: لن ينقذني، ويخلِّصني ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: من قهره وعذابه.. إن خالفت أمره وأشركت به ﴿أَحَدٌ﴾ من المخلوقات إن استنقذته، أو لن ينجيني منه أحد إن أرادني بسوء قدره عليّ من مرض أو موت أو غيرهما.
قال بعضهم: هذه لفظة تدلّ على الإخلاص في التوحيد؛ إذ التوحيد هو صرف النظر إلى الحقّ لا غير، وهذا لا يصح إلا بالإقبال على الله، والإعراض عمّا سواه والاعتماد عليه دون ما عداه.
﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى ﴿مُلْتَحَدًا﴾؛ أي: ملجأً ومعدلًا وحرزًا وممالًا. ويقال للملجأ: ملتحد لأن اللاجيء يميل إليه، والمعنى: ولن أجد عن الشدائد ملجأً غيره تعالى وموئلًا ومعدلًا فلا ملجأ ولا موئل ولا معدل إلا هو سبحانه وتعالى. وهذا بيان لعجزه عن شؤون نفسه بعد بيان عجزه عن شؤون غيره؛ أي: وإذ لا أملك لنفسي شيئًا، وكيف أملك لكم شيئًا؟.
٢٣ - وقوله: ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ﴾ استثناء متصل (١) من قوله: ﴿لَا أَمْلِكُ لَكُمْ﴾؛ أي: من مفعوله، فإن التبليغ إرشاد ونفع؛ أي: لا أملك لكم إرشادًا ولا هداية إلا تبليغًا كائنًا من الله سبحانه إليكم، فإنَّ الإرشاد والإضلال بيده تعالى، وما بينهما اعتراض مؤكّد لنفي الاستطاعة عن نفسه فلا يضرّ طول الفصل بينهما وفائدة الاستثناء المبالغة في توصيف نفسه بالتبليغ لدلالته على أنه لا يدع التبليغ الذي يستطيعه لتظاهرهم على عداوته. وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صفة بلاغًا؛ أي: بلاغًا كائنًا منه تعالى، وليس متعلَّقًا بقوله: ﴿بَلَاغًا﴾؛ لأنّ صلة التبليغ في المشهور إنما هي كلمة عن دون من، و ﴿بَلَاغًا﴾ واقع موقع التبليغ كما يقع السلام والكلام موقع التسليم والتكليم. أو استثناء منقطع من قوله: ﴿مُلْتَحَدًا﴾؛ أي: لن أجد من دونه تعالى ملتحدًا وملجأً إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به، فهو يجيرني؛ لأن البلاغ ليس ملتحدًا من دون الله؛ لأنه من الله وبإعانته وتوفيقه. وقوله: ﴿وَرِسَالَاتِهِ﴾ معطوف على ﴿بَلَاغًا﴾ بتقدير مضاف، وهو البلاغ؛ أي: لا أملك لكم إلَّا تبليغًا كائنًا منه تعالى وتبليغ رسالاته التي أرسلني بها. يعني: إلا أن أبلغ عن الله فأقول: قال الله كذا ناسبًا للمقالة إليه تعالى، وإلا أن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها من غير زيادة ولا نقصان. وقال سعدي المفتي: لعل المراد من ﴿بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ﴾ هو ما يأخذه منه تعالى بلا واسطة، ومن رسالاته ما هو انتهى إليه بواسطة. والمراد بالرسالة هو ما أرسل به الرسول من الأمور والأحكام والأحوال، لا معنى المصدر. والظاهر أنّ المعنى: إلا التبليغ والرسالة من الله تعالى. وجمع الرسالة باعتبار تعدّد ما أرسل هو به.
والمعنى: أي قل إني لن يجيرني من الله أحد من خلقه إن أراد بي سوءًا، ولم ينصرني منه ناصر، ولا أجد من دونه ملجأً ولا معينًا، لكن إن بلغت رسالته وأطعته أجارني.
والخلاصة: أني لن يجيرني من الله أحد إن لم أبلغ رسالاته.
ثم بين جزاء العاصين لله ورسوله، فقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الأمر بالتوحيد؛ لأنّ السياق فيه؛ لأن الكلام في تبليغ الرسالة بأن لا يمتثل أمرهما
(١) روح البيان.
به ودعوتهما إليه فيشرك به. وهذا يصلح أن يكون مخصصا من العموم، فلا متمسك للمعتزلة في الآية على تخليد عصاة المؤمنين في النار. ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: في النار أو في جهنم. والإفراد في ﴿له﴾ باعتبار لفظ ﴿مَن﴾، والجمع في ﴿خَالِدِينَ﴾ باعتبار المعنى؛ أي: حال كونهم ماكثين فيها ﴿أَبَدًا﴾؛ أي: أمدًا طويلًا لا نهاية له. أتي به دفعا لأن يراد بالخلود المكث الطويل.
وقرأ الجمهور (١): بكسر همزة ﴿إنّ﴾ على أنها جملة مستأنفة. وقرأ طلحة بفتحها؛ لأنّ ما بعد فاء الجزاء موضع ابتداء، والتقدير: فجزاؤه أنَّ له نار جهنم أو فحكمه أنّ له نار جهنم.
٢٤ - وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ من العذاب في الدنيا، أو في الآخرة، غاية لمحذوف دل عليه حالهم من استضعاف الكفّار لأنصاره - ﷺ - واستقلالهم لعددهم حتى قالوا: هم بالنسبة إلينا كالحصاة من جبال. تقديره: ولا يزالون على ما هم عليه من الإصرار على الكفر وعداوة النبيّ - ﷺ - والمؤمنين حتى إذا رأوا الذي يوعدون به من العذاب. ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ حينئذٍ عند حلوله بهم ﴿مَنْ﴾ هو ﴿أَضْعَفُ نَاصِرًا﴾ ينتصر به وجندًا يستعين به. ﴿وَ﴾ من هو ﴿أَقَلُّ عَدَدًا﴾ ومددًا، أهم أم المؤمنون؟ فـ ﴿مَنْ﴾ موصولة، و ﴿أَضْعَفُ﴾ خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن تكون استفهامية مرفوعة بالابتداء، و ﴿أَضْعَفُ﴾ خبره، والجملة في موضع نصب سدّت مسدّ مفعولي العلم، و ﴿نَاصِرًا﴾ و ﴿عَدَدًا﴾ أو منصوبان على التمييز.
وحمل بعضهم (٢) ﴿مَا يُوعَدُونَ﴾ على ما رأوه يوم بدر، وأيًّا ما كان.. ففيه دلالة على أنَّ الكفار مخذولون في الدنيا والآخرة، وإن كثروا عددًا وقووا جسدًا؛ لأنّ الكافرين لا مولى لهم، وأنّ المؤمنين منصورون في الدارين وإن قلّوا عددًا وضعفوا جسدًا؛ لأن الله مولاهم. والواحد على الحق هو السواد الأعظم، فإن نصره ينزل من العرش.
والمعنى (٣): أي ومن يعص الله فيما أمر به ونهى عنه، ويكذّب برسوله فإنّ له نارًا يصلاها ماكثًا فيها أبدًا إلى غير نهاية، ولا محيد عنها ولا خروج منها، ولا
(١) البحر المحيط.
(٢) روح البيان.
(٣) المراغي.
يزالون يستضعفون المؤمنين ويستهزئون بهم حتى إذا رأوا ما يوعدون من فنون العذاب، فيتبين لهم من المستضعفون أهم أم المؤمنون الموحّدون لله تعالى.
وقصارى ذلك: أنّ المشركين لا ناصر لهم، وهم أقل عددًا من جنود الله عزّ وجلّ، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾.
٢٥ - ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿إِنْ أَدْرِي﴾؛ أي: ما أدري وما أعلم؛ لأنّ ﴿إِنْ﴾ نافية. ﴿أَقَرِيبٌ﴾ خبر مقدم لقوله: ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾؛ أي: ما أدري أقريب حصول ما توعدون من العذاب؟ ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾؛ أي: غاية تطول مدّتها. ويجوز أن يكون ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ فاعلًا لـ ﴿قريب﴾ سادًّا مسدَّ الخبر لوقوعه بعد همزة الاستفهام، و ﴿ما﴾ موصولة، والعائد محذوف؛ أي: أقريب الذي توعدونه، نحو: أقائم الزيدان.
وقرأ الجمهور (١): ﴿رَبِّي﴾ بإسكان الياء. وقرأ الحرميان، وأبو عمرو بفتحها. والأمد، وإن كان يطلق على القريب أيضًا إلا أن المقابلة تخصّصه بالبعيد. والفرق بين الزمان والأمد أن الأمد يقال باعتبار الغاية، والزمان عامّ في المبدأ والغاية.
والمعنى: أن الموعود كائن لا محالة، وأما وقته فما أدري متى يكون؟ لأن الله لم يبينه لما رأى في إخفاء وقته من المصلحة، وهو ردّ لما قاله المشركون عند سماعهم ذلك متى يكون الموعود إنكارًا له واستهزاءً.
فإن قيل (٢): أليس قال - ﷺ -: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، فكان عالمًا بقرب قيام الساعة، فكيف قال هاهنا: لا أدري أقريب أم بعيد؟.
والجواب: أنّ المراد بقرب وقوعه هو أن ما بقي من الدنيا أقل مما انقضى، فهذا القدر من القرب معلوم، وأما قربه بمعنى كونه بحيث يتوقع في كل ساعة فغير معلوم على أن كل آت قريب، ولذا قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾.
والمعنى (٣): أنّ الله سبحانه أمر رسوله أن يقول للناس: إن الساعة آتية لا ريب فيها، ولكن وقتها غير معلوم، ولا يدرى أقريب أم يجعل له ربي أمدًا بعيدًا؟.
(١) الشوكاني.
(٢) روح البيان.
(٣) المراغي.
"وقد كان - ﷺ - يسأل عن الساعة فلا يجيب عنها ولما تبدى له جبريل في صورة أعرابيّ كان فيما سأله أن قال يا محمّد أخبرني عن الساعة قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل؟ ولمّا ناداه ذلك الأعرابيّ بصوت جهوري فقال: يا محمد متى الساعة؟ قال: "ويحك إنّها كائنة فما أعددت لها" قال: أما إني لم أعد لها كثير صلاة ولا صيام، ولكني أحب الله ورسوله، قال - ﷺ -: "فأنت مع من أحببت". قال أنس: فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث.
٢٦ - ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ قرأه الجمهور (١) بالرفع على أنّه بدل من ﴿رَبِّي﴾ أو بيان له، أو خبر مبتدأ محذوف، والجملة مستأنفة مقرّرة لما قبلها من عدم الدراية؛ أي: هو سبحانه عالم لجميع ما غاب عن الحسّ على أنَّ اللام للاستغراق. وقرىء بالنصب على المدح. وقرأ السدّي ﴿عَلِمَ الغيبَ﴾ بصيغة الفعل، ونصب الغيب. والفاء في قوله: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ من خلقه لترتيب عدم الإظهار على تفرّده تعالى بعلم الغيب على الإطلاق؛ أي: لا يطلع على الغيب الذي يعلمه وهو ما غاب عن العباد أحدًا منهم.
٢٧ - ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى﴾؛ أي: إلا من ارتضاه واصطفاه واختاره من خلقه لإظهاره على بعض غيوبه حالة كون ذلك المرتضى ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ أرسله إلى خلقه أي رسول كان المتعلقة تلك الغيوب برسالته كما يعرب عنه بيان من ارتضى بالرسول تعلّقًا ما إما لكونه من مبادي رسالته بأن يكون معجزة دالة على صحتها، وإما لكونه من أركانها وأحكامها كعافة التكاليف الشرعية التي أمر بها المكلّفون وكيّفيات أعمالهم وأجزيتها المترتّبة عليها في الآخرة، وما تتوقّف هي عليه من أحوال الآخرة التي من جملتها قيام الساعة، والبعث والحشر، والحساب، والميزان وغير ذلك من الأمور الغيبية التي بيانها من وظائف الرسالة. وأمّا ما لا يتعلق بها (٢) على أحد الوجهين من الغيوب التي من جملتها وقت قيام الساعة، فلا يظهر عليه أحدًا أبدًا على أن بيان وقته مخلّ بالحكمة التشريعية التي يدور عليها فلك الرسالة.
قال القرطبي: قال العلماء:
لما تمدح الله سبحانه بعلم الغيب، واستأثر به دون خلقه كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه. ثم استثنى من
(١) البحر المحيط.
(٢) روح البيان.
ارتضى من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزةً لهم ودلالةً صادقةً على نبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى، وينظر في الكفّ وفي المسبحة، ويزجر بالطير ويخبر عن الجنّ، فيطلعه على ما يشاء من غيبه، فهو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه، وكذبه انتهى مع بعض زيادة، ولا تغتر بما ذكره الإمام الرازي في "تفسيره" هنا، كما رد عليه الإِمام الشوكاني.
فإن قلت (١): إذن قد تقرَّر بهذا الدليل القرآني أن الله يظهر من ارتضى من رسله على ما شاء من غيبه، فهل للرسول الذي أظهره الله على ما شاء من غيبه أن يخبر به بعض أمته؟
قلت: نعم، ولا مانع من ذلك. وقد ثبت عن رسول الله - ﷺ - من هذا ما لا يخفى على عارف بالسنة المطهرة، فمن ذلك ما صحَّ أنه قام مقامًا أخبر فيه بما سيكون إلى يوم القيامة، وما ترك شيئًا مما يتعلق بالفتن ونحوها. حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه. وكذلك ما ثبت: من أن حذيفة بن اليمان كان قد أخبره رسول الله - ﷺ - بما يحدث من الفتن بعده حتى سأله عن ذلك أكابر الصحابة، ورجعوا إليه.
وثبت في "الصحيح" وغيره: أن عمر بن الخطاب سأله عن الفتنة التي تموج كموج البحر، فقال: إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، فقال عمر: هل يفتح أو يكسر؟ فقال: بل يكسر. فعلم عمر أنّه الباب، وأن كسره قتله كما في الحديث الصحيح: أنه قيل لحذيفة: هل كان عمر يعلم ذلك؟ فقال: نعم كان يعلم كما يعلم أن دون غد الليلة، وكذلك ما ثبت من إخباره لأبي ذر بما يحدث له، وإخباره لعليّ بن أبي طالب خبر ذي الثدية، ونحو هذا مما يكثر تعداده. وإذا تقرر. فلا مانع من أن يختص بعض صلحاء هذه الأمة بشيء من أخبار الغيب التي أظهرها الله تعالى لرسوله، وأظهرها رسوله لبعض أمته، وأظهرها هذا البعض من الأمة لمن بعدهم، فتكون كرامات الصالحين من هذا القبيل، والكل من الفيض الرباني بواسطة الجناب.
ثم ذكر سبحانه أنه يحفظ ذلك الغيب الذي يطلع عليه الرسول، فقال: ﴿فَإنَّهُ﴾ سبحانه ﴿يَسْلُكُ﴾ ويجعل ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾، أي: من قدّام الرسول المرتضى {وَمِنْ
(١) الشوكاني.
خَلْفِهِ}؛ أي: ومن ورائه وسائر جوانبه ﴿رَصَدًا﴾؛ أي: حرسًا وحفظةً من الملائكة، يحفظونه من تعرض الشيطان لما أظهره عليه من الغيب المتعلق برسالته. أو يجعل بين يدي الوحي وخلفه حرسًا من الملائكة، يحوطونه من أن تسترقه الشياطين فتلقيه إلى الكهنة، والمراد من جميع الجوانب. يعني: أنَّ جبريل كان إذا نزل بالرسالة.. نزل معه ملائكة يحفظونه من أن يسمع الجن الوحي، فيلقونه إلى كهنتهم، فتخبر به الكهنة قبل الرسول، فيختلط على الناس أمر الرسالة.
والجملة (١): تقرير وتحقيق للإظهار المستفاد من الاستثناء، وبيان لكيفيته. قال الضحاك: ما بعث الله نبيًّا إلا ومعه ملائكة يحفظونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك، فإذا جاءه شيطان في صورة الملك قالوا: هذا شيطان فاحذره، وإن جاءه الملك قالوا: هذا رسول ربك. قال ابن زيد: ﴿رَصَدًا﴾؛ أي: حفظة يحفظون النبي - ﷺ - من أمامه وورائه من الجنّ والشياطين. قال قتادة وسعيد بن المسيّب: هم أربعة من الملائكة حفظة. والرصد كالحرس وزنًا ومعنًى، فهو جمع راصد بمعنى حارس حافظ، والمراد بهم هنا الملائكة الحفظة؛ أي: فإنه يجعل بين يدي من ارتضى من رسله ومن خلفهم حفظة من الملائكة، يحفظونهم من وساوس شياطين الجن وتخاليطهم حتى يبلغوا ما أوحي به إليهم، ومن زحمة شياطين الإنس حتى لا يؤذونهم ولا يضرّونهم.
والخلاصة: أنه يجعل حفظة من الملائكة يحفظون قواه الظاهرة والباطنة من الشياطين، ويعصمونه من وساوسهم.
٢٨ - ثم علل هذا الحفظ بقوله: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ واللام (٢) متعلقة بـ ﴿يَسْلكٌ﴾، وضمير ﴿أَبْلَغُوا﴾ إما للرصد فالمعنى: أنّه يسلك الرصد ويجعلهم من جميع جوانب المرتضى ليعلم الله سبحانه أنَّ الشأن قد أبلغ الرصد والملائكة رسالات ربهم إلى الرسول المرتضى سالمة عن الاختطاف والتخليط علمًا حاصلًا بالفعل، وإما لمن ارتضى والمعنى: ليعلم الله أن الشأن قد أبلغ الرسل الموحى إليهم رسالات ربهم إلى أممهم، كما هي من غير اختطاف ولا تخليط بعدما أبلغها الرصد إليهم كذلك. أو اللام (٣) متعلقة بمحذوف تقديره: إنه سبحانه يحفظ رسله
(١) روح البيان.
(٢) المرح.
(٣) المراغي.
بملائكته ليتمكّنوا من أداء رسالته، ويحفظوا ما ينزله إليهم من الوحي، ليعلم أن قد أبلغوا الرسالات، والمراد ليعلم الله ذلك منهم علم وقوع في الخارج، كما جاء نحو هذا في قوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾.
وعبارة "الروح": قوله: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا...﴾ الخ، متعلق بـ ﴿يَسْلُكُ﴾، غاية له من حيث إنّه مترتّب على الإبلاغ المترتّب عليه؛ إذ المراد به العلم المتعلق بالإبلاغ الموجود بالفعل. و ﴿أن﴾ مخفّفة من الثقيلة، واسمها الذي هو ضمير الشأن محذوف، والجملة خبرها. والإبلاغ: الإيصال. و ﴿رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ عبارة عن الغيب الذي أريد إظهار المرتضى عليه، والجمع باعتبار تعدد أفراده. وضمير ﴿أَبْلَغُوا﴾ إما للرصد فالمعنى: أنه تعالى يسلكهم من جميع جوانب المرتضى؛ ليعلم الله أن الشأن قد أبلغوه رسالات ربهم سالمة عن الاختطاف والتخليط علمًا مستتبعًا للجزاء، وهو أن يعلمه موجودًا حاصلًا بالفعل كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾. والغاية في الحقيقة هو الإبلاغ، وإيراد علمه تعالى لإبراز اعتنائه تعالى بأمر الإبلاغ، وللإشعار بترتيب الجزاء عليه والمبالغة في الحثّ عليه والتحذير عن التفريط فيه. وإما لمن ارتضى، والجمع باعتبار معنى ﴿من﴾ كما أنّ الإفراد في الضميرين السابقين باعتبار لفظها، فالمعنى عليه: ليعلم الله أنه قد أبلغ الرسل الموحى إليهم رسالات ربهم إلى أممهم كما هي من غير اختطاف، ولا تخليط بعدما أبلغها الرصد إليهم كذلك.
وجملة قوله: ﴿و﴾ قد ﴿أَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾؛ أي: بما عند الرصد أو بما عند الرسل، حال من فاعل ﴿يَسْلُكُ﴾ بإضمار قد أو بدونه على الخلاف المشهور في محله، جيء بها لتحقيق استغنائه تعالى؛ أي: وقد أحاط بما لديهم من الأحوال جميعًا. وقوله: ﴿وَأَحْصَى﴾ معطوف على أحاط؛ أي: وعلم علمًا بالغًا إلى حدّ الإحصاء تفصيلًا. ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ مما كان وما سيكون ﴿عَدَدًا﴾؛ أي: فردًا فردًا، فكيف لا يحيط بما لديهم؟. قال القاسم: هو أوجدها فأحصاها عددًا، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أحصى ما خلق وعرف عدد ما خلق لم يفته علم شيء حتى مثاقيل الذرّ والخردل. وقوله: ﴿عَدَدًا﴾ تمييز محوّل عن المفعول به كقوله: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾. والأصل: أحصى عدد كل شيء، وفائدته بيان أن علمه تعالى بالأشياء ليس على وجه كلّيّ إجمالي، بل على وجه جزئيّ تفصيليّ، فإن الإحصاء
قد يراد به الإحاطة الإجمالية كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾؛ أي: لا تقدروا على حصرها إجمالًا فضلًا عن التفصيل؛ وذلك لأن أصل الإحصاء، أنَّ الحاسب إذا بلغ عقدًا معيّنًا من عقود الأعداد كالعشرة والمئة والألف وضع حصاة ليحفظ بها كمية ذلك العقد فيبني على ذلك حسابه.
وهذه الآية مما يستدلّ به على أن المعدوم ليس بشيء، لأنّه لو كان شيئًا.. لكانت الأشياء غير متناهية، وكونه أحصى عددها يقتضي كونها متناهيةً؛ لأن إحصاء العدد إنما يكون في المتناهي، فيلزم الجمع بين كونها متناهية وغير متناهية، وذلك محال، فوجب القطع بأن المعدوم ليس بشيء حتى يندفع هذا التناقض والتنافي، كذا في "حواشي" ابن الشيخ رحمه الله.
والمعنى (١): أي وهو سبحانه قد أحاط علمًا بما عند الرصد من الملائكة، وأحصى ما كان، وما سيكون فردًا فردًا، فهو عالم بجميع الأشياء منفرد بذلك على أتمّ وجه، فلا يشاركه في ذلك الملائكة الذين هم وسائط العلم.
والخلاصة: أنّ الرسول المرتضى يعلِّمه بوساطة الملائكة بعض الغيوب مما له تعلق برسالته، وهو سبحانه محيط علما بجميع أحوال أولئك الوسائط، وعالم بجميع الأشياء على وجه تفصيلي، فأين علم الوسائط من علمه تعالى؟.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿لِيَعْلَمَ﴾ بفتح الياء مبنيًّا للفاعل. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وحميد، ويعقوب، وزيد بن علي بضمّها مبنيًّا للمفعول. وقرأ الزهري وابن أبي عبلة بضمّ الياء وكسر اللام؛ أي: ليعلم الله من شاء أن يعلمه أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم. وقرأ الجمهور ﴿رِسَالَاتِ﴾ على الجمع، وأبو حيوة على الإفراد. وقرأ الجمهور ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ مبنيَّا للفاعل، وكذا ﴿أحصى﴾ مبنيًّا للفاعل؛ أي: الله، ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ بالنصب. وقر ابن أبي عبلة ﴿وأحيط﴾ ﴿وأحصي﴾ مبنيًّا للمفعول، ﴿كلُّ شيء﴾ بالرفع.
والمعنى: وأحاط بما عند الرسل من الحكم والشرائع، لا يفوته منها شيء، وأحصى كلّ شيء عددًا، أي: معدودًا محصورًا، وانتصابه على الحال من ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾،
(١) المراغي.
(٢) البحر المحيط.
وإن كان نكرةً لاندراج المعرفة في العموم.
ويجوز أن ينتصب نصب المصدر لـ ﴿أحصى﴾؛ لأنّه في معنى إحصاء. قال أبو البقاء: ويجوز أن يكون تمييزًا انتهى، كما مرّ. وفي ثبوته من كلام العرب خلاف.
الإعراب
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر تقديره: أنت. والجملة مستأنفة استئنافًا نحويًّا. ﴿أُوحِيَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ﴿إِلَيَّ﴾ جار ومجرور، متعلق به، ﴿أَنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر ﴿أنّ﴾، وجملة ﴿أنّ﴾ في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿أُوحِيَ﴾، وجملة ﴿أُوحِيَ﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ جار ومجرور متعلقان: بـ ﴿اسْتَمَعَ﴾ ﴿فَقَالُوا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿قالوا﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿اسْتَمَعَ﴾، ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿سَمِعْنَا قُرْآنًا﴾ فعل وفاعل ومفعول به، ﴿عَجَبًا﴾ صفة ﴿قُرْآنًا﴾، وجملة سمع في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾. ﴿يَهْدِي﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على القرآن، ﴿إِلَى الرُّشْدِ﴾ متعلق بـ ﴿يَهْدِي﴾، والجملة في محل النصب صفة ثانية لـ ﴿قُرْآنًا﴾. ﴿فَآمَنَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿آمنا﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿سَمِعْنَا﴾، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿آمنا﴾، ﴿وَلَن﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لن﴾ حرف نصب، ﴿نُشْرِكَ﴾ فعل مضارع منصوب بـ ﴿لن﴾، وفاعل مستتر، ﴿بِرَبِّنَا﴾ متعلق بـ ﴿نُشْرِكَ﴾، ﴿أَحَدًا﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ﴿آمنا﴾.
﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤)﴾.
﴿وَأَنَّهُ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿أَنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية معترضة بين اسم ﴿أن﴾ وخبرها. ﴿مَا﴾ نافية، ﴿اتَّخَذَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿صَاحِبَةً﴾ مفعول به، ﴿وَلَا وَلَدًا﴾ معطوف
على ﴿صَاحِبَةً﴾ والجملة الفعلية، في محل الرفع خبر ﴿أنّ﴾، وجملة ﴿أنَّ﴾ المفتوحة وكذا جميع الجمل المصدّرة بـ ﴿أنّ﴾ المفتوحة، وهي أحد عشر موضعًا في محل الرفع معطوفة على جملة قوله: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾، على كونها نائب فاعل، لـ ﴿أُوحِيَ﴾، فتكون من جملة الكلام الموحى به على أن الموحى عين عبارة الجن بطريق الحكاية، كأنّه قيل: أوحي إليّ استماع نفر من الجنّ، وأوحي إليّ قول الجنّ: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾، وقولهم: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾، وقولهم: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾، وقولهم: كيت وكيت كما تقدم لك بسطه في مبحث التفسير نقلًا عن "روح البيان"، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ على أنّها مقول لقالوا إجراء؛ لـ ﴿أنَّ﴾ المفتوحة مجرى إنّ المكسورة على سبيل الاستقراض والاستعارة، كما مرّ أيضًا ﴿وَأَنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص واسمها ضمير الشأن، وتسمّى هي شأنية، ﴿يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾ فعل وفاعل، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَقُولُ﴾، ﴿شَطَطًا﴾ صفة لمصدر محذوف تقديره: قولًا شططًا؛ أي: كذبًا. وذلك بوصفه بالصاحبة والولد وجملة ﴿يَقُولُ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة؛ ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أنّ﴾، وجملة ﴿أنّ﴾ في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾، أو في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ على التفصيل المارّ آنفًا، وكذا تقول في عطف ما سيأتي من مواضع أنَّ المفتوحة.
﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)﴾.
﴿وَأَنَّا﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿ظَنَنَّا﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَن﴾، وجملة ﴿أَن﴾ معطوفة على ما تقدم، ﴿ظَنَنَّا﴾ فعل وفاعل من أفعال القلوب، ﴿أَن﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، ﴿لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ﴾ ناصب وفعل وفاعل، ﴿وَالْجِنُّ﴾ معطوفة على ﴿الْإِنْسُ﴾، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَقُولَ﴾، ﴿كَذِبًا﴾ صفة لمصدر محذوف تقديره: قولًا كذبًا، وجملة ﴿تَقُولَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنْ﴾ المخففة، وجملة ﴿أن﴾ المخففة في محل النصب سادّة مسد مفعولي ﴿ظَنَنَّا﴾، ﴿وَأَنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿كَانَ رِجَالٌ﴾ فعل ناقص واسمه، ﴿مِنَ الْإِنْسِ﴾ صفة لـ ﴿بِرِجَالٍ﴾، ﴿يَعُوذُونَ﴾ فعل وفاعل، ﴿بِرِجَالٍ﴾ متعلق بـ ﴿يَعُوذُونَ﴾، ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ صفة لـ ﴿بِرِجَالٍ﴾، وجملة
﴿يَعُوذُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أنّ﴾، وجملة ﴿أنّ﴾ في محل الرفع، أو في محل النصب، معطوفة على ما تقدم على التفصيل المار. ﴿فَزَادُوهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿رَهَقًا﴾ مفعول ثان، والجملة معطوفة على جملة ﴿كَانَ رِجَالٌ﴾، ﴿وَأَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿ظَنُّوا﴾ خبره، وجملة ﴿أنّ﴾ معطوفة على ما تقدم، ﴿كَمَا﴾ الكاف حرف جرّ وتشبيه، ﴿ما﴾ مصدرية، وجملة ﴿ظَنَنْتُمْ﴾ صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف تقديره: وأنهم ظنّوا ظنًّا كائنًا كظنّكم. ﴿أَن﴾ مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، أي: وظنوا أنه ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ ناصب وفعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أَن﴾ المخففة، وجملة ﴿أَن﴾ المخففة سادّة مسدّ مفعولي ﴿ظَنُّوا﴾، وأمّا مفعولا ﴿ظَنَنْتُمْ﴾ فمحذوفان لدلالة مفعولي ﴿ظَنُّوا﴾ عليهما تقديره: كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدًا.
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾.
﴿وَأَنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ معطوفة على ما تقدم على التفصيل المار، ﴿فَوَجَدْنَاهَا﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، وجملة ﴿مُلِئَتْ﴾ مفعول به ثان، وجملة وجدنا معطوفة على جملة ﴿لَمَسْنَا﴾، ﴿مُلِئَتْ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿السَّمَاءَ﴾، والتاء: علامة تأنيث نائب الفاعل، ﴿حَرَسًا﴾ تمييز محوّل عن نائب الفاعل، ﴿شَدِيدًا﴾ صفة ﴿حَرَسًا﴾، ﴿وَشُهُبًا﴾ معطوف على ﴿حَرَسًا﴾. وقيل: ﴿فَوَجَدْنَاهَا﴾ هنا متعدّية لواحد، فجملة ﴿مُلِئَتْ﴾ حال من السماء؛ لأن معناها: صادفناها. ﴿وَأَنَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿أنا﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿كُنَّا﴾ خبره، وجملة ﴿أنّ﴾ معطوفة على ما تقدم، وجملة ﴿نَقْعُدُ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، ﴿مِنْهَا﴾ حال من ﴿مَقَاعِدَ﴾؛ لأنه صفة نكرة تقدمت عليها، أو متعلق بـ ﴿مَقَاعِدَ﴾، ﴿مَقَاعِدَ﴾ منصوب على الظرفية المكانية متعلق بـ ﴿نَقعُدُ﴾، ﴿لِلسَّمْعِ﴾ متعلق بـ ﴿نَقْعُدُ﴾؛ أي: نقعد لأجل السمع أو صفة لـ ﴿مَقَاعِدَ﴾؛ أي: مقاعد كائنة للسمع. ﴿فَمَنْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر
تقديره: إذا عرفت أنّا كنا نقعد منها مقاعد للسمع أوّلًا، وأردت بيان حالها، وحالنا الآن فأقول لك: من يستمع. ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿يَسْتَمِعِ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على من، ﴿الْآنَ﴾ ظرف للزمن الحاضر، ولكنه مستعار للمستقبل في محل النصب على الظرفية مبنيّ على الفتح، والظرف متعلق بـ ﴿يستمع﴾، ﴿يَجِدْ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿يَجِدْ﴾ على أنه مفعول ثان له، ﴿شِهَابًا﴾ مفعول أول لـ ﴿يَجِدْ﴾، ﴿رَصَدًا﴾ صفة لـ ﴿شِهَابًا﴾، وهو مصدر بمعنى اسم المفعول؛ أي: شهابا أرصد وهيّء له، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة معترضة لاعتراضها بين المتعاطفين.
﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢)﴾.
﴿وَأَنَّا﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿لَا نَدْرِي﴾ خبره، وجملة ﴿أَن﴾ معطوفة على ما تقدم، ﴿لَا﴾ نافية، ﴿نَدْرِي﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر يعود على الجنّ؛ أي: نحن. ﴿أَشَرٌّ﴾ الهمزة للاستفهام الاستخباري، ﴿شرٌّ﴾ نائب فاعل لفعل محذوف يفسّره المذكور بعده؛ أي: أأريد شرٌّ. وجملة ﴿أُرِيدَ﴾ جملة مفسّرة لا محل لها من الإعراب، وقيل: ﴿شرّ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿أُرِيدَ﴾ خبره، ﴿بِمَن﴾ متعلق بـ ﴿أُرِيدَ﴾، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ صلة لـ ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿أَمْ﴾ حرف عطف معادلة للهمزة، ﴿أَرَادَ﴾ فعل ماض، ﴿بِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَرَادَ﴾، ﴿رَبُّهُمْ﴾ فاعل، ﴿رَشَدًا﴾ مفعول به، وجملة ﴿أَرَادَ﴾ معطوفة على جملة الاستفهام، وجملة الاستفهام مع ما عطف عليها ساذة مسدّ مفعولي ﴿نَدْرِي﴾، علقت عنها بالاستفهام. ﴿وَأَنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿وَمِنَّا﴾ خبر مقدم، ﴿الصَّالِحُونَ﴾ مبتدأ مؤخّر، والجملة خبر ﴿أنّ﴾، وجملة ﴿أنّ﴾ معطوفة على ما تقدم، ﴿وَمِنَّا﴾ خبر مقدم، ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة لمبتدأ محذوف، تقديره: ومنا فريق كائن دون ذلك، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾. وأجاز الأخفش وغيره أن تكون ﴿دُونَ﴾ بمعنى غير؛ أي: ومنا غير الصالحين، وهو حينئذٍ مبتدأ، وإنّما فتح لإضافته إلى غير متمكّن.
والأول أرجح. وحذف الموصوف مع من التبعيضية كثير كقولهم: منّا ظعن ومنّا أقام. ﴿كُنَّا﴾ فعل ناقص واسمه، ﴿طَرَائِقَ﴾ خبره، ﴿قِدَدًا﴾ صفة لـ ﴿طَرَائِقَ﴾، ولكنه على حذف مضاف؛ أي: وكنا ذوي طرائق قددًا، وجملة ﴿كَانَ﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾. ﴿وَأَنَّا﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿ظَنَنَّا﴾ خبره، وجملة ﴿أَن﴾ معطوفة على ما تقدم، ﴿أَن﴾ مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. أي: أنّه. ﴿لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ﴾ ناصب وفعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ حال من فاعل ﴿نُعْجِز﴾؛ أي: كائنًا في الأرض. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر لـ ﴿أَن﴾ المخففة، وجملة ﴿أَن﴾ المخففة سادّة مسدّ مفعولي ﴿ظَنَنَّا﴾. ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ﴾؛ ناصب وفعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ما قبله، ﴿هَرَبًا﴾ حال من فاعل ﴿نُعْجِزَهُ﴾، ولكنه في تأويل مشتقّ؛ أي: هاربين إلى السماء، أو إلى البحار مثلًا.
﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾.
﴿وَأَنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿لَمَّا﴾ اسم شرط غير جازم، ﴿سَمِعْنَا الْهُدَى﴾ فعل وفاعل ومفعول، فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾، في محل جر بالإضافة. ﴿آمَنَّا﴾ فعل وفاعل ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿آمَنَّا﴾، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَمَّا﴾ في محل الرفع خبر ﴿أنّ﴾، وجملة ﴿أنّ﴾ معطوفة على ما تقدم. ﴿فَمَنْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما قلت لك: وأردت بيان جزاء من آمن بربّه فأقول لك: ﴿مَنْ يُؤْمِنْ﴾. ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿يُؤْمِنْ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿فلا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوباَ، ﴿لَا﴾ نافية، ﴿يَخَافُ﴾ فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿بَخْسًا﴾ مفعول به، ﴿وَلَا رَهَقًا﴾ معطوف على ﴿بَخْسًا﴾، والجملة الفعلية في محل الجزم جواب مَنْ الشرطية، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة معترضة. ﴿وَأَنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿مِنَّا﴾ خبر مقدم، ﴿الْمُسْلِمُونَ﴾
مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الريع خبر ﴿أنّ﴾، وجملة ﴿أنّ﴾ معطوفة على ما تقدم. ﴿وَمِنَّا﴾ خبر مقدم، ﴿الْقَاسِطُونَ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على ما تقدم، ﴿فَمَن﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما ذكرته لك وأردت بيان جزاءِ من أسلم فأقول لك: ﴿مَنْ أَسْلَمَ﴾: ﴿مَنْ﴾ اسم شرط مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب، ﴿أَسْلَمَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فِعْل شرط لها. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب، ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿تَحَرَّوْا﴾ خبره، ﴿رَشَدًا﴾ مفعول به، والجملة الاسمية في محل الجزم جواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة معترضة. ﴿وَأَمَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿أمّا﴾ حرف شرط وتفصيل، ﴿الْقَاسِطُونَ﴾ مبتدأ، ﴿فَكَانُوا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿أمّا﴾ الشرطية واقعة في غير موضعها، ﴿كانوا﴾ فعل ناقص واسمه، ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ حال من ﴿حَطَبًا﴾؛ لأنّه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿حَطَبًا﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب أمّا لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿أمّا﴾ معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة.
﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾.
﴿وَأَلَّوِ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿أنْ﴾ مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن؛ أي: وأنّه لو استقاموا. ﴿لو﴾ حرف شرط غير جازم، ﴿اسْتَقَامُوا﴾ فعل وفاعل، فعل شرط لـ ﴿لو﴾ ﴿عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ متعلق بـ ﴿اسْتَقَامُوا﴾، ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾ الشرطية، ﴿أسقيناهم﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿مَاءً﴾ مفعول ثان، ﴿غَدَقًا﴾ صفة ﴿مَاءً﴾، والجملة جواب ﴿لو﴾ الشرطية، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية في محل الرفع خبر ﴿أنْ﴾ المخفّفة وجملة ﴿أنْ﴾ المخففة في محل الرفع معطوفة على جملة قوله: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾؛ أي: وأوحى إليّ أن لو استقاموا. ﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جرّ وتعليل، نفتنهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به، منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة بعد لام ﴿كي﴾، والجملة الفعلية مع ﴿أن﴾ المضمرة في تأويل
مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أسقيناهم﴾، ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿نفتنهم﴾، ﴿وَمَن﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَنْ﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، ﴿يُعْرِضْ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونه فِعْلَ شرط لها، ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُعْرِضْ﴾، ﴿يَسْلُكْهُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿لو﴾ الشرطية، ﴿عَذَابًا﴾ منصوب بنزع الخافض، أي: في عذاب، ﴿صَعَدًا﴾ صفة ﴿عَذَابًا﴾. ﴿وَأَنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿أَنَّ الْمَسَاجِدَ﴾ ناصب واسمه، ﴿لِلَّهِ﴾ خبره، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَنَّهُ اَستَمَعَ﴾. ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿لا﴾ ناهية جازمة، ﴿تَدْعُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَدْعُوا﴾، ﴿أَحَدًا﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة مفرّعة على جملة ﴿أنّ﴾. ﴿وَأَنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿لَمَّا﴾ اسم شرط غير جازم ﴿قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ فعل وفاعل فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾ وجملة ﴿يَدْعُوهُ﴾ من الفعل والفاعل المستتر والمفعول في محل النصب حال من فاعل ﴿قَامَ﴾، ﴿كَادُوا﴾ فعل ناقص واسمه جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لما﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَن﴾، وجملة ﴿أنّ﴾ معطوفة على جملة ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾، ﴿يَكُونُونَ﴾ فعل ناقص واسمه مرفوع بالنون، ﴿عَلَيْهِ﴾ حال من ﴿لِبَدًا﴾، و ﴿لِبَدًا﴾ خبر ﴿يكون﴾، وجملة ﴿يكون﴾ في محل النصب خبر ﴿كاد﴾.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢)﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة مسوقة للردّ على الكفار المتظاهرين عليه - ﷺ -. ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، ﴿أَدْعُو رَبِّي﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَلَا أُشْرِكُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أُشرِكُ﴾، ﴿أَحَدًا﴾ مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَدْعُو﴾. ﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة أو معطوفة بعاطف مقدر على ﴿قُلْ﴾ الأول. ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه، ﴿لَا﴾ نافية ﴿أَمْلِكُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر، ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿ضَرًّا﴾، و ﴿ضَرًّا﴾ مفعول ﴿أَمْلِكُ﴾، ﴿وَلَا رَشَدًا﴾ معطوف على ﴿ضَرًّا﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة
﴿إنّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر مستأنفة أو معطوفة، ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه، ﴿لَنْ يُجِيرَنِي﴾ ناصب وفعل مضارع، ونون وقاية، ومفعول به ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُجِيرَنِي﴾، ﴿أَحَدٌ﴾، فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿وَلَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لن﴾ حرف نصب، ﴿أَجِدَ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر، منصوب بـ ﴿لن﴾، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿لَنْ يُجِيرَنِي﴾، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ جار ومجرور في موضع المفعول الثاني لـ ﴿أَجِدَ﴾، ﴿مُلْتَحَدًا﴾ مفعول أول لـ ﴿أَجِدَ﴾.
﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)﴾.
﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء، ﴿بَلَاغًا﴾ استثناء من مفعول ﴿لَاَ أَمْلِكُ﴾؛ أي: من مجموع الأمرين، وهما: ﴿ضَرًّا﴾ و ﴿رَشَدًا﴾ بعد تأويلهما بـ (شيئا) كأنّه قال: لا أملك لكم شيئًا إلَّا بلاغًا، فهو استثناء متصل، وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ جملة معترضة اعترض بها لتأكيد نفي الاستطاعة، هكذا قرر بعض "حواشي البيضاوي"، وفيه أوجه أخر، ومنها قيل: إنه استثناء منقطع من ﴿مُلْتَحَدًا﴾، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صفة لـ ﴿بَلَاغًا﴾، ﴿وَرِسَالَاتِهِ﴾ معطوف على ﴿بَلَاغًا﴾، ﴿وَمَن﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿مَنْ﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، ﴿يَعْصِ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿اللَّهِ﴾ مفعول به، ﴿وَرَسُولَهُ﴾ معطوف على الجلالة، ﴿فَإِنَّ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب، ﴿إنّ﴾ حرف نصب، ﴿لَهُ﴾ خبر مقدم لـ ﴿أن﴾، ﴿نَارَ جَهَنَّمَ﴾ اسمها مؤخر، ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من ضمير ﴿لَهُ﴾، والعامل فيه الاستقرار الذي تعلق به الجار والمجرور، ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾، ﴿أَبَدًا﴾ ظرف متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾ أيضًا، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل الجزم جواب ﴿من﴾ الشرطية، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿حَتَّى﴾ حرف ابتداء وغاية لمحذوف تقديره: ولا يزالون على ما هم عليه من الكفر والتكذيب، ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿رَأَوْا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿رَأَوْا﴾؛ لأنّ رأى بصرية، وجملة ﴿يُوعَدُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما يوعدونه. ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة
الجواب وجوبا، والسين حرف استقبال، ﴿يعلمون﴾ فعل وفاعل مرفوع، والجملة جواب ﴿إذا﴾ الشرطية، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة، ولكنّها غاية لمحذوف كما قدّرنا، ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿أَضْعَفُ﴾ خبره، والجملة الاستفهامية في محل النصب سادّة مسدّ مفعولي ﴿يعلمون﴾؛ لأنّها معلّقة للعلم قبلها، ويجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ موصولة في محل النصب مفعول به لـ ﴿يعلمون﴾؛ لأنّ العلم حينئذٍ بمعنى العرفان، ﴿أَضْعَفُ﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الذي هو ﴿أَضْعَفُ﴾، والجملة صلة الموصول، ﴿نَاصِرًا﴾ تمييز محوّل عن المبتدأ أو عن المفعول، منصوب باسم التفضيل، ﴿وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾ معطوف على ﴿أَضْعَفُ نَاصِرًا﴾.
﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة، ﴿إن﴾ نافية، ﴿أَدْرِى﴾ فعد مضارع وفاعل مستتر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قل﴾، ﴿أَقَرِيبٌ﴾ الهمزة للاستفهام يطلب به، وبـ (أم) التعيين، ﴿قريب﴾ خبر مقدم، ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخّر، وجملة ﴿توُعَدُونَ﴾ صلته، والعائد محذوف؛ أي: توعدونه. ويجوز أن يكون ﴿قريب﴾ مبتدأ لاعتماده على الاستفهام، و ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ فاعل سدّ مسدّ الخبر، نحو: أقائم أبواك. والجملة الاسمية في محل النصب سادّة مسدّ مفعولي ﴿أَدْرِى﴾، معّلقة عنها بالاستفهام، ﴿أَمْ﴾ عاطفة متصة، ﴿يَجْعَلُ﴾ فعل مضارع، ﴿لَهُ﴾ في موضع المفعول الثاني، ﴿رَبِّي﴾ فاعل، ﴿أَمَدًا﴾ مفعول أول لـ ﴿جعل﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على ﴿قريب﴾؛ لأنّه في تأويل أقريب ما توعدون أم بعيد يجعل له ربي أمدا. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو عالم الغيب أو بدل من ﴿ربّي﴾، ﴿فَلَا يُظْهِرُ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شوط مقدر تقديره: إذا عرفت أنّه تعالى عالم الغيب، وأردت بيان أنّه يظهر على غيبه أم لا فأقول لك: لا يظهر. ﴿لا﴾ نافية، ﴿يُظْهِرُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿عَلَى غَيْبِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُظْهِرُ﴾، ﴿أَحَدًا﴾ مفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ويجوز أن تكون الفاء عاطفة.
﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾.
﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء، والاستثناء منقطع؛ أي: لكن من ارتضاه، فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه بالوحي، أو متصل؛ أي: إلّا رسولًا ارتضاه لإظهاره على بعض غيوبه المتعلّقة برسالته. ﴿مَنِ﴾ اسم موصول في محل النصب على الاستثناء، ﴿ارْتَضَى﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ حال من ﴿مَنِ﴾ الموصولة أو مِنْ ضمير العائد، والجملة صلة الموصول. ﴿فَإِنَّهُ﴾ ﴿الفاء﴾: تعليلية ﴿إنه﴾ ناصب واسمه، ﴿يَسْلُكُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر، ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَسْلُكُ﴾، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ معطوف على ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾، ﴿رَصَدًا﴾ مفعول به، وجملة ﴿يُظْهِرُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب، لأنها سيقت لتعليل الاستثناء، ﴿لِيَعْلَمَ﴾ اللام: حرف جرّ وتعليل، ﴿يعلم﴾ فعل مضارع منصوب بـ: أن مضمرة بعد لام ﴿كي﴾، وفاعله ضمير يعود على الله، وجملة (أن) المضمرة مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَسْلُكُ﴾، غاية له من حيث إنّه مترتب على الإبلاغ المترتّب عليه، ﴿أَن﴾ مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق، ﴿أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أنْ﴾ المخفّفة، وجملة ﴿أنْ﴾ المخقفة في تأويل مصدر سادّ مسدّ مفعولي ﴿يعلم﴾؛ أي: ليعلم إبلاغهم رسلات ربّهم. ﴿وَأَحَاطَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة على مقدر معلوم من السياق تقديره: فعلم ذلك، وأحاط بما لديهم. ﴿أحاط﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة معطوفة على ذلك المقدر، ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿أحاط﴾، ﴿لَدَيْهِمْ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿وَأَحْصَى﴾ معطوف على ﴿أحاط﴾، ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ مفعول به ﴿عَدَدًا﴾؛ تمييز محول عن المفعول؛ أي: أحصى عدد كل شيء، أو منصوب على الحال من كل شيء؛ أي: حال كونه معدودًا، وإن كان نكرة لاندراج المعرفة في العموم أو على المصدر؛ لأنه في معنى إحصاء.
التصريف ومفردات اللغة
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ الإيحاء: إعلام في خفاء. وأصل أوحي أأحي، أبدلت الهمزة
الثانية واوًا حرف مدّ مجانسًا لحركة الأولى.
﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ والاستماع: الإصغاء إلى الكلام مع قصد السماع له، والسماع: اتفاق سماعه من غير قصد إليه فكل مستمع سامع من غير عكس كما مرّ. ﴿نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ والنفر: الجماعة بين الثلاثة إلى العشرة، وفي "القاموس": النفر: ما دون العشرة من الرجال كالنفير والجمع أنفار. وفي "المفردات": النفر: عدّة رجال يمكنهم النفر إلى الحرب. وفي "شرح القاموس" قال أبو العباس: النفر والرهط والقوم هؤلاء معناها الجمع لا واحد لها من لفظها، والنسب إليه نفريّ. قال الزجاج: النفير جمع نفر كالعبيد. ﴿وَالْجِنُّ﴾ اسم جنس، واحده جنيّ كروم وروميّ، سمّوا بذلك لاجتنانهم عن بني آدم.
﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ والسماع: حصول السمع اتفاقًا، كما مرّ آنفًا. ﴿عَجَبًا﴾ مصدر بمعنى العجيب، وضع موضعه للمبالغة؛ أي: عجيبًا بديعًا مباينًا لكلام الناس في حسن النظم ودقّة المعنى. ﴿يَهْدِى إِلَى الرُّشْدِ﴾ وحقيقة الرشد إلاهتداء إلى مصالح الدين والدنيا. قال بعضهم: الرشد كالقفل خلاف الغيّ، يقال في الأمور الدنيوية والأخروية، والرشد كالذهب يقال في الأمور الأخروية فقط. ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾؛ أي: تنزّه جلاله وعظمته عمّا نسب إليه من الصاحبة والولد. وفي "القرطبي": الجد في اللغة: العظمة والجلال، ومنه قول أنس رضي الله عنه: كان الرجل إذا حَفِظ البقرة، وآل عمران جدّ في عيوننا؛ أي: عظم وجلّ. ﴿كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾؛ أي: جاهلنا، وهو إبليس أو مردة الجنّ. والسفه: خفّة الحلم، أو نقيضه أو الجهل كما في "القاموس". وقال الراغب: السفه: خفّة في البدن، واستعمل في خفّة النفس لنقصان العقل، وفي الأمور الدنيوية والأخروية. والمراد في الآية هو السفه في الدين الذي هو السفه الأخرويّ، كذا في "المفردات".
﴿شَطَطًا﴾ هو مجاوزة الحد في الظلم وغيره. وفي "المفردات": الشطط: الإفراط في البعد؛ أي: قولًا ذا شطط؛ أي: بعد عن القصد ومجاوزة الحد، أو هو شطط في نفسه لفرط بعده عن الحق، فوصف بالمصدر للمبالغة، والمراد به نسبة الصاحبة والولد إليه تعالى. ﴿كَذِبًا﴾ مصدر مؤكد لـ ﴿تَقُولَ﴾؛ لأنه نوع من القول. ﴿يَعُوذُونَ﴾ العوذ: الالتجاء إلى الغير والتعلق به. أصله: يعوذون بوزن يفعلون، نقلت حركة الواو إلى العين فسكنت بعد ضمة فصارت حرف مد. ﴿فَزَادُوهُمْ﴾ أصله:
زيدوهم، تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا. ﴿رَهَقًا﴾؛ أي: تكبرا وعتوًا وسفهًا، فإن الرهق محركًا يجيء لمعان.
منها: السفه وركوب الشر والظلم، كما مر. وفي "المختار": رهقه: غشيه، وبابه: طرف. ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ واللمس: إدراك بظاهر البشرة كالمس. ﴿حَرَسًا﴾ اسم جمع لحارس من الحراسة، بمعنى حافظ كخدم لخادم، مفرد اللفظ، ولذلك وصفه بقوله: ﴿شَدِيدًا﴾؛ أي: قويًّا، ولو كان جمعًا.. لقال: شدادًا. ﴿وَشُهُبًا﴾ جمع شهاب ككتب وكتاب، وهو الشعلة المقتبسة من نار الكواكب، كذا قالوا. والله أعلم.
﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ﴾ والآن ظرف للزمان الحاضر، استعير هنا للمستقبل. ﴿شِهَابًا رَصَدًا﴾ مصدر بمعنى اسم المفعول؛ أي: مرصدًا مهيّأً له. ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ قال في "المفردات": جمع الطريق طرق، وجمع الطرق طرائق، فالطرائق: جمع الجمع، والظاهر: أن الطرائق جمع طريقة كقصائد جمع قصيدة. والطريق هو المكان يطرق بالأرجل؛ أي: يضرب. ومنه: استعير كل مسلك يسلكه الإنسان في فعل شيء محمودًا كان أو مذمومًا. والهمزة في ﴿الطرائق﴾ مبدلة من الياء الموجودة في الاسم المؤنث لما وقعت ثالثة زائدة حرف مد فيه. ﴿قِدَدًا﴾: جمع قد، وهو قطع الشيء طولًا، وصفت الطرائق بالقدد لدلالتها على معنى التقطع والتفرق. وفي "القاموس": القدة: الفرقة من الناس هوى كل واحد على حدة، ومنه: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾؛ أي: فرقًا مختلفة أهواؤها، يجمع على قدد كسدرة وسدر. ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ أصله: أأمنّا، أبدلت الهمزة الثانية الساكنة ألفًا حرف مد مجانسًا لحركة الأولى. ﴿فَلَا يَخَافُ﴾ أصله: يخوف مضارع خوف بكسر الواو، يخوف بفتحها نقلت حركة الواو إلى الحاء فسكنت لكنها أبدلت الفاء لتحركها في الأصل وفتح ما قبلها في الحال. ﴿بَخْسًا﴾؛ أي: نقصًا عن ثواب الحسنات. ﴿وَلَا رَهَقًا﴾؛ أي: ظلمًا بزيادة عقاب السيئات. ﴿وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾؛ أي: الجائرون العادلون عن الحق، من قسط بمعنى جار، وأما المقسطون فهم العادلون إلى الحق من أقسط بمعنى عدل إلى الحق واتبعه.
﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾؛ أي: قصدوا هداية وطلبوها باجتهاد، ومنه: التحري في الشيء؛ أي: الاجتهاد فيه، يقال: حرى الشيء يحريه؛ أي: قصد حراه؛ أي:
جانبه، وتحرّاه كذلك. وأصله: تحريوا، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح ثمّ حذفت الألف لالتقاء الساكنين. والتحرّي في الأصل: طلب الأحرى والأليق قولًا أو فعلًا، كما مرّ. ﴿رَشَدًا﴾ يقال: رشد كنصر وفرح رشدًا رُشْدا ورشادًا: اهتدى كما في "القاموس"؛ أي: اهتداء عظيمًا إلى طريق الحقّ والصواب. ﴿حَطَبًا﴾؛ أي: وقودًا للنار. والحطب: ما يعد للإيقاد.
﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ أصله: استقوموا بوزن استفعلوا نقلت حركة الواو إلى القاف فسكنت لكنّها أبدلت ألفًا لتحركها في الأصل وفتح ما قبلها في الحال. ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ الغدق بفتح الدال وكسرها لغتان في الماء الغزير، ومنه: الغيداق للماء الكثير وللرجل الكثير العدوّ والكثير النطق. وفي "المصباح": غدقت العين غدقًا من باب تعب: كثر ماؤها، فهي غدقة، وفي التنزيل: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾؛ أي: كثيرًا، وأغدقت إغداقًا كذلك، وغدق المطر غدقًا، وأغدق إغداقًا مثله، وغدقت الأرض تغدق - من باب ضرب - إذا ابتلت بالغدق. ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ﴾ الإسقاء والسقي بمعنى واحد. وقال الراغب: السقي والسقيا: هو أن تعطيه ماء ليشرب، والإسقاء: أن تجعل ذلك له حتى يتناوله كيف شاء، كما يقال: أسقيته نهرًا، فالإسقاء أبلغ. وغدق من باب علم إذا غزر. ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ يقال: سلكت الخيط في الإبرة إذا أدخلته فيها، أي: يسلكه في عذاب صعد؛ أي: شاقٍّ. ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ أصله: قوم بوزن فعل، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ جمع لبدة بالكسر نحو: قربة وقرب، وهي ما تلبَّد بعضه على بعض؛ أي: تراكب وتلاصق. ومنها: لبدة الأسد، وهي الشعر المتراكب بين كتفيه.
﴿كَادُوا﴾ أصله: كودوا، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿يَكُونُونَ﴾ أصله يكونون بوزن يفعلون، نقلت حركة الواو إلى الكاف فسكنت الواو إثر ضمّة، فصارت حرف مدّ. ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ والفرق بين الزمان والأمد: أن الأمد يقال باعتبار الغاية، والزمان عامّ في المبدأ والغاية. ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ أصله: ارتضى بوزن افتعل، قلبت ياؤه ألفًا لتحركها بعد فتح. وأصل الارتضاء: تناول مرضيّ الشيء: ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ قال في "القاموس": الرصد محرّكًا: الراصدون؛ أي: الراقبون، يقال للواحد والجماعة كما في "المفردات".
﴿وَأَحَاطَ﴾ أصله: أحوط بوزن أفعل، نقلت حركة الواو إلى الحاء فسكنت ثم أبدلت ألفًا لتحركها في الأصل وفتح ما قبلها في الحال. ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ﴾ أصله: أحصي بوزن أفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. وأصل الإحصاء: أن المحاسب إذا بلغ عقدًا معيّنًا من عقود الأعداد كالعشرة والمئة والألف وضع حصاة ليحفظ بها كمية ذلك العدد، فيبني على ذلك حسابه. ﴿عَدَدًا﴾ والعدد لغة: مطلق الكمية، فيدخل فيه الواحد، واصطلاحًا: ما ساوى نصف حاشيتيه السفلى والعليا القريبتين أو البعيدتين مثلًا الأربعة له حاشية قريبة عليا، وهي خمسة، وله حاشية سفلى قريبة وهي ثلاثة. فإذا جمعت ثلاثة مع خمسة يكون ثمانية، فالأربعة حينئذٍ نصف ثمانية، وقس على ذلك غيره. فيخرج بذلك الواحد، لأنّه ليس عددًا عند الحساب بل مبدأ عدد لفقد الحاشية السفلى له.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: وصف القرآن بالمصدر في قوله: ﴿قُرْآنًا عَجَبًا﴾ للمبالغة في مدحه، أي: عجيبًا في رصانة اللفظ وغزراة المعنى مباينا لكلام الناس في حسن النظم ودقّة المعنى.
ومنها: طباق السلب في قوله: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ لأن الإيمان نفي الشرك.
ومنها: عطف المسبّب على السبب في قوله: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ فإنَّ مجموع هذ الكلام معطوف مسبّب عن مجموع قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾، حيث شبه سلطان الله وغناه الذاتيان الأزليان ببخت الملوك ودولتهم وغنى الأغنياء، فأطلق اسم الجد عليه استعارة، كذا في "الروح".
ومنها: التعبير بصيغة الماضي في قوله: ﴿فَزَادُوهُمْ﴾ إفادة للتحقق والوقوع،
وفيه أيضًا إسناد الزيادة إلى الإنس والجنّ باعتبار السببية.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿وَأَنهُم ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُم﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعتة في قوله: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾؛ أي: طلبنا خبر السماء باستراقه، حيث شبه الطلب باللمس باليد في كون كلّ واحد منهما وسيلة إلى تعرّف حال الشي، فاشتقّ منه ﴿لَمَسْنَا﴾ بمعنى طلبنا على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ لما بين اللفظين من الاشتقاق اللطيف.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصليّة في قوله: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ﴾؛ لأنّه ظرف حالي استعير للمستقبل.
ومنها: حسن رعاية الأدب مع الخالق في قوله: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾، حيث نسبوا الخير إلى الله تعالى دون الشر سلوكًا مسلك الأدب مع البارىء بأسلوب بديع.
ومنها: القصر الادّعائيّ في قوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾، حيث قصروا الصلاح فيم، كأنّهم لم يعتدوا بصلاح غيرهم.
ومنها: حذف الموصوف في التفصيل بـ ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾؛ أي: قوم دون أولئك الصالحين.
ومنها: الطباق بين ﴿الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾، وبين ﴿ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾، وبين ﴿الْمُسْلِمُونَ والْقَاسِطُونَ﴾.
ومنها: الاستعارة اللطيفة في قوله: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾، حيث استعار الطرائق للمذاهب المختلفة، فإنه حقيقة في المكان الذي يطرق بالأرجل؛ أي: يضرب ثم استعير في كل مسلك يسلكه الإنسان في فعل محمودًا كان أو مذومًا، كما مرّ.
ومنها: اللف والنشر المرتب في قوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾، فهذا لف نشر عليه على ترتيبه قوله: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ﴾ إلخ، وقوله: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾.
ومنها: الاحتباك في قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١)﴾، وهو
الحذف من أحد المتقابلين نظير ما أثبته في الآخر، كأنّه قال: لا أملك لكم ضرًّا ولا نفعًا ولا رشدًا وغيًّا.
ومنها: إيراد علمه تعالى في قوله: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ لإبراز اعتنائه تعالى بأمر الإبلاغ ولإشعار ترتب الجزاء عليه والمبالغة في الحث عليه والتحذير من التفريط فيه.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
* * *
خلاصة ما تضمَّنته هذه السورة الكريمة
اشتملت هذه السورة على مقصدين:
١ - حكاية أقوال صدرت من الجن حين سمعوا القرآن كوصفهم له بأنّه كتاب يهدي إلى الرشد، وأن الرب سبحانه تنزه عن الصاحبة والولد، وأنهم ما كانوا يظنون أن أحدًا يكذب على الله تعالى، وأن رجالًا من الإنس كانوا يستعيذون في القفر برجال مِنَ الجن، وأن الجن طلبوا خبر العالم العلويّ فمنعوا، وأن الجن لا يدرون ماذا يحل بالأرض من هذا المنع، وأنّ الجن منهم الأبرار، ومنهم الفجّار، ومنهم مسلمون وجائرون عادلون عن الحق.
٢ - ما أمر النبي - ﷺ - بتبليغه إلى الخلق ككونه لا يشرك بربّه أحدًا، وأنّه لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، وأنه لا يمنعه أحد من الله إن عصاه، وأنه - ﷺ - لا يدري متى يكون وقت تعذيبهم، فالعلم لله وحده (١).
والله أعلم
* * *
(١) إلى هنا تمّ تفسير هذه السورة أوائل ليلة الجمعة ليلة التاسع والعشرين من شهر ربيع الأوّل من شهور سنة ٢٩/ ٣/ ١٤١٦ ألف وأربع مئة وست عشرة سنة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية، آمين يا رب.
سورة المزمل
سورة المزمل مكية، نزلت بعد سورة القلم. قال الماورديّ (١): كلها مكية في قول الحسن، وعكرمة، وجابر، قال: وقال ابن عباس وقتادة: مكية إلّا آيتين منها قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾، وقوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)﴾.
وقال الثعلبيّ: وإلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ...﴾ إلى آخر السورة، فمدنيّات. وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.
وعدد آياتها (٢): تسع عشرة أو عشرون آية. وعدد كلماتها: مئتان وخمس وثمانون كلمة. وحروفها: ثمان مئة وثمانية وثلاثون حرفا.
التسمية: وسبب تسميتها بذلك: ما أخرجه (٣) البزّار والطبراني في "الأوسط" وأبو نعيم في "الدلائل " عن جابر قال: اجتمعت قريش في دار الندوة، فقالوا: سمّوا هذا الرجل اسمًا تصدّون الناس عنه، فقالوا: كاهن، قالوا: ليس بكاهن، قالوا: مجنون، قالوا: ليس بمجنون، قالوا: ساحر، قالوا: ليس بساحر. فتفرّق المشركون على ذلك، فبلغ ذلك النبيّ - ﷺ -، فتزمَّل في ثيابه وتدثر فيها، فأتاه جبريل، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾. قال البزار بعد إخراجه من طريق معقى بن عبد الرحمن: إنّ معلى قد حدث عنه جماعة من أهل العلم، واحتملوا حديثه لكنه إذا تفرد بالأحاديث لا يتابع عليها. وأخرج أبو داود والبيهقي في "السنن" عن ابن عباس قال: بتّ عند خالتي ميمونة، فقام النبيّ - ﷺ - يصلي من الليل، فصلى ثلاث عشرة ركعة، منها: ركعتا الفجر، فحزرت قيامه في كل ركعة بقدر ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾.
(١) الشوكاني.
(٢) الخازن.
(٣) الشوكاني.
مناسبتها ووجه اتصالها بما قبلها من وجوه (١):
١ - أنه سبحانه ختم سورة الجن بدر الرسل عليهم السلام، وافتتح هذه بما يتعلق بخاتمهم عليه السلام.
٢ - أنه قال في السورة السابقة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾، وقال في هذه: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾.
وقال أبو حيان (٢): مناسبتها لما قبلها: في آخر ما قبلها ﴿عَالِمُ اَلغَيبِ...﴾ الآيات، فأتبعه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ إعلامًا بأنه - ﷺ - ممن ارتضاه من الرسل، وخصه بخصائص، وكفاه شرّ أعدائه.
الناسخ والمنسوخ فيها: وقال محمد بن حزم في الناسخ والمنسوخ: سورة المزّمل فيها ستّ آيات منسوخات.
أولاهنّ: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ نسخت بقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾.
الثانية: القليل بالنصف والنصف بقوله تعالى: ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ﴾؛ أي: إلى الثلث.
الثالثة: قوله: ﴿ثَقِيلًا﴾ نسخت بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ...﴾ الآية.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ نسخت بآية السيف.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ نسخت بآية السيف.
السادسة: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ نسخت بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الآية (٣٠) من سورة الإنسان، وقيل: نسخت بآية السيف.
والله أعلم
* * *
(١) المراغي.
(٢) البحر المحيط.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤) إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩) إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾.
المناسبة
قد تقدم لك بيان المناسبة بين أوّل هذه السورة وآخر ما قبلها، وأمّا قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنّ الله سبحانه لما ذكر (١) معاملة العباد ببارئهم وخالقهم من العدم.. أردف ذلك بمعاملة بعضهم بعضًا، فبين أن ذلك يكون بأحد أمرين:
١ - مخالطة فصبر جميل على الإيذاء والإيحاش.
٢ - هجرٍ جميلٍ بالمجانبة بالقلب والهوى والمخالفة في الأفعال مع المداراة
(١) المراغي.
والإغضاء وترك المكافأة. ثم أمر رسوله أن يترك أمر المشركين إليه، فهو الكفيل بمجازاتهم. ثم ذكر أنه سيعذبهم بالأنكال والنار المستعرة والطعام ذي الغصة في يوم القيامة حتى تكون الجبال كثيبا مهيلًا.
وبعد أن خوفهم عذاب يوم القيامة خوفهم أحوال الدنيا، وأنه سيكون لهم فيها مثل ما كان للأمم المكذّبة قبلهم كقوم فرعون حين عصوا موسى، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر. ثم عاد إلى تخويفهم بالآخرة مرةً أخر، وأبان لهم أن أهوالها بلغت حدًّا تشيب من هوله الولدان، وأن السماء تنشق منه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا...﴾ إلى آخر السورة، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما بدأ السورة بشرح أحوال السعداء، وبين معاملتهم للمولى، ثم معاملتهم للخلق، ثم هدد الأشقياء بأنواع من العذاب في الآخرة، ثم توعدهم بعذاب الدنيا، وبعدئذٍ وصف شدة يوم القيامة. ختم السورة بتذكيرات مشتملة على أنواع الهداية والإرشاد، فمن شاء أن يسلك سبيل ربه بالطاعة والبعد عن المعصية، فليفعل. ثم أخبره بما يقوم به هو والمؤمنون للعبادة من ساعات الليل ثلثيه أو نصفه أو ثلثه. ثم خفف ذلك عنهم للأعذار التي تحيط بهم من مرض أو سفر للتجارة ونحوها أو جهاد للعدوّ، فليصلوا قدر ما يستطيعون، وليؤتوا زكاة أموالهم، ولسيتغفروا الله في جميع أحوالهم، فهو الغفور الرحيم.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)...﴾ الآيات، سبب نزولها: ما (١) أخرجه البزار والطبراني بسند واهٍ عن جابر قال: اجتمعت قريش في دار الندوة فقالت: سموا هذا الرجل اسمًا يصدر الناس عنه، قالوا: كاهن، قالوا: ليس بكاهن، قالوا: مجنون، قالوا: ليس بمجنون، قالوا: ساحر، قالوا: ليس بساحر، فبلغ ذلك النبيّ - ﷺ -، فتزمل في ثيابه فتدثر فيها، فأتاه جبريل فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾.
(١) لباب النقول.
السورة التالية
Icon