0:00
0:00

(٧٢) سورة الجنّ مكيّة وآياتها ثمان وعشرون
[سورة الجن (٧٢) :الآيات ١ الى ٩]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (٤)
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (٥) وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (٩)
اللغة:
(نَفَرٌ) النفر: الجماعة ما بين الثلاثة إلى العشرة وفي القاموس
«والنفر الناس كلهم وما دون العشرة من الرجال كالنفير والجمع أنفار» وفي شرح القاموس: «قال أبو العباس النفر والرهط والقوم هؤلاء معناها الجمع لا واحد لها من لفظها والنسب إليه نفري قال الزجّاج النفير جمع نفر كالعبيد».
(جَدُّ رَبِّنا) عظمته من قولك جدّ فلان في عيني أي عظم وفي حديث عمر رضي الله عنه كان الرجل منّا إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا، وسيأتي مزيد من بحثه في باب البلاغة.
الإعراب:
(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً) قل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت أي يا محمد وأوحي فعل ماض مبني للمجهول وإليّ متعلقان بأوحي وأن وما في حيّزها في محل رفع نائب فاعل وأن واسمها وجملة استمع خبرها ونفر فاعل استمع ومن الجن صفة لنفر، فقالوا عطف على استمع وإن واسمها وجملة سمعنا خبر إنّا وقرآنا مفعول به وعجبا نعت أي يتعجب منه لفصاحته وبلاغته وما ينطوي عليه من معان سامية وغير ذلك (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً) جملة يهدي إلى الرشد صفة ثانية لقرآنا وإلى الرشد متعلقان بيهدي، فآمنّا عطف على سمعنا وبه متعلقان بآمنّا، ولن الواو حرف عطف ولن حرف نفي ونصب واستقبال ونشرك فعل مضارع منصوب بلن وبربنا متعلقان بنشرك وأحدا مفعول به لنشرك (وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً) الواو حرف عطف وأن وما في حيّزها عطف على ما تقدم وأن واسمها وتعالى فعل ماض وجدّ ربنا فاعل والجملة معترضة بين الاسم والخبر وجملة ما اتخذ خبر أن ولا ولدا عطف على صاحبة (وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً) عطف على
ما تقدم وأن واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو وسفيهنا فاعل وعلى الله متعلقان بيقول وشططا نعت لمصدر محذوف أي قولا شططا أي غلوا في الكذب وذلك بوصفه بالصاحبة والولد وجملة يقول خبر كان (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً) وأنّا عطف على ما تقدم وأن واسمها وجملة ظننا خبرها، وظن فعل ماض من أفعال القلوب ونا فاعل وأن مخففة واسمها ضمير الشأن وجملة لن تقول خبرها ولن حرف نفي ونصب واستقبال والإنس فاعل والجن عطف على الإنس وعلى الله متعلقان بتقول وكذبا نعت لمصدر محذوف (وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً) وأنه عطف أيضا وأن واسمها وجملة كان خبرها ورجال اسم كان ومن الإنس نعت لرجال وجملة يعوذون خبر كان وبرجال متعلقان بيعوذون ومن الجن نعت لرجال، فزادوهم عطف على كان رجال وزادوهم فعل وفاعل ومفعول به أول ورهقا مفعول ثان (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً) وأنهم عطف على ما تقدم أيضا وأن واسمها وجملة ظنوا خبرها وكما نعت لمصدر محذوف وجملة ظننتم لا محل لها لأنها موصولة للموصول الحرفي وأن وما في حيّزها سدّت مسدّ مفعولي ظنوا وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن المحذوف ولن حرف نفي ونصب واستقبال ويبعث فعل مضارع منصوب بلن والجملة خبر أن والله فاعل يبعث وأحدا مفعوله (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً) عطف على ما تقدم أيضا وأن واسمها وجملة لمسنا خبرها والسماء مفعول به، وسيأتي معنى لمس السماء في البلاغة، والفاء حرف عطف ووجدناها فعل وفاعل ومفعول به وجملة ملئت مفعول به ثان وملئت فعل ماض مبني للمجهول والتاء تاء التأنيث الساكنة ونائب الفاعل مستتر تقديره هي أي السماء وحرسا تمييز وشديدا نعت وشهبا عطف على حرسا وقيل وجدناها هنا متعدية لواحد فجملة
ملئت حال لأن معناها صادفناها (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً) عطف على ما تقدم أيضا وأن واسمها وجملة كنّا خبرها وكان واسمها وجملة نقعد خبر كنّا ومنها متعلقان بمقاعد ومقاعد ظرف مكان متعلق بنقعد وللسمع متعلقان بمضمر هو صفة لمقاعد أي مقاعد كائنة للسمع والفاء عاطفة ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويستمع فعل الشرط والآن ظرف حالي مستعار للاستقبال وهو متعلق بيستمع ويجد جواب الشرط وله في موضع المفعول الثاني ليجد وشهابا مفعول يجد الأول ورصدا نعت لشهابا وهو بمعنى اسم المفعول أي أرصد وأعدّ له.
البلاغة:
١- في قوله تعالى «تعالى جدّ ربنا» استعارة تصريحية لأنها استعارة من الحظ الذي هو البخت والدولة لأن الأغنياء هم المجدودون، والمعنى وصفه بالتعالي عن الصاحبة والولد لعظمته واستغنائه.
٢- وفي قوله: «وأنّا لمسنا السماء» مجاز مرسل لأن المسّ هو اللمس، واللامس هو طالب متعرف قال:
مسسنا من الآباء شيئا وكلنا إلى نسب في قومه غير واضع
والبيت ليزيد بن الحاكم الكلابي ومسسنا أي نلنا، فالمسّ مجاز مرسل فكلّ منّا ينتمي إلى نسب في قومه غير منخفض ويروى إلى حسب فاستوينا من جهة الآباء في التفاخر فلما بلغنا فيه ذكر الأمهات وجدتم أقاربكم كرام المضاجع كناية عن الأزواج أو عبر باسم المحل عن الحال فيه وهنّ الأزواج مجازا مرسلا وكرم النساء مذموم لأنه كناية
عن الخنا، كما يكنّى ببخلهنّ عن العفّة فلسنا سواء في الأمهات وبعده:
فلما بلغنا الأمهات وجدتم بني عمكم كانوا كرام المضاجع
[سورة الجن (٧٢) :الآيات ١٠ الى ١٩]
وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤)
وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥) وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (١٧) وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩)
اللغة:
(قِدَداً) جمع قدّة بالكسر وهي الطريقة وفي المصباح: «والقدّة الطريقة والفرقة من الناس والجمع قدد مثل سدرة وسدر وبعضهم يقول
الفرقة من الناس إذا كان هوى كل واحد على حدة» ويؤخذ من اللسان وغيره أنه يقال: كنّا طرائق قددا أي فرقا مختلفة الأهواء وتجمع أيضا على أقدّة.
(الْقاسِطُونَ) الجائرون بكفرهم والقاسط الجائر لأنه عدل عن الحق والمقسط العادل إلى الحق من قسط إذا جار وأقسط الرباعي بمعنى عدل وعن سعيد بن جبير أن الحجاج قال له حين أراد قتله: ما تقول فيّ؟ قال: قاسط عادل فقال القوم: ما أحسن ما قال حسبوا أنه يصفه بالقسط والعدل فقال الحجاج: يا جهلة إنه سمّاني ظالما مشركا وتلا لهم قوله تعالى: «وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا» «ثم الذين كفروا بربهم يعدلون».
(تَحَرَّوْا رَشَداً) أي قصدوا هداية وطلبوها باجتهاد وفيه التحرّي في الشيء يقال حرى الشيء يحريه أي قصد حراه أي جانبه وتحرّاه كذلك. كذلك قال الراغب والذي في المعاجم أن حرى الشيء نقص.
(غَدَقاً) الغدق بفتح الدال وكسرها لغتان في الماء الغزير ومنه الغيداق للماء الكثير وللرجل الكثير العدو والكثير النطق وفي المصباح:
«غدقت العين غدقا من باب تعب كثر ماؤها فهي غدقة وفي التنزيل:
لأسقيناهم ماء غدقا أي كثيرا وأغدقت إغداقا كذلك وغدق المطر غدقا وأغدق إغداقا مثله وغدقت الأرض تغدق من باب ضرب إذا ابتلت بالغدق»
.
(صَعَداً) بفتح الصاد والعين مصدر صعد بكسر العين كفرح.
(لِبَداً) بكسر اللام وقرىء بفتحها فهما لغتان جمع لبدة بكسر اللام كسدرة وسدر على اللغة وعلى اللغة الثانية كغرفة وغرف وفي المختار: «اللبد بوزن الجلد واحد اللبود واللبدة أخصّ منه قلت
وجمعها لبد ومنه قوله تعالى: كادوا يكونون عليه لبدا» وعبارة القرطبي:
«قال مجاهد لبدا أي جماعات وهو من تلبد الشيء على الشيء أي تجمع ومنه اللبد الذي يفرش لتراكم صوفه وكل شيء ألصقته إلصاقا شديدا فقد لبدته ويقال للشعر الذي على ظهر الأسد لبدة وجمعها لبد ويقال للجراد الكثير لبد وفيه أربع لغات وهي قراءات: بفتح الباء وكسر اللام وهي قراءة العامة وضم اللام وفتح الباء وهي قراءة مجاهد وابن محيصن وهشام من أهل الشام واحدتها لبدة بضم اللام وكسرها وبضم اللام والباء وهي قراءة أبي حيان وأبي الأشهب والعقيلي والجحدري وأحدها لبد مثل سقف في سقف ورهن في رهن وبضم اللام وتشديد الباء المفتوحة وهي قراءة الحسن وأبي العالية والجحدري أيضا واحدها لا بدّ مثل راكع وركع وساجد وسجد».
الإعراب:
(وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً) وأنا عطف على ما تقدم وأن واسمها وجملة لا ندري خبرها وأشر فيه وجهان: الرفع بفعل مضمر على الاشتغال والثاني الرفع على الابتداء وجملة أريد هي الخبر والأول أرجح لتقدّم ما هو طالب للفعل وهو همزة الاستفهام وبمن متعلقان بأريد ونائب فاعل أريد مستتر وعلى الوجه الأول تكون جملة أريد مفسّرة لا محل لها وفي الأرض صلة من وأم حرف عطف معادلة وبهم متعلقان بأراد وربهم فاعل ورشدا مفعول به، وسيأتي مزيد من بحث هذه الآية في باب البلاغة (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ) عطف أيضا ومنّا خبر مقدم والصالحون مبتدأ مؤخر والجملة خبر أنّا ومنّا خبر مقدم ودون ظرف متعلق بمحذوف هو المبتدأ المؤخر والتقدير ومنّا فريق أو فوج دون ذلك وأجاز الأخفش وغيره أن تكون دون بمعنى غير أي ومنّا غير الصالحين وهو مبتدأ وإنما فتح
لإضافته إلى غير متمكّن كقوله: لقد تقطع بينكم في قراءة من نصب على أحد الأقوال والأول أرجح وحذف الموصوف مع من التبعيضية كثير كقولهم منّا ظعن ومنّا أقام أي منّا فريق ظعن ومنّا فريق أقام، وذلك مضاف إليه (كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً) فيه أوجه أحدها أن التقدير كنّا ذوي طرائق أي ذوي مذاهب مختلفة، الثاني أن التقدير كنّا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة، الثالث أن التقدير كنّا في طرائق مختلفة، الرابع أن التقدير: كانت طرائقنا قددا على حذف المضاف الذي هو الطرائق وإقامة الضمير المضاف إليه مقامه، وعلى كل حال كان واسمها وطرائق خبرها وقددا نعت، وعلى الوجه الثالث تكون طرائق منصوبة بنزع الخافض والجار والمجرور خبر كنّا، ولم يرتض أبو حيان هذا الوجه وقال: «وأما التقدير الثالث وهو أن ينتصب على إسقاط «في» فلا يجوز ذلك إلا في الضرورة وقد نصّ سيبويه على أن عسل الطريق شاذ فلا يخرج القرآن عليه» أراد أبو حيّان بعسل الطريق قول ساعدة ابن جؤية في وصف رمح:
لدن بهز الكف يعسل متنه فيه كما عسل الطريق الثعلب
والشاهد فيه قوله عسل الطريق حيث حذف حرف الجر ونصب الاسم الذي كان مجرورا به، وأصل الكلام عسل في الطريق وهو ضرورة (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً) عطف أيضا وظننا فعل وفاعل وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن المحذوف وجملة لن نعجز الله خبرها وأن وما في حيّزها سدّت مسدّ مفعولي ظننا وفي الأرض حال ولن نعجزه عطف على لن نعجز الله وهربا مصدر في موضع الحال تقديره لن نعجزه كائنين في الأرض أينما تنقلنا فيها ولن نعجزه هاربين إلى السماء موغلين فيها (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ) عطف أيضا وأن واسمها ولما رابطة أو حينية وسمعنا فعل
وفاعل والهدى مفعول به وجملة آمنّا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وبه متعلق بآمنّا (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً) الفاء عاطفة ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويؤمن فعل الشرط وفاعله هو وبربه متعلقان بيؤمن والفاء رابطة ولا نافية ويخاف فعل مضارع مرفوع وفاعله هو وجملة لا يخاف خبر لمبتدأ محذوف أي فهو لا يخاف والجملة الاسمية المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط وبخسا مفعول به ولا رهقا عطف على بخسا، وسيأتي سبب رفع الفعل وتقدير مبتدأ قبله حتى يقع خبرا له في باب البلاغة (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ) عطف على ما تقدم أيضا وأن واسمها ومنّا خبر مقدم والمسلمون مبتدأ مؤخر والجملة خبر أنّا ومنّا القاسطون عطف على منّا المسلمون (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً) الفاء عاطفة ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ وأسلم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة وأولئك مبتدأ وجملة تحرّوا خبر ورشدا مفعول بهَ أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً)
الواو عاطفة وأما حرف شرط وتفصيل والقاسطون مبتدأ والفاء واقعة في جواب الشرط غير الجازم وكانوا فعل ماض ناقص والواو اسمها والجملة خبر القاسطون ولجهنم حال لأنه كان في الأصل صفة لحطبا وتقدمت وحطبا خبر كانوا والجملة خبر القاسطون (وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً) عطف أيضا على أنه استمع وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن المحذوف أي وأوحي إليّ أن لو استقاموا، ولو شرطية وجملة استقاموا خبر أن وعلى الطريقة متعلقان باستقاموا واللام واقعة في جواب لو وأسقيناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وماء مفعول به ثان وعذقا نعت لماء (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً) اللام لام التعليل ونفتنهم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بأسقيناهم وفيه متعلقان بنفتنهم والمعنى لنختبرهم في الماء فنعلم علم
ظهور للخلائق كيف يشكرون وكيف يكفرون وإلا فهو سبحانه عالم لا يخفى عليه شيء، والواو عاطفة ومن شرطية مبتدأ ويعرض فعل الشرط وعن ذكر ربه متعلقان بيعرض ويسلكه جواب الشرط والهاء مفعول به أي يدخله وعذابا منصوب بنزع الخافض والأصل نسلكه في عذاب كقوله تعالى واختار موسى قومه سبعين رجلا، وصعدا نعت وصعدا مصدر صعد بكسر العين كفرح ووصف به العذاب على تأويله باسم الفاعل أي عذابا عاليا يغمره ويعلو عليه ويجتاحه (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً) عطف على أنه استمع أي أوحي إليّ أن المساجد لله أي مختصّة به، وأن واسمها ولله خبرها والفاء عاطفة ولا ناهية وتدعوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون ومع الله ظرف متعلق بتدعوا وأحدا مفعول تدعوا (وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً) عطف على أنه استمع أيضا وأن واسمها ولما رابطة أو ظرفية حينية متضمنة معنى الشرط وقام عبد الله فعل ماض وفاعل وجملة يدعوه حال أي داعيا والمراد به محمد صلّى الله عليه وسلم أي مصليا صلاة الصبح أو مجرد العبادة ببطن نخلة، وجملة كادوا لا محل لها لأنها
جواب ولما وشرطها وجوابها خبر أنه وكاد من أفعال المقاربة والواو اسمها وجملة يكونون خبرها والواو في يكونون اسم يكون وعليه متعلقان بمحذوف حال ولبدا خبر يكونون.
البلاغة:
١- في قوله «وأنّا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا» اختلاف صورة الكلام لاختلاف الأحوال فإن ما قبل أم صورة من الكلام تخالف صورة ما بعدها لأن الأولى فيها فعل الإرادة مبني للمجهول والثانية فيها فعل الإرادة مبني للمعلوم والحال الداعي لذلك نسبة الخير إليه سبحانه في الثانية ومنع نسبة الشر إليه في الأولى
قال ابن المنير: «ومن عقائدهم- أي الجن- إن الرشد والضلال جميعا مرادان لله تعالى بقولهم: وأنّا لا ندري «الآية» ولقد أحسنوا الأدب في ذكر إرادة الشر محذوفة الفاعل والمراد بالمريد هو الله عزّ وجلّ وإبرازهم لاسمه عند إرادة الخير والرشد فجمعوا بين العقيدة الصحيحة والآداب المليحة» وعبارة أبي حيان: «ولما رأوا ما حدث من كثرة الرجم ومنع الاستراق قالوا: وأنا لا ندري أشرّ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا، فيؤمنون به فيرشدون وحين ذكروا أشرّ لم يسندوه إلى الله تعالى وحين ذكروا الرشد أسندوه إليه تعالى».
٢- وفي قوله: «وأنّا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا» فن الإيضاح وقد تقدم القول فيه وأنه حلّ للإشكال الوارد في ظاهر الكلام وهو يكون في معاني البديع من الألفاظ وفي إعرابها ومعاني النفس دون الفنون وقد ذكرنا مفصلا في آل عمران فإن الظاهر جزم الاستغناء عن الفاء وجزم الفعل تفاديا من تقدير المبتدأ قبله ولكنه عدل عمّا هو الظاهر لفائدة وهي أنه إذا فعل ذلك فكأنه قيل فهو لا يخاف فكان دالّا على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة وأنه هو المختص بذلك دون غيره، ومن جهة ثانية فإن الجملة الاسمية أدلّ وآكد من الفعلية على تحقيق مضمون الجملة.
[سورة الجن (٧٢) :الآيات ٢٠ الى ٢٨]
قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢) إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤)
قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (٢٥) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨)
اللغة:
(مُلْتَحَداً) :الملتحد: الملتجأ وقيل محيصا وقيل معدلا وعبارة القاموس: «وألحد إليه مال كالتحد والملتحد المتلجأ» وفي المصباح:
«والملتحد بالفتح اسم الموضع وهو الملجأ».
(وَأَحْصى) أصل الإحصاء أن المحاسب إذا بلغ عقدا معينا من عقود الأعداد كالعشرة والمائة والألف وضع حصاة ليحفظ بها كمية ذلك العقد فينبي على ذلك حسابه.
الإعراب:
(قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً) كلام مستأنف مسوق للرد على الكفّار المتظاهرين عليه القائلين له: إنك قد أقدمت على أمر عظيم لم يخطر على بال غيرك الإقدام عليه فارفق بنفسك واصدف عنه ونحن نجيرك. وقال فعل ماض وفاعله مستتر يعود على النبي عليه السّلام وإنما كافّة ومكفوفة وأدعو ربي فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول
به والواو حرف عطف ولا نافية وأشرك فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا وبه متعلقان بأشرك وأحدا مفعول به وقرىء قل على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً) كلام مستأنف أيضا مسوق للرد عليهم ولبيان عجزه عن شئون نفسه وأن الأمر كله بيد الله، وإن واسمها وجملة لا أملك خبرها ولكم متعلقان بضرّا وضرّا مفعول به ولا رشدا عطف على ضرّا وجملة إني لا أملك مقول القول (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) إن واسمها وجملة لن يجيرني خبر ومن الله متعلقان بيجيرني وأحد فاعل يجيرني ولن أجد عطف على لن يجيرني ومن دونه في موضع المفعول الثاني ليجدني وملتحدا هو المفعول الأول (إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ) إلا أداة استثناء، وبلاغا فيه أوجه: ١- أنه استثناء من مفعول أملك أي من مجموع الأمرين وهما ضرّا ورشدا بعد تأويلهما بشيئا كأنه قال لا أملك لكم شيئا إلا بلاغا فهو استثناء متصل، وعلى هذا ففي نصبه وجهان:
أولهما أنه بدل من ملتحدا لأن الكلام غير موجب وثانيهما النصب على الاستثناء.
٢- أنه استثناء منقطع لأن البلاغ من الله لا يكون داخلا تحت قوله: ولن أجد من دونه ملتحدا ولأنه لا يكون من دون الله بل يكون من الله وبإعانته.
٣- أنه استثناء من قوله: لا أملك لكم ضرّا، وقدّره الزمخشري فقال: «أي لا أملك إلا بلاغا من الله وقل إني لن يجيرني جملة معترضة اعترض بها لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه وبيان عجزه على معنى أن الله إن أراد به سوءا من مرض أو موت أو غيرهما لم يصحّ أن يجيره منه أحد أو يجد من دونه ملاذا يأوي إليه» واستبعد أبو حيان هذا الوجه، وفيما يلي نص عبارته لنفاستها: «إلا بلاغا قال الحسن هو
استثناء منقطع أي لن يجيرني أحد لكن إن بلغت رحمتي بذلك، والإجارة للبلاغ مستعارة إذ هو سبب إجارة الله ورحمته وقيل على هذا المعنى هو استثناء متصل أي لن يجيرني أحد لكن لم أجد شيئا أميل إليه وأعتصم به إلا أن أبلغ وأطيع فيجيرني الله فيجوز نصبه على الاستثناء من ملتحدا وعلى البدل وهو الوجه لأن ما قبله نفي وعلى البدل خرجه الزجّاج وقال أبو عبد الله الرازي: هذا الاستثناء منقطع لأنه لم يقل ولم أجد ملتحدا بل قال من دونه والبلاغ من الله لا يكون داخلا تحت قوله من دونه ملتحدا لأنه لا يكون من دون الله بل يكون من الله وبإعانته وتوفيقه، وقال قتادة: التقدير لا أملك إلا بلاغا إليكم فأما الإيمان والكفر فلا أملك انتهى وفيه بعد لطول الفصل بينهما وقيل إلا في تقدير الانفعال إن شرطية ولا نافية وحذف فعلها لدلالة المصدر عليه والتقدير إن لم أبلغ بلاغا من الله ورسالته وهذا كما تقول: إن لا قياما قعودا أي إن لم تقم قياما فاقعد قعودا وحذف هذا الفعل قد يكون لدلالته عليه بعده أو قبله كما حذف في قوله:
فطلقها فلست لها بكفء وإلا يعل مفرقك الحسام
والتقدير وإن لا تطلقها فحذف تطلقها لدلالة فطلقها عليه ومن لابتداء الغاية» واقتصر أبو البقاء على الاستثناء المنقطع لأنه من غير الجنس. ومن الله صفة لبلاغا ورسالاته عطف على بلاغا وقد اختاره الزمخشري وقال: «كأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالة والمعنى إلا أن أبلغ عند الله فأقول قال الله كذا ناسبا قوله إليه وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها من غير زيادة ولا نقصان» ورجح أبو حيان والسمين والكرخي أن يكون معطوفا على الله أي إلا عن الله وعن رسالاته وكلاهما سديد (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ ويعص فعل الشرط وفاعله مستتر
تقديره هو ولفظ الجلالة مفعول به ورسوله عطف عليه والفاء رابطة للجواب وإن حرف مشبه بالفعل وله خبرها المقدم ونار جهنم اسمها المؤخر وخالدين حال من الضمير في له والعامل في هذه الحال الاستقرار المحذوف وجمع خالدين حملا على معنى الجمع في من وفيها متعلق بخالدين وأبدا ظرف زمان متعلق بخالدين أيضا (حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً) حتى هنا حرف ابتداء أي يصلح أن يجيء بعدها جملة الابتداء والخبر ومع ذلك فيها معنى الغاية قال الزمخشري: «فإن قلت بم تعلق حتى وجعل ما بعده غاية له؟ قلت: بقوله يكونون عليه لبدا على أنهم يتظاهرون عليه بالعداوة ويستضعفون أنصاره ويستقلون عددهم حتى إذا رأوا ما يوعدون من يوم بدر وإظهار الله له عليهم أو من يوم القيامة فسيعلمون حينئذ أنهم أضعف ناصرا وأقل عددا ويجوز أن يتعلق بمحذوف دلّت عليه الحال من استضعاف الكفّار له واستقلالهم لعدده كأنه قال: لا يزالون على ما هم عليه حتى إذا رأوا ما يوعدون قال المشركون متى يكون هذا الموعود إنكارا له فقيل: قل إنه كائن لا ريب فيه فلا تنكروه فإن الله قد وعد ذلك وهو لا يخلف الميعاد وأما وقته فما أدرى متى يكون لأن الله لم يبيّنه لما رأى في إخفاء وقته من المصلحة» وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن خافض لشرطه منصوب بجوابه وجملة رأوا في محل جر بإضافة الظرف إليها ورأوا فعل ماض وفاعل وما اسم موصول مفعول به وجملة يوعدون لا محل لها لأنها صلة الموصول والفاء رابطة للجواب والسين حرف استقبال ويعلمون فعل مضارع وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وهنا إشكال لم ينبّه عليه أحد ممّن تصدّوا لتفسير هذه الآية وإعرابها وهو أن السين حرف استقبال ووقت رؤية العذاب يحصل فور علم الضعيف من القوي والسين تقتضي أنه يتأخر عنه ولا مفر من هذا الإشكال إلا بجعل السين حرفا للتأكيد المجرد لا
للاستقبال، هذا ويجوز تعليق حتى إذا بمحذوف دلّت عليه الحال من استضعاف الكفّار له واستقلالهم لعدده كأنه قال لا يزالون على ما هم عليه حتى إذا رأوا ما يوعدون قال المشركون متى يكون هذا الموعود إنكارا له فقيل لهم قيل أنه كائن لا ريب فيه فلا تنكروه فإن الله قد وعد بذلك وهو لا يخلف الميعاد وأما وقته فلا أدري متى يكون وعبارة الجلال «حتى إذا رأوا ابتدائية فيها معنى الغاية لمقدّر قبلها أي لا يزالون على كفرهم إلى أن يروا ما يوعدون من العذاب فسيعلمون عند حلوله بهم» ومن يجوز أن تكون استفهامية فترفع بالابتداء وأضعف خبره والجملة في موضع نصب سادّة مسدّ مفعولي يعلمون لأنها معلقة للعلم قبلها ويجوز أن تكون موصولة في محل نصب مفعول به وأضعف خبر لمبتدأ محذوف أي هو أضعف والجملة صلة ويكون العلم على هذا الوجه بمعنى العرفان فلا تحتاج لمفعولين وناصرا تمييز وأقل عددا عطف على أضعف ناصرا. هذا وقد أورد أبو حيان اعتراضا على هذا الإعراب الذي أوردناه ننقله بنصّه قال في معرض ردّه على الزمخشري:
«قوله بم تعلق إن عنى تعلّق حرف الجر فليس بصحيح لأنها حرف ابتداء فما بعدها ليس في موضع جر خلافا للزجّاج وابن درستويه فإنهما زعما أنها إذا كانت حرف ابتداء فالجملة الابتدائية بعدها في موضع جر وإن عنى بالتعليق اتصال ما بعدها بما قبلها وكون ما بعدها غاية لما قبلها فهو صحيح وأما تقديره أنها تتعلق بقوله يكونون عليه لبدا فهو بعيد جدا لطول الفصل بينهما بالجمل الكثيرة، وقال التبريزي: حتى جاز أن تكون غاية لمحذوف ولم يبيّن ما المحذوف، وقيل: المعنى دعهم حتى إذا رأوا ما يوعدون من الساعة فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا أهم أم أهل الكتاب؟ والذي يظهر لي أنها غاية لما تضمنته الجملة التي قبلها من الحكم بكينونة النار لهم كأنه قيل: إن العاصي يحكم له بكينونة النار لهم والحكم بذلك هو وعيد حتى إذا رأوا ما حكم بكينونته
لهم فسيعلمون فقوله فإن له نار جهنم هو وعيد لهم بالنار ومن أضعف مبتدأ وخبر في موضع نصب لما قبله وهو معلق عنه لأن من استفهام ويجوز أن تكون موصولة في موضع نصب بسيعلمون وأضعف خبر مبتدأ محذوف والجملة صلة لمن وتقديره هو أضعف وحسن حذفه طول الصلة بالمعمول وهو ناصرا» (قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً) قل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وإن نافية وأدري فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره أنا والهمزة للاستفهام وقريب خبر مقدم وما توعدون مبتدأ مؤخر، ويجوز أن يكون قريب مبتدأ لاعتماده على الاستفهام وما توعدون فاعل به أي أقرب الذي توعدون نحو أقائم أبواك، وما يجوز أن تكون موصولة فالعائد محذوف وجملة توعدون صلة وأن تكون مصدرية فلا عائد وأم متصلة ويجعل فعل مضارع مرفوع وله في موضع المفعول الثاني وربي فاعل وأمدا مفعول يجعل الأول والجملة المعلقة بالاستفهام في محل نصب سدّت مسدّ مفعولي أدري (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً) خبر لمبتدأ محذوف أي هو عالم ويجوز أن يعرب بدلا من ربي والفاء عاطفة لترتيب عدم الإظهار على تفرده بعلم الغيب على الإطلاق ولا نافية ويظهر فعل مضارع مرفوع وعلى غيبه متعلقان بيظهر وأحدا مفعول به (إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً) إلا أداة حصر والاستثناء منقطع أي لكن من ارتضاه فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه بالوحي، ومن اسم موصول أو شرطية مبتدأ على كل حال وعلى الشرطية تكون جملة «فإنه» في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا أي إلا رسولا ارتضاه فتعرب من بدلا من أحد ومن بين يديه متعلقان بيسلك ومن خلفه عطف على من بين يديه ورصدا مفعول يسلك وجملة يسلك خبر إنه أي يسلك ملائكة رصدا (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ) اللام
لام التعليل ويعلم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بيسلك غاية له من حيث أنه مترتب على الإبلاغ المترتب عليه، وعلّقه القرطبي بمحذوف وعبارته «وفيه حذف تتعلق به اللام أي أخبرناه بحفظنا الوحي ليعلم أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلغ الرسالة، وأن محففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن المحذوف وقد حرف تحقيق وجملة أبلغوا رسالات ربهم خبر أن (وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً) عطف على مقدّر أي فعلم ذلك وأحاط فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى وبما متعلقان بأحاط ولديهم ظرف متعلق بمحذوف هو الصلة وأحصى عطف على أحاط وكل شيء مفعول أحصى وعددا تمييز محول عن المفعول أي أحصى عدد كل شيء، وأعربه الزمخشري حالا وعبارته:
«وعددا حال أي وضبط كل شيء معدودا محصورا أو مصدر في معنى إحصاء»
وبدأ أبو البقاء بالمصدرية وأجاز التمييز، وعبارة أبي حيان:
«عددا أي معدودا وانتصابه على الحالية من كل شيء وإن كان نكرة لاندراج المعرفة في العموم ويجوز أن ينتصب نصب المصدر لأحصى لأنه في معنى إحصاء».
الفوائد:
شجر بين أهل السنّة والاعتزال خلاف حول كرامات الأولياء فقد قال الزمخشري بصدد الحديث عن قوله تعالى: «عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا» بعد كلام طويل: «وفي هذا إبطال للكرامات لأن الذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل وقد خصّ الله الرسل من بين المرتضين بالاطّلاع على الغيب وإبطال الكهانة والتنجيم لأن أصحابها أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط».
وتعقبه ابن المنير فقال: «ادعى عاما واستدل خاصا فإن دعواه إبطال الكرامات بجميع أنواعها والمدلول عليه بالآية إبطال اطّلاع الولي على الغيب خاصة ولا يكون كرامة وخارق العادة إلا الاطّلاع على الغيب لا غير وما القدرية إلا ولهم شبهة في إبطالها وذلك أن الله عزّ وجلّ لا يتخذ منهم وليّا أبدا وهم لم يحدثوا بذلك عن أشياعهم قطّ فلا جرم أنهم يستمرون على الإنكار ولا يعلمون أن شرط الكرامة الولاية وهي مسلوبة عنهم اتفاقا أما سلب الإيمان فمسألة خلاف.... وهو يريد الكرامة لأنه لم يؤتها».
ونحا القرطبي نحوا آخر فقال: «قال العلماء لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوتهم» ثم ذكر استدلالا على بطلان ما يقوله المنجم ثم قال باستحلال دم المنجم.
وقال الواحدي: «في هذا دليل على أن من ادّعى أن النجوم تدل على ما يكون من حياة أو موت أو غير ذلك فقد كفر بما في القرآن».
وقال أبو عبد الله الرازي: «والواحدي تجوز الكرامات على ما قال صاحب الكشاف بجعلها تدل على المنع من الأحكام النجومية ولا تدل على الإلهامات مجرد تشبه، وعندي أن الآية لا تدل على شيء مما قالوه لأن قوله: على غيبه ليس فيه صفة عموم» إلى أن يقول: «واعلم أنه لا بدّ من القطع بأنه ليس المراد من هذه الآية أنه لا يطّلع أحد على شيء من المغيبات إلا الرسل عليهم الصلاة والسلام والذي يدل عليه وجوه:
أحدها: أنه ثبت بالأخبار القريبة من التواتر أن شقا وسطيحا كانا كاهنين يخبران بظهور محمد صلّى الله عليه وسلم قبل زمان ظهوره وكانا في العرب مشهورين بهذا النوع من العلم حتى رجع إليهما كسرى في تعرّف أخبار رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
وثانيها: إطباق الأمم على صحة علم التعبير فيخبر المعبر عمّا يأتي في المستقبل ويكون صادقا.
وثالثها: أن الكاهنة البغدادية التي نقلها السلطان سنجر بن ملكشاه من بغداد إلى خراسان سألها عن أشياء في المستقبل فأخبرت بها ووقعت على وفق كلامها فقد رأيت أناسا محققين في علوم الكلام والحكمة حكوا عنها أنها أخبرت عن الأشياء الغائبة على سبيل التفصيل وجاءت كذلك، وبالغ أبو البركات صاحب المعتبر في شرح حالها في كتاب التعبير وقال: فحصت عن حالها منذ ثلاثين سنة حتى تيقنت أنها كانت تخبر عن المغيبات أخبارا مطابقة موافقة.
ورابعها: أنّا نشاهد أصحاب الإلهامات الصادقة وليس هذا مختصا بالأولياء فقد يوجد في السحرة وفي الأخبار النجومية ما يوافق الصدق وإن كان الكذب يقع منهم كثيرا وإذا كان ذلك مشاهدا محسوسا فالقول بأن القرآن يدل على خلافه مما يجر إلى الطعن بالقرآن وذلك باطل فعلمنا أن التأويل الصحيح ما ذكرناه».
وتعقبه أبو حيان فقال: «وإنما أوردنا كلام هذا الرجل في هذه المسألة لننظر فيما ذكر من تلك الوجوه، أما قصة شق وسطيح فليس فيها شيء من الإخبار بالغيب لأنه فما يخبر به رئي الكهان من الشياطين مسترقة السمع كما جاء في الحديث أنهم يسمعون وبل الكلمة ويكذبون ويلقون إلى الكهنة وتزيد الكهنة للكلمة مائة كذبة
وليس هذا من علم الغيب إذ تكلمت به الملائكة وتلقفها الجنّي وتلقفها منه الكاهن فالكاهن لم يعلم الغيب، وأما تعبير المنامات فالمعبر غير المعصوم لا يعبّر بذلك على سبيل القطع والبت بل على سبيل الحزر والتخمين فقد يقع ما يعبر وقد لا يقع، وأما الكاهنة البغدادية وما حكي عنها فحسبه عقلا أن يستدل بأحوال امرأة لم يشاهدها ولو شاهد ذلك لكان في عقله ما يجوز أنه ليس عليه هذا وهو العالم المصنّف الذي طبق ذكره الآفاق وهو الذي شكك في دلائل الفلاسفة وسامهم الخسف، وأما حكايته عن صاحب المعتبر فهو يهودي أظهر الإسلام وهو منتحل طريقة الفلاسفة، وأما مشاهدته أصحاب الإلهامات الصادقة فلي من العمر نحو من ثلاث وسبعين سنة أصحب العلماء وأتردد إلى من ينتمي إلى الصلاح ولم أر أحدا منهم صاحب إلهام صادق، وأما الكرامات فإني لا أشك في صدور شيء منها لكن ذلك على سبيل الندرة وذلك فيما سلف من صلحاء هذه الأمة وربما قد يكون في أعصارنا من تصدر منه الكرامة ولله تعالى أن يخصّ من شاء بما شاء».
السورة التالية
Icon