0:00
0:00

قوله تعالى ﴿ عَمَّ يتساءَلونَ عن النبإ العَظيمِ ﴾ يعني عن أي شيء يتساءل المشركون؟ لأن قريشاً حيث بُعث رسول الله ﷺ جعلت تجادل وتَختصم في الذي دعا إليه.
وفي ﴿ النبأ العظيم ﴾ أربعة أقاويل :
أحدها :القرآن، قاله مجاهد.
الثاني :يوم القيامة، قاله ابن زيد.
الثالث :البعث بعد الموت، قاله قتادة.
الرابع :عن أمر النبي ﷺ.
﴿ الذي هُمْ فيه مُختَلِفَونَ ﴾ هو البعث، فأما الموت فلم يختلفوا فيه، وفيه قولان :
أحدهما :أنه اختلف فيه المشركون من بين مصدق منهم ومكذب، قاله قتادة.
الثاني :اختلف فيه المسلمون والمشركون، فصدّق به المسلمون وكذّب به المشركون، قاله يحيى بن سلام.
﴿ كَلاَّ سيعْلَمون ثم كلا سيعلمون ﴾ فيه قولان :
أحدهما :أنه وعيد بعد وعيد للكفار، قاله الحسن، فالأول :كلا سيعلمون ما ينالهم من العذاب في القيامة، والثاني :كلا سيعلمون ما ينالهم من العذاب في جهنم.
القول الثاني :أن الأول للكفار فيما ينالهم من العذاب في النار، والثاني للمؤمنين فيما ينالهم من الثواب في الجنة، قاله الضحاك.
﴿ وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتاً ﴾ فيه أربعة تأويلات :
أحدها :نعاساً، قاله السدي.
الثاني :سكناً، قاله قتادة.
الثالث :راحة ودعة، ولذلك سمي يوم السبت سبتاً لأنه يوم راحة ودعة، قال أبو جعفر الطبري :يقال سبت الرجل إذا استراح.
الرابع :سُباتا أي قطعاً لأعمالهم، لأن أصل السبات القطع ومنه قولهم سبت الرجل شعره إذا قطعه، قال الأنباري :وسمي يوم السبت لانقطاع الأعمال فيه.
ويحتمل خامساً :أن السبات ما قرت فيه الحواس حتى لم تدرك بها الحس.
﴿ وجَعَلْنا اللّيلَ لِباساً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما :سكناً، قاله سعيد بن جبير والسدي.
الثاني :غطاء، لأنه يغطي سواده كما يغطى الثوب لابسه، قاله أبو جعفر الطبري.
﴿ وجَعَلنا النهارَ مَعاشاً ﴾ يعني وقت اكتساب، وهو معاش لأنه يعاش فيه.
ويحتمل ثانياً :أنه زمان العيش واللذة.
﴿ وجَعَلْنا سِراجاً وَهّاجاً ﴾ يعني بالسراج الشمس، وفي الوهّاج أربعة أقاويل :
أحدها :المنير، قاله ابن عباس.
الثاني :المتلألىء، قاله مجاهد.
الثالث :أنه من وهج الحر، قاله الحسن.
الرابع :أنه الوقّاد، الذي يجمع بين الضياء والجمال.
﴿ وأَنْزَلْنا من المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها :ان المعصرات الرياح، قاله ابن عباس وعكرمة، قال زيد بن أسلم هي الجنوب.
الثاني :أنها السحاب، قاله سفيان والربيع.
الثالث :أن المعصرات السماء، قاله الحسن وقتادة.
وفي الثجاج قولان :
أحدهما :الكثير قاله ابن زيد.
الثاني :المنصبّ، قاله ابن عباس، وقال عبيد بن الأبرص :
﴿ لنُخرج به حبّاً ونَباتاً ﴾ فيه قولان :
أحدهما :ان الحب ما كان في كمام الزرع الذي يحصد، والنبات :الكلأ الذي يرعى، وهذا معنى قول الضحاك.
الثاني :أن الحب اللؤلؤ، والنبات :العشب، قال عكرمة :ما أنزل الله من السماء قطرة إلا أنبتت في الأرض عشبة أو في البحر لؤلؤة.
ويحتمل ثالثاً :أن الحب ما بذره الآدميّون، والنبات ما لم يبذروه.
﴿ وجنّاتٍ أَلْفافاً ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها :أنها الزرع المجتمع بعضه إلى جنب بعض، قاله عكرمة.
الثاني :أنه الشجرالملتف بالثمر، قاله السدي.
الثالث :أنها ذات الألوان، قاله الكلبي.
ويحتمل رابعاً :أنها التي يلف الزرع أرضها والشجر أعاليها، فيجتمع فيها الزرع والشجر ملتفات.
﴿ إنّ يومَ الفصلِ ﴾ يعني يوم القيامة، سمي بذلك لأنه يفصل فيه الحكم بين الأولين والآخرين والمثابين والمعاقبين.
﴿ كانَ مِيقاتاً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما :ميعاداً للإجتماع.
والثاني :وقتاً للثواب والعقاب.
﴿ وسُيِّرتِ الجبالُ فكانتْ سَراباً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما :سُيّرت أي أزيلت عن مواضعها.
الثاني :نسفت من أصولها.
« فكانت سراباً » فيه وجهان :
أحدهما :فكانت هباءً.
الثاني :كالسراب لا يحصل منه شيء كالذي يرى السراب يظنه ماء وليس بماء.
﴿ إنّ جهنّمَ كانت مِرْصاداً ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها :يعني أنها راصدة فجازتهم بأعمالهم، قاله أبو سنان.
الثاني :أن على النار رصداً، لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز عليه، فمن جاء بجواز جاز، ومن لم يجىء بجواز لم يجز، قاله الحسن.
الثالث :أن المرصاد وعيد أوعد الله به الكفار، قاله قتادة.
﴿ للطّاغينَ مَآباً ﴾ فيه قولان :
أحدهما :مرجعاً ومنقلباً، قاله السدي.
الثاني :مأولى ومنزلاً، قاله قتادة.
والمراد بالطاغين من طغى في دينه بالكفر أو في دنياه بالظلم.
﴿ لابِثينَ فيها أَحْقاباً ﴾ يعني كلما مضى حقب جاء حقب وكذلك إلى الأبد واختلفوا في مدة الحقب على سبعة أقاويل :
أحدها :ثمانون سنة، قاله أبو هريرة.
الثاني :أربعون سنة، قاله ابن عمر.
الثالث :سبعون سنة، قاله السدي.
الرابع :أنه ألف شهر، رواه أبو أمامة مرفوعاً.
الخامس :ثلاثمائة سنة، قاله بشير بن كعب.
السادس :سبعون ألف سنة، قاله الحسن.
السابع :أنه دهر طويل غير محدود، قاله قطرب.
وفي تعليق لبثهم بالأحقاب قولان :
أحدهما :أنه على وجه التكثير، كلما مضت أحقاب جاءَت بعدها أحقاب، وليس ذلك بحد لخلودهم في النار.
الثاني :أن ذلك حد لعذابهم بالحميم والغسّاق، فإذا انقضت الأحقاب عذبوا بغير ذلك من العذاب.
﴿ لا يَذُوقونَ فيها بَرداً ولا شَراباً ﴾ في البرد ثلاثة أقاويل :
أحدها :أنه برد الماء، وبرد الهواء، وهو قول كثير من المفسرين.
الثاني :أنه الراحة، قاله قتادة.
الثالث :أنه النوم، قاله مجاهد والسدي وأبو عبيدة.
وأنشد قول الكندي :
فثجّ أعلاه ثم ارتج أسفلُه وضاق ذَرْعاً بحمل الماء مُنْصاحِ
بَرَدَتْ مَراشِفُها علىَّ فَصَدَّني عنها وعن تَقْبيلِها البَرْدُ
يعني النوم.
والشراب ها هنا :العذاب.
ويحتمل أن يريد بالشراب الري، لأن الشراب يروي وهم فيها عطاش أبداً.
﴿ إلاّ حَميماً وغَسّاقاً ﴾ أما الحميم ففيه ثلاثة أقاويل :
أحدها :أنه الحارّ الذي يحرق، قاله ابن عباس.
الثاني :دموع أعينهم في النار تجتمع في حياض في النار فيُسقونْه، قاله ابن زيد.
الثالث :أنه نوع من الشراب لأهل النار، قاله السدي. وأما الغسّاق ففيه أربعة أقاويل :
أحدهاك أنه القيح الغليظ، قاله ابن عمر.
الثاني :أنه الزمهرير البارد الذي يحرق من برده، قاله ابن عباس.
الثالث :أنه صديد أهل النار، قاله قتادة.
الرابع :أنه المنتن باللغة الطحاوية، قاله ابن زيد.
﴿ جزاءً وِفاقاً ﴾ وهو جمع وفق، قال أهل التأويل :وافق سوءُ الجزاء سوءَ العمل.
﴿ إنهم كانوا لا يَرْجُونَ حِساباً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما :لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً، قاله ابن عباس.
الثاني :لا يخافون وعيد الله بحسابهم ومجازاتهم، وهذا معنى قول قتادة.
﴿ وكذّبوا بآياتِنا كِذّاباً ﴾ يعني بآيات القرآن، وفي « كِذّاباً » وجهان :
أحدهما :أنه الكذب الكثير.
الثاني :تكذيب بعضهم لبعض، ومنه قول الشاعر :
فَصَدَقْتُها وَكَذَبْتُها والمرءُ يَنْفعُهُ كِذابُهْ
وهي لغة يمانية.
﴿ إنّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما :نجاة من شرها، قاله ابن عباس.
الثاني :فازوا بأن نجوا من النار بالجنة، ومن العذاب بالرحمة، قاله قتادة، وتحقيق هذا التأويل أنه الخلاص من الهلاك، ولذلك قيل للفلاة إذا قل ماؤها مفازة تفاؤلاً بالخلاص منها.
﴿ وكَواعِبَ أَتْراباً ﴾ في الكواعب قولان :
أحدهما :النواهد، قاله ابن عباس.
الثاني :العذارى، قاله الضحاك، ومنه قول قيس بن عاصم :
وكم مِن حَصانٍ قد حَويْنا كريمةٍ ومِن كاعبٍ لم تَدْرِ ما البؤسُ مُعْصر
وفي الاتراب أربعة أقاويل :
أحدها :الأقران، قاله ابن عباس.
الثاني :الأمثال، قاله مجاهد.
الثالث :المتصافيات، قاله عكرمة.
الرابع :المتآخيات، قاله السدي.
﴿ وكأساً دِهاقاً ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها :مملوءة، قاله ابن عباس، ومنه قول الشاعر :
أتانا عامرٌ يَبْغي قِرانا فأَتْرَعنا له كأساً دِهاقاً
الثاني :متتابعة يتبع بعضها بعضاً، قاله عكرمة.
الثالث :صافية، رواه عمر بن عطاء، قال الشاعر :
لأنْتِ آلى الفؤادِ أَحَبُّ قُرْباً مِن الصّادي إلى كأسٍ دِهَاقِ.
﴿ لا يَسْمعونَ فيها لَغْواً ولا كِذّاباً ﴾ في اللغو ها هنا أربعة أقاويل :
أحدها الباطل، قاله ابن عباس.
الثاني :الحلف عند شربها، قاله السدي.
الثالث :الشتم، قاله مجاهد.
الرابع :المعصية، قاله الحسن.
وفي « كِذّاباً » ثلاثة أقاويل :
أحدهاك لا يكذب بعضهم بعضاً، قاله سعيد بن جبير.
الثاني :أنه الخصومة، قاله الحسن.
الثالث :أنه المأثم، قاله قتادة.
وفي قوله ﴿ لا يَسْمَعونَ فيها ﴾ وجهان :
أحدهما :في الجنة، قاله مجاهد.
الثاني :في شرب الخمر، قاله يحيى بن سلام.
﴿ جزاءً من ربكَ عَطاءً حِساباً ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها :كافياً، قاله الكلبي.
الثاني :كثيراً، قاله قتادة.
الثالث :حساباً لما عملوا، فالحساب بمعنى العد.
﴿ يومَ يقومُ والرُّوحُ الملائكةُ صَفّاً ﴾ في الروح ها هنا ثمانية أقاويل :
أحدها :الروح خلق من خلق الله كهيئة الناس وليسوا أناساً، وهم جند للَّه سبحانه، قاله أبو صالح.
الثاني :أنهم أشرف الملائكة، قاله مقاتل بن حيان.
الثالث :أنهم حفظة على الملائكة، قاله ابن أبي نجيح.
الثالث :أنهم حفظة على الملائكة خلقاً، قاله ابن عباس.
الرابع :أنه ملك من أعظم الملائكة خلقاً، قاله ابن عباس.
الخامس :هو جبريل عليه السلام، قاله سعيد بن جبير.
السادس :أنهم بنو آدم، قاله قتادة.
السابع :أنهم بنو آدم، قاله قتادة.
الثامن :أنه القرآن، قاله زيد بن أسلم.
﴿ لا يتكلمونَ إلا مَنْ أَذِنَ له الرحمنُ ﴾ فيه قولان :
أحدهما :لا يشفعون إلا من أذن له الرحمن في الشفاعة، قاله الحسن.
الثاني :لا يتكلمون في شيء إلا من أذن له الرحمن شهادة أن لا إله إلا الله، قاله ابن عباس.
﴿ وقالَ صَواباً ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها :يعني حقاً، قاله الضحاك.
الثاني :قول لا إله إلا الله، قاله أبو صالح.
الثالث :أن الروح يقول يوم القيامة :لا تُدخل الجنة إلا بالرحمة، ولا النار إلا بالعمل، فهو معنى قوله « وقال صواباًَ » قاله الحسن.
ويحتمل رابعاً :أنه سؤال الطالب وجواب المطلوب، لأن كلام الخلق في القيامة مقصور على السؤال والجواب.
﴿ ذلك اليومُ الحقُّ ﴾ يعني يوم القيامة، وفي تسميته الحق وجهان :
أحدهما :لأن مجئيه حق وقد كانوا على شك.
الثاني :أنّ الله تعالى يحكم فيه بالحق بالثواب والعقاب.
﴿ فمن شاءَ اتّخَذ إلى ربِّه مآباً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما :سبيلاً، قاله قتادة.
الثاني :مرجعاً، قاله ابن عيسى.
ويحتمل ثالثاً :اتخذ ثواباً لاستحقاقه بالعمل لأن المرجع يستحق على المؤمن والكافر.
﴿ إنّا أنذْرْناكم عَذاباَ قريباً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما :عقوبة الدنيا، لأنه أقرب العذابين، قاله قتادة، وقاله مقاتل :هو قتل قريش ببدر.
الثاني :عذاب يوم القيامة، لأنه آت وكل آت قريب، وهو معنى قول الكلبي.
﴿ يومَ ينظُرُ المْرءُ ما قدَّمَتْ يَداهُ ﴾ يعني يوم ينظر المرء ما قدّم من عمل خير، قال الحسن :قدَّم فقَدِم على ما قَدَّم. ويحتمل أن يكون عامّاً في نظر المؤمن إلى ما قدّم من خير، ونظر الكافر إلى ما قدّم من شر.
﴿ ويقولُ الكافرُ يا لَيْتني كنتُ تُراباً ﴾ قال مجاهد يبعث الحيوان فيقاد للمنقورة من الناقرة، وللمركوضة من الراكضة، وللمنطوحة من الناطحة، ثم يقول الرب تعالى :كونوا تراباً بلا جنة ولا نار، فيقول الكافر حينئذ :يا ليتني كنت تراباً وفي قوله ذلك وجهان :
أحدهما :يا ليتني صرت اليوم مثلها تراباً بلا جنة ولا نار، قاله مجاهد. الثاني :يا ليتني كنت مثل هذا الحيوان في الدنيا وأكون اليوم تراباً، قاله أبو هريرة :وهذه من الأماني الكاذبة كما قال الشاعر :
ألا يا ليتني والمْرءُ مَيْتُ وما يُغْني من الحدثانِ لَيْت.
قال مقاتل :نزل قوله تعالى : ﴿ يوم ينظر المرء ما قدّمت يداهُ ﴾ في أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، ونزل قوله تعالى : ﴿ ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً ﴾ في أخيه الأسود بن عبد الأسد.
السورة التالية
Icon