0:00
0:00
سورة النبأ
وتسمى سورة عم. وهي مكية، وعدد آياتها أربعون آية، وهذه السورة تكلمت على البعث وإثباته، وبيان مظاهر قدرة الله، ثم تعرضت لمنكري البعث وبينت حالهم يوم القيامة: وحال المؤمنين به، على أن تهويل يوم القيامة وتفخيم شأنه، وتخويف الناس من عذابه من عناصر السورة المهمة التي ذكرت في ثنايا الكلام.
[سورة النبإ (٧٨) :الآيات ١ الى ٤٠]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤)
ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩)
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤)
لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩)
وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤)
إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩)
فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً (٣٠) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤)
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩)
إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠)
المفردات:
عَمَّ يَتَساءَلُونَ: عن أى شيء يسألون رسول الله؟ عَنِ النَّبَإِ: عن خبر يوم البعث، والنبأ: هو الخبر المهم. كَلَّا: كلمة ردع لهم وزجر. مِهاداً المهاد: الفراش الموطأ، وفي القاموس: المهد: الموضع المهيأ للصبي كالمهاد.
أَوْتاداً أى: كالأوتاد، والوتد: خشبة تغرس في الأرض ويظهر منها جزء.
أَزْواجاً: أصنافا، والمراد ذكر وأنثى. سُباتاً السبات: الموت، والمراد:
جعلنا نومكم كالموت، والمادة تدل على القطع فالنوم يقطع التعب والألم، والموت يقطع الحياة، والمراد: جعلنا نومكم راحة لكم. لِباساً أى: كاللباس في الستر.
مَعاشاً: حياة، ووقتا لطلب العيش. وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً أى: خلقنا فوقكم السموات كالقباب. سِراجاً وَهَّاجاً: سراجا متلألئا وقادا، وهو الشمس. الْمُعْصِراتِ المراد: السحائب. ثَجَّاجاً: منصبا كثيرا. حَبًّا
وَنَباتاً
الحب: ما يقتات به الإنسان كالذرة والحنطة، والنبات ما يقتات به الحيوان كالتبن والحشائش. وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً أى: جنات ملتفة الأشجار كثيرة الأغصان.
أَفْواجاً: جمع فوج، وهو الجماعة المتميزة عن غيرها بشيء. سُيِّرَتِ الْجِبالُ: تناثرت أجزاؤها حتى صارت كالغبار المتطاير. سَراباً: وهو ما يظهر في الجو فيظنه الرائي ماء. مِرْصاداً: مكانا معدا لرصدهم.
لِلطَّاغِينَ: المتجاوزين الحدود في العصيان. مَآباً: مرجعا. لابِثِينَ:
مقيمين فيها. أَحْقاباً: جمع حقبة أو حقب، والمراد: مددا متطاولة لا نهاية لها.
حَمِيماً: هو الماء الحار. غَسَّاقاً: هو القيح والصديد الدائم السيلان من أجساد أهل النار. كِذَّاباً: تكذيبا كثيرا. كِتاباً: إحصاء. مَفازاً أى: فوزا، أو مكانا للفوز. حَدائِقَ الحديقة: البستان المثمر شجره.
كَواعِبَ: جمع كاعب، وهي الفتاة التي استدار ثديها. أَتْراباً: جمع ترب، وهن من كن في سن واحدة كاللدات. كَأْساً: هو إناء من البلور يشرب فيه. دِهاقاً: ممتلئة. لَغْواً: هو ما لا يعتد به من الكلام. عَطاءً:
فضلا وإحسانا منه. حِساباً: كافيا على قدر أعمالهم. الرُّوحُ: جبريل عليه السلام. صَفًّا: مصطفين. صَواباً أى: قولا صوابا. مَآباً:
مرجعا. نْذَرْناكُمْ
: حذرناكم. نْتُ تُراباً
: لم أخلق.
المعنى:
كان المشركون يتساءلون عن البعث فيما بينهم. ويخوضون فيه إنكارا له واستهزاء بوقوعه، فرد الله عليهم بأسلوب الاستفهام تفخيما لشأن المسئول عنه وتهويلا، وإخراجا له عن دائرة علوم الخلق.
عن أى شيء يسألون «١» الرسول صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين؟! عن النبأ العظيم يتساءلون؟ الذي هم فيه مختلفون فمنهم من هو جازم بعدم وقوعه ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا «٢» ومنهم من ينكره لأنه ينكر وجود الله... إلخ.
(١) فالتساؤل متعد ومفعوله في الآية محذوف لظهوره، على أن المنكر هو السؤال فقط.
(٢) سورة الجاثية آية ٢٤.
كلا! وهي كلمة ردع عن التساؤل والاختلاف في البعث مع وضوح الأدلة عليه.
كلا سيعلمون، أى: ليرتدعوا عما هم فيه فإنهم سيعلمون عما قريب حقيقة الحال إذا حل بهم العذاب والنكال. ثم كلا سيعلمون!! وها هي ذي بعض مظاهر القدرة وآيات الرحمة الدالة على قدرة الله على البعث وأنه صاحب النعم: ألم «١» نجعل الأرض فراشا ممهدا ليعيش عليها الإنسان عيشة سعيدة؟
والمعنى: قروا واعترفوا بأن الله قد جعل الأرض مستقرا ومهادا لكم، وجعل الجبال في الأرض كالأوتاد لإرسائها كما يرسى البيت من الشعر بالعمد والأوتاد. وقد خلقناكم ذكرا وأنثى ليتسنى التناسل والتوالد. وينتظم أمر الحياة فيها. وقد جعلنا- أى: الذات الأقدس- نومكم كالموت يقطع طول العناء وكثرة التعب: فالنوم أحد الموتتين، على أنه نعمة من نعم الله الكبرى، فإن نوم ساعات يريح القوى، ويجدد النشاط، ويعيد القوة والحيوية للإنسان، وقد جعلنا الليل كاللباس لأنه يستر الأشخاص بظلمته.
يا سبحان الله في الظلمة خير!! وفي النور خير، إذ للناس في ظلام الليل مصالح وفوائد فكما أن اللباس يقي من الحر والبرد، ويستر العورات، كذلك يستتر فيه الفار من العدو، أو الحيوان المفترس، ويستعد فيه الكامن للوثوب: وربما كان فرصة لقضاء بعض حوائج الناس، وقد جعلنا النهار حياة، ووقتا لتحصيل المعاش فيه يستيقظ الناس لمعاشهم، وفيه يتقلبون لقضاء حوائجهم ومكاسبهم ففي النهار الحياة، وفي الليل النوم والسكون، وقد خلقنا فوقكم سبعا شدادا، أى: سبع سموات قوية محكمة لا يختل نظامها، ولا يضعف بناؤها، وقد جعلنا الشمس فيها سراجا وهاجا، سراجا قويا، متلألئا وقادا، وقد أنزلنا من السحب ماء منصبا كثيرا، ليخرج بسببه الحب من حنطة وأرز وغيرهما، والنبات من عشب وحشائش وغيرهما، ولتخرج بسببه الجنات الملتفة الأغصان، والحدائق الملتفة الأشجار لتقارب أغصانها وطول أفنانها، إن يوم الفصل كان ميقاتا.
أليس الذي خلق هذا بقادر على أن يحيى الموتى يوم الفصل؟! أمن من على الناس بتلك النعم يعجز عن يوم يكون فيه الفصل والقول الحق، والميزان العدل بين الخلائق
(١) الاستفهام هنا للتقرير.
فيفصل المحسن عن المسيء ويجازى كلا على عمله؟! إن يوم الفصل كان ميقاتا معلوما ينتهى إليه الناس فيجتمعون فيه ليرى كل عاقبة عمله، ونهاية أمره وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ فيوم الفصل مؤقت بأجل محدود لا يزاد عليه ولا ينقص منه ولا يعلمه إلا الله.
كيف حال ذلك اليوم؟! وما حال المكذبين به؟! إنه هو يوم الفصل، ليس بالهزل. إنه يوم الفزع الأكبر، يوم ينفخ في الصور، النفخة الثانية التي يأتى بسببها الناس أفواجا، تأتى كل أمة بإمامها، وتأتى كل جماعة منفردة من غيرها، قد فتحت السماء فكانت أبوابا إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ فالقرآن يفسر بعضه بعضا، والمراد: انشقت السماء انشقاقا يشبه فتح الباب في السهولة والسرعة وقد سيرت الجبال في الجو على صورتها بعد تفتتها وبعد قلعها من مقارها، فتصبح كأنها سراب، فهي سراب غليظ يرى من بعيد كأنه جبل وما هو بالجبل.
إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً نعم كانت جهنم في ذلك اليوم مكانا وموضعا لرصد الكفار للعذاب لأنهم الطغاة المتجاوزون الحدود، كانت لهم مآبا ومرجعا يؤوبون إليه، حالة كونهم لابثين فيها أحقابا، أى: ماكثين فيها أزمانا غير محدودة، أزمانا متعاقبة متلاحقة لا يعلمها إلا الله، حالة كون الماكثين فيها لا يذوقون شيئا إلا ماء حميما. وصديدا يقطر من جلود أهل النار!! جزاهم ربك على أفعالهم جزاء وفاقا!! وما السبب؟ إنهم كانوا لا يرجون حسابا على أعمالهم، وكذبوا بآياتنا الناطقة على إمكان البعث وكمال القدرة تكذيبا مفرطا، وكل شيء من الأشياء التي من جملتها أعمالهم حفظناه وضبطناه في كتاب وأحصيناه إحصاء، إذا كان الأمر كذلك فيقال لهم: ذوقوا هذا العذاب، فلن نزيدكم بعده إلا عذابا مثله أو أشد.
وهذا بيان لحال المؤمنين يوم القيامة بعد بيان حال الكافرين والمكذبين: إن للمتقين فوزا عظيما بما عملوا في الدنيا، وإن لهم في الجنة موضع فوز ومكان نجاة، بعضه حدائق غناء، ذات بهجة ورواء، وأن لهم فيها فواكه وأعنابا، وكواعب أترابا، أى:
نساء حسانا في سن واحدة فهن لدات، والتمتع بهذا الصنف من النساء أمل الناس في الدنيا فكان لهم في الآخرة على وجه ونظام لا يعلمه إلا الله، وليس لنا أن ندقق النظر في أمثال هذا، بل نؤمن به إيمانا كما نطق القرآن، وإن لهم فيها كأسا مملوءة بالمشتهى من
المشروبات والمستلذ من الطيبات، وهم لا يسمعون لغوا ولا كذابا، وقد جزاهم الله على أعمالهم جزاء، قد تفضل به وأحسن، جزاء من صاحب الفضل والنعمة رب السموات والأرض، وكان جزاء كفاء لما قدموا، وهذا وصف آخر ليوم القيامة يملأ القلوب خشية، والنفوس روعة ورهبة، كل الناس يوم القيامة لا يملكون من الحق- تبارك وتعالى- رب السماء والأرض الرحمن لا يملكون منه خطابا، ولا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ «١» في هذا اليوم يقوم الروح جبريل والملائكة بين يدي الرب- سبحانه وتعالى- صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا!! يا سبحان الله!! يقوم الروح والملائكة بين يدي الجبار المتكبر المتعالي، لا يسمح لأحد بالنطق إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا بأن تشفع لمن يستحق الشفاعة! أين الأصنام والشركاء الذين يظنون أنهم شفعاء لله؟!! أين الناس جميعا؟! وقد وقف جبريل والملائكة بين يدي الجبار ينتظرون الإشارة منه؟! ذلك اليوم الحق، نعم هو اليوم الحق الذي لا شك فيه، ولا مرية.
إذا كان الأمر كذلك فمن شاء فليتخذ مآبا إلى ربه، وليعمل عملا صالحا يقربه إليه.
ثم عاد إلى تهديد الكفار المكذبين بيوم القيامة الذين يتساءلون عنه محذرا لهم من عاقبة عنادهم وتكذيبهم. إنا أنذرناكم عذابا قريبا حصوله إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً «٢» يوم ينظر المرء ما قدمت يداه فقط، يوم لا يرى فيه أبدا إلا عمله، يوم يقول الكافر:
ليتني كنت ترابا لم أخلق، يقول ذلك من شدة هول ما يلقى، ويتمنى أن لو كان جمادا أو حيوانا غير مكلف.
(١) سورة هود آية ١٠٥. [..... ]
(٢) سورة المعارج الآيتان ٦ و ٧.
السورة التالية
Icon