0:00
0:00

الجزء الثلاثون من اجزاء الثلاثين
تفسير سورة النبأ
أربعون او احدى وأربعون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم
عَمَّ أصله عن ما أدغمت النون فى الميم لاشتراكهما فى الغنة فصار عما ثم حذفت الالف كما فى لم وبم وفيم والى م وعلى م فانها فى الأصل لما وبما وفيما والى ما وعلى ما اما فرقا بين الاستفهامية وغيرها او قصدا للخفة لكثرة استعمالها وقد جاءت فى العشر غير محذوفة كما ذكره ابو البقاء وما فيها من الإبهام للايذان بفخامة شأن المسئول عنه وهو له وخروجه عن حدود الأجناس المعهودة كأنه خفى جنسه فيسأل عنه فالاستفهام ليس على حقيقته بل لمجرد التفخيم فان المسئول عنه ليس بمجهول بالنسبة الى الله تعالى إذ لا يخفى عليه خافية والمعنى عن اى شىء عظيم يَتَساءَلُونَ اى اهل مكة وكانوا يتساءلون عن البعث والحشر الجسماني ويتحدثون فيما بينهم ويخوضون فيه إنكارا واستهزاء لكن لا على طريقة التساؤل عن حقيقته ومسماه بل عن وقوعه الذي هو حال من أحواله ووصف من أوصافه فان ماوان وضعت لطلب حقائق الأشياء ومسميات أسمائها كما فى قولك ما الملك وما الروح لكنها قد يطلب بها الصفة والحال تقول ما زيد فيقال عالم او طبيب عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ النبأ الخبر الذي له شأن وخطر وهو جواب وبيان لشأن المسئول عنه كأنه قيل عن اى شىء ينساءلون هل أخبركم به ثم قيل بطريق الجواب عن النبأ العظيم الخارج عن دائرة علوم الخلق يتساءلون على منهاج قوله تعالى لمن الملك اليوم لله الواحد القهار والفائدة فى أن يذكر السؤال ثم أن يذكر الجواب معه ان هذا الأسلوب اقرب الى التفهيم والإيضاح فعن متعلقة بما يدل عليه المذكور من مضمر حقه أن يقدر بعدها مسارعة الى البيان ومراعاة لترتيب السؤال فان الجار فيه مقدم على متعلقه وقيل عن النبأ العظيم استفهام آخر بمعنى أعن النبأ العظيم أم عن غيره الا انه حذف منه حرف الاستفهام لدلالة المذكور عليه ونظيره قوله تعالى أفإن مت فهم الخالدون اى أفهم الخالدون الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ وصف للنبأ بعد وصفه بالعظيم تأكيدا لخطره اثر تأكيد واشعارا بمدار التساؤل عنه وفيه متعلق بمختلفون قدم عليه اهتماما به ورعاية للفواصل وجعل الصلة جملة اسمية للدلالة على الثبات اى هم راسخون فى الاختلاف فيه فمن جازم باستحالته يقول ان هى الا حياتنا الدنيا نموت ونحيى وما يهلكنا الا الدهر وما نحن بمبعوثين ومن مقر بزعم ان آلهته تشفع له كما قالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله ومن شاك يقول ما ندرى ما الساعة أن نظن الا ظنا وما نحن بمستيقنين وفيه اشارة الى القيامة الكبرى وهى البقاء بعد الفناء او بعث القلب
بعد موت النفس فالروح وقواه تقربها والنفس وصفاتها تنكرها لانها جاهلة فضلا عن كونها ذائقة ومن لم يذق لم يعرف (قال الكمال الخجندي)
زاهد تعجب كر كند از عشق تو پرهيز كين لذت اين باده چهـ داند كه نخوردست
فطوبى للذائقين ويا حسرة للمحرومين كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ردع كما يستفاد من كلا ووعيد كما يستفاد من سيعلمون اى ليس امر البعث مما ينكر او يشك فيه بحيث يتساءل عنه سيعلمون ان ما يتساءلون عنه حق لا دافع له واقع لا ريب فيه مقطوع لا شك فيه ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ تكرير للردع والوعيد للمبالغة فى التأكيد والتشديد وثم للدلالة على ان الوعيد الثاني ابلغ وأشد يعنى ان ثم موضوعة للتراخى الزمانى وقد تستعمل مجازا فى التراخي الرتبى اى لتباعد ما بين المعطوفين فى الشدة والفظاعة وذلك لتشبيه التباعد الرتبى بالتراخي الزمانى فى الاشتمال على مطلق التباعد بين الامرين والمعنى المجازى هو المراد هنا لان المقام مقام التشديد والتهديد وذلك انما يكون آكد بالحمل عليه وبعضهم حملها على معناها الحقيقي فقال سيعلمون حقيته عند النزع ثم فى يوم القيامة ولا شك ان القيامة متراخية بحسب الزمان عن وقت النزع او سيعلمون حقية البعث حين ان يبعثوا من قبورهم ثم حقية الجزاء بحسب العمل هذا وقد حمل اختلافهم فيه على مخالفتهم للنبى عليه السلام بأن يعتبر فى الاختلاف محض صدور الفعل عن المتعدد لا على مخالفة بعضهم لبعض من الجانبين لان الكل وان استحق الردع والوعيد لكن استحقاق كل جانب لهما ليس لمخالفته للجانب الآخر إذ لا حقية فى شىء منهما حتى يستحق من يخالفه المؤاخذة بل لمخالفته له عليه السلام فكلا ردع لهم عن التساؤل والاختلاف بالمعنيين المذكورين وسيعلمون وعيد لهم بطريق الاستئناف وتعليل للردع والسين للتقريب والتأكيد وليس مفعوله ما ينبئ عنه المقام من وقوع ما يتساه لون عنه ووقوع ما يختلفون فيه بل هو عبارة عما يلاقونه من فنون الدواهي والعقوبات والتعبير عن لقائها بالعلم لوقوعه فى معرض التساؤل والاختلاف والمعنى ليرتدهوا عما هم عليه فانهم سيعلمون عما قليل حقيقة الحال إذا حل بهم العذاب والنكال أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً إلخ استئناف مسوق لتحقيق النبأ والمتساءل عنه بتعداد بعض الشواهد الناطقة بحقيته اثر ما نبه عليها بما ذكر من الردع والوعيد ومن هنا اتضح ان المتساءل عنه هو البعث لا القرآن او نبوة النبي عليه السلام كما قيل والهمزة للتقرير والمهاد البساط والفراش وفى بعض الآيات جعل لكم الأرض فراشا قال ابن الشيخ المهاد مصدر ماهدت بمعنى مهدت كسافرت بمعنى سفرت اطلق على الأرض الممهودة اى ألم نجعل الأرض بساطا ممهودا تتقلبون عليها كما يتقلب الرجل على بساطه وبالفارسية آيا نساخته ايم زمين را فراشى كسترده تا قراركاه شما بود وجاى تقلب.
ومهادا مفعول ثان لجعل ان كان الجعل بمعنى التصيير وحال مقدرة ان كان بمعنى الخلق وجوز ان يكون جمع مهد ككعاب وكعب وجمعه لاختلاف أماكن الأرض من القرى والبلاد وغيرها او للتصرف فيها بأن جعل بعضها مزارع وبعضها مساكن الى غير ذلك وقرئ مهدا على تشبيهها بمهد الصبى وهو ما يمهدله فينوم عليه تسمية للممهود بالمصدر وَالْجِبالَ أَوْتاداً
المراد بجعلها أوتادا لها ارساؤها بها لتسكن ولا تميد بأهلها إذ كانت تميد على الماء كما يرسى البيت بالأوتاد فهو من باب التشبيه البليغ جمع وتد وهو ما يوتد ويحكم به المتزلزل المتحرك من اللوح وغيره بالفارسية ميخ. فان قيل أليست ارادة الله وقدرته كافيتين فى التثبيت أجيب بانه نعم الا انه مسبب الأسباب وذلك من كمال القدرة قال بعضهم الأوتاد على الحقيقة سادات الأولياء وخواص الأصفياء فانهم جبال ثابتة وبهم تثبت ارض الوجود وسئل أبو سعيد الخراز قدس سره عن الأوتاد والابدال أبهم أفضل فقال الأوتاد قيل كيف فقال لان الابدال يتقلبون من حال الى حال ويبدل بهم من مقام الى مقام والأوتاد بلغ بهم النهاية وثبت اركانهم فهم الذين بهم قوام الخلق قال ابن عطاء الأوتاد هم اهل الاستقامة والصدق لا تغيرهم الأحوال وهم فى مقام التمكين انتهى والأوتاد أربعة واحد يحفظ الشرق يقال له عبد الحي وواحد يحفظ الغرب يقال له عبد العليم وواحد يحفظ الشمال يقال له عبد المريد وواحد يحفظ الجنوب يقال له عبد القادر والابدال سبعة يحفظون أقاليم الكرة علوا وسفلا.
وجه تسميه آنست كه چون يكى از ايشان مرد يكى از چهل تن يعنى نجبا بدل او شد وتتميم چهل تن بيكى از سيصد تن است يعنى نقبا وتكميل سيصد تن بيكى از صلحاء وابدال مقيم نشوند بيكجا مكر خسته باشند ومعالجه كنند وبخورند وبپوشند ونكاح كنند پيش از آنكه ابدال شوند وقطب الابدال نظير كوكب سهيل كما ان قطب الإرشاد نظير الجدى وقطب ابدال در زمان نبى عليه السلام عصام الدين قزنى بود عم اويس و چون او متوفى شد ابن عطا احمد بود از دهى كه ميان مكه ويمن است وبلال الحبشي رضى الله عنه در زمان نبى عليه السلام از بدلاى سبعه بودى. وكان الشافعي رضى الله عنه من الأوتاد الاربعة وَخَلَقْناكُمْ عطف على المضارع المنفي بلم داخل فى حكمه فانه فى قوة انا جعلنا او على ما يقتضيه الإنكار التقريرى فانه فى قوة ان يقال قد جعلنا أَزْواجاً اى حال كونكم أصنافا ذكرا وأنثى ليسكن كل من الصنفين الى الآخر وينتظم امر المعاشرة والمعاش ويتسنى التناسل والزوج يقال لكل واحد من القرينين المزدوجين حيوانا او غيره كالخف والنعل ولا يقال للاثنين زوج بل زوجان ولذا كان الصواب ان يقال قرضته بالمقراضين وقصصته بالمقصين لانهما اثنان لا بالمقراض وبالمقص كذا قال الحريري فى درة الغواص وقال صاحب القاموس يقال للاثنين هما زوجان وهما زوج انتهى ولعله من قبيل الاكتفاء بأحد الشقين عن الآخر وزوجة للمرأة لغة رديئة لقوله تعالى يا آدم اسكن أنت وزجك الجنة ويقال لكل ما يقترن بآخر مماثلا له او مضادا زوج ولذا قال بعضهم فى الآية وخلقناكم حال كونكم معروضين لاوصاف متقابلة كل واحد منها مزدوج بما يقابله كالفقر والغنى والصحة والمرض والعلم والجهل والقوة والضعف والذكورة والأنوثة والطول والقصر الى غير ذلك وبه يصح الابتلاء فان الفاضل يشتغل بالشكر والمفضول بالصبر ويعرف قدر النعمة عند الترقي من الصبر الى الشكر وكل ذلك دليل على كمال القدرة ونهاية الحكمة وَجَعَلْنا صيرنا نَوْمَكُمْ وهو استرخاء اعصاب الدماغ برطوبات البخار الصاعد اليه ولذا قل فى اهل الرياضة لقلة
وجعلنا نومكم غفلتكم راحة واستراحة باستيفاء اللذات واستقصاء الشهوات وجعلنا ليل طبعتكم ستر النهار روحانيتكم وجعلنا نهار روحانيتكم معاشا تعيشون فيه بالطاعات والعبادات وهذه صورة البعث وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ وبنا كرده ايم بر سر شما را سَبْعاً شِداداً جمع شديد أي سبع سموات قوية الخلق محكمة البناء لا يؤثر فيها مر الدهور وكر العصور وقال أبو الليث غلاظا غلظ كل سماء مسيرة خمسائة عام والتعبيرى عن خلقها بالبناء مبنى على تنزيلها منزلة القباب المضروبة على الخلق وفيه اشارة الى طبقات القلب السبع الاولى طبقة الصدور وهى معدن جوهر الإسلام والثانية طبقة القلب وهى محل جوهر الايمان والثالثة الشغاف وهى معدن العشق والمحبة والشفقة والرابعة الفؤاد وهو معدن المكاشفة والمشاهدة والرؤية والخامسة حبة القلب وهى مخصوصة نمحبة الله تعالى لا تعلق لها بمحبة الكونين وعشق العالمين والسادسة السويداء وهى معدن العلم اللدني وميت الحكمة والسابعة بيت العزة وهى قلب الأكملين وفى هذا البيت اسرار الهية لا تخرج من الباطن الى الظاهر أصلا ولا يظهر منها اثر قطعا وَجَعَلْنا انشأنا وأمدعنا سِراجاً هو الشمس والتعبير عنها بالسراج من روادف التعبير عن خلق السموات بالبناء قال الراغب السراج الزاهر بفتيلة ودهن ويعبر به عن كل شىء مضيئ ويقال للسراج مصباح وَهَّاجاً وقادا متلألئا من وهجت النار إذا أضاءت او بالغا فى الحرارة من الوهج وهو الحر وهو ما قال بعض المفسرين سراجا وهاجا اى مضيئا جامعا بين النور والحرارة يعنى چراغى افروخته وتابان. يقال ان الشمس والقمر خلقا فى بدء أمرهما من نور العرش ويرجعان فى القيامة الى نور العرش وذلك فيما روى عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال الا أحدثكم بما سمعت من رسول الله ﷺ يقول فى الشمس والقمر وبدء خلقهما ومصير أمرهما قال قلنا بلى يرحمك الله فقال ان رسول الله عليه السلام سئل عن ذلك فقال ان الله تعالى لما ابرز خلقه احكاما ولم يبق من خلقه غير آدم خلق شمسين من نور عرشه فاما ما كان فى سابق علمه ان يدعها شمسا فانه خلقها مثل الدنيا ما بين مشارقها ومغاربها وما كان فى سابق علمه ان يطمسها ويحولها قمرا فانه خلقها دون الشمس فى العظم ولكن انما يرى صغرهما لشدة ارتفاعهما فى السماء وبعدهما من الأرض فلو ترك الله الشمس والقمر كما كان خلقهما فى بدء أمرهما لم يعرف الليل من النهار ولا النهار من الليل ولا يدرى الأجير متى يعمل ومتى يأخذ اجره ولا يدرى الصائم متى يصوم ومتى يفطر ولا تدرى المرأة متى تعتدو لا يدرى المسلمون متى وقت صلاتهم ومتى وقت حجهم فكان الرب تعالى انظر لعباده وارحم بهم فأرسل جبريل فأمر جناحه على وجه القمر فطمس منه الضوء وبقي فيه النور فذلك قوله تعالى وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة فالسواد الذي ترونه فى القمر شبه الخطوط فيه فهو أثر المحو قال فاذا قامت القيامة وقضى الله بين الناس وميز بين اهل الجنة والنار ولم يدخلوهما بعد يدعو الرب تعالى بالشمس والقمر ويجاء بهما أسودين مكورين قد وقفا فى زلازل وبلابل ترعد فرآئصهما من هول ذلك اليوم ومخافة الرحمن فاذا كانا
الرطوبة سُباتاً موتا اى كالموت والمسبوت الميت من السبت وهو القطع لانه مقطوع عن الحركة ومنه سمى يوم السبت لان الله تعالى ابتدأ بخلق السموات والأرض يوم الأحد فخلقها فى ستة ايام فقطع عمله يوم السبت فسمى بذلك وايضا هو يوم ينقطع فيه بنو إسرائيل عن العمل والنوم أحد التوفيين كما قال تعالى الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت فى منامها اى ويتوفى التي لم تمت فى منامها وذلك لما بينهما من المشاركة التامة فى انقطاع احكام الحياة فالتنوين للنوعية اى وجعلنا نومكم نوعا من الموت وهو الموت الذي ينقطع ولا يدوم إذ لا ينقطع ضوء الروح الا عن ظاهر البدن وبهذا الاعتبار قيل له أخو الموت والنوم بمقدار الحاجة نعمة جليلة وقيل سباتا اى قطعا عن الاحساس والحركة لاراحة القوى الحيوانية وازاحة كلالها والاول هو اللائق بالمقام كما ستعرفه وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ الذي يقع فيه النوم لِباساً يقال لبس الثوب استتر به وجعل اللباس لكل ما يغطى الإنسان عن قبيح فجعل الزوج لزوجها لباسا من حيث انها تمنعه وتصده عن تعاطى قبيح وكذا البعل وايضا من حيث الاشتمال قال تعالى هن لباس لكم وأنتم لباس لهن وجعل التقوى لباسا على طريق التمثيل والتشبيه وكذا جعل الخوف والجوع لباسا على التمثيل والتشبيه تصويرا له وذلك بحسب ما يقولون تدرع فلان الفقر ولبس الجوع والمعنى لباسا يستركم بظلامه كما يستركم اللباس ولعل المراد به ما يستتر به عند النوم من اللحاف ونحوه فان شبه الليل به أكمل واعتباره فى تحقيق المقصد أدخل صاحب فتوحات آورده شب لباس اصحاب ليل است كه ايشانرا از نظر اغيار بپوشاند تا در خلوت خود لذت مكالمه يا محاضره يا مشاهده هر يك فراخور استعداد خود برخوردارى يابند حضرت شيخ الإسلام قدس شره فرموده كه شب پرده روندكان را هست روز بازار بيداران سحركاه
الليل للعاشقين ستر... يا ليت أوقاته تدوم
چون در دل شب خيال او يار منست... من بنده شب كه روز بازار منست
فهو تعالى جعل الليل محلا للنوم الذي جعل موتا كما جعل النهار محلا لليقظة المعبر عنها بالحياة فى قوله تعالى وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً اى وقت عيش اى حياة تبعثون فيه من نومكم الذي هو أخو الموت كما فى قوله تعالى وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا ولم يقل وجعل يقظتكم حياة لتتم المطابقة بينه وبين قوله وجعلنا نومكم سباتا بل عبر عن اليقظة بالنهار لكونه مستلزما لها غالبا ولمراعاة مطابقة وجعلنا الليل ومنه يعلم ان قوله وجعلنا الليل ليس مستطردا فى البين لذكر النوم فى القرينة الاولى فمعاش مصدر من عاش يعيش عيشا ومعاشا ومعيشة وعيشة وعلى هذا لا بد من تقدير المضاف ولذا قدروا لفظ الوقت ويحتمل ان يكون اسم زمان على صيغة مفعل فلا حاجة حينئذ الى تقدير المضاف وتفسيره بوقت معاش إبراز لمعنى صيغة اسم الزمان وتفصيل لمفهومها وفى التأويلات النجمية ألم نجعل ارض البشرية مهد استراحتكم وانتشاركم فى انواع المنافع البشرية وجبال نفوسكم القاسية قوائم ارض البشرية وخلقناكم أزواجا زوج الروح وزوج النفس او ذكر القلب وأنثى النفس
حيال العرش خر الله ساجدين فيقولان الهنا قد علمت طاعتنا لك ودأبنا فى عبادتك وسرعتنا للمضى فى أمرك ايام الدنيا فلا تعذبنا بعبادة المشركين إيانا فقد علمت انا لم ندعهم الى عبادتنا ولم نذهل عن عبادتك فيقول الرب صدقتما انى قد قضيت على نفسى ان أبدئ وأعيد وانى معيد كما الى ما ابدأتكما منه فارجعا الى ما خلقتكما منه فيقولان ربنا مم خلقتنا فيقول خلقتكما من نور عرشى فارجعا اليه قال فتلمع من كل واحد منهما برقة تكاد تخطف الابصار نورا فيختلطان بنور العرش فذلك قوله تعالى يبدئ ويعيد كذا فى كشف الاسرار وقال الشيخ رضى الله عنه فى الفتح المكي واما الكواكب كلها فهى فى جهنم مظلمة الاجرام عظيمه الخلق وكذلك الشمس والقمر والطلوع والغروب لهما فى جهنم دائما انتهى. يقول الفقير لعل التوفيق بين هذا وبين الخبر السابق ان كلا من الشمس والقمر حامل لشيئين النورية والحرارة فما كان فيهما من قبيل النور فيتصل بالعرش من غير جرم لان الجرم لا يخلو من الغلظة والظلمة والكثافة وما كان من قبيل النار والحرارة فيتصل بالنار مع جرمهما فكل منهما يرجع الى أصله فان قلت كان الظاهر ان يتصل نورهما بنور النبي عليه السلام لانهما مخلوقان من نوره قلت ان العرش والكرسي خلقا من نوره وخلق القمران من نور العرش فهما فى الحقيقة مخلوقان من نور النبي عليه السلام ومتصل نورهما بنوره والكل نوره والحمد لله تعالى
شمسه نه مسند وهفت اختران ختم رسل خواجه پيغمبران
وَأَنْزَلْنا النون للعظمة وللاشارة الى جمعية الذات والأسماء والصفات مِنَ الْمُعْصِراتِ هى السحائب إذا أعصرت اى شارفت ان تعصرها الرياح فتمطر ولم تعصرها بعد فالانزال من المستعد لا من الواقع والا يلزم تحصيل الحاصل وهمزة اعصر للحينونة والمعصرات اسم فاعل يقال احصد الزرع إذا حان له ان يحصد وأعصرت الجارية اى حان لها ان تعصر الطبيعة رحمها فتحيض وفى المفردات المعصر المرأة التي حاضت ودخلت فى عصر شبابها انتهى ولو لم تكن للحينونة لكان ينبغى ان يقرأ المعصرات بفتح الصاد على انه اسم مفعول لان الرياح تعصرها ويجوز أن يكون المراد من المعصرات الرياح التي حان لها ان تعصر الحساب فتمطر فهى ايضا اسم فاعل والهمزة للحينونة كذلك فان قيل لم لم تجعل الهمزة للتعدية قلنا لان الرياح عاصرة لا معصرة ماءً ثَجَّاجاً اى منصبا بكثرة والمراد تتابع القطر حتى يكثر الماء فيعظم النفع به يقال ثج الماء اى سال بكثرة وانصب وثجه غيره اى اساله وصبه فهو لازم ومتعد ومن الثاني قوله عليه السلام أفضل الحج العج والثج اى رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدى وفسره الزجاج بالصباب كأنه يثج نفسه مبالغة فيكون متعديا ولا منافاة بين هذا وبين قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء فان ابتداء المطر ان كان من السماء يكون الانزال منها الى السحاب ومنه الى الأرض والا فانزاله منها باعتبار تكونه بأسباب سماوية من جملتها حرارة الشمس فانها تثير وتصعد الاجزاء المائية من اعماق الأرض الرطبة او من البحار والأنهار الى جو الهولء فتنعقد سحابا فتمطر فالانزال من المعصرات حقيتة
ألفافا جنة المحبة وجنة المودة وجنة العشق ملتف بعضها ببعض إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ اى فصل الله بين الخلائق وبين السعداء والأشقياء باعتبار تفاوت الهيئات والصور والأخلاق والأعمال وتناسبها كانَ فى علمه وتقديره الأزلي والا فثبوت الميقاتية ليوم الفصل غير مقيد بالزمان الماضي لانه امر مقرر قبل حدوث الزمان ايضا مِيقاتاً وميعاد البعث الأولين والآخرين وما يترتب عليه من الجزاء ثوابا وعقابا لا يكاد يتخطاء بالتقدم والتأخر فالمبقات وهو الوقت الموقت اى المعين أخص من مطلق الوقت فهو هنا زمان مقيد بكونه وقت ظهور ما وعد الله من البعث والجزاء يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ بدل من يوم الفصل او عطف بيان له مفيد لزيادة تفخيمه وتهويله ولا ضير فى تأخر الفصل عن النفخ فانه زمان ممتد يقع فى مبدئه النفخة وفى بقيته الفصل ومباديه وآثاره والنفخ نفخ الربح فى الشيء ومنه نفخ الروح فى النشأة الاولى كما قال ونفخت فيه من روحى ويقال انتفخ بطنه ومنه استعير انتفخ النهار إذا ارتفع ورجل منفوخ اى سمين والصور القرن النورانى والنافخ فيه اسرافيل عليه السلام والمعنى يوم ينفخ فى الصور نفخة ثانية للبعث حتى تتصل الأرواح بالأجساد وترجع بها الى الحياة فَتَأْتُونَ خطاب عام والفاء فصيحة تفصح عن جملة قد حذفت ثقة بدلالة الحال عليها وإيذانا بغاية سرعة الإتيان كما فى قوله تعالى فقلنا اضرب بعصاك البحر فانفلق اى فتبعثون من قبوركم فتأتون الى الموقف عقيب ذلك من غير لبث أصلا أَفْواجاً جمع فوج وهو جماعة من الناس فى المفردات الجماعة المارة المسرعة اى حال كونكم امما كل امة مع امامها كما فى قوله تعالى يوم ندعو كل أناس بإمامهم او زمرا وجماعات مختلفة الأحوال متباينة الأوضاع حسب اختلاف أعمالهم وتباينها عن معاذ رضى الله عنه انه سأل عنها رسول الله ﷺ فقال عليه السلام يا معاذ سألت عن امر عظيم من الأمور ثم أرسل عينيه وقال تحشر عشرة اصناف من أمتي بعضهم على صورة القردة وبعضهم على صورة الخنازير وبعضهم منكسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها يعنى نگونساران كه ايشانرا بروى بدوزخ ميكشند. وبعضهم عمى وبعضهم صم بكم وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهى مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم اهل الجمع وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم وبعضهم مصلبون على جذوع من نار يعنى بردارهاى آتشين آويخته. وبعضهم اشدنتنا من الجيف وبعضهم ملبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم فاما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس وهو بالضم جمع قات بالتشديد بمعنى النمّام يعنى سخن چين (حكى) ان رجلا باع عبدا وقال للمشترى ما فيه عيب الا النميمة فقال رضيت فاشتراه فمكث الغلام أياما ثم قال لزوجة مولاه ان زوجك لا يحبك وهو يريد أن يتسرى عليك فخذى الموسى واحلقى من قفاه حين ينام شعرات حتى اسحر عليه فيحبك ثم قال للزوج ان امرأتك أخذت خليلا وتريد أن تقتلك فتناوم لها حتى تعرف فتناوم فجاءت المرأة بالموسى فظن انها تقتله فقام فقتلها فجاء اهل المرأة فقتلوا الزوج فوقع القتال بين القبيلتين وطال الأمر واما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت اى الحرام لانه يسحت الدين والمروءة اى يستأصل واما المنكسون
ومن السماء مجاز باعتبار السببية والله مسبب الأسباب لِنُخْرِجَ بِهِ اى بذلك الماء اى بسبب وصوله الى الأرض واختلاطه بها وبما فيها وهذه اللام لام المصلحة لا لام الغرض كما تقول المعتزلة حَبًّا كثيرا يقتات به اى يكون قوتا للانسان وهو ما يقوم به بدنه كالحنظه والشعير ونحوهما وفى عين المعاني الحب اسم جنس يعنى به الجمع قال الراغب الحب والحبة يعنى بالفتح يقال فى الحنطة والشعير ونحوهما من المطعومات والحب والحبة يعنى بالكسر يقال فى بزور الرياحين وحبة القلب تشبيها بالحبة فى الهيئة وَنَباتاً كثيرا يعتلف به اى يكون علفا للحيوان كالتبن والحشيش كما قال تعالى كلوا وارعوا انعامكم وتقديم الحب مع تأخره عن النبات فى الإخراج لاصالته وشرفه لان غالبه غذآء الناس ويقال لنخرج به لؤلؤا وعشبا قال عكرمة ما انزل الله قطرة الا أنبت بها عشبة فى الأرض او لؤلؤة فى البحر انتهى وهو مخالف للمشهور من ان اللؤلؤ لا يتكون من كل مطر بل من المطر النازل فى نيسان الا ان يعمم اللؤلؤ الى الدر وغيره وَجَنَّاتٍ ليتفكه بها الإنسان والجنة فى الأصل هى السترة من مصدر جنه إذا ستره تطلق على النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه وعلى الأرض ذات الشجر قال الفراء الجنة ما فيه النخيل والفردوس ما فيه الكرم والمراد هنا هو الأشجار لا الأرض أَلْفافاً اى ملتفة تداخل بعضها فى بعض وهذا من محسنات الجنان كما ترى فى بساتين الدنيا وبالفارسية درهم پيچيده يعنى بسيار وبيكديكر نزديك. قالوا لا واحد له كالاوزاع والاخياف الأوزاع بمعنى الجماعات المتفرقة كالاخياف فانه ايضا بمعنى الجماعات المتفرقة المختلطة ومنه الاخياف للاخوة من آباء شتى وأمهم واحدة او الواحد لف ككن وأكنان او لفيف كشريف واشراف وهو جمع لف جمع لفاء كخضر وخضرآء فيكون ألفافا جمع الجمع او جمع ملتفة بحذف الزوائد قال ابن الشيخ قدم ذا الحب لانه هو الأصل فى الغذاء وثنى بالنبات لاحتياج سائر الحيوانات اليه وأخرت الجنات لانعدام الحاجة الضرورية الى الفواكه. واعلم ان فيما ذكر من أفعاله تعالى دلالة على صحة البعث وحقيته من وجوه ثلاثة الاول باعتبار قدرته تعالى فان من قدر على إنشاء هذه الافعال البديعة من غير مثال يحتذيه وقانون ينتحيه كان على الاعادة اقدر وأقوى والثاني باعتبار علمه وحكمته فان من أبدع هذه المصنوعات على نمط رائق مستتبع لغايات جليلة ومنافع جميلة عائدة الى الخلق يستحيل ان يفنيها بالكلية ولا يجعل لها عاقبة باقية والثالث باعتبار نفس الفعل فان اليقظة بعد لنوم أنموذج للبعث بعد الموت يشاهدونها كل يوم وكذا إخراج الحب والنبات من الأرض الميتة يعاينونه كل حين كأنه قيل ألم تفعل هذه الافعال الآفاقية والانفسية الدالة بفنون الدلالات على حقية البعث الموجبة للايمان به فما لكم تخوضون فيه إنكارا ونتساءلون عنه استهزاء وفى التأويلات النجمية وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا اى من سموات الأرواح بتحريك نفحات الألطاف مياه العلوم الذاتية والحكم الربانية صبا صبا لتخرج به حبا ونباتا اى أنزلنا من سبحائب سموات أرواحكم على ارض قلوبكم ماء العلوم والحكم لتخرج به حب المحبة الذاتية ونبات الشوق والاشتياق والود والانزعاج والعشق وأمثالها وجنات
على وجوههم فأكلة الربا والتنكيس تعكيس هيئة القيام على الرجل بأن يجعل الرجل أعلى والرأس أسفل وبالفارسية نگونسار كردن. واما العمى فالذين يجورون فى الحكم واما البكم فالمعجبون بأعمالهم واما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم أعمالهم واما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون جيرانهم واما المصلبون على جذوع من النار فالسعاة بين الناس الى السلطان يعنى غمازان وسعايت كنندكان بسلاطين وملوك. واما الذين هم اشدنتنا من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ويمنعون حق الله فى أموالهم واما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء جمع جبة وهو ثوب معروف وفى الحديث نشر على ترتيب اللف وبيان المناسبة بين معاصيهم وبين الصور التي يحشرون عليها يطلب من علم التعبير ثم انه فصل هيئات اهل المعاصي مع الأسباب المؤدية إليها لانه أهم إذ التخلية قبل التحلية واكتفى بالاشارة الاجمالية الى هيئات الصالحين بقوله من أمتي بمن التبعيضية والحاصل انه كما ان الأشقياء يحشرون على صور أعمالهم القبيحة كذلك السعداء يحشرون على صور أعمالهم الحسنة حتى يكون وجوه بعضهم كالقمر ليلة البدر او كالشمس على ما جاء فى صحيح الروايات وقال بعضهم المراد امة الدعوة فتعم اصناف الكفرة والمؤمنين لا امة الاجابة والا فالخوف على المؤمنين ايضا فى نهاية المرتبة. يقول الفقير الظاهر الثاني وهو ان المراد من الامة الأشقياء من اهل الاجابة دل عليه إرساله عليه السلام عينيه حين البيان وكذا بيان اصناف الأعمال من غير إدخال الكفر فيها إذ صور الكفرة أقبح مما ذكر فى الحديث على ما ذكر فى الاخبار الصحيحة ثم الحديث ذكره الثعلبي ونحوه فى التفاسير وقبله اهل الطرفين ولا عبرة بما ذهب اليه ابن حجر من انه ظاهر الوضع فانه من الجهل بحقيقة الأمر إذ يوم القيامة يوم ظهور الصفات كما دل عليه قوله تعالى يوم تبلى السرائر ولا شك ان لكل صفة صورة مناسبة لها حسنة او قبيحة ولم نكره أحد من العقلاء على انا وان سلمنا ان لفظ الحديث موضوع فمعناه صحيح مؤيد بالأخبار الصحيحة فيا أيها المؤمن لا تكن قاسى القلب كالحجر وكن ممن يتفجر من قلبه انهار الفيوض وينابيع الحكم واجتهد أن لا تكون ممن قيل فيه حفظت شيأ وغايت عنك أشياء فمن عباد الله المخلصين من يأخذ من الله بلا واسط الكتاب واسناده فانه مرتبة باقية الى يوم القيامة قل من وضع قدمه عليها فلذا كثر الإنكار وأكب الناس على الرسوم والظواهر من غير اطلاع على الحقائق والبواطن نسأل الله تعالى أن يجعلنا من اهل معرفته وَفُتِحَتِ السَّماءُ عطف على ينفخ بمعنى تفتح وصيغة الماضي للدلالة على التحقق اى شقت وصدعت من هيبة الله بعد أن كانت لا فطور فيها وبالفارسية وشكافته شود آسمان در ان روز فَكانَتْ پس باشد از بسيارى شكاف أَبْواباً ذات أبواب كثيرة لنزول الملائكة نزولا غير معتاد وهو المراد بقوله تعالى ويوم تشقق السماء بالغمام وهو الغمام الذي ذكر فى قوله تعالى هل ينظرون الا أن يأتيهم الله اى امره وبأسه فى ظلل من الغمام والملائكة وقيل المراد من الفتح الكشف بإزالتها من مكانها كما قال تعالى وإذا السماء كشطت ومن الأبواب الطرق والمسالك اى تكشط فصير مكانها طرقا
لا يسد هاشئ وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ المسير هو الله تعالى كما قال ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة اى وسيرت الجبال فى الجو بتسيير الله وتسخيره على هيئاتها بعد قلعها عن مقرها وبالفارسية ورانده شود كوهها در هوا. وذلك عند حشر الخلائق بعد النفخة الثانية ليشاهدوها ثم يفرقها فى الهولء وذلك قوله تعالى فَكانَتْ سَراباً السراب ما تراه نصف النهار كأنه ماء قال الراغب هو اللامع فى المفازة كالماء وذلك لانسرا به فى مرأى العين اى ذهابه وجريانه وكأن السراب فيما لا حقيقة له كالشراب فيما له حقيقة اى فصارت بتسييرها مثل السراب اى شيأ كلا شىء لتفرق اجزائها وانبثات جواهرها كقوله تعالى وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا اى غبارا منتشرا وهى وان اندكت وانصدعت عند النفخة الاولى لكن تسييرها كالسحاب وتسوية الأرض انما يكونان بعد النفخة الثانية قيل أول احوال الجبال الاندكاك والانكسار كما قال تعالى وحملت الأرض والجبال فد كتادكة واحدة وحالتها الثانية أن تصير كالعهن المنفوش وحالتها الثالثة أن تصير كالهباء وذلك بأن تنقطع وتتبدد بعد أن كانت كالعهن كما قال فكانت هباء منبثا وحالتها الرابعة أن تنسف وتقلع من أصولها لانها مع الأحوال المتقدمة غارة فى مواضعها والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها بإرسال الرياح عليها وهو المراد من قوله فقل ينسفها ربى نسفا وحالتها الخامسة ان الرياح ترفعها عن وجه الأرض فتطيرها فى الهولء كأنها غبار وهو المراد بقوله تعالى وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب اى تراها فى رأى العين ساكنة فى أماكنها والحال انها تمر مر السحاب التي تسيرها الرياح سيرا حثيثا وذلك ان الاجرام إذا تحركت نحوا من الانحاء لا تكاد تتبين حركتها وان كانت فى غاية السرعة لا سيما من بعيد والحالة السادسة أن تصير سرابا يقول الفقير فيه اشارة الى ازالة انانية النفوس وتعيناتها فانها عند القيامة الكبرى التي هى عبارة عن الفناء فى الله تصير سرابا حتى إذا جئتها لم تجدها شيأ ولكن العوام المحجوبون إذا رأوا اهل الفناء يأكلون مما يأكلون منه ويشربون مما يشربون منه يظنون ان نفوسهم باقية لبقاء نفوسهم لكنهم يظنون بهم الظن السوء إذ بينهم وبينهم بون بعيد قطعا وفاروق عظيم جدا لانهم أزالت رياح العناية والتوفيق جبال نفوسهم عن مقار أرض البشرية وجعلها الله متلاشية وفتحت سماء أرواحهم فكانت أبوابا كباب السر والخفي والأخفى فدخلوا من هذه الأبواب الى مقام او أدنى فكانوا مع الحق حيث كان الحق معهم ثم نزلوا من هذه الأبواب العالية الحقيقية الناظرة الى عالم الولاية فدخلوا فى أبواب العقل والقلب والمتخيلة والمفكرة والحافظة والذاكرة فكانوا فى مقام قاب قوسين مع الخلق حيث كان الخلق معهم فلم يحتجبوا بالخلق عن الحق الذي وهو جانب الولاية ولا بالحق عن الخلق الذي هو جانب النبوة فكانوا فى الظاهر مصداق قوله تعالى يوحى الى فأين المحجوبون عن مقامهم وانى لهم ادراك شأنهم وحقيقة أمرهم إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً اى انها كانت فى حكم الله وقضائه موضع رصد يرصد فيه ويرقب خزنة النار الكفار ليعذبوهم فيها فالمرصاد اسم للمكان الذي ير صدفيه كالنهاج اسم للمكان الذي ينهج فيه اى بسلك قال الراغب المرصاد موضع الرصد
كالمرصد لكن يقال للمكان الذي اختص بالترصد والترقب وقوله ان جهنم كانت مرصادا تنبيه على ان عليها مجاز الناس انتهى كأنه عمم المرصاد حيث ان الصراط محبس للاعداء وممر للاوليا والاول اولى لان الترصد فى مثل ذلك المكان الهائل انما هو للتعذيب وهو للكفار والأشقياء لِلطَّاغِينَ متعلق بمضمر هو إما نعت لمرصادا اى كائنا للطاغين وقوله تعالى مَآباً بدل منه اى مرجعا يرجعون اليه لا محالة واما حال من مأبا قدمت عليه لكونه نكرة ولو تأخرت لكانت صفة له قالوا الطاغي من طغى فى دينه بالكفر وفى دنياه بالظلم وهو فى اللغة من جاوز الحد فى العصيان والمراد هنا المشركون لما دل عليه ما بعده من الآيات وعدانهم لا يتناهى لكون اعتقادهم باطلا وكذا إذا لم يعتقدوا شيأ أصلا وان كان الاعتقاد صحيحا كالمؤمن العاصي فعذابه متناه لابِثِينَ فِيها حال مقدرة من المستكن فى للطاغين اى مقدرين اللبث فيها واللبث أن يستقر فى المكان ولا يكاد ينفك عنه يقال لبث بالمكان أقام به ملازما له أَحْقاباً ظرف للثهم وهو جمع حقب وهو ثمانون سنة او اكثر والدهر والسنة أو السنون كما فى القاموس وأصل الحقب من الترادف والتتابع يقال أحقب إذا أردف ومنه الحقيبة وهى الرفادة فى مؤخر القتب وكل ما شد فى مؤخر رحل او قتب فقد احتقب والمحقب المردف وفى تاج المصادر الاحقاب در حقيبه نهادن. ومنه الحديث فأحقبها على ناقة اى أردفها على حقيبة الرحل والارداف از پى فرا شدن واز پى كسى در نشستن ودر نشاندن فمعنى أحقابا دهورا متتابعة كلما مضى حقب تبعة حقب آخر الى غير نهاية فان الحقب لا يكاد يستعمل الا لا يراد تتابع الازمنة وتواليها كما قال ابو الليث انما ذكر أحقابا لان ذلك كان ابعد شىء عندهم فذكر وتكلم بما يذهب اليه اوهامهم ويعرفونها وهو كناية عن التأبيد اى يمكثون فيها ابدا انتهى دل عليه ان عمر رضى الله عنه سأل رجلا من هجر عن الاحقاب فقال ثمانون سنة كل يوم منها الف سنة انتهى فانهم انما يريدون بمثله التأبيد وكذا ما قال مجاهد ان الاحقاب ثلاثة وأربعون حقبا كل حقب سبعون خريفا كل خريف سبعمائة سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما واليوم ألف سنة من ايام الدنيا كما روى ابن عباس وابن عمر رضى الله عنهم وكذا لو أريد بالحقب الواحد سبعون ألف سنة اليوم منها ألف سنة كما روى عن الحبس البصري رحمه الله وقال الراغب والصحيح ان الحقبة مدة من الزمان مهمة اى لا ثمانون عاما وكذا قال فى لقاموس الحقبة بالكسر من الدهر مدة لا وقت لها انتهى والحاصل ان الاحقاب يدل على التناهى فهو وان كان جمع قلة لكنه بمنزلة جمع كثرة وهو الحقوب او بمنزلة الاحقاب المعرف بلام الاستغراق ولو كان فيه ما يدل على خروجهم منها فدلالته من قبيل المفهوم فلا يعارض المنطوق الدال على خلود الكفار كقوله تعالى يريدون ان يخرجوا من النار وما هم يخارجين منها ولهم عذاب مقيم لان المنطوق راجح على المفهوم فلا يعارضه وقال ابو حيان المدة منسوخة بقوله فلن نزيدكم الا عذابا انتهى وسيأتى وجوه اخر لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً جملة مبتدأة ومعنى لا يذوقون لا يحسون والا فأصل الذوق وجود الطعم و (قال الكاشفى) يعنى نمى نمايند الا أن يكون ذلك باعتبار الشراب والذوق فى التعارف وان كان للقليل فهو صالح للكثير
لوجود الذوق فى الكثير ايضا والمراد بالبرد ما يروحهم وينفس عنهم حر النار والا فهم يذوقون فى جهنم برد الزمهرير اى بردا ينتفعون به ويميلون اليه فتنكيره للنوعية قال قتادة كنى بالبرد عن الروح لما بالعرب من الحر حتى قالوا برد الله عيشك اى طيبه اعتبارا بما يجد الإنسان من اللذة فى الحر من البرد وقال الراغب اصل البرد خلاف الحرارة وبرد كذا إذا ثبت ثبوت البرد واختصاص الثبوت بالبرد كاختصاص الجركة بالحر وبرد الإنسان مات وبرده قتله ومنه السيوف لبوارد وذلك لما يعرض للميت من عدم الحرارة بفقدان الروح او لما عرض له من السكون وقولهم للنوم برد اما لما يعرض له من البرد فى ظاهر جلده لان النوم يبرد صاحبه ألا ترى ان العطشان إذا نام
سكن عطشه او لما يعرض له من السكون وقد علم ان النوم من جنس الموت وقوله تعالى لا يذوقون فيها بردا اى نوما حتى يستريحوا وبالفارسية تا آسايش يابند وبرودت كسب كنند انتهى بزيادة والمراد بالشراب ما يسكن عطشهم والا بمعنى لكن والحميم الماء الحار الذي انتهى حره. وآن آبيست كه چون نزديك روى آرند كوشت روى در ان ريزد و چون بخورد امعا واحشا پاره پاره شود. والغساق ما يغسق اى يسيل من جلود اهل النار ويقطر من صديدهم وقيحهم اخبر الله تعالى عن الطاغين بأنهم لا يذوقون فى جهنم شيأ ما من برد وروح ينفس عنهم حر النار ولا من شراب يسكن عطشهم ولكن يذوقون فيها حميما وغساقا فالاستثناء منقطع وقال الزجاج لا يذوقون فيها برد ريح ولا برد ظل ولا برد نوم فجعل البرد برد كل شىء له راحة فيكون قوله ولا شرابا بمعنى ولا ماء باردا تخصيصا بعد التعميم لكماله فى الترويح فيكون مجموع البرد والشراب بمعنى المروح فيكون قوله الا حميما وغساقا مستثنى منقطعا من البرد والشراب وان فسر الغساق بالزمهرير فاستثناؤه من البرد فقط دون الشراب لان الزمهرير ليس بما يشرب كما ان استثناء حميما من الشراب والتأخير لتوافق رؤوس الآي ويؤيد الاول قوله عليه السلام لو أن دلوا من غساق يهراق فى الدنيا لانتن اهل الدنيا وان فسر بما يسيل من صديدهم فالاستثناء من الشراب وعن ابن مسعود رضى الله عنه الغساق لون من ألوان العذاب وهو البرد الشديد حتى ان اهل النار إذا ألقوا فيه سألوا الله أن يعذبهم فى النار ألف سنة لمارأوه أهون عليهم من عذاب الزمهرير يوما واحدا وقال شهرين حوشب الغساق واد فى النار فيه ثلاثمائة وثلاثون شعبا فى كل شعب ثلاثمائة وثلاثون بيتا فى كل بيت اربع زوايا فى كل زاوية شجاع كأعظم ما خلق الله من الخلق فى رأس كل شجاع سم والشجاع الحية هذا وقد جوز بعضهم أن يكون لا يذوقون حالا من المنوي فى لابثين لا كلاما مستأنفا اى لابثين فيها أحقابا غير ذآئقين فيها شيأ سواهما ثم يبدلون بعد الاحقاب غير الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب فيكون حالا متداخلة ويكون قوله أحقابا ظرف لابثين المقيد بمضمون لا يذوقون وانتهاء هذا المقيد لا يستلزم انتهاء مطلق اللبث فهو توقيت للعذاب لا للمكث فى النار عن ابن مسعود رضى الله عنه لو علم اهل النار انهم يلبثون فى النار عدد حصى الدنيا لفرحوا ولو علم اهل الجنة انهم يلبثون فى الجنة عدد حضى الدنيا لحزنوا وايضا يجوز ان يكون أحقابا ظرفا منصوبا بلا يذوقون على قول من يرى تقديم معمول ما بعد لا عليها لا ظرفا
لقوله لابثين فحينئذ لا يكون فيه دلالة على تناهى اللبث والخروج حيث لم يكون أحقابا ظرف اللبث وايضا يجوز أن يكون أحقابا ليس بظرف أصلا بل هو حال من الضمير المستكن فى لابثين بمعنى حقين اى نكدين محرومين من الخير والبركة فى السكون والحركة على أن يكون جمع حقب بفتح الحاء وكسر القاف من حقب الرجل إذا حرم الرزق وحقب العام إذا قل خيره ومطره وقوله لا يذوقون فيها بردا تفسير لكدهم ولا يتوهم حينئذ تناهى مدة لبثهم فيها حتى يحتاج الى التوجيه هذا ما قالوه فى هذا المقام وروى عن عبد الله بن عمر وبن العاص رضى الله عنه انه قال سيأتى على جهنم يوم تصفق ابوابها اى يضرب بعضها بعضا وقد أسندت هذه الرواية الى ابن مسعود رضى الله عنه كما فى العرائس ويروى عنه انه قال ليأتين على جهنم زمان تخفق ابوابها ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا وفى العرائس ايضا وقال الشعبي جهنم اسرع الدارين عمر انا واسرعهما خرابا وفى الحديث الصحيح ينبت الجرجير فى قعر جهنم اى لانطفاء النار وارتفاع العذاب بمقتضى قوله سبقت رحمتى على غضبى كما فى شرح الفصوص لداود القيصري والجرجير بالكسر بقلة معروفة كما فى القاموس وقال المولى الجامى رحمه الله فى شرح الفصوص ايضا اعلم ان لاهل النار الخالدين فيها كما يظهر فى كلام الشيخ رضى الله عنه وتابعيه حالات ثلاثا الاولى انهم إذا دخلوها تسلط لعذاب على ظواهرهم وبواطنهم وملكهم الجزع والاضطراب فطلبوا أن يخفف عنهم العذاب او
أن يقضى عليهم او أن يرجعوا الى الدنيا فلم يجابوا الى طلباتهم والثانية انهم إذا لم يجابوا الى طلباتهم وطنوا أنفسهم على العذاب فعند ذلك رفع الله العذاب عن بواطنهم وخبت نار الله الموقدة التي تطلع على الافئدة والثالثة انهم بعد مضى الاحقاب ألفوا العذاب وتعودوا به ولم يتعذبوا بشدته بعد طول مدته ولم يتألموا به وان عظم الى أن آل أمرهم الى أن يتلذذوا به ويستعذبوه حتى لوهب عليهم نسيم من الجنة استكرهوه وتعذبوا به كالجعل وتأذيه برائحة الورد عافانا الله وجميع المسلمين من ذلك والجعل بضم الجيم وفتح العين دويبة تكون بالروث والجمع جعلان بالكسر وقال المولى رمضان والمولى صالح الدين فى شرح العقائد قال بعض الاسلاميين كل ما اخبر الله فى القرآن من خلود أهل الدارين حق لكن إذا ذبح كبش الموت بين الجنة والنار ونودى أهلهما بالخلود فيهما ايس اهل النار من الخلاص فاعتادوا بالعذاب فلم يتألموا به حتى آل أمرهم الى أن يتلذذوا به ولوهب عليهم نسيم الجنة استكرهوه وتعذبوا به كالجعل يستطيب الروث ويتألم من الورد فيصدق حينئذ قوله تعالى ان الله يغفر الذنوب جميعا على عمومه لارتفاع العذاب عنهم ويصدق ايضا قوله تعالى لا يخفف عنهم العذاب لان المراد العذاب المقدر لهم وقال بعض الاكامل فكما إذا استقرا هل دار الجمال فيها يظهر عليهم اثر الجمال ويتذوقون به دائما ابدا ويختفى جلال الجمال واثره بحيث يحسونه ولا يرونه ولا يتألمون به قطعا سرمدا فكذلك إذا استقر اهل دار الجلال فيها بعد مرور الاحقاب يظهر على بواطنهم اثر جمال الجلال ويتذوقون به أبدا ويختفى عنهم اثر نار الجلال بحيث
لا يحسونه ولا يرونه ولا يتألمون به سرمدا لكن ليس ذلك الا بعد انقطاع حراق النار بواطنهم وظواهرهم بمرور الاحقاب وكل منهم تحرقه النار ألف سنة من سنى الآخرة لشرك يوم واحد من ايام الدنيا والظاهر عليهم بعد مرور الاحقاب هو الحال الذي يدوم عليهم أبدا وهو الحال الذي كانوا عليه فى الأزل وما بينهما ابتلاءات رحمانية والابتلاء حادث قال تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون عصمنا الله وإياكم من دار البوار انتهى فهذه كلمات القوم فى هذه الآية ولا حرج فى نقلها ونحن لا نشك فى خلود الكفار وعذابهم أبدا فان كان لهم العذاب عذابا بعد مرور الاحقاب فقد بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون كما ان المعتزلي يقطع فى الدنيا بوجوب العذاب لغير التائب ثم قد يبدو له فى الآخرة ما لم يكن يحتسبه من العفو وسئل الشيخ الامام مفتى الامام عز الدين ابن عبد السلام بعد موته فى منام رآه السائل ما تقول فيما كنت تنكر من وصول ما يهدى من قراءة القرآن للموتى فقال هيهات وجدت الأمر بخلاف ما كنت أظن قالوا خلود اهل النار من الكفار لا معارض له فبقى على عمومه وخلود أهل الكبائر له معارض فيحمل على المكث الطويل فاهل الظاهر والباطن متفقون على خلود الكفار سوآء كانوا فرعون وهامان ونمرودا وغيرهم وانما اختلفوا فى ارتفاع العذاب عن ظواهرهم بعد مرور الاحقاب وكل تأول بمبلغ علمه والنص أحق ان يتبع قال حجة الإسلام الكفرة ثلاث فرق منهم من بلغه اسم تبينا عليه السلام وصفته ودعوته كالمجاورين فى دار الإسلام فهم الخالدون لا عذر لهم ومنهم من بلغه الاسم دون الصفة وسمع ان كذابا مسلما اسمه محمد ادعى النبوة ومنهم من لم يبلغه اسمه ولا رسمه وكل من هاتين الفرقتين معذور فى الكفر ونقل مثله عن الأشعري كذا فى شرح العقائد لمصلح الدين وقال المولى داود القيصري فى شرح الفصوص الوعيد هو العذاب الذي يتعلق بالاسم المنتقم وتظهر أحكامه فى خمس طوائف لا غير لان اهل النار اما مشرك أو كافر او منافق او عاص من المؤمنين وهو ينقسم الى الموحد العارف الغير العامل والمحجوب وعند تسلط سلطان المنتقم عليهم يتعذبون بنيران الجحيم وانواع العذاب غير مخلدة على اهله لانقطاعه بشفاعة الشافعين وآخر من يشفع وهو أرحم الراحمين جَزاءً وِفاقاً اى جوروا بذلك جزاء وفاقا لاعمالهم واخلاقهم كأنه نفس الوفاق مبالغة او ذا وفاق لها على حذف المضاف او وافقها وفاقا فيكون وفاقا مصدرا مؤكدا لفعله كجزآء والجملة صفة لجزآء وجه الموافقة بينهما انهم أتوا بمعصية عظيمة وهى الكفر فعوقبوا عقابا عظيما وهو التعذيب بالنار فكما انه لا ذنب أعظم من الشرك فكذا الاجزاء أقوى من التعذيب بالنار وجزاء سيئة سيئة مثلها فتوافقا وقيل كان وفاقا حيث لم يزد على قدر الاستحقاق ولم ينقص عنه قال سعدى المفتى اعلم ان الكفار لما كان من نيتهم الاستمرار على الكفر كما سيشير اليه قوله تعالى انهم كانوا لا يرجون حسابا إذ معناه انهم كانوا مستمرين على الكفر مع عدم توقع الحساب فوافقه عدم تناهى العذاب واللبث فيها أحقابا بعد احقاب ولما كانوا مبدلين التصديق الذي
يروح النفس ويثلج به الصدر بالتكذيب الذي هو ضده جوزوا بالحميم والغساق بدل ما يجعل للمؤمنين مما يروحهم من برد الجنة وشرابها وللمناسبة بين الماء والعلم يعبر الماء فى الرؤيا بالعلم وقال بعض اهل الحقائق ان جهنم الطبيعة الحيوانية يرصد فيها القوى البشرية وهى خزنة جهنم طبيعة ارباب النفوس الامارة والهوى المتبع للظالمين على نفوسهم بالاهوية والبدع والإباحة والزندقة والاتحاد والحلول والفضول مآبا لابثين فيها أحقابا الى وقت الانسلاخ عن حكم البشرية والتلبس بملابس الشريعة وخلع الطريقة والحقيقة لا يذوقون فيها برد اليقين برفع الحجاب عن وجه بشريتهم ولا شراب المحبة لانهما كهم فى محبة الدنيا بسبب جهنم الطبيعة الا حميما وغساقا يسيل من صديد طبيعتهم وقال القاشاني الا حميما من اثر الجهل المركب وغساقا من ظلمة هيئات محبة الجواهر الفاسقة والميل إليها جزاء موافقا لما ارتكبوه من الأعمال وقدموه من العقائد والأخلاق وذلك العذاب لفساد العمل والعلم فلم يعلموا صالحا رجاء الجزاء ولم يعلموا علما صالحا فيصدقوا بالآيات إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً تعليل لاستحقاقهم الجزاء المذكور وبيان لفساد قوتهم العملية اى كانوا ينكرون الآخرة ولا يخافون ان يحاسبوا بأعمالهم فلذا كانوا يقدمون على جميع المنكرات ولا يرغبون فى شىء من الطاعات وفسر الرجاء بالخوف لان الحساب من أصعب الأمور على الإنسان والشيء الصعب لا يقال فيه انه يرجى بل يقال انه يخاف ويخشى وَكَذَّبُوا بيان لفساد قوتهم النظرية بِآياتِنا الناطقة بذلك وفى بعض التفاسير بآياتنا القولية والفعلية الظاهرة على ألسنة الرسل وأيديهم كِذَّاباً اى تكذيبا مفرطا ولذلك كانوا مصرين على الكفر وفنون المعاصي فعوقبوا بأهول العقاب جزاء وفاقا وفعال من باب فعل شائع فيما بين الفصحاء مطرد مثل كلم كلاما قال صاحب الكشاف وسمعنى بعضهم أفسر آية فقال لقد فسرتها فسارا ما سمع بمثله قال بعضهم وأبدل من أحد حرفى تضعيف بعض الأسماء ياء لئلا يلتبس بهذا المصدر المشدد مثل الدينار فان أصله الدنار ومثل السينات فى قول عمر بن عبد العزيز لكاتبه فى بسم الله طول الباء واظهر السينات ودور الميم فان أصله السنات جمع السن لاجمع السين لانه ليس فى البسملة الا سين واحدة ويجوز ان يقال عبر عن السن بالسين مبالغة كأنه قيل اجعل سنة كسينه فى الإظهار كما ذهب اليه الشريف وَكُلَّ شَيْءٍ اى وأحصينا كل شىء من الأشياء التي من جملتها أعمالهم فانتصابه بمضمر يفسره قوله أَحْصَيْناهُ اى حفظناه وضبطناه وذلك اى انتصابه بالاضمار على شريطة التفسير هو الراجح لتقدم جملة فعله ولا يضره كون هذه الجملة معترضة كما سيجيئ او لان المقصود المهم هنا الاخبار عن الإحصاء لا الاخبار عن كل شىء كِتاباً مصدر مؤكد لاحصيناه من غير لفظه لما ان الإحصاء والكتابة من واد واحد أي يتشار كان فى معنى الضبط فكأنه قال وكل شىء أحصيناه إحصاء مساويا فى القوة والثبات بالعلم المقيد بالكتابة او كتبناه كتابا وأثبتناه اثباتا ويجوز ان يكون من الاحتباك حذف فعل الثاني بقرينة الاول ومصدر الاول بقرينة الثاني اى
أحصيناه أحصاه وكتبناه كتابا او هو اى كتابا حال بمعنى مكتوبا فى اللوح وفى صحف الحفظة والجملة اعتراض لتوكيد كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات بانهما محفوظان للمجازاة قال القاشاني وكل شىء من صور أعمالهم وهيئات عقائدهم ضبطناه ضبطا بالكتابة عليهم فى صحائف نفوسهم وصحائف النفوس السماوية فَذُوقُوا پس بچشيد عذاب دوزخ فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً فوق عذابكم والفاء فى فذوقوا جزائيه دالة على ان الأمر بالذوق مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات ومعلل به فيكون وكل شىء إلخ جملة معترضة بين السبب ومسببه تؤكد كل واحد من الطرفين لانه كما يدل على كون معاصيهم مضبوطة مكتوبة يدل على ان ما يتفرع عليها من العذاب كائن لا محالة مقدر على حسب استحقاقهم به وفى الالتفات المنبئ عن التشديد فى التهديد وإيراد لن المفيدة لكون ترك الزيادة من قبيل ما لا يدخل تحت الصحة من الدلالة على تبالغ الغضب ما لا يخفى وقد روى عن النبي عليه السلام ان هذه الآية أشد ما فى القرآن على اهل النار اى لان فيها الإياس من الخروج فكلما استغاثوا من نوع من العذاب أغيثوا بأشد منه فتكون كل مرتبة منه متناهية فى الشدة وان كانت مراتبه غير متناهية بحسب العدد والمدة وهذا لا يخالف قوله تعالى ولا يكلمهم الله لان المراد بالمنفي التكلم باللطف والإكرام لا بالقهر والجلال فان قيل هذه الزيادة ان كانت غير مستحقة كانت ظلما وان كانت مستحقة كان تركها فى أول الأمر إحسانا والكريم لا يليق به الرجوع فى إحسانه فالجواب انها مستحقة ودوامها زيادة لثقل العذاب وايضا ترك المستحق فى بعض الأوقات لا يوجب الإبراء والاسقاط حتى يكون إيقاعه بعده رجوعا فى الإحسان وايضا كانوا يزيدون كفرهم وتكذيبهم واذيتهم للرسول عليه السلام وأصحابه رضى الله عنهم فيزيد الله عذابهم لزيادة الاستحقاق فلا ظلم فان قيل قوله فذوقوا إلخ تكرار لانه ذكر سابقا انهم لا يذوقون إلخ قلنا انه تكرار لزيادة المبالغة فى تقرير الدعوى وهو كون العقاب جزاء وفاقا إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً شروع فى بيان محاسن احوال المؤمنين اثر بيان سوء احوال الكفرة على ما هو العادة القرآنية ووجه تقديم بيان حالهم غنى عن البيان اى ان للذين يتقون الكفر وسائر القبائح من اعمال الكفرة فوزا وظفرا بمباغيهم دل على هذا المعنى تفسيره بما بعده بقوله حدائق إلخ او موضع فوز فالمفاز على الاول مصدر ميمى وعلى الثاني اسم مكان فان قيل الخلاص من الهلاك أهم من الظفر باللذات فلم أهمل الأهم وذكر غير الأهم قلنا لان الخلاص من الهلاك لا يستلزم الفوز بالنعيم لكونه حاصلا لاصحاب الأعراف مع انهم غير فائزين بالنعيم بخلاف الفوز بالنعيم فانه يستلزم الخلاص من هلاك فكان ذكره اولى حَدائِقَ وَأَعْناباً اى بساتين فيها انواع الأشجار المثمرة وكروما وهو تخصيص بعد التعميم لفضلها قوله حدائق بدل من مفازا بدل الاشتمال ان كان مصدرا ميميا لان الفوز يدل عليه دلالة التزامية او البعض ان جعل مكانا جمع حديقة وهى الروضة ذات الأشجار ويقال الحديقة كل بستان عليه حائط أي جدار وفيه من النخل والثمار وفى المفردات الحديقة قطعة من الأرض ذات
ماء سميت تشبيها بحدقة العين فى الهيئة وحصول الماء فيها والأعناب جمع عنب بالفارسية انگور. قال بعضهم ذكر نفسها ولم يذكر شجرها وهو الكرم لان زيادة الشرف فيها لا فى شجرها وَكَواعِبَ جمع كاعب يقال كعبت المرأة كعوبا ظهر ثديها وارتفع ارتفاع الكعب اى نساء عذارى فلكت ثديهن اى استدارت وصارت كالكعب فى النتوء يقال فلك ثدى الجارية تفليكا اى استدار كفلكة المغزل ويقال لهن النواهد جمع ناهد وناهدة وهى المرأة كعب ثديها وبدا للارتفاع أَتْراباً لدات اى مستويات فى السن ولدة الرجل تربه وقرينه فى السن والميلاد والهاء عوض عن الواو الذاهبة من اوله لانه من الولادة قال الراغب اى لدات ينشأن معا تشبيها فى التساوي والتماثل بالترائب التي هى ضلوع الصدر ولوقوعهن على الأرض معا. در تفسير زاهدى آورده كه شانزده ساله باشند ومردان سى وسه ساله ودر اكثر تفاسير هست كه اهل بهشت از زنان ومردان سى وسه ساله خواهند بود.
والظاهر ما فى تفسير الزاهدي وهو كونهن بنات ست عشرة لكونها نصف سن الرجال وايضا دل عليه الوصف بالكعوب وهو ارتفاع ثديهن والمراد انهن بالغات تمام كمال النساء فى الحسن واللطافة والصلاح للمصاحبة والمعاشرة بحيث لا يكون فى سن الصغر حتى تضعف الشهوة لهن ولا فى سن الكبر حتى تنكسر الشهوة عنهن بل رواه الشباب اى ماؤه جار فيهن لم يشبن ولم يتغير عن حد الحسن حسنهن وانما ذكرن لان بهن نظام الدنيا ولطافة الآخرة من جهة التنعم الجسماني وَكَأْساً دِهاقاً اى مملوءة بالخمر فدهاقا بمعنى مدهقة وصفت به الكأس للمبالغة فى امتلائها يقال ادهق الحوض ودهقه ملأه لا يَسْمَعُونَ اى المتقون فِيها اى فى الحدائق لَغْواً وَلا كِذَّاباً اى لا ينطقون بلغو وهو ما يلغى ويطرح لعدم الفائدة فيه ولا يكذب بعضهم بعضا حتى يسمعوا شيأ من ذلك بخلاف حال اهل الدنيا فى مجالسهم لاسيما عند شربهم قال بعض اهل المعرفة لا يسمعون فيها كلاما الا من الحق فان من تحقق بالحق لا يسمعه الحق الا منه ولا يشهده سواه فى الدنيا والآخرة جَزاءً مِنْ رَبِّكَ مصدر مؤكد منصوب بمعنى ان للمتقين مفازا فانه فى قوة ان يقال جازى المتقين بمفاز جزاء عظيما كائنا من ربك على ان التنوين للتعظيم عَطاءً اى تفضلا وإحسانا منه تعالى إذ لا يجب عليه شى وذلك ان الله تعالى جعل الشيء الواحد جزاء وعطاء وهو غير ظاهر لان كونه جزاء يستدعى ثبوت الاستحقاق وكونه عطاء يستدعى عدم الاستحقاق فالجمع بينهما جمع بين المتنافيين لكن ذلك الاستحقاق انما يثبت بحكم الوعد لا من حيث ان الطاعة توجب الثواب على الله فذلك الثواب بالنظر الى وعده تعالى إياه بمقابلة الطاعة يكون جزاء وبالنظر الى انه لا يجب على الله لاحد شىء يكون تفضلا وعطاء وهذا بمقابلة قوله جزاء وفاقا لان جزاء المؤمنين من قبيل الفضل لتضاعفه وجزاء الكافرين من قبيل العدل وهو بدل من جزاء بدل الكل من الكل لان العطاء والجزاء متحدان ذاتا وان تغايرا فى المفهوم وفى جعله بدلا من جزاء نكتة لطيفة وهى ان بيان كونه عطاء تفضلا منه هو المقصود وبيان كونه جزاء وسيلة اليه فان حق البدل ان يكون مقصودا بالنسبة وذكر المبدل
اى بعتك يعنى انه صلة خطابا قدم عليه فانقلب بيانا والمعنى لا يملكون ان يخاطبوه تعالى من تلقاء أنفسهم كما ينبئ عنه لفظ الملك إذ المملوك لا يستحق على مالكه شيأ خطابا ما فى شىء ما لتفرده بالعظمة والكبرياء وتوحده فى ملكه بالأمر والنهى والخطاب والمراد نفى قدرتهم على ان يخاطبوه تعالى بشئ من نقص العذاب وزيادة الثواب من غير اذنه على ابلغ وجه وأكده كأنه قيل لا يملكون ان يخاطبوه بما سبق من الثواب والعقاب وبه يحصل الارتباط بين هذه الآية وبين ما قبلها من وعيد الكفار ووعد المؤمنين ويظهر منه ان نفى ان يملكوا خطابه لا ينافى الشفاعة باذنه قال القاشاني لانهم اى اهل الافعال لم يصلوا الى مقام الصفات فلا حظ لهم من المكالمة يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا اخر الملائكة هنا تعميما بعد التخصيص واخر الروح فى القدر تخصيصا بعد التعميم فالظاهر أن الروح من جنس الملائكة لكنه أعظم منهم خلقا ورتبة وشرفا إذ هو بمقابلة الروح الإنساني كما ان الملائكة بمقابلة القوى الروحانية ولا شك ان الروح أعظم من قواه التابعة له كالسلطان مع أمرائه وجنده ورعاياه وتفسير الروح بجبريل ضعيف وان كان هو مشتهرا بكونه روح القدس والروح الامين إذ كونه روحا ليس بالنسبة الى ذاته والا فالملائكة كلهم روحانيون وان كانوا أجساما لطيفة غير الأرواح المهمية وانما هو بالنسبة الى كونه نافخ الروح وحامل الوحى الذي هو كالروح فى الاحياء وقد اتفقوا على ان اسرافيل أعظم من جبريل ومن غيره فلو كان أحد يقوم صفا واحدا لكان هو اسرافيل دون جبرائيل والله اعلم بمراده من الروح وان اختلفت الروايات فيه هذا ما لاح لى فى هذا المقام بعون الملك العلام وصفا حال اى مصطفين لكثرتهم وقيامهم مما امر الله فى امر العباد وقيل هما صفان الروح صف والملائكة صف وقيل صفوف وهو الأوفق لقوله تعالى والملائكة صفا صفا ويوم ظرف لقوله تعالى لا يَتَكَلَّمُونَ وقوله تعالى إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً بدل من ضمير لا يتكلمون العائد الى اهل السموات والأرض الذين من جملتهم الروح والملائكة وهو أرجح لكون الكلام غير موجب والمستثنى منه مذكور وفى مثله يختار البدل على الاستثناء وذكر قيامهم واصطفافهم لتحقيق عظمة سلطانه تعالى وكبرياء ربوبيته وتهويل يوم البعث الذي عليه مدار الكلام من مطلع السورة الى مقطعها والجملة استئناف مقرر لمضمون قوله تعالى لا يتكلمون إلخ ومؤكد له على معنى ان اهل السموات والأرض إذا لم يقدروا يومئذ على ان يتكلموا بشئ من جنس الكلام الا من اذن الله له منهم فى التكلم وقال ذلك المأذون له قولا صوابا اى حقا صادقا او واقعا فى محله من غير خطأ فى قوله فكيف يملكون خطاب رب العزة مع كونه أخص من مطلق الكلام وأعز منه مراما وقيل الا من اذن إلخ منصوب على اصل الاستثناء والمعنى لا يتكلمون الا فى حق شخص اذن له الرحمن وقال ذلك الشخص صوابا اى حقا هو التوحيد وكلمة الشهادة دون غيره من اهل الشرك فانهم لم يقولوا فى الدنيا صوابا بل تفوهوا بكلمة الكفر والشرك واظهار الرحمن فى موقع الإضمار للايذان بأن مناط الاذن هو الرحمة البالغة لان أحدا يستحقه عليه تعالى وفى عرائس البقلى من كان كلامه فى الدنيا من حيث الأحوال
منه وسيلة اليه حِساباً صفة لعطاء بمعنى كافيا على انه مصدر أقيم مقام الوصف اى محسبا وقيل على حسب أعمالهم بأن يجازى كل عمل بما وعد له من الأضعاف من عشرة وسبعمائة وغير حساب فما وعده الله من المضاعفة داخل فى الحسب اى المقدار لان الحسب بفتح السين وسكونها بمعنى القدر والتقدير على هذا عطاء بحساب فحذف الجار ونصب الاسم قال بعض اهل المعرفة إذا كان الجزاء من الله لا يكون له نهاية لانه لا يكون على حد الأعواض بل يكون فوق الحد لانه ممن لا حد له ولا نهاية فعطاؤه لا حد له ولا نهاية وقال بعضهم العطاء من الله موضع الفضل لا موضع الجزاء فالجزآء على الأعمال والفضل موهبة من الله يختص به الخواص من اهل وداده وفى التأويلات النجمية ان للمتقين الذين يتقون عن نفوسهم المظلمة المدلهمة بالله وصفاته وأسمائه مفازا اى فوز ذات الله وصفاته حدائق روضات القلوب المنزهة الارضية وأعنابا أشجار المعاني والحقائق المثمرة عنب خمر المحبة الذاتية الخامرة عين العقل عن شهود الغير والغيرية وكواعب اترابا أبكارا اللطائف والمعارف وكأسا دهاقا مملوءة من شراب المحبة وخمر المعرفة لا يسمعون فيها لغوا من الهواجس النفسانية ولا كذابا من الوساوس الشيطانية جزاء من ربك عطاء حسابا اى فضلا تاما كافيا من غير عمل وقال القاشاني ان للمتقين المقابلين للطاغين المتعدين فى أفعالهم حد العدالة مما عينه الشرع والعقل وهم المتنزلون عن الرذائل وهيئات السوء من الافعال مفازا فوزا ونجاة من النار التي هى مآب الطاغين حدائق من جنان الأخلاق وأعنابا من ثمرات الافعال وهيئاتها وكواعب من صور آثار الأسماء فى جنة الافعال اترابا متساوية فى الترتيب وكأسا من لذة محبة الآثار مترعة ممزوجة بالزنجبيل والكافور لان اهل جنة الآثار والافعال لا مطمح لهم الى ماوراءها فهم محجوبون بالآثار عن المؤثر وبالعطاء عن المعطى عطاء حسابا كافيا يكفيهم بحسب هممهم ومطامح أبصارهم لانهم لقصور استعداداتهم لا يشتاقون الى ما ورلء ذلك فلا شىء ألذ لهم بحسب اذواقهم مما هم فيه رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا بدل من ربك والمراد رب كل شىء وخالقه ومالكه الرَّحْمنِ مفيض الخير والجود على كل موجود بحسب حكمته وبقدر استعداد المرحوم وهو بالجر صفة للرب وقيل صفة للاول وأياما كان ففى ذكر ربوبيته تعالى للكل ورحمته الواسعة اشعار بمدار الجزاء المذكور قال القاشاني اى ربهم المعطى إياهم ذلك العطاء هو الرحمن لان عطاياهم من النعم الظاهرة الجليلة دون الباطنة الدقيقة فمشربهم من اسم الرحمن دون غيره وفى التأويلات النجمية رب سموات الأرواح وارض النفوس وما بينهما من السر والقلب وأقواهما الروحانية هو الرحمن اى الموصوف بجميع الأسماء والصفات الجمالية والجلالية لوقوعه بين الله الجامع وبين الرحيم فله وجه الى الالوهية المشتملة على القهر وله ايضا وجه الى الرحيم الجمالي المحض لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً استئناف مقرر لما افادته الربوبية العامة من غاية العظمة والكبرياء واستقلاله تعالى بما ذكر من الجزاء والعطاء من غير أن يكون لاحد قدرة عليه وضمير لا يملكون لاهل السموات والأرض ومن فى منه صلة للتأكيد على طريقة قولهم بعت منك
والأحوال من حيث الوجد والوجد من حيث الكشف والكشف من حيث المشاهدة والمشاهدة من حيث المعاينة فهو مأذون فى الدنيا والآخرة يتكلم مع الحق على بساط الحرمة والهيبة ينقذ الله به الخلائق من ورطة الهلاك قال ابن عطاء الخالص ما كان لله والصواب ما كان على وجه السنة وقال بعضهم انما تظهر الهيبة على العموم لاهل الجمع فى ذلك اليوم واما الخواص واصحاب الحضور فهم ابدا بمشهد العز بنعت الهيبة وفيه اشارة الا ان الاسرار والقلوب وقواهم الكائنين بين سموات الأرواح وبين ارض النفوس لا يملكون أن يخاطبوا الحق فى شفاعة النفس الامارة والهوى المتبع بسبب لحمة النسب الواقع بينهم إذ الكل أولاد الروح والقالب كما لم يملك نوح عليه السلام أن يخاطب الحق فى حق ابنه كنعان بمعنى انه لم يقدر على انجائه إذ جاء الخطاب بقوله فلا تسألن ما ليس لك به علم ذلِكَ اشارة الى يوم قيامهم على الوجه المذكور ومحله الرفع على الابتداء خبره ما بعده اى ذلك اليوم العظيم الذي يقوم فيه الروح والملائكة مصطفين غير قادرين هم ولا غير هم على التكلم من الهيبة والجلال الْيَوْمُ الْحَقُّ اى الثابت المتحقق لا محالة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه وذلك لانه متحقق علما فلا بد أن يكون متحققا وقوعا كالصباح بعد مضى الليل وفيه اشارة الى انه واقع ثابت فى جميع الأوقات والأحايين ولكن لا يبصرون به لاشتغالهم بالنفس الملهية وهواها الشاغل فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً الفاء فصيحة تفصح عن شرط محذوف ومفعول المشيئة محذوف لوقوعها شرطا وكون مفعولها مضمون الجزاء وانتفاء الغرابة فى تعلقه بها حسب القاعدة المستمرة والى ربه متعلق بمآبا قدم عليه اهتماما به ورعاية للفواصل كأنه قيل وإذا كان الأمر كما ذكر من تحقق اليوم المذكور لا محالة فمن شاه أن يتخذ مرجعا الى ثواب ربه الذي ذكر شأنه العظيم فعل ذلك بالايمان والطاعة وقال قتادة مآبا اى سبيلا وتعلق الجاريه لما فيه من معنى الاقتضاء والإيصال وفى التأويلات النجمية مآبا اى مرجعا ورجوعا من الدنيا الى الآخرة ومن الآخرة الى رب الدنيا ولآخرة لانهما حرامان على اهل الله نَّا أَنْذَرْناكُمْ
اى بما ذكر فى السورة من الآيات الناطقة بالبعث وبما بعده من الدواعي او بها وبسائر القوارع الواردة فى القرآن والخطاب لمشركى العرب وكفار قريش لانهم كانوا ينكرون البعث وفى بعض التفاسير الظاهر عموم الخطاب كعموم من لان فى إنذار كل طائفة فائدة لهم ذاباً قَرِيباً
هو عذاب الآخرة وقربه لتحقق إتيانه حتما ولانه قريب بالنسبة اليه تعالى وممكن وان رأوه بعيدا وغير ممكن فيرونه قريبا لقوله تعالى كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا الاعشية او ضحاها وقال بعض اهل المعرفة العذاب القريب هو عذاب الالتفات الى النفس والدنيا والهوى وقال الشاقانى هو عذاب الهيئات الفاسقة من الأعمال الفاسدة دون ما هو أبعد منه من عذاب القهر والسخط وهو ما قدمت أيديهم وْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ
تثنية أصلها يدان سقطت نونها بالاضافة ويوم بدل من عذابا او ظرف لمضمر هو صفة له اى عذابا كائنا يوم ينظر المرء اى يشاهد ما قدمه من خير أو شر يعنى بازيابد كردارهاى
خود را از خير وشر. على ان ما موصولة منصوبة بينظر لانه يتعدى بنفسه وبإلى والعائد محذوف اى قدمته او ينظر اى شىء قدمت يداه على انها استفهامية منصوبة بقدمت متعلقة ينظر فالمرء عام للمؤمن والكافر لان كل أحد يرى عمله فى ذلك اليوم مثبتا فى صحيفته خيرا كان او شرا فيرجو المؤمن ثواب الله على صالح عمله ويخاف العقاب على سيئه واما الكافر فكما قال الله تعالى يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي
اى يا قوم فالمنادى محذوف ويجوز أن يكون بالمحض التحسر ولمجرد التنبيه من غير قصد الى تعيين المنبه وبالفارسية اى كاشكى من نْتُ تُراباً
فى الدنيا فلم اخلق ولم أكلف وهو فى محل الرفع على انه خبر ليت او ليتنى كنت ترابا فى هذا اليوم فلم ابعث كقوله يا ليتنى لم أوت كتابيه الى أن قال يا ليتها كانت القاضية وقيل يحشر الله الحيوان فيقتص للجماء من القرناء نطحتها اى قصاص المقابلة لا قصاص التكليف ثم يرده ترابا فيود الكافر حاله كما قال عليه السلام
لتؤدن الحقوق الى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء وهذا صريح فى حشر البهائم وإعادتها لقصاص المقابلة لا للجزاء ثوابا وعقابا وقيل الكافر إبليس يرى آدم وولده وثوابهم فيتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره حين قال خلقتنى من نار وخلقته من طين يعنى إبليس آدم را عيب مى كرد كه از خاك آفريده شده وخود را مى ستود كه من از آتش مخلوقم چون در ان روز كرامت آدم وثواب فرزندان مؤمن او مشاهده نمايد وعذاب وشدت خود را بيند آرزو برد كه كاشكى من از خاك بودمى ونسبت بآدم داشتمى اى درويش اين دبدبه وطنطنه كه خاكيانراست هيچ طبقه از طبقات مخلوقاترا نيست
خاك را خوار وتيره ديد إبليس كرد انكارش آن حسود خسيس
ماند غافل ز نور باطن او نشد اگه ز سر كامل او
بهر كنجى كه هست در دل خاك اين صدا داده اند در أفلاك
كه بجز خاك نيست مظهر كل خاك شو خاك تا برويد گل
واما مؤمنوا الجن فلهم ثواب وعقاب فلا يعودونه ترابا وهو الأصح فيكون مؤمنوهم مع مؤمنى الانس فى الجنة او فى الأعراف ونعيمهم ما يناسب مقامهم ويكون كفارهم مع كفار الانس فى النار وعذابهم بما يلائم شانهم وقيل هو تراب سجدة المؤمن تنطفئ به عنه النار وتراب قدمه عند قيامه فى الصلاة فيتمنى الكافر أن يكون تراب قدمه وفى التأويلات النجمية يوم ينظر المرء ما قدمت يد قلبه ويد نفسه من الإحسان والاساءة ويقول كافر النفس الساتر للحق يا ليتنى كنت تراب أقدام الروح والسير والقلب متذللة بين يديهم مؤتمرة لاوامرهم ونواهيهم وفى كشف الاسرار از عظمت آن روز است كه بيست و چهار ساعت شبانروز دنيا را بر مثال بيست و چهار خزانه حشر كنند ودر عرصات قيامت حاضر كردانند يكان يكان خزانه ميكشايند وبر بنده عرض ميدهند از آن خزانه بگشايند بربها وجمال ونور وضيا وآن آن ساعتست كه بنده در خيرات وحسنات وطاعات بود بنده چون
حسن ونور بهاى آن بيند چندان شادى وطرب واهتزاز برو غالب شود كه اگر انرا بر جمله دوزخيان قسمت كنند از دهشت آن شادى الم ودرد آتش فراموش كنند خزانه ديكر بگشايند تاريك ومظلم پر نتن ووحشت وآن آن ساعتست كه بنده در معصيت بوده وحق از ره ظلمت ووحشت آن كردار در آيد چندان فزع وهول ورنج وغم او را فرو كيرد كه اگر بر كل اهل بهشت قسمت كنند نعيم بهشت بر ايشان منغص شود خزانة ديكر بگشايند حالى كه درو نه طاعت بود كه سبب شادى است نه معصيت كه موجب اندوهست وآن ساعتى است كه بنده درو خفته باشد يا غافل يا بمباحات دنيا مشغول بوده بنده بر آن حسرت خورد وعين عظيم برو راه يابد همچنين خزائن يك يك ميكشايند وبرو عرضه ميكنند از ان ساعت كه در طاعت كرده شاد ميكردد واز آن ساعت كه درو معصيت كرده رنجور ميشود وبر ساعتى كه مهمل كذاشته حسرت وغبن ميخورد و چون كار مؤمن مقصر در ان روز اين باشد پس قياس كن كه حال كافر چكونه باشد در حسرت وندامت وآه وزارى. روى ابى بن كعب رضى الله عنه قال رسول الله ﷺ من قرأ عم يتساءلون سقاء الله برد الشراب يوم لقيامة وعن ابى الدرداء رضى الله عنه قال قال النبي عليه السلام تعلموا سوة عم يتساءلون عن النبأ العظيم وتعلموا ق والقرآن المجيد والنجم إذا هوى والسماء ذات البروج والسماء والطارق فانكم لو تعلمون ما فيهن لعطلتم ما أنتم عليه وتعلمتموهن وتقربوا الى الله بهن ان الله يغفر بهن كل ذنب الا الشرك بالله وعن ابى بكر الصديق رضى الله عنه قال قلت يا رسول الله لقد أسرع إليك الشيب قال شيبتنى هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت الكل فى كشف الاسرار وفيه اشارة الى ان من تعلم هذه السور ينبغى له أن يتعلم معانيها ايضا إذ لا يحصل المقصود الا به وتصريح بان هم الآخرة ومطالعة الوعيد واستحضاره يشيب الإنسان ولذا ذم الحبر السمين والقاري السمين از لم يكن سمينا الا بالذهول عما قرأه ولو استحضره وهم به لشاب من همه وذاب من غمه لان الشحم مع الهم لا ينعقد قال الشافعي رحمه الله ما أفلح سمين قط الا أن يكون محمد بن الحسن فقيل له ولم قال لانه لا يخلو العاقل من احدى حالتين اما أن يهم لآخرته ومعاده او لدنياه ومعاشه والشحم مع الهم لا ينعقد فاذا خلا من المعنيين صار فى حد البهائم بعقد الشحم تمت سورة النبأ بالعون الإلهي فى الثاني والعشرين من شهر الله المحرم من شهور سنة سبع عشرة ومائة وألف
السورة التالية
Icon