0:00
0:00

سورة عمّ
كذا في الخازن والخطيب. وتسمى سورة النبأ. وهي أربعون آية وقيل إحدى وأربعون آية وهي مكية عند الجميع.
وقال ابن عباس نزلت بمكة. وعن ابن الزبير ومثله.

بسم الله الرحمان الرحيم
﴿ عَمَّ يَتَسَاءلُونَ ﴾ أصله عن ما، فأدغمت النون في الميم لأن الميم تشاركها في الغنة، كذا قال الزجاج، وحذفت الألف ليتميز الخبر عن الاستفهام، وكذلك فيم وبم، ونحو ذلك، والمعنى عن أي شيء يسأل بعضهم بعضا.
قرأ الجمهور :عم بحذف الألف لما ذكرنا، وقرئ بإثباتها، ولكنه قليل لا يجوز إلا للضرورة، وقرئ بهاء السكت عوضا عن الألف، قال الزجاج، اللفظ لفظ الاستفهام والمعنى تفخيم القصة، كما تقول أي شيء تريد، إذا عظمت شأنه.
قال الشهاب :وهذا الاستفهام لا يمكن حمله على حقيقته لأن المطلوب به لا بد أن يكون مجهولا عند الطالب، فلذا جعل مجازا عن الفخامة، لأنه ورد على طريق مخاطبات العرب فالاستفهام بالنسبة إلى الناس.
وقال في النهر :هذا الاستفهام فيه تفخيم وتهويل وتقرير وتعجيب.
قال الواحدي قال المفسرون :" لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم وأخبرهم بتوحيد الله والبعث بعد الموت وتلا عليهم القرآن، جعلوا يتساءلون بينهم، يقولون ماذا جاء به محمد، وما الذي أتى به ؟ فأنزل لله عم يتساءلون " ١ قال الفراء التساؤل هو أن يسأل بعضهم بعضا كالتقابل، وقد يستعمل أيضا في أن يتحدثوا به وإن لم يكن بينهم سؤال. قال تعالى : ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ وهذا يدل على أنه التحدث. ومناسبتها لما قبلها ظاهرة لما ذكر في قوله : ﴿ فبأي حديث بعده ﴾ أي بعد هذا الحديث وهو القرآن وكانوا يتجادلون فيه ويتساءلون عنه فقال : ﴿ عمّ يتساءلون ﴾.
١ روى ابن جرير الطبري سبب النزول هذا عن الحسن ٣٠/ ١ وأورده السيوطي في "الدر" ٦/ ٣٠٥ وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن الحسن..
ثم ذكر سبحانه تساؤلهم عماذا وبينه فقال : ﴿ عن النبأ العظيم ﴾ أورده سبحانه أولا على طريقة الإستفهام مبهما لتتوجه إليه أذهانهم، وتلتفت إليه أفهامهم، ثم بينه بما يفيد تعظيمه وتفخيمه، كأنه قيل عن أي شيء يتساءلون، هل أخبركم به، ثم قيل بطريق الجواب ﴿ عن النبأ العظيم ﴾ على منهاج قوله : ﴿ لمن الملك اليوم، لله الواحد القهار ﴾ وإنما كان ذلك النبأ أي القرآن عظيما لأنه ينبئ عن التوحيد وتصديق الرسول، ووقوع البعث والنشور.
وقال الضحاك :يعني نبأ يوم القيامة وكذا قال قتادة.
وقد استدل على أن النبأ هو القرآن بقوله الآتي : ﴿ الذي هم فيه مختلفون ﴾ فإنهم اختلفوا في القرآن فجعله بعضهم سحرا وبعضهم شعرا وبعضهم كهانه وبعضهم قال هو أساطير الأولين، وأما البعث فقد اتفق الكفار إذ ذاك على إنكاره، ويمكن أن يقال أنه قد وقع الاختلاف في البعث في الجملة فصدق به المؤمنون، وكذب به الكافرون، وقد وقع الخلاف فيه من هذه الحيثية وإن لم يقع الاختلاف فيه بين الكفار أنفسهم على التسليم والتنزل.
ومما يدل على أنه القرآن قوله سبحانه : ﴿ قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون ﴾ ومما يدل على أنه البعث أنه أكثر ما كان يستنكره المشركون وتأباه عقولهم السخيفة.
وأيضا فطوائف الكفار قد وقع الاختلاف بينهم في البعث فأثبتت النصارى المعاد الروحاني، وأثبتت طائفة من اليهود المعاد الجسماني، وفي التوراة التصريح بلفظ الجنة باللغة العبرانية بلفظ جنعيذا بجيم مفتوحة ثم نون ساكنة ثم عين مهملة مكسورة ثم تحتية ساكنة ثم ذال معجمة بعدها ألف، وفي الإنجيل في مواضع كثيرة التصريح بالمعاد، وأنه يكون فيه النعيم للمطيعين، والعذاب للعاصين.
وقد كان بعض طوائف كفار العرب ينكر المعاد كما حكى الله عنه بقوله : ﴿ إن هذه إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما نحن بمبعوثين ﴾ وكانت طائفة منهم غير جازمة بنفيه بل شاكة فيه كما حكى الله عنهم بقوله : ﴿ إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ﴾ وما حكاه الله عنهم بقوله : ﴿ وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلي ربي إن لي عنده للحسنى ﴾ فقد حصل الاختلاف بين طوائف الكفر على هذه الصفة.
وقد قيل إن الضمير في قوله يتساءلون يرجع إلى المؤمنين والكفار لأنهم جميعا كانوا يتساءلون عنه :فأما المسلم فيزداد يقينا واستعدادا وبصيرة في دينه، وأما الكافر فاستهزاء وسخرية.
قال الرازي :ويحتمل أنهم يسألون الرسول ويقولون ما هذا الذي تعدنا به من أمر الآخرة، قال ابن عباس :النبأ العظيم القرآن، وهذا مروي عن جماعة من التابعين.
﴿ الذي هم فيه مختلفون ﴾ الموصول صفة للنبأ بعد وصفه بكونه عظيما فهو متصف بالعظم ومتصف بوقوع الاختلاف فيه.
﴿ كلا سيعلمون ﴾ ردع لهم وزجر، وهذا يدل على أن المختلفين فيه هم الكفار، و به يندفع ما قيل أن الخلاف بينهم وبين المؤمنين، فإنه إنما يتوجه الردع والوعيد إلى الكفار فقط، وقيل كلا بمعنى حقا.
ثم كرر الردع والزجر فقال : ﴿ ثم كلا سيعلمون ﴾ للمبالغة في التأكيد والتشديد في الوعيد، وقرأ الجمهور بالياء التحية في الفعلين على الغيبة، وقرئ بالفوقية على الخطاب، وقرأ الضحاك الأولى بالفوقية، وقرأ الثانية بالتحتية، قال الضحاك أيضا ﴿ كلا سيعلمون ﴾ يعني الكافرين عاقبة تكذيبهم ﴿ ثم كلا سيعلمون ﴾ يعني المؤمنين عاقبة تصديقهم، وقيل بالعكس، وقيل هو وعيد بعد وعيد.
وقيل :المعنى ﴿ كلا سيعلمون ﴾ عند النزع ما يحل بهم ﴿ ثم كلا سيعلمون ﴾ عند البعث لأنه يكشف لهم الغطاء حينئذ، وقيل الأول للبعث والثاني للجزاء.
وقال ابن مالك تأكيد لفظي ولا يضر توسط حرف العطف، قال السمين :والنحويون يأبون هذا ولا يسمونه إلا عطفا وإن أفاد التأكيد، قال زاده " ثم " موضوعة للتراخي الزماني وقد تستعمل في التراخي الرتبي كما هنا تشبيها لتباعد الرتبة بتباعد الزمان.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤: ﴿ كلا سيعلمون ﴾ ردع لهم وزجر، وهذا يدل على أن المختلفين فيه هم الكفار، و به يندفع ما قيل أن الخلاف بينهم وبين المؤمنين، فإنه إنما يتوجه الردع والوعيد إلى الكفار فقط، وقيل كلا بمعنى حقا.
ثم كرر الردع والزجر فقال : ﴿ ثم كلا سيعلمون ﴾ للمبالغة في التأكيد والتشديد في الوعيد، وقرأ الجمهور بالياء التحية في الفعلين على الغيبة، وقرئ بالفوقية على الخطاب، وقرأ الضحاك الأولى بالفوقية، وقرأ الثانية بالتحتية، قال الضحاك أيضا ﴿ كلا سيعلمون ﴾ يعني الكافرين عاقبة تكذيبهم ﴿ ثم كلا سيعلمون ﴾ يعني المؤمنين عاقبة تصديقهم، وقيل بالعكس، وقيل هو وعيد بعد وعيد.
وقيل :المعنى ﴿ كلا سيعلمون ﴾ عند النزع ما يحل بهم ﴿ ثم كلا سيعلمون ﴾ عند البعث لأنه يكشف لهم الغطاء حينئذ، وقيل الأول للبعث والثاني للجزاء.
وقال ابن مالك تأكيد لفظي ولا يضر توسط حرف العطف، قال السمين :والنحويون يأبون هذا ولا يسمونه إلا عطفا وإن أفاد التأكيد، قال زاده " ثم " موضوعة للتراخي الزماني وقد تستعمل في التراخي الرتبي كما هنا تشبيها لتباعد الرتبة بتباعد الزمان.

ثم ذكر سبحانه بديع صنعه وعظيم قدرته على البعث وأشار إلى الأدلة الدالة عليها وذكر منها تسعة ليعرفوا توحيده ويؤمنوا بما جاء به رسوله فقال : ﴿ ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا ﴾. أي قدرتنا على هذه الأمور المذكورة أعظم من قدرتنا على الإعادة بالبعث، فما وجه إنكاركم، لأنه قد تقرر أن الأجسام متساوية الأقدام في قبول الصفات والأعراض.
وهذا الجعل بمعنى الإنشاء والإبداع كالخلق خلا إنه مختص بالإنشاء التكويني، وفيه معنى التقدير والتسوية، وهذا عام له كما في الآية الكريمة، وقيل :الجعل بمعنى التصيير، والمهاد الوطاء والفراش كما في قوله : ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشا ﴾ قرأ الجمهور بالجمع، وقرئ مهدا.
والمعنى أنها كالمهد للصبي وهو ما يمهد له فينام عليه، وسمي الممهود بالمهد تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير، والأوتاد جمع وتد أي جعلنا الجبال أوتادا للأرض لتسكن ولا تتحرك كما ترسى الخيام بالأوتاد.
وفي هذا دليل على أن التساؤل الكائن بينهم هو عن أمر البعث لا عن القرآن ولا عن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كما قيل، لأن هذا الدليل إنما يصلح للاستدلال به على البعث.
ثم ذكر سبحانه بديع صنعه وعظيم قدرته على البعث وأشار إلى الأدلة الدالة عليها وذكر منها تسعة ليعرفوا توحيده ويؤمنوا بما جاء به رسوله فقال:
(ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً) أي قدرتنا على هذه الأمور المذكورة أعظم من قدرتنا على الإعادة بالبعث، فما وجه إنكاركم، لأنه قد تقرر أن الأجسام متساوية الأقدام في قبول الصفات والأعراض.
وهذا الجعل بمعنى الإنشاء والإبداع كالخلق خلا إنه مختص بالإنشاء التكويني، وفيه معنى التقدير والتسوية، وهذا عام له كما في الآية الكريمة، وقيل: الجعل بمعنى التصيير، والمهاد الوطاء والفراش كما في قوله: (الذي جعل لكم الأرض فراشاً) قرأ الجمهور بالجمع، وقرىء مهداً.
والمعنى أنها كالمهد للصبي وهو ما يمهد له فينام عليه، وسمي الممهود بالمهد تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير، والأوتاد جمع وتد أي جعلنا الجبال أوتاداً للأرض لتسكن ولا تتحرك كما ترسى الخيام بالأوتاد.
وفي هذا دليل على أن التساؤل الكائن بينهم هو عن أمر البعث لا عن القرآن ولا عن نبوة محمد ﷺ كما قيل، لأن هذا الدليل إنما يصلح للإستدلال به على البعث.
وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩)
﴿ وخلقناكم أزواجا ﴾ معطوف على المضارع المنفي داخل في حكمه، فهو في قوة أما خلقناكم، والمراد بالأزواج هنا الأصناف أي الذكور والإناث، وقيل المراد بها الألوان، وقيل يدخل في هذا كل زوج من المخلوقات من قبيح وحسن وطويل وقصير.
﴿ وجعلنا نومكم سباتا ﴾ قال الزجاج السبات أن ينقطع عن الحركة والروح في بدنه أي جعلنا نومكم راحة لكم، قال ابن الأنباري جعلنا نومكم قطعا لأعمالكم لأن أصل السبت القطع، وقيل أصله التمدد يقال سبتت المرأة شعرها إذا حلته وأرسلته، ورجل مسبوت الخلق أي ممدوده، والرجل إذا أراد أن يستريح تمدد فسمي النوم سباتا.
وفي المختار السبات النوم وأصله الراحة وبابه نصر. وفي المصباح السبات كغراب النوم الثقيل، وأصله الراحة يقال سبت يسبت من باب قتل وسبت بالبناء للمفعول غشي عليه وأيضا مات، ومن هنا قيل المعنى وجعلنا نومكم موتا، والنوم أحد الموتتين فالمسبوت يشبه الميت ولكنه لم يفارقه الروح، ومن هذا قوله : ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ﴾ الآية، وقوله : ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾.
﴿ وجعلنا الليل لباسا ﴾ أي نلبسكم ظلمته ونغشيكم بها كما يغشيكم اللباس، فشبه الليل باللباس، لأن في كل منهما سترا. فهو استعارة. وقال سعيد بن جبير والسدي أي سكنا لكم، وقيل المراد ما يستره عند النوم من اللحاف ونحوه وهو بعيد لأن الجعل وقع على الليل لا على ما يستتر به النائم عند نومه.
﴿ وجعلنا النهار معاشا ﴾ أي وقت معاش، والمعاش مصدر ميمي بمعنى المعيشة، وقع هنا ظرفا، وكل شيء يعاش به فهو معاش، والمعنى أن الله جعل لهم النهار مضيئا ليسعوا فيما يقوم به معاشهم وما قسمه الله لهم من الرزق.
﴿ وبنينا فوقكم سبعا شدادا ﴾ يريد سبع سموات قوية الخلق محكمة البناء لا يؤثر فيها مرور الزمان، ولهذا وصفها بالشدة وغلظ كل واحدة منها مسيرة خمسمائة عام كما ورد ذلك.
﴿ وجعلنا سراجا ﴾ منيرا ﴿ وهاجا ﴾ وقادا يعني الشمس، والوهاج المضيء المتلألئ من قولهم وهج الجوهر أي تلألأ، ويقال وهج يوهج كوجل يوجل وكوعد يعد، قال الزجاج الوهاج الوقاد، وهو الذي وهج يقال وهجت النار تهج وهجا ووهجانا، قال مقاتل جعل فيه نورا وحرا، والوهج يجمع النور والحرارة، وقال ابن عباس وهاجا مضيئا.
﴿ وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ﴾ المعصرات هي السحاب التي تنعصر بالماء ولم تمطر بعد كالمرأة المعتصرة التي قد دنا حيضها، كذا قال سفيان والربيع وأبو العالية والضحاك، وقال مجاهد ومقاتل وقتادة والكلبي هي الرياح، والرياح تسمى معصرات يقال أعصرت الريح تعصر إعصارا إذا أثارت العجاج، قال الأزهري هي الرياح ذوات الأعاصير، وذلك أن الرياح تستدر المطر، وقال الفراء المعصرات السحاب التي يتحلب منها المطر.
قال النحاس :وهذه الأقوال صحاح يقال للريح التي تأتي بالمطر معصرات، والرياح تلقح السحاب فيكون المطر، ويجوز أن تكون هذه الأقوال قولا واحدا ويكون المعنى وأنزلنا من ذوات المعصرات.
قال في الصحاح والمعصرات السحاب تعتصر بالمطر، وعصر القوم أي مطروا، قال المبرد يقال سحاب معصر أي ممسك للماء ويعتصر منه شيء بعد شيء.
وقال أبي بن كعب والحسن وابن جبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان :المعصرات السموات وقال ابن عباس :السحاب، وقال ابن مسعود :يبعث الله الريح فتحمل الماء فتمر به السحاب فتدر كما تدر اللقحة.
وقرأ ابن عباس ﴿ وأنزلنا من المعصرات بالرياح ﴾ وقيل المعصرات المغيثات والعاصر هو الغيت.
والثجاج هو المنصب بكثرة على وجه التتابع، يقال ثج الماء أي سال بكثرة وثجه أي سأله فيكون لازما ومتعديا، وبابه رد، ومطر ثجاج أي منصب جدا، والثج أيضا سيلان دماء الهدي، وفي الحديث " أحب العمل إلى الله العج والثج " فالعج رفع الصوت بالتلبية، والثج إراقة دماء الهدى.
وقال الزجاج :الثجاج الصباب، وقال ابن زيد ثجاجا كثيرا، وقال ابن عباس :منصبا، وقيل مدرارا متتابعا يتلو بعضه بعضا، وقال ابن مسعود الثجاج ينزل من السماء أمثال العزالي فتصرفه الرياح فينزل متفرقا.
﴿ لنخرج به حبا ونباتا ﴾ أي لنخرج بذلك الماء حبا يقتات به كالحنطة والشعير ونحوهما والنبات ما تأكله الدواب من الحشيش والتبن وسائر النبات والكلأ.
﴿ وجنات ألفافا ﴾ أي بساتين ملتف بعضها ببعض تتشعب أغصانها ولا واحد للألفاف كالأوزاع والأخياف، وقيل واحدها لف بكسر اللام وضمها، ذكره الكسائي، وقال أبو عبيدة :واحدها لفيف كشريف وأشراف، وروي عن الكسائي أنها جمع الجمع يقال جنة لفاء ونبت لف والجمع لف بالضم مثل حمر ثم يجمع على ألفاف، وقيل هو جمع ملتفة بحذف الزوائد.
وقال ابن عباس :ألفافا ملتفة، وقال يقول التف بعضها ببعض، قال الفراء :الجنة ما فيه النخيل، والفردوس ما فيه الكرم.
ولما أثبت الله البعث بالأدلة التسعة المتقدمة كأن سائلا سأل عن وقته ما هو فقال : ﴿ إن يوم الفصل ﴾. بين المحسن والمسيء، والمحق والمبطل، وأكده بأن لأنه مما ارتابوا فيه ﴿ كان ﴾ في علمه وحكمه ﴿ ميقاتا ﴾ أي وقتا ومجمعا وميعادا للأولين والآخرين يصلون فيه إلى ما وعدوا من البعث، وقيل معنى ميعادا أنه حد توقت به الدنيا وتنتهي عنده وقيل حد للخلائق ينتهون إليه أو منتهى معلوما لوقوع الجزاء أو ميعادا للثواب والعقاب.
﴿ يوم ينفخ ﴾ بدل من يوم الفصل أو بيان له مفيد لزيادة تفخيمه وتهويله وإن كان الفصل متأخرا عن النفخ ﴿ في الصور ﴾ هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، والمراد هنا النفخة الثانية التي تكون للبعث ﴿ فتأتون ﴾ من قبوركم إلى الموقف ﴿ أفواجا ﴾ أي زمرا وجماعات جماعات، وهي جمع فوج والفاء في ﴿ فتأتون ﴾ فصيحة تدل على محذوف أي فتأتون إلى موضع العرض عقيب ذلك أفواجا أي أمما مع كل أمة إمامهم.
﴿ وفتحت السماء ﴾ معطوف على ﴿ ينفخ ﴾ وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع أي فتحت لنزول الملائكة، وقال علي القارئ عطف على ﴿ فتأتون ﴾ أو حال أي والحال أنها قد فتحت، وقرئ بالتخفيف والتشديد وهما سبعيتان.
قال الشهاب المراد بالفتح ليس ما عرف من فتح الأبواب، وهو موافق لقوله ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ و ﴿ إذا السماء انفطرت ﴾ فإن القرآن يفسر بعضه بعضا، وعبر عن التشقيق بالفتح إشارة إلى كمال قدرته حتى كان تشقيق هذا الجرم العظيم كفتح الباب سهولة وسرعة ﴿ فكانت أبوابا ﴾ كما في قوله : ﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا ﴾ وقيل معنى فتحت قطعت فصارت قطعا قطعا كالأبواب، وقيل أبوابها طرقها، وقيل تنحل وتتناثر حتى تصير فيها أبواب وطرق، وقيل أن لكل عبد بابين في السماء باب لرزقه وباب لعمله، فإذا قامت القيامة انفتحت الأبواب.
وظاهر قوله : ﴿ فكانت أبوابا ﴾ أنها صارت كلها أبوابا، وليس المراد ذلك بل المراد أنها صارت ذات أبواب كثيرة.
﴿ وسيرت الجبال ﴾ عن أماكنها في الهواء كالهباء الذي هو الغبار وقلعت عن مقارها، وقيل معنى سيرت أنها نسفت من أصولها، ومثل هذا قوله : ﴿ وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ﴾ ﴿ فكانت سرابا ﴾ أي هباء منبثا يظن الناظر أنها سراب، وتخيل الشمس أنها ماء، والمعنى أن الجبال صارت كلا شيء كما أن السراب بظن الناظر أنه ماء وليس بماء.
ذكر سبحانه أحوال الجبال بوجوه مختلفة، ويمكن الجمع بينها بأن نقول أول أحوالها الإندكاك وهو قوله : ﴿ وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ﴾ وثاني أحوالها أن تصير كالعهن المنفوش كما في قوله : ﴿ وتكون الجبال كالعهن المنفوش ﴾ وثالث أحوالها أن تصير كالهباء وهو قوله : ﴿ وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا ﴾ ورابع أحوالها أن تنسف وتحملها الرياح كما في قوله : ﴿ وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر من السحاب ﴾ وخامس أحوالها أن تصير سرابا أي لا شيء كما في هذه الآية.
ثم شرع سبحانه في تفصيل أحكام الفصل فقال : ﴿ إن جهنم كانت مرصادا ﴾ قال الأزهري المكان الذي يرصد الراصد فيه العدو، وقال المبرد مرصادا يرصدون به أي هو معد لهم يرصد به خزنتها الكفار، قال الحسن إن على الباب رصدا لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز عليهم، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ بجواز حبس وقال مقاتل محبسا، وقيل طريقا وممرا.
قال في الصحاح الراصد للشيء الراقب له، يقال رصده يرصده رصدا والرصد الترقب، والمرصد موضع الرصد، قال الأصمعي رصدته أرصده ترقبته.
ومعنى الآية إن جهنم كانت في حكم الله وقضائه موضع رصد يرصد فيه خزنة النار الكفار ليعذبوهم فيها، أو هي في نفسها متطلعة لما يأتي إليها من الكفار كما يتطلع الرصد لمن يمر بهم، وبأتي إليهم، والمرصاد مفعال من أبنية المبالغة كالمعطار والمعمار، فكأنه يكثر من جهنم انتظار الكفار.
ثم ذكر من هي مرصد له فقال ﴿ للطاغين مئآبا ﴾. أي مرجعا يرجعون إليه، والمئآب المرجع يقال آب يؤوب إذا رجع، والطاغي من طغى بالكفر، وللطاغين نعت لمرصاد متعلق بمحذوف ومئآبا بدل من مرصادا، ويجوز أن يكون للطاغين في محل نصب على الحال من مئآبا قدمت عليه لكونه نكرة.
وانتصاب ﴿ لابثين فيها أحقابا ﴾ على الحال المقدرة من الضمير المستكن في الطاغين قرأ الجمهور لابثين بالألف، وقرئ بدون ألف، وانتصاب ( أحقابا ) على الظرفية أي ماكثين في النار ما دامت الأحقاب، وهي لا تنقطع، وكلما مضى حقب جاء حقب، وهي جمع حقب بضمتين وهو الدهر، والأحقاب الدهور، والحقب بضم الحاء وسكون القاف قيل هو ثمانون سنة.
وحكى الواحدي عن المفسرين أنه بضع وثمانون سنة، السنة ثلاثمائة وستون يوما اليوم ألف سنة من أيام الدنيا، وقال السدي الحقب سبعون سنة، وقال بشير بن كعب ثلاثمائة سنة، وقال ابن عمر أربعون سنة، وقيل ثلاثون ألف سنة.
قال الحسن الأحقاب لا يدري أحدكم هي، ولكن ذكروا أنها مائة حقب، والحقب الواحد منها سبعون ألف سنة، اليوم منها كألف سنة، قال ابن عباس أحقابا سنين.
وعن سالم بن أبي الجعد قال سأل علي بن أبي طالب :هلال الهجري ما تجدون الحقب في كتاب الله ؟ قال نجده ثمانين سنة كل سنة منها إثنا عشر شهر كل شهر ثلاثون يوما كل يوم ألف سنة، وعن ابن مسعود في الآية قال الحقب الواحد ثمانون سنة.
وعن أبي هريرة رفعه " قال الحقب ثمانون سنة والسنة ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم منها ألف سنة مما تعدون ".
وعن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم :" قال الحقب ألف شهر والشهر ثلاثون يوما والسنة إثنا عشر شهرا ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم ألف سنة مما تعدون فالحقب ثلاثون ألف ألف سنة " أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه قال السيوطي بسند ضعيف.
وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" والله لا يخرج من النار من دخلها حتى يمكث فيها أحقابا والحقب بضع وثمانون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما، واليوم ألف سنة مما تعدون "، قال ابن عمر :فلا يتكلن أحد أنه يخرج من النار " أخرجه البزار وابن مردويه والبيهقي.
وعن ابن عمرو قال :الحقب الواحد ثمانون سنة وعن ابن عباس مثله، وعن عبادة ابن الصامت قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الحقب أربعون سنة " أخرجه ابن مردويه.
وقيل الأحقاب وقت شربهم الحميم والغساق، فإذا انقضت فيكون لهم نوع آخر من العذاب، وعن خالد بن معدان في الآية وفي قوله ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ أنهما في أهل التوحيد من أهل القبلة.
وقيل إن الآية منسوخة بقوله : ﴿ فلن يزيدكم إلا عذابا ﴾ يعني أن العدد قد ارتفع، والخلود قد حصل، والأول أولى، وقيل الآية محمولة على العصاة الذين يخرجون من النار، والأولى ما ذكرناه أولا من أن المقصود بالآية التأييد لا التقييد، وحكى الواحدي عن الحسن أنه قال :والله ما هي إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر ثم أخر كذلك إلى الأبد.
﴿ لا يذوق فيها ﴾ حال من الضمير في ﴿ لابثين ﴾ أو صفة لأحقابا أو مستأنفة لبيان ما اشتملت عليه من أنهم لا يذوقون في جهنم أو في الأحقاب ﴿ بردا ﴾ ينفعهم من حرها ﴿ ولا شرابا ﴾ ينفعهم من عطشها.
﴿ إلا حميما ﴾ هو الماء الحار ﴿ وغساقا ﴾ هو صديد أهل النار، وقيل هو ماء يسيل من صديد أهل النار، والاستثناء منقطع عند من جعل البرد النوم، وبه قال الزمخشري، ويجوز أن يكون متصلا من قوله : ﴿ ولا شرابا ﴾ وبه قال أبو حيان، وقضية كلام الكواشي تجويز الأمرين، وقيل أنه بدل من ﴿ شرابا ﴾ وهو الأحسن لأن الكلام غير موجب.
وقال مجاهد والسدي وأبو عبيدة والكسائي والفضل بن خالد وأبو معاذ النحوي :البرد المذكور في هذه الآية النوم، قال الزجاج :أي لا يذوقون فيها برد ريح ولا ظل ولا نوم، فجعل البرد يشمل هذه الأمور، وإطلاق البرد على النوم لغة هذيل وسمي بذلك لأنه يقطع سورة العطش، ألا ترى أن العطشان إذا نام سكن عطشه ولأنه يقطع يبرد صاحبه، والعرب تقول منع البرد البرد يعني أذهب البرد النوم.
وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم :" سئل هل في الجنة نوم فقال :لا، النوم أخو الموت والجنة لا موت فيها " وكذلك النار وقد قال تعالى : ﴿ لا يقضي عليهم فيموتوا ﴾ وقيل البرد برد الشراب، والشراب الماء، وجعل الزجاج البرد برد كل شيء له راحة، وهذا ينفعهم. فأما الزمهرير فهو برد يتأذون به فلا ينفعهم فلهم منه من العذاب ما الله أعلم به، وقال الحسن وعطاء وابن زيد بردا أي روحا وراحة.
قرأ الجمهور غساقا بالتخفيف، وقرأ حمزة والكسائي بتشديد السين وهما سبعيتان، وقد تقدم تفسيره وتفسير الحميم والخلاف فيهما في سورة ( ص ).
عن ابن مسعود قال زمهرير جهنم يكون لهم من العذاب لأن الله يقول لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما، قال قد انتهى حره، وغساقا قد انتهى حره، وأن الرجل إذا أدنى الإناء من فيه سقط فروة وجهه حتى يبقى عظاما تقعقع.
﴿ جزاء وفاقا ﴾ أي موافقا لأعمالهم على أن ﴿ وفاقا ﴾ صفة لجزاء بتأويله باسم الفاعل، ويصح أن يكون على حذف مضاف أي إذا وفاق أو باق على مصدريته لقصد المبالغة، قال الفراء والأخفش :جازيهم جزاء وافق أعمالهم، وقال الزجاج :جوزوا جزاء وافق أعمالهم.
قال الفراء :الوفاق جمع الوفق، والوفق والموافق واحد، قال مقاتل وافق العذاب الذنب فلا ذنب أعظم من الشرك وعلى عذاب أعظم من النار، وقال الحسن وعكرمة :كانت أعمالهم سيئة فأتاهم الله بما يسوءهم.
﴿ إنهم كانوا لا يرجون حسابا ﴾ أي ثواب حساب، قال الزجاج كانوا لا يؤمنوا بالبعث فيرجون حسابهم. والجملة مستأنفة وتعليل لاستحقاقهم الجزاء المذكور.
﴿ وكذبوا بآياتنا كذابا ﴾ أي كذبوا بالآيات القرآنية أو كذبوا بما هو أعم منها تكذيبا شديدا، وفعال من مصادر التفعيل قال الفراء هي لغة فصيحة يمانية تقول كذبت وخرقت القميص خراقا.
قال في الصحاح هو أحد مصادر المشدد لأن مصدره قد يجئ على تفعيل مثل التكليم وعلى فعال مثل كذاب، وعلى تفعلة مثل توصية، وعلى مفعل مثل ومزقناهم كل ممزق.
وقرأ الجمهور كذابا بالتشديد وقرأ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بالتخفيف، قال أبو علي الفارسي التخفيف والتشديد جميعا مصدر المكاذبة، وقرأ ابن عمر كذابا بضم الكاف والتشديد جمع كاذب، قال أبو حاتم ونصبه على الحال، قال الزمخشري وقد يكون يعني على هذه القراءة بمعنى الواحد البليغ في الكذب تقول رجل كذاب كقولك حسان وبخال.
قرأ الجمهور ﴿ وكل شيء ﴾ بالنصب على الاشتغال أي وأحصينا كل شيء ﴿ أحصيناه ﴾ وقرأ أبو السماك برفعه على الابتداء وما بعده خبره، وهذه الجملة معترضة بين السبب والمسبب، وفائدة الاعتراض تقرير ما ادعاه من قوله ﴿ جزاء وفاقا ﴾.
وفي انتصاب قوله : ﴿ كتابا ﴾ أوجه.
أحدهما :أنه مصدر من معنى أحصينا أي إحصاء فالتجوز في نفس المصدر.
والثاني :أنه مصدر لأحصينا لأنه في معنى كتبنا، فالتجوز في نفس الفعل أي لالتقاء الإحصاء والكتب في معنى الضبط والتحصيل.
والثالث :أن يكون منصوبا على الحال أي مكتوبا في اللوح لتعرفه الملائكة، وقيل أراد ما كتبته الحفظة على العباد من أعمالهم، وقيل المراد به العلم لأن ما كتب كان أبعد من النسيان، والأول أولى لقوله : ﴿ وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ﴾.
﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ﴾ هذه الجملة مسببة عن كفرهم وتكذيبهم بالآيات، والأمر أمر إهانة وتحقير، قال الرازي هذه الفاء للجزاء فنبه على أن الأمر بالذوق بما تقدم شرحه من قبائح أفعالهم ومن الزيادة في عذابهم أنها كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلودا غيرها وكلما خبت النار زادهم الله سعيرا، قيل هذه أشد آية في القرآن على أهل النار كلما استغاثوا من نوع من العذاب أغيثوا بأشد منه.
قال الرازي وفي هذه الآية مبالغات منها التأكيد بلن، ومنها الالتفات، ومنها إعادة قوله فذوقوا بعد ذكر العذاب.
﴿ إن للمتقين مفازا ﴾ هذا شروع في بيان حال المؤمنين وما أعد الله لهم من الخير بعد بيان حال الكافرين وما أعد الله لهم من الشر، والمفاز مصدر بمعنى الفوز والظفر بالبغية والمطلوب والنجاة من النار، ومنه قيل للفلاة مفازة تفاؤلا بالخلاص منها، ويصلح أن يراد به الجنة على أنه مصدر ميمي بمعنى المكان أو بمعنى الحدث ويحتمل أن يفسر الفوز بالأمرين جميعا، لأنهم فازوا بمعنى نجوا من العذاب، وفازوا بما حصل لهم من النعيم، وفي المختار الفوز النجاة، وهو الهلاك أيضا، وعلى هذا فإطلاق المفازة على الفلاة الخالية من الماء حقيقي لأنها مهلكة، ومن معاني الفوز الهلاك كما رأيت
ثم فسر سبحانه هذا المفاز فقال :. ﴿ حدائق وأعنابا ﴾ وانتصابهما على أنهما بدل اشتمال من ﴿ مفازا ﴾ أو بدل كل من كل على طرق المبالغة بجعل نفس هذه الأشياء مفازا، ويجوز أن يكون النصب بإضمار اعني وإذا كان مفازا بمعنى الفوز فيقدر مضاف أي فوز حدائق، وهي جمع حديقة وهي البستان المحوط عليه فيه أنواع الشجر المثمر، والعناب جمع عنب أي كروم أعناب، والتكرير يدل على تعظيم ذلك العنب.
قال المحلي ﴿ وأعنابا ﴾ عطف على مفاز أي ذكرت بعد الحدائق تنويها لعظم شأنها وإلا فهي من جملة الحدائق، قال القاري وهذا بعيد جدا والظاهر عطفه على حدائق وكذا كواعب وكأسا انتهى.
﴿ وكواعب أترابا ﴾ الكواعب جمع كاعبة وهي الناهدة قال ابن عباس أي نواهد، يقال كعبت الجارية تكعب تكعيبا وكعوبا، ونهدت تنهد نهودا، والمراد أن لهم نساء كواعب تكعبت ثديهن وتفلكت حتى صارت كالكعب في صدورهن، أي استدارت مع ارتفاع يسير، قال الضحاك الكواعب العذارى، والأتراب الأقران في السن، وقد تقدم تحقيقه في سورة البقرة، وقال ابن عباس أي لدات مستويات.
﴿ وكأسا دهاقا ﴾ قال الحسن وقتادة وابن زيد :أي مترعة مملوءة، يقال أدهقت الكأس أي ملأتها، وقال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد ﴿ دهاقا ﴾ متتابعة يتبع بعضها بعضا، وقال زيد بن أسلم :دهاقا صافية، قال ابن عباس :دهاقا ممتلئا، وعنه قال :هي الممتلئة المترعة المتتابعة، وربما سمعت العباس يقول يا غلام إسقنا وأدهق لنا. وعنه قال ﴿ دهاقا ﴾ دراكا، وعنه قال إذا كان فيها خمر فهي كأس، وإذا لم تكن فيها خمر فليس بكأس.
﴿ لا يسمعون ﴾ حال من المتقين ﴿ فيها ﴾ أي في الجنة عند شرب الخمر وغيره من الأحوال ﴿ لغوا ﴾ وهو الباطل من الكلام ﴿ ولا كذابا ﴾ أي لا يكذب بعضهم بعضا قرأ الجمهور كذابا مشددا وقرأ الكسائي هنا مخففا، ووافق الجماعة على التشديد في الآية المتقدمة للتصريح بفعله المشدد هناك، وقد قدمنا الخلاف في كذابا هل هو من مصادر التفعيل أو من مصادر المفاعلة.
﴿ جزاء من ربك ﴾ أي جازاهم بما تقدم ذكره جزاء، قال الزجاج :المعنى جزاهم جزاء أي بمقتضى وعده وكذا ﴿ عطاء ﴾ أي وأعطاهم عطاء تفضلا منه، إذ لا يجب عليه شيء، وقيل عطاء بدل من جزاء أي بدل كل من كل، وفي إبداله منه نكتة لطيفة، وهي الدلالة على أن بيان كونه عطاء وتفضلا منه هو المقصود وبيان كونه جزاء وتفضلا منه هو المقصود وبيان كونه جزاء وسيلة له.
﴿ حسابا ﴾ قال أبو عبيدة كافيا فهو مصدر أقيم مقام الوصف أو باق على مصدريته مبالغة أو هو على حذف مضاف، وقال ابن قتيبة كثيرا، يقال أحسبت فلانا أي أكثرت له العطاء. قال الزجاج حسابا أي ما يكفيهم قال الأخفش يقال أحسبني كذا أي كفاني.
قال الكلبي حاسبهم فأعطاهم بالحسنة عشرا وقال مجاهد حسابا لما عملوه، فالحساب بمعنى القدر أي بقدر ما وجب له في وعد الرب سبحانه فإنه وعد للحسنة عشرا، ووعد لقوم سبعمائة ضعف، وقد وعد لقوم جزاء لا نهاية له ولا مقدار كقوله : ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾.
وقرأ أبو هاشم حسابا بفتح الحاء وتشديد السين أي كفافا قال الأصمعي تقول العرب حسبت الرجل بالتشديد إذا أكرمته، وفي القاموس حسبك درهم كفاك، وشيء حساب كاف ومنه ﴿ عطاء حسابا ﴾ وأحسبه كفاه وقرأ ابن عباس حسانا بالنون.
﴿ رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمان ﴾ قرئ بخفض رب والرحمان على أن رب بدل من ربك والرحمان صفة له، قرئ برفعهما على أن رب مبتدأ والرحمان خبره أو الرحمان صفته ولا يملكون خبره أو على أن رب خبر مبتدأ مقدر أي هو رب، والرحمان صفته، أو على أن رب مبتدأ والرحمان مبتدأ ثان ولا يملكون خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول.
وقرأ ابن عباس وحمزة والكسائي بخفض الأول ورفع الثاني على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو الرحمان، واختار هذه القراءة أبو عبيدة، وقال هذه أعدلها فخفض رب لقربه من ربك فيكون نعتا له، ورفع الرحمان لبعده منه على الاستئناف، وخبره قوله :
﴿ لا يملكون ﴾ أي الخلق ﴿ منه ﴾ تعالى أن يسألوا إلا فيما أذن لهم فيه ﴿ خطابا ﴾ بالشفاعة إلا بإذنه، وقيل الخطاب الكلام أي لا يملكون أن يخاطبوا الرب سبحانه خوفا إلا بإذنه، دليله ﴿ لا تكلم نفس إلا بإذنه ﴾ وقيل أراد الكفار وأما المؤمنون فيشفعون، والجملة مستأنفة مقررة لما تفيده الربوبية العامة من العظمة والكبرياء.
﴿ يوم يقوم الروح والملائكة ﴾ الظرف منتصب بلا يملكون أو بلا يتكلمون وقوله ﴿ صفا ﴾ منتصب على الحال أي مصطفين أو على المصدرية أي يصفون صفا، والجملة حالية أو مستأنفة لتقرير ما قبله.
واختلف في الروح على أقوال ثمانية فقيل أنه ملك من الملائكة أعظم من السموات السبع ومن الأرضين السبع ومن الجبال، وقيل هو جبريل، قاله الشعبي والضحاك وسعيد بن جبير، وقيل الروح جند من جنود الله ليسوا بملائكة قاله أبو صالح ومجاهد، وعن ابن عباس مثله مرفوعا وزاد لهم رؤوس وأيد وأرجل ثم قرأ هذه الآية، وقال هؤلاء جند وهؤلاء جند، أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه، وقيل هم أشراف الملائكة، قاله مقاتل بن حيان، وقيل هم حفظة على الملائكة قاله ابن أبي نجيح.
وقيل هم بنو آدم قاله الحسن وقتادة، وقيل هم أرواح بني آدم تقوم صفا وتقوم الملائكة صفا وذلك بين النفختين قبل أن ترد إلى الأجسام، قاله عطية العوفي، وقيل إنه القرآن قاله زيد بن أسلم، وقال ابن عباس هو ملك من أعظم الملائكة خلقا.
وعن ابن مسعود قال :الروح في السماء الرابعة وهو أعظم من السموات والجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة يخلق من كل تسبيحة ملكا من الملائكة يجيء يوم القيامة صفا واحدا١، أخرجه ابن جرير، وعن ابن عباس قال :{ إن جبريل يوم القيامة لقائم بين يدي الجبار ترعد فرائصه فرقا من عذاب الله يقول سبحانك لا إله إلا أنت ما عبدناك حق عبادتك ما بين منكبيه كما بين المشرق والمغرب، أما سمعت قول الله :
﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفا ﴾ ٢ أخرجه أبو الشيخ، وعنه قال يقول حين تقوم أرواح الناس مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ترد الروح إلى الأجساد، أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات.
﴿ لا يتكلمون ﴾ أي الخلائق ثم خوفا وإجلالا لعظمة الله جل جلاله من هول ذلك اليوم ولا يشفعون لأحد ﴿ إلا من أذن له الرحمان ﴾ بالشفاعة أو لا يتكلمون إلا في حق من أذن له الرحمان.
﴿ و ﴾ كان ذلك الشخص ممن ﴿ قال صوابا ﴾ قال الضحاك ومجاهد :صوابا يعني حقا وقال أبو صالح :لا إله إلا الله، وبه قال ابن عباس، وأصل الصواب السداد من القول والفعل، قيل لا يتكلمون يعني الملائكة والروح الذين قاموا صفا هيبة وإجلالا إلا من أذن له الرحمان منهم في الشفاعة، وهم قد قالوا صوابا، قال الحسن :إن الروح يقول يوم القيامة لا يدخل أحد الجنة إلا بالروح، ولا النار إلا بالعمل.
قال الواحدي :فهم لا يتكلمون يعني الخلق كلهم إلا من أذن له الرحمان وهم المؤمنون والملائكة، وقال في الدنيا صوابا أي شهد بالتوحيد.
قال البيضاوي :قوله لا يتكلمون إلخ تقرير وتأكيد لقوله : ﴿ لا يملكون ﴾ فإن هؤلاء الذين هم أفضل الخلائق وأقربهم من الله إذ لم يقدروا أن يتكلموا بما يكون صوابا كالشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه فكيف يملكه غيرهم.
١ ذكره السيوطي في "الدر" ٦/ ٣٠٩ من رواية ابن أبي حاتم وأبي الشيخ في "العظمة" وابن مردويه عن ابن عباس، والله أعلم بصحة سنده. وقد ذكر ابن كثير هذا المعنى عن ابن عباس موقوفا عليه، وذكره ابن كثير والشوكاني عن مجاهد وأبي صالح، ولعله مما تلقاه ابن عباس من الإسرائيليات. والله أعلم..
٢ روى هذا المعنى ابن جرير الطبري في "تفسيره" ٣٠/ ٢٢ عن ابن مسعود قال ابن كثير: وهذا قول غريب جدا..
والإشارة بقوله : ﴿ ذلك ﴾ إلى يوم قيامهم على تلك الصفة وهو مبتدأ وخبره ﴿ اليوم الحق ﴾ أي الكائن الواقع المتحقق الثابت وقوعه ﴿ فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا ﴾ أي مرجعا إليه بالعمل الصالح لأنه إذا عمل خيرا قربه إلى الله، وإذا عمل شرا باعده منه، قال قتادة مآبا سبيلا.
قال أبو السعود :الفاء فصيحة تفصح عن شرط محذوف ومفعول المشيئة محذوف، وقوله : ﴿ إلى ربه ﴾ أي إلى ثوابه، وهو متعلق بمآبا كأنه قيل وإذا كان الأمر كما ذكر من تحقق اليوم المذكور لا محالة فمن شاء أن يتخذ مرجعا إلى ثواب ربه الذي ذكر شأنه العظيم فعل ذلك بالإيمان والطاعة، وتعلق الجار به لما فيه من معنى الإفضاء والإيصال انتهى.
ثم زاد سبحانه في تخويف الكفار فقال : ﴿ إنا أنذرناكم ﴾ يا كفار مكة ﴿ عذابا قريبا ﴾ يعني العذاب في الآخرة وكل ما هو آت فهو قريب، ومثله قوله : ﴿ كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ﴾ كذا قال الكلبي وغيره، وقال قتادة هو عذاب الدنيا لأنه أقرب العذابين، قال مقاتل هو قتل قريش ببدر، والأول أولى لقوله :
﴿ يوم ينظر المرء ﴾ أي كل امرئ مسلما كان أو كافرا ﴿ ما قدما يداه ﴾ أي يشاهد كل ما قدمه من خير أو شر لقوله : ﴿ ذوقوا عذاب الحريق، ذلك بما قدمت أيديكم ﴾ وتخصيص الأيدي لأن أكثر الأعمال يقع بها، وإن احتمل أن لا يكون للأيدي مدخل فيما ارتكب من الآثام، و " ما " موصولة أو استفهامية قال الحسن والمرء هنا هو المؤمن أي يجد لنفسه عملا، فأما الكافر فلا يجد لنفسه عملا فيتمنى أن يكون ترابا، وقيل المراد به الكافر على العموم، وقيل أبيّ بن خلف وعقبة بن أبي معيط، والأول أولى لقوله :
﴿ ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا ﴾ فإن الكافر واقع في مقابلة المرء. والمراد جنس الكافر يتمنى أن يكون ترابا لما يشاهده مما قد أعده الله له من أنواع العذاب. والمعنى أنه يتمنى أنه كان ترابا في الدنيا فلم يخلق ولم يكلف، أو ترابا يوم القيامة فلم يبعث، وقيل المراد بالكافر أبو جهل، وقيل أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وقيل إبليس، والأول أولى اعتبارا بعموم اللفظ ولا ينافيه خصوص السبب كما تقدم غير مرة، ووضع الظاهر موضع المضمر لزيادة الذم.
عن أبي هريرة :" قال يحشر الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير وكل شيء فيبلغ من عذاب الله أن يؤخذ للجماء من القرناء ثم يقول كوني ترابا فذلك حين يقول الكافر يا ليتي كنت ترابا " أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والنشور.
وأما الجن فقال أبو الزناد يعودون ترابا أيضا. وقال عمر بن عبد العزيز ومجاهد وغيرهما مؤمنو الجن حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها، والذي عليه الأكثرون أنهم مكلفون مثابون ومعاقبون، فالمؤمن يدخل الجنة، والكافر يدخل النار كبني آدم، ذكره الخطيب والله أعلم بالصواب.
السورة التالية
Icon