0:00
0:00

تفسير سورة النبأ
إثبات البعث وتعداد النعم الإلهية
لا تكاد تجد سورة مكية (أي نزلت في مكة قبل الهجرة) إلا وفيها حديث عن البعث، إما بالإثبات وغرس اليقين حوله، بالقسم أو بإيراد أدلة عقلية وحسية على إمكانه، وإما بوصف أهواله ومخاوفه وآثاره الخطيرة التي تنحصر في شيئين: دخول الجنان أو الزج بالنيران، لأن التشريع المكي عني غالبا بالعقائد، وأهمها توحيد الله ونبذ الشرك، وإثبات النبوة أو الرسالة والوحي، ووقوع القيامة، ووصف القيامة رهيب كما في مطلع سورة النبأ المكية اتفاقا:
[سورة النبإ (٧٨) :الآيات ١ الى ١٦]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤)
ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩)
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤)
لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» «١٢» «١٣» «١٤» [النبأ: ٧٨/ ١- ١٦].
(١) عن أي شيء يسأل المشركون مرارا رسول الله؟
(٢) عن خبر البعث.
(٣) ممهدة مذللة فراشا.
(٤) كالأوتاد وهي الأخشاب المغروزة في الأرض.
(٥) أصنافا ذكورا وإناثا.
(٦) راحة لأبدانكم.
(٧) كاللباس في الستر.
(٨) وقتا للمعيشة بالكسب والعمل.
(٩) قوية محكمة.
(١٠) مضيئا وقادا.
(١١) السحب والغيوم.
(١٢) مطرا صبابا كثير الهطول. [..... ]
(١٣) الحب: ما يقتات به الإنسان كالحنطة والشعير، والنبات: ما تقتات به الدواب.
(١٤) بساتين ملتفة الأشجار.
ينكر الله تعالى على المشركين المكيين وجميع العالم تساؤلهم عن القيامة، فعن أي شيء يسأل بعضهم بعضا؟ عن الخبر المهم العظيم الشأن، الذي اختلفوا في أمره، بين مكذب ومصدق، وكافر ومؤمن به، ومنكر ومقر، وشاكّ ومثبت: وهو يوم البعث من القبور بعد الموت. والمراد من الاستفهام: تفخيم الأمر وتعظيمه. وقوله تعالى: عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) متعلق ب يَتَساءَلُونَ، كأنه تعالى قال: لم يتساءلون عن هذا النبأ؟
كلا: كلمة ردع لهم وزجر، لا ينبغي لهم أن يختلفوا في شأن البعث، فهو حق لا ريب فيه، وليرتدعوا عن التساؤل، فإن جميع العالم سيعلمون عاقبة تكذيبهم أو إنكارهم. وكلمة (كلا) الثانية تأكيد للجملة الأولى. وهذا تهديد ووعيد. والبعث قائم حتما بقدرة الله، ومن مظاهر قدرته تعالى:
- كيف تنكرون البعث؟ وقد شاهدتم أدلة قدرة الله التامة، من جعل الأرض ممهدة مذللة للخلائق، كالمهد للصبي: وهو ما يمهد له من الفراش، للنوم والراحة، وجعل الجبال الراسيات كالأوتاد للأرض، لتسكن ولا تتحرك، وتهدأ ولا تضطرب بأهلها.
- وأوجدناكم في هذا العالم أصنافا: ذكورا وإناثا، لتحقيق التكاثر وإبقاء النوع الإنساني، وليتم التعاون والأنس بين الصنفين.
- وجعلنا نومكم راحة لأبدانكم، وقطعا لأعمالكم المتعبة في النهار، فبالنوم تتجدد القوى، وينشط العقل والجسد. والسبات: الانقطاع عن الحركة. وجعلنا الليل المظلم الهادئ سكنا تسكنون فيه، وكاللباس الذي يغطي بظلامه الأشياء والأجسام، فكما أن اللباس يغطي الجسد ويقيه من الحر والبرد، ويستر العورات، كذلك الليل يستتر فيه من أراد الاختفاء لقضاء مصالح لا تتوافر في النهار.
- وجعلنا وقت النهار مشرقا مضيئا، ليتمكن الناس من تحصيل أسباب المعيشة، والتكسب، والاتجار، والزراعة والصناعة، وممارسة الخدمات الفنية والعملية وغيرها.
- وبنينا فوقكم سبع سموات قوية الخلق، محكمة البناء، متقنة الصنع، مزينة بالكواكب الثوابت والسيارات المتنقلة، وجعلنا الشمس سراجا مضيئا على جميع العالم، ينشر الضوء والحرارة، ويستفيد منه كل الكائنات الحية.
- وأنزلنا من السحب القاطرة، والغيوم المتكاثفة التي تنعصر بالماء، ولم تمطر بعد، مطرا منصبا بكثرة وغزارة، كثير السيلان، لنخرج بذلك الماء الكثير الطيب النافع، حبا يقتات به الناس، مثل القمح والشعير والذرة، والأرز، ونباتا تأكله الدواب، من التبن والحشيش وسائر النباتات، وبساتين وحدائق ذات بهجة وأشجار وأغصان ملتفة على بعضها، وثمرات متنوعة، وألوان مختلفة، وطعوم وروائح متفاوتة، وإن كان ذلك في بقعة أرضية واحدة، يسقى من ماء واحد، وتتفاضل ثمارها في المأكل والتفكه، كما جاء في آية أخرى: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد: ١٣/ ٤].
والثجّاج: السريع الاندفاع، كما يندفع الدم من عروق الذبيحة، ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم- فيما أخرجه الترمذي عن ابن عمر-: «أفضل الحج: العجّ والثجّ». أي رفع الصوت بالتلبية، وصب دماء البدن وإراقتها، والمراد: التضرع بالدعاء الجهير، وذبح الهدي. والحب: جنس الحبوب الذي ينتفع به الحيوان. والنبات: الذي يستعمل رطبا لإنسان أو بهيمة، لذا ذكر الله تعالى موضع المنفعتين.
صفات يوم القيامة
يوم القيامة يوم عصيب رهيب حاسم، سمي يوم الفصل، وتحدد وقته بأجل معلوم بعلم الله تعالى وحده دون سواه، ولا يتقدم وقته ولا يتأخر، وعلامات ذلك اليوم كثيرة، منها نفخ الصور، وتصدع السماء، وتسيير الجبال عن أماكنها وصيرورتها هباء منبثا كالهواء. وليس بعد الموت والقيامة إلا أحد شيئين: إما الجنة للمتقين وإما النار للظالمين، كما تقرر الآيات الآتية:
[سورة النبإ (٧٨) :الآيات ١٧ الى ٣٠]
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١)
لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً (٢٦)
إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً (٣٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» [النبأ: ٧٨/ ١٧- ٣٠] إن يوم القيامة الذي يسمى بيوم الفصل، لأن الله تعالى يفصل فيه بين المؤمنين والكافرين، وبين الحق والباطل، كان مؤقتا بوقت محدد، وميعاد معين، للأولين والآخرين، للحساب والجزاء. والميقات: مفعال من الوقت، كميعاد من الوعد.
وعلاماته ثلاث:
- إنه اليوم الذي ينفخ فيه إسرافيل بالبوق أو القرن، فتأتون معشر الخلائق من قبوركم إلى موضع العرض زمرا زمرا، وجماعات جماعات متميزة، تأتي فيه كل أمة
(١) جماعات متميزة.
(٢) وتشققت السماء وتصدعت، وأزيلت الجبال من أماكنها.
(٣) فكانت كالسراب: وهو ما يظنه الرائي ماء.
(٤) موصد رصد.
(٥) للظالمين الكافرين المتجاوزين الحد في المعصية.
(٦) مرجعا ومأوى.
(٧) مددا متطاولة، لا نهاية لها.
(٨) الحميم: الماء الحار، والغساق: ما يسيل من أجساد أهل النار.
(٩) تكذيبا كثيرا.
(١٠) إحصاء مكتوبا.
مع رسولها، كما قال الله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [الإسراء: ١٧/ ٧١].
والصور: القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل لبعث الناس.
- وفيه تتصدع السماء وتتشقق، فصارت ذات أبواب كثيرة، وطرقا ومسالك لنزول الملائكة. وقوله: فَكانَتْ أَبْواباً معناه تنفطر وتتشقق حتى يكون فيها فتوح كالأبواب في الجدران.
- وفيه تزول الجبال عن مواضعها، وتتبدد في الهواء، فكانت هباء منبثا كالسراب: وهو ما يتخيله الناظر ماء، أي تدكّ أولا، ثم تصير كالصوف المندوف، ثم تتقطع وتتبدد وتصير كالهباء، ثم تنسف عن الأرض بالرياح.
والذي يلقاه الكافرون الضالون يومئذ هو النار، إن جهنم كانت في حكم الله وقضائه مرصدة معدة للطغاة الجبارين، ومرجعا ومأوى لهم، حال كونهم لابثين فيها (ماكثين) مددا طويلة من الزمان، تتعاقب الأحقاب (المدد) إثر بعضها، إلى الأبد. ومرصادا:
موضع الرصد، كما قال الله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) [الفجر: ٨٩/ ١٤].
وهذا دليل على أن جهنم كالجنة معدة مخلوقة الآن، لأن (مرصادا) معناه: معدّة.
والأحقاب جمع حقب وحقب وحقب، وهو جمع حقبة: وهي المدة الطويلة من الدهر غير محدودة.
- لا يذوق المعذبون في جهنم بردا يقيهم من الحر، أي لا يمسهم ما يستلذ ويكسر عذاب الحر، فالذوق مستعار، ولا يجدون شرابا يزيل العطش إلا الحميم: وهو الماء الحار الشديد الغليان، وإلا الغسّاق: وهو ما يسيل من أجساد أهل النار من قيح وصديد دائم السيلان.
وهذا الجزاء العدل موافق الذنب العظيم الذي ارتكبوه نوعا ومقدارا، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار، وقد كانت أعمالهم سيئة، فجوزوا
بمثلها، كما قال الله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: ٤٢/ ٤٠]. وقوله:
جَزاءً وِفاقاً (٢٦) معناه: لأعمالهم وكفرهم، أي هو جزاؤهم الجدير بهم، الموافق مع التحذير لأعمالهم، فهي كفر، والجزاء نار.
- إنهم اقترفوا الأعمال السيئة، والقبائح المنكرة، لأنهم لا يطمعون في ثواب، ولا يخافون من حساب، لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث، وقوله: إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) معناه لا يتوقعون ولا يخافون حسابا، أي إنهم كانوا لا يصدقون بالحساب، فهم لذلك لا يرجونه ولا يخافونه، وهو علة التأبيد في العذاب.
وإن الله تعالى يعلم بجميع أعمال العباد، فكتبها أو دوّنها عليهم سلفا الحفظة من الملائكة كتابة تامة شاملة، ومحصاة إحصاء منضبطا، ويكون المكتوب المسجل سابقا، مطابقا لما تكتبه الملائكة من الأعمال، وسيجزيهم الله تعالى على ذلك جزاء مناسبا، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وقوله: كِتاباً مصدر وضع في موضع إحصاء.
وقوله: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ يراد به: كل شيء شأنه أن يحصى، وفي هذا الخبر ربط لأجزاء القصة بأولها، أي هم مكذّبون كافرون، والله أحصى ذلك بالقول لهم في الآخرة، وقوله تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) قال أبو حيان في البحر المحيط: عام مخصوص، أي كل شيء مما يقع عليه الثواب والعقاب، وهي جملة اعتراضية.
ويقال لهم أثناء التعذيب تقريعا وتوبيخا: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً (٣٠) أي يقال لأهل النار، بسبب الكفر والتكذيب بالآيات، وقبح الأفعال: ذوقوا ما أنتم فيه من العذاب الأليم، فلن نزيدكم إلا عذابا من جنسه، قال عبد الله بن عمرو (وفي البحر المحيط: ابن عمر) :لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه الآية: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً (٣٠) أي فهم في مزيد من العذاب أبدا.
إن أوصاف يوم القيامة المرعبة، الفاصلة في مصائر الناس، وما يعقبها من
حساب وجزاء، تنبئ نبأ يقينيا بما يقع في المستقبل في عالم الآخرة، وتكاد تنخلع القلوب من مواضعها من شدة الأهوال، وألوان العذاب في نيران جهنم، علما بأنه حق عدل مطابق للأفعال والأقوال التي صدرت من الكافرين، وأردت بهم إلى جهنم.
أحوال السعداء يوم القيامة
لما ذكر الله تعالى حال أهل النار، عقّب بذكر حال أهل الجنة، ليتبين الفرق. فهم فائزون ناجون، حيث تخلصوا من النار، وأدخلوا الجنة، فضلا من الله وإحسانا.
والمتأمل في حال الفريقين يجد الفرق واسعا، فيرغب المؤمنون العقلاء بالجنة، ويرهبون المخالفة والعصيان، والتورط في أعمال أهل النار. وبيان حال الفريقين يشتمل على وعيد الكفار، ووعد المؤمنين الأخيار، كما يتضح من هذه الآيات:
[سورة النبإ (٧٨) :الآيات ٣١ الى ٤٠]
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥)
جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» [النبأ: ٧٨/ ٣١- ٤٠].
هذا مصير المؤمنين الطائعين، وهو أن للذين اتقوا ربهم بالعمل بأوامره،
(١) مكان فوز أو فوزا.
(٢) بدل من (مفازا) أي بساتين مثمرة الأشجار، مسورة بالجدران. [..... ]
(٣) جمع كاعب: وهي الفتاة المستديرة الثدي، والأتراب جمع ترب: ذوات السن الواحدة كاللدات.
(٤) إناء بلوريا مملوءا يشرب فيه، والدهاق: الممتلئ.
(٥) اللغو: ساقط الكلام، والكذاب: التكذيب.
(٦) إحسانا من الله كافيا على قدر أعمالهم.
(٧) جبريل.
(٨) مصطفين.
(٩) قولا صوابا.
(١٠) مرجعا.
(١١) كالتراب لم أخلق.
واجتناب نواهيه، مفازا أي موضع الفوز، لأنهم زحزحوا عن النار، وأدخلوا الجنة يتمتعون بالبساتين المسوّرة ذات الأشجار والثمار والأعناب اللذيذة الطعم، وبحوريات الجنة الكواعب النواهد، وذوات الأثداء التي لم تتكسر ولم تتدلّ، المتساويات في السن، ويتناولون الشراب اللذيذ بالكؤوس المترعة المملوءة بخمر الجنة غير المسكرة، وعطف الأعناب على الحدائق: عطف خاص على عام. لا يسمعون في الجنة الباطل من الكلام، ولا يكذّب بعضهم بعضا، مما يدل على نظافة البيئة وسموها الأدبي، لترتاح النفوس، ولا تخدش بالكلام الشاذ. جازاهم الله تعالى على إيمانهم وصالح أعمالهم، وأعطاهم ذلك عطاء، تفضلا منه وإحسانا، وهو كاف واف على قدر أعمالهم، إنجازا لوعد الله تعالى إياهم.
وهذا الرب المتفضل المجازي جزاء حسنا هو المتصف بالعظمة والجلال، ورب السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، وهو الرحمن الذي شملت رحمته كل شيء، ولا يقدر أحد على ابتداء خطابه إلا بإذنه، لجلاله وهيبته.
لا يملك الناس خطاب الله تعالى يوم يقوم جبريل عليه السّلام وجميع الملائكة مصطفين «١» صفوفا منتظمة، مع رفعة أقدارهم ودرجاتهم، لا يتكلمون أيضا في يوم القيامة الرهيب إلا بشرطين:
الأول- الإذن من الله بالشفاعة، كما جاء في آية أخرى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢/ ٢٥٥].
والثاني- أن يقول قولا صائبا: أي موافقا للحق والصدق إذا كان الإذن للشافع، وأن يكون ذلك المشفوع به ممن قال في الدنيا صوابا، أي شهد بالتوحيد بأن قال:
لا إله إلا الله، إذا كان الإذن للمشفوع له.
(١) عطف عام على خاص. ويوم ظرف لفعل (لا يتكلمون).
والروح: هو جبريل عليه السّلام في رأي الأكثرين، لقول الله عز وجل: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [الشعراء: ٢٦/ ١٩٣- ١٩٤]. والآية دليل على أن الملائكة وجبريل عليهم السّلام أعظم المخلوقات قدرا ومكانة، وعلى عظمة يوم القيامة ورهبته. وعطف الملائكة على جبريل: عطف عام لا خاص.
وذلك اليوم يوم القيامة هو اليوم الحق، أي الثابت الوقوع، المتحقق الذي لا ريب فيه، فمن أراد النجاة، اتخذ إلى ثواب ربه مرجعا وطريقا يهتدي إليه، ويقرّبه منه، ويدنيه من كرامته، ويباعده من عقابه، بالإيمان الحق والعمل الصالح.
ثم هدّد الله تعالى الكافرين، وحذّرهم وخوّفهم من ذلك اليوم يوم القيامة مرة أخرى. إننا يا أهل مكة وأمثالكم من الكفار، حذرناكم وخوفناكم عذابا قريب الوقوع، وهو في يوم القيامة، فإنه لتأكد وقوعه، صار قريبا، ولأن كل ما هو آت قريب، وفي هذا اليوم القريب الوقوع، ينظر كل امرئ ما قدم من خير أو شر في حياته الأولى في الدنيا، ويقول الكافر من شدة ما يعانيه من أنواع الأهوال والعذاب، كأبي بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وأبي جهل، وأبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي: ليتني كنت ترابا كالحيوانات، لم أخلق، فهو يتمنى أن لم يكن إنسانا موجودا أولا، ولا مبعوثا ثانيا أو مرة أخرى. وإنما تصير الحيوانات ترابا بعد الاقتصاص من بعضها لبعض.
وهاتان الآيتان الأخيرتان تدلان على أن الناس يكونون يوم القيامة فريقين: فريق المؤمنين المقربين من ثواب الله وكرامته ورضاه، وفريق الكافرين الجاحدين البعيدين من رحمة الله، الواقعين في صنوف العذاب.
فأي الفريقين أهدى سبيلا، وأرشد طريقا، وأسلم عاقبة، وأحسن قدوة؟! لو سئل صبي عاقل دون البلوغ عن الفرق لأجاب، ولما وسعه إلا اتباع أهل الإيمان والنجاة.
السورة التالية
Icon